← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

فرعون: ما غرق فرعون ولا أصحابه، ولكنهم في جزائر البحر يتصيدون، فأوحي إلى البحر أن الفظ فرعون عريانًا، فلفظه عريانًا أصلع أخيبس قصيرًا، فهو قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (١). الوجه الثالث: تأييد العلم الحديث ما أخبر به القرآن عن غرق فرعون . وها أنا أنقل هذه القصة بنصها عن أشهر الجراحين الفرنسيين (موريس بوكاي) رئيس قسم الجراحة في جامعة باريس، اعتنق الإسلام عام (١٩٨٢ م)، وكان من مهارته في الجراحة قصة عجيبة قلبت حياته وغيرت كيانه وهي: (اشتهر عن فرنسا أنها من أكثر الدول اهتمامًا بالآثار والتراث، وعندما تسلم الرئيس الفرنسي الاشتراكي الراحل (فرانسوا ميتران) زمام الحكم في البلاد عام (١٩٨١ م) طلبت فرنسا من (مصر) في نهاية الثمانينات استضافة مومياء (فرعون مصر) إلى فرنسا لإجراء اختبارات وفحوصات أثرية ومعالجة، فتم نقل جثمان أشهر طاغوت عرفته مصر، وهناك وعلى أرض المطار اصطف الرئيس الفرنسي منحنيًا هو ووزراؤه وكبار المسؤولين في البلد عند سلم الطائرة ليستقبلوا فرعون مصر، وتم نقله إلى جناح خاص في مركز الآثار الفرنسي ليبدأ بعدها أكبر علماء الآثار في فرنسا وأطباء الجراحة والتشريح دراسة تلك المومياء واكتشاف أسرارها، وكان رئيس الجراحين والمسؤول الأول عن دراسة هذه المومياء الفرعونية هو البروفيسور (موريس بوكاي)، وكان البروفيسور (موريس بوكاي) يحاول أن يكتشف كيف مات هذا الملك الفرعوني، وفي ساعة متأخرة من الليل ظهرت نتائج تحليله النهائي، لقد كانت بقايا الملح العالق في جسده أكبر دليل على أنه مات غريقًا، وأن جثته استخرجت من البحر بعد غرقه فورًا، ثم أسرعوا بتحنيط جثته لينجو بدنه، لكن ثمة أمرًا غريبًا ما زال يحيره؛ وهو كيف بقيت هذه الجثة دون باقي الجثث الفرعونية المحنطة أكثر سلامة من غيرها رغم أنها

стр. 3082

استخرجت من البحر؟ ! كان (موريس بوكاي) يُعد تقريرًا نهائيًا عما كان يعتقده اكتشافًا جديدًا في انتشال جثة فرعون من البحر وتحنيطها بعد غرقه مباشرة، حتى همس أحدهم في أذنه قائلًا: لا تتعجل فإن المسلمين يتحدثون عن غرق هذه المومياء، ولكنه استنكر بشدة هذا الخبر واستغربه، فمثل هذا الاكتشاف لا يمكن معرفته إلا بتطور العلم الحديث وعبر أجهزة حاسوبية حديثة بالغة الدقة، فقال له أحدهم: إن قرآنهم الذي يؤمنون به يروي قصة عن غرقه وعن سلامة جثته بعد الغرق، فازداد ذهولًا وأخذ يتساءل: كيف يكون هذا؟ وهذه المومياء لم تكتشف أصلًا إلا في عام (١٨٩٨) ميلادية أي: قبل مائتي عامٍ تقريبًا، بينما قرآنهم موجود قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام؟ ! وكيف يستقيم في العقل هذا والبشرية جمعاء وليس العرب فقط لم يكونوا يعلمون شيئًا عن قيام قدماء المصريين بتحنيط جثث فراعنتهم إلا قبل عقود قليلة من الزمان فقط؟ جلس (موريس بوكاي) ليلته محدقًا بجثمان فرعون يفكر بإمعان عما همس به صاحبه له من أن قرآن المسلمين يتحدث عن نجاة هذه الجثة بعد الغرق، بينما كتابهم المقدس (إنجيل متى ولوقا) يتحدث عن غرق فرعون أثناء مطاردته لسيدنا موسى ﵇ دون أن يتعرض لمصير جثمانه البتة. . . وأخذ يقول في نفسه: هل يعقل أن يكون هذا المحنط أمامي هو فرعون مصر الذي كان يطارد موسى؟ ! وهل يعقل أن يعرف محمدُهم هذا قبل أكثر من ألف عام وأنا للتو أعرفه؟ ! لم يستطعْ (موريس) أن ينام، وطلب أن يأتوا له بالتوراة فأخذ يقرأ في سفر الخروج من التوراة قوله: (فَرَجَعَ الْمَاءُ وَغَطَّى مَرْكَبَاتِ وَفُرْسَانَ جَمِيعِ جَيْشِ فِرْعَوْنَ الَّذِي دَخَلَ وَرَاءَهُمْ فِي الْبَحْرِ. لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ وَلَا وَاحِدٌ) (الخروج: ١٤/ ٢٨)، وبقي (موريس بوكاي) حائرًا، حتى الإنجيل لم يتحدث عن نجاة هذه الجثة وبقائها سليمة بعد أن تمت معالجة جثمان فرعون وترميمه أعادت فرنسا لمصر المومياء بتابوت زجاجي فاخر يليق بمقام فرعون،

стр. 3083

ولكن (موريس) لم يهنأ له قرار، ولم يهدأ له بال منذ أن هزَّه الخبر الذي يتناقله المسلمون عن سلامة هذه الجثة. فحزم أمتعته وقرر أن يسافر إلى المملكة السعودية لحضور مؤتمر طبي يتواجد فيه جمع من علماء التشريح المسلمين، وهناك كان أول حديث تحدثه معهم عما اكتشفه من نجاة جثة فرعون بعد الغرق. . . فقام أحدهم وفتح له المصحف وأخذ يقرأ له قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾ [يونس: ٩٢]. لقد كان وقع الآية عليه شديدًا، ورجت له نفسه رجةً جعلته يقف أمام الحضور ويصرخ بأعلى صوته: (لقد دخلت الإسلام وآمنت بهذا القرآن). رجع (موريس بوكاي) إلى فرنسا بغير الوجه الذي ذهب به، وهناك مكث عشر سنوات ليس لديه شغل يشغله سوى دراسة مدى تطابق الحقائق العلمية والمكتشفة حديثًا مع القرآن الكريم، والبحث عن تناقض علمي واحد مما يتحدث به القرآن ليخرج بعدها بنتيجة قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. كان من ثمرة هذه السنوات التي قضاها الفرنسي موريس أن خرج بتأليف كتاب عن القرآن الكريم هزَّ الدول الغربية قاطبة، ورج علماءها رجًا، لقد كان عنوان الكتاب: (القرآن والتوراة والإنجيل والعلم. . . دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة). . . فماذا فعل هذا الكتاب؟ من أول طبعة له نفد من جميع المكتبات (١). الوجه الرابع: تناقض في التوراة حول غرق فرعون . فقد ورد في التوراة أن فرعون لم يغرق، وأنه موجود فيها ما يدل على غرقه، وهذا هو التناقض الذي نسبه إلى القرآن، ونسأله هو أن يوفق بين المعنيين المتناقضين، وما يجيب به في التوفيق يكون إجابةً لنا.

стр. 3084

ففي الإصحاح الرابع عشر من سفر الخروج (١٤/ ٢٨): (فَرَجَعَ الْمَاءُ وَغَطَّى مَرْكَبَاتِ وَفُرْسَانَ جَمِيعِ جَيْشِ فِرْعَوْنَ الَّذِي دَخَلَ وَرَاءَهُمْ فِي الْبَحْرِ. لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ وَلَا وَاحِدٌ) وفي الإصحاح الخامس عشر من نفس السفر: (تُغَطِّيهِمُ اللُّجَجُ. قَدْ هَبَطُوا فِي الأَعْمَاقِ كَحَجَرٍ). وفي التوراة ما نصه: (ولا سبيل لنا هنا إلى الحكم بغرق فرعون، إذ لا دلالة عليا في هذا النبأ، ولا من قول المرنم) (مزمور ٥٣: ٧٨، ١١: ١٠٦)، وساق المفسرون أربع حجج على عدم غرقه، ومعنى قوله: إن قول المرنم لا يدل على غرقه هو أن داود ﵇ في المزمور ٧٨ والمزمور ١٠٦ قال كلامًا عن فرعون لا يدل صراحةً على غرقه؛ ونص (٣: ٧٨) هو: (أما أعدائهم فغمرهم البحر)، ونص (١١: ١٠٦) هو: (وَغَطَّتِ الْمِيَاهُ مُضَايِقِيهِمْ. وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَمْ يَبْقَ.). هذا عن عدم غرق فرعون، أما عن غرقه ففي المزمور (١٥: ١٣٦): (ودفع فرعون قوته في بحر يوسف، لأبه إلى الأبد رحمته)، وفي ترجمة أخرى: (أغرق فرعون وجيشه في البحر الأحمر إلى الأبد رحمته)، ومفسروا الزبور - وهم أنفسهم الذين صرحوا بعدم غرق فرعون - كتبوا عن فرعون: (فإن هذا الأخير قد حاول جهد المستطاع أن يرجع الإسرائيليين إلى عبوديتهم، فما تم له ما أراد، بل اندحر شر اندحار). فنحن نطالب المعترض أن يجيب أولًا عن هذا التناقض الموجود في كتابه الذي يؤمن به ثم يعترض على القرآن. * * * *

стр. 3085

٢ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ . نص الشبهة: قال تعالى في سورة (يونس: ٩٤): ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾. والسؤال: هذا حال كل مسلم عندما يرى الاختلافات بين القرآن والكتاب المقدس ويتساءل أين الحقيقة؟ عليه حسب هذه الوصية أن يسأل الذين يقرءون الكتاب أي: أهل الكتاب؟ وهذه وصية لا تطاع عند المسلمين، وكررها أيضًا في (الأنبياء: ٧): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ ثم إذا كان الله يتكلم إلى نبي الإسلام، لماذا يعطيه كلامًا فيه شك؟ وإذا سأل أهل الكتاب وقالوا له الحقيقة المغايرة لما كتب في القرآن ماذا يفعل؟ ! والرد من وجوه: الوجه الأول: ليس في الآية ما يدل على وقوع الشك ولا السؤال أصلًا؛ فإن الشرط لا يدل على وقوع المشروط، بل ولا على إمكانه، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾. (١) وقد يتعلق الحكم بشرط ممتنع لبيان حكمه، وذلك كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨]. فأخبر أنهم لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون مع انتفاء الشرك عنهم؛ بل مع امتناعه لأنهم قد ماتوا، ولأن الأنبياء معصومون من الشرك، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَئِنْ

стр. 3086

أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، والنبي ﷺ لم يكن شاكًا ولا سأل أحدًا منهم (١). وقد روي عن قتادة مرسلًا عن النبي ﷺ قال: "والله لا أشك ولا أسأل" (٢). الوجه الثاني: ذكر المفسرون أن الخطاب في الآية الكريمة إما أنه للنبي ﷺ ، وإما أنه لغير النبي ﷺ ، فإذا كان الخطاب للنبي ﷺ يكون المعنى على أوجه: الأول: أن أهل الكتاب عندهم ما يصدقك فيما كذبك فيه الكافرون، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٩٧] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ [الأنعام: ٢٠] فالمقصود: بيان أن أهل الكتاب عندهم ما يصدقك فيما كذبك فيه الكافرون وذلك من وجوه: (أحدها) أن الكتب المتقدمة تنطق بأن موسى وغيره دعوا إلى عبادة الله وحده ونهوا عن الشرك، فكان في هذا حجة على من ظن أن الشرك دين، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]. (ثانيها) أن أهل الكتاب يعلمون أن الله إنما أرسل إلى الناس بشرًا مثلهم؛ لم يرسل ملكًا، فإن من الكفار من كان يزعم أن الله لا يرسل إلا ملكًا، أو بشرًا معه ملك، ويتعجبون من

стр. 3087

إرسال بشر ليس معه ملك ظاهر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] وغيرها من الآيات الكثيرة. . . فأمر الله تعالى بسؤال أهل الكتاب عمن أرسل إليهم أكان بشرًا أم كان ملكًا ليقيم الحجة بذلك على مَنْ أنكر إرسال بشر كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧، ٨]. (ثالثها) أنه أمر بسؤال أهل الكتب عما جرى للرسل مع أممهم، وكيف كان عاقبة المؤمنين بهم، وعاقبة المكذبين لهم. (رابعها) أنهم يسألون أهل الكتاب عن الدين الذي بعث الله به رسله وهو دين الإسلام الذي اتفقت عليه الرسل، كالأمر بالتوحيد والصدق والعدل، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والنهي عن الشرك، والظلم والفواحش. (خامسها) أنهم يسألون أهل الكتاب عما وصف به الرسل ربهم، هل هو موافق لما وصفه به محمد ﷺ أم لا؟ وهذه الأمور المسئول عنها متواترة عند أهل الكتاب معلومة لهم ليست مما يشكون فيه، وليس إذا كان مثل هذا معلومًا لهم بالتواتر فيسألون عنه يجب أن يكون كل ما يقولونه معلومًا لهم بالتواتر. (سادسها) أنم يسألون أيضًا عما عندهم من البشارات والشهادات بنبوة محمد ﷺ ، وقد أخبر الله بذلك في القرآن فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال تعالى عن مَنْ أثنى عليه من النصارى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ [المائدة: ٨٣].

стр. 3088

والأخبار بمعرفة أهل الكتاب بصفة محمد ﷺ عندهم في الكتب المتقدمة متواترة عنهم، وكان أهل الكتاب قبل أن يبعث النبي ﷺ تجري حروب بين العرب وبين أهل الكتاب فيقول أهل الكتاب: قد قرب مبعث هذا النبي الأمي الذي يبعث بدين إبراهيم، فإذا ظهر اتبعناه وقتلناهم معه شر قتلة، فلما بعث النبي ﷺ كان منهم من آمن به، ومنهم من كفر به (١). الثاني: أن الخطاب للنبي ﷺ في الظاهر، والمراد غيره ممن شك، وعندئذ يكون معنى الآية: قل يا محمد: يا أيها الإنسان الشاك إن كنت في شك مما أنزلنا إليك على لسان رسولنا محمد ﷺ فاسأل الذين يقرؤون الكتاب يخبروك بصحته (٢). ويشبه هذا الخطاب آيات كثيرة في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، وكقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، وكقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، ومن الأمثلة المشهورة: (إياك أعني واسمعي يا جارة). والذي يدل على صحة ما ذكرناه وجوه: (أولها): قوله تعالى في آخر السورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ فبين أن المذكور في أول الآية على سبيل الرمز هم المذكورون في هذه الآية على سبيل التصريح. (ثانيها): أن الرسول لو كان شاكًا في نبوة نفسه لكان شك غيره في نبوته أولى، وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية. (ثالثها): أن بتقدير أن يكون شاكًا في نبوة نفسه، فكيف يزول ذلك الشك بإخبار أهل الكتاب عن نبوته مع أنهم في الأكثر كفار؟ وإن حصل فيهم من كان مؤمنًا إلا أن قوله ليس بحجة لا سيما وقد تقرر أن ما في أيديهم من التوراة والإنجيل، فالكل مصحف محرف، فثبت

стр. 3089

أن الحق هو أن هذا الخطاب، وإن كان في الظاهر مع الرسول ﷺ إلا أن المراد هو الأمة، ومثل هذا معتاد فإن السلطان الكبير إذا كان له أمير، وكان تحت راية ذلك الأمير جمع؛ فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص فإنه لا يوجه خطابه إليهم؛ بل يوجه ذلك الخطاب إلى ذلك الأمير الذي جعل أميرًا إليهم؛ ليكون ذلك أقوى تأثيرًا في قلوبهم (١). الوجه الثالث: أنه تعالى علم أن الرسول ﷺ لم يشك في ذلك؛ فيكون المراد بهذا التهييج إنه ﷺ إذا سمع الكلام يقول: لا أشك يا رب، ولا أسأل أهل الكتاب، بل أكتفي بما أنزلته عليَّ من الدلائل الظاهرة (٢). ونظيره قول الله تعالى للملائكة: ﴿يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠]، والمقصود أن يصرحوا بالجواب الحق ويقولوا: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١]، وكما قال لعيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، والمقصود منه أن يصرح عيسى ﵇ بالبراءة عن ذلك فكذلك هنا (٣). وكقوله تعالى: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٨٧] ولزيادة التثبيت والعصمة (٤). الوجه الرابع: هو أن محمدًا ﷺ كان من البشر، وكان حصول الخواطر المشوشة والأفكار المضطربة في قلبه من الجائزات، وتلك الخواطر لا تندفع إلا بإيراد الدلائل وتقرير البينات، فهو تعالى أنزل هذا النوع من التقريرات حتى أن بسببها تزول عن خاطره تلك الوساوس، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ

стр. 3090

صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، وتمام التقرير في هذا الباب أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ فافعل كذا وكذا قضية شرطية، والقضية الشرطية لا إشعار فيها البتة بأن الشرط وقع أو لم يقع، ولا بأن الجزاء وقع أو لم يقع، بل ليس فيها إلا بيان أن ماهية ذلك الشرط مستلزمه لماهية ذلك الجزاء فقط. والدليل على هذا أنك إذا قلت: إن كانت الخمسة زوجًا كانت منقسمة بمتساويين، فهو كلام حق؛ لأن معناه أن كون الخمسة زوجًا يستلزم كونها منقسمة بمتساويين، ثم لا يدل هذا الكلام على أن الخمسة زوج ولا على أنها منقسمة بمتساويين فكذا ها هنا هذه الآية، تدل على أنه لو حصل هذا الشك لكان الواجب فيه هو فعل كذا وكذا، فأما إن كان هذا الشك وقع أو لم يقع، فليس في الآية دلالة عليه. والفائدة في إنزال هذه الآية على الرسول ﷺ أن تكثير الدلائل وتقويتها مما يزيد في قوة اليقين وطمأنينة النفس وسكون الصدر، ولهذا السبب أكثر الله في كتابه من تقرير دلائل التوحيد والنبوة (١). الوجه الخامس: أن المقصود من ذكر هذا الكلام استمالة قلوب الكفار وتقريبهم من قبول الإيمان، وذلك لأنهم طالبوه مرة بعد أخرى، بما يدل على صحة نبوته وكأنهم استحيوا من تلك المعاودات والمطالبات، وذلك الاستحياء صار مانعًا لهم عن قبول الإيمان، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ من نبوتك فتمسك بالدلائل القلائل، يعني أولى الناس بأن لا يشك في نبوته هو نفسه، ثم مع هذا إن طلب هو من نفسه دليلًا على نبوته هو نفسه بعد ما سبق من الدلائل الباهرة والبينات القاهرة فإنه ليس فيه عيب، ولا يحصل بسببه نقصان فإذا لم يستقبح منه ذلك في حق نفسه فلأن لا يستقبح من غيره طلب الدلائل كان أولى. فثبت أن المقصود بهذا الكلام استمالة القوم وإزالة الحياء عنهم في تكثير المناظرات (٢).

стр. 3091

الوجه السادس: أن الشك في الآية ضيق الصدر؛ أي: إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر، واسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك يخبروك صبر الأنبياء من قبلك على أذى قومهم وكيف عاقبة أمرهم. والشك في اللغة أصله الضيق، يقال: شك الثوب أي: ضمه بخلال حتى يصير كالوعاء، وكذلك السفرة تمد علائقها حتى تنقبض، فالشك يقبض الصدر، ويضمه حتى يضيق (١). الوجه السابع: هو أن لفظ (إن) في قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ للنفي أي: ما كنت في شك قبل، يعني: لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك، لكن لتزداد يقينًا كما ازداد إبراهيم ﵇ بمعاينة إحياء الموتى يقينًا (٢). الوجه الثامن: أنه كنى بالشك عن العجب أي: فإن كنت في تعجب من عناد فرعون، ومناسبة المجاز أن التعجب فيه تردد، كما أن الشك تردد بين أمرين (٣). الوجه التاسع: أن (إن) في هذه الآية ليست التي بمعنى الشرط؛ لأن من المحال العظيم الذي يتمثل في فهم من له مسكة من فهم أن يكون إنسان يدعو إلى دين يقاتل عليه، وينازع فيه أهل الأرض، ويدين به أهل البلاد العظيمة ثم يقول لهم: إني في شك مما أقاتلكم عليه أيها المخالفون، ولست على يقين مما أدعوكم إليه وأحققه لكم أيها التابعون، وإنما معنى (إن) هنا: الجحد، فهي هنا بمعنى: (ما) وهذا المعنى هو أحد موضوعاتها في اللغة العربية، كما قال تعالى آمرًا نبيه ﷺ أن يقول: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] بمعنى: ما أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون، كما ذكر الله عن الأنبياء أنهم قالوا: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم: ١١] وكما قال تعالى مخبرًا عن النسوة إذ رأين يوسف ﵇ فقلن: ﴿إِنْ

стр. 3092

هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] بمعنى: ما هذا إلا ملك كريم، وكما قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ [الأنبياء: ١٧] أي: ما كنا فاعلين، فعلى هذا المعنى خاطب نبيه ﷺ : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٩٤] بمعنى: ولا أعدائك الذين يقاتلونك من الذين أوتوا الكتاب من قبلك ما هم أيضًا في شك مما أنزلنا إليك؛ بل هم موقنون بصحة قولك وإنك نبي حق رسول الله ﷺ ، لا شك عندهم في أن الذي جاءك الحق، ومثل هذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] تهوينًا له، وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١] بمعنى: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول الجاهدين لا يكون له ولد (١). الوجه العاشر: أن يكون التقدير أنك لست شاكًا البتة، ولو كنت شاكًا لكان لك طرق كثيرة في إزالة ذلك الشك كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ والمعنى: أنه لو فرض ذلك الممتنع واقعًا لزم منه المحال الفلاني فكذا ها هنا. ولو فرضنا وقوع هذا الشك فارجع إلى التوراة والإنجيل لتعرف بهما أن هذا الشك زائل، وهذه الشبهة باطلة (٢). الوجه الحادي عشر: إن كنت في شك أن هذا عادتهم مع الأنبياء؛ فسلهم كيف كان صبر موسى ﵇ حين اختلفوا عليه؟ (٣). الوجه الثاني عشر: المعنى أن الله خاطب النبي ﷺ وذلك الخطاب شامل للخلق، فالمعنى: إن كنتم في شك فاسألوا، والدليل على ذلك قوله في آخر السورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا

стр. 3093

النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤)﴾ [يونس: ١٠٤]. فأعلم أن الله خاطب النبي ﷺ ليس في شك، وأمره أن يتلو عليهم ذلك، والدليل على أن المخاطبة للنبي ﷺ مخاطبة للناس قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فقال: ﴿طَلَّقْتُمُ﴾ ولفظ أول الخطاب للنبي ﷺ وحده (١). الوجه الثالث عشر: أن معنى الآية الكريمة: أن الله - تعالى ذكره - يقول لنبيه ﷺ : فإن كنت يا محمد في شك من حقيقية ما أخبرناك وأنزل إليك من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوتك قبل أن تبعث رسولًا إلى خلقه؛ لأنهم يجدونك عندهم مكتوبًا، ويعرفونك بالصفة التي أنت بها موصوف في كتابهم في التوراة والإنجيل؛ فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك من أهل التوراة والإنجيل كـ (عبد الله بن سلام) ونحوه من أهل الصدق والإيمان بك منهم دون أهل الكذب والكفر بك منهم. وبهذا المعنى قال ابن عباس، وابن زيد، ومجاهد، والضحاك. فإن قال قائل: أَوَ كان رسول الله ﷺ في شك من خبر الله أنه حق يقين حتى قيل له: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾ [يونس: ٩٤]؟ قيل: لا، وبهذا قال جماعة من أهل العلم مثل: سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة. فإن قال: فما وجه مخرج الكلام إذن إن كان الأمر على ما وصفت؟ قيل: قد بينا في غير موضع من كتابنا هذا استجازة العرب قول القائل منهم لمملوكه:

стр. 3094

إن كنت مملوكي فانته إلى أمري، والعبد المأمور بذلك لا يشك سيده القائل له ذلك أنه عبده، كذلك قول الرجل منهم لابنه: إن كنت ابني فَبِرَّنِي، وهو لا يشك في ابنه أنه ابنه، وإن ذلك من كلامهم صحيح مستفيض فيهم، وذكرنا ذلك بشواهد، وأن منه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ وقد علم جل ثناؤه أن عيسى لم يقل ذلك، وهذا من ذلك لم يكن ﷺ شاكًا في حقيقة خبر الله وصحته، والله تعالى بذلك من أمره كان عالمًا، ولكنه جل ثناؤه خاطبه خطاب قومه بعضهم بعضًا؛ إذ القرآن بلسانهم نزل (١). وإذا كان الخطاب لغير رسول الله ﷺ : فيكون المعنى: أن الناس في زمانه ﷺ كانوا فرقًا ثلاثة: المصدقون به، والمكذبون له، والمتوقفون في أمره الشاكون فيه، فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال: إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد ﷺ فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته، وإنما وجد الله تعالى ذلك وهو يريد الجمع، كما في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ وكقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾ ولم يرد في جميع هذه الآيات إنسانًا بعينه؛ بل المراد هم الجماعة فكذا ههنا، ولما ذكر الله تعالى لهم ما يزيل ذلك الشك عنهم حذرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني وهم المكذبون فقال: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥)﴾ (٢). * * *

стр. 3095

سورة هود شبهة: حول ضيوف إبراهيم . نص الشبهة: ضيوف إبراهيم أكلوا، وأنه لم يخف من شيء، وكيف لامرأته أن تصك وجهها، وكيف لها أن تخدمهم وتجلس معهم؟ وكذلك القرآن لم يذكر عدد الضيوف؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: تفسير الآيات . الوجه الثاني: الرد على إنكارهم أن الضيوف لم يأكلوا، وأنه لم يخف من شيء. الوجه الثالث: الرد على إنكارهم خدمتها لهم. الوجه الرابع: الرد على إنكارهم لصك امرأة إبراهيم وجهها، وأن القرآن لم يذكر عدد الضيوف. وإليك التفصيل الوجه الأول: تفسير الآيات. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ [هود: ٦٩ - ٧١]. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ من الملائكة، وهم فيما ذُكر كانوا جبريل وملكين آخرين، وقيل: إن الملكين الآخرين كانا ميكائيل وإسرافيل معه، ﴿بِالْبُشْرَى﴾ يعني بالبشارة بإسحاق (١). وقال بعضهم: هي البشارة بهلاك قوم لوط (٢).

стр. 3096

قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ سارَة بنت هاران بن ناحور بن ساروج بن راعو بن فالغ؛ وهي ابنة عم إبراهيم، ﴿قَائِمَةٌ﴾ قيل: كانت قائمة من وراء الستر تسمع كلام الرسل وكلام إبراهيم ﵇، وقيل: كانت قائمة تخدُم الرسل، وإبراهيم جالسٌ مع الرسل (١). وقوله: ﴿فَضَحِكَتْ﴾: اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ وفي السبب الذي من أجله ضحكت، وأولى الأقوال التي ذكرت في ذلك بالصواب قولُ من قال: معنى قوله: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ فعجبت من غفلة قوم لوط عما قد أحاط بهم من عذاب الله وغفلتهم عنه، وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب؛ لأنه ذكر عقيب قولهم لإبراهيم: ﴿تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠]، فإذا كان ذلك كذلك، وكان لاوجه للضحك والتعجب من قولهم لإبراهيم: ﴿لَا تَخَفْ﴾ كان الضحك والتعجب إنما هو من أمر قوم لوط (٢). الوجه الثاني: الرد على إنكارهم أن الضيوف لم يأكلوا، وأنه لم يخف من شيء . أما قولهم: إن الرجال في الحقيقة أكلوا، فهذا خلاف ما جاء في القرآن، واحتجاجهم بالتوراة لا يجوز؛ لأنها محرفة، فالضيوف لم يأكلوا وأصاب إبراهيم من ذلك خوف؛ لأن العرب كانت إذا نزل بهم ضيف فلم يطعم من طعامهم، ظنوا أنه لم يجئ بخير، وأنه يحدِّث نفسه بشرّ (٣). قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً. . .﴾ دليل على أنهم لم يأكلوا، ولأنهم في الأصل ملائكة؛ وهم لا يشربون، ولا يأكلون، ولا ينامون، ولا يتزوجون، ولا يتغوطون. الوجه الثالث: الرد على إنكارهم خدمتها لهم .

стр. 3097

وأما قولهم: إن عبارة القرآن تفيد أنها كانت مع الضيوف تخدمهم فعبارة القرآن: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ فلعلها كانت قائمة من وراء الستر تستمع كلامهم (١). وإن كانت معهم تخدمهم فليس هذا عيب، فلا بد أنها كانت بحجابها، ثم هي امرأة عجوز من القواعد، ثم إن إبراهيم ﵇ رجل مسن لا يستطيع أن يخدمهم بنفسه، وقد ورد حديث عن سهل بن سعد قال: دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله ﷺ في عرسه، فكانت امرأته خادمهم يومئذ وهى العروس، قال سهل: أتدرون ما سقت رسول الله ﷺ ؟ أنقعت له تمرات من الليل في تور، فلما أكل سقته إياه (٢). وترجم له البخاري "باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس". قال علماؤنا: فيه جواز خدمة العروس زوجها وأصحابه في عرسها، وفيه أنه لا بأس أن يعرض الرجل أهله على صالح إخوانه، ويستخدمهن لهم، ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول الحجاب، والله أعلم (٣). قال ابن حجر: وَفِي الْحَدِيث جَوَاز خِدْمَة الْمَرْأَة زَوْجهَا وَمَنْ يَدْعُوهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ ذَلِكَ عِنْد أَمْن الْفِتْنَة وَمُرَاعَاة مَا يَجِب عَلَيْهَا مِنْ السِّتْر، وَجَوَاز اِسْتِخْدَام الرَّجُل اِمْرَأَته فِي مِثْل ذَلِكَ، وَشُرْب مَا لَا يُسْكِر فِي الْوَلِيمَة، وَفِيهِ جَوَاز إِيثَار كَبِير الْقَوْم فِي الْوَلِيمَة بِشَيْءٍ دُون مَنْ مَعَهُ (٤). وقال أبو حيان: وكانت نساؤهم لا تحتجب كعادة الأعراب، ونازلة البوادي والصحراء، ولم يكن التبرج مكروهًا، وكانت عجوزًا، وخدمة الضيفان مما يعد من مكارم الأخلاق (٥). الوجه الرابع: الرد على إنكارهم لصك امرأة إبراهيم وجهها . وأما قولهم: إن امرأته لم تقبل في صرة، ولم تصك وجهها، وأن هذا لا يليق وغير جائز.

стр. 3098

فقد قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾ أي: أقبلت على أهلها، وذلك لأنها كانت في خدمتهم، ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ أي: صيحة، كما جرت عادة النساء حيث يسمعن شيئًا من أحوالهن يصحن صيحة معتادة لهن عند الاستحياء أو التعجب، ويحتمل أن يقال: تلك الصيحة كانت بقولها: ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ تدل عليه الآية التي في سورة (هود: ٧٢) وصك الوجه أيضًا من عادتهن، واستبعدت ذلك لوصفين من اجتماعهما: أحدهما: كبر السن، والثاني: العقم؛ لأنها كانت لا تلد في صغر سنها، وعنفوان شبابها، ثم عجزت وأيست فاستبعدت (١). ثم هي ليست بمعصومة، ثم إن الأمر في غاية العجب. وقال أيضًا أبو حيان: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ أي: لطمته، وكذلك كما يفعله من يرد عليه أمر يستهوله ويتعجب منه، وهو فعل النساء إذا تعجبن من شيء (٢). وأما قولهم: إن القرآن لم يذكر عدد ضيوف إبراهيم. فنقول: وما الفائدة من ذكر عدد الضيوف؟ هذا الأمر لا يقدم ولا يؤخر، بل هذا تنطع، وعلينا أن نسكت عما سكت عنه القرآن، ولم يرد في السنة تحديد عددهم، خاصةً عند عدم الفائدة. فالقرآن يقص علينا نبأ المرسلين للعبرة والعظة، وأما ما لا منفعة فيه فالقرآن منزه عن ذلك، ولكن القوم تعودوا من كتابهم المحرف ذكر القصص التي لا منفعة فيها، وإليك أمثلة على ذلك: فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْحَيَّةِ: "لأَنَّكِ فَعَلْتِ هذَا مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ. (التكوين ٣/ ١٤).

стр. 3099

(لوقا ١٤/ ١٩): وَقَالَ آخَرُ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْسَةَ أَزْوَاجِ بَقَرٍ، وَأَنَا مَاضٍ لأَمْتَحِنَهَا. أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي. السمك المجاني: قَدْ تَذَكَّرْنَا السَّمَكَ الَّذِي كُنَّا نَأْكُلُهُ فِي مِصْرَ مَجَّانًا، وَالْقِثَّاءَ وَالْبَطِّيخَ وَالْكُرَّاثَ وَالْبَصَلَ وَالثُّومَ. (سفر العدد ١١/ ٥). كلام غريب: وَيَدْخُلُ مَاءُ اللَّعْنَةِ هذَا فِي أَحْشَائِكِ لِوَرَمِ الْبَطْنِ، وَلإِسْقَاطِ الْفَخْذِ. فَتَقُولُ الْمَرْأَةُ: آمِينَ، آمِينَ. (سفر العدد ٥/ ٢٢). وفي سفر (الرؤيا ٦/ ٦): وَسَمِعْتُ صَوْتًا فِي وَسَطِ الأَرْبَعَةِ الْحَيَوَانَاتِ قَائِلًا: "ثُمْنِيَّةُ قَمْحٍ بِدِينَارٍ، وَثَلَاثُ ثَمانِيِّ شَعِيرٍ بِدِينَارٍ. وَأَمَّا الزَّيْتُ وَالْخَمْرُ فَلا تَضُرَّهُمَا وفي (الرؤيا ١٧/ ٦): وَرَأَيْتُ الْمَرْأَةَ سَكْرَى مِنْ دَمِ الْقِدِّيسِينَ وَمنْ دَمِ شُهَدَاءِ يَسُوعَ. فَتَعَجَّبْتُ لمَّا رَأَيْتُهَا تَعَجُّبًا عَظِيمًا! * * * *

стр. 3100

سورة يوسف وفيها: ١ - شبهات عن يعقوب ويوسف ﵉. ٢ - شبهة: أن يوسف همَّ بالفساد. ٣ - شبهة: يوسف ﵇ استغاث بغير الله تعالى. ٤ - شبهة: أن تعبير يوسف ﵇ للرؤيا لم يكن على الحقيقة، بدليل قوله تعالى: ﴿ظَنَّ﴾. ٥ - شبهة: حول قول يوسف ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. ٦ - شبهة: أن الشيطان أنسى يوسف ﵇ ذكر ربه . ٧ - شبهة: كيف يطلب يوسف ﵇ الولاية؟ . ٨ - شبهة: يوسف ﵇ يزكي نفسه. ٩ - شبهة: حول عمل يوسف ﵇ عند الكفار. ١٠ - شبهة: حول إيواء يوسف أبويه قبل الدخول، وقوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ بعد دخولهم عليه. ١١ - شبهة: حول السجود للآدمي.

стр. 3101

١ - شبهات عن يعقوب ويوسف ﵉ . الشبهة الأولى: كيف يفضل يعقوب ﵇ بعض أولاده على بعض ؟ والرد عليها كما يلي: ١ - أن يعقوب ﵇ ما فضلهما (يوسف وأخوه) على سائر الأولاد إلا في المحبة، والمحبة ليست في وسع البشر فكان معذورًا. ٢ - أن أمهما ماتت وهما صغار. ٣ - كان يعقوب ﵇ يرى فيه من آثار الرشد والنجابة ما لم يجد في سائر الأولاد. ٤ - لعل يوسف ﵇ وإن كان صغيرًا إلا أنه كان يخدم أباه بأنواع الخدمة أشرف وأعلى بما كان يصدر عن سائر الأولاد. فهذه المسألة كانت اجتهادية وكانت مخلوطة بميل النفس، وموجبات الفطرة، فلا يلزم من وقوع الاختلاف فيها طعن أحد الخصمين في دين الآخر أو في عرضه (١). فحب يعقوب ﵇ ليوسف وأخيه لصغرهما وموت أمهما، وهذا من حب الصغير هي فطرة البشر، وقد قيل لابنة الحسن: أي بنيك أحب إليك؟ قالت: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يقدم، والمريض حتى يبرأ. (٢) ٥ - واعلم - هداك الله -: إن دعواهم أنّ يوسف ﵇ وأخاه أحبّ إلى يعقوب ﵇ منهم يجوز أن تكون دعوى باطلة آثار اعتقادها في نفوسهم شدّةُ الغيرة من أفضليّة يوسف ﵇ وأخيه عليهم في الكمالات، وربّما سمعوا ثناء أبيهم على يوسف ﵇ وأخيه في أعمال تصدر منهما، أو شاهدوه يأخذ بإشارتهما، أو رأوا منه شفقة عليهما لصغرهما ووفاة أمّهما، فتوهّموا من ذلك أنّه أشدّ حبًّا إيّاهما منهم توهمًا باطلًا. ويجوز أن تكون دعواهم مطابقة للواقع وتكون زيادة محبّته إيّاهما أمرًا لا يملك صرفه عن نفسه لأنّه وجدان، ولكنّه لم يكن يؤثرهما عليهم في المعاملات، والأمور الظاهريّة، ويكون أبناؤه قد علموا فرط محبّة أبيهم

стр. 3102

إيّاهما من التوسّم، والقرائن، لا من تفضيلهما في المعاملة فلا يكون يعقوب ﵇ مؤاخذًا بشيء يفضي إلى التباغض بين الإخوة. وجملة ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ في موضع الحال من ﴿أَحَبُّ﴾ أي: ونحن أكثر عددًا، والمقصود من الحال التعجّب من تفضيلهما في الحبّ في حال أنّ رجاء انتفاعه من إخوتهما أشدّ من رجائه منهما بناءً على ما هو الشائع عند عامّة أهل البدو من الاعتزاز بالكثرة، فظنوا مدارك يعقوب ﵇ مساوية لمدارك الدّهماء، والعقولُ قلما تدرك مراقي ما فوقها، ولم يعلموا أنّ ما ينظر إليه أهل الكمال من أسباب التفضيل غير ما ينظره مَن دونهم (١). وقارن بين أدب يوسف وهو يقص على أبيه الرؤيا وهو يقول: ﴿يَاأَبَتِ﴾، وبين قولهم عن أبيهم: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ لتعلم الفرق الذي من أجله أحب يعقوب ﵇ يوسف ﵇ أكثر منهم فلم يكن تفضيله إياه عن هوى نفس، أو إعجاب بهيئة، وجمال ظاهر، أو تفضيل زوجة على زوجة أخرى بتفضيل أولادها، فإن نبي الله منزه عن ذلك، إنما كان تفضيله ليوسف - إن كان حدث التفضيل - لما رأى من صفات النجابة، وحسن الأدب، وكمال العقل، وعلامات الاجتباء، والاصطفاء، ودلائل التفضيل الإلهي، والإعداد لوراثة النبوة. ولا شك أن المؤمن يحب في الله من يراه أكثر طاعة، وموافقته لدين الله الذي يحبه ويرضاه سبحانه لعباده، والأب الذي يفضل في المحبة ابنه المطيع على ابنه العاصي ليس بظالمٍ، ولا معتدٍ، وإنما الجور الذي حذر منه النبي ﷺ هو في العطية الدنيوية، فلا يجوز تفضيل بعض الأولاد فيها على بعض بغير سبب كمرض، أو أمانة، أو فقر، أو حاجة وسمى النبي ﷺ تفضيل بعض الولد في العطية جورًا، فقال للبشير والد النعمان بن بشير

стр. 3103

لما أراد أن يخصه بهبة: "لا تشهدني على جور" (١)، وقال ﷺ : "اعدلوا بين أولادكم" (٢)، وظاهر هذه الأحاديث وجوب العدل بين الأولاد والتسوية بينهم في العطية. والمقصود أن التفضيل في المحبة بناءً على الصفات والأخلاق ليس من التفضيل المنهي عنه لذلك لم يكن يعقوب ﵇ مخطئًا، ولا مخالفًا للأولى في شدة محبته ليوسف ﵇ وأخيه على بقية أبنائه (٣). الشبهة الثانية: كيف يفعل إخوة يوسف هذا الكذب والحسد وتضييع الأخ، وحل هذا يقدح في عصمتهم ونبوتهم، فكيف يليق هذا بهم وهم أنبياء ؟ والرد عليها كم يلي: ١ - الأمر كما ذكرتم، إلا أن المعتبر عندنا عصمة الأنبياء ﵈ في وقت حصول النبوة، وأما قبلها فذلك غير واجب، والله أعلم. ٢ - وقيل إنهم كانوا في هذا الوقت مراهقين وما كانوا بالغين. ٣ - وقيل أن هذا الفعل من باب الصغائر (٤). ٤ - أين الدليل على أنهم أنبياء؟ اعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف ﵇، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر. ويحتاج مُدّعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوَى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وهذا فيه احتمال؛ لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب: قبائل، وللعجم: شعوب. يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل، فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم

стр. 3104

دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله أعلم (١). واعلم أنهم كانوا مؤمنين بنبوة أبيهم، مقرين بكونه رسولًا حقًّا من عند الله تعالى، إلا أنهم لعلهم جوزوا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يفعلوا أفعالًا مخصوصة بمجرد الاجتهاد، ثم إن اجتهادهم أدى إلى تخطئة أبيهم في ذلك الاجتهاد، وذلك لأنهم كانوا يقولون: هما صبيان ما بلغا العقل الكامل ونحن متقدمون عليهما في السن، والعقل، والكفاية، والمنفعة، وكثرة الخدمة، والقيام بالمهمات، وإصراره على تقديم يوسف علينا يخالف هذا الدليل (٢). الشبهة الثالثة: كيف يصف أولاد يعقوب ﵇ آباهم بالضلال المبين في القرآن ؟ والرد عليها كما يلي: الظاهر أن مراد أولاد يعقوب بهذا الضلال الذي وصفوا به أباهم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - في هذه الآية الكريمة إنما هو الذهاب عن علم حقيقة الأمر كما ينبغي. ويدل لهذا ورود الضلال بهذا المعنى في القرآن وفي كلام العرب، فمنه بهذا المعنى قوله تعالى عنهم مخاطبين أباهم: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ [يوسف: ٩٥] وقوله تعالى في نبينا ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ [الضحى: ٧] أي: لست عالمًا بهذه العلوم التي لا تعرف إلا بالوحي، فهداك إليها، وعلمكها بما أوحي إليك من هذا القرآن العظيم، ومنه بهذا المعنى قول الشاعر: وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلًا أراها في الضلال تهيم يعني: أنها غير عالمة بالحقيقة في ظنها أنه يبغي بها بدلًا وهو لا يبغي بها بدلًا. ولم يرد أولاد يعقوب الضلال في الدين، إذ لو أرادوا ذلك لكانوا كفارًا، وإنما مرادهم

стр. 3105

أن أباهم في زعمهم في ذهاب عن إدراك الحقيقة، وإنزال الأمر منزلته اللائقة به، حيث آثر اثنين على عشرة، مع أن العشرة أكثر نفعًا له، وأقدر على القيام بشؤونه، وتدبير أموره. واعلم أن الضلال أطلق في القرآن إطلاقين آخرين: أحدهما: الضلال في الدين، أي: الذهاب عن طريق الحق التي جاءت بها الرسل صلوات الله عليهم وسلامه، وهذا أشهر معانيه في القرآن، ومنه بهذا المعنى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ [الصافات: ٧١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٢] إلى غير ذلك من الآيات. الثاني: إطلاق الضلال بمعنى الهلاك والغيبة من قول العرب: ضل السمن في الطعام، إذا غاب فيه وهلك فيه، ولذلك تسمي العرب الدفن إضلالًا؛ لأنه تغيب في الأرض يؤول على استهلاك عظام الميت فيها، لأنها تصير رميمًا وتمتزج بالأرض، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠]. ومن إطلاق الضلال على الغيبة قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي: غاب واضمحل. ومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغة ذبيان: فآب مضلوه بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل فقوله: (مضلوه) يعني: دافنيه، وقوله: (بعين جلية) أي: بخبر يقين، والجولان: جبل دفن عنده المذكور. ومن الضلال بمعنى: الغيبة والاضمحلال قول الأخطل: كنت القذى في موج أكدر مزبد ... قذف الآتي به فضل ضلالا وقول الآخر: ألم تسأل فتخبرك الديار ... عن الحي المضلل أين ساروا (١)

стр. 3106

فهذه الأنواع من الضلال أخف من الضلال الذي يكون في أصول الدين عمدًا، ولا عن تأويل، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾ [إبراهيم: ٢ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ [الملك: ٩]. فهذا النوع من الضلال هو ضلال الكفر العمدي الذي ليس شيء أكبر منه وعلامته: أن يوصف بوصف بعيد، أو كبير، أو مبين، وما يشبه ذلك مما يشير إلى عظمه في باب الكفر، وإنما وصف أبناء يعقوب ﵇ ضلال أبيهم بأنه مبين تشددًا في البذاءة وغلوا في السفاهة على جناب والدهم ﵇ (١). والخلاصة: أن مقصد أولاد يعقوب ﵇ بالضلال أمور. ١ - أن يعقوب ﵇ لفي خطأ من رأيه، وأخطئ مسلك الصّواب، وإنّما: أراد وأخطأ التّدبير للعيش لا الخطأ في الدين والاعتقاد، والتخطئة في أحوال الدّنيا لا تنافي الاعتراف للمخطئ بالنبوءة. ٢ - أن يعقوب ﵇ لفي شقاء. ٣ - لفي ضلال عن طريق الصواب الذي يقتضي تعديل المحبة بيننا لأن نفعنا له أعم (٢). ٤ - جملة ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ تعليلًا للتعجّب وتفريعًا عليه، لا وصفًا على الحقيقة ظهر عفوًا عند الغضب (٣).

стр. 3107

وقولهم: كيف يصف أولاد يعقوب إياه بالضلال؟ ولم ينظر أصحاب الكتاب المقدس في كتابهم، وما فيه من صفات للأنبياء بل للرب. وفي سفر الملوك الأول أن إيليا (إلياس) النبي خاطب الله. يقول السفر (وَصَرَخَ إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: "أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي، أَأَيْضًا إِلَى الأَرْمَلَةِ الَّتِي أَنَا نَازِلٌ عِنْدَهَا قَدْ أَسَأْتَ بِإِمَاتَتِكَ ابْنَهَا؟ " (الملوك الأول ١٧: ٢٠). في سفر الخروج (٥/ ٢٢: ٢٣): فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: "يَا سَيِّدُ، لِمَاذَا أَسَأْتَ إِلَى هذَا الشَّعْبِ؟ لِمَاذَا أَرْسَلْتَنِي؟ ٢٣ فَإِنَّهُ مُنْذُ دَخَلْتُ إِلَى فِرْعَوْنَ لأَتَكَلَّمَ بِاسْمِكَ، أَسَاءَ إِلَى هذَا الشَّعْبِ. وَأَنْتَ لَمْ تُخَلِّصْ شَعْبَكَ". في سفر إشعياء (٦٣/ ١٧) أن إشعياء النبي خاطب الله قائلًا: لِمَاذَا أَضْلَلْتَنَا يَا رَبُّ عَنْ طُرُقِكَ، قَسَّيْتَ قُلُوبَنَا عَنْ مَخَافَتِكَ؟ ارْجعْ مِنْ أَجْلِ عَبِيدِكَ، أَسْبَاطِ مِيرَاثِكَ. ونحن نسأل إذا كان الأنبياء بهذه الوقاحة وهم حملة كلمة الله الهادية فماذا بقي للفساق والسفهاء؟ بل وفي كتابكم المقدس وصف الأنبياء بالزنى وأما هذا هو عين الضلال أم هذا عبادة عندكم فإن كان ذلك فما الفرق بينكم وبين من ليس لهم كتاب؟ وهذه بعض النقاط من كتابكم عن الأنبياء. نبي الله حزقيال يشجع النساء على الزنى والفجور (حزقيال ١٦/ ٣٣: ٣٤) نبي الله رأوبين يزني بزوجة أبيه بلهة (تكوين ٣٥/ ٢٢، ٤٩/ ٣: ٤) شمشون يذهب إلى غزة ورأى هناك امرأة زانية فدخل إليها (قضاة ١٦/ ١) لوط يسكر ويزني بابنتيه (تكوين ١٩/ ٣٠: ٣٨). الشبهة الرابعة: كيف ترك يوسف ﵇ الاستثناء ؟ فإن الأحسن أن يقول: (إني حفيظ عليم إن شاء الله) بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]. والرد عليها كما يلي:

стр. 3108

أولًا: لعل السبب فيه أنه لو ذكر هذا الاستثناء لاعتقد فيه الملك أنه إنما ذكره لعلمه بأنه لا قدرة له على ضبط هذه المصلحة كما ينبغي فلأجل هذا المعنى ترك الاستثناء (١). فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان، إنما قلنا: إن ذلك التصرف كان واجبًا عليه لوجوه: الأول: أنه كان رسولًا حقًّا من الله تعالى إلى الخلق، والرسول يجب عليه رعاية مصالح الأمة بقدر الإمكان. والثاني: وهو أنه ﵇ علم بالوحي أنه سيحصل القحط، والضيق الشديد الذي ربما أفضى إلى هلاك الخلق العظيم، فلعله تعالى أمره بأن يدبر في ذلك، ويأتي بطريق لأجله يقل ضرر ذلك القحط في حق الخلق. والثالث: أن السعي في إيصال النفع إلى المستحقين، ودفع الضرر عنهم أمر مستحسن في العقول. وإذا ثبت هذا فنقول: إنه ﵇ كان مكلفًا برعاية مصالح الخلق من هذه الوجوه، وما كان يمكنه رعايتها إلا بهذا الطريق، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، فكان هذا الطريق واجبًا عليه ولما كان واجبًا سقطت الأسئلة بالكلية (٢). * * *

стр. 3109

٢ - شبهة: أن يوسف همَّ بالفساد . نص الشبهة: جاء في سورة يوسف (٢٤): ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ أي: قصدت مخالطته وقصد مخالطتها، والهمُّ بالشيء قصده والعزم عليه، ومنه الهَمَام وهو الذي إذا قصد شيئًا أمضاه، وهذا القول يناقض التاريخ المقدس الذي يقول: إنها لما طلبت إليه الشر استنكر طلبها وقال: كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله؟ (ولما أمسكت بثوبه تركه معها وهرب) (تكوين ٣٩: ٩)؟ والرد على هذه الفرية من وجوه: الوجه الأول: منزلة يوسف في القرآن والسنة. الوجه الثاني: معنى: (هَمَّ بها). الوجه الثالث: الأدلة على براءة يوسف ﵇. الوجه الرابع: مقارنة بين القصة في التوراة والقرآن. وإليك التفصيل الوجه الأول: فضل نبي الله يوسف ﵇ من القرآن والسنة . فضل يوسف ﵇ في القرآن والسنة: أولًا: في القرآن الكريم: فقد أنزل الله في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم لِيُتَدَبَّرَ ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والأمر الحكيم؛ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣) إِذْ قَالَ يُوسُفُ. . .﴾ [يوسف: ١ - ٤]. (١)

стр. 3110

ثانيًا: في السنة النبوية: ١ - فعن ابن عمر ﵃: عن النبي ﷺ أنه قال: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈" ٢ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبث في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي" (١). ففي هذا الحديث يبين النبي ﷺ طول صبر يوسف ﵇، وأنه لو كان مكانه ودعي إلى الخروج من السجن لأجاب على الفور، ولا شك أنه قاله تواضعًا ﷺ . ٣ - وفي رحلة المعراج قال ﷺ : "ثم عُرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل. فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ . قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﵇، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب ودعا لي بخير" (٢). الوجه الثاني: معاني قوله تعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾: المعنى الأول: أن يوسف ﵇ لم يقع منه همٌّ البتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان، كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله، وكأن معنى الآية الكريمة: لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، فكان موجدًّا لهمَّ على انتفاء رؤية البرهان، لكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهم. وهذا المعنى مبني على قاعدة نحوية وهي: أن جواب (لولا) في الآية الكريمة محذوف يدل عليه ما قبله كما يقول جمهور البصريين في قول العرب: (أنت ظالم إن فعلت) فيقررونه (إن فعلت فأنت ظالم) ولا يدل قوله: (أنت ظالم) على ثبوت الظلم، بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل، وكذلك هنا (٣).

стр. 3111

ولهذه القاعدة نظائر في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ أي: إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه، وكقوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم (١). المعنى الثاني: أن معنى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ المقصود به خطرات النفس فالهم: اسم جنس تحته نوعان؛ كما قال الإمام أحمد: (الهم) همان: هم خطرات، وهم إصرار، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ قال: "إن العبد إذا هم بسيئة لم تكتب عليه، وإذا تركها لله كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإن تركها من غير أن يتركها لله لم تكتب حسنة ولا تكتب عليه سيئة"، ويوسف ﵇ هم همًّا تركه لله، وكذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء لإخلاصه، وذلك إنما يكون إذا قام المقتضي للذنب وهو الهم، وعارضه الإخلاص الموجب لانصراف القلب عن الذنب لله، فيوسف ﵇ لم يصدر منه إلا حسنة يثاب عليها، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ (٢). وهذا مثل الصائم الذي يميل بطبعه إلى الماء البارد مع أن تقواه تمنعه من الشراب وهو صائم. . ونظير هذا في القرآن أيضًا هَمُّ بني حارثة وبني سلمة بالفرار يوم أحد فقال تعالى عنهم: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ لأن قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ يدل على أن ذلك الهم ليس معصية؛ لأن اتباع المعصية بولاية الله لذلك العاصي إغراء على المعصية (٣). والعرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة، فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه: (هذا ما يهمني)، ويقول فيما يحبه ويشتهيه: هذا أهم الأشياء إلي، بخلاف هم امرأة العزيز؛

стр. 3112

فإنه هَمُّ عزمٍ وتصميم، بدليل أنها شقت قميصه من دبر وهو هارب عنها، ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا عجزها عنه، ومثل هذا التصميم على المعصيةِ معصيةٌ يؤاخذ بها صاحبُها؛ بدليل الحديث الثابت في الصحيح عنه ﷺ من حديث أبي بكرة: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قالوا: يا رسول الله، قد عرفنا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه"، فصرح النبي ﷺ بأن تصميم عزمه على قتل صاحبه معصيةٌ أدخله الله بسببها النار (١). المعنى الثالث: أن المراد بقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ أي: هم بدفعها عن نفسه ومنعها عن ذلك القبيح؛ لأن الهم هو القصد، فوجب أن يحمل في حق كل أحد على القصد الذي يليق به، فاللائق بالمرأة القصد إلى تحصيل اللذة والتنعم والتمتع، ثم إنها أيضًا همت أن تبطش به إذ عصى أمرها وخالف مرادها وهي سيدته وهو عبدها، وقد استذلت له بدعوته إلى نفسها بعد أن احتالت عليه بمراودته عن نفسه وكان الهم منه امتنع عنها واستكبر على أمرها معتزًا عليها بالديانة والأمانة والترفع عن الخيانة وحفظ شرف سيده وهو سيدها. . .، وهم بها لدفع صيالها عنه وقهرها بالبعد عما أرادته ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ أي: ولكنه رأى من ربه في سريرة نفسه ما جعله يمتنع من مصاولتها واللجوء إلى الفرار منها (٢). فإن قيل: فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ فائدة؟ قلنا: بل فيه أعظم الفوائد، وبيانه من وجهين: الأول: أنه أَعْلَمَ يوسف أنه لو هَمَّ بدفعها لقتلته أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله، فأعلمه الله تعالى أن الامتناع من ضربها أولى صونًا للنفس عن الهلاك.

стр. 3113

الثاني: أنه ﵇ لو اشتغل بدفعها عن نفسه فربما تعلقت به، فكان تمزيق ثوبه من قدام، وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو الخائن، ولو كان ثوبه ممزق من الخلف لكانت المرأة هي الخائنة، فالله تعالى أعلمه بهذا المعنى، فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه بل ولى هاربًا عنها، حتى صارت شهادة الشاهد حجة على براءته عن المعصية (١). المعنى الرابع: أن يكون معنى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ أي: اشتهاها، وهذا مستعمل في اللغة الشائعة، يقول القائل فيما لا يشتهيه: ما يهمني هذا، وفيما يشتهيه: هذا أهم الأشياء إلي، فسمى الله تعالى شهوة يوسف ﵇ همًا. إذن فمعنى الآية الكريمة: ولقد اشتهته واشتهاها لولا أن رأى برهان ربه لدخل ذلك العمل في الوجود (٢). والشاهد على صحة هذا التأويل قيامُ الدلالة على أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يعزمون على الفواحش، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ والصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: الدعاء، وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ فالشهادة من الله تعالى إخبار وبيان، ومنهم إقرار (٣). المعنى الخامس: وإما أن يكون معنى: الهم أنه هم بالإيقاع بها وضربها كما قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ. . .﴾ وكما يقول القائل: لقد هممت بك. لكنه ﵇ امتنع من ذلك ببرهان أراه الله إياه استغنى به عن ضربها، وعلم أن الفرار أجدى عليه وأظهر لبراءته على مظهر بعد ذلك من حكم الشاهد بقد القميص (٤).

стр. 3114

المعنى السادس: (١) أن معنى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ (هم بها) ما نقل عن ابن عباس وهو ما قاله الطبري: [حدثنا أبو كريب وسفيان بن وكيع وسهل بن موسى الرازي قالوا: ثنا ابن عيينة، عن عثمان بن أبي سليمان عن ابن أبي مليكة] عن ابن عباس أنه سُئل عن هم يوسف ما بلغ؟ قال: حل الهميان، وجلس منها مجلس الخاتن (٢). وكذا نُقِلَ نفسُ المعنى عن تلاميذ ابن عباس: مجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، والقاسم بن أبي بزة بأسانيد صحيحة أو حسنة عنهم (٣): (فكان همه من جنس همها، فلولا أن الله تعالى عصمه لفعل، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن وغيره. . .). وقال ابن قتيبة: لا يجوز في اللغة: هممت بفلان، وهم بي، وأنت تريد اختلاف الهمين. . . قالوا: ورجوعه عما هم به من ذلك خوفًا من الله تعالى يمحو عنه سيء الهم، ويوجب له علو المنزلة، ويدل على هذا الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ : "أن ثلاثة خرجوا فلجئوا إلى غار، فانطبق عليهم صخرة، فقالوا: ليذكر كل واحد منكم أفضل عمله، فقال أحدهم: اللهم، إنك تعلم أنه كانت لي ابنة عم فراودتها عن نفسها فأبت إلا بمائة دينار، فلما أتيتها بها، وجلست منها مجلس الرجل من المرأة، أرعدت، وقالت: إن هذا العمل ما عملته قط، فقمت عنها وأعطيتها المائة الدينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا، فزال ثلث الحجر" (٤). وقد رَدَّ على هذا القول أئمة العلماء المحققين وضعفوه وإليك أقوالهم: قال ابن تيمية: وأما ما ينقل من أنه حل سراويله، وجلس مجلس الرجل من المرأة، وأنه رأى صورة يعقوب عاضًا على يديه، وأمثال ذلك، فكله مما لم يخبر الله به ولا رسوله ﷺ ، وما لم يكن كذلك فإنما هو مأخوذ عن اليهود الذين هم من أعظم الناس كذبًا على

стр. 3115

الأنبياء وقدحًا فيهم، وكل من نقله من المسلمين فعنهم نقله، لم ينقل من ذلك أحدٌ عن نبينا ﷺ حرفًا واحدًا (١). وقال ابن حزم: وقال بعض المتأخرين: إنه قعد منها مقعد الرجل من المرأة، ومعاذ الله أن يظن هذا برجل من صالحي السلمين أو مستوريهم! فكيف برسول الله ﷺ ؟ فإن قيل: إن هذا قد روي عن ابن عباس ﵁ من طرق جيدة الإسناد؟ قلنا: نعم، ولا حجة في قول أحد إلا فيما صح عن رسول الله ﷺ فقط، والوهم في تلك الرواية إنما هي بلا شك عمن دون ابن عباس، أو لعل ابن عباس لم يقطع بذلك؛ إذ إنما أخذه عمن لا يدري من هو ولا شك في أنه شيء سمعه فذكره لأنه ﵁ لم يحضر ذلك، ولا ذكره عن رسول الله ﷺ ، ومحال أن يقطع ابن عباس بما لا علم له به (٢). وقال الشنقيطي: وهذه الأقوال التي رأيت نسبتها إلى هؤلاء العلماء منقسمة إلى قسمين: - قسم لم يثبت نقله عنه بسند صحيح، وهذا لا إشكال في سقوطه. - وقسم ثبت عن بعض من ذكر، ومن ثبت عنه منهم شيء من ذلك. فالظاهر الغالب على الظن المزاحم لليقين أنه إنما تلقاه عن الإسرائيليات؛ لأنه لا مجال للرأي فيه، ولم يُرفع منه قليلٌ ولا كثيرٌ إليه ﷺ ، وبهذا تعلم أنه لا ينبغي التجرؤ على القول في نبي الله يوسف بأنه جلس بين رجلي كافرة أجنبية، يريد أن يزني بها، اعتمادًا على مثل هذه الروايات، مع أن في الروايات المذكورة ما تلوح عليه لوائح الكذب كقصة الكف التي خرجت له أربع مرات، وفي ثلاث منهن لا يبالي بها؛ لأن ذلك على فرض صحته فيه أكبر زاجر لعوام الفساق فما ظنك بخيار الأنبياء! (٣). وقال ابن الجوزي: ولا يصح مما يروى عن المفسرين أنه حل السراويل وقعد منها مقعد

стр. 3116

الرجل، فإنه لو كان هذا دل على العزم والأنبياء معصومون من العزم على الزنا (١). وقال ابن عطية: ولا يصح عليه شيء مما ذكر من حل تكة ونحو ذلك؛ لأن العصمة مع النبوة (٢). وقال القاسمي: هذا وقد ألصق هنا بعض المفسرين الولعين بسرد الروايات ما تلقفوه من أهل الكتاب ومن المتصولحين من تلك الأقاصيص المختلفة على يوسف ﵇ في همه التي أنزه تأليفي عن نقلها بردها. . . (٣). وقال ابن كثير: وأكثر أقوال المفسرين ها هنا مُتَلَقًّى من كتب أهل الكتاب فالإعراض عنه أولى بنا، والذي يجب أن يعتقد أن الله تعالى عصمه، وبرأه، ونزهه عن الفاحشة، وحماه عنها، وصانه منها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤). وقال ابو السعود: فُسّر همُّه ﵇ بأنه ﵇ حلَّ الهَمَيان وجلس مجلسَ الخِتان. . .، وقيل: رؤيتُه للبرهان بأنه سمع صوتًا: إياك وإياها فلم يكترثْ. . .، وقيل: إنْ كلَّ ذلك إلا خرافاتٌ وأباطيلُ تمجُّها الآذانُ، وتردُّها العقول والأذهانُ، ويلٌ لمن لاكها ولفّقها أو سمعها وصدّقها (٥). الوجه الثالث: الأدلة على براءة يوسف ﵇ -. الدليل الأول: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣] فمن كلام امرأة العزيز كما يدل القرآن على ذلك دلالة بينة لا

стр. 3117

يرتاب فيها من تدبر القرآن، حيث قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٠ - ٥٣]. فهذا كله كلام امرأة العزيز، ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر بعد إلى الملك ولا سمع كلامه ولا رآه، ولكن لما ظهرت براءته في غيبته كما قالت امرأة العزيز: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾ أي: لم أخنه في حال مغيبه عني، وإن كنت في حال شهوده راودته فحينئذ: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾ وقد قال كثير من المفسرين: إن هذا كلام يوسف، ومنهم من لم يذكر إلا هذا القول. وهو قول في غاية الفساد، ولا دليل عليه، بل الأدلة تدل على نقيضه (١). الدليل الثاني: وكذلك قوله تعالى عنه أنه قال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ فصح عنه أنه قط لم يصبُ إليها (٢). الدليل الثالث: أن الله تعالى لم يذكر عنه ذنبًا، فلم يذكر ما يناسب الذنب من الاستغفار، بل إن من الباطل الممتنع أن يظن ظانٌّ أن يوسف ﵇ هَمَّ بالزنا وهو يسمع قول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فنسأل من خالفنا: الهم بالزنا بسوء هو أم غير سوء؟ لا بد أنه سوء، وقد صرف الله عنه

стр. 3118

السوء، ولو قال: إنه ليس بسوء لعاند الإجماع، فإذًا هو سوء فقد صرف عنه الهم بيقين (١). الدليل الرابع: شهادة الجميع له ببراءته: شهد بذلك رب العالمين ، وشهد يوسف ﵇، وتلك المرأة، وزوجها، والنسوة، والشهود، وإبليس اللعين؛ أقروا ببراءة يوسف من المعصية، فليس للمسلم توقف في هذا الباب (٢). - أما بيان أن يوسف ﵇ ادعى البراءة عن الذنب فهو قوله ﵇: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾، وقوله ﵇: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾. - أما بيان أن المرأة اعترفت بذلك فلأنها قالت للنسوة: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾، وأيضًا قالت: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١]. - وأما بيان أن زوج المرأة أقرَّ بذلك فهو قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾. - وأما الشهود فقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ الآيات (٣). - وأما شهادة الله تعالى بذلك فقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فقد شهد الله تعالى في هذه الآية على طهارته أربع مرات: أولها: قوله: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ واللام للتأكيد والمبالغة.

стр. 3119

ثانيها: قوله: ﴿وَالْفَحْشَاءَ﴾ أي: كذلك نصرف عنه السوء والفحشاء. ثالثها: قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ مع أنه تعالى قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾. ورابعها: قوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ وفيه قراءتان: تارة باسم الفاعل [المُخْلِصِين] وأخرى باسم المفعول [المُخْلَصِين]، فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتيًا بالطاعات والقربات مع صفة الإخلاص، ووروده باسم المفعول يدل على أنه تعالى استخلصه لنفسه واصطفاه لحضرته، وعلى كلا الوجهين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزهًا عما أضافوه إليه. - وأما بيان أن إبليس أقر بطهارته، فلأنه قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣] فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فكان هذا إقرارًا من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن طريقة الهدى، وعند هذا نقول لهؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف ﵇ هذه الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله تعالى: فليتقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته، ولعلهم يقولون: كنا في أول الأمر تلامذة إبليس إلى أن تخرجنا عليه فزدنا عليه في السفاهة. كما قال الخوارزمي: وكنت امرءًا من جند إبليس فارتقى ... بي الدهر حتى صار إبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أُحْسِنُ بعده ... طرائقَ فسق ليس يحسنها بعد فثبتت بهذه الدلائل أن يوسف ﵇ برئ عما يقوله الجهال (١). الدليل الخامس: أن الله تعالى لم يذكر عنه توبة: أن يقال إن الله تعالى لم يذكر عن نبي من الأنبياء ذنبًا إلا ذكر توبته منه. . . كما ذكر قصة آدم، وموسى، وداود، وغيرهم من الأنبياء. . . ويوسف ﵇ لم يذكر الله تعالى عنه في

стр. 3120

القرآن أنه فعل مع الرأة ما يتوب منه، أو يستغفر منه أصلًا، وقد اتفق الناس على أنه لم تقع منه الفاحشة، ولكن بعض الناس يذكر أنه وقع منه بعض مقدماتها، مثل ما يقولون أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الخاتن ونحو هذا، وما ينقلونه في ذلك ليس هو عن النبي ﷺ ، ولا مستندَ لهم فيه إلا النقلُ عن بعض أهل الكتاب، وقد عرف كلام اليهود في الأنبياء وغضهم منهم كما قالوا في سليمان ما قالوا، وفي داود ما قالوا، فلو لم يكن معنا ما يرد نقلهم لم نصدقهم فيما لم نعلم صدقهم فيه، فكيف نصدقهم فيما قد دل القرآن على خلافه؟ ! والقرآن قد أخبر عن يوسف من الاستعصام والتقوى والصبر في هذه القضية ما لم يذكر عن أحد نظيره، فلو كان يوسف قد أذنب لكان إما مصرًّا وإما تائبًا، والإصرار ممتنع، فتعين أن يكون تائبًا، والله لم يذكر عنه توبة في هذا ولا استغفارًا كما ذكر عن غيره من الأنبياء، فدلك ذلك على أن ما فعله يوسف كان من الحسنات المبرورة، والمساعي المشكورة، كما أخبر الله عنه بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). الدليل السادس: أن الزنا من منكرات الكبائر، والخيانة في معرض الأمانة أيضًا من منكرات الذنوب، وأيضًا مقابلة الإحسان العظيم بالإساءة الموجبة للفضيحة التامة والعار الشديد أيضًا من منكرات الذنوب، وأيضا الصبي إذا تربى في حضن إنسان وبقي مكفيَ المؤنة مصون العرض من أول صباه إلى زمان شبابه وكمال قوته - فإقدام هذا الصبي على إيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم المعظم من منكرات الأعمال، إذا ثبت هذا فنقول: إن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف ﵇ كانت موصوفة بجميع هذه الجهات الأربع، ومثل هذه المعصية لو نسبت إلى أفسق خلق الله تعالى وأبعدهم عن كل خير
следующие страницы →