الرجل، فإنه لو كان هذا دل على العزم والأنبياء معصومون من العزم على الزنا (١).
وقال ابن عطية: ولا يصح عليه شيء مما ذكر من حل تكة ونحو ذلك؛ لأن العصمة مع النبوة (٢).
وقال القاسمي: هذا وقد ألصق هنا بعض المفسرين الولعين بسرد الروايات ما تلقفوه من أهل الكتاب ومن المتصولحين من تلك الأقاصيص المختلفة على يوسف ﵇ في همه التي أنزه تأليفي عن نقلها بردها. . . (٣).
وقال ابن كثير: وأكثر أقوال المفسرين ها هنا مُتَلَقًّى من كتب أهل الكتاب فالإعراض عنه أولى بنا، والذي يجب أن يعتقد أن الله تعالى عصمه، وبرأه، ونزهه عن الفاحشة، وحماه عنها، وصانه منها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤).
وقال ابو السعود: فُسّر همُّه ﵇ بأنه ﵇ حلَّ الهَمَيان وجلس مجلسَ الخِتان. . .، وقيل: رؤيتُه للبرهان بأنه سمع صوتًا: إياك وإياها فلم يكترثْ. . .، وقيل: إنْ كلَّ ذلك إلا خرافاتٌ وأباطيلُ تمجُّها الآذانُ، وتردُّها العقول والأذهانُ، ويلٌ لمن لاكها ولفّقها أو سمعها وصدّقها (٥).
الوجه الثالث: الأدلة على براءة يوسف ﵇ -.
الدليل الأول: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣] فمن كلام امرأة العزيز كما يدل القرآن على ذلك دلالة بينة لا
стр. 3117
يرتاب فيها من تدبر القرآن، حيث قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٠ - ٥٣].
فهذا كله كلام امرأة العزيز، ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر بعد إلى الملك ولا سمع كلامه ولا رآه، ولكن لما ظهرت براءته في غيبته كما قالت امرأة العزيز: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾ أي: لم أخنه في حال مغيبه عني، وإن كنت في حال شهوده راودته فحينئذ: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾ وقد قال كثير من المفسرين: إن هذا كلام يوسف، ومنهم من لم يذكر إلا هذا القول. وهو قول في غاية الفساد، ولا دليل عليه، بل الأدلة تدل على نقيضه (١).
الدليل الثاني: وكذلك قوله تعالى عنه أنه قال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ فصح عنه أنه قط لم يصبُ إليها (٢).
الدليل الثالث: أن الله تعالى لم يذكر عنه ذنبًا، فلم يذكر ما يناسب الذنب من الاستغفار، بل إن من الباطل الممتنع أن يظن ظانٌّ أن يوسف ﵇ هَمَّ بالزنا وهو يسمع قول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فنسأل من خالفنا: الهم بالزنا بسوء هو أم غير سوء؟ لا بد أنه سوء، وقد صرف الله عنه
стр. 3118
السوء، ولو قال: إنه ليس بسوء لعاند الإجماع، فإذًا هو سوء فقد صرف عنه الهم بيقين (١).
الدليل الرابع: شهادة الجميع له ببراءته: شهد بذلك رب العالمين ، وشهد يوسف ﵇، وتلك المرأة، وزوجها، والنسوة، والشهود، وإبليس اللعين؛ أقروا ببراءة يوسف من المعصية، فليس للمسلم توقف في هذا الباب (٢).
- أما بيان أن يوسف ﵇ ادعى البراءة عن الذنب فهو قوله ﵇: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾، وقوله ﵇: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾.
- أما بيان أن المرأة اعترفت بذلك فلأنها قالت للنسوة: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾، وأيضًا قالت: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١].
- وأما بيان أن زوج المرأة أقرَّ بذلك فهو قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾.
- وأما الشهود فقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ الآيات (٣).
- وأما شهادة الله تعالى بذلك فقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فقد شهد الله تعالى في هذه الآية على طهارته أربع مرات:
أولها: قوله: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ واللام للتأكيد والمبالغة.
стр. 3119
ثانيها: قوله: ﴿وَالْفَحْشَاءَ﴾ أي: كذلك نصرف عنه السوء والفحشاء.
ثالثها: قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ مع أنه تعالى قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾.
ورابعها: قوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ وفيه قراءتان: تارة باسم الفاعل [المُخْلِصِين] وأخرى باسم المفعول [المُخْلَصِين]، فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتيًا بالطاعات والقربات مع صفة الإخلاص، ووروده باسم المفعول يدل على أنه تعالى استخلصه لنفسه واصطفاه لحضرته، وعلى كلا الوجهين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزهًا عما أضافوه إليه.
- وأما بيان أن إبليس أقر بطهارته، فلأنه قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣] فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فكان هذا إقرارًا من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن طريقة الهدى، وعند هذا نقول لهؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف ﵇ هذه الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله تعالى: فليتقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته، ولعلهم يقولون: كنا في أول الأمر تلامذة إبليس إلى أن تخرجنا عليه فزدنا عليه في السفاهة.
كما قال الخوارزمي:
وكنت امرءًا من جند إبليس فارتقى ... بي الدهر حتى صار إبليس من جندي
فلو مات قبلي كنت أُحْسِنُ بعده ... طرائقَ فسق ليس يحسنها بعد
فثبتت بهذه الدلائل أن يوسف ﵇ برئ عما يقوله الجهال (١).
الدليل الخامس: أن الله تعالى لم يذكر عنه توبة:
أن يقال إن الله تعالى لم يذكر عن نبي من الأنبياء ذنبًا إلا ذكر توبته منه. . . كما ذكر قصة آدم، وموسى، وداود، وغيرهم من الأنبياء. . . ويوسف ﵇ لم يذكر الله تعالى عنه في
стр. 3120
القرآن أنه فعل مع الرأة ما يتوب منه، أو يستغفر منه أصلًا، وقد اتفق الناس على أنه لم تقع منه الفاحشة، ولكن بعض الناس يذكر أنه وقع منه بعض مقدماتها، مثل ما يقولون أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الخاتن ونحو هذا، وما ينقلونه في ذلك ليس هو عن النبي ﷺ ، ولا مستندَ لهم فيه إلا النقلُ عن بعض أهل الكتاب، وقد عرف كلام اليهود في الأنبياء وغضهم منهم كما قالوا في سليمان ما قالوا، وفي داود ما قالوا، فلو لم يكن معنا ما يرد نقلهم لم نصدقهم فيما لم نعلم صدقهم فيه، فكيف نصدقهم فيما قد دل القرآن على خلافه؟ !
والقرآن قد أخبر عن يوسف من الاستعصام والتقوى والصبر في هذه القضية ما لم يذكر عن أحد نظيره، فلو كان يوسف قد أذنب لكان إما مصرًّا وإما تائبًا، والإصرار ممتنع، فتعين أن يكون تائبًا، والله لم يذكر عنه توبة في هذا ولا استغفارًا كما ذكر عن غيره من الأنبياء، فدلك ذلك على أن ما فعله يوسف كان من الحسنات المبرورة، والمساعي المشكورة، كما أخبر الله عنه بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).
الدليل السادس: أن الزنا من منكرات الكبائر، والخيانة في معرض الأمانة أيضًا من منكرات الذنوب، وأيضًا مقابلة الإحسان العظيم بالإساءة الموجبة للفضيحة التامة والعار الشديد أيضًا من منكرات الذنوب، وأيضا الصبي إذا تربى في حضن إنسان وبقي مكفيَ المؤنة مصون العرض من أول صباه إلى زمان شبابه وكمال قوته - فإقدام هذا الصبي على إيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم المعظم من منكرات الأعمال، إذا ثبت هذا فنقول: إن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف ﵇ كانت موصوفة بجميع هذه الجهات الأربع، ومثل هذه المعصية لو نسبت إلى أفسق خلق الله تعالى وأبعدهم عن كل خير
стр. 3121
لاستنكف منه، فكيف يجوز إسنادها إلى الرسول ﷺ المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة (١)؟ ! ! !
الدليل السابع: ونقول: هب ان هذه الآية وهي قوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ لا تدل على نفي هذه المعصية عنه، إلا أنه لا شك أنها تفيد المدح العظيم والثناء البالغ، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي عن إنسان إقدامه على معصية عظيمة، ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم المدائح والأثنية عقيب أن حكي عنه ذلك الذنب العظيم، فإنه مثاله ما إذا حكى السلطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب وأفحش الأعمال ثم إنه يذكره بالمدح العظيم والثناء البالغ عقيبه، فإن ذلك يستنكر جدًّا، فكذا ها هنا، والله أعلم (٢).
الوجه الرابع: مقارنة بين نص القصة في التوراة والقرآن .
أولًا: نص القصة في التوراة:
(وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ امْرَأَةَ سَيِّدِهِ رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا إِلَى يُوسُفَ وَقَالَتِ: "اضْطَجعْ مَعِي". ٨ فَأَبَى وَقَالَ لامْرَأَةِ سَيِّدِهِ: "هُوَ ذَا سَيِّدِي لَا يَعْرِفُ مَعِي مَا فِي الْبَيْتِ، وَكُلُّ مَا لَهُ قَدْ دَفَعَهُ إِلَى يَدِي. ٩ لَيْسَ هُوَ فِي هذَا الْبَيْتِ أَعْظَمَ مِنِّي. وَلَمْ يُمْسِكْ عَنِّي شَيْئًا غَيْرَكِ، لأَنَّكِ امْرَأَتُهُ. فكَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى الله؟ ". ١٠ وَكَانَ إِذْ كَلَّمَتْ يُوسُفَ يَوْمًا فَيَوْمًا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ لَهَا أَنْ يَضْطَجعَ بِجَانِبِهَا لِيَكُونَ مَعَهَا. ١١ ثُمَّ حَدَثَ نَحْوَ هذَا الْوَقْتِ أَنَّهُ دَخَلَ الْبَيْتَ لِيَعْمَلَ عَمَلَهُ، وَلَمْ يَكُنْ إِنْسَانٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ هُنَاكَ فِي الْبَيْتِ. ١٢ فَأَمْسَكَتْهُ بِثَوْبِهِ قَائِلَةً: "اضْطَجعْ مَعِي! ". فَتَرَكَ ثَوْبَهُ فِي يَدِهَا وَهَرَبَ وَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ. ١٣ وَكَانَ لمَّا رَأَتْ أَنَّهُ تَرَكَ ثَوْبَهُ فِي يَدِهَا وَهَرَبَ إِلَى خَارِجٍ، ١٤ أَنَّهَا نَادَتْ أَهْلَ بَيْتِهَا، وَكَلَّمَتهُمْ قَائِلةً: "انْظُرُوا! قَدْ جَاءَ إِلَيْنَا بِرَجُل عِبْرَانِيٍّ لِيُدَاعِبَنَا! دَخَلَ إِلَيَّ لِيَضْطَجعَ مَعِي، فَصَرَخْتُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ. ١٥
стр. 3122
وَكَانَ لمَّا سَمِعَ أَنِّي رَفَعْتُ صَوْتِي وَصَرَخْتُ، أَنَّهُ تَرَكَ ثَوْبَهُ بِجَانِبِي وَهَرَبَ وَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ". ١٦ فَوَضَعَتْ ثَوْبَهُ بِجَانِبِهَا حَتَّى جَاءَ سَيِّدُهُ إِلَى بَيْتِهِ. ١٧ فَكَلَّمَتْهُ بِمِثْلِ هذَا الْكَلَامِ قَائِلَةً: "دَخَلَ إِلَيَّ الْعَبْدُ الْعِبْرَانِيُّ الَّذِي جِئْتَ بِهِ إِلَيْنَا لِيُدَاعِبَنِي. ١٨ وَكَانَ لمَّا رَفَعْتُ صَوْتِي وَصَرَخْتُ، أَنَّهُ تَرَكَ ثَوْبَهُ بِجَانِبِي وَهَرَبَ إِلَى خَارِجٍ". ١٩ فَكَانَ لمَّا سَمِعَ سَيِّدُهُ كَلَامَ امْرَأَتِهِ الَّذِي كَلَّمَتْهُ بِهِ قَائِلَةً: "بِحَسَبِ هذَا الْكَلَامِ صَنَعَ بِي عَبْدُكَ"، أَنَّ غَضَبَهُ حَمِيَ. ٢٠ فَأَخَذَ يُوسُفَ سَيِّدُهُ وَوَضَعَهُ فِي بَيْتِ السِّجْنِ، الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ أَسْرَى الْمَلِكِ مَحْبُوسِينَ فِيهِ. وَكَانَ هُنَاكَ فِي بَيْتِ السِّجْنِ) (سفر التكوين ٣٩/ ٧: ٢٠).
ثانيًا: الفروق بين نص القصة في التوراة والقرآن:
- في التوراة:
فالمراودة حدثت مرارًا ونصحُ يوسف لامرأة سيده كان قبل المرة الأخيرة.
أما في القرآن:
المراودة حدثت مرة واحدة اقترنت بعزم المرأة على يوسف لينفذ رغبتها.
- في التوراة:
تخلو من الإشارة على تغليق الأبواب، وتقول: إن يوسف ترك ثوبه بجانبها وهرب، وانتظرت هي قدوم زوجها، وقصت عليه القصة بعد أن أعلمت بها أهل بيتها.
أما في القرآن:
يشير إلى تغليق الأبواب، وأن يوسف هم بالخروج فقدَّت ثوبه من الخلف، وحين وصلا على الباب فوجئا بالعزيز يدخل عليهما فبادرت المرأة بالشكوى في الحال.
- في التوراة:
لم يكن يوسف موجودًا حين دخل العزيز، ولم يدافع يوسف عن نفسه لدى العزيز.
أما في القرآن:
стр. 3123
يوسف كان موجودًا حين قدم العزيز، وقد دافع عن نفسه بعد وشاية المرأة، وقال: هي راودتني عن نفسي.
- في التوراة:
تخلو من حديث الشاهد، وتقول: إن العزيز حمى غضبه على يوسف بعد سماع المرأة.
أما في القرآن:
يذكر تفصيلًا شهادة الشاهد، كما يذكر اقتناع العزيز بتلك الشهادة، ولومه لامرأته، وتذكيرها بخطئها، وتثبيت يوسف على العفة والطهارة.
- في التوراة:
تقول: إن العزيز في الحال أمر بوضع يوسف في السجن، ولم يعرض أمره على رجال حاشيته.
أما في القرآن:
يشير إلى أن القرار بسجن يوسف كان بعد مداولة بين العزيز وحاشيته.
- في التوراة:
تخلو من حديث النسوة اللاتي لُمْنَ المرأة على مراودتها فتاها عن نفسه، وهي فجوة هائلة في نص التوراة.
أما في القرآن:
يذكر حديث النسوة بالتفصيل، كما يذكر موقف امرأة العزيز منهن، ودعوتها إياهن ملتمسة أعذارها لديهن، ومصرة على أن ينفذ رغبتها.
هذه الستة فروق بارزة بين ما يورده القرآن الأمين، وما ذكرته التوراة - التي كانت أمينة قبل أن تعيث أيديهم فيها بالتحريف -.
والنظر الفاحص في المصدرين يرينا أنهما لم يتفقا إلا في أصل الواقعة من حيث هي واقعة وكفى، ويختلفان بعد هذا في كل شيء، على أن القرآن قام هنا بعملين جليلي الشأن:
стр. 3124
أولهما: أنه أورد جديدًا لم تعرفه التوراة ومن أبرزه:
١ - حديث النسوة، وموقف المرأة منهن.
٢ - شهادة الشاهد الذي هو من أهل امرأة العزيز.
ثانيهما: تصحيح أخطاء وقعت فيها التوراة ومن أبرزها:
١ - لم يترك يوسف ثوبه لدى المرأة بل كان لابسًا إياه ولكن قُطع من الخلف.
٢ - غياب يوسف حين حضر العزيز، وإسقاطها - أي: التوراة - دفاعه عن نفسه.
اعتراض وجوابه: قد يقول قائل: لماذا تفترض أن الخطأ هو ما في التوراة، وأن الصواب هو ما في القرآن؟ أليس ذلك تحيزًا منك للقرآن؛ لأنه كتاب المسلمين وأنت مسلم؟ ولماذا لا تفترض العكس؟ ! وإذا لم تفترض أنت العكس، فقد يقول به غيرك، وما تراه أنت لا يطابق ما يراه الآخرون؟ ! ! ! هذا الاعتراض وارد في مجال البحث، إذن فلا بد من الإيضاح.
والجواب: لم نتحيز للقرآن لأنه قرآن، ولأنه كتابنا نحن المسلمين، ولنا في هذا الحكم داعيان:
(الأول) لم يرد في القرآن قط ما هو خلاف الحق؛ لأنه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾، وقد ثبتت هذه الحقيقة في كل مجالات البحوث التي أجريت على مفاهيم القرآن العظيم في كل العصور، وهذا الداعي وحده كافٍ في تأييد ما ذهبنا إليه.
(الثاني) وهو منتزع من الواقعة نفسها موضوع المقارنة وإليك البيان:
كل من التوراة والقرآن متفقان على (عفة يوسف) وإعراضه عن الفحشاء، ثم اختلفا بعد ذلك، فالتوراة تقول: إن يوسف ترك ثوبه كله لدى المرأة وهرب.
والقرآن يقول: إنه لم يترك الثوب بل أمسكته المرأة من الخلف، ولما لم يتوقف يوسف ﵇ اقتطعت قطعة منه وبقيت ظاهرة في ثوبة.
فأيُّ الروايتين أليق بعفة يوسف المتفق عليها بين المصدرين؟ ! أن يترك ثوبه كله؟ أم أن يُخرق ثوبه من الخلف؟ !
стр. 3125
إذا سلمنا برواية التوراة أنه ليس (عفيفًا) والمرأة على حق في دعواها؛ لأن يوسف لا يخلع ثوبه هكذا سليمًا إلا إذا كان هو الراغب وهي الآتية، ولا يقال: إن المرأة هي التي أخلعته ثوبه لأن يوسف رجل وهي امرأة، فكيف تتغلب عليه وتخلع ثوبه بكل سهولة؟ ثم لما يمتنع تحتفظ هي بالثوب كدليل ماديٍّ على جنايته المشينة؟ ! وهل خرج يوسف (عريانًا) وترك ثوبه لدى غريمته .. .؟ !
والخلاصة: أن رواية التوراة فيها إدانة صريحة ليوسف ﵇ وهذا ينافي مع العفة التي وافقت فيها القرآن الأمين.
أما رواية القرآن فهي إدانة صريحة لامرأة العزيز، وبراءة كاملة ليوسف ﵇.
لقد دعته المرأة إلى نفسها ففر منها، فأدركته وأمسكته من الخلف بفعل المرأة، والثانية إلى الأمام بحركة يوسف فانقطع ثوبه من الخلف، وهذا يتفق تمامًا مع العفة المشهود بها ليوسف في المصدرين ولهذا قلنا: إن القرآن صحح هذا الخطأ الوارد في التوراة.
فهل القرآن مقتبس من التوراة؟
وهل تنطبق على القرآن أسس الاقتباس أم هو ذو سلطان خاص به فيما يقول ويقرر؟ المقتبس لا بد من أن ينقل الفكرة كلها أو بعضها، وها نحن قد رأينا القرآن يتجاوز هذه الأسس؛ فيأتي بجديد لم يذكر فيما سواه، ولم يذكر فيما زعموا أنه نقل منه، ويصحح خطأً وقع فيه ما سواه.
فليس الاختلاف فيها اختلاف حبكٍ وصياغة، وإنما هو اختلاف يشمل الأصول والفروع، هذا بالإضافة إلى إحكام البناء وعفة الألفاظ وشرف المعاني.
إن الذي روته التوراة هنا لا يصلح ولن يصلح أن يكون أساسًا للذي ذكره القرآن، وإنما أساس القرآن هو الوحي الصادق الأمين، ذلك هو مصدر القرآن "الوضيء" وسيظل ذلك هو مصدره، تتساقط بين يديه دعاوى الباطل ومفتريات المفترين في كل عصر ومصر (١).
* * *
стр. 3126
٣ - شبهة: يوسف ﵇ استغاث بغير الله تعالى .
نص الشبهة:
يُستدلُّ من القرآن على لسان يوسف ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أنه استغاث بغير الله، فكيف يقع ذلك منه؟ !
والردُّ على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: هذا من الأخذ بالأسباب المشروعة، ولا ينافي التوكل على الله .
الوجه الثاني: أرسل إلى الملك ليتوصل إلى دعوته إلى الله.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: هذا من الأخذ بالأسباب المشروعة، ولا ينافي التوكل على الله.
في هذه الآية دليل على جواز الاستعانة بمن هو مظنة كشف الغمة وإن كان مشركًا، وقد جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وقوله حكاية عن عيسى ﵇: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، وفي الحديث: (والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه) (١)، وجلي أن ذلك من نظام الكون والعمران البشري، ولذلك ميز الإنسان بالنطق، وهذا من يوسف ﵇ على سبيل الاستعانة والتعاون في تفريج كربه وجعله بإذن الله وتقديره سببًا للخلاص، كما كان رسول الله ﷺ يطلب من يحرسه، ففعلُ يوسفَ ﵇ دليل على جواز السعي والتعلق بالأسباب وإن كان اليقين حاصلًا، ولا ينافي ذلك التوكل على رب الأرباب، فإن الأمور بيد مسببها، ولكنه جعلها سلسلةً وركب بعضها على بعض، فتحريكها سنة، والتعويل على المنتهى يقين.
فاعلم أن الاستعانة بالناس في دفع الظلم جائزة في الشريعة، والأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله والسعي في إزالة الظلم لا ينافي التسليم لقضاء الله، فإن التسليم الواجب هو التسليم لحكم الله وقضائه الشرعي الديني.
стр. 3127
أما القضاء والحكم القدري الكوني فإنه ثلاثة أنواع:
القسم الأول: الحكم الكوني الذي لا قدرة للإنسان فيه لا على أخذ الأسباب أو دفعها؛ مثل كونه ولد بصفة معينة، أو في زمن معين، أو لأبوين معينين، ومثل كونه ذكرًا أو أنثى، ومثل موت بعض أحبابه وأقاربه، ومثل مرضه مرضًا لا يعرف له دواء ولا يرجى منه شفاء، فهذا قدر لا بد فيه من التسليم المحض، وعدم المنازعة وعدم الفرار منه؛ إذ لا سبيل إلى ذلك، وترك التسليم ووجود المنازعة إنما هو السخط والشك، والاعتراض على الربوبية، وجرأة الإقدام، ووقاحة الاقتراح بأنه كان ينبغي غير ما كان والعياذ بالله.
القسم الثاني: الحكم الكوني الذي جعل الله للعباد على أخذ الأسباب أو دفعها قدرة وإرادة وكسبًا، وكونه جعل لهم قدرة وإرادة تتعلق بالأسباب تكسبًا:
لا ينافي أنه إنما يوجبه حكمه الكوني، فليست إرادة العباد موجبة وقدرتهم في الحقيقة أثرهم؛ إنما هو من آثار قدرة الله فهو الذي شاء أن يشاؤا، وهو الذي أقدرهم؛ فهذا النوع من الحكم القدري يشرع فيه وجوبًا واستحبابًا أخذ الأسباب المباحة والمشروعة. فمن ابتلاه الله بقدر من الجوع دفعه بقدر من الأكل، ومن ابتلاه الله بقدر من العطش فرَّ منه إلى قدر من الشرب، ومن أصابه قدر من المرض نازعه بقدر من التداوي؛ مصداق ذلك قول النبي ﷺ : (لما سئل عن الأدوية التي يتداوون بها ترد من قدر الله شيئًا فقال: "هي من قدر الله") (١).
ومن ذلك قول عمر لأبي عبيدة: (أتفرُّ من قدر الله؟ ! قال: نعم، أفر من قدر الله إلى قدر الله) (٢).
стр. 3128
ومن هذا ما فعله يوسف ﵇، فحين أصابه قدر من الظلم والسجن شرع في دفعه بقدر طلب الشفاعة العادلة لدى الملك الذي أقدره الله على أن يرفع الظلم عنه، ويتأكد أخذ الأسباب في هذا النوع من الحكم الكوني القدري إذا كان في الذي تفر إليه طاعة لله وعبودية محبوبة له، وقد يكون واجبًا أن يأخذ بالأسباب، فمن ترك نفسه للجوع حتى هلك مع قدرته على الأكل كان آثمًا، ومن ترك أولاده بلا نفقة وهو قادر على الكسب برغم التسليم بالقدر كان آثمًا؛ مصداق قول النبي ﷺ : "وكفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت". (١)
القسم الثالث: من الحكم الكوني الحكم على العبد بالمعصية والخذلان، فهذا يجب عليه أن يفر منه وينازعه بقدر من الطاعة والتوبة والإنابة والتضرع إلى الله أن يأخذ بناصيته إليه، وأن يوفقه لما يحب ويرضى، وأن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وبهذا يحقق العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، وفي هذا النوع بعد تحقيق التوبة والإنابة والإصلاح ما استطاع - يكون القدر بالنسبة إلى ما قد دفع في الماضي بالفعل ولا قدرة على تغيير هذا الماضي، بل قدرته في إزالة آثاره وقد فعل؛ يكون القدر في هذه الحالة عذرًا للعبد وحجة يحتج بها (كما حَجَّ آدمُ موسى بذلك). (٢)
وكما قال كعب بن مالك ﵁ بعد توبته وقبولها: (فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني فعلت، غير أنه لم يقدر له ذلك). (٣) فهو باقٍ على ندمه على التخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، ويتمنى أن لو كان لم يقع في الذنب، وهذا من كمال الندم، ولكنه يسلي نفسه ويعزيها بالقدر كما أنه في النوع الثاني؛ وهو الحكم الكوني الذي للعبد فيه قدرة على الأسباب - يكون الاستسلام للقدر مأمورًا به بعد استفراغ الوسع في أخذ الأسباب، وقد لا تثمر ثمرتها
стр. 3129
ولا تؤتي نتيجتها فقد نسي الرجل الساقي أن يذكر أمر يوسف للملك، فما كان من يوسف إلا التسليم والرضا بقضاء الله، فإن الأسباب ليست موجبة لنتائجها، فلا يحزن العبد ولا يغتم ولا يهتم، فقد جعل الله الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط، فلا بد من التسليم والتفويض والتوكل على الله والثقة به .
أطلنا الكلام على هذه المسألة المهمة؛ لأن البعض قد فسر الآية الكريمة على أن يوسف ﵇ لطلبه من الذي علم أنه ناجٍ من صاحبيه في السجن أن يذكره عند ربه، وأنه لو لم يفعل لما لبث في السجن ما لبث، ويجعل ذلك حجة في ترك الأسباب زاعمًا أنها منافية للتسليم والرضا بالقدر، ومعلوم أن هدي الأنبياء جميعًا وسنتهم الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، فإن جاء ما يعجز العبد وما لا قدرة له عليه وغلبه أمرٌ قال: قدر الله وما شاء فعل، وسلم الأمر لله وقضائه، فأخذ الأسباب ابتغاء الفرج من عند الله.
ولو وقع إنسان في بئر مثلًا وكان يستطيع أن ينادي مَنْ بالطريق بجوار البئر ليخرجه لزمه ذلك كما يلزمه إمساك الحبل لمن ألقاه إليه؛ خلافًا للمنقول عن بعض المتقدمين مِنْ تركه النداء أرسل الله إليه من ألقى إليه الحبل، فهل كان ترك النداء توكلًا والإمساك بالحبل نقصًا في التوكل؟ !
فالمسألة واحدة في الأمرين؛ كلاهما سبب.
إذن فطلب الشفاعة في الحق أمر مشروع لا ينافي كمال التوكل مع ثقة القلب به وكمال توكله عليه، وهذا هو الظن الواجب بيوسف ﵇. (١)
واحتياج الإنسان للواسطة في قضاء حاجته أو رفع الظلم عنه عادة قديمة، وقي الغالب لا يكون إلا إذا كانت الحكومات ظالمة مستبدة لا يعمل فيها بموجب الشرائع والأنظمة؛ ولكن بالرأي الفردي وبحسب الشهوة، وهذه الحالة السيئة كما كانت في تلك الحكومات المصرية الهكسوسية، فهي سائدة في جميع الأمم بنسب تتفاوت تبعًا للتربية والأخلاق.
стр. 3130
وأذكر أنه مرة سألني سائل فقال: إن الشريعة كما حصرت العبادة في الله تعالى فقد حصرت الاستعانة فيه أيضًا؛ إذ ورد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، فكما أمرنا الله تعالى أن لا نعبد غيره لأن السلطة الغيبية التي هي وراء الأسباب ليست إلا له دون غيره؛ فكذلك أمرنا أن لا نستعين بغيره أيضًا؟ .
فأجبته: إن كل عمل يعمله الإنسان تتوفق ثمرته ونجاحه على حصول الأسباب التي اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون مؤداة إليه؛ وعلى انتفاء الموانع التي من شأنها بمقتضى الحكمة أن تحول دونه.
وقد مكن الله تعالى الإنسان بما أعطاه من العلم والقوة من دفع بعض الموانع وكسب بعض الأسباب وحجب عنه البعض الآخر، فيجب علينا أن نقول بما في استطاعتنا من ذلك ونبذل في إتقان أعمالنا كل ما نستطيع من حول وقوة، وأن نتعاون ويساعد بعضُنا بعضًا على ذلك ثم نفوض الأمر فيما وراء ذلك إلى القادر على كل شيء، ونلجأ إليه وحده ونطلب المعونة المتممة للعمل والموصلة لثمرته منه سبحانه دون سواه؛ إذ لا يقدر على ما وراء الأسباب الممنوحة لكل البشر على السواء إلا مسبب الأسباب ورب الأرباب.
فقول يوسف ﵇ ههنا: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ هو من قبيل الاستعانة بالأسباب التي نصبها الله تعالى وجعلها بتوفيقه ذريعة للمقصود، وهذا الضرب لا مانع منه كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، ولنضرب لذلك مثلًا: الزارع يبذل جهده في الحرث، والغرس، وتسميد الأرض، وريها، يفعل ذلك بنفسه، ويستعين بالله تعالى على إتمام ذلك بمنع الآفات والجوائح السماوية أو الأرضية، وإشراق الشمس، وإنزال المطر الكافي على سبيل التعانت بين الشمس والمطر بمقدار اللزوم، فالاستعانة بالعبد على القسم الأول جائزة طبعًا وشرعًا، وأما الاستعانة على القسم الثاني فإنما هي بالله وحده (١).
الوجه الثاني: أرسل إلى الملك ليتوصل إلى دعوته إلى الله .
стр. 3131
وقيل: إن هذه ليست استعانة، وإنما قال يوسف لساقي الملك: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ليتوصل إلى هدايته وإيمانه بالله، كما توصل إلى إيضاح الحق للساقى ورفيقه. (١)
بدليل قوله تعالى على لسان يوسف لما أرسل له الملك الرسول قال له يوسف ﵇: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠]، ولم يتعجل ويخرج إلى الملك، بل لا فرق عنده بين السجن وبين خارج السجن؛ لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.
* * *
стр. 3132
٤ - شبهة: أن تعبير يوسف ﵇ للرؤيا لم يكن على الحقيقة، بدليل قوله تعالى: (ظن) .
نص الشبهة: قالوا: أن يوسف حينما عبَّر عن رؤيا الملك لم يكن على الحقيقة، بل كان ظن.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الظن أقوى من الشك، وقد يكون بمعنى اليقين كما في الآية .
الوجه الثاني: الظن في الآية بمعنى: (اليقين).
الوجه الثالث: الظن وإن كان خلاف اليقين، فهذا في حال الناس، أما في حال الأنبياء فهو على اليقين.
الوجه الرابع: بيان الحكمة من التعبير بهذا اللفظ القرآني.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: الظن أقوى من الشك، وقد يكون بمعنى اليقين كما في الآية
فالظن: مصدر من باب (قتل)، وهو خلاف اليقين؛ قاله الأزهري وغيره، وقد يستعمل بمعنى: اليقين كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾.
الظن: التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد الغير الجازم ظنون وأظانين، وقد يوضع موضع العلم، الظن العلم دون يقين أو بمعناه، وبابه (رد)، وتقول: ظننتك زيدًا وظننت زيدًا إياك، تضع الضمير المنفصل موضع المتصل، وفي التهذيب: الظن يقين وشك، وأنشد أبو عبيدة:
ظنى بهم كعسى وهم بتنوفة ... يتنازعون جوائز الأمثال
يقول: اليقين منهم كعسى، وعسى شك، وقال شمر: قال أبو عمرو معناه: ما يظن بهم من الخير فهو واجب، وعسى من الله واجب.
وقال المناوي: الظن الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض ويستعمل في اليقين والشك، وقال الراغب: (الظن) اسم لما يحصل من أمارة، ومتى قويت أدت إلى العلم، ومتى ضعفت لم تجاوز حد الوهم، ومتى قوى أو تصور بصورة القوى استعمل معه أن المشددة أو المخففة، ومتى ضعف استعمل معه أن المختصة بالمعدومين من القول والفعل.
стр. 3133
وقال الجوهري: الظن معروف (وقد يوضع العلم) قال دريد بن الصمة:
فقلت لهم ظنوا بالقى مدجج ... سراتهم في الفارسى المسرد
أي: استيقنوا وإنما يخوف عدوه باليقين لا بالشك، وفى حديث أسيد بن حضير: وظننا أن لم يجد عليهما أي: علمنا، وفى حديث عبيدة عن أنس سألته عن قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فأشار بيده، فظننت ما قال أي علمت، وقال الراغب: في قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ أنه استعمل فيه الظن بمعنى: العلم. وفى البصائر: وقد ورد الظن في القرآن مجملًا على أربعة أوجه بمعنى: اليقين، وبمعنى: الشك، وبمعنى: التهمة، وبمعنى: الحسبان (١).
الوجه الثاني: الظن في الآية بمعنى: (اليقين) .
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ﴾ الظن ها هنا بمعنى: اليقين؛ لأن ما تقدم من قول: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يلزم ذلك، وهو يقين فيما لم يخرج بعد إلى الوجود، و (ظن) هنا بمعنى: اليقين؛ هو قول أكثر المفسرين، وفسره قتادة على الظنِّ الذي هو خلاف اليقين، قال: إنما ظن يوسف نجاته، لأن العابر يظن ظنًا وربك يخلق ما يشاء.
الوجه الثالث: الظن وإن كان خلاف اليقين، فهذا في حال الناس، أما في حال الأنبياء فهو على اليقين .
والأول أصح وأشبه بحال الأنبياء، وأن ما قاله للفتيين في تعبير الرؤيا كان عن وحي، وإنما يكون ظنًا في حكم الناس، وأما في حق الأنبياء فإن حكمهم حق كيفما وقع (٢).
قال الطبري: وهذا الذي قاله قتادة، من أن عبارة الرؤيا ظن، فإن ذلك كذلك من غير الأنبياء، فأما الأنبياء فغير جائز منها أن تخبر بخبر عن أمر أنه كائنٌ ثم لا يكون، أو أنه غير كائن ثم يكون، مع شهادتها على حقيقة ما أخبرت عنه أنه كائن أو غير كائن، لأن ذلك لو جاز عليها في أخبارها، لم يُؤمَن مثل ذلك في كل أخبارها، وإذا لم يؤمن ذلك في أخبارها، سقطت
стр. 3134
حُجَّتها على من أرسلت إليه، فإذا كان ذلك كذلك كان غير جائزٍ عليها أن تخبر بخبرٍ إلا وهو حق وصدق. فمعلومٌ إذ كان الأمر على ما وصفت أن يوسف لم يقطع الشهادة على ما أخبر الفتيين اللذين استعبراه أنه كائن، فيقول لأحدهما: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾، ثم يؤكد ذلك بقوله: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾، عند قولهما: (لم ترَ شيئًا) إلا وهو على يقين أن ما أخبرهما بحدوثه وكونه، أنه كائن لا محالة لا شك فيه. وليقينه بكون ذلك، قال للناجي منهما: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، فبيِّنٌ إذًا بذلك فسادُ القول الذي قاله قتادة في معنى قوله: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ (١).
الوجه الرابع: بيان الحكمة من التعبير بهذا اللفظ القرآني .
قال الآلوسي: جاء على صيغة الماضي مبالغة في الدلالة على تحقق النجاة حسبما يفيده قوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾، وهو السر في إيثار ما عليه النظم الكريم على أن يُقال للذي ظنه ناجيًا منهما من صاحبيه، وإنما ذكر بوصف النجاة تمهيدًا لمناط التوصية بالذكر بما يدور عليه الامتياز بينه وبين صاحبه المذكور بوصف الهلاك.
والظان: هو يوسف ﵇ لا صاحبه؛ لأن التوصية المذكورة لا تدور على ظن الناجي بل على ظن يوسف، وهو بمعنى: اليقين كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾، ولعل التعبير به من باب إرضاء الظانِّ والتأدب مع الله تعالى، فالتعبير بالوحي كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾، وقيل: هو بمعناه، والتعبير بالاجتهاد والحكم بقضاء الأمر أيضًا اجتهادي، ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: سيدك وصِفْنِي له بصفتي التي شاهدتها (٢).
* * * *
стр. 3135
٥ - شبهة: حول قول يوسف ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ .
نص الشبهة:
هل هناك رب غير الله مع أن الرب واحد.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الرب في اللغة يطلق على غير الله إذا كان مضافًا .
الوجه الثاني: خاطَبَهم على المُتَعارَفِ عندهم، وهذا من عرفهم.
الوجه الثالث: الجمع بين قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقول النبي ﷺ : "وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ رَبِّى وَلْيَقُلْ سَيِّدِى مَوْلَاى" (١).
وإليك التفصيل
الوجه الأول: الرب في اللغة يطلق على غير الله إذا كان مضافًا.
الرَّبُّ هو الله ، هو رَبُّ كلِّ شيءٍ؛ أَي: مالكُه، وله الرُّبوبيَّة على جميع الخَلْق لا شريك له، وهو رَبُّ الأَرْبابِ ومالِكُ المُلوكِ والأَمْلاكِ، ولا يقال: الربُّ في غَير الله إِلّا بالإِضافةِ.
قال: ويقال الرَّبُّ بالأَلِف واللام لغيرِ الله، وقد قالوه في الجاهلية للمَلِكِ، قال الحارث بن حِلِّزة:
وهو الرَّبُّ والشَّهِيدُ عَلى يَوْمِ ... الحِيارَيْنِ والبَلاءُ بَلاءُ
والاسْم الرِّبابةُ قال:
يا هِنْدُ أَسْقاكِ بلا حِسابَهْ ... سُقْيَا مَلِيكٍ حَسَنِ الرِّبابهْ
وربُّ كلِّ شيءٍ: مالِكُه ومُسْتَحِقُّه، وقيل: صاحبُه، ويقال: فلانٌ رَبُّ هذا الشيءِ، أَي: مِلْكُه له، وكُلُّ مَنْ مَلَك شيئًا فهو رَبُّه، يقال: هو رَبُّ الدابةِ، ورَبُّ الدارِ، وفلانٌ رَبُّ البيتِ، وهُنَّ رَبَّاتُ الحِجالِ.
والرَّبُّ يُطْلَق في اللغة على المالكِ، والسَّيِّدِ، والمُدَبِّر، والمُرَبِّي، والقَيِّمِ، والمُنْعِمِ، ولا يُطلَق غيرَ مُضافٍ إِلّا على الله تعالى، وإِذا أُطْلِق على غيرِه أُضِيفَ؛ فيقالَ: ربُّ كذا، وقد
стр. 3136
جاءَ في الشِّعْر مُطْلَقًا على غيرِ الله تعالى وليس بالكثيرِ، ولم يُذْكَر في غير الشِّعْر.
والعرب تقول: لأَنْ يَرُبَّنِي فلان أَحَبُّ إِليَّ من أَنْ يَرُبَّنِي فلان؛ يعني: أَن يكونَ رَبًّا فَوْقِي وسَيِّدًا يَمْلِكُنِي.
قال ابن الأنباري: الرَّبُّ يَنْقَسِم على ثلاثة أَقسام: يكون الرَّبُّ المالِكَ؛ ويكون الرَّبُّ السّيدَ المطاع؛ قال الله تعالى: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أَي: سَيِّدَه؛ ويكون الرَّبُّ المُصْلِحَ، رَبَّ الشيءَ أي: أَصْلَحَه، وأَنشد:
يَرُبُّ الذي يأْتِي منَ العُرْفِ إنه ... إِذا سُئِلَ المَعْرُوفَ زادَ وتَمَّما (١)
الرب في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام، ويقال: ربه ورباه ورببه، فالرب مصدر مستعار للفاعل، ولا يقال الرب مطلقًا إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات نحو قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥]، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: ٨٠] أي: آلهة، وتزعمون أنهم الباري مسبب الأسباب، والمتولي لمصالح العباد، وبالإضافة يقال له ولغيره نحو قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ١]، و ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦].
ويقال: رب الدار، ورب الفرس لصاحبهما، وعلى ذلك قول الله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠]، وقوله: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣]. قيل: عنى به الله تعالى، وقيل: عنى به الملك الذي رباه. وهو قول أكثر المفسرين، ويرجحه قوله: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ والأول أليق بقوله (٢).
стр. 3137
الوجه الثاني: خاطَبَهم على المُتَعارَفِ عندهم، وهذا من عرفهم .
فأَما قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ فإِنه خاطَبَهم على المُتَعارَفِ عندهم، وعلى ما كانو ايُسَمُّونَهم به، ومنه قَولُ موسى ﵇ للسامِرِيّ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ أَي: الذي اتَّخَذْتَه إِلهًا.
وكانوا يطلقون "الرب" على السيد والكبير والملوك وهذا من عرفهم، حكم عليه بالربوبية؛ كما يقال: رب الدار ورب الثوب (١).
الوجه الثالث: الجمع بين قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقول النبي: ﷺ "وَلَا يَقُلْ أحَدُكُمْ رَبِّي وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلَاي " (٢).
قال القرطبي: قال العلماء: قوله ﷺ : "لا يقل أحدكم، وليقل" من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى، لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم، ولأنه قد جاء عنه ﷺ : "أن تلد الأَمَةُ ربها"؛ أي: مالكها وسيدها، وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ، فكان محل النهي في هذا الباب ألا نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن.
وقد قيل: إن قول الرجل عبدي وأمتي يجمع معنيين: أحدهما: أن العبودية بالحقيقة إنما هي لله تعالى، ففي قول الواحد من الناس لمملوكه عبدي وأمتي تعظيم عليه، وإضافة له إلى نفسه بما أضافه الله تعالى به إلى نفسه، وذلك غير جائز.
والثاني: أن المملوك يدخله من ذلك شيء في استصغاره بتلك التسمية، فيحمله ذلك على سوء الطاعة. وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون ذلك جائزًا في شرع يوسف ﵇ (٣).
قال ابن حجر: وَفِيهِ نَهْي الْعَبْد أَنْ يَقُولَ لِسَيِّدِهِ: رَبِّي، كَذَلِكَ نَهْي غَيْره فَلَا يَقُول لَهُ أَحَد: رَبّك، وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسه، فَإِنَّهُ قَدْ يَقُول لِعَبْدِهِ: اِسْقِ رَبّك، فَيَضَعُ الظَّاهِرَ مَوْضِع الضَّمِير عَلَى سَبِيل التَّعْظِيم لِنَفْسِهِ، وَالسَّبَب فِي النَّهْيِ أَنَّ حَقِيقَة الرُّبُوبِيَّة للهِ
٦ - شبهة: أن الشيطان أنسى يوسف ﵇ ذكر ربه -.
نص الشبهة:
جاء في القرآن في سورة يوسف: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾، فيوسف ﵇ نسي ربه، واستعان بالمخلوق، واعتصم به؛ فعوقب بذلك بأن بقي في السجن وقتًا طويلًا.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الضمير في قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ﴾ عائد على ساقي الملك؛ وهو الصواب .
الوجه الثاني: عدم صحة الحديث المروي في حمل النسيان على يوسف ﵇.
الوجه الثالث: أن قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ لا ينافي التوكل؛ لأن يوسف ﵇ كان ذاكرًا لربه في كل أحواله.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: الضمير في قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ﴾ عائد على ساقي الملك؛ وهو الصواب.
اختلف علماء التفسير في الضمير في قوله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ على قولين:
الأول: أنه عائد على يوسف ﵇ أي: أنساه الشيطان ذكرَ الله ، فقال لساقي الملك حين علم أنه سينجو ويعود إلى حالته الأولى مع الملك: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، نسى في ذلك الوقت أن يشكو إلى الله ويستغيث به، وجنح إلى الاعتصام بالمخلوق فعوقب باللبث في السجن بضع سنين (١).
الثاني: أنه عائد على ساقي الملك الناجي فهو الناسي، أي: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف لربه (٢).
قلنا: والصواب القول الثاني للوجوه الآتية:
١ - الضمير في لغة العرب يعود إلى أقرب مذكور، ما لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك.
стр. 3141
٢ - أن يوسف ﵇ لم ينسْ ذكر ربه، بل كان دائمًا ذاكرًا له.
٣ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا. . .﴾ [يوسف: ٤٥، ٤٦] دليل واضح وبرهان لائح على أن ساقي الملك هو الناسي، ولذلك لما رأى الملك رؤيا وعجز جلساؤه عن تعبيرها تذكر ساقي الملك الناسي يوسفَ ﵇ فولى وجهه نحو السجن يسأل يوسف عن تعبيرها، فالمراد أن ساقي الملك عندئذ تذكر يوسف، وقد كان قبل ذلك ناسيًا لوصية يوسف له عند الخروج من السجن.
وقد فصل شيخ الإسلام هذا المقام تفصيلًا حسنًا فقال: وقال تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ قيل: أنسى يوسف ذكر ربه لما قال: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، وقيل: بل الشيطان أنسى الذي نجا منهما ذكر ربه؛ وهذا هو الصواب، فإنه مطابق لقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾؛ قال تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾، والضمير يعود إلى القريب إذ لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك، ولأن يوسف لم ينس ربه بل كان ذاكرًا لربه.
وقد دعاهما قبل تعبير الرؤيا إلى الإيمان بربه، وقال لهما: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٣٩، ٤٠]، وقال لهما قبل ذلك: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ أي: في الرؤيا ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ يعني: التأويل, ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾ [يوسف: ٣٧، ٣٨].
فبدأ يذكر ربه ، فإن هذا مما علمه ربه، لأنه ترك ملة قوم مشركين، لا يؤمنون بالله،
стр. 3142
وإن كانوا مقرين بالصانع ولا يؤمنون بالآخرة، واتبع ملة آبائه أئمة المؤمنين الذين جعلهم الله أئمة يدعون بأمره إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فذكر ربه ثم دعاهما إلى الإيمان بربه، ثم بعد هذا عبر الرؤيا فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١]، ثم لما قضى تأويل الرؤيا: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]، فكيف يكون قد أنسى الشيطانُ يوسفَ ذكر ربه؟ ! وإنما أنسى الشيطانُ الناجيَ ذكرَ ربه؛ أي: الذكر المضاف إلى ربه والمنسوب إليه وهو أن يذكر عنده يوسف.
والمقصود أن يوسف ﵇ لم يفعل ذنبًا ذكره الله عنه، وهو سبحانه لا يذكر من الأنبياء ذنبًا إلا ذكر استغفارًا منه، ولم يذكر عن يوسف استغفارًا من هذه الكلمة، كما لم يذكر عنه استغفارًا من مقدمات الفاحشة، فعلم أنه لم يفعل ذنبًا في هذا ولا هذا، بل همَّ همًّا تركه لله فأثيب عليه حسنة، كما قُدم بسطُ هذا في موضعه، وأما ما يكفره الابتلاء من السيئات فذلك جوزي به صاحبه بالمصائب المكفرة، كما في قوله ﷺ : "ما يصيب المؤمن من وصب، ولا نصب، ولا هم، ولا حزن، ولا غم، ولا أذى؛ إلا كفر الله به خطاياه" (١).
ولما أنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] قال أبو بكر: يا رسول الله، جاءت قاصمة الظهر وأيُّنا لم يعمل سوءًا؟ ! فقال: "ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست تصيبك اللأواء؟ فذلك مما تجزون به" (٢).
فتبين أن قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أي: نسي الفتى ذكر ربه؛ أن يذكر هذا لربه، ونسي ذكرَ يوسفَ ربه، والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول، ويوسف قد ذكر ربه ونسي الفتى ذكر ربه، وأنساه الشيطان أن يذكر ربه هذا الذكر الخاص، فإنه وإن كان يسقي ربه خمرًا فقد لا يخطر هذا الذكر بقلبه، وأنساه الشيطان تذكر ربه وإذكار ربه لما قال: ﴿
стр. 3143
اذْكُرْنِي﴾ أمره بإذكار ربه فأنساه الشيطان إذكار ربه، فإذكار ربه أن يجعله ذاكرًا، فأنساه الشيطان أن يجعل ربه ذاكرًا ليوسف، والذكر: هو مصدر وهو اسم، فقد يضاف من جهة كونه اسمًا فيعم هذا كله أي: أنساه الذكر المتعلق بربه والمضاف إليه، ومما يبين أن الذي نسي ربه هو الفتى لا يوسف بعد ذلك: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُون (٤٥)﴾ [يوسف: ٤٥]، وقوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ دليل على أنه كان ناسيًا فادكر (١).
قال محمد رشيد رضا: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أي: أنسى الساقي تذكر ربه، وهو أن يذكر يوسف عنده على حد: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ منسيًا مظلومًا، والفاء على هذا للسببية، وهو المتبادر من السياق والجاري على نظام الأسباب، ويؤيده قوله تعالى الآتي قريبًا: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: تَذَكَّرَ، إلا أن هذا الاستعمال يحتاج إلى حذف وتقدير، ووجهوه بأنه أضاف المصدر إليه لملابسته له، وأنه على تقديرك: (ذكر إخبار ربه) من حذف المضاف وهو كثير، كما أن الإضافة لأدنى ملابسة كثير في كلامهم.
وقيل: إن المعنى: أن أنسى يوسف ﵇ ذكر ربه وهو الله ، فعاقبه الله تعالى بإبقائه في السجن بضع سنين. وقالوا: إن ذنبه الذي استحق عليه هذا العقاب أنه توسل إلى الملك لإخراجه ولم يتوكل على الله ، وجاءوا عليه بروايات لا يقبل في مثلها إلا الصحيح المرفوع أو المتواتر منه؛ لأنها تتضمن الطعن في نبي مرسل، وهو خلاف الظاهر من وجوه:
الأول: عطف الإنساء على ما قاله للساقي بالفاء يدل على وقوعه عقبه، ومفهومه أنه كان ذاكرًا لله تعالى قبله إلى أن قاله، فلو كان قوله ذنبًا عوقب عليه لوجب أن يعطف عليه بجملة حالية بأن يقال: وقد أنساه الشيطان ذكر ربه؛ أي: في تلك الحال، فلم يذكره بقلبه ولا بلسانه فاستحق عقابه تعالى بإطالة مكثه على خلاف ما أراده من ملك مصر وحده.
стр. 3144
الثاني: أن اللائق بمقامه أن لا يقول ذلك القول إلا من باب مراعاة سنة الله تعالى في الأسباب والمسببات كما وقع بالفعل، فإنه ما خرج من السجن إلا بأمر الملك، وما أمر الملكُ بإخراجه إلا بعد أن أخبره الساقي بخبره، وما آتاه ربه من العلم بتأويل الرؤى وبغير ذلك مما وصاه به يوسف، فإذا كان قد وصاه بذلك ملاحظًا أنه من سنن الله في عباده متذكرًا ذلك وهو اللائق به؛ فلا يعقل أن يعاقبه ربه - تعالى - عليه، وعطفُ الإنساء بالفاء يدل على وقوعه بعد تلك الوصية، فلا تكون هي ذنبًا ولا مقترنة بذنب فيستحق عليها العقاب.
الثالث: إذا قيل: سلمنا أنه كان ذاكرًا لربه عندما أوصى الساقي ما أوصاه به، ولكنه نسيه عقب الوصية.
قلنا: إن زعمتم أنه نسي ذلك في الحال واستمر ذلك النسيان مدة ذلك العقاب وهو بضع سنين أو تتمتها - كنتم قد اتهمتم هذا النبي الكريم تهمة فظيعة لا تليق بأضعف المؤمنين إيمانًا، ولا بدَّ عليها من دليل، بل يبطلها وصف الله بأنه من المحسنين ومن عباده المخلصين المصطفين، وبأنه غالب على أمره، وأنه حذف عنه السوء والفحشاء وكيد النساء، وإن زعمتم أن الشيطان أنساه ذكر ربه برهة قليلة عقب تلك الوصية ثم عاد إلى ما كان عليه من مراقبته له وذكره فهذا النسيان القليل لا يستحق هذا العقاب الطويل، ولم يعصم من مثله نبي من الأنبياء كما يعلم من الوجهين الرابع والخامس.
الرابع: جاء في نصوص التنزيل في خطاب الشيطان: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١]، فالتذكر بعد النسيان القليل من شأن أهل التقوى.
الخامس: إن النسيان ليس ذنبًا يعاقب الله تعالى عليه، وقد قال تعالى لخاتم النبيين ﷺ : ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] يعني: الذين أمره بالإعراض عنهم إذا رآهم يخوضون في آيات الله (١).
стр. 3145
الوجه الثاني: الآثار التي تمسكوا بها على أن الناسي هو يوسف ﵇ ضعيفة سندًا ومتنًا .
وقد تمسكوا بحديثين وبعض الآثار الموقوفة عن الصحابة؛ وهي ضعيفة:
أولًا: من ناحية السند:
الأول: عن ابن عباس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لو لم يقل يوسف - يعني: الكلمة التي قال - ما لبث في السجن طول ما لبث" يعني: حيث يبتغي الفرج من عند غير الله (١).
قال ابن كثير: وهذا الحديث ضعيف جدًّا؛ لأن سفيان بن وَكِيع ضعيف، وإبراهيم بن يزيد - هو الخُوزي - أضعف منه (٢).
وقال أيضًا: والحديث الذي رواه ابن جرير في هذا الموضع ضعيف من كل وجه؛ تفرد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي وهو متروك (٣).
الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ما لبث في السجن ما لبث" (٤).
قال ابن كثير: فإنه حديث منكر من هذا الوجه، ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة، وهذه اللفظة من أنكرها وأشدها، والذي في الصحيحين يشهد بغلطها (٥).
وقد جاء مثل هذا مرسلًا عن:
стр. 3146
١ - عكرمة. قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أنه - يعني: يوسف - قال الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث" (١).
٢ - قتادة. قال: قال: بلغني أن النبي ﷺ قال: "لو لم يستعنْ يوسفُ على ربّه ما لبث في السجن طول ما لبث" (٢).
٣ - الحسن. قال: قال نبيُّ الله ﷺ : "رحم الله يوسف لولا كلمته ما لبث في السجن طولَ ما لبث" يعني قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. قال: ثم يبكي الحسن فيقول: نحن إذا نزل بنا أمرٌ فزعنا إلى الناس (٣).
قال ابن كثير: وقد رُوي عن الحسن وقتادة مرسلًا عن كل منهما، وهذه المرسَلات ها هنا لا تُقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن (٤).
وقد جاء موقوفًا عن أنس بن مالك ﵁ قال: أُوحي إلى يوسف: (يا يوسف، مَنْ استنقذك من الجب إذ ألقوك فيه؟ قال: أنت يا رب. قال: من استنقذك من القتل إذ هَمَّ إخوتك أن يقتلوك؟ قال: أنت يا رب. قال: فما لك نسيتني وذكرت آدميًا؟ قال: جزعًا بذنبي، وكلمة تكلم بها لساني. قال: وعزتي لأخلدنك السجن بضع سنين) قال: فلبث فيه سبع سنين (٥).
стр. 3147
ثانيًا: ضعف الأحاديث من ناحية المتن:
فلأن طلب الشفاعة لأخذ الحق ليس ابتغاءً للفرج من عند غير الله، وإلا لما قال النبي ﷺ : لأصحابه إذا أتاه صاحب حاجة: "اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ الله عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أراد" (١).
فأخذ الأسباب ابتغاء الفرج من عند الله، ولو وقع إنسان في بئر مثلًا وكان يستطيع أن ينادي مَنْ بالطريق بجوار البئر ليخرجه لزمه ذلك، كما يلزمه إمساك الحبل لمن ألقاه إليه خلافًا للمنقول عن بعض المتقدمين من تركه النداء حتى يرسل الله إليه الحبل، فهل كان ترك النداء توكلًا والإمساك بالحبل نقصًا في التوكل، فالمسألة واحدة في الأمرين؛ كلاهما سبب (٢).
قال القرطبي: في هذه الآية دليل على جواز التعلق بالأسباب؛ وإن كان فإن الأمور بيد مسببها، ولكنه جعلها سلسلة وركب بعضها على بعض، فتحريكها سنة، والتعويل على المنتهى يقين، والذي يدل على جواز ذلك نسبة ما جرى من النسيان إلى الشيطان كما جرى لموسى في لقيا الخضر، وهذا بَيِّنٌ فتأملوه (٣).
وقال الرازي: واعلم أن الاستعانة بالناس جائزة في الشريعة، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهذا وإن كان جائزًا لعامة الخلق إلا أن الأولى بالصديقين أن يقطعوا نظرهم عن الأسباب بالكلية وأن لا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب (٤).
الوجه الثالث: أن قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، لا ينافي التوكل؛ لأن يوسف ﵇ كان ذاكرًا لربه في كل أحواله .
والذين قالوا ذلك القول قالوا: كان الأولى أن يتوكل على الله، ولا يقول: ﴿اذْكُرْنِي
стр. 3148
عِنْدَ رَبِّكَ﴾، فلما نسى أن يتوكل على ربه جوزي بلبثه في السجن بضع سنين؟
فيقال: ليس في قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ما يناقض التوكل بل قد قال يوسف: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ كما أن قول أبيه: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧] لم يناقض توكله، بل قال: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف ٦٧].
وأيضًا فيوسف ﵇ قد شهد الله له أنه من عباده المخلصين، والمخلص لا يكون مخلصًا مع توكله على غير الله، فإن ذلك شرك، ويوسف لم يكن مشركًا لا في عبادته ولا توكله، بل قد توكل على ربه في فعل نفسه بقوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، فكيف لا يتوكل عليه في أفعال عباده؟
وقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ مثل قوله لربه - أي: ملك مصر -: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، فلما سأل الولاية للمصلحة الدينية لم يكن هذا مناقضًا للتوكل، ولا هو من سؤال الإمارة المنهي عنه، فكيف يكون قوله للفتى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ مناقضًا للتوكل وليس فيه إلا مجرد إخبار الملك به ليعلم حاله ليتبين الحق، ويوسف كان من أثبث الناس، ولهذا بعد أن طُلِبَ: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠]، فيوسف يذكر ربه في هذه الحال كما ذكره في تلك ويقول: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ فلم يكن في قوله له: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ترك الواجب ولا فعل المحرم حتى يعاقبه الله على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين، وكان القوم قد عزموا على حبسه إلى حين قبل هذا ظلمًا له مع علمهم ببراءته من الذنب؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ [يوسف: ٣٥]، ولبثه في السجن كان
стр. 3149
كرامة من الله في حقه ليتم بذلك صبره وتقواه، فإنه بالصبر والتقوى نال ما نال، ولهذا قال: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]، ولو أنه لم يصبرْ ويتقِ بل أطاعهم فيما طلبوا منه جزعًا من السجن لم يحصل له هذا الصبر والتقوى، وفاته الأفضل باتفاق الناس.
وجاء في مؤتمر تفسير سورة يوسف: ونسيان الفتى الناجي ذكر يوسف للملك وأسبابه هذا ولم يكن إلا مسافة الطريق، حتى أنسى الشيطانُ الساقيَ أن يذكر يوسف للملك بدليل قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، فإن الإدكار إنما يكون بعد النسيان، هذا هو الصواب، ولا يجوز لأحد أن يقول غيره إلا أن يكون قد اعتزل العقل والذوق؛ بحيث هو لا يعرفهما وهما لا يعرفانه، وإنما نسي الساقي ذكر يوسف للملك لوسوسة الشيطان إليه بما شغله عن ذكره له حتى ذهب عنه، وزال عن قلبه ذكره. فقربه من الملك أنساه بوعده السابق، وقصر الملك أنساه السجن، وأيام السعادة أنسته أيام الشقاء، وأصحابه في البلاط أنسوه صاحبه في حبسه، وحالة السعة والعز جعلته ينسى حالة الضيق والذل، وبعبارة أخرى فرحه بالولائم التي كانت تقام له بعد خروجه وبأهله وذويه، وحصوله على منزلته الأولى عند الملك أصبح شغله الشاغل، هذه هي الوسائط التي استعملها الشيطان حتى غفل الساقي عن يوسف، ولكون هذه الأشياء وما إليها هي آلات للشيطان نسب الإنساء إليه، ولو أن يوسف ﵇ استقبل من أمره ما استدبر لما كان قدم للساقي رجاءه ولكن لا يعلم الغيب إلا الله .
وهذا النوع من النسيان معهود وليس ببدع ولا مستبعد، بل هو كثير في تاريخ الأصدقاء، فكأيٍّ مَنْ يصحبك حال شدته وضيقه وينساك يوم الرخاء والفرج، بل كثيرًا ما ينسى الناس خالقهم في أيام الرغد والرخاء، فلا عجب من أن ينسى الساقي المصري (يوسف العبراني) العبد السجين، وكثيرًا من الأولاد لا يذكرون أتعاب والدتهم عليهم في صغرهم، والأصدقاء ينسون أصدقاءهم متى أسندت لعدتهم عمالة ما، كما أن كثيرًا من الأصحاب الفقراء إذا اغتنوا
стр. 3150
وأيسروا نسوا من كان يألفهم في المنزل الخشن، ونرى كثيرًا من أهل الأمراض متى صحوا وشفوا ينسون طبيبهم، كما نرى متعلمين متى تعلموا وأخذوا الشهادات نسوا أساتذتهم إلى آخر ما هنالك من الضروب والأشكال، وقد قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦، ٧]، وقال تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ [عبس: ١٧]، ثم إني لا أنسى من الأسباب الأساسية لنسيان الساقي ذكر (يوسف) للملك معاطاته شرب الخمر، فإن شربه كما يعمل تأثيرًا سيئًا في الأخلاق، والصحة، والإجرام، وفي المال، وفي قوة الإنتاج؛ فكذلك يسبب ضعف الذاكرة عند الإنسان، وكم ظهرت للعقلاء هذه المضار؟ وكم هالهم أن تكون المسكرات سببًا لإصابات الجنون؟
وهذا، وإن (الفاء) في قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ﴾ ليست تفريعية، بمعنى: أن الإنساء كان نتيجة عن كون يوسف استعان بغير الله في كشف ما كان فيه، بل هي عاطفية خلافًا للمفسرين، إذن المعنى على ما نفهم أنه حصل: أن يوسف قال كذا وكذا، ثم فورًا حصل أن الساقي نسي ما تكلم به معه، هذا هو المعنى اللائق بمقام يوسف ﵇، والمناسب للواقع لا أقل ولا أكثر، فكن لما ذكرناه من الحافظين، وإياك من أن تعرج ههنا على كلام المفسرين (١).
* * * *
стр. 3151
٧ - شبهة: كيف يطلب يوسف ﵇ الولاية ؟ .
نص الشبهة:
كيف يطلب نبي الله يوسف ﵇ الولاية في قوله للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ مع أن الإسلام نهى عن ذلك.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الأصل في الإسلام أن لا يطلب الإنسان الولاية .
الوجه الثاني: جواز طلب الولاية لمن كان لها أهلًا أو تعينت عليه.
الوجه الثالث: بيان لماذا طلب يوسف ﵇ الولاية؟
الوجه الرابع: وقيل: طلبُ يوسف ﵇ الولاية خاصٌ بشريعته.
الوجه الخامس: أن يوسف ﵇ طلب الولاية بالحفظ والعلم، لا بالنسب والجمال.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: الأصل في الإسلام أن لا يطلب الإنسان الولاية.
عَنْ أَبِى ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خزي وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا" (١).
وعنه أيضًا أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتيمٍ" (٢).
قال النووي: هَذَا الْحَدِيث أَصْل عَظِيم فِي اِجْتِنَاب الْوِلَايات، لَا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيهِ ضَعْف عَنْ الْقِيَام بِوَظَائِفِ تِلْكَ الْوِلَايَة، وَأَمَّا الْخِزْي وَالنَّدَامَة فَهُوَ حَقّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهَا، أَوْ كَانَ أَهْلًا وَلَمْ يَعْدِل فِيهَا فَيُخْزِيه الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة وَيَفْضَحهُ، وَيَنْدَم عَلَى مَا فَرَّطَ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ وَعَدَلَ فِيهَا فَلَهُ فَضْل عَظِيم، تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة كَحَدِيثِ: "سَبْعَة
مُلْكًا﴾، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الْأَنَبِيَاءِ ﵈.
قُلْت: ذَلِكَ لِوُثُوقِ الْأَنْبِيَاءِ بِأَنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ الْعِصْمَةِ مِنْ الذُّنُوبِ، وَأَيْضًا لَا يُعَارِضُ الثَّابِتُ فِي شَرْعِنَا مَا كَانَ فِي شَرْعِ غَيْرِنَا، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الطَّلَبُ فِي شَرْعِ يُوسُفَ ﵇ سَائِغًا، وَأَمَّا سُؤَالُ سُلَيْمَانَ فَخَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاع؛ إذْ مَحَلُّهُ سُؤَالُ الْمَخْلُوقِينَ لَا سُؤَالُ الْخَالِقِ، وَسُلَيْمَانُ ﵇ إنَّمَا سَأَل الْخَالِقَ (١).
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإمَارَةِ، وَسَتكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ" (٢).
وعَنْ أَبِى مُوسَى ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِي ﷺ أنا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّى فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ الله، أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ الله ، وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: " إِنَّا وَالله لَا نُوَلِّى عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ" (٣).
قال ابن حجر: قال المهلب: الحرص على الولاية هو السبب في اقتتال الناس عليها؛ حتى سفكت الدماء، واستبيحت الأموال والفروج، وعظم الفساد في الأرض بذلك، ووجه الندم أنه قد يقتل، أو يعزل، أو يموت؛ فيندم على الدخول فيها؛ لأنه يطالب بالتبعات التي ارتكبها، وقد فاته ما حرص عليه بمفارقته.
قال: ويستثنى من ذلك من تعين عليه، كأن يموت الوالي ولا يوجد بعده من يقوم بالأمر غيره، وإذا لم يدخل في ذلك يحصل الفساد بضياع الأحوال.
قلت: وهذا لا يخالف ما فرض في الحديث الذي قبله من الحصول بالطلب أو بغير طلب؛ بل في التعبير بالحرص إشارة إلى أن مَنْ قام بالأمر عند خشية الضياع يكون كمن أعطى بغير سؤال لفقد الحرص غالبًا عمن هذا شأنه، وقد يغتفر الحرص في حق مَنْ تعين عليه لكونه يصير واجبًا عليه (٤).
стр. 3154
الوجه الثاني: جواز طلب الولاية لمن كان لها أهلًا أو تعينت عليه .
لقد دلت الآية على جواز أن يطلب الإنسان عملًا يكون له أهلًا، فإن قيل: فقد روى مسلم عن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا" (١).
فالجواب: أن يوسف ﵇ إنما طلب الولاية؛ لأنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق، ويهدم ما أمكنه من الباطل، وطلب ذلك لنفسه، ويجوز له أن يصف نفسه بالأوصاف التي لها، ترغيبًا فيما يرومه، وتنشيطًا لمن يخاطبه من الملوك بإلقاء مقاليد الأمور إليه، وجعلها منوطة به، ولكنه يعارض هذا الجواز ما ورد عن نبينا ﷺ من النهي عن طلب الولاية والمنع من تولية من طلبها أو حرص عليها (٢).
وهذه الآية أصل لوجوب عرض المرء نفسه لولاية عمل من أمور الأمة إذا علم أنه لا يصلح له غيره؛ لأن ذلك من النصح للأمة، وخاصة إذا لم يكن ممن يتهم على إيثار منفعة نفسه على مصلحة الأمة، وقد علم يوسف ﵇ أنه أفضل الناس هنالك؛ لأنه كان المؤمن الوحيد في ذلك القطر، فهو لإيمانه بالله يبث أصول الفضائل التي تقتضيها شريعة آبائه إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب ﵈، فلا يعارض هذا ما جاء في صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة؛ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها"؛ لأن عبد الرحمن بن سمرة لم يكن منفردًا بالفضل من بين أمثاله ولا راجحًا على جميعهم.
ومن هذه الآية أخذ فقهاءُ المذهب جواز طلب القضاء لمن يعلم أنه أهل، وأنه إن لم يُول ضاعت الحقوق.
стр. 3155
قال المازري: يجب على من هو أهل الاجتهاد والعدالة السعيُّ في طلب القضاء إن علم أنه إن لم يَلِهِ ضاعت الحقوق، أو وليه من لا يحل أن يولى، وكذلك إن كان وليه من لا تحل توليته ولا سبيل لعزله إلا بطلب أهله (١).
الوجه الثالث: بيان لماذا طلب يوسف ﵇ الولاية ؟
أولًا: طلب يوسف ﵇ الولاية ليتوصل إلى إمضاء حكم الله .
فإنما طلب يوسف ﵇ هذه الولاية ليتوصل إلى إمضاء حكم الله، وإقامة الحق وبسط العدل، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد؛ ولعلمه أن غيره لا يقوم مقامه في ذلك (٢).
قال القرطبي: طلبَ الولايةَ لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم، فرأى أن ذلك فرض متعين عليه فإنه لم يكن هناك غيره، وهكذا الحكم اليوم؛ لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة، ولم يكن هناك مَنْ يصلح ولا يقوم مقامه لتعين ذلك عليه، ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك؛ كما قال يوسف ﵇، فأما لو كان هناك مَنْ يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك فالأولى ألا يطلب؛ لقول ﵇ لعبد الرحمن: "لا تسأل الإمارة. . ."، وأيضًا فإن في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليل على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك، وهذا معنى قوله ﵇: "وكل إليها" ومن أباها لعلمه بآفاتها ولخوفه من التقصير في حقوقها فرَّ منها، ثم إن ابتُلي بها فيرجى له التخلص منها؛ وهو معنى قوله: "أُعين عليها". (٣)
ثانيًا: أن التصرف في أمور الخلق كان واجبًا عليه فتعينت عليه الولاية .
فالأصل أن التصرف في أمور الخلق كان واجبًا عليه، فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان، إنما قلنا: إن ذلك التصرف كان واجبًا عليه لوجوه: