← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

٧ - شبهة: كيف يطلب يوسف ﵇ الولاية ؟ . نص الشبهة: كيف يطلب نبي الله يوسف ﵇ الولاية في قوله للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ مع أن الإسلام نهى عن ذلك. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الأصل في الإسلام أن لا يطلب الإنسان الولاية . الوجه الثاني: جواز طلب الولاية لمن كان لها أهلًا أو تعينت عليه. الوجه الثالث: بيان لماذا طلب يوسف ﵇ الولاية؟ الوجه الرابع: وقيل: طلبُ يوسف ﵇ الولاية خاصٌ بشريعته. الوجه الخامس: أن يوسف ﵇ طلب الولاية بالحفظ والعلم، لا بالنسب والجمال. وإليك التفصيل الوجه الأول: الأصل في الإسلام أن لا يطلب الإنسان الولاية. عَنْ أَبِى ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خزي وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا" (١). وعنه أيضًا أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتيمٍ" (٢). قال النووي: هَذَا الْحَدِيث أَصْل عَظِيم فِي اِجْتِنَاب الْوِلَايات، لَا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيهِ ضَعْف عَنْ الْقِيَام بِوَظَائِفِ تِلْكَ الْوِلَايَة، وَأَمَّا الْخِزْي وَالنَّدَامَة فَهُوَ حَقّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهَا، أَوْ كَانَ أَهْلًا وَلَمْ يَعْدِل فِيهَا فَيُخْزِيه الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة وَيَفْضَحهُ، وَيَنْدَم عَلَى مَا فَرَّطَ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ وَعَدَلَ فِيهَا فَلَهُ فَضْل عَظِيم، تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة كَحَدِيثِ: "سَبْعَة

стр. 3152

يُظِلّهُمْ الله. . ."، وَالْحَدِيث الْمَذْكُور هُنَا عَقِب هَذَا: "أَنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُور. . ." وَغَيْر ذَلِكَ، وإِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ مُنْعَقِد عَلَيْه، وَمَعَ هَذَا فَلِكَثْرَةِ الْخَطَر فِيهَا حَذَّرَهُ ﷺ مِنْهَا، وَكَذَا حَذَّرَ الْعُلَمَاء، وَامْتَنَعَ مِنْهَا خَلَائِق مِنْ السَّلَف، وَصَبَرُوا عَلَى الْأَذَى حِين اِمْتَنَعُوا (١). فعن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ الله ﷺ : "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا" (٢). قال الشوكاني: وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَنَّ طَلَبَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِ مَكْرُوهٌ، فَيَدْخُلُ فِي الْإِمَارَةِ الْقَضَاءُ وَالْحِسْبَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَأَنَّ مَنْ حَرَصَ عَلَى ذَلِكَ لَا يُعَانُ وَيُعَارِضُ ذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورُ فِي آخِرَ الْبَابِ - يعني: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ المسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ" (٣). قَالَ الْحَافِظُ: وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا يُعَانُ بِسَبَبِ طَلَبِهِ أَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْهُ الْعَدْلُ إذَا وَلِيَ؛ أَوْ يُحْمَلَ الطَّلَبُ هُنَا عَلَى الْقَصْدِ وَهُنَاكَ عَلَى التَّوْلِيَةِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَإِذَا كَانَ الطَّالِبُ مَسْلُوبَ الْإِعَانَةِ تَوَرَّطَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ وَخَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، فَلَا تَحِلُّ تَوْلِيَةُ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ؛ رُبَّمَا كَانَ الطَّالِبُ لِلْإِمَارَةِ مُرِيدًا بِهَا الظُّهُورَ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَالتَّنْكِيلَ بِهِمْ، فَيَكُونُ فِي تَوْلِيَتِهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ يُوسُفُ ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾، وَقَالَ سُلَيْمانُ: ﴿وَهَبْ لِي

стр. 3153

مُلْكًا﴾، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الْأَنَبِيَاءِ ﵈. قُلْت: ذَلِكَ لِوُثُوقِ الْأَنْبِيَاءِ بِأَنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ الْعِصْمَةِ مِنْ الذُّنُوبِ، وَأَيْضًا لَا يُعَارِضُ الثَّابِتُ فِي شَرْعِنَا مَا كَانَ فِي شَرْعِ غَيْرِنَا، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الطَّلَبُ فِي شَرْعِ يُوسُفَ ﵇ سَائِغًا، وَأَمَّا سُؤَالُ سُلَيْمَانَ فَخَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاع؛ إذْ مَحَلُّهُ سُؤَالُ الْمَخْلُوقِينَ لَا سُؤَالُ الْخَالِقِ، وَسُلَيْمَانُ ﵇ إنَّمَا سَأَل الْخَالِقَ (١). عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإمَارَةِ، وَسَتكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ" (٢). وعَنْ أَبِى مُوسَى ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِي ﷺ أنا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّى فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ الله، أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ الله ، وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: " إِنَّا وَالله لَا نُوَلِّى عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ" (٣). قال ابن حجر: قال المهلب: الحرص على الولاية هو السبب في اقتتال الناس عليها؛ حتى سفكت الدماء، واستبيحت الأموال والفروج، وعظم الفساد في الأرض بذلك، ووجه الندم أنه قد يقتل، أو يعزل، أو يموت؛ فيندم على الدخول فيها؛ لأنه يطالب بالتبعات التي ارتكبها، وقد فاته ما حرص عليه بمفارقته. قال: ويستثنى من ذلك من تعين عليه، كأن يموت الوالي ولا يوجد بعده من يقوم بالأمر غيره، وإذا لم يدخل في ذلك يحصل الفساد بضياع الأحوال. قلت: وهذا لا يخالف ما فرض في الحديث الذي قبله من الحصول بالطلب أو بغير طلب؛ بل في التعبير بالحرص إشارة إلى أن مَنْ قام بالأمر عند خشية الضياع يكون كمن أعطى بغير سؤال لفقد الحرص غالبًا عمن هذا شأنه، وقد يغتفر الحرص في حق مَنْ تعين عليه لكونه يصير واجبًا عليه (٤).

стр. 3154

الوجه الثاني: جواز طلب الولاية لمن كان لها أهلًا أو تعينت عليه . لقد دلت الآية على جواز أن يطلب الإنسان عملًا يكون له أهلًا، فإن قيل: فقد روى مسلم عن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا" (١). فالجواب: أن يوسف ﵇ إنما طلب الولاية؛ لأنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق، ويهدم ما أمكنه من الباطل، وطلب ذلك لنفسه، ويجوز له أن يصف نفسه بالأوصاف التي لها، ترغيبًا فيما يرومه، وتنشيطًا لمن يخاطبه من الملوك بإلقاء مقاليد الأمور إليه، وجعلها منوطة به، ولكنه يعارض هذا الجواز ما ورد عن نبينا ﷺ من النهي عن طلب الولاية والمنع من تولية من طلبها أو حرص عليها (٢). وهذه الآية أصل لوجوب عرض المرء نفسه لولاية عمل من أمور الأمة إذا علم أنه لا يصلح له غيره؛ لأن ذلك من النصح للأمة، وخاصة إذا لم يكن ممن يتهم على إيثار منفعة نفسه على مصلحة الأمة، وقد علم يوسف ﵇ أنه أفضل الناس هنالك؛ لأنه كان المؤمن الوحيد في ذلك القطر، فهو لإيمانه بالله يبث أصول الفضائل التي تقتضيها شريعة آبائه إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب ﵈، فلا يعارض هذا ما جاء في صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة؛ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها"؛ لأن عبد الرحمن بن سمرة لم يكن منفردًا بالفضل من بين أمثاله ولا راجحًا على جميعهم. ومن هذه الآية أخذ فقهاءُ المذهب جواز طلب القضاء لمن يعلم أنه أهل، وأنه إن لم يُول ضاعت الحقوق.

стр. 3155

قال المازري: يجب على من هو أهل الاجتهاد والعدالة السعيُّ في طلب القضاء إن علم أنه إن لم يَلِهِ ضاعت الحقوق، أو وليه من لا يحل أن يولى، وكذلك إن كان وليه من لا تحل توليته ولا سبيل لعزله إلا بطلب أهله (١). الوجه الثالث: بيان لماذا طلب يوسف ﵇ الولاية ؟ أولًا: طلب يوسف ﵇ الولاية ليتوصل إلى إمضاء حكم الله . فإنما طلب يوسف ﵇ هذه الولاية ليتوصل إلى إمضاء حكم الله، وإقامة الحق وبسط العدل، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد؛ ولعلمه أن غيره لا يقوم مقامه في ذلك (٢). قال القرطبي: طلبَ الولايةَ لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم، فرأى أن ذلك فرض متعين عليه فإنه لم يكن هناك غيره، وهكذا الحكم اليوم؛ لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة، ولم يكن هناك مَنْ يصلح ولا يقوم مقامه لتعين ذلك عليه، ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك؛ كما قال يوسف ﵇، فأما لو كان هناك مَنْ يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك فالأولى ألا يطلب؛ لقول ﵇ لعبد الرحمن: "لا تسأل الإمارة. . ."، وأيضًا فإن في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليل على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك، وهذا معنى قوله ﵇: "وكل إليها" ومن أباها لعلمه بآفاتها ولخوفه من التقصير في حقوقها فرَّ منها، ثم إن ابتُلي بها فيرجى له التخلص منها؛ وهو معنى قوله: "أُعين عليها". (٣) ثانيًا: أن التصرف في أمور الخلق كان واجبًا عليه فتعينت عليه الولاية . فالأصل أن التصرف في أمور الخلق كان واجبًا عليه، فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان، إنما قلنا: إن ذلك التصرف كان واجبًا عليه لوجوه:

стр. 3156

الأول: أنه كان رسولًا حقًّا من الله تعالى إلى الخلق، والرسول يجب عليه رعاية مصالح الأمة بقدر الإمكان. والثاني: هو أنه ﵇ علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضيق الشديد الذي ربما أفضى إلى هلاك الخلق العظيم، فلعله تعالى أمره بأن يدبر في ذلك، ويأتي بطريق لأجله يقل ضرر ذلك القحط في حق الخلق. والثالث: أن السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم - أمر مستحسن في العقول، وإذا ثبت هذا فنقول: إنه ﵇ كان مكلفًا برعاية مصالح الخلق من هذه الوجوه، وما كان يمكنه رعايتها إلا بهذا الطريق، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ فكان هذا الطريق واجبًا عليه، ولما كان واجبًا سقطت الأسئلة بالكلية (١). فوجه الجمع بين أدلة النهي عن طلب الإمارة وبين طلب يوسف ﵇ الولاية: أن الولاية إذا تعينت على شخص لعدم صلاحية غيره لها ولم يقدمه غيرُه لها؛ فالحاجة داعية إلى طلبها، فعند ذلك يجوز وربما وجب عليه طلبُها إذا لم يكن هناك سبيل إلى تولية القوى الأمين إلا بذلك، والمجتمع الإسلامي الأصل فيه أن العلم والعمل هما اللذان يبرزان الكفاءات حتى يقدمها أهل الحل والعقد، ويوسف ﵇ لم يكن في هذا المجتمع المسلم، ولا يوجد مَنْ يقدمه؛ ولذا طلب الولاية، فلا ينبغي اعتماد هذا دليلًا على مشروعية نظام الترشيح والانتخاب الغربي في بلاد الإسلام؛ هذا النظام الذي يقوم على ذكر حسنات النفس وتزكيتها، وعيب الآخرين ونقصهم، ولا شك أن هذه الصورة ليست هي الصورة الصحيحة، ولا عرفها المسلمون عبر عصورهم المختلفة، فلا يجوز أن يُقال: إن الديمقراطية هي الشورى في الإسلام خصوصًا أن مردَّ الأمر عندهم إلى العامة والدهماء ممن لا يعرف صفات الولاة الواجبة ومَنْ يستحقها. وإنما يعتمدون على العصبيات، والقرابات، والمصالح، والأموال؛ فما أقبحها من صورة تضع فيها الأمانات، ويوسد فيها الأمر إلى غير أهله! فلو اضطر بعض المسلمين إلى

стр. 3157

طلب الولاية بالشرط الذي ذكرنا من تعينها ووجود الحاجة إلى الطلب - فلا يجعل هذا أصلًا شرعيًا يستمر عليه أو يعتمده المسلمون كنظام لحياتهم ومجتمعهم ووظائفهم (١). ثالثًا: طلب يوسف ﵇ الولاية لثقته من نفسه بما آتاه الله من العصمة . يحتمل أن يكون النهي عن تولي الولاية والنهي عن طلبها في غير الأنبياء، وذلك لوثوق الأنبياء من أنفسهم بسبب العصمة من الذنوب (٢). الوجه الرابع: وقيل: طلب يوسف ﵇ الولاية خاص بشريعته . فلا يعارض الثابت في شرعنا ما كان في شرع غيرنا، فيمكن أن يكون الطلب في شرع يوسف ﵇ سائغًا (٣). الوجه الخامس: أن يوسف ﵇ طلب الولاية بالحفظ والعلم، لا بالنسب والجمال . لم يقل يوسف ﵇: إني حسيب كريم، وإن كان كما قال النبي ﷺ : "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؛ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" ولا قال: إني جميل مليح، إنما قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، فسألها بالحفظ والعلم، لا بالنسب والجمال، وأنه وصف نفسه بالأمانة والكفاءة؛ وهما مقصود الملوك ممن يُوَلُّونه؛ إذ هما يعمان وجوه التثقيف والحياطة، ولا خلل معهما لقائل (٤). * * *

стр. 3158

٨ - شبهة: يوسف ﵇ يزكي نفسة . نص الشبهة: يقولون أن الله قد نهى أن يزكِّي الإنسان نفسه، ولكن نبي الله يوسف ﵇ قد زكَّى نفسه حينما قال للملك ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: يوسف ﵇ ما كان يقصد المدح لذاته، فما قال: إني حسيب جميل، وإنما قال: ﴿حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ . الوجه الثاني: الملك زكى يوسف ﵇ قبل أن يزكي يوسف ﵇ نفسه. الوجه الثالث: يوسف ﵇ وصف نفسه بهذا الوصف حتى يعلم الملك أنه يفي بهذه المهمة. الوجه الرابع: الأصل في التزكية الامتناع، وإن كان لضرورة أو حاجة فهو مباح. الوجه الخامس: أن هذا خاصٌ بالأنبياء لعصمتهم. الوجه السادس: لأنه كان يعيش في مجتمع لا تنطبق عليه قاعدة عدم تزكية النفس. وإليك التفصيل الوجه الأول: يوسف ﵇ ما كان يقصد المدح لذاته، فما قال: إني حسيب جميل، وإنما قال: ﴿حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. لم يقل يوسف ﵇: إني حسيب كريم، وإن قال كما قال النبي ﷺ : "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم"، ولا قال: إني جميل مليح، إنما قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ فسألها بالحفظ والعلم، لا بالنسب والجمال، وأنه وصف نفسه بالأمانة والكفاءة وهما مقصود الملوك ممن يولونه، إذ هما يعمان وجوه التثقيف والحياطة، ولا خلل معهما لقائل (١). قال ابن عاشور: واقتراح يوسف ﵇ ذلك إعداد لنفسه للقيام بمصالح الأمة على

стр. 3159

سنة أهل الفضل والكمال من ارتياح نفوسهم للعلم في المصالح، ولذلك لم يسأل مالًا لنفسه، ولا عَرَضًا من متاع الدنيا، ولكنه سأل أن يوليه خزائن المملكة، ليحفظ الأموال، ويعدل في توزيعها، ويرفق بالأمة في جمعها وإبلاغها لمحالّها، وعلّل طلبه ذلك بقوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ المفيد تعليل ما قبلها لوقوع (إنّ) في صدر الجملة، فإنه علم أنه اتصف بصفتين يعسر حصول إحداهما في الناس بل كلتيهما، وهما: الحفظ لما يليه، والعلم بتدبير ما يتولاه، ليعلم الملك أن مكانته لديه وائتمانه إياه قد صادفا محلهما وأهلهما، وأنه حقيق بهما لأنه متصف بما يفي بواجبهما، وذلك صفة الحفظ المحقّق للائتمان، وصفة العلم المحققّ للمكانة. وفي هذا تعريف بفضله ليهتدي الناس إلى إتباعه وهذا من قبيل الحِسبَة (١). الوجه الثاني: الملك زكى يوسف ﵇ قبل أن يزكي يوسف ﵇ نفسه . قال ابن كثير: يقول تعالى إخبارًا عن الملك حين تحقق براءة يوسف ﵇ ونزاهة عرْضه مما نسب إليه، قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي: أجعله من خاصّتي وأهل مشورتي، ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ أي: خاطبه الملك وعرفه، ورأى فضله وبراعته، وعلم ما هو عليه من خَلْق وخُلُق وكمال قال له الملك: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي: إنك عندنا قد بقيت ذا مكانة وأمانة (٢). قال الرازي: إن الملك عظم اعتقاده في يوسف لوجوه: أحدها: أنه عظم اعتقاده في علمه، وذلك لأنه لما عجز القوم عن الجواب وقدر هو على الجواب الموافق الذي يشهد العقل بصحته مال الطبع إليه. وثانيها: أنه عظم اعتقاده في صبره وثباته؛ وذلك لأنه بعد أن بقي في السجن بضع سنين لما أذن له في الخروج ما أسرع إلى الخروج، بل صبر وتوقف وطلب أولًا ما يدل على براءة حاله عن جميع التهم.

стр. 3160

وثالثها: أنه عظم اعتقاده في حسن أدبه؛ وذلك لأنه اقتصر على قوله: ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠]، وإن كان غرضه ذكر امرأة العزيز فستر ذكرها، وتعرض لأمر سائر النسوة مع أنه وصل إليه من جهتها أنواع عظيمة من البلاء وهذا من الأدب العجيب. ورابعها: براءة حاله عن جميع أنواع التُّهم، فإن الخصم أقرَّ له بالطهارة والنزاهة والبراءة عن الجرم. وخامسها: أن الشرابي - الذي كان يسقي الملك - وصف له جدَّه في الطاعات واجتهاده في الإحسان إلى الذين كانوا في السجن. وسادسها: أنه بقي في السجن بضع سنين. وهذه الأمور كل واحد منها يوجب حسن الاعتقاد في الإنسان، فكيف مجموعها؟ فلهذا السبب حسن اعتقاد الملك فيه وإذا أراد الله شيئًا جمع أسبابه وقواها. واعلم أن قوله: ﴿مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ كلمة جامعة لكل ما يحتاج إليه من الفضائل والمناقب، وذلك لأنه لا بد في كونه مكينًا من القدرة والعلم، أما القدرة فلأن بها يحصل المكنة، وأما العلم فلأن كونه متمكنًا من أفعال الخير لا يحصل إلا به إذ لو لم يكن عالمًا بما ينبغي وبما لا ينبغي لا يمكنه تخصيص ما ينبغي بالفعل، وتخصيص ما لا ينبغي بالترك، فثبت أن كونه مكينًا لا يحصل إلا بالقدرة والعلم. أما كونه أمينًا فهو عبارة عن كونه حكيمًا لا يفعل الفعل لداعي الشهوة، بل إنما يفعله لداعي الحكمة، فثبت أن كونه مكينًا أمينًا يدل على كونه قادرًا، وعلى كونه عالمًا بمواقع الخير والشر والصلاح والفساد، وعلى كونه بحيث يفعل لداعي الحكمة لا لداعية الشهوة، وكل من كان كذلك فإنه لا يصدر عنه فعل الشر والسفه. فلهذا المعنى لما حاولت المعتزلة إثبات أنه تعالى لا يفعل القبيح قالوا: إنه تعالى لا يفعل القبيح؛ لأنه تعالى عالم بقبح القبيح عالم بكونه غنيًا عنه وكل من كان كذلك لم يفعل القبيح، قالوا: وإنما يكون غنيًا عن القبيح إذا كان قادرًا، وإذا كان منزهًا عن داعية السفه (١).

стр. 3161

الوجه الثالث: يوسف ﵇ وصف نفسه بهذا الوصف حتى يعلم الملك أنه يفي بهذه المهمة . قال الرازي: لا نسلم أنه مدح نفسه - تفاخرًا - لكنه بين كونه موصوفًا بهاتين الصفتين النافعتين في حصول هذا المطلوب؛ وبين البابين فرق، وكأنه قد غلب على ظنه أنه يحتاج إلى ذكر هذا الوصف؛ لأن الملك وإن علم كماله في علوم الدين لكنه ما كان عالمًا بأنه يفي بهذا الأمر (١). الوجه الرابع: الأصل في التزكية الامتناع، وإن كان لضرورة أو حاجة فهو مباح . لما خلا مدحُه لنفسه من بغي وتكبر، وكان مراده به الوصول إِلى حق يقيمه وعدل يُحييه وجور يبطله، كان ذلك جميلًا جائزًا، فهب أنه مدح نفسه إلا أن مدح النفس إنما يكون مذمومًا إذا قصد الرجل به التطاول والتفاخر والتوصل إلى غير ما يحل، فأما على غير هذا الوجه فلا نسلم أنه محرم، فقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] المراد منه تزكية النفس حال ما يعلم كونها غير متزكية، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ أما إذا كان الإنسان عالمًا بأنه صدق وحق فهذا غير ممنوع منه، والله أعلم (٢). فدلت الآية أيضًا على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل. قال الماوردي: وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات، ولكنه مخصوص فيما اقترن بوصله، أو تعلق بظاهر من مكسب، وممنوع منه فيما سواه، لما فيه من تزكية ومراءاة، ولو ميزه الفاضل عنه لكان أليق بفضله، فإن يوسف دعته الضرورة إليه لما سبق من حاله، ولما يرجو من الظفر بأهله فيجوز للرجل مدح نفسه إذا جهل أمره للحاجة والرخصة والضرورة (٣). وقد دلَّ على الرخصة في موضع الحاجة والضرورة قول يوسف ﵇: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، وذلك أن الملك كان لا يعرف فيه القدرة على الحفظ والضبط لبيت المال، وطرق

стр. 3162

حفظ الغلال ونحو ذلك، فاحتاج إلى البيان، وكما قال إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣)﴾ [مريم: ٤٣]، وذلك لترغيب أبيه وحثه على متابعة دين الحق، وكقول النبي ﷺ : "إني لأعلمكم بالله، وأشدكم منه خشية". (١) وقوله: "أنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر" (٢)، وذلك ليعلم الناس الاعتقاد الواجب فيه ﷺ ، وأنه أعلم الخلق بالله وأخشاهم له، وليحذرهم من الغلو المذموم في العبادة بتحريم ما أحل الله، أو إيجاب ما لم يوجبه، وكقول عائشة ﵂: (على الخبير سَقَطَّتَ) (٣). وقول ابن مسعود ﵁: (لو أعلم أحدًا مني بكتاب الله تضرب إليه أكباد الإبل لذهبت إليه) (٤)، ونحو ذلك للترغيب في طلب العلم وأخذه عنه. وعلى أي حال، فالأصل في هذا الباب الامتناع من مدح النفس وتزكيتها، والحذر على النفس من ذلك، وهؤلاء الأفاضل منهم الأنبياء المعصومون، ومنهم الأولياء المتقون المشهود لهم بالفضل من النبي ﷺ ، فمن يشهد للمادحِ نَفْسَهُ - منهم - مِنْ غيرهم؟ ! ومن يضمن له حسن نيته وهى تتقلب على المرء في الساعة الواحدة مرات؟ والسلامة لا يعدلها شيء، والفرق بين الحق والباطل في مثل هذا المقام ربما كان أدق من الشعرة وأحد من السيف، وربما تخفي حظوظ النفس على صاحبها ويوهم نفسه بأنه يعمل المباح، وحقيقة الأمر العجب المحرم والغرور المذموم، فما لأمثالنا وتزكية نفوسهم ومدحها وذكر فضائلها؟ وما أكثر من تغره نفسه في الفضائل التي هي عارية عنها! وإنما هي دعوى وتشبع بما لم يعط، فإذا كان مدح الإنسان نفسه بما يتيقن من فضائلها الأصل فيه المنع، والجواز فيه على قدر الضرورة والحاجة مع شروط سلامة النية وحسن القصد والإخلاص الذي هو أعز شيء، والشرك في هذا المقام أخفى من دبيب النمل، فكيف بما يشك فيه أهو في النفس أم

стр. 3163

لا؟ فكيف بما يعلم أنه دعوى؟ فكيف بما يعلم أن النية فيه لغير الله؟ فنسأل الله العافية ونعوذ به من الكبر والعجب والغرور. وعندما ينظر المرء إلى المجتمعات المعاصرة والنظم التي اختارتها لنفسها في تولية الولايات وهي تزعم أنها في قمة الحضارة وأرقى ما وصلت إليه الإنسانية من الحرية والعدالة - يرى كيف يزكون أنفسهم بما ليس فيهم لنيل حظ من حظوظ الدنيا، ويغتابون غيرهم وينمون لإفساد صورتهم عند الناس ليصرفوهم عن اختيارهم، فتكون ما يسمونه بـ (المعارك الانتخابية)، وقد تسفك فيها الدماء، وقطعًا تنفق فيها الملايين من الأموال وتشترى الذمم والولاءات، عندما يرى المرء ذلك يعلم صدق ما قال رسول الله ﷺ في أشراط الساعة: "وأن ترى الصم البكم ملوك الأرض" (١)، ويرى كيف يتسبب جهل الناس بالشرع ومخالفتهم لهديه في تضييع الأمانة، وأن يوسد الأمر إلى غير أهله فيكون ذلك سببًا في خراب الدنيا وقرب نهايتها، كما قال رسول الله ﷺ : "إذ ضيعت الأمانة فانتظر الساعة"، قيل: وكيف إضاعتها؟ قال: "إذا وُسِّدَ - أي: أسند - الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" (٢)، وإنا لله وإنا إليه راجعون. فعلى المرء المسلم أن يربأ بنفسه عن التمرغ في وحل هذه الأنظمة الجاهلية، ودنس المشاركة فيها، أو إضفاء الشرعية عليها، والله المستعان (٣). الوجه الخامس: أن هذا خاصٌ بالأنبياء لعصمتهم . وهذا مفصل في محله. الوجه السادس: لأنه كان يعيش في مجتمع لا تنطبق عليه قاعدة عدم تزكية النفس . وقيل: مدح يوسف ﵇ نفسه لأنه لم يكن يعيش في مجتمع تنطبق عليه قاعدة عدم تزكية النفس عند الناس وطلب الإمارة على أساس هذه التزكية، كما أنه كان يرى أن

стр. 3164

الظروف تمكن له من أن يكون حاكمًا مطاعًا لا خادمًا في وضع جاهلي، وكان الأمر كما توقع فتمكن بسيطرته من الدعوة لدينه ونشره في مصر في أيام حكمه، وقد توارى العزيز وتوارى الملك تمامًا (١). * * *

стр. 3165

٩ - شبهة عمل يوسف ﵇ عند الكفار . نص الشبهة: كيف يعمل يوسف ﵇ عند الكفار وتحت ولايتهم؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الأصل جواز ذلك العمل بضوابط الشريعة . إن في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر والسلطان الكافر؛ بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه فيصلح منه ما شاء، وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز ذلك (١). فيجوز عمل الرجل الصالح للرجل الفاجر بما يقتضيه الشرع والعدل، لا بما يختاره ويشتهيه مما لا يسيغه الشرع. (٢) والأصح أن يفصل ما يتولاه من جهة الظالم على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يجوز لأهله فعله من غير اجتهاد في تنفيذه؛ كالصدقات والزكوات، فيجوز توليته من جهة الظالمين؛ لأن النص على مستحقيه قد أغنى عن الاجتهاد فيه، وجواز تفرد أربابه به قد أغنى عن التنفيذ. والقسم الثاني: ما لا يجوز أن يتفردوا به، ويلزم الاجتهاد في مصرفه كأموال الفيء، فلا يجوز توليته من جهة الظالم؛ لأنه يتصرف بغير حقٍ ويجتهد فيما لا يستحق. والقسم الثالث: ما يجوز أن يتولاه لأهله وللاجتهاد فيه مدخل؛ كالقضايا والأحكام، فعقد التقليد فيه محلول، فإن كان النظر تنفيذًا لحكم بين متراضيين أو توسطًا بين مجبورين جاز، وإن كان إلزام إجبار لم يجز (٣). الوجه الثاني:

стр. 3166

وقيل: إن هذا كان ليوسف خاصة، وهذ اليوم غير جائز. (١) الوجه الثالث: فرعون يوسف ﵇ كان صالحًا، وإنما الطاغي الكافر هو فرعون موسى (٢). الوجه الرابع: أن شرع يوسف ﵇ لم يكن شريعة عامة تلزم جميع الناس في زمنه، وإنما هو ملتزم بها مع أبناء يعقوب، وإنما كانت دعوته لأهل مصر إلى التوحيد والإيمان، ولا دليل على وجود شريعة ملزمة أرسل بها يوسف إليهم، وكانت لازمة لهم فردوها ولم يعملوا بها، ولا يتم الاستدلال بجواز تولي الولايات للكفرة والظلمة وممارسة الظلم فضلًا عن الكفر إلا بإثبات ذلك، وإثبات أن يوسف بعد ردهم للشريعة ظلَّ يطبق فيهم شرعتهم الباطلة المخالفة لشرع الله، ولا سبيل إلى إثبات ذلك بوجه من الوجوه (٣). الوجه الخامس: أن الاستدلال بقصة يوسف ﵇ في هذه المسألة مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه . فلو سلمنا أن يوسف كان يباشر مخالفة الشرع والظلم - وحاشاه من ذلك ﵇، ونحن بحمد الله لا نسلم بذلك ولا نقره - لما كان في ذلك حجة؛ لأن شرعنا ورد بخلاف ذلك في مواطن مختلفة من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾، ومن ذلك قول النبي ﷺ : "سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، ويقربون شرار الناس، فمن أدرك ذلك فلا يكونن لهم عريفًا، ولا شرطيًا، ولا خازنًا، ولا جابيًا" (٤).

стр. 3167

فمنع من هذه الوظائف لما تشتمل عليه من ظلم وعدوان ومباشرة للحرام، وامتناع السلف من تولي القضاء وغيره من الولايات للظلمة كثير مشهود مذكور في فضائلهم، فشرعُنا ينهى عن الإعانة على الظلم فضلًا عن مباشرة شيء من ذلك (١). الوجه السادس: أن الشريعة التي بعث بها محمد ﷺ عامة باقية للأحمر والأسود . والكفار مخاطبون بفروعها - الشريعة المحمدية - على الصحيح من أقوال العلماء، فلا يسع أحدًا الخروج على شيء منها، وهى شريعة شاملة لكل الأمور والمسائل، لا يوجد أمر في دين أو دنيا ويخرج عن حكم من أحكامها، بخلاف ما سبقها شرائع الأنبياء السابقين، فقد كان يسع البعض الذين لم يرسل إليهم النبي أن يخرج عليها، ولم تكن شرائعهم شاملة لكل الأحكام، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾، فليس هناك ما يدل على أن يوسف كان ملزمًا أن يحكم في أهل مصر بشريعة يعقوب ﵇ أو غيرها، وليس هناك ما يدل على أن عمل يوسف ﵇ على خزائن الأرض يتضمن مخالفة لشريعة يعقوب ﵇، وليس هناك ما يدل على أن أهل مصر في ذلك الوقت كانوا مكلفين بفروع شريعة إلهية زيادة على ما أُمروا به من توحيد الله وعبادته، والله أعلم. ولهذه الوجوه نرى عدم صحة الاستدلال بقصة يوسف ﵇ على هذه المسألة أصلًا، ومثلها في عدم صحة الاستدلال قضية النجاشي، وأنه بقي في ملكه على مملكة الحبشة بعد إسلامه مع بقائهم على دينهم وشريعتهم؛ وذلك لأنه ليس هناك ما يدل على بلوغ تفاصيل الشريعة للنجاشي خلال مدة حكمه، فمعلوم أن هجرة المسلمين إلى الحبشة كانت قبل هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة، وأن الأحكام التفصيلية إنما نزلت في المدينة بعد الهجرة، ولم يبلغ المسلمين في الحبشة ظهور النبي ﷺ فضلًا عن تفاصيل الشرائع إلا في السنة السابعة من الهجرة حين قدم جعفر ومن معه ﵁ على رسول الله ﷺ وقد فتح خيبر، وأولى أن لا

стр. 3168

يصل إلى النجاشي تفاصيل الأحكام الشرعية حتى يلزمه العمل بها، فإن العمل يجب مع التمكن من العلم والقدرة على العمل، فإذا لم يتمكن من العلم أو كان عاجزًا عن العمل لم يجب عليه، والله المستعان (١). الوجه السابع: وقيل: إن يوسف ﵇ انظر له في أملاكه دون أعماله، فزالت عنه التبعة فيه (٢). الوجه الثامن: حكم السفر والعمل مع الكفار في بلاد الكفر . إن السفر والإقامة في بلاد الكفار لا تجوز إلا بشروط بَيَّنها أهلُ العلم، وملخصها: ١ - أن يأمن الإنسان على دينه، بحيث يكون عنده من العلم والإيمان ما يبعده عن الانحراف. ٢ - أن يكون مضمرًا لعداوة الكافرين وبغضهم، مبتعدًا عن موالاتهم ومحبتهم. ٣ - أن يتمكن من إظهار دينه من الصلاة وغيره. ٤ - أن يكون بقاؤه هناك لضرورة أو مصلحة؛ كالدعوة إلى الله تعالى، أو تعلم علم لا يوجد في بلده. قال ابن عثيمين: وأما الإقامة في بلاد الكفار فإن خطرها عظيم على دين المسلم، وأخلاقه، وسلوكه، وآدابه، وقد شاهدنا وغيرُنا انحرافَ كثير ممن أقاموا هناك فرجعوا بغير ما ذهبوا به؛ رجعوا فساقًا، وبعضهم رجع مرتدًا عن دينه، وكافرًا به وبسائر الأديان والعياذ بالله؛ حتى صاروا إلى الجحود المطلق والاستهزاء بالدين وأهله السابقين منهم واللاحقين، ولهذا كان ينبغي بل يتعين التحفظ من ذلك ووضع الشروط التي تمنع من الهوي في تلك المهالك. فالإقامة في بلاد الكفر لا بد فيها من شرطين أساسين: الشرط الأول: أَمْنُ المقيم على دينه؛ بحيث يكون عنده من العلم والإيمان وقوة العزيمة ما يطمئنه على الثبات على دينه والحذر من الانحراف والزيغ، وأن يكون مضمرًا لعداوة

стр. 3169

الكافرين وبغضهم، مبتعدًا عن موالاتهم ومحبتهم، فإن موالاتهم ومحبتهم مما ينافي الإيمان؛ قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١] الشرط الثاني: أن يتمكن من إظهار دينه؛ بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع، فلا يمنع من إقامة الصلاة والجمعة والجماعات إن كان معه من يصلي جماعة ومن يقيم الجمعة، ولا يمنع من الزكاة والصيام والحج وغيرها من شعائر الدين، فإن كان لا يتمكن من ذلك لم تَجُزْ الإقامةُ لوجوب الهجرة حينئذ. وبعد تمام هذين الشرطين الأساسيين تنقسم الإقامة في دار الكفر إلى أقسام: القسم الأول: أن يقيم للدعوة إلى الإسلام والترغيب فيه؛ فهذا نوع من الجهاد، فهي فرض كفاية على من قدر عليها، بشرط أن تتحقق الدعوة، وأن لا يوجد من يمنع منها، أو من الاستجابة إليها؛ لأن الدعوة إلى الإسلام من واجبات الدين. القسم الثاني: أن يقيم لدراسة أحوال الكافرين والتعرف على ما هُمْ عليه من فساد العقيدة، وبطلان التعبد، وانحلال الأخلاق، وفوضوية السلوك؛ ليُحذر الناسَ من الاغترار بهم، ويبين للمعجبين بهم حقيقة حالهم، وهذه الإقامة نوع من الجهاد أيضًا؛ لما يترتب عليها من التحذير من الكفر وأهله المتضمن للترغيب في الإسلام وهديه؛ لأن فساد الكفر دليل على صلاح الإسلام، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. القسم الثالث: أن يقيم لحاجة الدولة المسلمة وتنظيم علاقاتها مع دولة الكفر كموظفي السفارات؛ فحكمها حكم مَنْ أقام من أجله، فيحصل بإقامته مصلحة كبيرة، ويندرئ بها شر كبير.

стр. 3170

القسم الرابع: أن يقيم لحاجة خاصة مباحة كالتجارة والعلاج، فتباح الإقامة بقدر الحاجة، وقد نص أهل العلم ﵏ على جواز دخول بلاد الكفار للتجارة، وأثروا ذلك عن بعض الصحابة ﵃. القسم الخامس: أن يقيم للدراسة وهي من جنس ما قبلها إقامة لحاجة، وأن يكون العلم الذي سيتعلمه لا يوجد أو غير متاح في بلده. القسم السادس: أن يقيم للسكن؛ وهذا أخطر مما قبله وأعظم، لما يترتب عليه من المفاسد بالاختلاط التام بأهل الكفر، وشعوره بأنه مواطن ملتزم بما تقتضيه الوطنية من مودة، وموالاة، وتكثير لسواد الكفار، ويتربى أهلُه بين أهل الكفر فيأخذون من أخلاقهم وعاداتهم، وربما قلدوهم في العقيدة والتعبد، وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر؛ ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله، وهو يشاهد ذلك بعينه، ويسمعه بأذنيه، ويرضى به؟ ! بل ينتسب إلى تلك البلاد ويسكن فيها بأهله وأولاده، ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين، مع ما في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم (١). * * * *

стр. 3171

١٠ - شبهة: إيواء يوسف أبويه قبل الدخول، وقوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ بعد دخولهم عليه . نص الشبهة: كيف يقول يوسف ﵇: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ بعد الدخول؟ وما معنى دخولهم عليه قبل دخولهم مصر؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: بيان معنى الإيواء . الوجه الثاني: مما قيل في معنى هذا الاستثناء. الوجه الثالث: قال لهم ذلك بعدما دخلوا عليه. الوجه الرابع: أن يوسف ﵇ تلقاهم قبل دخولهم مصر. الوجه الخامس: تعلقت المشيئة بالدخول مكيفًا بالأمن. الوجه السادس: معنى الدخول أي: الإقامة والتمكن والاستقرار. الوجه السابع: يوسف ﵇ استقبلهم في بيت، ثم قال لهم: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. وإليك التفصيل الوجه الأول: بيان معنى الإيواء. إن الإيواء يطلق في اللغة على عدة معاني فتقول: أويت منزلي وإلى منزلي، وأويت وتأويت وأتويت كله بمعنى: عدت، لقوله ﷺ : "أما أحدهم: فأوى إلى الله" (١) أي: رجع إليه. قال لبيد: بصبوح صافية وجدت كرينة ... بموتر تأتي له إبهامها

стр. 3172

قال الجوهري: المأوى كل مكان يأوي إليه شيء ليلًا أو نهارًا، وآونا أي: ردنا، وأوى إليه أويه وأية ومأوية ومأواة أي: رق ورثى له، قال زهير: بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا وفي الحديث أن النبي ﷺ كان يخوي في سجوده حتى كنا نأوي له بمنزلة. وقولك: كنا نرثي له ونشفق عليه من شدة إقلاله بطنه عن الأرض ومدة ضبعيه على جنبه، وفي حديث آخر كان يصلي حتى كنت آوي له، أي: أرق له وأرثي، وفي حديث المغيرة: لا تأوي من قلة؛ أي: لا ترحم أوجهًا ولا ترق عند الإعدام. فأنت ترى أن لفظة الإيواء عند تصريفها تطلق على عدة معانٍ أو عند إدخالها في جملة فتفيد معنى: الرجوع، والعود، والضم، والإحاطة، والنصرة، والإشفاق، والرثاء، والرحمة، فإطلاقها بمعنى: دخول المنزل لا دليل عليه، وحتى لو كان المقصود بالإيواء هو ما يفهمونه، فانظر إلى آخر الوجوه في الرد (١). الوجه الثاني: ما قيل في معنى هذا الاستثناء . إن الاستثناء وهو قول: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى الأمن لا إلى الدخول، والمعنى: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. الثاني: وقيل إنه عائد إلى الدخول (٢). وحاصل ذلك أن في قوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ أربعة أقوال: أحدها: أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا. والثاني: أن الاستثناء يعود إلى الأمن، ثم فيه قولان: أحدهما: أنه لم يثق بانصراف الحوادث عنهم. والثاني: أن الناس كانوا فيما خلا يخافون من ملوك مصر، فلا يدخلون إلا بجوارهم. والثالث: أنه يعود إلى دخول مصر؛ لأنه قال هذا حين تلقَّاهم.

стр. 3173

والرابع: أنَّ (إِنْ) بمعنى: (إذ) كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] (١). قال الشوكاني: والتقييد بالمشيئة عائد إلى الأمن، ولا مانع من عوده إلى الجميع؛ لأن دخولهم لا يكون إلا بمشيئة الله سبحانه، كما أنهم لا يكونون آمنين إلّا بمشيئته (٢). الوجه الثالث: قال لهم ذلك بعدما دخلوا عليه . ما المانع أن يكون قال لهم بعدما دخلوا عليه وآواهم إليه: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ وضمَّنه: اسكنوا مصر: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ أي: مما كنتم فيه من الجهد والقحط (٣). الوجه الرابع: أن يوسف ﵇ تلقاهم قبل دخولهم مصر . إن يعقوب إنما دخل على يوسف هو وولده، وآوى يوسف أبويه إليه قبل دخول مصر، قالوا: وذلك أن يوسف تلقَّى أباه تكرمةً له قبل أن يدخل مصر، فآواه إليه، ثم قال له ولمن معه: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ بها قبل الدخول، وقال السُّدي: فحملوا إليه أهلهم وعيالهم، فلما بلغوا مصر، كلَّم يوسف الملك الذي فوقه، فخرج هو والملوك يتلقَّونهم، فلما بلغوا مصر قال: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾ (٤). الوجه الخامس: تعلقت المشيئة بالدخول مكيفًا بالأمن . ويجوز أن يكون قد خرج في قبة من قباب الملوك التي تحمل على البغال، فأمر أن يرفع إليه أبواه، فدخلا عليه القبة، فآواهما إليه بالضم والاعتناق وقرّبهما منه، وقال بعد ذلك: ادخلوا مصر، فإن قلت: بم تعلقت المشيئة؟ قلت: بالدخول مكيفًا بالأمن، لأن القصد إلى اتصافهم

стр. 3174

بالأمن في دخولهم، فكأنه قيل لهم: اسلموا وأمنوا في دخولكم إن شاء الله. ونظيره قولك للغازي: ارجع سالمًا غانمًا إن شاء الله، فلا تعلق المشيئة بالرجوع مطلقًا، ولكن مقيدًا بالسلامة والغنيمة، مكيفًا بهما. والتقدير: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، ثم حذف الجزاء لدلالة الكلام عليه، ثم اعترض بالجملة الجزائية بين الحال وذي الحال (١). الوجه السادس: معنى الدخول أي: الإقامة والتمكن والاستقرار . أي: أقيموا بها آمنين، سمى الإقامة دخولًا لاقتران أحدهما بالآخر، ويقال أيضًا: أي ادخلوا مصر تمكنوا منها واستقروا منها بعد أن دخلا عليه مصر (٢). الوجه السابع: يوسف ﵇ استقبلهم في بيت، ثم قال لهم: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ . كأنه حين استقبلهم نزل في بيت هناك أو خيمة، فدخلوا عليه وضمّ إليه أبويه، ثم قال لهم: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (٣). وعلى هذا فالدخول نوعان: قال الآلوسي: وكأنه ﵇ ضرب في الملتقى خارج البلد مضربًا فنزل فيه فدخلوا عليه فيه فآواهما إليه ثم طلب منهم الدخول في البلدة فهناك دخولان: أحدهما: دخول عليه خارج البلدة، والثاني: دخول في البلدة (٤). * * *

стр. 3175

١١ - شبهة: السجود للآدمي . نص الشبهة: كيف يسجدون للآدمي وقد نهى الإسلام عن ذلك؟ وكيف يسجد الأب لولده ويقبله الولد؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: كان السجود لله . الوجه الثاني: كانت تحية الملوك على هذه الهيئة. الوجه الثالث: كانت تحية فيهم ولم تكن عبادة. الوجه الرابع: هذا السجود كان تحية لا عبادة، وقد نُسخ ذلك في شريعتنا. الوجه الخامس: أنهم جعلوا يوسف ﵇ كالقبلة. الوجه السادس: أن الضمير في قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ﴾ غير عائد إلى الأبوين. الوجه السابع: قد يسمى التواضع سجودًا. الوجه الثامن: كان السجود تربية لأخوة يوسف ﵇. الوجه التاسع: سجدوا لحكمة خفية. وإليك التفصيل الوجه الأول: كان السجود لله. قوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ﴾، وفي هاء ﴿لَهُ﴾ قولان: أحدهما: أنها ترجع إِلى يوسف. قال الجمهور: فكان سجودهم كهيأة الركوع كما يفعل الأعاجم. والثاني: أنها ترجع إِلى الله. فالمعنى: وخرُّوا لله سجدًّا، فيكون المعنى: أنهم سجدوا شكرًا لله إِذ جمع بينهم وبين يوسف. (١)

стр. 3176

فالمراد بهذه الآية أنهم خروا له؛ أي: لأجل وجدانه سجدًّا لله تعالى، وحاصل الكلام: أن ذلك السجود كان سجودًا للشكر فالمسجود له هو الله، إلا أن ذلك السجود إنما كان لأجله والدليل على صحة هذا التأويل أن قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ مشعر بأنهم صعدوا ذلك السرير، ثم سجدوا له، ولو أنهم سجدوا ليوسف لسجدوا له قبل الصعود على السرير لأن ذلك أدخل في التواضع، فإن قالوا: فهذا التأويل لا يطابق قوله: ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾، والمراد منه قوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. قلنا: بل هذا مطابق، ويكون المراد من قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ لأجلي، أي: أنها سجدت لله لطلب مصلحتي وللسعي في إعلاء منصبي، وإذا كان هذا محتملًا سقط السؤال. (١) الوجه الثاني: كانت تحية الملوك على هذه الهيئة . قوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾، يقول: وخرَّ يعقوب وولده وأمّه ليوسف سُجدًّا. . . تحمّل يعني: يعقوب بأهله حتى قدموا على يوسف، فلما اجتمع إلى يعقوب بنوه، دخلوا على يوسف، فلما رأوه وقعوا له سجودًا، وكانت تلك تحية الملوك في ذلك الزمان أبوه وأمه وإخوته. (٢) قال ابن عاشور: وكان السجود تحية الملوك وأضرابهم، ولم يكن يومئذٍ ممنوعًا في الشرائع وإنما منعه الإسلام لغير الله تحقيقًا لمعنى مساواة الناس في العبودية والمخلوقية؛ ولذلك فلا يعدّ قبوله السجودَ من أبيه عقوقًا لأنه لا غضاضة عليهما منه إذ هو عادتهم (٣). الوجه الثالث: كانت تحية فيهم ولم تكن عبادة . إن السجود كان تحية بينهم، أن ذلك كان منهم على الخُلُق، لا على وجه العبادة من بعضهم لبعض، ومما يدل على أن ذلك لم يزل من أخلاق الناس قديمًا قبل الإسلام على غير

стр. 3177

وجه العبادة من بعضهم لبعض، قول أعشى بني ثعلبة: فَلَمَّا أَتَانَا بُعَيْدَ الكَرَى ... سَجَدْنَا لَهُ وَرَفَعْنَا العَمَارَا (١) فكانت تحية من قبلنا، كان يحيي بعضهم بعضًا، فأعطى الله تعالى هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة كرامة من الله ﵎ عجلها لهم نعمة منه، فسجودهم جارٍ مجرى التحية والتكرمة كالقيام، والمصافحة، وتقبيل اليد، ونحوها من عادات الناس الفاشية في التعظيم والتوقير. (٢) الوجه الرابع: هذا السجود كان تحية لا عبادة، وقد نسخ ذلك في شريعتنا . قال ابن العربي: قَالَ الْعُلَمَاءُ: كَانَ هَذَا سُجُودَ تَحِيَّةٍ لَا سُجُودَ عِبَادَةٍ، وَهَكَذَا كَانَ سَلَامُهُمْ بِالتَّكْبِيرِ وَهُوَ الِانْحِنَاء، وَقَدْ نَسَخَ الله فِي شَرْعِنَا ذَلِكَ، وَجَعَلَ الْكَلَامَ بَدَلًا عَنْ الِانْحِنَاءِ وَالْقِيَامِ (٣). قال القرطبي: وأجمع المفسرون أن ذلك السجود على أي وجه كان فإنما كان تحية لا عبادة، قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم، وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة (٤). قال ابن كثير: وقد كان هذا سائغًا في شرائعهم إذا سلَّموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدم إلى شريعة عيسى ﵇ فحرم هذا في هذه الملة، وجُعل السجود مختصًا بجناب الرب ، هذا مضمون قول قتادة وغيره (٥).

стр. 3178

ومما يدل على تحريم السجود للآدمي حديث: "لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا" (١). الوجه الخامس: أنهم جعلوا يوسف ﵇ كالقبلة . ثم سجدوا لله شكرًا لنعمة وجدانه، وهذا التأويل حسن فإنه يقال: صليت للكعبة كما يقال: صليت إلى الكعبة. قال حسان: ما كنت أعرف أن الأمر منصرف ... عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى لقبلتكم ... وأعرف الناس بالقرآن والسنن (٢) الوجه السادس: أن الضمير في قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ﴾ غير عائد إلى الأبوين . فلو كان عائد إلى الأبوين لقال: وخروا له ساجدين، بل الضمير عائد إلى إخوته، وإلى سائر من كان يدخل عليه لأجل التهنئة، والتقدير: ورفع أبويه على العرش مبالغة في

стр. 3179

تعظيمهما، وأما الإخوة وسائر الداخلين فخروا له ساجدين. فإن قالوا: فهذا لا يلائم قوله: ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾. قلنا: إن تعبير الرؤيا لا يجب أن يكون مطابقًا للرؤيا بحسب الصورة والصفة من كل الوجوه، فسجود الكواكب والشمس والقمر تعبير عن تعظيم الأكابر من الناس له، ولا شك أن ذهاب يعقوب مع أولاده من كنعان إلى مصر لأجله في نهاية التعظيم له، فكفى هذا القدر في صحة الرؤيا، فأما أن يكون التعبير مساويًا لأصل الرؤيا في الصفة والصورة فلم يوجبه أحد من العقلاء (١). الوجه السابع: قد يسمى التواضع سجودًا . كقوله: ترى الأكم فيها سجدًّا للحوافر. . . وكان المراد ههنا التواضع إلا أن هذا مشكل؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ والخرور إلى السجدة مشعر بالإتيان بالسجدة على أكمل الوجوه، وأجيب عنه: بأن الخرور قد يعني به المرور فقط قال تعالى: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] يعني: لم يمروا (٢). الوجه الثامن: كان السجود تربية لأخوة يوسف ﵇ -. فلعل إخوته حملتهم الأنفة والاستعلاء على أن لا يسجدوا له على سبيل التواضع، وعلم يعقوب ﵇ أنهم لو لم يفعلوا ذلك لصار ذلك سببًا لثوران الفتن ولظهور الأحقاد القديمة بعد كمونها، فهو ﵇ مع جلالة قدره وعظم حقه بسبب الأبوة والشيخوخة والتقدم في الدين والنبوة والعلم فعل ذلك السجود، حتى تصير مشاهدتهم لذلك سببًا لزوال الأنفة والنفرة عن قلوبهم، ألا ترى أن السلطان الكبير إذا نصب محتسبًا فإذا أراد

стр. 3180

ترتيبه مكَّنه في إقامة الحسبة عليه ليصير ذلك سببًا في أن لا يبقى في قلب أحد منازعة ذلك المحتسب في إقامة الحسبة، فكذا ههنا (١). الوجه التاسع: سجدوا لحكمة خفية . فالسجود كان لحكمة خفية، فلعل الله تعالى أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا هو كما أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم لحكمة لا يعرفها إلا هو، ويوسف ما كان راضيًا بذلك في قلبه، إلا أنه لما علم أن الله أمره بذلك سكت. (٢) قال ابن زيد: ذلك السجود تشريفة كما سجدت الملائكة لآدم تشريفة ليس بسجود عبادة. (٣) * * *

стр. 3181

مَوْسُوعَةُ مَحَاسِنِ الإِسْلَامِ وَرَدُّ شُبُهَاتِ اللِئَامِ تَألِيفُ أَحْمَد بن سُلَيْمَانِ أَيُّوب وَنُخْبَة مِن البَاحِثِينَ فِكْرَةُ وَإشْرَافُ د. سُلَيْمَان الدّريع المُجَلّدُ السَّادِسُ شُبُهَاتُ عَنِ القُرْآن دَارُ ايلاف الدَّولِيَّة لِلنَّشْرِ والتَّوزِيع

стр. 3182

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3183

مَوْسُوعَةُ مَحَاسِنِ الإِسْلَامِ وَرَدُّ شُبُهَاتِ اللِئَامِ (٦)

стр. 3184

حُقُوق الطبع مَحفُوظة الطَّبْعَةُ الأُولى ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م دَارُ ايلاف الدَّولِيَّة لِلنَّشْرِ والتَّوزِيع (دار وقفية دعوية) المدير العام: د/ فرحان بن عبيد الشمري falaslmi@gmail.com الإدارة: مجمع المخيال - هاتف: ٢٤٥٧٠٠٨٢ - ٩٦٩٩٩١٨٢ - الكويت. الفرع الأول: الجهراء - مجمع الخير - الدور الأول مكتب ١٠ هاتف ٢٤٥٥٧٥٥٩ الفرع الثاني: حولي - شارع المثنى، هاتف وناسوخ: ٢٢٦٤١٧٩٧ رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: ١١٠٤٥/ ٢٠١٥ م التوزيع داخل جمهورية مصر العربية: دَارُ العِلمِ للبحث العلمي وتحقيق التراث لصاحبها: أحمد بن سليمان ah.solaiman ١٩٧٠@gmail.com ت: ١١٥٨٩٨٠٥٨٠.

стр. 3185

تابع شبهات عن القرآن

стр. 3186

سورة الحجر وفيها: ١ - شبهة: حول الورود على الصراط. ٢ - شبهة: حول تبشير إبراهيم ﵇.

стр. 3187

١ - شبهة: حول الورود على الصراط . نص الشبهة: أن الله تعالى قال في سورة (الحجر: ٤٣ - ٤٤): ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾، وقال في سورة (مريم: ٧١): ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾. فقالوا: هذه الآيات تشير بأن الله حكم على جميع الناس بورودهم جهنم، بارهم وفاجرهم، تقيهم وعاصيهم، موحدهم ومشركهم، فقالوا: فما هي قيمة التوبة والغفران؟ وما هو الفرق بين الطائع والعاصي؟ ! . والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه: الوجه الأول: بيان المعنى الصحيح لآية الحجر، وأنها خاصة في الكفار. الوجه الثاني: بيان المعنى الصحيح للورود، وأن الراجح هو المرور على الصراط. الوجه الثالث: بيان المعتقد الصحيح في أن النار لا يخلد فيها إلا الكافرون. وإليك التفصيل الوجه الأول: بيان المعنى الصحيح لآية الحجر وأنه خاص في حق الكفار . قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قال ابن كثير: أي: جهنم موعد جميع من اتبع إبليس، كما قال عن القرآن: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]، ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أي: قد كُتِبَ لكل باب منها جزءٌ من أتباع إبليس يدخلونه، لا محيد لهم عنه - أجارنا الله منها - وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في دَرَك بقدر فعله، فدل ذلك على أن المقصود بقوله ﴿لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من أتباع إبليس، والدليل: أن الله ذكر بعدها حال المتقين فقال سبحانه ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر:

стр. 3188

٤٥]، وقد ذكر الله حال أهل الجنة - المتقين - ليظهر التباين، والضمير في قوله ﴿مَوْعِدَهُمُ﴾ عائد على قوله ﴿اتَّبَعَكَ﴾. (١) الوجه الثاني: بيان معاني الورود . الورود لغة: قال ابن سيده: وورد الماء وغيره وردًا وورودًا وورد عليه: أشرف عليه دخله أو لم يدخله، وكل من أتى مكانًا منهلًا أو غيره فقد ورده، وفي اللغة: ورد بلد كذا وماء كذا، إذا أشرف عليه، دخله أو لم يدخله، قال: فالورود: بالإجماع ليس بالدخول (٢). الورود شرعًا: المعنى الأول: الورود هو الدخول، ولكن عنى به الكفار دون المؤمنين: قال القرطبي: وقالت فرقة: المراد بـ ﴿مِنْكُمْ﴾: الكفرة، والمعنى: قل لهم يا محمد، وهذا التأويل أيضًا سهل التناول، والكاف في ﴿مِنْكُمْ﴾ راجعة إلى الهاء في ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾، فلا ينكر رجوع الكاف إلى الهاء، فقد عرف ذلك في قوله ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ [الإنسان: ٢١, ٢٢] معناه: كان لهم، فرجعت الكاف إلى الهاء (٣). وقد خرج الطبري بإسناده إلى ابن عباس كان يقرؤه ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ فقد يعني الكفار، قال: لا يردها مؤمن. (٤) وأسنده أيضًا إلى عكرمة كان يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ يعني: الكفار. (٥) ورد على هذا القول بأن الله قال بعدها: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ فدل ذلك على أن الورود ليس خاصًا بالكفار.

стр. 3189

استدلوا بقول الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]، قالوا: فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده عنها. والجواب عليه: قالوا: إن معنى: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أي: أنهم مبعدون عن العذاب فيها، والاحتراق بها، فمن دخلها وهو لا يشعر بها، ولا يحس منها وجعا، ولا ألمًا فهو مبعد عنها. (١) المعنى الثاني: الورود بمعنى المرور- يعني على الصراط -، والدليل: ١. ما رواه الطبري بإسناده عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: الصراط على جهنم مثل حد السيف فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثم يمرون والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم. (٢) ٢. ما رواه الطبري بإسناده عن قتادة من طريقين: الأول: قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ يعني: جهنم، مرّ الناس عليها. الثاني: في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: هو المرّ عليها. (٣) المعنى الثالث: المراد بالورود: هو عالم لكل مؤمن وكافر، غير أن ورود المؤمن المرور, وورود الكافر الدخول. الدليل: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾: ورود المسلمين المرور على الجسر

стр. 3190

بين ظهريها، وورود المشركين أن يدخلوها، قال: وقال النبي- ﷺ : "الزالون والزالات يومئذ كثير، وقد أحاط الجسر سماطان من الملائكة دعواهم يومئذ يا الله سلم سلم". (١) المعنى الرابع: الورود بمعنى ما يصاب به المؤمن في الدنيا من حمّى ومرض: والدليل على ذلك: ١. حديث أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ يعود رجل من أصحابه وبه وعك وأنا معه فقال رسول الله ﷺ : "إن الله يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة" (٢).
следующие страницы →