← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

سورة الحجر وفيها: ١ - شبهة: حول الورود على الصراط. ٢ - شبهة: حول تبشير إبراهيم ﵇.

стр. 3187

١ - شبهة: حول الورود على الصراط . نص الشبهة: أن الله تعالى قال في سورة (الحجر: ٤٣ - ٤٤): ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾، وقال في سورة (مريم: ٧١): ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾. فقالوا: هذه الآيات تشير بأن الله حكم على جميع الناس بورودهم جهنم، بارهم وفاجرهم، تقيهم وعاصيهم، موحدهم ومشركهم، فقالوا: فما هي قيمة التوبة والغفران؟ وما هو الفرق بين الطائع والعاصي؟ ! . والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه: الوجه الأول: بيان المعنى الصحيح لآية الحجر، وأنها خاصة في الكفار. الوجه الثاني: بيان المعنى الصحيح للورود، وأن الراجح هو المرور على الصراط. الوجه الثالث: بيان المعتقد الصحيح في أن النار لا يخلد فيها إلا الكافرون. وإليك التفصيل الوجه الأول: بيان المعنى الصحيح لآية الحجر وأنه خاص في حق الكفار . قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قال ابن كثير: أي: جهنم موعد جميع من اتبع إبليس، كما قال عن القرآن: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]، ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أي: قد كُتِبَ لكل باب منها جزءٌ من أتباع إبليس يدخلونه، لا محيد لهم عنه - أجارنا الله منها - وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في دَرَك بقدر فعله، فدل ذلك على أن المقصود بقوله ﴿لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: من أتباع إبليس، والدليل: أن الله ذكر بعدها حال المتقين فقال سبحانه ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر:

стр. 3188

٤٥]، وقد ذكر الله حال أهل الجنة - المتقين - ليظهر التباين، والضمير في قوله ﴿مَوْعِدَهُمُ﴾ عائد على قوله ﴿اتَّبَعَكَ﴾. (١) الوجه الثاني: بيان معاني الورود . الورود لغة: قال ابن سيده: وورد الماء وغيره وردًا وورودًا وورد عليه: أشرف عليه دخله أو لم يدخله، وكل من أتى مكانًا منهلًا أو غيره فقد ورده، وفي اللغة: ورد بلد كذا وماء كذا، إذا أشرف عليه، دخله أو لم يدخله، قال: فالورود: بالإجماع ليس بالدخول (٢). الورود شرعًا: المعنى الأول: الورود هو الدخول، ولكن عنى به الكفار دون المؤمنين: قال القرطبي: وقالت فرقة: المراد بـ ﴿مِنْكُمْ﴾: الكفرة، والمعنى: قل لهم يا محمد، وهذا التأويل أيضًا سهل التناول، والكاف في ﴿مِنْكُمْ﴾ راجعة إلى الهاء في ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾، فلا ينكر رجوع الكاف إلى الهاء، فقد عرف ذلك في قوله ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ [الإنسان: ٢١, ٢٢] معناه: كان لهم، فرجعت الكاف إلى الهاء (٣). وقد خرج الطبري بإسناده إلى ابن عباس كان يقرؤه ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ فقد يعني الكفار، قال: لا يردها مؤمن. (٤) وأسنده أيضًا إلى عكرمة كان يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ يعني: الكفار. (٥) ورد على هذا القول بأن الله قال بعدها: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ فدل ذلك على أن الورود ليس خاصًا بالكفار.

стр. 3189

استدلوا بقول الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]، قالوا: فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده عنها. والجواب عليه: قالوا: إن معنى: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أي: أنهم مبعدون عن العذاب فيها، والاحتراق بها، فمن دخلها وهو لا يشعر بها، ولا يحس منها وجعا، ولا ألمًا فهو مبعد عنها. (١) المعنى الثاني: الورود بمعنى المرور- يعني على الصراط -، والدليل: ١. ما رواه الطبري بإسناده عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: الصراط على جهنم مثل حد السيف فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثم يمرون والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم. (٢) ٢. ما رواه الطبري بإسناده عن قتادة من طريقين: الأول: قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ يعني: جهنم، مرّ الناس عليها. الثاني: في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: هو المرّ عليها. (٣) المعنى الثالث: المراد بالورود: هو عالم لكل مؤمن وكافر، غير أن ورود المؤمن المرور, وورود الكافر الدخول. الدليل: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾: ورود المسلمين المرور على الجسر

стр. 3190

بين ظهريها، وورود المشركين أن يدخلوها، قال: وقال النبي- ﷺ : "الزالون والزالات يومئذ كثير، وقد أحاط الجسر سماطان من الملائكة دعواهم يومئذ يا الله سلم سلم". (١) المعنى الرابع: الورود بمعنى ما يصاب به المؤمن في الدنيا من حمّى ومرض: والدليل على ذلك: ١. حديث أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ يعود رجل من أصحابه وبه وعك وأنا معه فقال رسول الله ﷺ : "إن الله يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة" (٢).

стр. 3191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3192

المعنى الخامس المراد بالورود: الإشراف عليها، والقرب منها، والاطلاع عليها. الدليل: ١ - احتجوا بقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)﴾ [القصص: ٢٣]، قالوا: فهذا ورود مقاربة، وإشراف عليه. ٢ - قوله تعالى ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ [يوسف: ١٩]. ٣ - من كلام العرب قول زهير بن أبي سلمى في معلقته: فلما وردن الماء زرقا جمامة ... وضعنا عصا الحاضر المتخيم والعرب تقول: وردت القافلة البلد وإن لم تدخله ولكن قربت منه. (١) المعنى السادس: الورود هو الدخول للمؤمنين والكافرين: ١. والدليل على ذلك: عَنْ أَبِى سُمَيَّةَ، قَالَ: اخْتَلَفْنَا هَا هُنَا في الْوُرُودِ، فَقَالَ بَعْضُنَا: لَا يَدْخُلُهَا مُؤْمِنٌ، وَقَالَ بَعْضُنَا: يَدْخُلُونَهَا جَمِيعا، ثُمَّ يُنَجِّى الله الَّذِينَ اتَّقَوْا، فَلَقِيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا اخْتَلَفْنَا هَا هُنَا في الوُرُودِ، فَقَالَ: يَرِدُونَهَا جَمِيعًا. وَقَالَ سُلَيْمَانُ مَرَّةً يَدْخُلُونَهَا جَمِيعًا، فَقُلْتُ لَهُ إِنَّا اخْتَلَفْنَا في ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُنَا: لَا يَدْخُلُهَا مُؤْمِنٌ، وَقَالَ بَعْضُنَا: يَدْخُلُونَهَا جَمِيعًا، فَأَهْوَى بِأُصْبُعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ وَقَالَ: صُمَّتَا إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ "الْوُرُودُ الدُّخُولُ لَا يَبْقَى بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِ بَرْدًا وَسَلَامًا كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ حَتَّى إِنَّ لِلنَّارِ - أَوْ قَالَ إِنَّ لِجَهَنَّمَ - ضَجِيجًا مِنْ بَرْدِهِمْ، ثُمَّ يُنَجِّى الله الَّذِينَ اتَّقَوْا وَيَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا" (٢)

стр. 3193

٢. ما رواه الطبري، في تفسيره، بإسناده إلى ابن عيينة، عن عمرو، قال: أخبرني من سمع ابن عباس يخاصم نافع بن الأزرق، فقال ابن عباس: الورود: الدخول، وقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ أورودُ هو أم لا؟ وقال ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾ أورود هو أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك، قال: فضحك نافع. (١) ٣. ما رواه الطبري في تفسيره، بإسناده إلى عطاء بن أبي رباح، قال: قال أبو راشد الحروري: ذكروا هذا فقال الحروري: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾، قال ابن عباس: ويلك أمجنون أنت؟ أين قوله تعالى ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾ ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ والله إن كان دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالمًا، وأدخلني الجنة غانمًا (٢). ٤. ما رواه الطبري في تفسيره، بإسناده إلى ابن عباس في قوله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ قال: يعني البرّ والفاجر، ألم تسمع إلى قول الله تعالى لفرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾، وَقَالَ ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ فسمى الورود في النار دخولا وليس بصادر (٣).

стр. 3194

٥. قال خالد بن معدان: قال أهل الجنة بعد ما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا الورود على النار؟ قال: قد مررتم عليها وهي خامدة. قال ابن عرفة، قال مروان بن معاوية، قال بكار بن أبي مروان، أو قال: جامدة. (١) ٦. إن في نفس الآية قرينة دالة على تفسير الآية، وهي أنه تعالى لما خاطب جميع الناس بأنهم سيردون النار، برهم وفاجرهم، بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ بين مصيرهم ومآلهم بعد ذلك الورود المذكور بقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا﴾ أي: نترك الظالمين فيها - دليل على أن ورودهم لها دخولهم فيها - إذ لو لم يدخلوها لم يقل: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا﴾، بل يقول: ونُدخل الظالمين، وهذا واضح كما ترى وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ دليل على أنهم وقعوا فيما من شأنه أنه هلكة، ولذا عطف على قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾. (٢) ونعقب هذا القول بالآتي: ١. بأن الأحاديث والآثار السابقة مختلف في صحتها، فلا يستدل بها. ٢. قال ابن عاشور: فليس الخطاب في قوله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ لجميع النّاس مؤمنهم وكافِرِهم على معنى ابتداء كلام، بحيث يقتضي أن المؤمنين يردون النّار مع الكافرين، ثم يَنْجَون من عذابها، لأنّ هذا معنى ثقيل ينبو عنه السياق، إذ لا مناسبة بينه وبين سياق الآيات السابقة، ولأنّ فضل الله على المؤمنين بالجنّة، وتشريفهم بالمنازل الرفيعة ينافي أن يسوقهم مع المشركين مَساقًا واحدًا، كيف وقد صدّر الكلام بقوله ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم: ٦٨]، وقال تعالى ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: ٨٥, ٨٦]، وهو صريح في اختلاف حشر الفريقين.

стр. 3195

فموقع هذه الآية هنا كموقع قوله تعالى ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] عقب قوله ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، فلا يتوهم أن جهنّم موعد عباد الله المخلصين مع تقدّم ذكره، لأنّه ينبو عنه مقام الثناء. وقال أيضًا: وجملة ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ زيادة في الارتقاء بالوعيد بأنّهم خالدون في العذاب، فليس ورودهم النّار بموقّت بأجل. و(ثمّ) للترتيب الرتبي تنويهًا بإنجاء الذين اتّقوا وتشويهًا بحال الذين يبقون في جهنم جُثيًّا. فالمعنى: وعلاوة على ذلك؛ ننجي الذين اتّقوا من ورود جهنم. وليس المعنى: ثمّ ينجي المتقين من بينهم، بل المعنى أنهم نَجَوْا من الورود إلى النّار. وذكر إنجاء المتقين - أي المؤمنين - إدماج ببشارة المؤمنين في أثناء وعيد المشركين. وجملة ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا﴾ عطف على جملة ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، والظالمون: المشركون (١). قلت: ومن قال بأن دخول النار يكون للناس جميعًا يقولون: بأن المؤمنين يدخلون النار من غير خوف وضرر البتة بل مع الغبطة والسرور وذلك لأن الله تعالى أخبر عنهم أنهم ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ولأن الآخرة دار الجزاء لا دار التكليف، وإيصال الغم والحزن إنما يجوز في دار التكليف، إلى أن قال: وكيف يدفع عنهم الضرر في النار. وقال بعضهم: البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه، ويكون من المواضع التي يسلك فيها إلى دركات جهنم، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يدخل الكل في جهنم فالمؤمنون يكونون في تلك المواضع الخالية عن النار، والكفار يكونون في وسط النار. وثانيها: أن الله تعالى يخمد النار فيعبرها المؤمنون وتنهار بغيرهم، قال ابن عباس ﵄: "يردونها كأنها إهالة" وعن جابر بن عبد الله: "أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض أليس وعدنا ربنا بأن نرد النار فيقال لهم: قد وردتموها وهي

стр. 3196

خامدة"، وثالثها: أن حرارة النار ليست بطبعها فالأجزاء الملاصقة لأبدان الكفار يجعلها الله عليهم محرقة مؤذية والأجزاء الملاصقة لأبدان المؤمنين يجعلها الله بردًا وسلامًا عليهم). (١) قلت: وهذا على صحة الأدلة التي ذكروها ولكن فيها كلام تقدم ذكره. المعني السابع: الورود بمعنى يراها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم. والدليل على ذلك: ١ - حديث ابن مسعود: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، قال رسول الله ﷺ "يرد الناس النار كلهم، ثم يصدرون منها بأعمالهم". (٢)

стр. 3197

٢ - ما رواه الطبري بإسناده عن مجاهد قال: (كنت عند ابن عباس، فأتاه رجل يُقال له أبو راشد، وهو نافع بن الأزرق، فقال له: يا ابن عباس أرأيت قول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ قال: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها فانظر هل نصدر عنها أم لا. (١) قلت: وأولى هذه الأقوال: أن الورود هو المرور على الصراط، والصراط على متن جهنم، فينجي الله الناس من على الصراط بأعمالهم، والأدلة على ذلك: ١ - حديث أبي هريرة مرفوعًا في الصحيحين في حديث الرؤية والشفاعة وفيه "وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ فَأَكُونُ، أنا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُهَا، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. . .". (٢) ٢ - حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا وفيه "ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ، فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، قُلْنَا يَا رَسُولَ الله وَمَا الْجَسْرُ؟ قَالَ: مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خطا طيف، وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ تَكُونُ بِنَجْدٍ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ، الْمُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مسلم، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا. . ." (٣). ٣ - حديث أبي هريرة، وحذيفة معًا في حديث استفتاح باب الجنة عن النبي ﷺ وفيه: "وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنبَتَيْ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ، قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا! قَالَ: وَفِي حَافَتَيْ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ. . ." (٤).

стр. 3198

٤ - حديث جابر بن عبد الله ﵁، رواه مسلم في صحيحه، من حديث أَبي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يُسْأَلُ عَنْ الْوُرُودِ فَقَالَ: نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا، انْظُرْ أَيْ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ قَالَ: فَتُدْعَى الْأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ، الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ: مَنْ تَنْظُرُونَ؟ فَيَقُولُونَ نَنْظُرُ رَبَّنَا، فَيَقُولُ أنا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ، قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنِ نُورًا، ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ، وَعَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ، وَحَسَكٌ تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ الله، ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ، فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْرِ، سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يُحَاسَبُونَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَاء نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ كَذَلِكَ. . .) (١). ٥ - حديث حفصة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّارَ - إِنْ شَاءَ الله - أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَليْسَ الله يَقُولُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، قَالَ فسَمِعَتْهُ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا﴾ (٢). قال أبو هريرة: إذا كان يوم القيامة، يجتمع الناس نادى مناد: ليلحق كل أناس بما كانوا يعبدون، فيقوم هذا إلى الحجر، وهذا إلى الفرس، وهذا إلى الخشبة حتى يبقى الذين يعبدون الله، فيأتيهم الله، فإذا رأوه قاموا إليه، فيذهب بهم فيسلك بهم على الصراط، وفيه عليق، فعند ذلك يؤذن بالشفاعة، فيمرّ الناس، والنبيون يقولون: اللهمّ سلم سلم. قال بكير: فكان ابن عميرة يقول: فناج مسلم ومنكوس في جهنم ومخدوش، ثم ناج (٣). وهذه بعض أقوال أهل العلم في ذلك:

стр. 3199

قال ابن حجر: وَاخْتَلَفَ السَّلَف فِي الْمُرَاد بِالْوُرُودِ فِي الْآيَة، فَقِيلَ هُوَ الدُّخُول، وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْوُرُودِ الْمَمَرّ عَلَيْهَا، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ أَصَحّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَلَا تَنَافِي بَيْنهمَا، لِأَنَّ مَنْ عَبَّرَ بِالدُّخُولِ تَجَوَّزَ بِهِ عَنْ الْمُرُور، وَوَجْهه أَنَّ الْمَارّ عَلَيْهَا فَوْق الصِّرَاط فِي مَعْنَى مَنْ دَخَلَهَا، لَكِنْ تَخْتَلِف أَحْوَال الْمَارَّة بِاخْتِلَافِ أَعْمَالهمْ، فَأَعْلَاهُمْ دَرَجَة مَنْ يَمُرّ كَلَمْعِ الْبَرْق، ثم قال: وَفِي هَذَا بَيَان ضَعْف قَوْل مَنْ قَالَ: الْوُرُود مُخْتَصّ بِالْكُفَّارِ، وَمَنْ قَالَ: مَعْنَى الْوُرُود الدُّنُوّ مِنْه، وَمَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ الْإِشْرَاف عَلَيْهَا، وَمَنْ قَالَ: مَعْنَى وُرُودهَا: مَا يُصِيب الْمُؤْمِن فِي الدُّنْيَا مِنْ الْحُمَّى، عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَخِير لَيْسَ بِبَعِيدٍ، وَلَا يُنَافِيه بَقِيَّة الْأَحَادِيث، وَالله أَعْلَم (١). قال النووي: وَالصَّحِيح أَنَّ الْمُرَاد بِالْوُرُودِ فِي الْآيَة: الْمُرُور عَلَى الصِّرَاط، وَهُوَ جِسْر مَنْصُوب عَلَى جَهَنَّم، فَيَقَع فِيهَا أَهْلهَا، وَيَنْجُو الْآخَرُونَ (٢). قال الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون، فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار، وورودهما هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَمُكَدَّسٌ فيها (٣). قال الشوكاني: ولا يخفى أن القول بأن الورود هو المرور على الصرط، أو الورود على جهنم وهي خامدة فيه، جمع بين الأدلة من الكتاب والسنّة، فينبغي حمل هذه الآية على ذلك (٤) الوجه الثالث: بيان المعتقد الصحيح في أن النار لا يخلد فيها إلا الكفار أن النار لا يخلد فيها إلا الكافرون والجنة لا يخلد فيها إلا المؤمنون، وأما العصاة من المسلمين فأمرهم إلي الله، إن شاء عذبهم، وإن شاء عفا عنهم وأمرهم في النهاية إلى الجنة. وهذا بدليل الكتاب والسنة والإجماع: اولًا: من الكتاب: فقد بين الله جزاء المؤمنين والكافرين أحق بيان، ففي المؤمنين قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ

стр. 3200

خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]، وقال ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، وقال أيضًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٧، ١٠٨]، وقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [البينة: ٧، ٨]، والآيات في الباب كثيرة. وفي حق الكافرين قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٨, ١٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]، وقال أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ [البقرة: ١٦١، ١٦٢]، وقال فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦, ٣٧]، والآيات في الباب كثيرة. فأخبرنا تعالى في هذه الآيات، وأمثالها، أن أهل النار الذين هم أهلها، خلقت لهم وخلقوا لها، وأنهم خالدون فيها أبد الآبدين، ودهر الداهرين لا فكاك لهم منها، ولا خلاص، ولات حين مناص. فأخبر الله عن أبديتهم فيها بقوله ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ونفى تعالى خروجهم منها بقوله ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ونفى تعالى انقطاعها عنهم بقوله تعالى ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ ونفى فناءهم فيها بقوله تعالى ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. ثانيًا: من السنة: وهذه بعض الأدلة من السنة علي أن الجنة للموحدين، والنار للمشركين.

стр. 3201

١ - حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله دَخَلَ الْجَنَّةَ". (١) ٢ - حديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُولُ، الله لَا يَلْقَى الله بِهِمَا، عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٢). ٣ - حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "مَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ الله، وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ الله مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ) (٣). ٤ - حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: أن رسول الله ﷺ قال: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا حَرَّمَهُ الله عَلَى النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله أَفَلَا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ إِذًا يَتَّكِلُوا، فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا" (٤). وأخيرًا: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُن ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. (٥) فهذا كله يوضح لنا أن النار لا يخلد فيها إلا الكافرون، وأن الجنة لا يدخلها ولا يخلد فيها إلا المؤمنون، وأما العصاة من المسلمين الذين ماتوا علي الإسلام فأمرهم إلى الله، إن

стр. 3202

شاء عذبهم، وإن شاء عفا عنهم، وإن عذبهم فأدخلهم النار فلا يخلدون فيها، لكن على قدر ذنوبهم فهم يطهرون، وإليك بعض الأدلة على ذلك: ١ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أَمَّا أَهْلُ النَّارِ، الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمْ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ - فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً، حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ". (١) ٢ - حديث أبي هريرة ﵁ حديث معرفة الرؤية - وفيه قول النبي ﷺ "حَتَّى إِذَا فَرَغَ الله مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِالله شَيْئًا مِمَّنْ أَرَادَ الله تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَهُ مِمَّنْ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ، يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ. . . وَقَدْ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ. .". (٢) ٣ - حديث جابر بن عبد الله ﵁ وفيه "ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ وَيَشْفَعُونَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً فَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الْجَنَّةِ. (٣) ٤ - حديث أنس أن النبي ﷺ قال: "يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً". (٤) وعنه أيضًا: أن النبي ﷺ قال في حديث الشفاعة "ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجدًّا فَيُقَالُ لِي يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله قَالَ لَيْسَ ذَاكَ لَكَ أَوْ قَالَ لَيْسَ ذَاكَ إِلَيْكَ وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي وَجِبْرِيَائِي لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله).

стр. 3203

ثالثًا: الإجماع: قال النووي: وَأَمَّا حُكْمه ﷺ عَلَى مَنْ مَاتَ يُشْرِك بِدُخُولِ النَّار وَمَنْ مَاتَ غَيْر مُشْرِك بِدُخُولِهِ الْجَنَّة فَقَدْ أَجْمَع عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ. فَأَمَّا دُخُول الْمُشْرِك النَّار فَهُوَ عَلَى عُمُومه فَيَدْخُلهَا وَيَخْلُد فِيهَا وَلَا فَرْق فِيهِ بَيْن الْكِتَابِيِّ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَبَيْن عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَسَائِرِ الْكَفَرَةِ. وَلَا فَرْق عِنْد أَهْل الْحَقِّ بَيْنَ الْكَافِر عِنَادًا وَغَيْره، وَلَا بَيْن مَنْ خَالَفَ مِلَّة الْإِسْلَام وَبَيْن مَنْ اِنْتَسَبَ إِلَيْهَا. ثُمَّ حُكِمَ بِكُفْرِهِ بِجَحْدِهِ مَا يَكْفُر بِجَحْدِهِ وَغَيْر ذَلِكَ. وَأَمَّا دُخُول مَنْ مَاتَ غَيْر مُشْرِك الْجَنَّة فَهُوَ مَقْطُوع لَهُ بِهِ لَكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِب كَبِيرَة مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا دَخَلَ الْجَنَّة أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَ صَاحِب كَبِيرَة مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا فَهُوَ تَحْت الْمَشِيئَة، فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ دَخَلَ أَوَّلًا وَإِلَّا عُذِّبَ، ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْ النَّار، وَخُلِّدَ فِي الْجَنَّة. (١) أقوال بعض الأئمة: قال النووي: وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة، وَمَا عَلَيْهِ أَهْل الْحَقّ مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف، أَنَّ مَنْ مَاتَ مُوَحِّدًا دَخَلَ الْجَنَّة قَطْعًا عَلَى كُلّ حَال، فَإِنْ كَانَ سَالِمًا مِنْ الْمَعَاصِي كَالصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُون والَّذِي اِتَّصَلَ جُنُونه بِالْبُلُوغِ، وَالتَّائِب تَوْبَة صَحِيحَة مِنْ الشِّرْك، أَوْ غَيْره مِنْ الْمَعَاصِي، إِذَا لَمْ يُحْدِث مَعْصِيَة بَعْد تَوْبَته، وَالْمُوَفَّق الَّذِي لَمْ يُبْتَلَ بِمَعْصِيَةٍ أَصْلًا، فَكُلّ هَذَا الصِّنْف يَدْخُلُونَ الْجَنَّة، وَلَا يَدْخُلُونَ النَّار أَصْلًا، لَكِنَّهُمْ يَرِدُونَهَا عَلَى الْخِلَاف الْمَعْرُوف فِي الْوُرُود، وَالصَّحِيح أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْمُرُور عَلَى الصِّرَاط وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّم - أَعَاذَنَا الله مِنْهَا وَمِنْ سَائِر الْمَكْرُوه - وَأَمَّا مَنْ كَانَتْ لَهُ مَعْصِيَة كَبِيرَة، وَمَاتَ مِنْ غَيْر تَوْبَة فَهُوَ فِي مَشِيئَة الله تَعَالَى: فَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّة أَوَّلًا وَجَعَلَهُ كَالْقِسْمِ الْأَوَّل، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ الْقَدْرَ الَّذِي يُرِيدهُ ، ثُمَّ يُدْخِلهُ الْجَنَّة، فَلَا يَخْلُد فِي النَّار أَحَد مَاتَ عَلَى التَّوْحِيد وَلَوْ عَمِلَ مِنْ الْمَعَاصِي مَا عَمِلَ. كَمَا أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة أَحَد مَاتَ عَلَى الْكُفْر وَلَوْ عَمِلَ مِنْ أَعْمَال الْبِرّ مَا عَمِلَ. هَذَا مُخْتَصَر جَامِع لِمَذْهَبِ أَهْل الْحَقّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَدِلَّة الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَإِجْمَاع مَنْ يُعْتَدّ بِهِ مِنْ الْأُمَّة عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَة، وَتَوَاتَرَتْ بِذَلِكَ نُصُوص تَحَصَّلَ الْعِلْم الْقَطْعِيّ. (٢)

стр. 3204

وقال الطحاوي: وَأَهْلُ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّة مُحَمَّدٍ ﷺ في النَّارِ لَا يُخَلَّدُونَ، إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا تَائِبِينَ بَعْدَ أَنْ لَقُوا الله عَارِفِينَ. وَهُمْ في مَشِيئَتِه وَحُكْمِه، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ وَعَفَا عَنْهُمْ بِفَضْلِه، كَمَا ذَكَرَ في كِتَابِه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ في النَّارِ بِعَدْلِه، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا بِرَحْمَتِه وَشَفَاعَة الشَّافِعِينَ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِه، ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ إلى جَنَّتِه، وَذَلِكَ بِأَنَّ الله تعالى مَوَلَّى أَهْلَ مَعْرِفَتِه، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ في الدَّارَيْنِ كَأَهْلِ نَكَرَتِه، الَّذِينَ خَابُوا مِنْ هِدَايَتِه، وَلَمْ يَنَالُوا مِنْ وِلَايَتِه. (١) وقال الإمام أحمد بن حنبل: ومن لقي الله بذنب يجب له به النار تائبا غير مصر عليه؛ فإن الله يتوب عليه، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك الذنب في الدنيا؛ فهو كفارته، كما جاء الخبر عن رسول الله ﷺ ، ومن لقيه مصرًا غير تائب من الذنوب التي قد استوجب بها العقوبة؛ فأمره إلى الله ، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له ومن لقيه كافرًا؛ عذبه ولم يغفر له. (٢) * * *

стр. 3205

٢ - شبهة: حول تبشير إبراهيم ﵇ -. نص الشبهة: قال تعالى في سورة الحج ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣]، وقال تعالى في سورة هود: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ [هود: ٧١]. قالوا هذا اضطراب في القرآن: ١. الأولى بشروا إبراهيم، والثانية بشروا زوجته. ٢. فهم أن البشارة في الآية: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)﴾ [هود: ٧٤] هي: إهلاك قوم لوط، وقالوا: ولكننا نعلم أن الأنباء بإهلاك (سدوم) هي بخلاف البشارة بميلاد إسحاق. والجواب عن هذا من هذه الوجوه: الوجه الأول: أن هذا ليس بتعارض ، فالولد لهما جميعًا فبشروه أولًا، ثم بشروها. الوجه الثاني: بيان الحكمة في تخصيص سارة بالبشارة. الوجه الثالث: في بيان معنى البشرى، وأن المراد بها البشرى بإسحاق. وإليك التفصيل، الوجه الأول: أن هذا ليس بتعارض. إذ إن الولد لإبراهيم ﵇ ولزوجته، فالبشرى لهما أو لأحدهما بشرى للجميع، فبشروه أولًا، ثم بشروها ثانيًا، فالأصل هي البشرى لإبراهيم ﵇، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٣ - ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]، وقال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٨, ٢٩].

стр. 3206

ثم كانت البشرى لزوجته، قال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ [هود: ٧١]. وفي هذه الآيات - من سورة هود - يتضح الأمر أن البشرى له، ثم لها أيضًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ [هود: ٦٩ - ٧١]. الوجه الثاني: الحكمة في تخصيص سارة بالبشرى . وفي تعيين سارة - زوجة إبراهيم ﵇ بالبشرى أسباب، منها: ١ - إيذان بأن ما بشر به يكون منها، إذ إن إبراهيم ﵇ له زوجة أخرى. (١) ٢ - لكونها عقيم، وحريصة على الولد، وقد كان ولد لإبراهيم من هاجر أمته. (٢) ٣ - لعظم فرحها بالولد ولربما زاد على فرح الزوج في هذه الحالة. (٣) ٤ - مكافأة لها على خدمتها. (٤) الوجه الثالث: في بيان معنى البشرى . القول الأول: البشرى (إسحاق): قال الطبري: فلما ذهب عن إبراهيم الخوفُ الذي أوجسه في نفسه من رسلنا، حين رأى أيديهم لا تصل إلى طعامه، وأمن أن يكون قُصِد في نفسه وأهله بسوء ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاق، ظلّ ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: عن قتادة: قوله ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ يقول: ذهب عنه الخوف ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاق (٥)

стр. 3207

وعن ابن إسحاق: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاق، ويعقوب ولد من صلب إسحاق، وأمن مما كان يخاف، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾ (١). القول الثاني: البشرى إهلاك قوم لوط . وقد ذكره الطبري في تفسيره، وصدره بقوله: قيل، وممن قال به قتادة ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ قال: حين أخبروه أنهم أرسلوا إلى قوم لوط، وأنهم ليسوا إياه يريدون. (٢) قلت: وكأن الصحيح عن قتادة أن المراد بالبشرى إسحاق، بدليل أن معمر قال: وقال آخرون بشر بإسحاق. (٣) القول الثالث: البشرى نبوته . عن عكرمة - يعني قوله ﴿جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ قال: بشر بنبوته (٤). وهذا القول مردود لأسباب: أولًا: ضعف الخبر. ثانيًا: أن نبوة إبراهيم ﵇ كانت قبل ذلك بكثير. القول الرابع: أنهم بشروه بإخراج محمد ﷺ من صلبه، وأنه خاتم الأنبياء . (٥) ورد هذا القول: بأن البشرى جاءت مصرحة في بعض الآيات، قال تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، وقال: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣].

стр. 3208

قلت: الراجح أن البشرى كانت بإسحاق ﵇، وذلك للآتي: أولًا: صحة الدليل عليه. ثانيًا: سياق القصة يدل عليه. ثالثًا: أن البشرى قد حصلت قبل أن يخبروه بأنهم أُرسلوا إلى قوم لوط ولو كانت البشرى هي إهلاك قوم لوط فلماذا سألهم عن حالهم وماذا يريدون لقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧)﴾ [الحجر: ٥٧]. رابعًا: لو كانت البشرى بإهلاك قوم لوط؛ فلماذا كان يجادل الملائكة في أمرهم بعد ذلك؟ وهذا بعض كلام أهل العلم في معنى البشرى: قال الشنقيطي: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا﴾ [هود: ٦٩]، لم يبين هنا ما المراد بهذه البشرى التي جاءت بها الرسل - الملائكة - إبراهيم، ولكنه أشار بعد هذا إلى أنها البشارة بإسحاق ويعقوب في قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]؛ لأن البشارة بالذرية الطيبة شاملة للأم والأب، كما يدل لذلك قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]، وقوله: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، وقوله: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣]. وقيل: البشرى هي إخبارهم له بأنهم أرسلوا لإهلاك قوم لوط، وعليه فالآيات المبينة لها: كقوله هنا في هذه السورة: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠]، وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ [الحجر: ٥٨, ٥٩]، وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ [الذاريات: ٣٢, ٣٣]، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١]. والظاهر القول الأول، وهذه الآية الأخيرة تدل عليه؛ لأن فيها التصريح بأن إخبارهم بإهلاك قوم لوط بعد مجيئهم بالبشرى؛ لأنه مرتب عليه بأداة الشرط التي هي (لما) كما ترى. (١)

стр. 3209

قال الشوكاني: والبشرى التي بشروه بها هي بشارته بالولد، وقيل بإهلاك قوم لوط، والأول أولى. (١) قال ابن عطية: وهذه الآية تقضي باشتراكهم في البشارة بإسحاق، وقالت فرقة - وهي الأكثر -: ﴿الْبُشْرَى﴾ هي بإسحاق، وقالت فرقة: ﴿الْبُشْرَى﴾ هي بإهلاك قوم لوط. (٢) قال السعدي: ﴿بِالْبُشْرَى﴾ أي: بالبشارة بالولد، حين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط، وأمرهم أن يمروا على إبراهيم، فيبشروه بإسحاق. (٣) * * *

стр. 3210

سورة النحل شبهة: الإكراه على الكفر . نص الشبهة: يقولون: جاء في سورة النحل قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، وقد نزلت في عمار بن ياسر ﵁؛ وذلك لأن المشركين أخذوه وأباه وأمه وغيرهم فعذبوهم وقتلوا أباه وأمه، وأما عمار فوافقهم وكفر بمحمد وقلبه كاره، فأتى عمارُ محمدًا ﷺ وهو يبكي، فقال له محمد: كيف وجدت قلبك؟ قال: مطمئنًا بالإيمان، فجعل النبي يمسح عينيه وقال: "إن عادوا فعد لهم بما قلت"، يعني: يجوز الكفر باللسان إذا كان في القلب الإيمان؟ وهذا تعليم فاسد، فهل يرضى الله بالشرك به باللسان؟ وهل من الأمانة أن يُزَوِّرَ الإنسانُ في عقيدته وينكر إلهه في سبيل إرضاء الناس؟ قال المسيح: لَا تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ، وَبَعْدَ ذلِكَ لَيْسَ لَهُمْ مَا يَفْعَلُونَ أَكْثَرَ. بَلْ أُرِيكُمْ مِمَّنْ تَخَافُونَ: خَافُوا مِنَ الَّذِي بَعْدَمَا يَقْتُلُ، لَهُ سُلْطَانٌ أَنْ يُلْقِيَ فِي جَهَنَّمَ. . . وَمَنْ أَنْكَرَنِي قُدَّامَ النَّاسِ، يُنْكَرُ قُدَّامَ مَلَائِكَةِ الله. (متى ١٠/ ٢٨، ٣٣). والجواب من وجوه: الوجه الأول: معنى الآية وسبب النزول. الوجه الثاني: التفصيل في مسألة الإكراه على الكفر. الوجه الثالث: الحكمة من جواز التلفظ بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان. الوجه الرابع: بيان الكفر البواح في الكتاب المقدس خاصةً مع الأنبياء. وإليك التفصيل،

стр. 3211

الوجه الأول: معنى الآية وسبب نزولها . أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به: أنه قد غَضب عليه؛ لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه، وأن لهم عذابًا عظيمًا في الدار الآخرة؛ لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا، ولم يهدِ الله قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق، فطبع على قلوبهم فلا يعقلون بها شيئًا ينفعهم وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها، ولا أغنت عنهم شيئًا، فهم غافلون عما يراد بهم، ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: لا بد ولا عجب أن من هذه صفته ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: الذين خسروا أنفسهم وأهاليهم يوم القيامة. وأما قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مُكْرَهًا لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله. (١) وقد نقل أهل التفسير أن الآية نزلت في عمار بن ياسر؛ قال ابن عباس: وذلك أن المشركين أصابوا عمار بن ياسر فعذّبوه، ثم تركوه، فرجع إلى رسول الله ﷺ فحدّثه بالذي لقي من قريش والذي قال: فأنزل الله تعالى عذره: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وعن قتادة قال: ذُكِر لنا أنها نزلت في عمار بن ياسر، أخذه بنو المغيرة فغطوه في بئر ميمون وقالوا: اكفر بمحمد، فتابعهم على ذلك وقلبه كاره، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي: من أتى الكفر على اختيار واستحباب ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وعن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر؛ قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذّبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبيّ ﷺ ، فقال النبيّ ﷺ : "كَيْفَ تَجدُ قَلْبَكَ؟ " قال: مطمئنًا بالإيمان، قال النبيّ ﷺ : "فإنْ عادُوا فَعُدْ" (٢). الوجه الثاني: التفصيل في مسألة الإكراه . ١ - جواز التلفظ بكلمة الكفر .

стр. 3212

أجمع أهل العلم على أن من أُكره على الكفر حتى خَشِيَ على نفسه القتل أنه لا يأثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تَبِينُ منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر (١). ٢ - شروط الإكراه أربعة: الأول: أن يكون فاعله قادرًا على إيقاع ما يهدد به والمأمور عاجزًا عن الدفع ولو بالفرار. الثاني: أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك. الثالث: أن يكون ما هدده به فوريًا، فلو قال: إن لم تفعل كذا ضربتك غدًا لا يعد مكرهًا، ويستثنى ما إذا ذكر زمنًا قريبًا جدًّا أو جرت العادة بأنه لا يخلف. الرابع: أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره كمن أكره على الزنا فأولج وأمكنه أن ينزع ويقول: أنزلت فيتمادى حتى ينزل، وكمن قيل له: طلق ثلاثًا فطلق واحدة، وكذا عكسه، ولا فرق بين الإكراه على القول والفعل عند الجمهور (٢). ٣ - استعمال المعاريض . قال المحققون من العلماء: إذا تلفظ المكره بالكفر فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلا مجرى المعاريض فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، ومتى لم يكن كذلك كان كافرًا لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها مثاله: أن يقال له: اكفر بالله، فيقول: باللاهي، فيزيد الياء، وكذلك إذا قيل له: اكفر بالنبي، فيقول: هو كافر بالنبي - مشددًا - وهو المكان المرتفع من الأرض، ويطلق على ما يعمل من الخوص شبه المائدة؛ فيقصد أحدهما بقلبه ويبرأ من الكفر، ويبرأ من إثمه، فإن قيل له: اكفر بالنبيء مهموزًا فيقول: هو كافر بالنبيء؛ يريد بالمخبر أيَّ مخبرٍ كان كطليحة ومسيلمة الكذاب، أو يريد به النبيء الذي قال فيه الشاعر: فأصبح رتما دقاق الحصى ... مكان النبيء من الكاث (٣) الصبر على العذاب أفضل من التلفظ بالكفر . أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بكلمة الكفر وإن اختار القتل فهو أعظم أجرًا عند

стр. 3213

الله ممن اختار الرخصة ويدل عليه وجوه: أحدها: أنا روينا أن بلالًا صبر على ذلك العذاب، وكان يقول: أحد أحد، ولم يقل رسول الله ﷺ : بئس ما صنعت بل عظمه عليه، فدل ذلك على أنه لا يجب التكلم بكلمة الكفر. وثانيها: ما رُوي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ فقال: رسول الله، فقال: ما تقول في؟ قال: أنت أيضًا، فخلاه وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: ما تقول في؟ قال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثًا، فأعاد جوابه فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق، فهنيئًا له" وجه الاستدلال بهذا الخبر من وجهين: الأول: أنه سمى التلفظ بكلمة الكفر رخصة. والثاني: أنه عظم حال من أمسك عنه حتى قتل. وثالثها: أن بذل النفس في تقرير الحق أشق؛ فوجب أن يكون أكثر ثوابًا لقوله ﵇: "أفضل العبادات أحمزها" أي: أشقها. ورابعها: أن الذي أمسك عن كلمة الكفر طهر قلبه ولسانه عن الكفر، أما الذي تلفظ بها فهب أن قلبه طاهر عنه إلا أن لسانه الظاهر قد تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة؛ فوجب أن يكون حال الأول أفضل، والله أعلم (١). واختلفوا فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحل له. فقال أصحابُ مالكٍ الأخذَ بالشدة في ذلك، واختيار القتل والضرب أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة. روى خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلت: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشي بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون" فوصفه ﷺ هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم والصبر على المكروه في ذات الله، وأنهم لم يكفروا في الظاهر وتبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن

стр. 3214

أنفسهم وهذه حجة من آثر الضرب والقتل والهوان على الرخصة والمقام بدار الجنان (١). ٤ - حد الإكراه: يجب ههنا بيان الإكراه الذي عنده يجوز التلفظ بكلمة الكفر؛ وهو أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به مثل التخويف بالقتل، ومثل الضرب الشديد والإيلامات القوية. قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وخباب، وصهيب، وبلال، وعمار، وسمية. أما الرسول ﷺ فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأُخذ الآخرون وأُلبسوا دروع الحديد، ثم أُجلسوا في الشمس فبلغ منهم الجهد بِحَرِّ الحديد والشمس، وأتاهم أبو جهل يشتمهم ويوبخهم ويشتم سمية، ثم طعن الحربة في فرجها. وقال الآخرون: ما نالوا منهم غير بلال؛ فإنهم جعلوا يعذبونه فيقول: أحد أحد، حتى ملوا، فكتفوه وجعلوا في عنقه حبلًا من ليف ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به حتى ملوه فتركوه. قال عمار: كلنا تكلم بالذي أرادوا غير بلال، فهانت عليه نفسه فتركوه. قال خباب: لقد أوقدوا لي نارًا ما أطفأها إلا ودك ظهري (٢). الوجه الثالث: الحكمة من جواز التلفظ بالكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان . يقول المعترض: إن هذا تعليم فاسد، وهل يرضى الله أن يشرك به باللسان، وكيف يزور الإنسان في عقيدته من أجل إرضاء الناس؟ وللإجابة عن ذلك نقول وبالله تعالى التوفيق والسداد: وإنما أجاز الإسلام هذا الأمر من باب دفع الضرر عن أبنائه، والمحافظة عليهم، والإبقاء على حياتهم، وليس معناه أن من فعله أو أخذ بالرخصة أنه قد كره الإسلام أو أنكر الحق الذي يعتقده، وإنما هذا من باب ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما، وليست العبرة فقط بما يقوله اللسان، فكم من منافق كان على عهد النبي ﷺ يعلن الشهادتين بل ويصلي مع النبي ﷺ في المسجد وهو من ألد أعداء هذا الدين، حيث كان يبطن في قلبه الكفر والبغض للإسلام ونبي الإسلام، وكان النبي ﷺ يقبل منهم ظاهرهم ويكل باطنهم إلى الله تعالى، ومن سمات الإسلام الواضحة والظاهرة لكل ذي عينين أنه

стр. 3215

دين الرحمة والوسطية وليس دين التشدد والغلو، فأباح لأبنائه التلفظ بكلمة الكفر عند تعرضهم للإكراه عليها، والله عليم ببواطنهم وما تنطوي عليه نفوسهم. الوجه الرابع: بيان الكفر البواح في الكتاب المقدس خاصة مع الأنبياء . وهذا الذي نقل عن المسيح ﵇ إن كان قد صح عنه فهو من الآصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة والتي وضعها الله عنا كما في أواخر سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. أي: لا تكلّفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم التي بعثتَ نبيَك محمدًا ﷺ نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيف السهل السمح. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله: نعم" (١). ولم يرد أبدًا لا في القرآن ولا في الحديث الشريف ولو كلمة واحدة تمس نبيًا أو رسولًا من رسل الله بما يسيء إليه أو ينتقص من حقه، فلم يقل القرآن أبدًا عن نبي أو رسول أنه زنا مع بناته، أو أنه لص، أو أنه كفر وسجد لغير الله؛ حاش لله أن يكون أنبياء الله بهذا الوصف وهذا القبح الذي يصف به كتاب النصارى رسل الله وأنبياءه وهم مبرؤن منه. فمن ذلك: سليمان كفر وهو ابن زنا كما يزعمون: فَغَضِبَ الرَّبُّ عَلَى سُلَيْمَانَ لأَنَّ قَلْبَهُ مَالَ عَنِ الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ الَّذِي تَرَاءَى لَهُ مَرَّتَيْنِ، ١٠ وَأَوْصَاهُ فِي هذَا الأَمْرِ أَنْ لَا يَتَّبعَ آلِهَةً أُخْرَى، فَلَمْ يَحْفَظْ مَا أَوْصَى بِهِ الرَّبُّ. ١١ فَقَالَ الرَّبُّ لِسُلَيْمَانَ: "مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذلِكَ عِنْدَكَ، وَلَمْ تَحْفَظْ عَهْدِي وَفَرَائِضِيَ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ بِهَا، فَإِنِّي أُمَزِّقُ الْمَمْلَكَةَ عَنْكَ تَمْزِيقًا وَأُعْطِيهَا لِعَبْدِكَ (الملوك الأول ١١/ ١١: ٩). وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلًا مَعَ الرَّبِّ إِلِههِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ (الأيام (٢) / ٤).

стр. 3216

بولس يُكَفّرُ النصارى: وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلَاءَ وَأَبْدَلُوا مَجْدَ الله الَّذِي لَا يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَاتِ. ٢٤ لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ الله أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ، لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ. ٢٥ الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ الله بِالْكَذِبِ، وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا الْمَخْلُوقَ دُونَ الْخَالِقِ، الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ (رومية ١/ ٢١ - ٢٥). ويُعلم الردة: وَقَدْ أُخْبِرُوا عَنْكَ أَنَّكَ تُعَلِّمُ جَمِيعَ الْيَهُودِ الَّذِينَ بَيْنَ الأُمَمِ الارْتِدَادَ عَنْ مُوسَى، قَائِلًا أَنْ لَا يَخْتِنُوا أَوْلَادَهُمْ وَلَا يَسْلُكُوا حَسَبَ الْعَوَائِدِ (أعمال الرسل ٢١: ٢١). * * *

стр. 3217

سورة الكهف وفيها: ١ - شبهة: ادعاؤهم أن قصة أهل الكهف من الخرافات. ٢ - شبهة: مغيب الشمس في بئر.

стр. 3218

١ - شبهة: ادعاؤهم أن قصة أهل الكهف من الخرافات . نص الشبهة: قالوا: في سورة الكهف (٩: ١٠) ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾. كيف يكون هذا الكلام وحيًا من عند الله؟ ، والقاصي والداني يعلم أن قصة أهل الكهف قصة خرافية اخترعها المسيحيون أثناء الاضطهاد لكي يشجعوا المؤمنين؟ والرد عليه من وجوه: الوجه الأول: من فوائد القصص في القرآن . الوجه الثاني: معرفة اليهود بهذه القصة . الوجه الثالث: عدم حجية الكتاب المقدس. الوجه الرابع: شهادة علم التاريخ والآثار على وقوع هذه القصة. الوجه الخامس: العثور على قرائن ومعالم للكهف. وإليك التفصيل الوجه الأول: من فوائد القصص في القرآن. عرف علماؤنا القرآن الكريم بأنه: كلام الله المنزل على محمد ﷺ بلفظه ومعناه، المعجز بتلاوته، والمنقول إلينا بالتواتر. وهذا التعريف له دلالته في وصف القرآن الكريم، فكل ما ورد فيه من قصص وأخبار وأحكام وعقائد وغيرها قاله الله سبحانه يقينًا وأوحي به على قلب محمد ﷺ . والقصة القرآنية كما هو معروف تمتاز بالصدق، والواقعية والدعوة للتوحيد والهدايات الربانية، وقد جاء ذكر كثير من هذا القصص بشكل أو بآخر في الكتب القديمة ولم يستطع علم التاريخ الحديث أن يبطل واحدة من هذه القصص بإقامة أدلة على عكس ما ذكره القرآن الكريم، بل قد عجز عن التوصل إلى معرفة خفايا كثير منها. الوجه الثاني: معرفة اليهود بهذه القصة. هذه القصة كانت معروفة عند اليهود في عهد رسول الله ﷺ ، حيث أوعزوا لنفر من

стр. 3219

قريش منهم النصر بن الحارث، وعقبة بن أبي مُعَيْط، وغيرهما أن يسألوا محمدًا ﷺ عن ثلاثة أمور لا يعلمها إلا نبي مرسل: عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم؛ فإنه قد كان لهم حديث عجب، وسلوه عن رجل طواف طاف مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هي؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر وعقبة حتى قدما مكة على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور وأخبروهم بها فجاءوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد: أخبرنا فسألوه عما أمروهم به، فقال لهم رسول الله ﷺ : "أخبركم عما سألتم عنه غدًا، ولم يستثن، فانصرفوا عنه فمكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله تعالى إليه في ذلك وحيًا ولا يأتيه جبريل ﵇ حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدًا واليوم خمس عشرة ليلة وقد أصبحنا فيها لا ينجزنا بشيء مما سألناه عنه حتى حزن رسول الله ﷺ ومكث الوحي عنه، وشق عليه ما تكلم به أهل مكة ثم جاء جبريل من الله بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبة إياه على حزنه، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف. يقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١). فلو كانت هذه قصة غير صحيحة لما اقترحها يهود، ولاعترضوا عليها عندما سمعوها منه، ولأظهروا بطلانها، فعندما سمعوها ولم يعترضوا عليها دل ذلك على صدقها، وبطلان زعم هؤلاء أنها قصة خرافية. الوجه الثالث: عدم حجية الكتاب المقدس . أما حجتهم بعدم ذكرها في الكتاب المقدس فليس بدليل لهم؛ لأن هذا الكتاب دخله الزيادة والنقصان، والتحريف والتبديل وما فيه من اضطراب يزعزع الثقة فيه كما هو حال رسائل بولس مع الأناجيل الأربعة، ومع سبق ذكره من الأدلة على ذلك. ومسألة تحريف الكتاب الذي بين أيدي النصارى الآن تكاد تكون متواترة.

стр. 3220

ولقد اعترف بعض النصارى بهذا التحريف، وألقاه على عاتق اليهود ومن هؤلاء (مرقيون)، وهو هرطوقي في نظر الكنيسة، عاش في القرن الثاني الميلادي مقتنعًا بأن اليهود قد حرفوا إنجيل المسيح الأصلي، ولذلك كان لا يعترف بأناجيل متى ومرقس ويوحنا. وهذا يدل على أن ما ورد في الأناجيل ليس بحجة، وعدم وجود شيء فيها لا يدل على عدم وجوده ولا على عدم حدوثه. وتكرار القصة في ديانتين أو أكثر فذلك لوحدة المصدر ولأن القصص في الديانات السماوية يتكرر ذكره لمصلحة الناس آنذاك وتأييدًا لنبي تلك الفترة، وإذا كان هؤلاء صادقين فيما يذكرونه فليثبتوا عكس ما أثبته القرآن الكريم. (١) الوجه الرابع: شهادة علم التاريخ والآثار على وقوع هذه القصة . ذكرت المصادر النصرانية هذه القصة وأنها موجودة في كتب معتمدة. قال الأستاذ محمد تيسير ظبيان/ في كتابه (أهل الكهف): لدى مراجعة المصادر المسيحية القديمة والحديثة تبين أن أول من كتب قصة أصحاب الكهف بالسريانية هو (جيمس الساورغي)، وكان كاهنًا لمقاطعة (ساروغ) في العراق، وقد ولد سنة (٤٥٢ م) ومات سنة (٥١٨ م) أي بعد وفاة الإمبراطور (أثيودوسيس الثاني) المعروف بالأصغر. وقد نقلت عنه القصة إلى اللغة اللاتينية بعناية (غريغوري) حوالي القرن السادس الميلادي كما تشير إلى ذلك موسوعة (chamfeus of tours). ويقول الأستاذ/ رفيق الدجاني عالم الآثار الأردني، والذي كان له اليد الطولى في حفريات الكهف، أنه (أي الساروغي) عاصر الإمبراطور (جستينوس الأول) الذي حكم من سنة (٥١٨ م) إلى (٥٢٧ م) وفي زمانه بنيت الصومعة فوق الكهف، كما ثبت ذلك بالمكتشفات الأثرية التي عثر عليها كنقوده التي وجدت عند قواعد البنيان. وقد نقلت هذه القصة من السريانية إلى اليونانية واللاتينية والحبشية والهندية والفارسية، ثم إلى العربية وإليها استند المفسرون والمؤرخون المسلمون في سرد تفاصيل هذه القصة. * وجاء في دائرة المعارف للأخلاق والديانات تعقيبًا على هذه القصة: إن قصة النائمين السبعة

стр. 3221

من أكبر القصص التي تروي عن القديسين من حيث المتعة العقلية، والذيوع في الآفاق، ومما يذكر أن ذكرى هؤلاء الفتية حفظت في اجتماعات العشاء الرباني في الشرق المسيحي. وقال (رفيق الجاني): وأخبرني أحد رجال الكهنوت في عمان أن لديهم صلاة خاصة تحمل اسم (الرقيم) نسبة إلى جبل الرقيم الدي يوجد في الكهف. (١) ويقول محمد رضا صاحب كتاب (محمد رسول الله ﷺ ) نقلًا عن الدكتور (ولفنسون الإسرائيلي) مدرس اللغات السامية بالجامعة المصرية ودار العلوم فقال في رسالته (تاريخ اليهود في بلاد العرب) ما يأتي: وينفي بعض المستشرقين صحة هذه القصة الخطيرة دون أن يأتوا بدليل نطمئن إليه، والحق أن من العسر إنكار الرواية تاريخيًا كانت سببًا في نزول سورة الكهف والآيات الخاصة بالروح وذي القرنين، وعندنا دليل يحملنا على الاعتقاد بأن هذه الرواية من المحتمل (٢) أن تكون واقعية وهي أن في التلمود قصة مشهورة تشبهه قصة أهل الكهف، أخذ أحبار اليهود الأسئلة التي وجهوها للرسول بواسطة وفد بني قريش، ويؤيد هذه القصة ما ذهبنا إليه من أنه لم يكن بمكة أحد من اليهود، إذ لو وجد منهم في مكة ما أوفد قريش وفدهم إلى المدينة ليسألوا أحبار اليهود عن شأن النبي ﷺ ، وإذا وجد منهم أحد فلا بد أن يكون غير عالم. (٣) الوجه الخامس: العثور على قرائن ومعالم للكهف . ومما يدحض الاتهامات والأباطيل اكتشاف معالم الكهف، والعثور على قرائن وأدلة وبيانات تاريخية وأثرية تؤيد ما ورد في القرآن الكريم أعظم اكتشاف تاريخي وأثري في القرن العشرين، حيث أظهرت المعجزة القرآنية الكبرى بأخبار عن غيب ينكره هؤلاء، والأدلة والشواهد على حصول هذه القصة كثيرة، وهو أمر يتجاهله الكثير من النصارى اليوم. (٤) * * *

стр. 3222

٢ - شبهة: مغيب الشمس في بئر . نص الشبهة: قالوا: جاء في سورة الكهف (٨٣ - ٨٦) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾. والسؤال: إذا كانت الشمس أكبر من الأرض مليونًا وثلاثين ألف مرة، فكيف تغرب في بئر رآها ذو القرنين ورأى ماءها وطينها ورأى الناس؟ . والرد على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: معنى قوله تعالى: ﴿وَجَدَهَا﴾ . الوجه الثاني: معنى حرف الجر (في). الوجه الثالث: تعدد معاني (في) في الكتاب المقدس. الوجه الرابع: معنى (عين). الوجه الخامس: تحريفهم لما نقلوه عن البيضاوي. الوجه السادس: معاني الآية الكريمة. الوجه السابع: آيات سورة (يس) تزيل الإشكال. الوجه الثامن: وماذا عن الكتاب المقدس؟ . وإليك التفصيل الوجه الأول: معنى قوله تعالى: ﴿وَجَدَهَا﴾. معنى ﴿وَجَدَهَا﴾: يحكي القرآن الكريم نبأ ﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ فقال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾. ونريد الآن أن نفهم معنى الفعل الماضي ﴿وَجَدَهَا﴾ ونستطيع أن ندرك معنى هذا الفعل عن طريق هذا السؤال لما يسأل الواحد منا عن صحته فيقال له: كيف تجدك اليوم؟ أي: كيف حالك؟ ، فيجيب قائلًا: أجدني بخير وعافية، وقد يكون هذا القائل

стр. 3223

مريضًا لكنه لا يدري، لأن أعراض المرض ليست من الوضوح، أو لأنه في اندماجه في حياته اليومية بحيث لا ينتبه لحالته الصحية الحقيقية. وبالمثل قد يقول الواحد منا (صادقًا فيما يظن) إنه وجد فلانًا يضرب ابنه عند البيت، بينما الحقيقة أنه كان يداعبه، أو كان يضرب ابن الجيران مثلًا لكن المتكلم توهم الأمر على ما قال. وقديمًا قال المتنبي الشاعر: ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرًا به الماء الزلالا فهذا يعني أن الإنسان قد يجد الشيء على وضع ولا يعني هذا أنه على هذا الوضع في الحقيقة والواقع. وفي قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧]. وليس هناك في الدنيا جدار يريد لأنه من الجمادات، وأيضًا فإن المفسرين قد قالوا إن الآية لو قالت: إن الشمس كانت تغرب في العين فعلًا لكان ثم سبيلًا لانتقادها، أما قولها إن ﴿ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ وجدها تغرب في العين فمعناه: أن ذلك هو إدراكه للأمر لا حقيقته الخارجية. ولقد صرح البيضاوي بذلك حيث قال: ولعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء، ولذا قال: وجدها تغرب، ولم يقل: كانت تغرب (١). وهذا الذي صرح به المفسرون هو الصواب، وفي الكتاب المقدس لدى اليهود والنصارى شيء مثل ذلك ومنه هذان الشاهدان: ١ - (وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب) (تكوين ٦: ٨) ٢ - (فوجدها ملاك الرب على عين الماء في البرية. على العين التي في طريق شور) (تكوين ١٦: ٧)، فالنعمة لا تجد في عين الرب على سبيل الحقيقة، كما أن المرأة التي وجدها ملاك الرب لم تكن على العين بل - عند العين -: أي أن الحقيقة الخارجية في كلا الشاهدين لم تكن على حرفية ما جاء في العبارتين. ٣ - وعلى ضوء ما سبق يمكننا أن نقرأ الشواهد الشعرية التالية:

стр. 3224

قال الأسعر الجعض: إني وجدت الخيل عزًا ظاهرًا ... تنجي من الغمى ويكشفن الدجى وقال مالك بن عمرو: متى تفخر بزرعه أو بحجر ... تجد فخرًا يطير به السناء وقال الحصين بن حمام الفزاري: تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما ذلك أن وجدانك الشيء على وضع من الأوضاع، إنما يعني إدراكك له على هذا الوضع رؤية أو سماعًا أو شمًا أو لمسًا أو شعورًا باطنيًا أو استدلالا عقليًا كما في العبارات الآتية: (نظرت فوجدته قائمًا) أو (حينما اقتربت من الحجرة وجدته يقرأ) أو (قربت الزهرة من نفى فوجدتها مسكية العبير) أو (احتكت يدي بالحائط فوجدته خشن الملمس) أو (وجدت وقع إهانته عليَّ عنيفًا) أو (أعاد العلماء النظر في هيئة الأرض فوجدوها أقرب إلى شكل الكرة) ثم سواء عليك بعد هذا أكان هو فعلًا في الواقع والحقيقة كذلك أم لا. ٤ - وعلى ضوء ما سبق نستطيع أن نقرأ قول الزبيدي صاحب (تاج العروس): وقال المصنف في البصائر نقلًا عن أبي القاسم الأصبهاني: الوجود أضرُب: وجود بإحدى الحواس الخمس، نحو: وجدت زيدًا ووجدت طعمه ورائحته وصوته وخشونته، ووجود بقوة الشهوة: وجدت الشبع، ووجود أيده الغضب نحو: وجود الحرب والسخط، ووجود بالعقل أو بوساطة العقل: كمعرفة الله تعالى ومعرفة النبوة، وما نسب إلى الله تعالى من الوجود فبمعنى العلم المجرد، إذ كان الله تعالى منزهًا عن الوصف بالجوارح والآلات، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾. وكذا المعدوم يقال على ضد هذه الأوجه، ويعبر عن التمكن من الشيء بالوجود، نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي حيث رأيتموهم، وقوله تعالى ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُم﴾، وقوله ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ وقوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ ووجود بالبصيرة، وكذا قوله

стр. 3225

﴿وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ وقوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ أي إن لم تقدروا على الماء. (١) الوجه الثاني: معنى حرف الجر (في) . حروف الجر ينوب بعضها عن بعض: فمن المعروف عند علماء اللغة أن هناك توسعًا في استعمال حروف الجر، بحيث يؤدي هذا الحرف معاني غيره من الحروف الأخرى، ولنأخذ مثالًا على ذلك، فحرف الجر الذي معنا في هذه الآية وهو (في) لنرى ماذا يقول النحاة في استعمالاته: قال ابن هشام: (في) حرف جر، له عشرة معاني: ١ - الظرفية: وهي إما مكانية أو زمانية وقد اجتمعتا في قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)﴾ [الروم: ١ - ٤]. أو مجازية: نحو ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، ومن المكانية (أدخلت الخاتم في إصبعي، والقلنسوة في رأسي). ٢ - المصاحبة، نحو قوله تعالى ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي معهم. ٣ - التعليل، نحو قوله تعالى ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ وقال ﷺ "إن امرأة دخلت النار في هرة حبستها". أي بسبب. ٤ - الاستعلاء، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾. ٥ - مرادفة الباء: كقول الشاعر: ويركب يوم الروع منا فوارس ... يصيرون في طعن الأباهر والكلى والشاهد قوله: يصيرون في طعن، حيث جاءت (في) بمعنى الباء. ٦ - مرادفة (إلى) نحو قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: مد الكفار أيديهم إلى أفواه الرسل ليمنعوهم من الدعوة إلى الهدى والنور.
следующие страницы →