← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

من أكبر القصص التي تروي عن القديسين من حيث المتعة العقلية، والذيوع في الآفاق، ومما يذكر أن ذكرى هؤلاء الفتية حفظت في اجتماعات العشاء الرباني في الشرق المسيحي. وقال (رفيق الجاني): وأخبرني أحد رجال الكهنوت في عمان أن لديهم صلاة خاصة تحمل اسم (الرقيم) نسبة إلى جبل الرقيم الدي يوجد في الكهف. (١) ويقول محمد رضا صاحب كتاب (محمد رسول الله ﷺ ) نقلًا عن الدكتور (ولفنسون الإسرائيلي) مدرس اللغات السامية بالجامعة المصرية ودار العلوم فقال في رسالته (تاريخ اليهود في بلاد العرب) ما يأتي: وينفي بعض المستشرقين صحة هذه القصة الخطيرة دون أن يأتوا بدليل نطمئن إليه، والحق أن من العسر إنكار الرواية تاريخيًا كانت سببًا في نزول سورة الكهف والآيات الخاصة بالروح وذي القرنين، وعندنا دليل يحملنا على الاعتقاد بأن هذه الرواية من المحتمل (٢) أن تكون واقعية وهي أن في التلمود قصة مشهورة تشبهه قصة أهل الكهف، أخذ أحبار اليهود الأسئلة التي وجهوها للرسول بواسطة وفد بني قريش، ويؤيد هذه القصة ما ذهبنا إليه من أنه لم يكن بمكة أحد من اليهود، إذ لو وجد منهم في مكة ما أوفد قريش وفدهم إلى المدينة ليسألوا أحبار اليهود عن شأن النبي ﷺ ، وإذا وجد منهم أحد فلا بد أن يكون غير عالم. (٣) الوجه الخامس: العثور على قرائن ومعالم للكهف . ومما يدحض الاتهامات والأباطيل اكتشاف معالم الكهف، والعثور على قرائن وأدلة وبيانات تاريخية وأثرية تؤيد ما ورد في القرآن الكريم أعظم اكتشاف تاريخي وأثري في القرن العشرين، حيث أظهرت المعجزة القرآنية الكبرى بأخبار عن غيب ينكره هؤلاء، والأدلة والشواهد على حصول هذه القصة كثيرة، وهو أمر يتجاهله الكثير من النصارى اليوم. (٤) * * *

стр. 3222

٢ - شبهة: مغيب الشمس في بئر . نص الشبهة: قالوا: جاء في سورة الكهف (٨٣ - ٨٦) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾. والسؤال: إذا كانت الشمس أكبر من الأرض مليونًا وثلاثين ألف مرة، فكيف تغرب في بئر رآها ذو القرنين ورأى ماءها وطينها ورأى الناس؟ . والرد على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: معنى قوله تعالى: ﴿وَجَدَهَا﴾ . الوجه الثاني: معنى حرف الجر (في). الوجه الثالث: تعدد معاني (في) في الكتاب المقدس. الوجه الرابع: معنى (عين). الوجه الخامس: تحريفهم لما نقلوه عن البيضاوي. الوجه السادس: معاني الآية الكريمة. الوجه السابع: آيات سورة (يس) تزيل الإشكال. الوجه الثامن: وماذا عن الكتاب المقدس؟ . وإليك التفصيل الوجه الأول: معنى قوله تعالى: ﴿وَجَدَهَا﴾. معنى ﴿وَجَدَهَا﴾: يحكي القرآن الكريم نبأ ﴿ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ فقال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾. ونريد الآن أن نفهم معنى الفعل الماضي ﴿وَجَدَهَا﴾ ونستطيع أن ندرك معنى هذا الفعل عن طريق هذا السؤال لما يسأل الواحد منا عن صحته فيقال له: كيف تجدك اليوم؟ أي: كيف حالك؟ ، فيجيب قائلًا: أجدني بخير وعافية، وقد يكون هذا القائل

стр. 3223

مريضًا لكنه لا يدري، لأن أعراض المرض ليست من الوضوح، أو لأنه في اندماجه في حياته اليومية بحيث لا ينتبه لحالته الصحية الحقيقية. وبالمثل قد يقول الواحد منا (صادقًا فيما يظن) إنه وجد فلانًا يضرب ابنه عند البيت، بينما الحقيقة أنه كان يداعبه، أو كان يضرب ابن الجيران مثلًا لكن المتكلم توهم الأمر على ما قال. وقديمًا قال المتنبي الشاعر: ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرًا به الماء الزلالا فهذا يعني أن الإنسان قد يجد الشيء على وضع ولا يعني هذا أنه على هذا الوضع في الحقيقة والواقع. وفي قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧]. وليس هناك في الدنيا جدار يريد لأنه من الجمادات، وأيضًا فإن المفسرين قد قالوا إن الآية لو قالت: إن الشمس كانت تغرب في العين فعلًا لكان ثم سبيلًا لانتقادها، أما قولها إن ﴿ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ وجدها تغرب في العين فمعناه: أن ذلك هو إدراكه للأمر لا حقيقته الخارجية. ولقد صرح البيضاوي بذلك حيث قال: ولعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء، ولذا قال: وجدها تغرب، ولم يقل: كانت تغرب (١). وهذا الذي صرح به المفسرون هو الصواب، وفي الكتاب المقدس لدى اليهود والنصارى شيء مثل ذلك ومنه هذان الشاهدان: ١ - (وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب) (تكوين ٦: ٨) ٢ - (فوجدها ملاك الرب على عين الماء في البرية. على العين التي في طريق شور) (تكوين ١٦: ٧)، فالنعمة لا تجد في عين الرب على سبيل الحقيقة، كما أن المرأة التي وجدها ملاك الرب لم تكن على العين بل - عند العين -: أي أن الحقيقة الخارجية في كلا الشاهدين لم تكن على حرفية ما جاء في العبارتين. ٣ - وعلى ضوء ما سبق يمكننا أن نقرأ الشواهد الشعرية التالية:

стр. 3224

قال الأسعر الجعض: إني وجدت الخيل عزًا ظاهرًا ... تنجي من الغمى ويكشفن الدجى وقال مالك بن عمرو: متى تفخر بزرعه أو بحجر ... تجد فخرًا يطير به السناء وقال الحصين بن حمام الفزاري: تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما ذلك أن وجدانك الشيء على وضع من الأوضاع، إنما يعني إدراكك له على هذا الوضع رؤية أو سماعًا أو شمًا أو لمسًا أو شعورًا باطنيًا أو استدلالا عقليًا كما في العبارات الآتية: (نظرت فوجدته قائمًا) أو (حينما اقتربت من الحجرة وجدته يقرأ) أو (قربت الزهرة من نفى فوجدتها مسكية العبير) أو (احتكت يدي بالحائط فوجدته خشن الملمس) أو (وجدت وقع إهانته عليَّ عنيفًا) أو (أعاد العلماء النظر في هيئة الأرض فوجدوها أقرب إلى شكل الكرة) ثم سواء عليك بعد هذا أكان هو فعلًا في الواقع والحقيقة كذلك أم لا. ٤ - وعلى ضوء ما سبق نستطيع أن نقرأ قول الزبيدي صاحب (تاج العروس): وقال المصنف في البصائر نقلًا عن أبي القاسم الأصبهاني: الوجود أضرُب: وجود بإحدى الحواس الخمس، نحو: وجدت زيدًا ووجدت طعمه ورائحته وصوته وخشونته، ووجود بقوة الشهوة: وجدت الشبع، ووجود أيده الغضب نحو: وجود الحرب والسخط، ووجود بالعقل أو بوساطة العقل: كمعرفة الله تعالى ومعرفة النبوة، وما نسب إلى الله تعالى من الوجود فبمعنى العلم المجرد، إذ كان الله تعالى منزهًا عن الوصف بالجوارح والآلات، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾. وكذا المعدوم يقال على ضد هذه الأوجه، ويعبر عن التمكن من الشيء بالوجود، نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي حيث رأيتموهم، وقوله تعالى ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُم﴾، وقوله ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ وقوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ ووجود بالبصيرة، وكذا قوله

стр. 3225

﴿وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ وقوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ أي إن لم تقدروا على الماء. (١) الوجه الثاني: معنى حرف الجر (في) . حروف الجر ينوب بعضها عن بعض: فمن المعروف عند علماء اللغة أن هناك توسعًا في استعمال حروف الجر، بحيث يؤدي هذا الحرف معاني غيره من الحروف الأخرى، ولنأخذ مثالًا على ذلك، فحرف الجر الذي معنا في هذه الآية وهو (في) لنرى ماذا يقول النحاة في استعمالاته: قال ابن هشام: (في) حرف جر، له عشرة معاني: ١ - الظرفية: وهي إما مكانية أو زمانية وقد اجتمعتا في قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)﴾ [الروم: ١ - ٤]. أو مجازية: نحو ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، ومن المكانية (أدخلت الخاتم في إصبعي، والقلنسوة في رأسي). ٢ - المصاحبة، نحو قوله تعالى ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي معهم. ٣ - التعليل، نحو قوله تعالى ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ وقال ﷺ "إن امرأة دخلت النار في هرة حبستها". أي بسبب. ٤ - الاستعلاء، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾. ٥ - مرادفة الباء: كقول الشاعر: ويركب يوم الروع منا فوارس ... يصيرون في طعن الأباهر والكلى والشاهد قوله: يصيرون في طعن، حيث جاءت (في) بمعنى الباء. ٦ - مرادفة (إلى) نحو قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: مد الكفار أيديهم إلى أفواه الرسل ليمنعوهم من الدعوة إلى الهدى والنور.

стр. 3226

٧ - مرادفة (من). ٨ - المقايسة: وهي الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لاحق، نحو قوله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. ٩ - التعويض: وهي الزائدة عوضًا من (في) أخرى محذوفة، كما في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، والمقصود أن كلًا منهم يضع طرف إصبع واحدة من أصابعه عند فتحة الأذن، لا في داخلها. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، ولم يجعل المولى الإنسان خليفة في الأرض، أي في باطنها بل على سطحها، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ أي تحاجوننا بشأن الله، وقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: صواب نواحي السماء وليس في السماء فعلًا. ونقرأ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ والإنسان لا ينفق ماله في الرقاب وإنما لعتق الرقاب، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ أي: مقابلة جريمة القتل وتعويضًا لأهل القتيل، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ ومعلوم أنهم ليسوا في الأنهار، إنما تجري الأنهار من تحتهم. ١٠ - التوكيد وهي الزائدة لغير التعويض (١). الوجه الثالث: تعدد معاني (في) في الكتاب المقدس . وكذلك في الكتاب المقدس أمثلة كثيرة على ما نقول، وهذه هي طبيعة اللغة، سواء في كتاب الله أو في كلام أهل الكتاب أو في أي كلام آخر، وإليك بعض هذه الأمثلة: (كُلُّ شَجَرِ الْبَرِّيَّةِ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ فِي الأَرْضِ) (تكوين/ ٢: ٥).

стр. 3227

(وَكَانَ قَايِينُ عَامِلًا فِي الأَرْضِ) (تكوين/ ٤: ٢)، (وَأَمَّا نُوحٌ فَوَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ) (تكوين/ ٦: ٨)، (كَانَ نُوحٌ رَجُلًا بَارًّا كَامِلًا فِي أَجْيَالِهِ) (تكوين/ ٦: ٩). (إِنْ كُنْتَ تُنْجِحُ طَرِيقِي الَّذِي أَنَا سَالِكٌ فِيهِ) (تكوين/ ٢٤: ٤٢)، (فَوَضَعْتُ الْخِزَامَةَ فِي أَنْفِهَا) (تكوين/ ٢٤: ٧)، (فَأَحَبَّ إِسْحَاقُ عِيسُوَ لأَنَّ فِي فَمِهِ صَيْدًا) (تكوين/ ٢٥: ٢٨) (فَتَعَاظَمَ الرَّجُلُ وَكَانَ يَتَزَايَدُ فِي التَّعَاظُمِ) (تكوين ٢٦: ١٣)، (فَالآنَ يَا ابْنِي اسْمَعْ لِقَوْلِي فِي مَا أَنَا آمُرُكَ بِهِ) (تكوين ٨: ٢٧)، (وَيَتَبَارَكُ فِيكَ وَفِي نَسْلِكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ) (تكوين ٢٨: ١٤)، (وَخَلَعَ فِرْعَوْنُ خَاتِمَهُ مِنْ يَدِهِ وَجَعَلَهُ فِي يَدِ يُوسُفَ، وَأَلْبَسَهُ ثِيَابَ بُوصٍ، وَوَضَعَ طَوْقَ ذَهَبٍ فِي عُنُقِهِ) (تكوين ٤١: ٤٢)، (١٩ فَتَقَدَّمُوا إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي عَلَى بَيْتِ يُوسُفَ، وَكَلَّمُوهُ فِي بَابِ الْبَيْتِ) (تكوين ٤٣: ١٩). وكغيرها كثير بالمئات إن لم تكن بالآلاف. الوجه الرابع: معنى العين . قال في لسان العرب (والعينُ: عين الماء، والعين التي يخرج منها الماء، والعين: ينبوع الماء الذي ينبع من الأرض ويجري. . .، وعين الركبة: مفجر مائها ومنبعها، وعين القبلة: حقيقتها، والعين: مطر أيام لا يقلع، قال الرعي: وأناءُ حيٍ تحت عين مطيرةٍ ... عظام البيوت ينزلون الروابيا يعني بحيث لا تخفى بيوتهم، يريدون أن تأتيهم الأضياف، والعين: الناحية، والعين: عين الركبة، ويعن الركبة: نقرة في مقدمها. . .). (١) وغيرها كثير مما يدل على أن قول هؤلاء إن الشمس تغرب في بئر كلام غير صحيح لأن معنى كلمة العين تصدق على البحر والسحاب والمطر وغير ذلك. الوجه الخامس: تحريفهم لما نقلوه عن البيضاوي . إن ما نقله عن البيضاوي أنه قال: (إنها تغرب في بئر) فيه كذب وتدليس وقد سبق نقل قول البيضاوي في تفسيره للآية وها أنا ذا أعيد نقله ثانية ليتضح للقارئ كذب وتدليس هؤلاء. قال البيضاوي: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي ذات حمأ من حمأت البئر إذا صارت

стр. 3228

ذات حمأ وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ﴿حَامِيَةً﴾ أي: حارة، ولا تنافي بينهما لجواز أن تكون العين جامعة للوصفين على أن ياءها مقلوبة عن الهمزة لكسر ما قبلها ولعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء وكذلك وجدها تغرب ولم يقل كانت تغرب. وقيل: إن ابن عباس سمع معاوية يقرأ ﴿حَامِيَةً﴾ فقال: ﴿حَمِئَةٍ﴾، فبعث معاوية إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب، قال: في ماء وطين كذلك نجده في التوراة (١). الوجه السادس: معاني الآية الكريمة . المعنى الأول: أن ذا القرنين لما بلغ موضعًا في المغرب، ولم يبق بعده شيئ من العمارات، وجد الشمس كأنها تغرب في عينٍ وهي مظلمة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة، كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر. (٢) إذن فالكلام هنا على الرؤية البصرية، ولا شك أن حديث العينين عن الأفلاك والشمس والقمر قديمًا وحديثًا يختلف عن حديث الفكر والعلماء، ومن الغباء أو الخداع الخلط بينهما، وينقل بيان الله تعالى في القرآن حوارًا بين سيدنا إبراهيم والنمرود الذي كان يدعي الربوبية، كثيرًا ما وصف من قبل المتصنعين للنقد العلمي بأنه دليل على سذاجة واضعي القرآن وعدم إطلاعهم على بديهيات علم الفلك، والحقيقة أن نقدهم هو الدليل الواضح على سذاجتهم أو على تصنعهم لنقد علمي لا معنى له ولا وجود له. يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. أي: فإن الذي تراه العينان من كل إنسان أن الشمس تقبل من جهة الشرق إلى الغرب، فالمتحدي ينبغي أن يطالبه بالعكس بأن يأتي بها من جهة الغرب في الصباح، وهذا الذي يجري

стр. 3229

فيه الحوار مما تراه العين، لا علاقة له بما وراء ذلك مما يقرره العلم أو العقل، إذ لكل منهما مجاله، والخلط بينهما تفاهة لا يقرها العلم، ويشمئز منها الذوق، فأنت تقول لصاحبك: مهما كنت خبيرًا بعلم الفلك وعلاقة الشمس بالأرض ها هي الشمس بازغة تطلع، وها هي ذي توشك أن تغيب، ولا تقول: ها هي ذي الأرض قد دنت من الشمس حتى بدت للعيان. (١) المعنى الثاني: أن للجانب الغربي من الأرض مساكن يحيط البحر بها، فالناظر إلى الشمس يتخيل كأنها تغيب في تلك البحار، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية وهي أيضًا حمئة لكثرة ما فيها من الحمأة السوداء والماء فقوله ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ إشارة إلى أن الجانب الغربي من الأرض قد أحاط به البحر وهو موضع شديد السخونة. (٢) المعنى الثالث: ويجوز أن تكون هذه العين من البحر، ويجوز أن تكون الشمس تغيب وراءها أو معها أو عندها، فيقام حرفة الصفة مقام صاحبه والله أعلم. (٣) المعنى الرابع: ويجوز أن يكون المعنى أن ذا القرنين هو كان في العين الحمئة، والحامية حمية من حماتها، حامية من استحرارها، كما تقول رأيتك في البحر تريد أنك إذ رأيته كنت أنت في البحر، وبرهان هذا: أن مغربها الشتوي إذا كانت من آخر رأس الجدي إلى آخر مغربها الصيفي إذا كانت من رأس السرطان مرئي مشاهد ومقداره ثمان وأربعون درجة من الفلك، وهو يوازي من الأرض كلها بالبرهان الهندسي أقل من مقدار السدس، يكون من الأميال نحو ثلاثة آلاف ميل ونيف، وهذه المساحة لا يقع عليها في اللغة اسم عين البتة، لا سيما أن تكون عينًا حمية حامية، وباللغة العربية خوطبنا، فلما تيقنا بأنها عين بإخبار الله الصادق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، علمنا يقينًا أن ذا القرنين انتهى به السير في الجهة التي مشي فيها من المغارب إلى العين المذكورة، وانقطع له إمكان المشي بعدها لاعتراض البحار له هناك، وقد علمنا بالضرورة أن ذا القرنين وغيره من الناس ليس يشغل من الأرض إلا مقدار مساحة جسمه فقط قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، ومن هذه صفته فلا يجوز أن يحيط

стр. 3230

بصره من الأرض كما يظن أهل الجهل، ولا بد أن يلقى خط بصره من حدبة الأرض أو من نشز من أنشازها ما يمنع الخط من التماري، إلا أن يقول قائل إن تلك العين هي البحر فلا يجوز أن يسمى البحر في اللغة عينًا حمئة ولا حامية، وقد أخبر الله أن الشمس تسبح في الفلك، وأنها إنما هي في الفلك سراج، وقول الله تعالى هو الصدق الذي لا يجوز أن يختلف أو يتناقض، فلو غابت في عين من الأرض كما يظن أهل الجهل أو في البحر لكانت الشمس قد زالت عن السماء وخرجت عن الفلك، وهذا هو الباطل المخالف لكلام الله حقًا، نعوذ بالله من ذلك. (١) ولا سيما مع ما قام البرهان عليه أن جرم الشمس أكبر من جرم الأرض. برهان آخر قاطع: وهو قول الله : ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ وقرئ ﴿حَامِيَةً﴾، ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ فصح ضرورة أنه وجد القوم عند العين لا عند الشمس، ومن كان عند العين فهو في العين. (٢) الوجه السابع: آيات سورة (يس) تزيل الإشكال . ولا شك أن هذا الذي يدندن حول هذه الشبهة الواهية في سورة الكهف، قد قرأ سورة يس بحثًا عن شبهات أخرى، ولا ريب أنه وجد منها هذه الآيات الكريمات: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٧ - ٤٠]، فليته أصغى السمع على هذا الكلام الذي يتنزل من عند الله الكريم، عن الليل والنهار والشمس والقمر والنظام الذي بثه الله في كل منها، فلا ريب أنه تلقى من هذه الآيات الجواب الشافي عن شبهته، وإنه لجواب مقنع حقًا لكل منصف. ولكن آفة هذا العصر أن فيه من يحترف البحث عن المشكلات فإن لم يجدها اختلقها، ويحترف الفرار من حلولها وأجوبتها، فإن ووجه بها تصامم عنها أو تغابى عن فهمها،

стр. 3231

فيقرأ في القرآن الآيات التي استشكلها ولم يعرج على الآيات التي تجيب عنها. (١) الوجه الثامن: وماذا عن الكتاب المقدس . ففي الكتاب المقدس عبارات كثيرة من نوع الآية القرآنية التي بين أيدينا، فنراه قد أوغل في مضمار الاستخدامات المجازية، ومن الشواهد على هذا الكلام: أَمَا هُمَا فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ، وَرَاءَ طَرِيقِ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي أَرْضِ الْكَنْعَانِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي الْعَرَبَةِ، مُقَابِلَ الْجِلْجَالِ، بِجَانِبِ بَلُّوطَاتِ مُورَةَ؟ (قضاة ٥: ٣١). هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا أُقِيمُ عَلَيْكَ الشَّرَّ مِنْ بَيْتِكَ، وَآخُذُ نِسَاءَكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ وَأُعْطِيهِنَّ لِقَرِيبِكَ، فَيَضْطَجعُ مَعَ نِسَائِكَ فِي عَيْنِ هذِهِ الشَّمْسِ (صموئيل: ٢/ ١٢: ١١) (قُدَّامَ الشَّمْسِ يَمْتَدُّ اسْمُهُ) (مزامير ٧٢: ١٧)، (ثُمَّ رَجَعْتُ وَرَأَيْتُ كُلَّ الْمَظَالِمِ الَّتِي تُجْرَى تَحْتَ الشَّمْسِ) (الجامعة ٤/ ١)، (وَفَسَدَتِ الأَرْضُ أَمَامَ الله، وَامْتَلأَتِ الأَرْضُ ظُلْمًا) (تكوين ٦: ١١)، (وَأُدْخِلُكُمْ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي رَفَعْتُ يَدِي أَنْ أُعْطِيَهَا لإِبْرَاهِيمَ) (خروج ٦: ٨)، (دَوْرٌ يَمْضِي وَدَوْرٌ يَجِيءُ، وَالأَرْضُ قَائِمَةٌ إِلَى الأَبَدِ) (جامعة ١: ٤). ومن الواضح أن هذا كله على خلاف الواقع وينبغي ألا يأخذه القارئ مأخذًا حرفيًا، إلا لم يكن للكلام معنى، فمثلًا ليس هناك للشمس تحت ولا فوق، وإنما هو تعبير بشري، فنحن أينما كنا على الأرض نتصور أن الشمس فوقنا، ومن ثم فنحن تحتها، على حين أنه لو كان الأمر كذلك لكان ينبغي إذن أن نكون فوق الشمس بعد ستة أشهر من ذلك حين تدور الأرض نصف دورتها السنوية، وهذا لا يصير، كذلك فليس للشمس عين ولا أذن ولا أنف أصلًا حتى نكون أو لا نكون في عينها، كما أنها ليس لها طريق تسير فيه الأرض، ودعك من أننا يمكن أن نسير فيه نحن. وبالنسبة لقول هابيل إنه هرب في الأرض فهو مجرد تعبير بشري، وإلا فقولنا: في الأرض، إنما يعني حرفيًا داخل الأرض وهو ما لا يقصده قابيل ولا أي إنسان آخر في مثل موضعه، وهكذا. * * *

стр. 3232

سورة مريم وفيها: ١ - شبهة: زكريا ﵇ يخشى من الموالي. ٢ - شبهة: انتباذ مريم ﵍. ٣ - شبهة: صيام مريم ﵍. ٤ - شبهة: تكلم المسيح ﵇ في المهد. ٥ - شبهة: عن إسماعيل ﵇. ٦ - شبهة: نزول جبريل ﵇.

стр. 3233

١ - شبهة: زكريا ﵇ يخشى من الموالي . نص الشبهة: جاء في القرآن على لسان زكريا: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ لماذا خاف زكريا من الموالي (عصبته وبني عمه)، هل لأنه صاحب مال فخشى توريث ماله لمواليه؟ مع أنه مكتوب في التوراة أنه كان وزوجته بارَّين ولم يخشيا أحدًا؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: العلة من سؤال زكريا ربه . الوجه الثاني: سبب خوف زكريا . الوجه الثالث: زهد الأنبياء . الوجه الرابع: الأنبياء لا يورثون. وإليك التفصيل الوجه الأول: العلة من سؤال زكريا ربه. إن زكريا ﵇ خشي من الموالي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفًا سيئًا، فسأل الله ولدًا يكون نبيًّا من بعده، لِيُسَوِّسَهُمْ بنبوته وما يوحى إليه. فأجيب في ذلك (١). إذن كان سبب خوف زكريا وخشيته سببًا دينيًا لا سببًا دنيويًا، وفي مثل هذا يُمدح الرجال ويعظمون. الوجه الثاني: سبب خوف زكريا. إذن سبب خشيته منهم دينيٌّ، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرًا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده أن يأنف من وراثة عصابته له، ويسأل أن يكون له ولد، فيحوز ميراثه دونه دونهم. (٢) الوجه الثالث: زهد الأنبياء. أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجارًا يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع

стр. 3234

مالًا؛ ولا سيما الأنبياء ﵈ فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا (١). الوجه الرابع: الأنبياء لا يورثون . قد ثبت في الصحيحين من غير وجه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة"، وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: "نحن معشر الأنبياء لا نورث" وعلى هذا فتعين حمل قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ على ميراث النبوة، ولهذا قال: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ كقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ أي: في النبوة، إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة؛ إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة" (٢). * * *

стр. 3235

٢ - شبهة: انتباذ مريم ﵍ -. نص الشبهة: قال المعترض: جاء في سورة مريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾ [مريم: ١٦ - ٢١]. ولم يذكر القرآن لنا لماذا انتبذت مريم العذراء من أهلها مكانًا شرقيًا، واتخذت من دونهم حجابًا قبل أن تبشر بالمسيح، هل كانت في مشاجرة مع أهلها؛ وهم المشهورون بالتقوى؟ ولماذا تسكن فتاة عذراء بعيدًا عن أهلها، مع أن القرآن يقول: إنها كانت في المحراب في كفالة زكريا؟ ويقول الإنجيل: إن مريم كانت في الناصرة وهي مخطوبة ليوسف النجار (لوقا: ١/ ٢٧). والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: من إعجاز القرآن الإجمال فيما لا فائدة من ذكره. الوجه الثاني: ذكر الآراء في سبب الانتباذ. الوجه الثالث: انتباذ مريم كما في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: من إعجاز القرآن الإجمال فيما لا فائدة من التفصيل فيه . فمن إعجاز القرآن الكريم أنه يُجمل فيما لا فائدة من التفصيل فيه، وذلك كذكر أسماء إخوة يوسف، وعدة أصحاب الكهف، وغيرها من الآيات التي أجملت ما لا فائدة منه، وإنما المقصودُ أخذُ العظةِ والعبرةِ من القصة، فهو المقصود الأول من ذكر القصص في القرآن الكريم، كما قال تعالى في آخر سورة يوسف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ

стр. 3236

وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾، فهل المطلوب من القرآن الكريم أن يذكر كل شيء عن حياة الشخص الذي يتحدث عنه؟ ! ربما لم يذكر القرآن سبب انتباذها لأنه لن يفيد شيئًا في سياق القصة، أو للاختصار، أو لأي سبب نحو ذلك، والبحث في ذلك ليس ورائه كبيرُ نفعٍ، أو تعلق الذكر بما نتج عن هذا الانتباذ، ومولد نبي الله عيسى ﵇. الوجه الثاني: ذكر الآراء في سبب الانتباذ . قد ذكر المفسرون أسبابًا عدة لانتباذ مريم ﵍، أسوق بعضها مع عدم الجزم بصحة واحد منها؛ إذ لم يرد فيها نص صحيح عن نبينا المعصوم ﷺ ، وأيضًا هذا مما لم نُكلف بالبحث عنه. السبب الأول: أنها طلبت الخلوة لئلا تشتغل عن العبادة (١). السبب الثاني: لحيض أصابها (٢). السبب الثالث: لتفلي رأسها (٣). وغيرها من الأقوال التي ليس عليها دليل صحيح يشجعنا لأن نجزم به دون غيره، وإنما نقول في مثل هذا: الله أعلم. الوجه الثالث: انتباذ مريم كما في الكتاب المقدس . وليس معنى انتباذ مريم أنها خرجت من بينهم بعد مشاجرة مع قومها، أو خصام معهم، وانظر إلى ما ورد في الإنجيل في معنى الانتباذ: "وَفِي ذلِكَ الْوَقْتِ وُلِدَ مُوسَى وَكَانَ جَمِيلًا جدًّا، فَرُبِّيَ هذَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فِي بَيْتِ أَبِيهِ. ٢١ وَلمَّا نُبِذَ، اتَّخَذَتْهُ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ وَرَبَّتْهُ لِنَفْسِهَا ابْنًا." (أعمال الرسل ٧/ ٢١: ٢٠). قوله: "ولما نبذ" لا يدل على أن أهله كرهوه، وإنما يدلس على أنهم وضعوه في التابوت، وهم لوضعه كارهون. ومن ينتبذ عن قوم، لا يدل انتباذه عنهم على كرهه لهم، وإنما يدل

стр. 3237

على ابتعاده عنهم لسبب أو لأسباب أو لطلب العزلة فقط، وإذا صح وثبت أن ابتعادها كان لعبادة الله؟ يثبت أنها لم تنبذ لمشاجرة (١). أمّا قوله: أن القرآن ذكر أنها كانت في أورشليم، مع أن الإنجيل ذكر أنها سكنت الناصرة فالجواب: ١ - جاء في إنجيل يعقوب: أن مريم وهي في سن الثالثة: ذهبت بها أمها بصحبة أبيها إلى "أورشليم" وسلماها إلى كهنة هيكل سليمان، وكانت علامات السرور تبدو عليها. ثم تركاها ورجعا إلى أورشليم، وعاشت مع الراهبات المنذورات إلى أن حبلت. ٢ - وإن أنت نظرت في خريطة فلسطين. تجد (حبرون) أسفل (أورشليم) وقريبة منها، وتجد الناصرة على نفس الخط وبعيدة عن (أورشليم). فتكون أورشليم غرب الناصرة، وشرق (حبرون). ٣ - وقد تبيّن أن "الناصرة" من نصيب سبط (زبولون) - وهو من أسباط (السامريين) - وهي من سبط (يهوذا) - على حدّ زعمه! - فكيف تكون من سكان الناصرة؟ ! وإذا كانت من سكان (الناصرة) فلماذا أتت إلى أورشليم لتعدّ مع سكانها، وسكان أورشليم من سبطى (يهوذا) (وبنيامين)؟ ! فالحق ما قاله القرآن أنها كانت (هارونية). ومعلوم أن زكريا وامرأته ويوحنا المعمدان كانوا من التابعين لأهل (أورشليم) (٢). * * *

стр. 3238

٣ - شبهة: صيام مريم ﵍ . نص الشبهة: قالوا: جاء في سورة مريم (٢٢ - ٢٦): ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. ولنا في هذه الآيات ثلاثة أسئلة: ١ - لقد ولدت مريم السيد المسيح في بيت لحم كما تنبأ أنبياء التوراة قبل حدوثه بمئات السنين، وليس بجوار جذع نخلة، ولكن وضعت مريم وليدها في المذور (لوقا ٢/ ٢٤: ٥). ٢ - وغريب أن يكلمها وليدها من تحتها: بأن تهز جذع النخلة، وتأكل من البلح، وتشرب من الجدول. ٣ - وبعدما تأكل من البلح وتشرب من الجدول إذا مر بها أحد تقول: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ فأين الصوم؟ وهي الآكلة الشاربة المتكلمة! والرد على ذلك في ثلاثة وجوه: الوجه الأول: ولادة مريم لعيسى ﵇ -. الوجه الثاني: من المنادي في الآية؟ . الوجه الثالث: معنى الصوم في الآية. وإليك التفصيل الوجه الأول: ولادة مريم لعيسى ﵇. ١ - لا مانع من أن تلد مريم عيسى ﵇ ببيت لحم ويكون تحت جذع نخلة، فلا غرابة في ذلك (١). وليس عندنا من الآيات أو الأحاديث الصحيحة ما ينفي ذلك أو يثبت أنه ولد ببيت لحم أولًا، المهم أنه ولد تحت جذع نخلة.

стр. 3239

٢ - ولادة المسيح في بيت لحم - كما قال المؤلف - تدل على أن مريم من سكان الخليل التي هي (حبرون)، ولا تدل على أنها من سكان (الناصرة). ففي خريطة فلسطين تجد (بيت لحم) تحت أورشليم وبعدها (حبرون). وعلى هذا تكون مريم بعد حملها بالمسيح وإحساسها بدنو الوضع قد اتجهت إلى حبرون ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ عند (بيت لحم)، وكانت من (الناصرة) وعندئذ يكون الوضع في مكان بين (أورشليم) وبين (الناصرة). فقولهم بالمخاض في (بيت لحم) يصدق القرآن في أنها كانت من نسل هارون الساكنين في (حبرون). ٣ - وقول المعترض: إن التوراة تنبأت بولادة المسيح في (بيت لحم)، يقصد به ما جاء في سفر مخيا وهو: أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ (ميخا ٥: ٢). والنبؤة موضوعة وليست من النص الأصلي بدليل: أن المسيح ﵇ كان من الهارونيين من جهة أمه، وبيت لحم من مدن سبط يهوذا، ولو كان له أب لأمكن للنصارى نسبته إلى سبط أبيه ولكنه لا أب له، فكيف ينتسب ليهوذا أو غير سبط يهوذا؟ . وبدليل: أن المتسلط على إسرائيل وهو النبي الأمي الآتي على مثال موسى يكون ملكًا وفاتح بلاد، ولم يكن المسيح ملكًا ولا فاتح بلاد. وبدليل: أن سفر ميخا مرفوض من السامريين، وبدليل أن شرح سفر ميخا يصرحون بالتناقض فيه، والنبؤة من مواضع التناقض التي صرحوا بها. يقول الشراح: "هناك تعليمان متشابكان في كتاب ميخا: ١ - الله يدين شعبه ويعاقبه (ف ١: ٦: ٣ - ١، ٧: ٧). ٢ - الله يعد شعبه بالخلاص (ف ٤ - ٥، ٢٠ - ٨: ٧) حين يعيده إلى حاله السابقة ويجعله بقيادة رئيس من نسل داود (٥: ٤ - ١). ٣ - وقد جاء من إنجيل متى الأبوبكريفي معجزة النخلة. (١) الوجه الثاني: من المنادي في الآية ؟ .

стр. 3240

أولًا: وقع اختلاف بين المفسرين في المُنادي الذي ناداها من تحتها على قولين: ١ - إما أنه جبريل ﵇ وقال بهذا القول: ابن عباس، وعمرو بن ميمون، والضحاك والسدي. ٢ - وإما أنه المسيح عيسى ﵇ وقال بهذا القول: مجاهد، والحسن، وقتادة. والراجح والله أعلم أنه عيسى ﵇ للآتي: ١ - لأنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبرائيل، فرده على الذي هو أقرب إليه أولى من رده على الذي هو أبعد منه، ألا ترى في سياق قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ يعني به: فحملت عيسى فانتبذت به، ثم قيل: ﴿فَنَادَاهَا﴾ نسقًا على ذلك من ذكر عيسى، والخبر عنه. ٢ - ولعلة أخرى وهي قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ ولم تشر إليه إلا وقد علمت أنه ناطق في حاله تلك، والذي كانت قد عرفت ووثقت به منه بمخاطبته إياها بقوله لها: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ وما أخبر الله عنه أنه قال لها: أشيري للقوم إليه، ولو كان ذلك قولًا من جبرائيل لكان خليقًا أن يكون في ظاهر الخبر، مبينًا أن عيسى سينطق ويحتج عنها للقوم، وأمرًا منه لها بأن تشير إليه للقوم إذا سألوها عن حالها وحاله (١). ثانيًا: ومما الغرابة في ذلك أن يكون عيسى هو المتكلم؟ "أليس الذي خلقه من غير أب قادر على أن ينطقه في المهد؟ ! أليس الله على كل شيء قدير؟ ثالثًا: "في نطق عيسى ﵇ معجزة ظاهرة قوية على أن أمه بريئة من الزنا؛ لأنه نطق أولى ما نطق بقوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فهل يتصور أن يكون نبيًا من أم زانية؟ ! وفيه أيضًا: إشارة إلى أنه سيكون له شأنٌ آخر غير البشر الآخرين. رابعًا: كلام المسيح في المهد جاء في (برنابا)، وفي إنجيل (الطفولية العربي) وجاء في تاريخ "يوسطيوس" (٢). الوجه الثالث: معنى الصوم في الآية .

стр. 3241

المقصود بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ أي: كلي واشربي من الرزق الذي رزقكم الله إياه، فإما ترين من البشر أحدًا فقولي: إني نذرت للرحمن صمتًا، فهي صامت فقط عن الكلام لا عن الأكل والشرب بدليل قولها: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ ولم تقل: فلن آكل (١). * * *

стр. 3242

٤ - شبهة: تكلم المسيح ﵇ في المهد . نص الشبهة: قال المعترض: يقول تعالى في سورة (مريم ٢٩: ٣٢): ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ قالوا: هذا هو حديث المسيح في المهد كما صوره القرآن، غير أن الإمام الرازي اعترض على هذه الرواية القرآنية بقوله: اليهود والنصارى ينكرون أن عيسى تكلم في زمان الطفولة، واحتجوا عليه بأن هذا من الوقائع العجيبة التي تتوفر الدعاوى على نقلها، فلو وجدت لنقلت بالتواتر، ولو كان ذلك لعرفه النصارى، لا سيما وهم من أشد الناس غلوا فيه، حتى زعموا كونه إلهًا، ولا شك أن الكلام في الطفولة من المناقب العظيمة والفضائل التامة، فلما لم تعرفه النصارى، مع شدة الحب وكمال البحث عن أحواله علمنا أنه لم يوجد. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أدلة إثبات الكلام لعيسى ﵇ في المهد . الوجه الثاني: بيان الحكمة في كلام عيسى في المهد. الوجه الثالث: الرد على من زعم أن عيسى لم يتكلم في المهد. الوجه الرابع: بيان الحق في كلام الرازي. وإليك التفصيل الوجه الأول: أدلة إثبات الكلام لعيسى ﵇ في المهد. أولًا من القرآن: ١ - قال تعالى ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾ [آل عمران: ٤٥، ٤٦]. ٢ - قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [المائدة: ١١٠].

стр. 3243

٣ - قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ [مريم: ٢٩، ٣٠]. فهذه الآيات تدل دلالة ظاهرة على أن عيسى تكلم في المهد. ثانيًا من السنة: ١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى. . ." (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: أُتي رسول الله ﷺ بلحم فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، ثم قال: "أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون مم ذلك؟ . . . فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في الهد صبيًا، اشفع لنا، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله قط، ولن يغضب بعده مثله - ولم يذكر ذنبًا - نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ ". (٢) والشاهد في الحديث قول الناس: "يا عيسى أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبيًا" ففيه أيضًا إثبات الكلام لعيسى في المهد. ثالثًا من المعقول: قال الرازي أما المسلمون فقد احتجوا من جهة العقل على أنه تكلم، فإنه لولا كلامه الذي دلهم على براءة أمه من الزنا لما تركوا إقامة الحد على الزنا عليها، ففي تركهم لذلك دلالة على أنه ﵇ تكلم في المهد (٣). الوجه الثاني: بيان الحكمة في كلام عيسى في المهد . ١ - دلالةً على براءَة أمه مما قَذفها به المفترون عليها (٤). ٢ - دلالة على نبوته (٥).

стр. 3244

الوجه الثالث: الرد على من زعم أن عيسى لم يتكلم في المهد . قال الآلوسي: وزعمت النصارى أنه ﵇ لم يتكلم في المهد ولم ينطق ببراءة أمه صغيرًا، بل أقام ثلاثين سنة واليهود تقذف أمه بيوسف النجار. وهذا من أكبر فضائحهم الصادحة برد ما هم عليه من دعوى الألوهية له ﵇، وكذا تنقله في الأطوار المختلفة المتنافية؛ لأن مَنْ هذا شأنه بمعزل عن الألوهية، واعترضوا بأن كلامه في المهد من أعجب الأمور فلو كان لنُقل ولو نُقل لكان النصارى أولى الناس بمعرفته؟ وأجيب: بأن الحاضرين إذ ذاك لم يبلغوا مبلغ التواتر، ولما نقلوا كُذبوا فسكتوا، وبقي الأمر مكتومًا إلى أن نطق القرآن به، وهذا قريب على قول ابن عباس: (إنه لم يتكلم إلا ساعة من نهار)، وعلى القول الآخر: وهو أنه بقي يتكلم يُقال: إن الناس اشتغلوا بعد بنقل ما هو أعجب من ذلك من أحواله: كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار عن الغيوب، والخلق من الطين كهيئة الطير، حتى لم يذكر التكلم منهم إلا النزر، ولا زال الأمر بقلة حتى لم يبق مخبر عن ذلك، وبقي مكتومًا إلى أن أظهره القرآن. وبعد هذا كله لك أن تقول: لا نسلم إجماع النصارى على عدم تكلمه في المهد، وظاهر الأخبار وقد تقدم بعضها يشير إلى أن بعضهم قائل بذلك، ويفرض إجماعهم نهاية ما يلزم الاستبعاد وهو بعد إخبار الصادق لا يسمن ولا يغني من جوع عند من رسخ إيمانه وقوي إيقانه، وكم أجمع أهل الكتابين على أشياء نطق القرآن الحق بخلافها والحق أحق بالاتباع، ولعل مرامهم من ذلك أن يطفئوا نور الله بأفواههم ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] (١). الوجه الرابع: بيان الحق في كلام الرازي . زعم المعترض أن الرازي ﵀ أنكر كلام عيسى في المهد، وأنقل الآن كلام الرازي في تفسيره، ونرى هل صحيح ما ذكره عنه هؤلاء أم هو الكذب والتدليس؟ . (٢) قال الرازي: اعلم أنه وصف نفسه بصفات تسع:

стр. 3245

الصفة الأولى: قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وفيه فوائد: - الفائدة الأولى: أن الكلام منه في ذلك الوقت كان سببًا للوهم الذي ذهبت إليه النصارى، فلا جرم أول ما تكلم إنما تكلم بما يرفع ذلك الوهم فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وكان ذلك الكلام، وإن كان موهمًا من حيث إنه صدر عنه في تلك الحالة، ولكن ذلك الوهم يزول ولا يبقى من حيث إنه تنصيص على العبودية. - الفائدة الثانية: أنه لما أقرَّ بالعبودية فإن كان صادقًا في مقاله، فقد حصل الغرض وإن كان كاذبًا لم تكن القوة قوة إلهية، بل قوة شيطانية فعلى التقديرين يبطل كونه إلهًا. - الفائدة الثالثة: أن الذي اشتدت الحاجة إليه في ذلك الوقت إنما هو نفي تهمة الزنا عن مريم ﵍، ثم إن عيسى ﵇ لم ينص على ذلك، وإنما نص على إثبات عبودية نفسه، كأنه جعل إزالة التهمة عن الله تعالى أولى من إزالة التهمة عن الأم، فلهذا أول ما تكلم إنما تكلم بها. - الفائدة الرابعة: وهي أن التكلم بإزالة هذه التهمة عن الله تعالى يفيد إزالة التهمة عن الأم؛ لأن الله سبحانه لا يخصُّ الفاجرة بولد في هذه الدرجة العالية والمرتبة العظيمة. وأما التكلم بإزالة التهمة عن الأم لا يفيد إزالة التهمة عن الله تعالى فكان الاشتغال بذلك أولى فهذا مجموع ما في هذا اللفظ من الفوائد. قلت: ثم راح الرازي يعدد صفات عيسى ﵇ التي وصف نفسه بها صفة صفة، ويتكلم عليها ويجيب عن الإشكالات التي تعرض عليها، مما يدل دلالة قاطعة على أنه أثبت الكلام له ﵇. ثم قال في آخر حديثه عن هذه الآيات: (المسألة الثالثة: قال القاضي: (السلام) عبارة عما يحصل به الأمان ومنه السلامة في النعم وزوال الآفات، فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى، ولا بُدَّ في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة، وأعظم أحوال الإنسان احتياجًا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة؛ وهي: يوم الولادة، ويوم الموت، ويوم البعث، فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى طلبها ليكون مصونًا عن الآفات والمخافات في كل الأحوال. واعلم أن اليهود والنصارى ينكرون أن عيسى ﵇ تكلم في زمان الطفولية، واحتجوا

стр. 3246

عليه بأن هذا من الوقائع العجيبة التي تتوافر الدواعي على نقلها، فلو وجدت لنقلت بالتواتر ولو كان ذلك لعرفه النصارى، لا سيما وهم من أشد الناس بحثًا عن أحواله وأشد الناس غلوًا فيه، حتى زعموا كونه إلهًا، ولا شك أن الكلام في الطفولية من المناقب العظيمة والفضائل التامة، فلما لم تعرفه النصارى مع شدة الحب وكمال البحث عن أحواله علمنا أنه لم يوجد، ولأن اليهود أظهروا عداوته حال ما أظهر ادعاء النبوة فلو أنه ﵇ تكلم في زمان الطفولية وادعى الرسالة لكانت عداوتهم معه أشد ولكان قصدهم قتله أعظم فحيث لم يحصل شيء من ذلك علمنا أنه ما تكلم، أما المسلمون فقد احتجوا من جهة العقل على أنه تكلم، فإنه لولا كلامه الذي دلهم على براءة أمه من الزنا لما تركوا إقامة الحد على الزنا عليها، ففي تركهم لذلك دلالة على أنه ﵇ تكلم في المهد، وأجابوا عن الشبهة الأولى بأنه: ربما كان الحاضرون عند كلامه قليلين، فلذلك لم يشتهر. وعن الثاني: لعل اليهود ما حضروا هناك وما سمعوا كلامه فلذلك لم يشتغلوا بقصد قتله) (١). وقد قال الرازي قبل هذا: أجاب المتكلمون عن هذه الشبهة (من أنكر كلامه في المهد). قالوا: إن كلام عيسى ﵇ في المهد إنما كان للدلالة على براءة حال مريم من الفاحشة، وكان الحاضرون جمعًا قليلين، فالسامعون لذلك الكلام كان جمعًا قليلًا، ولا يبعد في مثله التواطؤ على الإخفاء، وبتقدير: أن يذكروا ذلك إلا أن اليهود كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت، فهم أيضًا قد سكتوا لهذه العلة، فلأجل هذه الأسباب بقي الأمر مكتومًا مخفيًا إلى أن أخبر الله محمدًا ﷺ بذلك، وأيضًا فليس كل النصارى ينكرون ذلك، فإنه نقل عن جعفر بن أبي طالب: لما قرأ على النجاشي سورة مريم، قال النجاشي: لا تفاوت بين واقعة عيسى، وبين المذكور في هذا الكلام بذرة (٢). فأنت تلحظ من كلامه - أي: الرازي - أنه مجرد حاكٍ لكلام اليهود والنصارى وليس مقرًا له بدليل قوله: (أما المسلمون فقد احتجوا من جهة العقل على أنه تكلم فإنه لولا كلامه الذي. .) فوضح الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقًا. * * *

стр. 3247

٥ - شبهة: عن إسماعيل ﵇ -. نص الشبهة: قال المعترض: يقول تعالى في سورة مريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤, ٥٥]، وتُعلمنا التوراة في سفر التكوين (١٦/ ١٢) أن إسماعيل يكون وحشيًا يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه، والقرآن جعله رسولًا ونبيًا. وادَّعوا أنه أرسل إلى جرهم؛ وهم قبيلة من عرب اليمن، ولم يسمع أن الله أرسل رسولًا إلى العرب، وبماذا وعد إسماعيل وصدق؟ فما هي وعوده؟ وما هي رسالته وبماذا تنبأ؟ فلا الكتاب المقدس ذكر هذا ولا حتى القرآن! أم أن هذا الكلام لتحسين سمعة إسماعيل لأنه حسب التوراة: (إبراهيم طرده مع أمه)، وحسب العهد الجديد يقول: وَأَمَّا نَحْنُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَنَظِيرُ إِسْحَاقَ، أَوْلَادُ الْمَوْعِدِ. ٢٩ وَلكِنْ كَمَا كَانَ حِينَئِذٍ الَّذِي وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ يَضْطَهِدُ الَّذِي حَسَبَ الرُّوحِ، هكَذَا الآنَ أَيْضًا. ٣٠ لكِنْ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟ "اطْرُدِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لأَنَّهُ لَا يَرِثُ ابْنُ الْجَارِيَةِ مَعَ ابْنِ الْحُرَّةِ". ٣١ إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَسْنَا أَوْلَادَ جَارِيَةٍ بَلْ أَوْلادُ الْحُرَّةِ. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: فضل إسماعيل ﵇ في القرآن والسنة . الوجه الثاني: الجواب عن الشبهات المذكورة. الوجه الثالث: ذكر إسماعيل في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: فضل إسماعيل ﵇ في القرآن والسنة. ١ - أثنى الله تعالى عليه في القرآن الكريم فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾. ٢ - استسلامه لأمر الله لما أخبره والده إبراهيم بأمر الله له بذبحه، فاستسلم وأطاع، يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ [الصافات: ١٠٢].

стр. 3248

٣ - طاعته لوالده لما كلفه الله تعالى برفع قواعد البيت، وطلب من ابنه أن يعينه فقال: (وأعينك) (١). الوجه الثاني: الجواب عن الشبهات المذكورة . ١ - أما قولهم: أن الله تعالى لم يرسل رسولًا إلى العرب. فهذا مما لا شك فيه أنه سينكره أهل الكتاب، حتى لا تثبت النتيجة المسلمة التي بعدها، وهي أن محمدًا من نسل إسماعيل، وهو رسول من العرب إلى الناس كافة، ولكن ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]. ٢ - ما هي وعوده؟ أقول: هذا ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ وهو والدُ عربِ الحجاز كلهم بأنه ﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾. قال ابن جريج: لم يَعِدْ ربه عدةً إلا أنجزها، يعني: ما التزم عبادة قط بنذر إلا قام بها ووفاها حقها (٢). وأيضًا كان ﵇ إذا وعد الناس بشيء أنجز وعده فآتاه تعالى وصفه بهذا الخلق الشريف. وروي عن ابن عباس ﵄: أنه وعد صاحبًا له أن ينتظره في مكان فانتظره سنة. ووعد من نفسه الصبر على الذبح فوفى به، حيث قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣). ٣ - أما ما هي رسالته؟ وبماذا تنبأ؟ فالجواب هو: أن الرسول لا يجب أن يكون صاحب شريعة، فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته، أو أن الله تعالى وصفه بالرسالة لكون إبراهيم أرسله إلى جرهم (٤). وأزيد فأقول: لا يشترط أن يذكر الله تعالى عن كل نبي رسالته وما أنزل عليه؟ أو بماذا تنبأ؟ ففي القرآن الكريم ذكرٌ لأنبياء ورسل لم تُذكر رسالتهم ولا نبؤاتهم، ففي القرآن

стр. 3249

الكريم يقول الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾ [الأعراف: ٦٥]. ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وغير هؤلاء من الأنبياء الكرام. وكذلك في التوراة: ذكر أنبياء ولم تذكر لهم رسالات ولا نبؤات، فهل معنى هذا أنهم ليسوا بأنبياء؟ ! ! ! والسؤال الآن لك أيها المعترض: ما هي رسالة لوط، وما هي رسالة يعقوب؟ وإسحاق؟ وإشعيا؟ وغيرهم من الأنبياء المذكورين عندكم؟ جوابك هو نفس جوابي عن سؤالك! ٤ - أما أن إبراهيم طرد إسماعيل وأمه، فهذا من كيسكم أنتم ليظهر لكل ذي العينين مدى الحقد والحسد، الذي في قلوبكم على إسماعيل جد العرب والذي منه خرج النبي محمد ﷺ خاتم الرسل والأنبياء. أما القصة عندنا: قال ابن عباس: (أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: أَالله الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ رَبِّ: ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿يَشْكُرُونَ﴾، وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى - أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ -، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا،

стр. 3250

فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتْ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ، فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا". فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَتْ: صَهٍ - تُرِيدُ نَفْسَهَا - ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنْ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَرْحَمُ الله أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ - أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنْ الْمَاءِ - لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا". قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا: الْمَلَكُ لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ؛ فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ الله يَبْنِي هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ الله لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنْ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ، فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا، قَالَ: وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ، فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الْإِنْسَ، فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الْغُلَامُ، وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ؟ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ؟ فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇، وَقُولِي لَهُ: يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ، قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ

стр. 3251

مَا شَاءَ الله، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ؟ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ؟ فَقَالَتْ: نَحْنُ بخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى الله، فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتْ: اللَّحْمُ، قَالَ: فَمَا شَرَابُكُم: قَالَتْ: الْمَاءُ، قَالَ: اللهمَّ، بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لهمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ، قَالَ: فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ". قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇، وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ - وَأَثنَتْ عَلَيْهِ - فَسَأَلَنِي عَنْكَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ، ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ الله ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ الله أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ، قَالَ: فَإِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا - وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا -، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ، وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١). فهكذا القصة عندنا، لم يطرد إبراهيمُ إسماعيلَ وأمَّه، بل كل ما في الأمر هو أن سارة غارت من هاجر - ككل نساء العالمين - أن رزقها الله بالولد ولم ترزق هي، فأخذهما إبراهيم وبأمر من الله - تعالى - إلى مكان سيكون عنده البيت الحرام، ويعيش هناك إسماعيل، ويتربى، ويتزوج من قبيلة جرهم التي استوطنت المكان لوجود الماء، ويتزوج منهم، ويولد له أولاد، ومن ذريته خرج النبي العربي الخاتم محمد رسول الله ﷺ . فلم الإنكار علينا؟ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم؟

стр. 3252

٥ - أما قولهم عن أنفسهم: (نحن أبناء الحرة وأنتم أبناء الجارية) فلعمري (تلك شكاة ظاهر عنك عارها). الوجه الثالث: ذكر إسماعيل ﵇ في الكتاب المقدس . (٢٠ وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جدًّا. اِثْنَيْ عَشَرَ رَئِيسًا يَلِدُ، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً) (تكوين: ٢٠: ١٧). وفي الترجمة الكاثوليكية الرهبانية اليسوعية (تكوين: ٢٠: ١٧): (وأما إسماعيل فقد سمعت قولك فيه، وهاءنذا أباركه وأنميه وأكثره جدًّا، ويلد اثنى عشر رئيسًا، وأجعله أمة عظيمة). وأما قول الأفاك الأثيم: (وتعلمنا التوراة في تكوين (١٦/ ١٢) أن إسماعيل: وَإِنَّهُ يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا، يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَدُ كلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ). فالذي في (التكوين ١٢: ١٦): (ويكون إنسانًا وحشيًا يعادي الجميع والجميع يعادونه، ويعيش مستوحشًا متحديًا كل إخوته). وفي الترجمة الكاثوليكية الرهبانية اليسوعية (تكوين ١٢: ١٦): (ويكون حمارًا وحشيًا بشريًا يده على الجميع ويد الجميع عليه، وفي وجه جميع إخوته يسكن). فأقول: بأي هذه النصوص نقول؟ وبأيها نأخذ؟ فإن أخذناها كلها فهي متناقضة، وإن أخذنا بعضها فعلى أي أساس نأخذها؟ فدل هذا التناقض على التحريف. * * *

стр. 3253

٦ - شبهة: نزول جبريل ﵇ -. نص الشبهة: قال المعترض: جاء في القرآن في سورة مريم: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤]. قيل: احتبس جبريل عن محمد حين سأله اليهود عن أمر الروح، وأصحاب الكهف وذي القرنين، فقال: أخبركم غدًا، ولم يقل: إن شاء الله، حتى شق ذلك عليه، ثم نزل جبريل بعد أيام فقال له محمد ﷺ : أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك، فقال له جبريل: وإني كنت أشوق إليك، ولكني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حُبست احتبست، فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾. والحقيقة هي أن اليهود كانوا يوقفون محمدًا في المسائل، فكان يعجز عن الإجابة إلى أن يستفهم من هذا وذاك، ثم يقول: إن جبريل علمه، وحاشا لجبريل أن يلقنه الأخطاء أو يتأخر عليه ليفضحه. والرد من وجوه: الوجه الأول: السبب الصحيح لنزول الآية . الوجه الثاني: أسئلة اليهود للنبي ﷺ . وإليك التفصيل الوجه الأول: السبب الصحيح لنزول الآية. عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: "ألا تزورنا أكثر مما تزورنا". قال فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ الآية. قال: كان هذا الجواب لمحمد ﷺ (١). وأما السبب المذكور في الشبهة فقد أخرجه ابن إسحاق في سيرته، قال: حدثني رجل من أهل مكة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. . . وذكر القصة، وكما هو مُلاحظ في الإسناد أن شيخ ابن إسحاق مجهول، فلا تصح القصة (٢).

стр. 3254

الوجه الثاني: أسئلة اليهود للنبي ﷺ -. ومن خلال تتبع سنة النبي ﷺ ، نجد أن هناك محاورات وأسئلة حصلت بين النبي واليهود، أسوق بعضها لنعلم هل كان يقف النبي ﷺ عند كل سؤال فعلًا كما يدعيه هؤلاء ليسأل هذا وذاك، أم هو الوحي والنبوة؟ ! ١ - عن أنس ﵁ قال: بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله ﷺ المدينة فأتاه فقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه، ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول الله ﷺ : "خبرني بهن آنفًا جبريل". قال: فقال عبد الله: ذاك عدو اليهود من الملائكة. فقال رسول الله ﷺ : (أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها). قال أشهد أنك رسول الله، ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت، فقال رسول الله ﷺ : (أي رجل فيكم عبد الله بن سلام)؟ قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا. فقال رسول الله ﷺ : (أفرأيتم إن أسلم عبد الله). قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا ووقعوا فيه" (١). ٢ - عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: "كنت قائمًا عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله؟ فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله. فقال رسول الله ﷺ : إن اسمي (محمد) الذي سماني به أهلي. فقال اليهودي: جئت أسألك. فقال له رسول الله ﷺ : أينفعك شيء إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني. فنكت رسول الله ﷺ بعود معه

стр. 3255

فقال: سل. فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله ﷺ : هم في الظلمة دون الجسر. قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: فقراء المهاجرين. قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال زيادة كبد النون. قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها. قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلًا. قال: صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان؟ قال: ينفعك إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني. قال جئت أسألك عن الولد؟ قال: ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا منيُّ الرجل منيَّ المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل أنَّثا بإذن الله. قال اليهودي: لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب. فقال رسول الله ﷺ : لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به" (١). ٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁: قال النبي ﷺ : "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلًا لأهل الجنة. فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: "بلى". قال: تكون الأرض خبزة واحدة - كما قال النبي ﷺ . فنظر النبي ﷺ إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: إدامهم بالامٌ (٢) ونون. قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا" (٣). ٤ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "بينا أنا أمشي مع النبي ﷺ في خرب المدينة وهو يتوكأ على عسيب معه فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم: لبعض سلوه عن الروح؟ وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه. فقال بعضهم: لنسألنه. فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت. فقلت: إنه يوحى إليه فقمت. فلما انجلى عنه فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ

стр. 3256

الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] " (١). ٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما فتحت خيبر أهديت للنبي ﷺ شاة فيها سم فقال النبي ﷺ : (اجمعوا إلي من كان ها هنا من يهود)، فجمعوا له فقال: (إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه؟ ) فقالوا: نعم. قال لهم النبي ﷺ : (من أبوكم؟ ) قالوا: فلان فقال: (كذبتم بل أبوكم فلان). قالوا: صدقت. قال: (فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألت عنه؟ )، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم: (من أهل النار؟ ). قالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها. فقال النبي ﷺ : (اخسؤوا فيها والله لا نخلفكم فيها أبدًا) ثم قال: (هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه). فقالوا: نعم يا أبا القاسم. قال: (هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟ )، قالوا: نعم، قال: (ما حملكم على ذلك؟ ). قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح وإن كنت نبيًا لم يضرك" (٢). ٦ - قال عبد الله: "جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم، إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر والثرى على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك أنا الملك. فرأيت النبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ " (٣). ٧ - عن البراء بن عازب قال: "مر على النبي ﷺ بيهودي محممًا مجلودًا فدعاهم ﷺ فقال: (هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ ) قالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم فقال: (أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ ) قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله ﷺ :

стр. 3257

(اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه) فأمر به فرجم فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١] يقول: ائتوا محمدًا ﷺ فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] في الكفار كلها" (١). ٨ - عن ابن عباس ﵁ قال: "أقبلت يهود إلى النبي ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله. فقالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر. قالوا: صدقت. فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: اشتكى عرق النسا فلم يجد شيئًا يلائمه إلا لحوم الإبل وألبانها فلذلك حرمها قالوا صدقت؟ ". (٢) ٩ - عن ابن عباس ﵁ قال: "حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ يومًا فقالوا: يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي. قال: (سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب ﵇ على بنيه لئن حدثتكم شيئًا فعرفتموه لتتابعني على الإسلام). قالوا: فذلك لك. قال: (فسلوني عما شئتم؟ ). قالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن، أخبرنا أيَّ الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل كيف يكون الذكر منه؟ وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم؟ ومن وليه من الملائكة؟ قال: (فعليكم عهد الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم لتتابعني) قال: فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق، قال: (فأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى ﷺ هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب ﵇ مرض مرضًا شديدًا، وطال سقمه فنذر لله نذرًا لئن شفاه

стр. 3258

الله تعالى من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها)، قالوا: اللهم نعم، قال: (اللهم أشهد عليهم. فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ وأن ماء المرأة أصفر رقيق فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، إن علا ماء الرجل على ماء المرأة كان ذكرًا بإذن الله، وإن علا ماء المرأة على ماء الرجل كان أنثى بإذن الله) قالوا: اللهم نعم، قال: (اللهم أشهد عليهم. فأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه). قالوا: اللهم نعم، قال: (اللهم أشهد). قالوا: وأنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك. قال: (فإن وليي جبريل ﵇ ولم يبعث الله نبيًا قط إلا وهو وليه)، قالوا: فعندها نفارقك لو كان وليك سواه من الملائكة لتابعناك وصدقناك، قال: (فما يمنعكم من أن تصدقوه؟ )، قالوا: أنه عدونا قال فعند ذلك قال الله : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى قوله : ﴿كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فعند ذلك ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ ". (١) ١٠ - عن زيد بن أرقم ﵁ قال: "أتى النبي ﷺ رجل من اليهود فقال: يا أبا القاسم، ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون؟ وقال لأصحابه: إن أقر لي بهذه خصمته. قال: فقال رسول الله ﷺ : بلى والذي نفسي بيده إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في المطعم والمشرب، والشهوة والجماع. قال: فقال له اليهودي: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : حاجة أحدهم عرق يفيض من جلودهم مثل ريح المسك، فإذا البطن قد ضمر (٢). * * *

стр. 3259

سورة طه وفيها: ١ - شبهة: الأقوال المختلفة في القصة الواحدة. ٢ - شبهة: خروج موسى ﵇. ٣ - شبهة: إضلال السامري.

стр. 3260

١ - شبهة: الأقوال المختلفة في القصة الواحدة . نص الشبهة: قالوا: في نفس القصة الوحدة نجد اختلافًا في نصوصهما: ففي سورة طه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾ [طه: ٩، ١٠]. وفي سورة النمل: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)﴾، وفي سورة القصص: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾ من هنا نجد أن أقوال موسى لأهله مختلفة عن بعضها البعض تمامًا. في نفس الموقف الواحد الغير متكرر. فهل قال موسى لأهله: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾؟ أم قال لهم: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠]؟ أم قال لهم: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩]. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: حكى الله عن موسى هذا المعنى بزيادة ونقصان في الألفاظ المنسوبة إليهم، وهذه الواقعة ما وقعت إلا مرة واحدة؛ لأن الله حكى ذلك عنهم باللغة العربية فمرة حكاه مطابقًا للفظهم في الترجمة رعاية للفظ، وبعد ذلك حكاه بالمعنى جريًا على عادة العرب التفنن في الكلام والمخالفة بين أساليبه لئلا يمل إذا تمحض تكراره (١).
следующие страницы →