الألوهية بسبب من الأسباب، فما أقرب الناس لو تركوا لأنفسهم أن يعتقدوا في الرسول أو النبي أنه ليس بشرًا كسائر البشر وأن له صفة من صفات الألوهية على نحو من الأنحاء. ولذا نجد توكيد هذا التنبيه متواترًا مكررًا في آيات القرآن، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (الكهف: ١١٠)، وفي تخير كلمة (مثلكم) معنى مقصود به التسوية المطلقة، والحيلولة دون الارتفاع بفكرة النبوة أو الرسالة فوق مستوى البشرية بحال من الأحوال. بل نجد ما هو أصرح من هذا المعنى فيما جاء بسورة الشورى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (الشورى: ٤٨) وظاهر في هذه الآية تعمد تنبيه الرسول نفسه ﷺ إلى حقيقة مهمته، وحدود رسالته التي كلف بها، وليس له أن يعدوها، كما أنه ليس للناس أن يرفعوه فوقها. (١)
٣ - رجل فرد هو لسان السماء، فوقه الله لا سواه، ومن تحته سائر عباد الله من المؤمنين، ولكن هذا الرجل يأبى أن يداخله من ذلك كبر؛ بل يشفق، بل يفرق من ذلك ويحشد نفسه كلها لحرب الزهو في سريرته، قبل أن يحاربه في سرائر تابعيه. ولو أن هذا الرسول- ﷺ بما أنعم من الهداية على الناس وما تم له من العزة والأيادي، وما استقام له من السلطان، اعتد بذلك كله واعتزّ، لما كان عليه جناح من أحد؛ لأنه إنما يعتد بقيمة ماثلة، ويعتز بمزية طائلة. يطريه أصحابه بالحق الذي يعلمون عنه، فيقول لهم: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله، فقولوا عبد الله ورسوله". ويخرج على جماعة من أصحابه فينهضون تعظيمًا له، فينهاهم عن ذلك قائلًا: "لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضًا. (٢)
٤ - ماذا بقي من مزعم لزاعم؟ إيمان امتحنه البلاء طويلًا قبل أن يفاء عليه بالنصر وما كان النصر متوقعًا أو شبه متوقع لذلك الداعي إلى الله في عاصمة الأوثان والأزلام .. ونزاهة ترتفع فوق المنافع، وسمو يتعفف عن بهارج الحياة، وسماحة لا يداخلها زهو أو
стр. 352
استطالة بسلطان مطاع. لم يفد. ولم يورث آله، ولم يجعل لذريته وعشيرته ميزة من ميزات الدنيا ونعيمها وسلطانها. وحرم على نفسه ما أحلّ لآحاد الناس من أتباعه، وألغى ما كان لقبيلته من تقدم على الناس في الجاهلية حتى جعل العبدان والأحابيش سواسية وملوك قريش. لم يمكن لنفسه ولا لذويه. وكانت لذويه بحكم الجاهلية صدارة غير مدفوعة، فسوّى ذلك كله بالأرض أي قولة بعد هذا تنهض على قدمين لتطاول هذا المجد الشاهق أو تدافع هذا الصدق الصادق؟ لا خيرة في الأمر، ما نطق هذا الرسول عن الهوى .. وما ضلّ وما غوى .. وما صدق بشر إن لم يكن هذا الرسول بالصادق الأمين. (١)
٥ - أي الناس أولى بنفي الكيد عن سيرته من "أبي القاسم" ﷺ الذي حول الملايين من عبادة الأصنام الموبقة إلى عبادة الله رب العالمين، ومن الضياع والانحلال إلى السموّ والإيمان، ولم يفد من جهاده لشخصه أو آله شيئًا مما يقتتل عليه طلاب الدنيا من زخارف الحطام؟ ". (٢)
٦ - كان محمد ﷺ يملك حيويته ولا تملكه حيويته. ويستخدم وظائفه ولا تستخدمه وظائفه. فهي قوة له تحسب في مزاياه، وليست ضعفًا يعد في نقائصه. لم يكن ﷺ معطل النوازع ولكنها لم تكن نوازع تعصف به. (٣)
* * *
стр. 353
شبهات العقيدة
وفيها:
١ - بطلان ألوهية المسيح.
٢ - شبهة: ثناء القرآن والسنة على التوراة والإنجيل.
٣ - الصلب والفداء.
٤ - إثبات التحريف في الكتاب المقدس.
٥ - شبهات في صفات الذات
٦ - شبهات صفات الفعل
٧ - شبهات في حق الله
٨ - شبهات عن القبر
٩ - شبهات عن الجنة
١٠ - شبهة: ادعاؤهم أن المسلم يخلد في النار.
١١ - أكذوبة انتشار الإسلام بالسيف
١٢ - إثبات نبوة النبي ﷺ -
стр. 354
١ - بطلان ألوهية المسيح
نص الشبهة: ضل النصارى حينما وقعوا في عبادة المسيح ﵇؛ حيث زعموا أنه ابن الله، وهو أحد الأقانيم الثلاثة التي يعتقدون بها؛ ولذا كان لزامًا علينا أن نفند هذا المعتقد ونبين بطلانه؛ لنصل بإذن الله إلى الحق، وهو أنه لا إله إلا الله الواحد الأحد، لا شريك معه ولا ولد -سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا- وأن المسيح هو رسول الله، نبي من أنبيائه، عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة وأتم التسليم.
الجواب على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: مقدمة وتشتمل على فصلين.
الأول: بيان عام للتوحيد عند المسلمين.
الثاني: حول شرح معنى ألوهية المسيح، وكيف تم انتزاع هذه العقيدة من نصوص العهدين، ومدى اتفاق النصارى على هذه العقيدة.
الوجه الثاني: الأدلة من القرآن على بطلان ألوهية المسيح.
الوجه الثالث: الأدلة من السنة على بطلان ألوهية المسيح.
الوجه الرابع: الأدلة من العهد القديم والأناجيل الأربعة على بطلان ألوهية المسيح.
الوجه الخامس: الأدلة من رسائل بولس على بطلان ألوهية المسيح.
الوجه الخامس: بطلان أدلة النصارى على ألوهية المسيح.
الوجه السابع: استدلال النصارى بآيات من القرآن على ألوهية المسيح، والرد عليها.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: مقدمة.
وتشمل على الآتي:
الفصل الأول: بيان عالم للتوحيد عند السلمين، وأهميته
أولا: تعريف التوحيد: التوحيد هو: إفراد الله تعالى بالربوبية والألوهية، وكمال الأسماء والصفات. وهو حق الله الواجب على العبيد، وهو أعظم أوامر الدين وأصل الأصول كلها، وأساس الأعمال. عن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: "يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ الله عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى الله؟ . قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال:
стр. 355
"فَإِنَّ حَقَّ الله عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى الله أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا" فَقُلْمتُ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَال: "لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا". (١)
والنصوص الدالة على وحدانية الله في القرآن الكريم كثيرة جدًّا، بل إن القرآن كله ناطق بتوحيد الله حق التوحيد وهذه جملة من الآيات الدالة على هذا الأصل:
١ - يقول الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (الإخلاص)، فهذه السورة الكريمة نص في أن الله واحد أحد، وأنه لم يلد ولم يولد فليس له ابن لا عيسى ﵇ ولا غيره، ولا يشاركه في وحدانيته أحد.
٢ - يقول تعالى: ﴿وَقَال اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (النحل: ٥١)، وهنا نهى الله عن اتخاذ إلهين وأبان - سبحانه على الحصر إنما هو إله واحد لا إله غيره.
٣ - يقول تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: ١٩).
٤ - قال : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٢).
٥ - ويقول : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: ٤٢).
٦ - ويقول : ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون: ٩١). هذه الآيات غيض من فيض، ذلك أن القرآن الكريم مليء بأدلة وحدانية الله وتوحيده حق التوحيد كما هو معلوم.
стр. 356
ثانيًا: أنواع التوحيد: ثلاثة، وهي توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
١ - توحيد الربوبية: وهو توحيد الله بأفعاله. بأن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير الذي ربَّى جميع الخلق بالنعم وربَّى خواص خلقه -هم الأنبياء وأتباعهم- بالعقائد الصحيحة، والأخلاق الجميلة، والعلوم النافعة، والأعمال الصالحة، وهذه هي التربية النافعة للقلوب والأرواح الثمرة لسعادة الدارين، فلا خالق إلا الله، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الزمر: من الآية ٦٢). ولا رازق إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ (هود: ٦). ولا مدبِّر إلا الله، كما قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (السجدة: ٥). ولا محيي ولا مميت إلا الله، كما قال تعالى: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يونس: ٥٦).
وقد قامت الأدلة الشرعية على وجوب الإِيمان بربوبيته ، كما في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ (الفاتحة: ٢)، وقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ (الأعراف: ٥٤)، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، وهذا النوع من التوحيد لم يخالف فيه كفار قريش، وأكثر أَصحاب الملل والدِيانات، فكلُهم يعتقدون أَن خالق العالم هو الله وحده، ومع ذلك لم يدخلهم في الإسلام.
قال الله ﵎ عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١]، وقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٩٠].
стр. 357
وذلك لأَن قلوبَ العباد مفطورةٌ على الإِقرار بربوبيته ولذا فلا يُصْبحُ مُعْتقِدُه مُوَحِّدا، حتى يوحد في العبادة كما سيأتي
٢ - توحيد الأسماء والصفات: ومعناه الاعتقاد الجازم بأَنَّ الله له الأَسماء الحسنى والصفات العُلى، وهو متَّصف بجميع صفات الكمال، ومنزَّهٌ عن جميع صفات النقص، متفرد بذلك عن جميع الكائنات، وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ من جميع الأسماء والصفات ومعانيها وأحكامها الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله من غير نفي لشيء منها، ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا تمثيل، ونفي ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ من النقائص والعيوب، وعن كل ما ينافي كماله.
وأسماء الله كثيرة، منها: الرحمن، والسميع، والبصير، والعزيز، والحكيم. فأهل السنة والجماعة: يعرفون ربهم بصفاته الواردة في القرآن والسنة، ويصفون ربهم بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسمائه وآياته، ويثبتون لله ما أثبته لنفسه من غير تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف، وقاعدتهم في كل ذلك قول الله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وأهل السنة والجماعة لا يحددون كيفية صفات الله -جل وعلا- لأنه ﵎ لم يخبر عن الكيفية، ولأنه لا أحد أعلم من الله سبحانه بنفسه، قال تعالى: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ [النحل: ٧٤]. ولا أحد أعلم بالله بعد الله من رسوله ﷺ الذي قال الله ﵎ في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾، ويؤمنون أن الله هو الأول ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي
стр. 358
ليس دونه شيء، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣] وكما أن ذاته لا تشبه الذوات، فكذلك صفاته لا تشبه الصفات، لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفء له ولا ند له، ولا يقاس بخلقه؛ فيثبتون لله ما أثبته لنفسه إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل؛ فحين يثبتون لله ما أثبته لنفسه لا يمثلون، وإذا نزهوه لا يعطلون الصفات التي وصف نفسه بها، وأنه -تعالى- محيط بكل شيء، وخالق كل شيء، ورازق كل حي، قال الله ﵎: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٨]. ويؤمنون بأن الله تعالى استوى على العرش فوق سبع سماوات، بائن من خلقه، أحاط بكل شيء علما، كما أخبر عن نفسه في كتابه العزيز في سبع آيات كريمات بلا تكييف. قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]. وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾ [الملك: ١٦ - ١٧]، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
ويؤمنون بأن الكرسي والعرش حق. قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥] والعرش لا يقدر قدره إلا الله، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في فلاة وسع السموات والأرض، والله مستغن عن العرش والكرسي، ولم يستو على العرش لاحتياجه إليه؛ بل لحكمة يعلمها، وهو منزه عن أن يحتاج إلى العرش أو ما دونه، فشأن الله ﵎ أعظم من ذلك؛ بل العرش والكرسي محمولان بقدرته وسلطانه. وأن الله تعالى خلق آدم ﵇ بيديه، وأن كلتا يديه يمين ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء كما وصف نفسه سبحانه، فقال: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال: ﴿مَا
стр. 359
مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. ويثبتون لله سمعًا، وبصرًا، وعلمًا، وقدرةً، وقوةً، وعزًا، وكلامًا، وحياةً، وقدمًا وساقًا، ويدًا، ومعيةً، وغير ها من صفاته التي وصف بها نفسه في كتابه العزيز، وعلى لسان نبيه ﷺ بكيفية يعلمها الله ولا نعلمها، لأنه تعالى لم يخبرنا عن الكيفية، قال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢]، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿بَهْجَةٍ﴾ [الزُّخرُف: ٥٥]، ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٦]، وغيرها من آيات الصفات.
وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم، ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وسوف يرونه كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، وأن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل نزولًا حقيقيًّا يليق بجلاله وعظمته قال النبي ﷺ : "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر؛ فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له؟ " ويؤمنون بأنه تعالى يجيء يوم الميعاد للفصل بين العباد، مجيئًا حقيقيًّا يليق بجلاله، قال : ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٢]، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، فمنهج أهل السنة والجماعة في كل ذلك الإيمان الكامل بما أخبر به الله تعالى، وأخبر به رسوله ﷺ والتسليم به؛ كما قال الإمام الزهري رحمه الله تعالى: (من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم).
стр. 360
وكما قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله تعالى به نفسه في القرآن فقراءته، تفسيره لا كيف، ولا مثل. وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله ﷺ .
وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي، وسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية، فقالوا: (أمرّوها كما جاءت بلا كيف).
وسأله رجل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالًا، وأمر به أن يخرج من المجلس. وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: (لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء؛ بل يصفه بما وصف به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئًا، تبارك الله تعالى رب العالمين).
٣ - توحيد الألوهية ويقال له توحيد العبادة: وهو توحيد الله بأفعال العباد التي أمرهم بها، وهو العلم والاعتراف والاعتقاد الجازم بأن الله هو الإلهُ الحق ولا إِلهَ غيره، وكل معبود سواه باطل، وإفراده تعالى بالعبادة والخضوع والطاعة المطلقة، وأَن لا يشرك به أَحد كائنا من كان، ولا يُصْرَف شيء من العبادة لغيره؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والدعاء، والاستعانة، والنذر، والذبح، والتوكُّل، والخوف والرجاء، والحُبّ، وغيرها من أَنواع العبادة الظاهرة والباطنة، وأَن يُعْبَدَ الله بالحُبِّ والخوفِ والرجاءِ جميعًا، وعبادتُه ببعضها دون بعض ضلال.
قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. وقال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]. وتوحيد الألوهية هو ما دعت إِليه جميع الرُسل، وإنكاره هو الذي أَورد الأُم السابقة موارد الهلاك. وهو أَول الدّين وآخره وباطنه وظاهره، وهو أَول دعوة الرسل وآخرها ولأَجله أُرسلت الرسل، وأُنزلت الكُتب، وسُلَت سيوف الجهاد، وفرِقَ بين المؤمنين والكافرين، وبين أَهل الجنة وأَهل النَار، وهو معنى قوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا
стр. 361
نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. ومَن كان ربًا خالقًا، رازقًا، مالكًا، متصرفًا، محييًا، مميتًا، موصوفًا بكل صفات الكمال، ومنزهًا من كلّ نقص، بيده كل شيء، وَجَبَ أَن يكون إِلهًا واحدًا لا شريك له، ولا تُصْرَف العبادة إِلا إليه، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وتوحيد الربوبية من مقتضيات توحيد الأُلوهية؛ لأنَّ المشركين لم يَعبدوا إِلهًا واحدًا، وإنَّما عَبَدُوا آلهة مُتَعَددَة، وزعموا أَنَّها تقرِّبهم إِلى الله زلفى، وهم مع ذلك معترفون بأَنها لا تضر ولا تنفع، لذلك لم يجعلهم الله مؤمنين رغم اعترافهم بتوحيد الربوبية، بل جعلهم في عداد الكافرين بإشراكهم غيره في العبادة. ومن هنا يختلف مُعْتَقَدُ السَّلف -أَهل السُنَّة والجماعة- عن غيرهم في الألوهية؛ فلا يعنون كما يعني البعض أَنَ معنى التوحيد أنَّه لا خالق إِلا الله فحسب؛ بل إِن توحيد الألوهية عندهم لَا يتحقق إِلا بوجود أَصلين:
الأول: أَن تُصرف جميع أَنواع العبادة له -سبحانه- دون ما سواه، ولا يُعْطى المخلوق شيئًا من حقوق الخالق وخصائصه. فلا يُعبد إِلا الله، ولا يصلى لغير الله، ولا يُسْجَدُ لغير الله، ولا يُنْذَرُ لغير الله، ولا يُتَوكَّلُ على غير الله، وإن توحيد الأُلوهية يقتضي إِفراد الله وحده بالعبادة.
والعبادة: إِما قول القلب واللسان وإمَّا عمل القلب والجوارح.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]، وقال سبحانه: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزُّمَر: ٣].
الثاني: أَنْ تكون العبادة موافقة لما أمر الله تعالى به، وأَمر رسوله ﷺ .
فتوحيد الله سبحانه بالعبادة والخضوع والطاعة هو تحقيق شهادة أَن لا إِلَهَ إِلَّا الله، ومتابعة رسول الله ﷺ والإِذعان لما أَمر به ونهى عنه هو تحقيق أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
وعلى هذا فالقسم الأخير يستلزمه القسمين الأولين ويتضمنهما؛ لأن الألوهية التي
стр. 362
هي صفة تعم أوصاف الكمال وجميع أوصاف الربوبية والعظمة؛ فإنه المألوه العبود لما له من أوصاف العظمة والجلال، ولما أسداه إلى خلقه من الفواضل والأفضال، فتوحده تعالى بصفات الكمال وتفرده بالربوبية يلزم منه أن لا يستحق العبادة أحد سواه.
ومقصود دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم: الدعوة إلى هذا التوحيد.
فجميع الكتب السماوية وجميع الرسل دعوا إلى هذا التوحيد، ونهوا عن ضده من الشرك والتنديد، وخصوصا محمد ﷺ . وهذا القرآن الكريم، فإنه أمر به وفرضه وقرره أعظم تقرير، وبينه أعظم بيان، وأخبر أنه لا نجاة ولا فلاح ولا سعادة إلا بهذا التوحيد، وأن جميع الأدلة العقلية والنقلية والأفقية والنفسية أدلة وبراهين على هذا الأمر بهذا التوحيد ووجوبه. فتصرف جميع أنواع العبادة لله وحده لا شريك له، مثل الدعاء والخوف والتوكل والاستعانة والاستعاذة وغير ذلك.
فلا ندعو إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٥].
ولا نخاف إلا الله، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
ولا نتوكل إلا على الله، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣].
ولا نستعين إلا بالله، كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
ولا نستعيذ إلا بالله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١].
وهذا النوع من التوحيد هو من أعظم ما جاءت به الرسل ﵈ لأن الأول لم تكن فيه خصومة مع المشركين، حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وهذا النوع من التوحيد هو الذي أنكره الكفار قديمًا وحديثًا، كما قال تعالى على لسانهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] (١).
стр. 363
الفصل الثاني: شرح معنى ألوهية المسيح، ومدى اتفاق النصارى على هذه العقيدة .
أولًا: نبذة تاريخية عن عقيدة المسيع، وكيف تبدلت مع ذكر قانون الإيمان المسيحي، وكيف انتزع من النصوص وكيف تطور:
١ - إن الذي جاء به عيسى ﵇ من عند ربه هو التوحيد الذي جاء به كل رسول والإقرار بالعبودية الخالصة لله شأن كل رسول، فقد نشأ الجيل الأول بعد المسيح مؤمنًا بتوحيد الله وعبودية المسيح، وأنه كان نبيًّا رسولًا، ورأينا ذلك في ما سطره الإنجيليون والقديسون بما فيهم بولس من نصوص موحدة.
كما نستطيع القول بأن الجيل الأول من تاريخ النصرانية كان موحدًا بشهادة التاريخ حيث يقول بطرس قرماج في كتابه "مروج الأخبار في تراجم الأبرار" عن بطرس ومرقس: "كانا ينكران ألوهية المسيح"، فهذا معتقد تلاميذ المسيح المقربين. وجاء في دائرة المعارف الأمريكية: "لقد بدأت عقيدة التوحيد كحركة لاهوتية بداية مبكرة جدًّا في التاريخ أو في حقيقة الأمر فإنها تسبق عقيدة التثليث بالكثير من عشرات السنين"، وذلك لأنها بدأت مع بدء النبوات، واستنارت وتلألأت ببعثة عيسى ﵇ وتعاليمه الموحدة لله.
وفي دائرة معارف لاوس الفرنسية: "عقيدة التثليث وإن لم تكن موجودة في كتب العهد الجديد ولا في عمل الآباء الرسوليين ولا عند تلاميذهم المقربين إلا أن الكنيسة الكاثوليكية والمذهب البروتستانتي يدعيان أن عقيدة التثليث كانت مقبولة عند المسيحيين في كل زمان، وكشف مؤخرًا عن وثيقة مسيحية قديمة نشرت في جريدة "التايمز" في ١٥ يوليو ١٩٦٦ م وتقول: إن مؤرخي الكنيسة يسلمون أن أكثر أتباع المسيح في السنوات التالية لوفاته اعتبروه مجرد نبي آخر لبني إسرائيل. (١)
ولكن هذه العقيدة الناصعة أُدْخلت عليها التحريفات؛ بسبب دخول الوثنيين في النصرانية؛ وحرصهم على رواسب الوثنية التي جاءوا بها ومزجها بعقيدة التوحيد، حتى لم
стр. 364
يعد هناك إمكان لفصلها وفرزها وتنقية جوهر العقيدة منها.
ولم تجئ هذه الانحرافات كلها دفعة واحدة؛ ولكنها دخلت على فترات؛ وأضافتها المجامع واحدة بعد الأخرى، حتى انتهت إلى هذا الخليط العجيب من التصورات والأساطير، الذي تحار فيه العقول. حتى عقول الشارحين للعقيدة المحرفة من أهلها المؤمنين بها!
وقد عاشت عقيدة التوحيد بعد المسيح ﵇ في تلامذته وفي أتباعهم. وأحد الأناجيل الكثيرة التي كتبت -وهو إنجيل برنابا- يتحدث عن عيسى ﵇ بوصفه رسولًا من عند الله.
ثم وقعت بينهم الاختلافات. فمن قائل: إن المسيح رسول من عند الله كسائر الرسل.
ومن قائل: إنه رسول نعم ولكن له بالله صلة خاصة. ومن قائل: إنه ابن الله لأنه خلق من غير أب، ولكنه على هذا مخلوق لله. ومن قائل: إنه ابن الله وليس مخلوقًا بل له صفة القدم كالأب، ولتصفية هذه الخلافات اجتمع في عام ٣٢٥ ميلادية "مجمع نيقية" الذي اجتمع فيه ثمانية وأربعون ألفًا من البطارقة والأساقفة. لصياغة قانون الإيمان فما هو الذي وصلوا إليه؟ .
يقول نص قانون الإيمان: "المنبثق عن مجمع نيقية عام ٣٢٥ م. "نؤمن بإله واحد (١) آب (٢) ضابط الكل (٣) خالق السماوات والأرض ما يرى وما لا يرى (٤). نؤمن برب واحد (٥) يسوع المسيح (٦) ابن الله الوحيد (٧) المولود من الآب قبل كل الدهور (٨)، نور من نور (٩)، إله حق (١٠) من إله حق (١١)، مولود غير مخلوق (١٢)، مساو للأب في الجوهر (١٣)، الذي به
стр. 365
كان كل شيء (١). هذا هو الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاص نفوسنا (٢)، نزل من السماء وتجسد (٣) من الروح القدس ومريم العذراء (٤) وتأنس (٥) وصلب عنا على عهد بيلاطس النبطي (٦) وتألم (٧) وقُبر (٨) وقام من بين الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب (٩)، وصعد إلى السماوات (١٠)، وجلس عن يمين أبيه (١١)، وأيضًا يأتي في مجده (١٢) ليدين الأحياء والأموات (١٣). الذي ليس لملكه انقضاء (١٤)
هذا هو قانون الإيمان النصراني الأول قبل تطويره: وأود أن أنبه إلى أن هذا التخريج ليس من عندنا ولكنه كما خرج عليه المؤتمرون قرارهم وقدموا به محمولًا بين يدي هذه المذكرة الإيضاحية.
стр. 366
وإذا جاوزت هذا التبرير وما فيه من تعسف وشطط بعيدين غريبين فإنك تجد أن الصورة التي رسمها القرار للألوهية ينقصها الوجه الثالث من وجوه التثليث وهو الروح القدس فالإيمان الذي يبشر به هذا القرار هو الإيمان بالأب والابن فقط، أما الروح القدس فهو ما دخل في تجسد الابن من مريم العذراء وهو في هذا الموضع قد يكون ملاك الرب أو جبريل أو كلمة الله أو الابن.
ونستطيع أن نتخذ من هذا القرار وثيقة تاريخية محققة للقول بأن التثليث المسيحي لم يكن معروفًا إلى سنة ٣٢٥ من ميلاد المسيح ولم يعترف المؤتمر المنعقد في هذا العام بغير الأب والابن.
كما نستطيع أن نقرر أيضًا أنه إلى ذلك الحين لم يكن المسيح قد دخل ببنوته في شركة مع الله على هذا النحو الذي يجعل منه الله مندمجًا في أقنومية الآب والروح القدلصي. وغاية ما كان يتصور في هذه البنوة أنها فرع عن أصل وأنها إن دلت على الإله فلن تكون هي الإله.
وفي هذا القرار إعلان صريح عن الله الآب أنه خالق للسماوات والأرض، أما الابن فلم يكن له في خلق السماوات والأرض أي دخل.
ولكن المسيحية بعد هذا تدين بأن الله الآب لم يخلق شيئًا وإنما المسيح الابن هو الذي خلق كل شيء. فأقنوم الابن هو القائم بعملية الخلق كما انتهى إلى ذلك معتقد المسيحية بيد أن المسيحية إلى ما بعد منتصف القرن الرابع لم تكن قد استكملت حقيقتها فما زال موقف المسيح متأرجحًا مضطربًا بين الإله والإنسان. وإن الأمر ليحتاج إلى خطوة أو خطوات أخرى لسد هذه الفجوة العميقة التي تتذبذب فيها شخصية المسيح متأرجحة مضطربة بين الإله والإنسان. وليس يقوم لهذا الأمر إلا مجمع مقدس يسوي ألوان هذه الصورة المهزوزة ويحدد ملامحها وهذا ما قد كان فعلًا؟ . ثم سار خلاف جديد حول الروح القدس؛ فقال بعضهم: هو إله، وقال آخرون: ليس بإله! ففي سنة ٣٨١ م، أمر الملك تاودسيوس الكبير بعقد مجمع مقدس في مدينة القسطنطينية للنظر في مقولة مقدونيوس بطريرك القسطنظينية التي كان ينادي بها في محيط كنيسته ويذيعها في أتباعه وهي أن الروح
стр. 367
القدس مخلوق كسائر المخلوقات فعقد مجمع القسطنطينية الأول سنة ٣٨١ ليحسم الخلاف في هذا الأمر.
وواضح من هذا أن أمر الروح القدس لم يكن قد استقر بعد كوجه من وجوه الله وأقنومًا من أقانيمه متساويًا مع الآب والابن في الرتبة، وقد اجتمع في هذا المؤتمر مائة وخمسون أسقفًا يمثلون جميع الهيئات المسيحية. وكان من بينهم تيموثاوس بطريرك الإسكندرية الذي أسندت إليه رئاسة الجميع.
وقد نقل ابن البطريق ما تقرر في هذا المجمع، بناء على مقالة أسقف الإسكندرية:
قال تيموثاوس بطريك الإسكندرية: ليس روح القدس عندنا بمعنى غير روح الله.
وليس روح الله شيئًا غير حياته فإذا قلنا إن روح القدس مخلوق، فقد قلنا: إن روح الله مخلوق. وإذا قلنا: إن روح الله مخلوق، فقد قلنا: إن حياته مخلوقة. وإذا قلنا: إن حياته مخلوقة، فقد زعمنا أنه غير حي. وإذا زعمنا أنه غير حي فقد كفرنا به. ومن كفر به وجب عليه اللعن. وكذلك تقررت ألوهية روح القدس في هذا المجمع، كما تقررت ألوهية المسيح في مجمع نيقية. وتم الثالوث من الآب، والابن، وروح القدس. وقد انتهى المؤتمر بإدانة مقدونيوس ومن كان على رأيه من الأساقفة ثم خرج المجمع بالمصادقة على قرار نيقية ثم إضافة نص جديد كالآتي مع بيان تخريجه من الكتاب المقدس في الحاشية: "نعم نؤمن بالروح القدس (١) الرب (٢) المحي (٣) المنبثق من الآب (٤)، نسجد له ونمجده مع الآب والابن (٥)، الناطق في الأنبياء (٦)، وبكنيسة (٧) واحدة (٨) مقدسة (٩) جامعة. (١٠) رسولية (١١)،
стр. 368
ونعترف بمعمودية واحدة (١) لمغفرة الخطايا (٢)، وننتظر قيامة الأموات (٣) وحياة الدهر الآتي. آمين (٤) ".
وقد جمع هذا النص كسابقه من أشتات ملفقة من الأناجيل والرسائل ومنتزعة من مواطنها انتزاعًا في غير رفق أو تلطف لتلتقي هنا على غير إلف أو تعارف وفي هذا النص يظهر الوجه الثالث للثالوث المقدس.
ثم تبدأ المسيحية النظر في الإله ذي الأقانيم الثلاثة نظرًا فلسفيا لاهوتيا تختلط فيه الفلسفة باللاهوت ويمتزج فيه الواقع بالخيال ويعمل العقل المسيحي في جد وبراعة في نسج ملحمة من أبرع الملاحم الأسطورية التي تصل السماء بالأرض وتخلط الله بالإنسان، ولكن القصة لم تتم فصولًا بعد فما زال هناك فجوات تنتظر من المجامع المقدسة أن تملأها بتلك الكلمات التي تلتقطها من شتيت الصفحات في الأناجيل والرسائل.
ولأجل هذه الفجوات ثار خلاف آخر حول اجتماع طبيعة المسيح الإلهية وطبيعته الإنسانية، حيث أعلن نسطور بطريك القسطنطينية قوله: إن العذراء لم تلد متأنسا بل ولدت إنسانًا عاديًا ساذجًا ثم حل فيه الإله بإرادته لا بالاتحاد، فهو لهذا ذو طبيعتين وأقنومين. وقد انقسم المسيحيون إزاء هذا الرأي فكان بعضهم في جانب نسطور وكان البعض الآخر في الجانب المخالف له على حين وقف كثيرون موقف الحياد بين الحيرة والتردد.
стр. 369
ومن أجل هذا دعا الملك تاودوس الصغير ملك القسطنطينية إلى عقد المجمع المقدس فحضره نحو مائتي أسقف وبعد مناقشات طويلة انتهى الرأي إلى القول بتجسد الكلمة واتحاد الطبيعتين اللاهوتية والناسوتية بدون اختلاط ولا امتزاج ولا استحالة. والذي يلفت النظر في مقررات هذا المؤتمر أنها نم تخرج مخرج المقررات التي صدرت في المجمعين السابقين حيث لم تكن في صورة دعوة إلى إيمان بحقيقة جديدة وإنما جعلت هذه المقررات مقدمة لقانون الإيمان، وكأن المؤتمرين قدروا الخطر الناجم عن تبدل صورة العقيدة وما يدخل في قلوب الناس وعقولهم من هذه الإضافات التي تحدث كلما حدثت أحداث وبرزت آراء فذلك من شأنه أن يجعل الناس يتهمون المقولات التي تلقى إليهم من جهة الدين ويتشككون في إضافتها إلى السماء حيث لا تبديل لكلمات الله نقول إن المؤتمرين قدروا هذا كله فلم يجعلوا لمقرراتهم شيئًا جديدًا يدخل في مجال العقيدة، وإنما جعلوه مقدمة إلى العقيدة ومدخلًا إلى الإيمان. وقد حملت هذه المقدمة ثلاث مقولات عن العذراء والمسيح والثالوث، وها هي كما صدرت في المجمع مع تخريج نصوصها:
١ - تطويب العذراء: "نعظمك (١) يا أم النور الحقيقي (٢) ونمجدك (٣) أيتها العذراء القديسة (٤) لأنك ولدت لنا مخلص العالم كله (٥) أتى وخلص نفوسنا (٦) ".
٢ - تمجيد السيد المسيح: "المجد لك يا سيدنا (٧) ولملكنا المسيح (٨) فخر الرسل (٩) إكليل
стр. 370
الشهداء (١) تهليل الصديقين (٢) ثبات الكنائس (٣) غافر الخطايا (٤) ".
٣ - التبشير بالثالوث الأقدس: "نكرز ونبشر (٥) بالثالوث الأقدس (٦) لاهوت واحد (٧) نسجد له ونمجده (٨). يا رب ارحم يارب ارحم (٩) يا رب بارك. آمين" (١٠). هذه هي قوانين الإيمان التي نريد أن نمر عليها لنعرف كيف لفقت هذه القوانين وكيف جمعت كلماتها من أسفارهم كما تجمع الكلمات المتقاطعة التي تنشر في الصحف.
ومن هنا نرى أنه فضلًا عن أن قانون الإيمان تطور عبر المجامع كما رأيتم فهو في الوقت نفسه ملفق من كلمات مفردة بعضها من أسفار العهد القديم وبعضها من أسفار العهد الجديد فهي كلها تلفيقات مأخوذة من أشتات متنافرة. (١١) قال سعد رستم في كتابه الأناجيل الأربعة ورسائل بولس ويوحنا تنفي ألوهية المسيح كما ينفيها القرآن بعد ذكره
стр. 371
لنص قانون الإيمان المسيحي:
تلك هي عبارة دستور إيمان النصارى بالمسيح بحروفها، وهي -كما نرى- صريحة في النص على إلهية المسيح وأنه إله حق غير مخلوق -أي أزلي بلا بداية- وأنه مساو للآب في جوهريته: أي في ألوهيته. وعليه فدستور الإيمان هذا، حسب ظاهره، يؤدي للقول بتعدد الآلهة، باعتباره يثبت الغيرية بين الآب (الله) والابن (المسيح) من جهة، مع تأكيده بنفس الوقت على إلهية كل منهما وتساويههما في الألوهية.
إذن صار عندنا إلهان اثنان! وهذا يتناقض بظاهره مع إيمان المسيحية القاطع بوحدانية الله، لذا لا بد من تفصيل تلك العقيدة المجملة، وبيان شرح مختلف فرق النصارى لها، لتتضح حقيقة ما يعتقده النصارى حول المسيح وعلاقته بالله حسبما جاء في كتب عقائدهم وتقريرات لاهوتييهم.
ثانيًا: شرح موجز العقيدة: يعتقد الجمهور الأعظم من النصارى أن الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاث، والأقنوم لفظة يونانية تعني الشخص، وهذه الأقانيم أو الأشخاص الثلاث هي:
١ - شخص الآب، وهو الخالق لكل شيء والمالك والضابط للكل.
٢ - وشخص ابنه، المولود منه أزلًا المساوي لأبيه في الألوهية والربوبية لأنه منه.
٣ - وشخص الروح القدس، وهذه الأقانيم الثلاثة متحدة في الجوهر والإرادة والمشيئة، إلا أن هذا لا يعني أنها شخص واحد بل هم أشخاص ثلاثة، كل واحد منهم إله كامل في ذاته غير الآخر، فالاب إله كامل، والابن إله كامل غير الآب، وروح القدس أيضًا إله كامل غير الآب والابن، ولكن مجموع الثلاثة لا يشكل ثلاث آلهة -كما هو مقتضى الحساب! - بل يشكل إلهًا واحدًا، ويعترفون أن هذا لا سبيل لفهمه وإدراكه بالعقل ويسمونه "سرّ التثليث".
ثم يعتقدون أن الأقنوم الثاني لله، أي أقنوم الابن ، هو الذي تجسد وصار إنسانًا حقيقيًّا،
стр. 372
بكل ما في الإنسانية من معنى، وهو المسيح المولود من مريم العذراء، فالمسيح في اعتقادهم إله إنسان، أي هو بشر حقيقي مثلنا تمامًا تعرض له جميع أعراض الضعف والاحتياج البشرية، وهو في عين الحال إله قادر كامل الألوهية، ويسمون هذا بسر التجسد.
وهكذا، فالمسيح، حسب تفسير قانون الإيمان المسيحي الذي تقرر في مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١ م.، هو شخص واحد ذو طبيعتين، طبيعة إنسانية (ناسوت) وطبيعة إلهية (لاهوت) فهو إله بشر.
ونتيجة هذه العقيدة أن يكون عيسى المسيح ﵇ في نظرهم -شخص واحد هو خالق وهو نفسه مخلوق، رازق ومرزوق، قديم وحادث! معبود وعابد، كامل العلم وناقصه، غني ومحتاج! ... إلخ.
ولو كانت هذه الصفات المتناقضة لشخصين اثنين اتحدا بمظهر واحد لكان هناك مجال لفهم ما يقولون، لكن الذي يعسر على العقل فهمه بل يستحيل فهمه وقبوله عقلًا هو أن تكون هذه الصفات لشخص واحد وذات واحدة؛ لأن هذا بمثابة أن نقول أن هذا الشكل مربع ودائرة بنفس الوقت، أو موجود ومعدوم بنفس الوقت؟ ! لكن على أي حال الكنيسة الغربية تؤمن بذلك وتقر بأن هذا لا سبيل للعقل البشري القاصر أن يفهمه ويدركه ولذلك تعتبره سرًّا من أسرار الله وتسميه، كما قلنا، بـ "سر التجسد". (١)
стр. 373
وهذا هو مذهب جمهورهم خلافًا للنسطورية واليعقوبية كما هو مبين في الحاشية والحاصل أن جميع الفرق المسيحية تتفق على أن المسيح بشرٌ وإلهٌ بنفس الوقت! وإنما تختلف عن بعضها في مدى تأكيدها وإبرازها لأحد الجانبين الإلهية أو البشرية في المسيح، فاليعاقبة يؤكدون الجانب الإلهي أكثر، وعلى عكسهم النساطرة الذين يبرزون أكثر الجانب البشري في حين يطرح الجمهور الأعظم رؤية متوازية ومتعادلة للجانبين الإلهي والبشري
стр. 374
دون ترجيح أي منهما على الآخر. وبهذا نكون قد عرفنا عقيدة مختلف الفرق النصرانية بإلهية المسيح وكيفية تفسيرهم لهذه العقيدة (١).
الوجه الثاني: الأدلة من القرآن على بطلان ألوهية المسيح سواء أكان هو الله، أو كان أحد الأقانيم الثلاثة .
الدليل الأول: القرآن ينفي ألوهية المسيح: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧].
قال السعدي ﵀: لما ذكر تعالى أخذ الميثاق على أهل الكتابين، وأنهم لم يقوموا به بل نقضوه، ذكر أقوالهم الشنيعة؛ فذكر قول النصارى -القول الذي ما قاله أحد غيرهم- بأن الله هو المسيح ابن مريم، ووجه شبهتهم أنه ولد من غير أب، فاعتقدوا فيه هذا الاعتقاد الباطل مع أن حواء نظيره، خُلِقَت بلا أم، وآدم أولى منه، خلق بلا أب ولا أم، فهلا ادعوا فيهما الإلهية كما ادعوها في المسيح؟ فدل على أن قولهم اتباع هوى من غير برهان ولا شبهة؛ فرد الله عليهم بأدلة عقلية واضحة فقال: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ
стр. 377
شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧]. فإذا كان المذكورون لا امتناع عندهم يمنعهم لو أراد الله أن يهلكهم ولا قدرة لهم على ذلك- دل على بطلان إلهية من لا يمتنع من الإهلاك، ولا في قوته شيء من الفكاك. ومن الأدلة أن ﴿وَلِلَّهِ﴾ وحده ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٩] يتصرف فيهم بحكمه الكوني والشرعي والجزائي، وهم مملوكون مدبرون، فهل يليق أن يكون المملوك العبد الفقير، إلهًا معبودًا غنيًّا من كل وجه؟ هذا من أعظم المحال. ولا وجه لاستغرابهم لخلق المسيح عيسى ابن مريم من غير أب؛ فإن الله ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ إن شاء من أب وأم، كسائر بني آدم، وإن شاء من أب بلا أم، كحواء. وإن شاء من أم بلا أب، كعيسى. وإن شاء من غير أب ولا أم كآدم (١).
الدليل الثاني: يثبت أن المسيح عبد آتاه الله البينات وأيده بروع القدس: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. ووجه الاستدلال: هو أنه تعالى وصف عيسى بهذين مع أن سائر الرسل أيدوا بالبينات وبروح القدس؛ للرد على اليهود الذين أنكروا رسالته ومعجزاته؛ وللرد على النصارى الذين غلوا فزعموا ألوهيته؛ ولأجل هذا ذكر معه اسم أمه مهما ذكر؛ للتنبيه على أن ابن الإنسان لا يكون إلهًا، وعلى أن مريم أمة الله تعالى لا صاحبة؛ لأن العرب لا تذكر أسماء نسائها وإنما تكنى، فيقولون ربة البيت، والأهل،
стр. 378
ونحو ذلك، ولا يذكرون أسماء النساء إلا في الغزل، أو أسماء الإماء (١).
الدليل الثالث: يثبت أن المسيح لا يستنكف عن عبادة الله تعالى: قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ (النساء: ١٧٢). قال السعدي ﵀: لما ذكر تعالى غلو النصارى في عيسى ﵇، وذكر أنه عبده ورسوله، ذكر هنا أنه لا يستنكف عن عبادة ربه، أي: لا يمتنع عنها رغبة عنها، لا هو ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فنزههم عن الاستنكاف وتنزيههم عن الاستكبار من باب أولى، ونفي الشيء فيه إثبات ضده، أي: فعيسى والملائكة المقربون قد رغبوا في عبادة ربهم، وأحبوها وسعوا فيها بما يليق بأحوالهم، فأوجب لهم ذلك الشرف العظيم والفوز العظيم، فلم يستنكفوا أن يكونوا عبيدًا لربوبيته ولا لإلهيته، بل يرون افتقارهم لذلك فوق كل افتقار. ولا يظن أن رفع عيسى أو غيره من الخلق فوق مرتبته التي أنزله الله فيها وترفعه عن العبادة كمالا، بل هو النقص بعينه، وهو محل الذم والعقاب، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ وأي: فسيحشر الخلق كلهم إليه، المستنكفين والمستكبرين وعباده المؤمنين، فيحكم بينهم بحكمه العدل، وجزائه الفصل (٢).
الدليل الرابع: يحكم بالكفر على من قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم: قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَال الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (المائدة: ٧٢).
قال ابن كثير ﵀: حكم الله تعالى بتكفير فرق النصارى، من الملكية واليعقوبية
стр. 379
والنسطورية، ممن قال منهم بأن المسيح هو الله -تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوًا كبيرًا-.
هذا وقد تقدم إليهم المسيح بأنه عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ولم يقل: أنا الله، ولا ابن الله. بل قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى أن قال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (مريم: ٣٠ - ٣٦).
وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته، آمرًا لهم بعبادة الله ربه وربهم وحده لا شريك له؟ ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَال الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي: فيعبد معه غيره ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ أي: فقد أوجب له النار، وحرم عليه الجنة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨، ١١٦)، وقال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (الأعراف: ٥٠). وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ بعث مناديًا ينادي في الناس: "إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة"، وفي لفظ: "مؤمنة" (١).
الدليل الخامس: حكم القرآن بالكفر على من قالوا: إن الله هو ثالث ثلاثة: قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة ٧٣ - ٧٤]. قال الرازي: في تفسير قول النصارى ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ طريقان:
الأول: قول بعض المفسرين: وهو أنهم أرادوا بذلك أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة،
стр. 380
والذي يؤكد ذلك قوله تعالى للمسيح ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (المائدة: ١١٦)، فقوله ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ أي أحد ثلاثة آلهة، أو واحد من ثلاثة آلهة، والدليل على أن المراد ذلك قوله تعالى في الرد عليهم ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وعلى هذا التقدير ففي الآية إضمار، إلا أنه حذف ذكر الآلهة لأن ذلك معلوم من مذاهبهم، قال الواحدي ولا يكفر من يقول: إن الله ثالث ثلاثة إذا لم يرد به ثالث ثلاثة آلهة، فإنه ما من شيئين إلا والله ثالثهما بالعلم، لقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ (المجادلة: ٧).
والطريق الثاني: أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون: جوهر واحد وثلاثة أقانيم -أب، وابن، وروح القدس- وهذه الثلاثة إله واحد، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة، وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، وأثبتوا الذات والكلمة والحياة، وقالوا: إن الكلمة -التي هي كلام الله- اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر، واختلاط الماء باللبن، وزعموا أن الأب إله، والابن إله، والروح إله، والكل إله واحد. واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل، فإن الثلاثة لا تكون واحدًا، والواحد لا يكون ثلاثة، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فسادًا وأظهر بطلانًا من مقالة النصارى. (١)
قلت: والقرص والشعاع والحرارة ثلاثة أوصاف لذات واحدة، ومن الممكن أن نعد للشمس أكثر من ثلاثة أوصاف؛ فنقول مثلًا: والبعد والغروب والشروق والجمال والروعة وحجمها كذا ووزنها حوالي كذا ... إلخ، فهذه كلها أوصاف لذات واحدة، أما ما يذكره النصارى، فإنها ثلاثة ذوات مختلفة، يريدون أن يجعلوها ذاتا واحدة، وهذا باطل ببداهة العقل.
الدليل السادس: وفيه قصر دور المسيح على الرسالة والاستدلال على ذلك ببعض
стр. 381
الأحوال مثل أكل الطعام الذي يلزم منه الإخراج في الدنيا، قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة: ٧٥).
قال الرازي: أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل، الذين خلوا من قبله، جاء بآيات من الله كما أتوا بأمثالها؛ فإن كان الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يده؛ فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى، وفلق البحر على يد موسى، وإن كان خلقه من غير ذكر؛ فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى.
قوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ وفي تفسير ذلك وجوه:
أحدها: أنها صدقت بآيات ربها وبكل ما أخبر عنه ولدها، قال تعالى في صفتها ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ (التحريم: ١٢).
وثانيها: أنه تعالى قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (مريم: ١٧)، فلما كلمها جبريل وصدقته وقع عليها اسم الصديقة.
وثالثها: أن المراد بكونها صديقة -غاية بعدها عن المعاصي وشدة جدها واجتهادها في إقامة مراسم العبودية؟ فإن الكامل في هذه الصفة يسمى صديقًا، قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ (النساء: ٦٩). ثم قال تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ اعلم أن المقصود من ذلك: الاستدلال على فساد قول النصارى، وبيانه من وجوه:
الأول: أن كل من كان له أم؛ فقد حدث بعد أن لم يكن، وكل من كان كذلك، كان مخلوقًا لا إلهًا.
والثاني: أنهما كانا محتاجين؛ لأنهما كانا محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة، والإله هو الذي يكون غنيًّا عن جميع الأشياء، فكيف يعقل أن يكون إلهًا؟ .
стр. 382
الثالث: قال بعضهم: إن قوله ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ كناية عن الحدث، لأن من أكل الطعام فإنه لا بدّ وأن يحدث، وهذا عندي ضعيف من وجوه:
١ - أنه ليس كل من أكل أحدث، فإن أهل الجنة يأكلون ولا يحدثون.
٢ - أن الأكل عبارة عن الحاجة إلى الطعام، وهذه الحاجة من أقوى الدلائل على أنه ليس بإله، فأي حاجة بنا إلى جعله كناية عن شيء آخر؟
٣ - أن الإله هو القادر على الخلق والإيجاد، فلو كان إلها لقدر على دفع ألم الجوع عن نفسه بغير الطعام والشراب، فما لم يقدر على دفع الضرر عن نفسه، كيف يعقل أن يكون إلها للعالمين؟ وبالجملة ففساد قول النصارى أظهر من أن يحتاج فيه إلى دليل." (١)
وقال البقاعي: وخص الأكل؟ لأنه مع كونه ضعفًا لازمًا ظاهرًا، هو أصل الحاجات المعترية للإنسان؛ فهو تنبيه على غيره. ومن الأمر الجلي أن الإله لا ينبغي أن يدنو إلى جنابه عجز أصلًا، وقد اشتمل قوله تعالى ﴿وَقَال الْمَسِيحُ﴾، وقوله ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ (المائدة: ٧٥) على أشرف أحوال الإنسان وأخسها، فأشرفها عبادة الله، وأخسها الاشتغال عنها بالأكل الذي هو مبدأ الحاجات (٢).
الدليل السابع: يثبت أن عيسى عليه ﵇ صور في الرحم ومن كان كذلك لا يكون إلهًا، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمر ان: ٦).
وفي هذه الآية ذكر دليلًا آخر على بطلان ألوهية المسيح فقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ وعيسى ﵇ قد صور في رحم مريم؛ فهو قطعًا ممن صور الله تعالى، فكيف يكون إذا إلها مع الله أو ابنا لله كما يزعم النصارى؟ . وهنا قرر الحقيقة فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزة التي لا ترام، والحكمة التي لا تخطيء هما مقتضيات أولوهيته
стр. 383
الحقة، التي لا يجادل فيها إلا مكابر، ولا يجاحد فيها إلا معاند، كوفد نصارى نجران ومن على شاكلتهم من أهل الكفر والعناد. (١)
الدليل الثامن: القرآن يثبت عبودية المسيح وبشريته: قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَال قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (الزخرف: ٥٨ - ٦١).
وموضع الشاهد من الآية ما يلي:
١ - قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة والحكمة والعلم والعمل، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يعرفون به قدرة الله تعالى على إيجاده من دون أب.
٢ - قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أي: لجعلنا بدلكم ملائكة يخلفونكم في الأرض، ويكونون في الأرض حتى نرسل إليهم ملائكة من جنسهم، وأما أنتم يا معشر البشر، فلا تطيقون أن ترسل إليكم الملائكة، فمن رحمة الله بكم، أن أرسل إليكم رسلًا من جنسكم، تتمكنون من الأخذ عنهم.
٣ - ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي: وإن عيسى ﵇، لدليل على الساعة، وأن القادر على إيجاده من أم بلا أب، قادر على بعث الموتى من قبورهم.
أو إن المعنى: وإن عيسى ﵇، سينزل في آخر الزمان، ويكون نزوله علامة من علامات الساعة ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ أي: لا تشكن في قيام الساعة، فإن الشك فيها كفر.
стр. 384
﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ بامتثال ما أمرتكم، واجتناب ما نهيتكم ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ موصل إلى الله ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ عما أمركم الله به؛ فإن الشيطان ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ حريص على إغوائكم، باذل جهده في ذلك.
٤ - وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الدالة على صدق نبوته وصحة ما جاءهم به، من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ونحو ذلك من الآيات. ﴿قَال﴾ لبني إسرائيل: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾ النبوة والعلم، بما ينبغي على الوجه الذي ينبغي ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي: أبين لكم صوابه وجوابه؛ فيزول عنكم بذلك اللبس؛ فجاء ﵇ مكملًا ومتمما لشريعة موسى ﵇، ولأحكام التوراة. وأتى ببعض التسهيلات الموجبة للانقياد له، وقبول ما جاءهم به. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ أي: اعبدوا الله وحده لا شريك له، وامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه، وآمنوا بي وصدقوني وأطيعون.
٥ - وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ فيه الإقرار بتوحيد الربوبية، بأن الله هو المربي جميع خلقه بأنواع النعم الظاهرة والباطنة، والإقرار بتوحيد العبودية، بالأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وإخبار عيسى ﵇ أنه عبد من عباد الله، ليس كما قال فيه النصارى: "إنه ابن الله أو ثالث ثلاثة" والإخبار بأن هذا المذكور صراط مستقيم، موصل إلى الله وإلى جنته.
٦ - فلما جاءهم عيسى ﵇ بهذا ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ المتحزبون على التكذيب ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ كل قال بعيسى ﵇ مقالة باطلة، ورد ما جاء به، إلا من هدى الله من المؤمنين، الذين شهدوا له بالرسالة، وصدقوا بكل ما جاء به، وقالوا: إنه عبد الله ورسوله، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ أي: ما أشد حزن الظالمين وما أعظم خسارهم في
стр. 385
ذلك اليوم" (١).
الدليل التاسع: وفيه أن عيسى ﵇ ينطق في المهد؛ بأنه عبد جعله الله نبيًّا، وأخبر أن أول كلمة نطق بها المسيح وهو في المهد -هي الإقرار بعبوديته لله-.
قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾، ثم قال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (مريم ٢٩ - ٣٦).
قال الفخر الرازي: اعلم أنه وصف نفسه بصفات تسع: الصفة الأولى: قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وفيه فوائد: الفائدة الأولى: أن الكلام منه في ذلك الوقت كان سببًا للوهم الذي ذهبت إليه إلنصارى، فلا جرم أول ما تكلم إنما تكلم بما يرفع ذلك الوهم فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وكان ذلك الكلام وإن كان موهمًا من حيث إنه صدر عنه في تلك الحالة، ولكن ذلك الوهم يزول ولا يبقى من حيث إنه تنصيص على العبودية.
الفائدة الثانية: أنه لما أقر بالعبودية؛ فإن كان صادقًا في مقاله؛ فقد حصل الغرض، وإن كان كاذبًا لم تكن القوة قوة إلهية، بل قوة شيطانية فعلى التقديرين يبطل كونه إلهًا.
الفائدة الثالثة: أن الذي اشتدت الحاجة إليه في ذلك الوقت، إنما هو نفي تهمة الزنا عن مريم ﵍، ثم إن عيسى ﵇ لم ينص على ذلك، وإنما نص على إثبات عبودية نفسه، كأنه جعل إزالة التهمة عن الله تعالى أولى من إزالة التهمة عن الأم، فلهذا أول ما تكلم إنما تكلم بها.
الفائدة الرابعة: وهي أن التكلم بإزالة هذه التهمة عن الله تعالى، يفيد إزالة التهمة عن الأم؛ لأن الله سبحانه لا يخص الفاجرة بولد في هذه الدرجة العالية والمرتبة العظيمة.
стр. 386
وأما التكلم بإزالة التهمة عن الأم، لا يفيد إزالة التهمة عن الله تعالى، فكان الاشتغال بذلك أولى، فهذا مجموع ما في هذا اللفظ من الفوائد.
واعلم أن مذهب النصارى متخبط جدًّا، وقد اتفقوا على أنه سبحانه ليس بجسم ولا متحيز، ومع ذلك فإنا نذكر تقسيمًا حاصرًا يبطل مذهبهم على جميع الوجوه فنقول:
١ - إما أن يعتقدوا كونه متحيزًا أو لا.
٢ - فإن اعتقدوا كونه متحيزًا في مكان، أبطلنا قولهم بإقامة الدلالة على حدوث الأجسام المتحيزة في الأمكنة، وحينئذ يبطل كل ما فرعوا عليه.
٣ - وإن اعتقدوا أنه ليس بمتحيز، يبطل ما يقوله بعضهم من أن الكلمة اختلطت بالناسوت اختلاط الماء بالخمر وامتزاج النار بالفحم؛ لأن ذلك لا يعقل إلا في الأجسام المتحيزة فإذا لم يكن جسمًا استحال ذلك.
ثم نقول للناس قولان في الإنسان:
١ - منهم من قال: إنه هو هذه البنية أو جسم موجود في داخلها.
٢ - ومنهم من يقول: إنه جوهر مجرد عن الجسمية والحلول في الأجسام فنقول لهؤلاء النصارى:
١ - إما أن يعتقدوا أن الله، أو صفة من صفاته اتحد ببدن المسيح أو بنفسه.
٢ - أو يعتقدوا أن الله، أو صفة من صفاته حل في بدن المسيح أو في نفسه.
٣ - أو يقولوا: لا نقول بالاتحاد ولا بالحلول، ولكن نقول: إنه تعالى أعطاه القدرة على خلق الأجسام والحياة والقدرة وكان لهذا السبب إلهًا.
٤ - أو لا يقولوا بشيء من ذلك ولكن قالوا: إنه على سبيل التشريف اتخذه ابنًا كما اتخذ إبراهيم على سبيل التشريف خليلًا، فهذه هي الوجوه المعقولة في هذا الباب، والكل باطل.
أما القول الأول بالاتحاد فهو باطل قطعًا، لأن الشيئين إذا اتحدا فهما حال الاتحاد، إما أن يكونا موجودين أو معدومين أو يكون أحدهما موجودًا والآخر معدومًا.
١ - فإن كانا موجودين فهما اثنان لا واحد فالاتحاد باطل.
стр. 387
٢ - وإن عدما وحصل ثالث فهو أيضًا لا يكون اتحادًا بل يكون قولًا بعدم ذينك الشيئين، وحصول ثالث.
٣ - وإن بقي أحدهما وعدم الآخر فالمعدوم يستحيل أن يتحد بالجود لأنه يستحيل أن يقال المعدوم بعينه هو الموجود فظهر من هذا البرهان الباهر أن الاتحاد محال.
وأما العلول فلنا فيه مقامان:
الأول: أن التصديق مسبوق بالتصور فلا بد من البحث عن ماهية الحلول حتى يمكننا أن نعلم أنه هل يصح على الله تعالى أو لا يصح وذكروا للحلول تفسيرات ثلاثة:
أحدها: كون الشيء في غيره ككون ماء الورد في الورد والدهن في السمسم والنار في الفحم، واعلم أن هذا باطل لأن هذا إنما يصح لو كان الله تعالى جسمًا متحيزًا وهم قائلون بأنه ليس بجسم.
وثانيها: حصوله في الشيء على مثال حصول اللون في الجسم فنقول: المعقول من هذه التبعية حصول اللون في ذلك الحيز تبعًا لحصول محله فيه، وهذا أيضًا إنما يعقل في حق الأجسام المتحيزة لا في حق الله تعالى.
وثالثها: حصوله في الشيء على مثال حصول الصفات الإضافية للذوات فنقول: هذا أيضًا باطل لأن العقول من هذه التبعية الاحتياج فلو كان الله تعالى في شيء بهذا المعنى لكان محتاجًا فكان ممكنًا فكان مفتقرًا إلى المؤثر، وذلك محال، وإذا ثبت أنه لا يمكن تفسير هذا الحلول بمعنى ملخص يمكن إثباته في حق الله تعالى امتنع إثباته.
المقام الثاني: احتج الأصحاب على نفي الحلول مطلقًا بأن قالوا: لو حل لحل، إما مع وجوب أن يحل أو مع جواز أن يحل والقسمان باطلان، فالقول بالحلول باطل.
وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يحل مع وجوب أن يعل:
١ - لأن ذلك يقتضي إما حدوث الله تعالى أو قدم المحل وكلاهما باطلان، لأنا دللنا على أن الله قديم. وعلى أن الجسم محدث.
٢ - ولأنه لو حل مع وجوب أن يحل لكان محتاجًا إلى المحل والمحتاج إلى الغير ممكن
стр. 388
لذاته لا يكون واجبًا لذاته. (١)
ثم قال الرازي ﵀: ولنا في إبطال قول النصارى وجوه أخر.
أحدها: أنهم وافقونا على أن ذاته لم تحل في ناسوت عيسى ﵇ بل قالوا الكلمة حلت فيه، والمراد من الكلمة العلم. فنقول: العلم لما حل في عيسى ففي تلك الحالة إما أن يقال إنه بقي في ذات الله تعالى أو ما بقي فيها.
١ - فإن كان الأول لزم حصول الصفة الواحدة في محلين. وذلك غير معقول، ولأنه لو جاز أن يقال العلم الحاصل في ذات عيسى ﵇ هو العلم الحاصل في ذات الله تعالى بعينه، فلم لا يجوز في حق كل واحد ذلك حتى يكون العلم الحاصل لكل واحد هو العلم الحاصل لذات الله تعالى.
٢ - وإن كان الثاني لزم أن يقال: إن الله تعالى لم يبق عالمًا بعد حلول علمه في عيسى ﵇ وذلك مما لا يقوله عاقل.
وثانيها: أنا نقول دلالة أحوال عيسى على العبودية أقوى من دلالتها على الربوبية لأنه كان مجتهدًا في العبادة والعبادة لا تليق إلا بالعبيد فإنه كان في نهاية البعد عن الدنيا والاحتراز عن أهلها حتى قالت النصارى: إن اليهود قتلوه ومن كان في الضعف هكذا فكيف تليق به الربوبية.
وثالثها: المسيح إما أن يكون قديمًا أو محدثًا والقول بقدمه باطل لأنا نعلم بالضرورة أنه ولد وكان طفلًا ثم صار شابًا وكان يأكل ويشرب ويعرض له ما يعرض لسائر البشر، وإن كان محدثًا كان مخلوقًا ولا معنى للعبودية إلا ذلك، فإن قيل: المعنى بإلهيته أنه حلت صفة الآلهية فيه، قلنا: هب أنه كان كذلك لكن الحال هو صفة الإله والمسيح هو المحل والمحل محدث مخلوق فما هو المسيح ﴿إِلَّا﴾ عبد محدث فكيف يمكن وصفه بالإلهية.
أما الاحتمال الثالث: وهو أن يقال معنى كونه إلهًا أنه سبحانه خص نفسه أو بدنه
стр. 389
بالقدرة على خلق الأجسام والتصرف في هذا العالم فهذا أيضًا باطل لأن النصارى حكوا عنه الضعف والعجز وأن اليهود قتلوه ولو كان قادرًا على خلق الأجسام لما قدروا على قتله بل كان هو يقتلهم ويخلق لنفسه عسكرًا يذبون عنه.
وأما الاحتمال الرابع: وهو أنه اتخذه ابنًا لنفسه على سبيل التشريف فهذا قد قال به قوم من النصارى يقال لهم الأرميوسية وليس فيه كثير خطأ إلا في اللفظ فهذا جملة الكلام على النصارى وبه ثبت صدق ما حكاه الله تعالى عنه أنه قال: إني عبد الله. الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.
الصفة الرابعة: قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾.
الصفة الخامسة: قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾.
الصفة السادسة: قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ أي جعلني برًّا بوالدتي.
الصفة السابعة؛ قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾.
الصفة الثامنة: هي قوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾.
الدليل العاشر: إثبات بنوة عيسى لمريم ﵂ .
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ (آل عمران: ٤٥). يخبر تعالى أن الملائكة بشرت مريم ﵍ بأعظم بشارة، وهو كلمة الله -عبده ورسوله- عيسى ابن مريم، سمي كلمة الله لأنه كان بالكلمة من الله، لأن حالته خارجة عن الأسباب، وجعله الله من آياته وعجائب مخلوقاته، فأرسل الله جبريل ﵇ إلى مريم، فنفخ في جيب درعها فولجت فيها تلك النفخة الزكية من ذلك الملك الزكي، فأنشأ الله منها تلك الروح الزكية، فكان روحانيا نشأ من مادة روحانية، فلهذا سمى روح الله ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي:
стр. 390
له الوجاهة العظيمة في الدنيا، جعله الله أحد أولي العزم من الرسلين -أصحاب الشرائع الكبار والأتباع- ونشر الله له من الذكر ما ملأ ما بين المشرق والمغرب، وفي الآخرة وجيها عند الله يشفع أسوة إخوانه من النبيين والمرسلين، ويظهر فضله على أكثر العالمين، فلهذا كان من المقربين إلى الله، أقرب الخلق إلى ربهم، بل هو ﵇ من سادات المقربين (١).
الدليل الحادي عشر: القرآن يذكر مقالة اليهود في قتل عيسى، ويثبت أنه رسول الله؛ ثم هو ينهى عن الغلو فيه: قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)﴾ (النساء: ١٥٧).
وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾ (١٧١).
قال السعدي ﵀: ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو في الدين؛ وهو مجاوزة الحد والقدر المشروع إلى ما ليس بمشروع. وذلك كقول النصارى في غلوهم بعيسى ﵇، ورفعه عن مقام النبوة والرسالة إلى مقام الربوبية؛ الذي لا يليق بغير الله، فكما أن التقصير والتفريط من المنهيات، فالغلو كذلك، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. وهذا الكلام يتضمن ثلاثة أشياء:
أمرين منهي عنهما، وهما: قول الكذب على الله، والقول بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه ورسله، والثالث: مأمور به وهو قول الحق في هذه الأمور.
ولما كانت هذه قاعدة عامة كلية، وكان السياق في شأن عيسى ﵇ نصَّ على قول الحق فيه، المخالف لطريقة اليهودية والنصرانية فقال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ