الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] " (١).
٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما فتحت خيبر أهديت للنبي ﷺ شاة فيها سم فقال النبي ﷺ : (اجمعوا إلي من كان ها هنا من يهود)، فجمعوا له فقال: (إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه؟ ) فقالوا: نعم. قال لهم النبي ﷺ : (من أبوكم؟ ) قالوا: فلان فقال: (كذبتم بل أبوكم فلان). قالوا: صدقت. قال: (فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألت عنه؟ )، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم: (من أهل النار؟ ). قالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها. فقال النبي ﷺ : (اخسؤوا فيها والله لا نخلفكم فيها أبدًا) ثم قال: (هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه). فقالوا: نعم يا أبا القاسم. قال: (هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟ )، قالوا: نعم، قال: (ما حملكم على ذلك؟ ). قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح وإن كنت نبيًا لم يضرك" (٢).
٦ - قال عبد الله: "جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم، إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر والثرى على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك أنا الملك. فرأيت النبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ " (٣).
٧ - عن البراء بن عازب قال: "مر على النبي ﷺ بيهودي محممًا مجلودًا فدعاهم ﷺ فقال: (هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ ) قالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم فقال: (أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ ) قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله ﷺ :
стр. 3257
(اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه) فأمر به فرجم فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١] يقول: ائتوا محمدًا ﷺ فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] في الكفار كلها" (١).
٨ - عن ابن عباس ﵁ قال: "أقبلت يهود إلى النبي ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله. فقالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر. قالوا: صدقت. فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: اشتكى عرق النسا فلم يجد شيئًا يلائمه إلا لحوم الإبل وألبانها فلذلك حرمها قالوا صدقت؟ ". (٢)
٩ - عن ابن عباس ﵁ قال: "حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ يومًا فقالوا: يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي. قال: (سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب ﵇ على بنيه لئن حدثتكم شيئًا فعرفتموه لتتابعني على الإسلام). قالوا: فذلك لك. قال: (فسلوني عما شئتم؟ ). قالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن، أخبرنا أيَّ الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل كيف يكون الذكر منه؟ وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم؟ ومن وليه من الملائكة؟ قال: (فعليكم عهد الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم لتتابعني) قال: فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق، قال: (فأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى ﷺ هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب ﵇ مرض مرضًا شديدًا، وطال سقمه فنذر لله نذرًا لئن شفاه
стр. 3258
الله تعالى من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها)، قالوا: اللهم نعم، قال: (اللهم أشهد عليهم. فأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ وأن ماء المرأة أصفر رقيق فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، إن علا ماء الرجل على ماء المرأة كان ذكرًا بإذن الله، وإن علا ماء المرأة على ماء الرجل كان أنثى بإذن الله) قالوا: اللهم نعم، قال: (اللهم أشهد عليهم. فأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه). قالوا: اللهم نعم، قال: (اللهم أشهد). قالوا: وأنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك. قال: (فإن وليي جبريل ﵇ ولم يبعث الله نبيًا قط إلا وهو وليه)، قالوا: فعندها نفارقك لو كان وليك سواه من الملائكة لتابعناك وصدقناك، قال: (فما يمنعكم من أن تصدقوه؟ )، قالوا: أنه عدونا قال فعند ذلك قال الله : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى قوله : ﴿كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فعند ذلك ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ ". (١)
١٠ - عن زيد بن أرقم ﵁ قال: "أتى النبي ﷺ رجل من اليهود فقال: يا أبا القاسم، ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون؟ وقال لأصحابه: إن أقر لي بهذه خصمته. قال: فقال رسول الله ﷺ : بلى والذي نفسي بيده إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في المطعم والمشرب، والشهوة والجماع. قال: فقال له اليهودي: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : حاجة أحدهم عرق يفيض من جلودهم مثل ريح المسك، فإذا البطن قد ضمر (٢).
* * *
стр. 3259
سورة طه
وفيها:
١ - شبهة: الأقوال المختلفة في القصة الواحدة.
٢ - شبهة: خروج موسى ﵇.
٣ - شبهة: إضلال السامري.
стр. 3260
١ - شبهة: الأقوال المختلفة في القصة الواحدة .
نص الشبهة:
قالوا: في نفس القصة الوحدة نجد اختلافًا في نصوصهما: ففي سورة طه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾ [طه: ٩، ١٠].
وفي سورة النمل: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)﴾، وفي سورة القصص: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾ من هنا نجد أن أقوال موسى لأهله مختلفة عن بعضها البعض تمامًا. في نفس الموقف الواحد الغير متكرر.
فهل قال موسى لأهله: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾؟ أم قال لهم: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠]؟ أم قال لهم: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩].
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول:
حكى الله عن موسى هذا المعنى بزيادة ونقصان في الألفاظ المنسوبة إليهم، وهذه الواقعة ما وقعت إلا مرة واحدة؛ لأن الله حكى ذلك عنهم باللغة العربية فمرة حكاه مطابقًا للفظهم في الترجمة رعاية للفظ، وبعد ذلك حكاه بالمعنى جريًا على عادة العرب التفنن في الكلام والمخالفة بين أساليبه لئلا يمل إذا تمحض تكراره (١).
стр. 3261
الوجه الثاني:
قوله تعالى: ﴿بِقَبَسٍ﴾ أي: شهاب، بدليل قوله تعالى في سورة النمل: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ وذلك هو المراد بالجذوة في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ أي: من يهديني إلى الطريق ويدلني عليها؟ لأنهم كانوا ضلوا الطريق والزمن زمن برد (١).
تأكيد التحدي وإظهار الإعجاز، كما أن المبارز إذا خرج من الصفّ قال: نزال نزال هل من مبارزة؟ هل من مبارز؟ مكررًا ذلك، ولهذا أسمى الله القرآن: (مثاني) لأنه تثنت فيه الأخبار والقصص.
* * *
стр. 3262
٢ - شبهة: خروج موسى ﵇ -.
نص الشبهة:
يقول المعترض: في سورة طه: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧)﴾ [طه: ٥٧] وواضح أن هذا الكلام من قول فرعون، وهذا غير معقول، فكتاب الله يعلمنا أن موسى لم يأتِ لمصر ليخرج فرعون وقومه منها، بل جاء ليخرج بني إسرائيل؛ لأن مصر كانت أرض عبودية لهم.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: حكاية الله تعالى أقوال المخالفين ليس معناه إقرارها .
الوجه الثاني: لماذا قال فرعون (لتخرجنا) بضمير الجمع؟
الوجه الثالث: من الذي خرج من مصر؟
وإليك التفصيل
الوجه الأول: حكاية الله تعالى أقوال المخالفين ليس معناه إقرارها.
وقد ورد في القرآن الكريم أمثلة كثيرة من هذا النوع، منها:
١ - في قصة أصحاب الكهف يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ [الكهف: ٢١].
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: كما أرقدناهم وأيقظناهم بهيآتهم، أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ وأي: في أمر القيامة، فمن مثبت لها ومن منكر، فجعل الله ظهورهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ أي: سدوا عليهم باب كهفهم، وذروهم على حالهم ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾.
حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين: أحدهما: أنهم المسلمون منهم. والثاني: أهل الشرك منهم، فالله أعلم.
стр. 3263
والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ قال: "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد" يحذر ما فعلوا (١).
والشاهد من الآية: أن الله تعالى ذكر قول الذين غلبوا على أمرهم بأن يبنوا على قبورهم مسجدًّا، مع أنه مناقض للشرع الحنيف.
٢ - ذكرُ الله تعالى لقول إبليس في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢] فهذا ليس إقرارًا وتأييدًا من الله تعالى لقول إبليس.
٣ - ومنها أيضًا ذكر الله تعالى لأقوال اليهود ثم التعقيب عليها مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: ١١١]، وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
الوجه الثاني: لماذا قال فرعون: (لتخرجنا) بضمير الجمع ؟
لقد ذكر المفسرون عدة أوجه لقول فرعون هذا الكلام منها:
الأول: أنه قصد أن يخرجهم من أرضهم قياسًا منه على الذين يقومون بدعوة ضد الملوك أنهم إنما يبغون بذلك إزالتهم عن الملك وحلولَهم محلّهم، يعني أن موسى غرّته نفسه فحسب أنه يستطيع اقتلاع فرعون من ملكه؛ أي: حسبتَ أنّ إظهار الخوارق يطوّع لك الأمة فيجعلونك ملكًا عليهم وتخرجني من أرضي، فضمير المتكلم المشارك مستعمل في التعظيم لا في المشاركة؛ لأنّ موسى لم يصدر عنه ما يشمّ منه إخراجهم من أرضهم (٢).
الثاني: ويجوز أن يكون ضمير المتكلم المشارك مستعملًا في الجماعة تغليبًا، ونزّل فرعون نفسه واحدًا منها، وأراد بالجماعة جماعة بني إسرائيل حيث قال له موسى: ﴿فَأَرْسِلْ
стр. 3264
مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [طه: ٤٧] أي: جئت لتخرج بعض الأمة من أرضنا وتطمع أن يتبعك جميع الأمّة بما تظهر لهم من سحرك (١).
الثالث: أنه قال ذلك ليحمل قومه على غاية المقت لموسى ﵇ بإبراز أن مراده ليس مجرد إنجاء بني إسرائيل من أيديهم بل إخراج القبط من وطنهم وحيازة أموالهم وأملاكهم بالكلية حتى لا يتوجه إلى إتباعه أحد ويبالغوا في المدافعة والمخاصمة؛ إذ الإخراج من الوطن أخو القتل كما يرشد إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] (٢).
الوجه الثالث: من الذي خرج من مصر ؟
الظاهر من آيات القرآن الكريم أن هدف موسى ﵇ من دخوله مصر كان هو إخراج بني إسرائيل لينجيهم من عبودية فرعون إلى عبودية الواحد الأحد قال تعالى: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾ أي: أطلقهم من إسارك وقبضتك وقهرك وتعذيبك؛ فإنهم عباد الله المؤمنون، وحزبه المخلصون، وهم معك في العذاب المهين (٣).
* * * *
стр. 3265
٣ - شبهة: إضلال السامري .
نص الشبهة:
جاء في سورة طه (٨٥: ٨٨): ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)﴾.
وقالوا: السامرة مدينة في فلسطين لم يكن لها وجود لما خرج بنو إسرائيل من مصر وسافروا في سيناء فعمل لهم هارون العجل الذهبي كطلبهم، فكيف نتخيل سامريًا يصنع لهم العجل قبل أن يكون للسامريين وجود؟
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول:
قبل الخوض في التفاصيل أنبه إلى أن الكتاب المقدس ليس حكمًا على القرآن، وهذا أمر مرفوض تمامًا؛ لأننا نحن المسلمين نؤمن ونقطع بتحريف الكتاب المقدس وتبديله، وعلى ذلك لا نقبل أن يجعلوه حكمًا على القرآن الكريم، ولا نسلم بصحة معلوماته التاريخية، فكيف نقبل بكتاب نؤمن بتحريفه أن يكون حكمًا على القرآن الكريم المحفوظ الخاتم؟ .
الوجه الثاني: أنه ليس نسبًا إلى شيء إنما اسمه هكذا .
ويجوز أن تكون الياء من (السامري) غير ياء النسب؛ بل حرفًا من اسم مثل ياء: علي وكرسي، فيكون اسمًا أصليًا أو منقولًا في العبرانية، وتكون اللام في أوله زائدة (١).
الوجه الثالث: أنه نسب لطائفة من اليهود .
واعلم أن السامريين لقب لطائفة من اليهود؛ يقال لهم أيضًا: السامرة، لهم مذهب خاص مخالف لمذهب جماعة اليهودية في أصول الدين، فهم لا يعظمون بيت المقدس، وينكرون نبوءة أنبياء بني إسرائيل عدا موسى وهارون ويوشع، وما كانت هذه
стр. 3266
الشذوذات فيهم إلا من بقايا تعاليم الإلحاد التي كانوا يتلقونها في مدينة السامرة المبنية على التساهل والاستخفاف بأصول الدين، والتر خص في تعظيم آلهة جيرتهم الكنعانيين أصهار ملوكهم، ودام ذلك الشذوذ فيهم إلى زمن عيسى ﵇ ففي إنجيل متى (إصحاح ١٥) وفى إنجيل لوقا (إصحاح ٩) ما يقتضي أن بلدة السامريين كانت منحرفة على اتباع المسيح، وأنه نهى الحواريين عن الدخول إلى مدينتهم (١).
الوجه الرابع: (السامري) نسب إلى قرية اسمها السامرة .
ويحتمل أن يكون (السامري) نسبًا إلى قرية اسمها السامرة من قرى مصر، كما قال بعض أهل التفسير، فيكون فتى قبطيًا أندس في بني إسرائيل لتعلقه بهم في مصر أو لصناعة يصنعها لهم (٢)، وفي قلبه ما فيه من عبادة البقر (٣).
الوجه الخامس:
يظن المعترض أن اسم (السامري) مقتبس من مدينة تسمى (السامرة)، وأيضًا يظن أن السامرة هي أول شيء أطلق عليه سامرة، وفي هذا خطأ جسيم.
لعدة أسباب:
أولًا: اسم السامرة (شومرون) بالعبري، مشتق من سامر؛ وهو (شامر) بالعبرية الذي معناه: (الحارس)، والأسماء مثل ذلك ينطق بها العبريون هكذا: (موشى، يشوع، شبت، شامر)، ومعنى السامرة هو مركز (الحارس).
ثانيًا: وبنيت هذه المدينة على جبل اسمه (جبل السامرة)، وهذا الجبل كان يمتلكه رجل اسمه (شامر).
وفي أيام حكم الملك عمري (ملك يهوذا) اشترى الملك الجبل من شامر، ثم بنى المدينة عليه ولهذا دعيت المدينة (مدينة السامرة) نسبة إلى شامر الذي كان يمتلك الجبل الذي
стр. 3267
بنيت عليه، واقرأ في سفر الملوك الأول (١٦: ٢٣، ٢٤): فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِينَ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، مَلَكَ عُمْرِي عَلَى إِسْرَائِيلَ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً. مَلَكَ فِي تِرْصَةَ سِتَّ سِنِينَ. ٢٤ وَاشْتَرَى جَبَلَ السَّامِرَةِ مِنْ شَامِرَ بِوَزْنَتَيْنِ مِنَ الْفِضَّةِ، وَبَنَى عَلَى الْجَبَلِ. وَدَعَا اسْمَ الْمَدِينَةِ الَّتِي بَنَاهَا بِاسْمِ شَامِرَ صَاحِبِ الْجَبَلِ "السَّامِرَةَ".
فمن هذا نستخلص الآتي: أن اسم (السامرة) لم يوجد لأول مرة زمن وجود المدينة، بل كان هذا الاسم موجودًا قبل وجود المدينة، فلا يمنع أن يكون هذا الاسم قديمًا، وأن يكون هناك قبل (شامر) صاحب الجبل بمئات السنين من تسمى بهذا الاسم (١).
الوجه السادس:
١ - أنه ليس في فلسطين مدينة تسمى بمدينة السامرة، وإنما كان للسامريين مملكة في فلسطين عاصمتها (نابلس) المسماة قديمًا (شكيم)، وكانت هذه المملكة مكونة من عشرة أسباط، وكان للسبطين مملكة في فلسطين عاصمتها (القدس) المسماة قديمًا (أورشليم).
٢ - ولما صعد موسى ﵇ إلى جبل الطور وتلقى التوراة، نزل فوجد اليهود يعبدون عجلًا جسدًا له خوار، فسأل عن ذلك، فدلوه على من أغراهم بعبادتهم، فأمسك به وسأله: (ما خطبك يا سامري؟ ) أي: ما هذا الذي فعلت أيها المضل؟ لأن كلمة (سامري) تطلق على المضل، ولا تطلق على شخص كاسم من الأسماء.
وبهذا المعنى لا يكون الذي أضلهم رجل مسمى بالسامري، حتى يتوجه الإشكال، وإلا يلزم أن يكون السامري من أسماء المسيح عيسى ﵇، فإن اليهود قالوا: (إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ) (يوحنا ٨: ٤٨) (٢).
الوجه السابع:
وأخيرًا نقول لهذا المعترض: أجب عن هذا الاعتراض منا على ما ورد في كتابكم؟
стр. 3268
وهذا الاعتراض: هو أن كون الملك عمري أول من بني مدينة (السامري)، أمر ليس مقطوعًا بصحته، بل ذهب قاموس (الكتاب المقدس) إلى احتمال أن الملك عمري أصلح بناء المدينة وهذا يقول الكتاب المقدس، فماذا تقول أنت؟
السامرة: اسم عبراني معناه: (مركز الحارس).
١ - عاصمة الأسباط العشرة أثناء أطول مدة في تاريخهم وقد بنيت المدينة أو أصلح بناؤها أيام عمري بن آخاب ملك إسرائيل (٨٧٦ - ٨٤٢) ق. م على ما تل اشتراه بوزنتين من الفضة (أي: نحو ألف جنيه مصري) وكان صاحب الأرض اسمه (شامر) الذي يعني: (مراقب) أو حارس، فقوله: (بنيت) أو أصلح بناؤها يفيد احتمالًا وهو أن المدينة موجودة من قبل، وربما كانت مهدمة أو قديمة فأعاد الملك بناءها.
والذي يدل على أن المدينة قديمة وموجودة قبل الملك عمري هذا النص في سفر الملوك الأول (١٣/ ٣٢) لأنه تمامًا سيتم الكلام الذي نادى به بكلام الرب نحو المذبح الذي في بيت إبل، ونحو جميع بيوت المرتفعات التي في مدن السامرة، وهذا الكلام ذكر قبل ثلاثة إصحاحات من ذكر بناء الملك عمري للمدينة، فكيف يقول: (في مدن السامرة) ولم تكن المدينة قد بنيت بعد.
فإما أن يقولوا: إن هذا تحريف في الكتاب المقدس أو يقروا أن المدينة موجودة قبل الملك عمرى ولا يعرف زمن بنائها ولا يستطيع أحد أن يحدد في هذا الاحتمال أن المدينة لم تكن موجودة في زمن موسى ﵇، ولربها أنها موجودة قبل موسى ﵇ أيضًا وهذا ما لا يمكن الجزم به. فإذن سقط الاعتراض من أساسه. . . والحمد لله (١).
* * *
стр. 3269
سورة الأنبياء
وفيها:
١ - شبهة: حكم وعلم لوط ﵇.
٢ - شبهة: حكم داود وسليمان ﵉.
٣ - شبهة: حصب جهنم.
стр. 3270
١ - شبهة: حكم وعلم لوط ﵇ -.
نص الشبهة:
يقول المعترض: في سورة (الأنبياء: ٧٤): ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤)﴾.
ونحن نتساءل: ما هي الحكمة التي كانت عند لوط، وبماذا يمكننا أن نستفيد منها؟ فلا الكتاب المقدس تكلم عنه بشيء حسن، ولا هنا نعلم ما هي حكمته، ولا حتى عن علمه، ثم يقول إنه نجاه من القرية، فما هي هذه القرية وأين تقع وما اسمها؟ وحتى لم يقل من هو لوط، هل كالعادة نحتاج إلى الكتاب المقدس لكي نفهم القرآن؟
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: فضل نبي الله لوط ﵇ في القرآن والسنة .
الوجه الثاني: معنى الحكم والعلم الذي أعطيه لوط ﵇.
الوجه الثالث: ومتى احتجنا إلى كتابكم المقدس؟ .
وإليك التفصيل
الوجه الأول: فضل نبي الله لوط ﵇ في القرآن والسنة.
ورد ذكر قصة نبي الله لوط ﵇ في عدة سور من القرآن الكريم منها المطول، والمختصر، فقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨٤].
وقال تعالى في سورة هود: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ
стр. 3271
إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٦٩ - ٨٣].
وورد في السنة فضل لوط ﵇: عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبث في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي". (١)
وعنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن ﵎ قال: قال رسول الله ﷺ "لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم جاءني الداعي لأجبته إذ جاءه الرسول فقال: ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ورحمة الله على لوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد إذ قال لقومه لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد ما إن
стр. 3272
بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه قال محمد الثروة الكثرة والمنعة. (١)
الوجه الثاني: معنى الحكم والعلم الذي أعطيه لوط ﵇ -.
التعريف بنبي الله لوط ﵇: هو: لوط بن هاران بن تارح - وهو آزر - ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل فإبراهيم وهاران وناحور أخوة.
وكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل ﵉ بأمره له، وإذنه، فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر وكان أمّ تلك المحلة ولها أرض، ومعتملات وقرى مضافة إليها ولها أهل من أفجر الناس وأكفرهم وأسوأهم طوية وأردأهم سريرة وسيرة يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون. ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم وهي إتيان الذكران من العالمين وترك ما خلق الله عن النسوان لعباده الصالحين.
فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والفواحش المنكرات والأفاعيل المستقبحات، فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم، واستمروا على فجورهم وكفرانهم، فأحل الله بهم من البأس الذي لا يرد ما لم يكن في خلدهم وحسابهم، وجعلهم مثلة في العالمين، وعبرة يتعظ بها الألباء من العالمين. (٢)
وأما الحكم والعلم الذي أوتيه لوط ﵇:
قال الطبري: القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤)﴾، يقول تعالى ذكره: وآتينا لوطا حكمًا، وهو فصل القضاء بين الخصوم، وعلما: يقول: وآتيناه أيضًا علمًا بأمر دينه، وما يجب عليه لله من فرائضه. وقوله ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ يقول: ونجيناه من عذابنا الذي أحللناه بأهل القرية التي كانت تعمل الخبائث،
стр. 3273
وهي قرية سَدُوم التي كان لوط بعث إلى أهلها، وكانت الخبائث التي يعملونها: إتيان الذكران في أدبارهم، وخَذْفهم الناس، وتضارطهم في أنديتهم، مع أشياء أخرَ كانوا يعملونها من المنكر، فأخرجه الله حين أراد إهلاكهم إلى الشام (١).
وأصل الحكم في اللغة: المنع كما هو معروف. فمعنى الآيات: أن الله آتاه من النبوة والعلم ما يمنع أقواله وأفعاله من أن يعتريها الخلل. والقرية التي كانت تعمل الخبائث: هي سدوم وأعمالها، والخبائث التي كانت تعملها جاءت موضحة في آيات من كتاب الله:
منها اللواط، وأنهم هم أول من فعله من الناس، كما قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾. ومن الخبائث المذكورة إتيانهم المنكر في ناديهم، وقطعهم الطريق، كما قال تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. ومن أعظم خبائثهم: تكذيب نبي الله لوط وتهديدهم له بالإخراج من الوطن. كما قال تعالى عنهم: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦)﴾، وقال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد بين الله في مواضع متعددة من كتابه: أنه أهلكهم فقلب بهم بلدهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ والآيات بنحو ذلك كثيرة. والخبائث: جمع خبيثة، وهي الفعلة السيئة كالكفر واللواط وما جرى مجرى ذلك (٢).
وأما مكان القرية فقد ورد في كتب البلدان:
سدوم: قصبة قرى قوم لوط. وهي بين الحجاز والشام. كانت أحسن بلاد الله وأكثرها مياهًا، وأشجارًا، وحبوبًا وثمارًا، والآن عبرة للناظرين. وتسمى الأرض المقلوبة لا زرع
٢ - شبهة: حكم داود وسليمان ﵉ .
نص الشبهة:
يقول المعترض: في سورة الأنبياء: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨, ٧٩].
قال ابن عباس وغيره: إن رجلين دخلا على داود أحدهما صاحب زرع والآخر صاحب غنم فقال صاحب الزرع إن غنم هذا دخلت زرعي ليلًا فوقعت فيه فأفسدته فلم تبق منه شيئًا فأعطاه رقاب الغنم بالزرع فخرجا فمرا على سليمان فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه، فقال سليمان لو رأيت أمركما لقضيت بغير هذا فأخبر بذلك داود فدعا سليمان واستفهم منه عن الأرفق بالفريقين، فقال: أدفع الغنم للمزارع ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ومنافعها، ويزرع صاحب الغنم لصاحب الأرض مثل حرثه فإذا صار الحرث كهيئته يوم أكل دفع إلى صاحبه وأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود: القضاء ما قضيت وكان عمر سليمان يوم حكم إحدى عشرة سنة. ولا يعقل أن سليمان كان يتعقب أحكام والده، ووالده من الرجال المدربين، هذا فضلا عما خصه الله به من الوحي الإلهي؟ وكيف يعجز عن الحكم في هذه القضية ويرضى بتغير الحكم أمام رعيته؟ ولكن هذا خلط أبشالوم بسليمان، جاء في (٢ صموئيل ١٥: ٦١) إن أبشالوم لما دبر للانقلاب الفاشل ضد والده، كان يستميل رجالى بني إسرائيل، ويقول من يجعلني قاضيًا في الأرض، لأنصف المظلوم؟ وكان يقبل ويكرم طرفي النزاع، فاستمال الأفئدة وثار على والده.
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: فضل داود وسليمان في القرآن والسنة
الوجه الثاني: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
الوجه الثالث: ماذا قالت التوراة عن داود وسليمان.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: فضل داود وسليمان في القرآن والسنة.
أولًا: داود ﵇ -:
стр. 3276
ألان الله له الحديد:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١٠, ١١].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٧٩, ٨٠].
أعانه الله على عمل الدروع من الحديد ليحصن المقاتلة من الأعداء وأرشده إلى صنعتها وكيفيتها فقال: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: لا تدق المسمار فيفلق ولا تغلظه فيفصم قاله مجاهد وقتادة والحكم وعكرمة.
قال الحسن البصري وقتادة والأعمش: كان الله قد ألان له الحديد حتى كان يفتله بيده لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة.
أعطاه الله القوة في العبادة: وقال تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾ [ص: ١٧ - ٢٠].
قال ابن عباس ومجاهد: الأيد القوة في الطاعة يعني ذا قوة في العبادة والعمل الصالح قال قتادة: أعطي قوة في العبادة وفقها في إسلام قال: وقد ذكر لنا أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر.
وقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال: "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود وأحب الصيام إلى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا" (١).
أعطاه الله الصوت الحسن: وقوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩)﴾ [ص: ١٨, ١٩] كما قال: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]
стр. 3277
أي سبحي معه قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد في تفسير هذه الآية: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ أي عند آخر النهار وأوله وذلك أنه كان الله تعالى قد وهبه من الصوت العظيم ما لم يعطه أحد بحيث إنه كان إذا ترنم بقراءة كتابه يقف الطير في الهواء يرجع بترجيعه ويسبح بتسبيحه وكذلك الجبال تجيبه وتسبح معه كلما سبح بكرةً وعشيًا ﵇.
رزقه الله السرعة في قراءة الزبور: وقد كان مع هذا الصوت الرخيم سريع القراءة لكتابة الزبور، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : قال: "خفف على داود ﵇ القرآن فكان يأمر بدوابه فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه ولا يأكل إلا من عمل يده". (١)
له القربى من الله يوم القيامة: قال الله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥]، أي إن له يوم القيامة لزلفى وهي القربة التي يقربه الله بها ويدنيه من حظيرة قدسه بسببها كما ثبت في حديث "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا". (٢)
زاد الله في عمره من عمر آدم ﵇: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله فحمد الله بإذنه فقال له ربه: رحمك الله يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملإ منهم جلوس فقل السلام عليكم قالوا: وعليك السلام ورحمة الله ثم رجع إلى ربه فقال: إن هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم، فقال الله له ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت قال: اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته فقال: أي رب ما هؤلاء؟ فقال: هؤلاء ذريتك؛ فإذا كل إنسان مكتوب عمره بين عينيه فإذا فيهم رجل أضوؤهم أو من أضوئهم قال: يا رب من هذا؟ قال: هذا ابنك داود قد كتبت له عمر أربعين سنة قال: يا رب زده في عمره قال: ذاك الذي كتبت له قال: أي رب فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة؟ قال: أنت وذاك قال: ثم أسكن الجنة ما شاء الله، ثم أهبط منها فكان آدم يعد لنفسه قال: فأتاه ملك الموت فقال له
стр. 3278
آدم: قد عجلت قد كتب لي ألف سنة قال: بلى ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة فجحد فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته قال: فمن يومئذ أمر بالكتاب والشهود. (١)
ثانيًا: سليمان ﵇ -:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ [النمل: ١٦] أي ورثه في النبوة والملك وليس المراد ورثه في المال.
٢ - وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ [النمل: ١٦] يعني أنه ﵇ كان يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها ويعبر للناس عن مقاصدها وإرادته، ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي من كل ما يحتاج الملك إليه من العدد والآلات والجنود والجيوش والجماعات من الجن والإنس والطيور والوحوش والشياطين السارحات والعلوم والفهوم والتعبير عن ضمائر المخلوقات من الناطقات والصامتات ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ أي من بارئ البريات وخالق الأرض والسموات كما قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾ [النمل: ١٧ - ١٩].
يخبر تعالى عن عبده ونبيه وابن نبيه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام أنه ركب يومًا في جيشه جميعه من الجن والإنس والطير، فالجن والإنس يسيرون معه، والطير سائرة معه تظله بأجنحتها من الحر وغيره وعلى كل من هذه الجيوش الثلاثة وزعة - أي نقباء - يردون أوله على آخره فلا يتقدم أحد عن موضعه الذي يسير فيه ولا يتأخر عنه قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ
стр. 3279
سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾ [النمل: ١٨] فأمرت وحذرت واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور.
والمقصود أن سليمان ﵇ فهم ما خاطبت به تلك النملة لأمتها من الرأي السديد والأمر الحميد وتبسم من ذلك على وجه الاستبشار والفرح والسرور بما أطلعه الله عليه دون غيره.
وقال الله : ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٢٠ - ٣٧].
يذكر تعالى ما كان من أمر سليمان والهدهد وذلك أن الطيور كان على كل صنف منها مقدمون يقدمون بما يطلب منهم ويحضرون عنده بالنوبة كما هي عادة الجنود مع الملوك وكانت وظيفة الهدهد على ما ذكره ابن عباس وغيره أنهم كانوا إذا أعوزوا الماء في القفار في حال الأسفار يجيء فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماء وفيه من القوة التي أودعها الله تعالى فيه أن ينظر إلى الماء تحت تخوم الأرض فإذا دلهم عليه حفروا عنه واستنبطوه وأخرجوه واستعملوه لحاجتهم فلما تطلبه سليمان ﵇ ذات يوم فقده ولم يجده في موضعه
стр. 3280
من محل خدمته: ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ أي ما له مفقود من ها هنا أو قد غاب عن بصري فلا أراه بحضرتي: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ توعده بنوع من العذاب اختلف المفسرون فيه والمقصود حاصل على تقدير: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي بحجة تنجيه من هذه الورطة.
قال الله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي فغاب الهدهد غيبة ليست بطويلة ثم قدم منها: ﴿فَقَالَ﴾ لسليمان: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي اطلعت على ما لم تطلع عليه: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ أي بخبر صادق: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ يذكر ما كان عليه ملوك سبأ في بلاد اليمن من المملكة العظيمة والتبابعة المتوجين وكان الملك قد آل في ذلك الزمان إلى امرأة منهم ابنة ملكهم لم يخلف غيرها فملكوها عليهم.
وقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي مما من شأنه أن تؤتاه الملوك: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ يعني سرير مملكتها كان مزخرفا بأنواع الجواهر واللآلئ والذهب والحلي الباهر، ثم ذكر كفرهم بالله وعبادتهم الشمس من دون الله وإضلال الشيطان لهم وصده إياهم عن عبادة الله تعالى وحده لا شريك له الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون أي يعلم السرائر والظواهر من المحسوسات والمعنويات: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ أي له العرش العظيم الذي لا أعظم منه في المخلوقات.
فعند ذلك بعث سليمان ﵇ كتابه يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله والإنابة والإذعان إلى الدخول في الخضوع لملكه وسلطانه ولهذا قال لهم: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أي لا تستكبروا عن طاعتي وامتثال أوامري: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي واقدموا علي سامعين مطيعين بلا معاودة ولا مراودة فلما جاءها الكتاب مع الطير ومن ثم اتخذ الناس البطائق ولكن أين الثريا من الثرى تكل البطاقة كانت مع سائر سامع مطيع فاهم عالم بما يقول ويقال له فذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن الهدهد حمل الكتاب وجاء إلى قصرها فألقاه إليها وهي في
стр. 3281
خلوة لها ثم وقف ناحية ينتظر ما يكون من جوابها عن كتابها فجمعت أمراءها ووزراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾ ثم قرأت عليهم عنوانه أولًا: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ ثم قرأته: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾ [النمل: ٣٠, ٣١]، ثم شاورتهم في أمرها وما قد حل بها وتأدبت معهم وخاطبتهم وهم يسمعون: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢)﴾ [النمل: ٣٢] تعني ما كنت لأبت أمرا إلا وأنتم حاضرون: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾ [النمل: ٣٣] يعنون لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقاومة الأبطال فإن أردت منا ذلك فإنا عليه من القادرين: ﴿وَ﴾ مع هذا: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ فبذلوا لها السمع والطاعة وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة وفوضوا إليها في ذلك الأمر لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم.
فكان رأيها أتم وأشد من رأيهم وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف ولا يخادع: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)﴾ قول برأيها السديد: إن هذا الملك لو قد غلب على هذه المملكة لم يخلص الأمر من بينكم إلا إلي ولم تكن الحدة والشدة والسطوة البليغة إلا علي: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ أرادت أن تصانع عن نفسها وأهل مملكتها بهدية ترسلها وتحف تبعثها ولم تعلم أن سليمان ﵇ لا يقبل منهم والحالة هذه صرفًا ولا عدلًا لأنهم كافرون وهم وجنوده عليهم قادرون، ولهذا: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦)﴾ إليه ووافدها الذي قدم عليه والناس حاضرون يسمعون: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾ يقول ارجع بهديتك التي قدمت بها إلى من قد من بها فإن عندي مما قد أنعم الله علي وأسداه إلي من الأموال والتحف والرجال ما هو أضعاف هذا وخير من
стр. 3282
هذا الذي أنتم تفرحون به وتفخرون على أبناء جنسكم بسببه: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ أي فلأبعثن إليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم ولا نزالهم ولا ممانعتهم ولا قتالهم ولأخرجنهم من بلادهم وحوزتهم ومعاملتهم ودولتهم أذلة: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ عليهم الصغار والعار والدمار.
فلما بلغهم ذلك عن نبي الله لم يكن لهم بد من السمع والطاعة فبادروا إلى إجابته في تلك الساعة وأقبلوا صحبة الملكة أجمعين سامعين مطيعين خاضعين فلما سمع بقدومهم عليه ووفودهم إليه قال لمن بين يديه ممن هو مسخر له من الجان ما قصه الله عنه في القرآن: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النمل: ٣٨ - ٤٤].
لما طلب سليمان من الجان أن يحضروا له عرش بلقيس وهو سرير مملكتها التي تجلس عليه وقت حكمها قبل قدومها عليه: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾ [النمل: ٣٩] يعني قبل أن ينقضي مجلس حكمك وكان فيما يقال من أول النهار إلى قريب الزوال يتصدى لمهمات بني إسرائيل وما لهم من الأشغال ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ أي وإني لذو قدرة على إحضاره إليه وأمانة على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ المشهور أنه آصف بن برخيا وهو ابن خالة سليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قيل: معناه قبل أن تبعث رسولًا إلى أقصى ما ينتهي
стр. 3283
إليه طرفك من الأرض، ثم يعود إليك، وقيل: قبل أن يصل إليك أبعد ما تراه من الناس، وقيل: قبل أن يكل طرفك إذا أدمت النظر به قبل أن تطبق جفنك، وقيل: قبل أن يرجع إليك طرفك إذا نظرت به إلى أبعد غابة منك ثم أغمضته، وهذا أقرب ما قيل: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أي فلما رأى عرش بلقيس مستقرًا عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ أي هذا من فضل الله علي وفضله على عبيده ليخبرهم على الشكر أو خلافه: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي إنما يعود نفع ذلك عليه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ أي غني عن شكر الشاكرين ولا يتضرر بكفر الكافرين.
ثم أمر سليمان ﵇ أن يغير حلي هذا العرش وينكَّر لها لتختبر فهمها وعقلها ولهذا قال: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤١, ٤٢]، وهذا من فطنتها وغزارة فهمها؛ لأنها استبعدت أن يكون عرشها؛ لأنها خلفته وراءها بأرض اليمن ولم تكن تعلم أن أحدًا يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب. قال الله تعالى إخبارًا عن سليمان وقومه: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ [النمل: ٤٢, ٤٣]، أي ومنعها عبادة الشمس التي كانت تسجد لها هي وقومها من دون الله إتباعا لدين آبائهم وأسلافهم لا لدليل قادهم إلى ذلك ولا حادهم على ذلك.
وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج وعمل في ممره ماء وجعل عليه سقفًا من زجاج وجعل فيه السمك وغيرها من دواب الماء وأمرت بدخول الصرح وسليمان جالس على سريره فيه: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النمل: ٤٤].
وقال تعالى في سورة ص: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ
стр. 3284
(٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾ [ص: ٣٠ - ٤٠].
يذكر تعالى أنه وهب لداود سليمان ﵉ ثم أثنى الله تعالى عليه فقال: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي رجاع مطيع لله ثم ذكر تعالى ما كان من أمره في الخيل الصافنات وهي التي تقف على ثلاثة وطرف حافر الرابعة الجياد وهي المضمرة السراع: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ يعني الشمس، وقيل: الخيل على ما سنذكره من القولين: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾ قيل: مسح عراقيبها وأعناقها بالسيوف، وقيل: مسح عنها العرق لما أجراها وسابق بينها بين يديه على القول الآخر.
والذي عليه أكثر السلف الأول؛ فقالوا: اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وعلى ما سنذكره من القولين: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ قيل: مسح عراقيبها وأعناقها بالسيوف، وقيل: مسح عنها العرق لما أجراها وسابق بينها بين يديه على القول الآخر.
والذي عليه أكثر السلف الأول؛ فقالوا اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس.
وفي سنة النبي ﷺ .
عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ : "أن سليمان بن داود سأل الله ﵎ ثلاثًا فأعطاه اثنتين وأرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة سأله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله حكمًا يواطىء حكمه، فأعطاه إياه وسأله من أتى هذا البيت - يريد به بيت المقدس - لا يريد إلا الصلاة فيه أن يخرج منه كيوم ولدته أمه؛ فقال رسول الله ﷺ : "وأرجو أن يكون قد أعطاه الثالث". (١)
стр. 3285
فأما الحكم الذي يوافق حكم الله تعالى فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه في قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]، وقد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم فنفشت فيه غنم قوم آخرين أي رعته بالليل فأكلت شجرة فأكلت فتحاكموا إلى داود ﵇ فحكم لأصحاب الكرم بقيمته فلما خرجوا على سليمان قال: بم حكم لك نبي الله؟ فقالوا: بكذا وكذا فقال: أما لو كنت أنا لما حكمت إلا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجًا ودرًا حتى يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه إلى ما كان عليه ثم يتسلموا غنمهم فبلغ داود ﵇ ذلك فحكم به.
وقريب من هذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "بينما امرأتان معهما ابناهما إذ عدا الذئب فأخذ ابن إحداهما فتنازعتا في الآخر فقالت الكبرى: إنما ذهب بابنك وقالت الصغرى: بل إنما ذهب بابنك فتحاكمتا إلى داود فحكم به للكبرى فخرجتا على سليمان فقال: آتوني بالسكين أشقه نصفين لكل واحدة منكما نصفه فقالت الصغرى: يرحمك الله هو ابنها فقضى به لها" (١)
ولعل كل من الحكمين كان سائغًا في شريعتهم وكان ما قاله سليمان أرجح، ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه إياه بعد ذلك إياه فقال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾ [الأنبياء: ٧٩, ٨٠].
ثم قال: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١, ٨٢].
وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة - سبعمائة
стр. 3286
بمهور وثلاثمائة سراري، وقيل بالعكس ثلاثمائة حرائر وسبعمائة من الإماء -، وقد كان يطيق من التمتع بالنساء أمرًا عظيمًا جدًّا.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قال سليمان بن داود ﵇: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسًا يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه: إن شاء الله فلم يقل فلم تحمل شيئًا إلا واحدًا ساقطًا أحد شقيه؛ فقال النبي ﷺ : لو قالها لجاهدوا في سبيل الله". (١)
الوجه الثاني: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
نقول وما المانع إذا كان الله قد علم سليمان بعض الأشياء التي غابت عن أبيه داود ولا يعني ذلك تفضيل سليمان على داود ﵉ فما زال الصغير يستدرك على الكبير وما يزال المفضول يقف على ما لم يقف عليه الفاضل ولا يعني هذا أنه أفضل منه، ثم إن القضية التي حكم فيها داود وسليمان من الأمور الاجتهادية التي يجتهد فيها البشر.
وعندنا في الإسلام كما ورد في السنة من هذا القبيل الشيء الكثير، منها أن عمر ﵁ كان يدخل ابن عباس وهو صغير في مجالس الكبار من مشايخ الصحابة وأحب عمر ﵁ أن يثبت لهم، فسألهم مرة عن تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (سورة النصر).
فقال ابن عباس: القول الصحيح فيها بأنه أجل النبي ﷺ أعلمه الله إياه، وصوبه عمر ﵁، والأمثلة على ذلك كثيرة، ثم إن سليمان ﵇ كان نبيًا مثل أبيه، وقال الله تعالى عنه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٥, ١٦].
وقد قرر العلماء أن الصحيح أن ميراث سليمان من أبيه كان ميراث النبوة وليس ميراث المال. ثم إن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وما المانع أن يرجع النبي داود إلى الحق والصواب متى استبان له ذلك فليس هذا فيه أدنى طعن في النبي داود ﵇.
٣ - شبهة: حصب جهنم .
نص الشبهة:
قال المعترض: يقول تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨].
قال مفسرو المسلمين: إن محمدًا لما تلا هذه الآية، سأله عبد الله بن الزبعرى: ألم تقل إن اليهود عبدوا عزيرًا، والنصارى عبدوا المسيح، وبني مليح عبدوا الملائكة، والصابئين الكواكب؟ فهل هؤلاء وقود النار؟ (الرازي في تفسير هذه الآية)
وقد اعتذر الرازي عن ذلك بقوله: إنه كان يخاطب العرب فقط بدليل قوله: ﴿إِنَّكُمْ﴾ ولكن القرآن في مواضع كثيرة استخدم نفس اللفظ للجميع، فقال في سورة مريم: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، فهل يعني العرب فقط؟ ثم إن العرب كانوا يعبدون الشمس والقمر والكواكب والنجوم، فهل كل هذه في النار؟ .
وقد اعتذر الرازي بقوله: إن لفظ (ما) تستخدم لغير العاقل، نقول جاء في القرآن: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨]، فهل (ما) هنا لغير العاقل؟ .
والجواب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول: تحقيق الرواية المذكورة عن ابن الزبعري.
الوجه الثاني: الرد على الاعتراض.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تحقيق الرواية.
وردت هذه الرواية من أربعة طرق عن ابن عباس:
الأولى: من طريق يحيى بن آدم قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي رزين عن أبي يحيى عن ابن عباس ﵁ قال: آيَةٌ فِي كِتَابِ الله لا يَسْأَلُنِي النَّاسُ عَنْهَا وَلَا أَدْرِي، أَعَرَفُوهَا فَلَا يَسْأَلُونِي عَنْهَا أَمْ جَهِلُوهَا فَلَا يَسْأَلُونِي عَنْهَا؟ قِيلَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: آيَةٌ لمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى
стр. 3289
أَهْلِ مَكَّةَ وَقَالُوا: شَتَمَ مُحَمَّدٌ آلِهَتَنَا؛ فَقَامَ ابْنُ الزِّبَعْرَى فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ قَالُوا: شَتَمَ مُحَمَّدٌ آلِهَتَنَا قَالَ: وَمَا قَالَ؟ قَالُوا قَالَ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ قَالَ: اُدْعُوهُ لِي فَدُعِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَقَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى: يَا مُحَمَّدُ هَذَا شَيْءٌ لِآلِهَتَنَا خَاصَّةً أَمْ لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ الله؟ قَالَ: بَلْ لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ الله قَالَ: فَقَالَ: خَصَمْنَاهُ وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ يَا مُحَمَّدُ! أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى عَبْدٌ صَالِحٌ، وَعُزَيْرًا عَبْدٌ صَالِحٌ، وَالْمَلَائِكَةَ عِبَادٌ صَالِحُونَ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَهَذِهِ النَّصَارَى يَعْبُدُونَ عِيسَى، وَهَذِهِ الْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا، وَهَذِهِ بَنُو مَلِيحٍ تَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ قَالَ: فَضَجَّ أَهْلُ مَكَّةَ فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ عِيسَى وَعُزَيْرٌ وَالْمَلَائِكَةُ: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ قَالَ: وَنَزَلَتْ: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ (١).
الثانية: أخرجها الطحاوي في مشكل الآثار (٦١١٢)، قال: حدثنا أبو أمية، حدثنا محمد بن الصلت، وأخرج الطبري في تفسيره (١٨/ ٥٤٠) قال: حدثنا ابن سنان القزاز، قال: حدثنا الحسن بن الحسين الأشقر، كلاهما (محمد والحسن) قالا: حدثنا أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال لمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الْآيَةَ.
قَالَ المُشْرِكُونَ فَإِنَّ عِيسَى ﷺ يُعْبَدُ وَعُزَيْرٌ ﷺ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ﴾ عِيسَى وَعُزَيْرٌ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمَا (٢).
стр. 3290
الثالثة: أخرجها الطحاوي في مشكل الآثار (٦١١٥ تحفة الأخيار)، قال: حدثنا أحمد بن داود، حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا يزيد بن أبي حكيم، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "جاء عبد الله بن الزبعرى إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون، فقد عبدت الشمس والقمر والملائكة وعزير وعيسى صلوات الله عليهم، أوكل هؤلاء في النار مع آلهتنا؟ ، فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، ونزلت: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. (١)
الرابعة: أخرج الحاكم في المستدرك (٣٤٤٩) حدثنا أبو العباس قاسم بن القاسم السياري ثنا محمد بن موسى بن حاتم ثنا علي بن الحسن بن شقيق ثنا الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس ﵃ قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ فقال المشركون: الملائكة وعيسى وعزير يعبدون من دون الله فقال: لو كان هؤلاء الذين يعبدون آلهة ما وردوها قال، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ عيسى وعزير والملائكة وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (٢)
وللحديث شواهد:
منها ما أخرجه الطبري في تفسيره (١٨/ ٥٣٩) قال: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: جلس رسول الله ﷺ فيما بلغني يوما مع الوليد بن المغيرة، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم
стр. 3291
رسول الله ﷺ ، فعرض له النضر بن الحارث، وكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾، ثم قام رسول الله ﷺ ، وأقبل عبد الله بن الزّبَعْرى بن قيس بن عديّ السهمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزّبَعْرى: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد، وقد زعم أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدا: أكلّ من عبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عُزَيرا، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم، فعجب الوليد بن المغيرة ومن كان في المجلس من قول عبد الله بن الزّبَعْرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ من قول ابن الزّبَعْرى، فقال: رسول الله ﷺ : "نعم كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبد، إنما يعبدون الشياطين ومن أمرهم بعبادته"، فأنزل الله عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾. . . إلى ﴿خَالِدُونَ﴾ (١).
ومنها: ما أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (باب ذكر أبواب المسجد الحرام)
قال: حدثنا أحمد بن سليمان الصفار قال: ثنا زيد بن المبارك قال: ثنا ابن ثور، عن ابن جريج قال: دخل النبي ﷺ المسجد فطاف سبعًا، وقريش جلوس بين باب بني مخزوم وباب بني جمح، فقال ﷺ بيده وأشار إليهم وإلى أوثانهم: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون، ثم خرج ﷺ ، فجاء ابن الزبعرى، وإذا قريش تسبه، فقال: ما لكم؟ فقالوا: إن ابن أبي كبشة سبنا وسب أوثاننا، فلما أن كان من العشي لقي ابن الزبعرى، فقال: يا محمد، أهي لنا ولآلهتنا خاصة دون الأمم، أو هي لجميع الأمم؟ قال: "بل هي لكم ولجميع الأمم"، قال ابن الزبعرى: خصمتك ورب الكعبة؛ فإنك تثني على عيسى وأمه خيرًا، وقد
الثالث: ورد في الحديث أن النبي ﷺ رد على المعترض فقال: إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين، ومن أمرهم بعبادته" فأنزل الله تعالى تصديقًا لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٣].
فانظر إلى هذا الجواب المفحم الذي لم يترك للمجادل مجالًا للتمادي بالباطل، حيث أعلمه أن من ذكر لم يأمروهم بعبادتهم، وأنهم إنما يعبدون الشياطين، وأنهم لو أمروهم بذلك أو حبذوا ذلك منهم لكان الحكم عامًا فيهم. (١)
* * * *
стр. 3294
سورة الحج
وفيها:
١ - شبهة الغرانيق
٢ - شبهة: ادعاؤهم أن الحج شعائره وثنية.
стр. 3295
١ - شبهة الغرانيق
نص الشبهة:
تحت عنوان: (وحي من الشيطان) كتب أعداء الإسلام ما يلي:
جاء في سورة الحج: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ [الحج: ٥٢]، حيث قالوا: قال المفسرون: إن محمدًا ﷺ لما كان في مجلس قريش أنزل الله عليه سورة النجم فقرأها حتى بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾، فألقى الشيطان على لسانه ما كان يحدث به نفسه ويتمناه - وهو: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فلما سمعت قريش فرحوا به، ومضى محمد ﷺ في قراءته، فقرأ السورة كلها، وسجد في آخرها، وسجد المسلمون بسجوده، كما سجد جميع المشركين، وقالوا: لقد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقد عرفنا أن الله يحيي ويميت؛ ولكن آلهتنا تشفع لنا عنده! .
قالوا: ونحن نسأل: كيف يقر محمد ﷺ لوحدانية الله ويمدح آلهة قريش ليتقرب إليهم، ويفوز بالرياسة عليهم بالأقوال الشيطانية؟ وما الفرق بين النبي الكاذب والنبي الصادق إذا كان الشيطان ينطق على لسان كليهما؟
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن القصة من جهة الإسناد لا تثبت عن النبي ﷺ -.
الوجه الثاني: الراجح عند أهل العلم أن المرسل ليس بحجة.
الوجه الثالث: الأدلة من القرآن على بطلان هذه القصة.
الوجه الرابع: الأدلة من السنة على بطلان واستحالة هذه القصة.
الوجه الخامس: الأدلة من المعقول على بطلان القصة.
الوجه السادس: في ذكر بعض كلام المحققين على هذه القصة.
الوجه السابع: ولكن أهل العلم أجابوا عنها على فرض صحتها، وقد أعاذنا الله من صحتها.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: أن القصة من جهة الإسناد لا تثبت عن النبي ﷺ .