← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

رسول الله ﷺ ، فعرض له النضر بن الحارث، وكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾، ثم قام رسول الله ﷺ ، وأقبل عبد الله بن الزّبَعْرى بن قيس بن عديّ السهمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزّبَعْرى: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد، وقد زعم أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدا: أكلّ من عبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عُزَيرا، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم، فعجب الوليد بن المغيرة ومن كان في المجلس من قول عبد الله بن الزّبَعْرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ من قول ابن الزّبَعْرى، فقال: رسول الله ﷺ : "نعم كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبد، إنما يعبدون الشياطين ومن أمرهم بعبادته"، فأنزل الله عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾. . . إلى ﴿خَالِدُونَ﴾ (١). ومنها: ما أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (باب ذكر أبواب المسجد الحرام) قال: حدثنا أحمد بن سليمان الصفار قال: ثنا زيد بن المبارك قال: ثنا ابن ثور، عن ابن جريج قال: دخل النبي ﷺ المسجد فطاف سبعًا، وقريش جلوس بين باب بني مخزوم وباب بني جمح، فقال ﷺ بيده وأشار إليهم وإلى أوثانهم: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون، ثم خرج ﷺ ، فجاء ابن الزبعرى، وإذا قريش تسبه، فقال: ما لكم؟ فقالوا: إن ابن أبي كبشة سبنا وسب أوثاننا، فلما أن كان من العشي لقي ابن الزبعرى، فقال: يا محمد، أهي لنا ولآلهتنا خاصة دون الأمم، أو هي لجميع الأمم؟ قال: "بل هي لكم ولجميع الأمم"، قال ابن الزبعرى: خصمتك ورب الكعبة؛ فإنك تثني على عيسى وأمه خيرًا، وقد

стр. 3292

عبد، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ " (١). الوجه الثاني: الرد على الاعتراض . والجواب من أوجه: الأول: أن هذه الآية لم تتناول الملائكة ولا عيسى لتعبيره بـ (ما) الدالة على غير العاقل وَ ﴿مَا﴾ فَإِنَّمَا تُقَالُ لِغَيْرِ بَنِي آدَمَ وَيُقَالُ مَكَانَهَا لِبَنِي آدَمَ (مَنْ) كَمَا قَالَ الله : ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يُرِيدُ بِهِ بَنِي آدَمَ، وَقَالَ فِي سِوَى بَنِي آدَمَ: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ لِغَيْرِ بَنِي آدَمَ وَفِيمَا رَوَيْتُمُوهُ وَأَضَفْتُمُوهُ إلَى رَسُولِ الله ﷺ مَا قَدْ ذَكَرْتُمُوهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَفِي إحْدَى الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَلَوْتُمُوهَا فِيهِ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ أُرِيدَ بِهِ بَنُو آدَمَ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ الله وَعَوْنِهِ أَنَّ (مَنْ) وَ (مَا) في الْأَكْثَرِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ يَخْرُجَانِ عَلَى مَا ذُكِرَ وَقَدْ تَسْتَعْمِلُ الْعَرَبُ أَيْضًا فِي كَلَامِهَا فِي بَنِي آدَمَ (مَا) كَمَا تَسْتَعْمِلُ (مَنْ) وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَسْتَعْمِلُهُ فِيهِمْ كَثِيرًا كَمَا تَسْتَعْمِلُ فِيهِمْ (مَنْ) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مَكَانَ إلَّا مَنْ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وقَوْله تَعَالَى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وَ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. وَقَوْلُهُ : ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣)﴾ يَعْنِي آدَمَ ﷺ وَمَا وَلَدَ. (٢) الثاني: أن الملائكة وعيسى نص الله على إخراجهم من هذا دفعا للتوهم ولهذه الحجة الباطلة بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠١). (٣)

стр. 3293

الثالث: ورد في الحديث أن النبي ﷺ رد على المعترض فقال: إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين، ومن أمرهم بعبادته" فأنزل الله تعالى تصديقًا لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٣]. فانظر إلى هذا الجواب المفحم الذي لم يترك للمجادل مجالًا للتمادي بالباطل، حيث أعلمه أن من ذكر لم يأمروهم بعبادتهم، وأنهم إنما يعبدون الشياطين، وأنهم لو أمروهم بذلك أو حبذوا ذلك منهم لكان الحكم عامًا فيهم. (١) * * * *

стр. 3294

سورة الحج وفيها: ١ - شبهة الغرانيق ٢ - شبهة: ادعاؤهم أن الحج شعائره وثنية.

стр. 3295

١ - شبهة الغرانيق نص الشبهة: تحت عنوان: (وحي من الشيطان) كتب أعداء الإسلام ما يلي: جاء في سورة الحج: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ [الحج: ٥٢]، حيث قالوا: قال المفسرون: إن محمدًا ﷺ لما كان في مجلس قريش أنزل الله عليه سورة النجم فقرأها حتى بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾، فألقى الشيطان على لسانه ما كان يحدث به نفسه ويتمناه - وهو: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فلما سمعت قريش فرحوا به، ومضى محمد ﷺ في قراءته، فقرأ السورة كلها، وسجد في آخرها، وسجد المسلمون بسجوده، كما سجد جميع المشركين، وقالوا: لقد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقد عرفنا أن الله يحيي ويميت؛ ولكن آلهتنا تشفع لنا عنده! . قالوا: ونحن نسأل: كيف يقر محمد ﷺ لوحدانية الله ويمدح آلهة قريش ليتقرب إليهم، ويفوز بالرياسة عليهم بالأقوال الشيطانية؟ وما الفرق بين النبي الكاذب والنبي الصادق إذا كان الشيطان ينطق على لسان كليهما؟ والجواب من وجوه: الوجه الأول: أن القصة من جهة الإسناد لا تثبت عن النبي ﷺ -. الوجه الثاني: الراجح عند أهل العلم أن المرسل ليس بحجة. الوجه الثالث: الأدلة من القرآن على بطلان هذه القصة. الوجه الرابع: الأدلة من السنة على بطلان واستحالة هذه القصة. الوجه الخامس: الأدلة من المعقول على بطلان القصة. الوجه السادس: في ذكر بعض كلام المحققين على هذه القصة. الوجه السابع: ولكن أهل العلم أجابوا عنها على فرض صحتها، وقد أعاذنا الله من صحتها. وإليك التفصيل الوجه الأول: أن القصة من جهة الإسناد لا تثبت عن النبي ﷺ .

стр. 3296

فالطريق المسندة عن ابن عباس ﵁ شديدة الضعف وبقية الطرق مرسلة، وإليك بيان كل طريق وما فيه من علة. أولا الرواية المسندة: عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قرأ النجم فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وشفاعتهم ترتجى فلما بلغ آخرها سجد، وسجد المسلمون، والمشركون فأنزل الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إلى قوله ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ يوم بدر. (١)

стр. 3297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3298

ثانيًا: الروايات المرسلة: أولًا: مرسل سعيد بن جبير وهو صحيح إليه، وقد سبق تخريجه مع طريق ابن عباس. ثانيًا: مرسل محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس قالا: "جلس رسول الله ﷺ في ناد من أندية قريش كثير أهله فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه فأنزل الله عليه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ [النجم: ١، ٢] فقرأها رسول الله ﷺ حتى بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] ألقى عليه الشيطان كلمتين: تلك الغرنقة العلى وإن شفاعتهن لترتجى فتكلم بها ثم مضى فقرأ السورة كلها فسجد في آخر السورة وسجد القوم جميعا معه ورفع الوليد بن المغيرة ترابًا إلى جبهته فسجد عليه وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السجود فرضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده إذ جعلت لها نصيبا فنحن معك قالا: فلما أمسى أتاه جبرائيل ﵇ فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين فقال رسول الله ﷺ : افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل فأوحى الله إليه ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى قوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾ [الإسراء: ٧٥] فما زال مغمومًا مهمومًا حتى نزلت عليه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ قال: فسمع من كان من المهاجرين بأرض

стр. 3299

الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا: هم أحب إلينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان" (١) ثالثًا: مرسل محمد بن كعب القرظي: قال: لما رأى رسول الله ﷺ تولي قومه عنه، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه وكان يسره مع حبه وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما غلظ عليه من أمرهم حين حدث بذلك نفسه وتمنى وأحبه فأنزل الله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١, ٢]، فلما انتهى إلى قول الله ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه ويتمنى أن يأتي به قومه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتضى فلما سمعت قريش ذلك فرحوا وسرهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم فأصاخوا له والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم ولا يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها فسجد المسلمون بسجود نبيهم تصديقًا لما جاء به واتباعًا لأمره وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر آلهتهم فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة فإنه كان شيخًا كبيرًا فلم يستطع فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها ثم تفرق الناس من المسجد وخرجت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم يقولون: قد ذكرنا محمد آلهتنا بأحسن الذكر وقد زعم فيما يتلو أنه الغرانيق العلى وأن شفاعتهن ترتضى وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله

стр. 3300

- ﷺ وقيل: أسلمت قريش فنهضت منهم رجال وتخلف آخرون وأتى جبرائيل النبي ﷺ فقال: يا محمد ماذا صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله وقلت ما لم يقل لك فحزن رسول الله ﷺ عند ذلك وخاف من الله خوفًا كبيرًا فأنزل الله ﵎ عليه وكان به رحيمًا يعزيه ويخفض عليه الأمر ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبي تمنى كما تمنى ولا أحب كما أحب إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه ﷺ فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته أي فأنت كبعض الأنبياء والرسل فأنزل الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية فأذهب الله عن نبيه الحزن وأمنه من الذي كان يخاف ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم أنها الغرانيق العلى وأن شفاعتهن ترتضى يقول الله حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى إلى قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [النجم: ٢٦] أي فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده فلما جاءه من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه قالت قريش: ندم محمد على ما كان من منزلة آلهتكم عند الله فغير ذلك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسوله قد وقعا في فم كل مشرك فازدادوا شرًا إلى ما كانوا عليه". (١) رابعًا: مرسل أبي العالية قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ : إنما جلساؤك عبد بني فلان ومولى بني فلان فلو ذكرت آلهتنا بشيء جالسناك فإنه يأتيك أشارف العرب فإذا رأوا

стр. 3301

جلساءك أشراف قومك كان أرغب لهم فيك قال: فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وشفاعتهن ترجى مثلهن لا ينسى قال: فسجد النبي ﷺ حين قرأها وسجد معه المسلمون والمشركون، فلما علم الذي أجري على لسانه كبر ذلك عليه فأنزل الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ (١) خامسًا: مرسل الضحاك قال الضحاك في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية: أن نبي الله ﷺ وهو بمكة أنزل الله عليه في آلهة العرب فجعل يتلو اللات والعزى ويكثر ترديدها فسمع أهل مكة نبي الله يذكر آلهتهم ففرحوا بذلك ودنوا يستمعون فألقى الشيطان في تلاوة النبي ﷺ : "تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فقرأها النبي ﷺ كذلك فأنزل الله عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) سادسًا: مرسل أبي بكر بن عبد الرحمن: عن ابن شهاب أنه سئل عن قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾، قال ابن شهاب: ثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أن رسول الله ﷺ وهو بمكة قرأ عليهم ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ [النجم: ١]، فلما بلغ

стр. 3302

﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النجم: ١٩, ٢٠]، قال: إن شفاعتهن ترتجى وسها رسول الله ﷺ فلقيه المشركون الذين في قلوبهم مرض فسلموا عليه وفرحوا بذلك فقال لهم: إنما ذلك من الشيطان فأنزل الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ حتى بلغ فينسخ الله ما يلقي الشيطان. (١) سابعًا: مرسل ابن شهاب قال: أنزلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم، والشر، وكان رسول الله ﷺ اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالهم فكان يتمنى هداهم فلما أنزل الله سورة النجم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١)﴾ ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت فقال: وإنهن لهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة وذلت بها ألسنتهم وتباشروا بها وقالوا: إن محمدًا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر النجم سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلًا كبيرًا فرفع على كفه ترابا فسجد عليه فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله ﷺ فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين ولم يكن المسلمون سمعوا الآية الذي ألقى الشيطان في مسامع المشركين فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله ﷺ وحدثهم به الشيطان أن رسول الله ﷺ قد قرأها في السورة فسجدوا لتعظيم آلهتهم ففشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين عثمان بن مظعون، وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم

стр. 3303

وصلوا مع رسول الله ﷺ وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة فأقبلوا سراعًا، وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، وحفظه من الفرية، وقال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾ فلما بين الله قضاءه وبرأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم، وعداوتهم المسلمين واشتدوا عليهم. (١) ثامنًا: عن موسى بن عقبة في قصة الذين خرجوا إلى أرض الحبشة وفيها: وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل ما يذكر به آلهتنا من الشتم والشر، وكان رسول الله ﷺ قد اشتد عليه ما ناله هو وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم وأحزنته ضلالتهم وكان يتمنى هداهم، فلما أنزل الله سورة النجم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله آخر الطواغيت فقال: وإنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى. وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وزلت بها ألسنتهم وتباشروا بها، وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه، فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر النجم سجد، وسجد كل من حضر من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة وكان شيخًا كبيرًا رفع ملء كفيه ترابًا فسجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود بسجود رسول الله ﷺ ؛ فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان على ألسنة المشركين، وأما المشركون

стр. 3304

فاطمأنت أنفسهم إلى النبي ﷺ وأصحابه لما ألقي في أمنية النبي ﷺ وحدثهم الشيطان أن رسول الله ﷺ قد قرأها في السجدة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم، وفشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة، ومر بها من المسلمين عثمان بن مظعون وأصحابه، وحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم وصلوا مع رسول الله ﷺ ، وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفيه، وحدثوا أن المسلمين قد آمنوا بمكة، فأقبلوا سراعًا وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم الله آياته وحفظها من الباطل، فقال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ فلما بين الله قضاءه وبرأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم على المسلمين واشتدوا عليهم. (١) تاسعًا: مرسل قتادة: أن النبي ﷺ كان يتمنى أن لا يعيب الله آلهة المشركين فألقى الشيطان في أمنيته فقال: إن الآلهة التي تدعي أن شفاعتها لترتجي وإنها للغرانيق العلى فنسخ الله ذلك وأحكام الله آياته ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ حتى بلغ ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣]، قال قتادة: لما ألقى الشيطان ما ألقى قال المشركون: قد ذكر الله آلهتهم بخير ففرحوا بذلك فذكر قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (٢)

стр. 3305

عاشرًا: مرسل عروة بن الزبير: عن عروة بن الزبير في قصة مهاجري الحبشة قال: وقال المشركون من قريش: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه، وأصحابه فإنه لا يذكر أحدًا ممن خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر به آلهتنا من الشتم والشر، فلما أنزل الله السورة التي يذكر فيها والنجم وقرأ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ ألقى الشيطان فيها عند ذلك ذكر الطواغيت فقال: وإنهن لمن الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى، وذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك، وذلت بها ألسنتهم، واستبشروا بها، وقالوا: إن محمدًا ﷺ قد رجع إلى دينه الأول، ودين قومه، فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر السورة التي فيها النجم سجد، وسجد معه كل من حضر من مسلم ومشرك غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلًا كبيرًا فرفع على كفه ترابًا فسجد عليه فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله ﷺ فأما المسلمون فعجبوا من سجود المشركين على غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان على ألسنة المشركين، وأما المشركون فاطمأنت أنفسهم إلى النبي ﷺ ، وأصحابه لما سمعوا الذي ألقى الشيطان في أمنية النبي ﷺ ، وحدثهم الشيطان أن رسول الله ﷺ قد قرأها في السجدة فسجدوا لتعظيم آلهتهم ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت الحبشة فلما سمع عثمان بن مظعون، وعبد الله بن مسعود، ومن كان معهم من أهل مكة أن الناس قد أسلموا وصلوا مع رسول الله ﷺ ، وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفيه أقبلوا سراعًا، وكبر ذلك على رسول الله ﷺ ، فلما أمسى أتاه جبريل ﵇ فشكا إليه، فأمره فقرأ عليه فلما بلغها تبرأ منها جبريل ﵇ وقال: معاذ الله من هاتين ما أنزلهما ربي ولا أمرني بهما ربك، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ شق عليه وقال: أطعت الشيطان، وتكلمت بكلامه، وشركني في أمر الله فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأنزل عليه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ

стр. 3306

وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾، فلما برأه الله من سجع الشيطان، وفتنته انقلب المشركون بضلالهم، وعداوتهم، وبلغ المسلمين ممن كان بأرض الحبشة، وقد شارفوا مكة فلم يستطيعوا الرجوع من شدة البلاء الذي أصابهم، والجوع، والخوف خافوا أن يدخلوا مكة فيبطش بهم فلم يدخل رجل منهم إلا بجوار. . . . الحديث. (١) الحادى عشر: مرسل المطلب بن عبد الله بن حنطب ومحمد بن فضالة الظفري قالا: رأى رسول الله ﷺ من قومه كفًا عنه فجلس خاليًا فتمنى فقال ليته لا ينزل علي شيء ينفرهم عني وقارب رسول الله ﷺ قومه ودنا منهم ودنوا منه فجلس يومًا مجلسًا في نادٍ من تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ حتى إذا بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ ألقى الشيطان كلمتين على لسانه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى فتكلم رسول ﷺ بهما ثم مضى فقرأ السورة كلها، وسجد وسجد القوم جميعًا، ورفع الوليد بن المغيرة ترابًا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السجود، ويقال إن أبا أحيحة سعيد بن العاص أخذ ترابًا فسجد عليه رفعه إلى جبهته، وكان شيخًا كبيرًا فبعض الناس يقول إنما الذي رفع التراب الوليد، وبعضهم يقول أبو أحيحة، وبعضهم يقول كلاهما جميعًا فعل ذلك فرضوا بما تكلم به رسول الله ﷺ ، وقالوا قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، وأما إذ جعلت لها نصيبًا فنحن معك، فكبر ذلك على رسول الله ﷺ من قولهم حتى جلس في البيت فلما أمسى أتاه جبريل ﵇ فعرض عليه السورة فقال جبريل: جئتك بهاتين الكلمتين فقال رسول الله

стр. 3307

- ﷺ قلت على الله ما لم يقل فأوحى الله إليه ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ وإلى قوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾. (١) الثاني عشر: مرسل أبي صالح قال السيوطي: وأخرج عبد بن حميد، من طريق السدي، عن أبي صالح، قال: قام رسول الله ﷺ ، فقال المشركون: أن ذكر آلهتنا بخير ذكرنا آلهته بخير فألقى الشيطان في أمنيته ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ إنهن لفي الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى قال: فأنزل الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، فقال ابن عباس ﵁: أن أمنيته أن يسلم قومه. (٢) ومن خلال ما مر نعرف أن القصة لا تصح مسندة وما صح إسناده منها فهو مرسل والمرسل من أنواع الضعيف، وإليك بيان كلام العلماء عليه بشيء من التفصيل. الوجه الثاني: الراجح عند أهل العلم أن المرسل ليس بحجة . وبيان ذلك ما يلى: الحديث المرسل: هو الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي فيقول التابعي: قال رسول الله ﷺ . (٣) حكمه: الحديث المرسل ضعيف لا يحتج به عند جمهور المحدثين وكثير من الفقهاء، وأصحاب الأصول والنظر، وذلك للجهل بحال الساقط من السند فإنه يحتمل أن يكون

стр. 3308

غير صحابي، وإذا كان كذلك فيحتمل أن يكون ضعيفًا، وإن اتفق أن يكون المرسل لا يروي إلا عن ثقة فالتوثيق مع الإبهام غير كاف. (١) وقال بعض الأئمة الحديث المرسل صحيح يحتج به، وقيد ابن عبد البر ذلك بما إذا لم يكن مرسله ممن لا يحترز، ويرسل عن غير الثقات فإن كان فلا خلاف في رده. وقال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة: وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتلكم فيها، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل، وغيره، فإذا لم يكن مسند غير المراسيل، ولم يوجد المسند، فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة. وقال الطبري: أجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المئتين. قال ابن عبد البر: كأنه يعني أن الشافعي أول من رده. وقد انتقد بعضهم قول من قال إن الشافعي أول من ترك الاحتجاج بالمرسل، فقد نقل ترك الاحتجاج عن سعيد بن المسيب، وهو من كبار التابعين، ولم ينفرد هو بذلك بل قال به من بينهم ابن سيرين والزهري. (٢) وقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين أنه قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قيل: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم (٣). وقد ترك الاحتجاج بالمرسل ابن مهدي، ويحيى القطان، وغير واحد ممن قبل الشافعي، والذي يمكن نسبته إلى الشافعي في أمر المرسل هو زيادة البحث عنه والتحقيق فيه، وأخرج في الحلية من طريق ابن مهدي، عن ابن لهيعة أنه سمع شيخًا من الخوارج يقول بعدما تاب إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرنا له حديثًا.

стр. 3309

قال ابن حجر: هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الإسلام والصحابة متوافرون ثم في عصر التابعين فمن بعدهم وهؤلاء إذا استحسنوا أمرًا جعلوه حديثًا وأشاعوه، فربما سمع الرجل الشيء فحدث به ولم يذكر من حدثه به تحسينًا للظن فيحمله عنه غيره ويجيء الذي يحتج بالمنقطعات فيحتج به مع كون أصله ما ذكرت. (١) وأما مراسيل الصحابة فحكمها حكم الموصول على المشهور الذي ذهب إليه الجمهور قال ابن الصلاح ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن النبي ﷺ ولم يسمعوه منه لأن ذلك في حكم الموصول المسند لأن روايتهم عن الصحابة والجهالة بالصحابي غير قادحة لأن الصحابة كلهم عدول. قال الحافظ العراقي: وفي قوله: لأن روايتهم عن الصحابة نظر، والصواب أن يقال لأن غالب روايتهم إذ قد سمع جماعة من الصحابة من بعض التابعين. (٢) ولم يذكر ابن الصلاح خلافًا في مرسل الصحابي وفي بعض كتب الأصول أنه لا خلاف في الاحتجاج به، وليس بجيد فقد قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني إنه لا يحتج به، والصواب ما تقدم من الاحتجاج به. وأما مراسيل من أُحضر إلى النبي ﷺ غير مميز كعبيد الله بن عدي بن الخيار فلا يمكن أن يقال إنها مقبولة كمراسيل الصحابة لأن رواية الصحابة إما أن تكون عن النبي ﷺ أو عن صحابي والكل مقبول، واحتمال كون الصحابي الذي أدرك، وسمع يروي عن التابعين بعيد بخلاف مراسيل هؤلاء فإنها عن التابعين بكثرة فقوي احتمال أن يكون الساقط غير صحابي، وجاء احتمال كونه غير ثقة. (٣) وقال ابن حزم: المرسل من الحديث هو الذي سقط بين أحد رواته وبين النبي ﷺ ناقل واحد فصاعدًا وهو المنقطع أيضًا وهو غير مقبول، ولا تقوم به حجة لأنه عن مجهول، وقد

стр. 3310

قدمنا أن من جهلنا حاله ففرض علينا التوقف عن قبول خبره وعن قبول شهادته حتى نعلم حاله، وسواء قال الراوي حدثنا الثقة أو لم يقل لا يجب أن نلتفت إلى ذلك إذ قد يكون عنده ثقة من لا يعلم من جرحته ما يعلم غيره وقد قدمنا أن الجرح أولى من التعديل. وقد وثق سفيان الثوري جابرًا الجعفي، وجابر قد عرف من حاله ما عرف، ولكن قد خفي أمره على سفيان فقال بما ظهر منه إليه، ومرسل سعيد بن المسيب، ومرسل الحسن البصري وغيرهما سواء لا يؤخذ منه شيء. ثم قال ﵀: فواجب على كل أحد أن لا يقبل إلا من عرف اسمه وعرفت عدالته وحفظه، فما أحد ينصح نفسه يثق بحديث مرسل أصلًا. (١) وقال ابن تيمية: قد تنازع الناس في قبول المراسيل وفي ردها، وأصح الأقوال أن منها المقبول ومنها المردود ومنها الموقوف فمن علم من حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة قبل مرسله ومن عرف أنه يرسل عن الثقة وغير الثقة كان إرساله رواية عمن لا يعرف حاله فهذا موقوف، وما كان من المراسيل مخالفًا لما رواه الثقات كان مردودًا، وإذا كان المرسل قد ورد من وجهين وكان كل من الراويين قد أخذ العلم عن غير شيوخ الآخر فهذا يدل على صدقه فإن من أخبر بمثل ما أخبر به الآخر مع العلم بأن واحدًا منهما لم يستفد ذلك من الآخر فإنه يعلم أن الأمر كذلك. (٢) وفي رسالة الشافعي أنه سئل: فهل تقوم بالحديث المنقطع حجة على مَن علمه؟ وهل يختلف المنقطع؟ أو هو وغيره سواءٌ؟ فقال: المنقطع مختلف فمن شاهد أصحاب رسول الله ﷺ من التابعين فحدث حديثًا منقطعًا عن النبي ﷺ اعتبر عليه بأمور: ١ - منها: أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث فإن شركه فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله ﷺ بمثل معنى ما روى كانت هذه دلالة على صحة ما قبل عنه وحفظه. وإن انفرد بإرسال حديث لم يَشركه فيه من يُسنده قُبِل ما ينفرد به من ذلك ويعتبر عليه بأن:

стр. 3311

١ - ينظر هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم فإن وجد ذلك كانت دلالة تقوي له مرسله وهي أضعف من الأولى. ٢ - وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب النبي ﷺ قولًا له فإن وجد يوافق ما روى عن النبي ﷺ كانت في هذا دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل إن شاء الله تعالى. ٣ - وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روى عن النبي ﷺ . ٤ - ثم يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولًا ولا مرغوبًا عن الرواية عنه فيستدل بذلك على صحته فيما يروي عنه. ٥ - ويكون إذا شرك أحدًا من الحفاظ في حديث لم يخالفه فإن خالفه ووجد أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه. ومتى خالف ما وصفت أضر بحديثه حتى لا يسع أحدًا منهم قبول مرسله قال وإن وجدت الدلائل لصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسله ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالمتصل وذلك أن معنى المنقطع مغيب يحتمل أن يكون حمل عمن يرغب عن الرواية عنه إذا سمي وأن بعض المنقطعات وإن وافقه مرسل مثله فقد يحتمل أن يكون مخرجهما واحدا من حديث من لو سمي لم يقبل. وإن قول بعض أصحاب رسول الله ﷺ إذا قال برأيه لو وافقه لم يدل على صحة مخرج الحديث دلالة قوية إذا نظر فيها ويمكن أن يكون إنما غلط به حين سمع قول بعض أصحاب رسول الله ﷺ يوافقه ويحتمل مثل هذا فيمن وافقه من بعض الفقهاء. قال: فأما من بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض أصحاب النبي ﷺ فلا أعلم أحدا منهم يقبل مرسله لأمور: أحدها: أنهم أشد تجوزا فيمن يروون عنه. والآخر: أنهم توجد عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه.

стр. 3312

والآخر: كثرة الإحالة في الأخبار وإذا كثرت الإحالة كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه. اهـ (١) ثم إن السقوط من السند قد يكون واضحا يشترك في معرفته كثيرون من أهل الفن ولا يخفى عليهم وذلك في مثل ما إذا كان الراوي لم يعاصر من روى عنه وقد يكون خفيًا لا يدركه إلا الأئمة الحذاق المطلعون على طرق الأحاديث وعلل الأسانيد والأول يدرك بمعرفة التاريخ لتضمنه التعريف بأوقات مواليد الرواة ووفياتهم وطلبهم وارتحالهم وغير ذلك. وقد ادعى أناس الرواية عن شيوخ أظهر التاريخ كذب دعواهم فيها ولذا عني المحدثون بالتاريخ كثيرًا. ويقال للإسناد الذي يكون السقوط فيه واضحًا المرسل الجلي وللإسناد الذي يكون السقوط فيه خفيا المدلس بالفتح إن كان الإسقاط صادرًا ممن عرف لقاؤه لمن روى عنه والمرسل الخفي إن كان الإسقاط صادرًا ممن عرف معاصرته له ولم يعرف إنه لقيه وهذا على قول من فرق بينهما وجعلهما متباينين وأما من جعل المرسل الخفي داخلًا في المدلس فإنه يعرف المدلس بأنه هو الإسناد الذي يكون السقوط فيه خفيًا. (٢) وقال النووي: مذهب الشافعي والمحققين أن الحديث المرسل إذا روى من جهة أخرى متصلًا احتج به وكان صحيحًا وتبينا برواية الاتصال صحة رواية الإرسال ويكونان صحيحين. (٣) وقال النووي: الحديث المرسل لا يحتج به عندنا وعند جمهور المحدثين وجماعة من الفقهاء وجماهير أصحاب الأصول والنظر وحكاه الحاكم أبو عبد الله بن البيع عن سعيد بن المسيب ومالك وجماعة أهل الحديث وفقهاء الحجاز: وقال أبو حنيفة ومالك في المشهور عنه وأحمد وكثيرون من الفقهاء أو أكثرهم يحتج به ونقله الغزالي عن الجماهير: وقال أبو عمر بن عبد البر وغيره ولا خلاف انه لا يجوز العمل به إذا كان مرسله غير متحرز يرسل عن غير الثقات.

стр. 3313

ودليلنا في رد المرسل مطلقًا أنه إذا كانت رواية المجهول المسمى لا تقبل لجهالة حاله فرواية المرسل أولي لأن المروى عنه محذوف مجهول العين والحال: ثم إن مرادنا بالمرسل هنا ما انقطع إسناده فسقط من رواته واحد فأكثر وخالفنا في حده أكثر المحدثين، فقالوا: هو رواية التابعي عن النبي ﷺ : قال الشافعي ﵀ وأحتج بمرسل كبار التابعين إذا أسند من جهة أخرى أو أرسله من أخذ عن غير رجال الأول ممن يقبل عنه العلم أو وافق قول بعض الصحابة أو أفتى أكثر العلماء بمقتضاه قال ولا أقبل مرسل غير كبار التابعين ولا مرسلهم إلا بالشرط الذي وصفته هذا نص الشافعي في الرسالة وغيرها وكذا نقله عنه الأئمة المحققون من أصحابنا الفقهاء والمحدثين كالبيهقي والخطيب البغدادي وآخرين: ولا فرق في هذا عنده بين مرسل سعيد بن المسيب وغيره هذا هو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون: قال الغزالي: والمختار رده، والدليل أنه لو ذكر شيخه، ولم يعدله وبقي مجهولا عندنا لم نقبله فإذا لم يسمه فالجهل أتم فمن لا يعرف عينه كيف تعرف عدالته. (١) وقال الترمذي: ومن ضعف المرسل فإنه ضعف من قبل أن هؤلاء الأئمة حدثوا عن الثقات وغير الثقات، فإذا روى أحدهم حديثًا وأرسله لعله أخذه عن غير ثقة قد تكلم الحسن البصري في معبد الجهني ثم روى عنه حدثنا بشر بن معاذ البصري حدثنا مرحوم بن عبد العزيز العطار حدثني أبي، وعمي قالا سمعنا الحسن يقول إياكم، ومعبد الجهني فإنه ضال مضل قال أبو عيسى: ويروى عن الشعبي حدثنا الحارث الأعور، وكان كذابا، وقد حدث عنه، وأكثر الفرائض التي ترونها عن علي وغيره هي عنه وقد قال الشعبي: الحارث الأعور علمني الفرائض، وكان من أفرض الناس قال: وسمعت محمد بن بشار يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ألا تعجبون من سفيان بن عيينة لقد تركت لجابر الجعفي بقوله لما حكى عنه أكثر من ألف حديث ثم هو يحدث عنه قال محمد بن بشار: وترك عبد الرحمن بن مهدي حديث جابر الجعفي. وقد احتج بعض أهل العلم بالمرسل أيضًا حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر الكوفي حدثنا سعيد بن عامر عن شعبة عن سليمان الأعمش قال قلت لإبراهيم النخعي أسند لي عن

стр. 3314

عبد الله بن مسعود فقال إبراهيم إذا حدثتك عن رجل عن عبد الله فهو الذي سميت وإذا قلت قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله. (١) وقال ابن حجر: بحد أن ذكر المرسل في أنواع المردود: (وإنما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف لأنه يحتمل أن يكون صحابيًا، ويحتمل أن يكون تابعيًا وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفًا ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمل عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي، وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق، ويتعدد أما بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية، وأما بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وجد في رواية بعض التابعين عن بعض). (٢) ومن قال بالعمل به من أهل العلم نص على شرط، وهو أن لا يكون في الباب شيء يدفعه قال ابن القيم ﵀ في ذكر أصول الإمام أحمد: الأصل الرابع الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه. (٣) وفي صدر (صحيح مسلم): المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة وابن عبد البر - حافظ المغرب - ممن حكى ذلك عن جماعة أصحاب الحديث والاحتجاج به مذهب (مالك) و (أبي حنيفة) وأصحابهما ﵏ في طائفة والله أعلم. (٤) وخلاصة هذا البحث: أن الراجح الذي عليه العمل عند جمهور المحدثين أن المرسل من أنواع الضعيف وأن الخلاف في الاحتجاج بالمرسل إنما هو في أحكام الفروع، ولا يمكن أن يكون جاريًا في أصول العقائد، لأنها لا تثبت إلا بدليل صحيح، وأن تقويته لا بد فيها من شروط سبق ذكرها عن الإمام الشافعي وهذه الشروط لا تتفق على ما صح من الطرق المرسلة لهذه القصة.

стр. 3315

فأما الشرط الأول: وهو أن يكون المرسل أسند من وجه آخر فهذا لا يتفق مع هذه القصة لأن الرواية المسندة شاذة في أصح طرقها وبقية الطرق شديدة الضعف والشاذ وما لم يرو سواء لأن الرواي أخطأ فيه، ومن الواضح أن سبب رد العلماء للشاذ إنما هو ظهور خطأها بسبب المخالفة المذكورة وما ثبت خطؤه فلا يعقل أن يقوى به رواية أخرى في معناها فثبت أن الشاذ والمنكر مما لا يعتد به ولا يستشهد به، بل إن وجوده وعدمه سواء) (١). وأما شديد الضعف لا يزيد الضعيف إلا ضعفًا كحال المريض يستعين بمحتضر فهل يعينه؟ فإذا عدم الشرط الأول فإنه يقبل بشروط أما الأول: فهو أن يأتي مرسلًا عمن أخذ العلم عن غير رجال الأول والذي صح من مراسيل هذا القصة ما يلي: ١ - مرسل سعيد بن جبير ٢ - مرسل أبي العالية ٣ - مرسل أبي بكر بن عبد الرحمن ٤ - مرسل الزهري ٥ - مرسل موسى بن عقبة ٦ - مرسل قتادة. فأما مرسل أبي العالية: فقال العلائي ﵀: ومرسلات أبي العالية ضعيفة روى ابن عدي عن ابن سيرين قال كان ههنا ثلاثة يصدقون كل من حدثهم الحسن وأبو العالية وسمى آخر فبهذا ونحوه تقصر مرتبة المرسل وأن اعتضد بغيره. (٢) وأما مرسل الزهري، وقتادة: فقال القطان مرسل الزهري شر من مرسل غيره لأنه حافظ وكلما قدر أن يسمي سمى وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه وروى عباس الدوري عن يحيى بن معين قال مراسيل الزهري ليست بشيء. (٣) وكان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا ويقول هو بمنزلة الريح. (٤) وأما مرسل موسى بن عقبة: فهذا معضل وليس بمرسل فحسب.

стр. 3316

وما مرسل سعيد: فهو من الثالثة مات سنة (٩٥ هـ)، وقال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول مرسلات سعيد بن جبير أحب إلي من مرسلات عطاء. (١) وهذا لا يعني أنها صحيحة لأن مرسلات عطاء ضعيفة عندهم قال ابن المديني: كان عطاء يأخذ من كل ضرب. (٢) وعليه فهذا من باب ضعيف وأضعف. والله أعلم. وما مرسل أبي بكر بن عبد الرحمن فهو من الثالثة سنة (٩٤ هـ) فهو من نفس طبقة سعيد بن جبير فلا يبعد أن يكون شيخهما واحد ومع قيام هذا الاحتمال لا يتحقق شرط الشافعي في كون المرسل أخذ العلم عن غير شيوخ الأول. وأما بقية الشروط: فلا يتفق منها شيء كذلك وها هي: ١ - وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب النبي ﷺ قولا له فإن وجد يوافق ما روى عن النبي ﷺ كانت في هذا دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل إن شاء الله تعالى. قلت: ولا يصح عن أحد من الصحابة شيء في هذا الأمر فأين كانوا عن مثل هذه القصة على شدة خطرها حتى لم يروها إلا التابعون ولا تصح تسمية صحابي واحد فيها وابن عباس على ضعف الرواية عنه وشذوذها لم يكن ولد عند نزول السورة. ٢ - وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روى عن النبي ﷺ قلت: والموجود عكس ذلك حيث أنكرها أكثر أهل العلم كما سيأتي عنهم. ٣ - ثم يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا ولا مرغوبا عن الرواية عنه فيستدل بذلك على صحته فيما يروي عنه. قلت: ولا يوجد مثل هذا في أحد ممن أرسل هذه القصة كما سبق بيانه. (٣)

стр. 3317

ثم قال الشافعي ﵀ بعد هذه الشروط: ومتى ما خالف ما وصفت أضرَّ بحديثه حتى لا يسع أحدًا منهم قبول مرسله. قال: وإذا وجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسله ولا نستطيع أن نزعُم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالمتَصِل. وذلك أن معنى المنقطع مُغَيَّب يحتمل أن يكون حُمل عن من يُرغب عن الرواية عنه إذا سُمّي وإن بعض المنقطعات - وإن وافقه مرسل مثله - فقد يحتمل أن يكون مخرجها واحدًا من حيث لو سمي لم يُقبل وأن قول بعض أصحاب النبي ﷺ إذا قال برأيه لو وافقه - يدل على صحة مَخرج الحديث دلالةً قوية إذا نُظر فيها، ويمكن أن يكون إنما غلِط به حين سمِع قول بعض أصحاب النبي يوافقه ويحتمل مثل هذا فيمن وافقه من بعض الفقهاء. (١) قال السيوطي بعد هذا الشروط: فإن فقد شرط مما ذكر لم يقبل مرسله فإن وجدت قبل. (٢) ومع التسليم بتحقق هذا الشرط في المرسل: وهو ليس بالأمر الهين فإنه لو تحققنا من وجوده فقد يرد إشكال آخر وهو أنه يحتمل أن يكون كل من الواسطتين أو أكثر ضعيفا وعليه يحتمل أن يكون ضعفهم من النوع الأول الذي ينجبر بمثله الحديث على ما سبق نقله عن ابن الصلاح ويحتمل أن يكون من النوع الآخر الذي لا يقوى الحديث بكثرة طرقه ومع ورود هذه الاحتمالات يسقط الاستدلال بالحديث المرسل وإن تعددت طرقه. (٣) قال الألباني: وبالجملة فالمانع من الاستدلال بالحديث المرسل الذي تعدد مرسلوه أحد الاحتمالين: الأول: أن يكون مصدر المرسلين واحدًا. الثاني: أن يكونوا جمعًا ولكنهم جميعًا ضعفاء ضعفًا شديدًا، وعليه فلو ألقينا النظر على روايات هذه القصة لألفيناها كلها مرسلة حاشا حديث ابن عباس ولكن طرقه كلها واهية شديدة الضعف لا تنجبر بها تلك المراسيل فيبقى النظر في هذه المراسيل وهي كما

стр. 3318

علمت سبعة صح إسناد أربعة منها وهي مرسل سعيد بن جبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبي العالية ومرسل قتادة وهي مراسيل يرد عليها أحد الاحتمالين السابقين لأنهم من طبقة واحدة: فوفاة سعيد بن جبير سنة (٩٥) وأبي بكر بن عبد الرحمن سنة (٩٤) وأبي العالية - واسمه رفيع مصغرًا - سنة (٩٠) وقتادة سنة بضع عشرة ومائة والأول كوفي والثاني مدني والأخيران بصريان. فجائز أن يكون مصدرهم الذي أخذوا منه هذه القصة ورووها عنه واحدا لا غير وهو مجهول وجائز أن يكون جمعا ولكنهم ضعفاء جميعًا فمع هذه الاحتمالات لا يمكن أن تطمئن النفس لقبول حديثهم هذا لا سيما في مثل هذا الحدث العظيم الذي يمس المقام الكريم فلا جرم تتابع العلماء على إنكارها، بل التنديد ببطلانها ولا وجه لذلك من جهة الرواية إلا ما ذكرنا. (١) وأخيرًا نؤكد على مسألة دقيقة في قبول المرسل حتى عند من يقبله لو صح إسناده وهي أن العلماء اشترطوا فيه أن لا يكون مخالفًا لأصول الدين المتفق عليها وهذا إعلال من المتن لا يتوصل إليه إلا بعد البحث في نصوص الباب واستقصاء البحث فيما ورد في المسألة. قال الزيلعي بعد أن رجح مذهبه في قبول المرسل: ومن شروط قبول الأخبار عند الحنفية مسندة كانت أو مرسلة أن لا تشذ عن الأصول المجتمعة عندهم وذلك أن هؤلاء الفقهاء بالغوا في استقصاء موارد النصوص من الكتاب والسنة وأقضية الصحابة إلى أن أرجعوا النظائر المنصوص عليها والمتلقاة بالقبول إلى أصل تتفرع هي منه وقاعدة تندرج تلك النظائر تحتها، وهكذا فعلوا في النظائر الأخرى إلى أن أتموا الفحص والاستقراء فاجتمعت عندهم أصول - موضع بيانها كتب القواعد والفروق - يعرضون عليها أخبار الآحاد (٢).

стр. 3319

فإذا ندت الأخبار عن تلك الأصول وشذت يعدونها مناهضة لما هو أقوى ثبوتا منها وهو الأصل المؤصل من تتبع موارد الشرع الجاري مجرى خبر الكافة والطحاوي كثير المراعاة لهذه القاعدة في كتبه ويظن من لا خبرة عنده أن ذلك ترجيح منه لبعض الروايات على بعضها بالقياس وآفة هذا الشذوذ المعنوي في الغالب كثرة اجتراء الرواة على الرواية بالمعنى بحيث تخل بالمعنى الأصلي وهذه قاعدة دقيقة يتعرف بها البارعون في الفقه مواطن الضعف والنتوء في كثير من الروايات فيرجعون الحق إلى نصابه بعد مضاعفة النظر في ذلك ولهم أيضًا مدارك أخرى في علل الحديث دقيقة لا ينتبه إليها دهماء النقلة وللعمل المتوارث عندهم شأن يختبر به صحة كثير من الأخبار. (١) وفي مقدمة شرح مسند أبي حنيفة: ذكر من أصوله قبول مرسلات الثقات إذا لم يعارضها ما هو أقوى منها. (٢) وقال ابن اللحام: واعتبر الشافعي في المتن أن يسند الحفاظ المأمونون عن النبي ﷺ من وجه آخر معنى ذلك المرسل أو يرسله غيره وشيوخهما مختلفة أو يعضده قول صحابي أو قول عامة العلماء، وكلام أحمد في المرسل قريب من كلام الشافعي. (٣) وقال ابن تيمية: وما كان من المراسيل مخالفًا لما رواه الثقات كان مردودًا. (٤) وإذا كان الأمر كذلك فحري أن نذكر النصوص الشرعية من القرآن والسنة التي تخالف هذا المرسل وهو الوجه الثالث. الوجه الثالث: الأدلة من القرآن على بطلان هذه القصة . أحدها: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. وثانيها: قوله: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥].

стр. 3320

وثالثها: قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤] فلو أنه قرأ عقيب هذه الآية تلك الغرانيق العلى لكان قد ظهر كذب الله تعالى في الحال وذلك لا يقوله مسلم. ورابعها: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)﴾ [الإسراء: ٧٣] وكلمة كاد عند بعضهم معناه قرب أن يكون الأمر كذلك مع أنه لم يحصل، وقال عياض ﵀: ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآيتين، وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفترى، وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى عصمه من أن يفترى وثبته حتى لم يركن إليهم قليلًا فكيف كثيرا وهم يرون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم وأنه قال ﷺ : "افتريت على الله وقلت ما لم يقل" وهذا ضد مفهوم الآية وهى تضعف الحديث لو صح فكيف ولا صحة له؟ وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقد روى عن ابن عباس كل ما في القرآن كاد فهو ما لا يكون قال الله تعالى ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ ولم يذهب وأكاد أخفيها ولم يفعل، قال القشيري القاضي: ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها ووعدوه الإيمان به إن فعل فما فعل ولا كان ليفعل، قال ابن الأنباري: ما قارب الرسول ولا ركن وقد ذكرت في معنى هذه الآية تفاسير أخر ما ذكرناه من نص الله على عصمة رسوله ترد سفسافها فلم يبق في الآية إلا أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته وتثبيته بما كاده به الكفار وراموا من فتنته، ومرادنا من ذلك تنزيهه وعصمته ﷺ وهو مفهوم الآية، وأما المأخذ الثاني فهو مبنى على تسليم الحديث لو صح وقد أعاذنا الله من صحته.

стр. 3321

وخامسها: قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ [الإسراء: ٧٤] وكلمة لولا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره فدل على أن ذلك الركون القليل لم يحصل لأنه نفى المقاربة للركون فضلا عن الركون. وسادسها: قوله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]. وسابعها: قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾. وثامنها: ومن أصرح الأدلة القرآنية في بطلانها أن النبي ﷺ قرأ بعد ذلك في سورة النجم قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ فلو فرضنا أنه قال تلك الغرانيق العلى ثم أبطل ذلك بقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ فكيف يفرح المشركون بعد هذا الإبطال والذم التام لأصنامهم بأنها أسماء بلا مسميات وهذا هو الأخير وقراءته ﷺ سورة النجم بمكة وسجود المشركين ثابت في الصحيح ولم يذكر فيه شيء من قصة الغرانيق. وتاسعها: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٩, ١٠٠] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾ [سبأ: ٢١] الآية وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية. وعلى القول المزعوم أن الشيطان ألقى على لسانه ﷺ ذلك الكفر البواح، فأي سلطان له أكبر من ذلك. وذكر غير واحد أنه يلزم على القول بأن الناطق بذلك النبي ﷺ بسبب إلقاء الشيطان الملبس بالملك أمور. منها تسلط الشيطان عليه ﵊ وهو ﷺ بالإجماع معصوم من الشيطان لا سيما في مثل هذا من أمور الوحي والتبليغ والاعتقاد. العاشرة: قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ [الشعراء: ٢٢١, ٢٢٢].

стр. 3322

الحادية عشرة: وقوله في القرآن العظيم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. الثانية عشرة: وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١, ٤٢] فهذه الآيات القرآنية تدل على بطلان القول المزعوم (١). الثالثة عشرة: أن الله تعالى أخبر أن بيان القرآن على لسان النبي ﷺ موكول إلى الله تعالى كما قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ وعن ابن عباس ﵁ قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾، قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل جبريل بالوحي وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه وكان يعرف منه فأنزل الله الآية التي في ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾. قال علينا أن نجمعه في صدرك ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ فإذا أنزلناه فاستمع ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ علينا أن نبينه بلسانك. قال فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعد الله. (٢) وإذا كان البيان موكولًا إلى الله تعالى فهذا يجعل صحة هذه القصة أمرًا مستحيلًا. وقال الشنقيطي: والحاصل: أن القرآن دل على بطلانها، ولم تثبت من جهة النقل، مع استحالة الإلقاء على لسانه ﷺ لما ذكر شرعًا، ومن أثبتها نسب التلفظ بذلك الكفر للشيطان. فتبين أن نطق النَّبي ﷺ بذلك الكفر، ولو سهوًا مستحيل شرعًا، وقد دل القرآن على بطلانه، وهو باطل قطعًا على كل حال. (٣) الوجه الرابع: الأدلة من السنة على بطلان واستحالة هذه القصة .

стр. 3323

١ - عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: "تَسَمَّوْا بِاسْمِى وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِى، وَمَنْ رَآنِى في الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِى، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ في صُورَتِى، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (١) ومنع الشيطان أن يتصور في خلقته لئلا يكذب على لسانه في النوم كما خرق الله تعالى العادة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالمعجزة وكما استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة (٢). فقوله: "ولا يتمثل الشيطان بي"، قال القسطلاني: هو كالتتميم للمعنى والتعليل للحكم أي لا يحصل له أي للشيطان مثال صورتي ولا يتشبه بي فكما منع الله الشيطان أن يتصور بصورته الكريمة في اليقظة كذلك منعه في المنام لئلا يشتبه الحق بالباطل. (٣) وقال الآلوسي: وإذا لم يتمثل منامًا فلأن لا يتمثل يقظة من باب أولى، وعلله الشراح بلزوم اشتباه الحق بالباطل. اهـ (٤) قلت: فإذا منع الشيطان من التشبه به فمن ذلك صوته وقراءته في تبليغ الوحي للناس فلو حدث لكان فيه أعظم التلبيس على الناس فلأن يمنع الشيطان من ذلك من باب أولى والله أعلم. ٢ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لعمر بن الخطاب ﵁: "وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ" (٥). والحديث محمول على ظاهره أن الشيطان متى رأى عمر سالكا فجا هرب هيبة من عمر، وفارق ذلك الفج، وذهب في فج آخر لشدة خوفه من بأس عمر أن يفعل فيه شيئا

стр. 3324

قال القاضي، ويحتمل أنه ضرب مثلًا لبعد الشيطان وإغوائه منه، وأن عمر في جميع أموره سالك طريق السداد خلاف ما يأمر به الشيطان. (١) قال الحافظ ابن حجر: فيه فضيلة عظيمة لعمر تقتضي أن الشيطان لا سبيل له عليه لا أن ذلك يقتضي وجود العصمة إذ ليس فيه إلا فرار الشيطان منه أن يشاركه في طريق يسلكها ولا منع ذلك من وسوسته له بحسب ما تصل إليه قدرته فإن قيل عدم تسليطه عليه بالوسوسة يؤخذ بطريق مفهوم الموافقة لأنه إذا منع من السلوك في طريق فالأولى أن يلابسه بحيث يتمكن من وسوسته له فيمكن أن يكون حفظ من الشيطان، ولا يلزم من ذلك ثبوت العصمة لأنها في حق النبي واجبة وفي حق غيره ممكنة ووقع في حديث حفصة عند الطبراني في الأوسط بلفظ إن الشيطان لا يلقى عمر منذ أسلم إلا خر بوجهه وهذا دال على صلابته في الدين واستمرار حاله على الجد الصرف والحق المحض. (٢) قلت: وإذا كان هذا لعمر ﵁ وهو ليس بمعصوم فرسول الله به أولى لأنه معصوم من الله ، والله أعلم ٣ - ومما يؤكد ذلك هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه صلى صلاة قال: "إن الشيطان عرض لي فشد علي ليقطع الصلاة علي فأمكنني الله منه فذعته ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه فذكرت قول سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾. فرده الله خاسئًا. (٣) وإذا أمكنه الله منه في الصلاة فأن يحفظه منه في إبلاغ الوحي من باب أولى. ٤ - عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله، قال: وإياي؛ إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير" (٤)

стр. 3325

قال النووي: فأسلم برفع الميم وفتحها وهما روايتان مشهورتان فمن رفع قال معناه أسلم أنا من شره وفتنته ومن فتح قال إن القرين أسلم من الإسلام وصار مؤمنا لا يأمرني إلا بخير. (١) وإذا كان النبي ﷺ سلم من شره فهذا منه ولا بد. الوجه الخامس: الأدلة من المعقول على بطلان القصة . وها هي من وجوه: أحدها: أن من جوز على الرسول ﷺ تعظيم الأوثان فقد كفر لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان. وثانيهما: أنه ﵇ ما كان يمكنه في أول الأمر أن يصلى ويقرأ القرآن عند الكعبة آمنًا أذى المشركين له حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه وإنما كان يصلي إذا لم يحضروها ليلًا أو في أوقات خلوة وذلك يبطل قولهم. وثالثها: أن معاداتهم للرسول كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من القراءة. دون أن يقفوا على حقيقة الأمر، فكيف أجمعوا على أنه عظَّم آلهتهم حتى خروا سجدًا مع أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم. ورابعها: قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ وذلك لأن إحكام الآيات بإزالة ما يلقيه الشيطان عن الرسول أقوى من نسخه بهذه الآيات التي تبقى الشبهة معها، فإذا أراد الله إحكام الآيات لئلا يلتبس ما ليس بقرآن قرآنًا، فبأن يمنع الشيطان من ذلك أصلًا أولى. وخامسها: وهو أقوى الوجوه أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك ويبطل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فإنه لا فرق في العقل بين النقصان عن الوحي وبين الزيادة فيه فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة (٢).

стр. 3326

وسادسها: أنه يمتنع في حق النبي ﷺ أن يتمنى أن ينزل عليه شيء من القرآن في مدح آلهة غير الله لأن ذلك كفر. كما يمتنع في حقه أن يتسود الشيطان عليه، ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي أن من القرآن ما ليس منه حتى يفهمه جبريل ذلك. وسابعها: ويقول العالم الهندي محمد علي: إن قراءة الآيات متسلسلة تظهر أن ليس من المعقول أن تحشر بينها آيات مناقضة لها في أصل العقيدة الإسلامية. وصلب دعوة محمد ﷺ ، دعوة التوحيد. (١) وثامنها: استحالة هذه القصة نظرًا، وعرفا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام متناقض الأقسام ممتزج المدح بالذم متخاذل التأليف، والنظم، ولما كان النبي ﷺ ومن بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن لا يخفى عليه ذلك وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه واتسع في باب البيان فصيح الكلام علمه. وتاسعها: أنه قد علم من عادة المنافقين ومعاندي المشركين وضعفة القلوب، والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي ﷺ لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة، وكذلك ما روى في قصة القضية، ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت فما روى عن معاند فيها كلمة ولا عن مسلم بسببها بنت شفة فدل على بطلها واجتثاث أصلها ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس، أو الجن هذا الحديث على بعض المحدثين ليلبسن به على ضعفاء المسلمين. (٢)

стр. 3327

وعاشرها: أن هناك من النص ذاته ما يستبعد معه أن يكون سبب نزول الآية شيئًا كهذا، وأن يكون مدلوله حادثًا مفردًا وقع للرسول ﷺ فالنص يقرر أن هذه القاعدة في الرسالات كلها مع الرسل كلهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾، فلا بد أن يكون المقصود أمرًا عامًا يستند إلى صفة في الفطرة مشتركة بين الرسل جميعًا، بوصفهم من البشر، مما لا يخالف العصمة المقررة للرسل. (١) الوجه السادس: في ذكر بعض كلام المحققين على هذه القصة: ١ - قال ابن كثير: قد ذكر كثير من المفسرين ها هنا قصة الغَرَانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظَنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا. ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم. (٢) ٢ - قال الآلوسي: وقد أنكر كثير من المحققين هذه القصة. قال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل. وقال القاضي عياض في الشفاء: يكفيك في توهين هذا الحديث أنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند صحيح سليم متصل وإنما أولع به وبمثله المفسرون. والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. وذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي في كتاب حصص الأتقياء الصواب أن قوله: تلك الغرانيق العلا من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة حتى يلقوا بين الضعفاء وأرقاء الدين ليرتابوا في صحة الدين وحضرة الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية. وذكر غير واحد أنه يلزم على القول بأن الناطق بذلك النبي ﷺ بسبب إلقاء الشيطان الملبس بالملك أمور. ١ - منها تسلط الشيطان عليه ﷺ وهو ﷺ بالإجماع معصوم من الشيطان لا سيما في مثل هذا من أمور الوحي والتبليغ والاعتقاد، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ

стр. 3328

سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل: ٩٩] إلى غير ذلك. ٢ - ومنها زيادته ﷺ في القرآن ما ليس منه وذلك مما يستحيل عليه ﷺ لمكان العصمة. ٣ - ومنها اعتقاد النبي ﷺ ما ليس بقرآن أنه قرآن مع كونه بعيد الإلتئام متناقضًا ممتزج المدح بالذم وهو خطأ شنيع لا ينبغي أن يتساهل في نسبته إليه ﷺ . ٤ - ومنها أنه إما أن يكون ﷺ عند نطقه بذلك متعقدًا ما اعتقده المشركون من مدح آلهتهم بتلك الكلمات وهو كفر محال في حقه ﷺ وإما أن يكون معتقدًا معنى آخر مخالفًا لما اعتقدوه ومباينًا لظاهر العبارة ولم يبينه لهم مع فرحهم وادعائهم أنه مدح آلهتهم فيكون مقرًا لهم على الباطل وحاشاه ﷺ أن يقر على ذلك. ٥ - ومنها كونه ﷺ اشتبه عليه ما يلقيه الشيطان بما يلقيه عليه الملك وهو يقتضي أنه عليه ﷺ على غير بصيرة فيما يوحى إليه، ويقتضي أيضًا جواز تصور الشيطان بصورة الملك ملبسًا على النبي ولا يصح ذلك كما قال في الشفاء لا في أول الرسالة ولا بعدها والاعتماد في ذلك دليل المعجزة. وقال ابن العربي: تصور الشيطان في صورة الملك ملبسًا على النبي كتصوره في صورة النبي ملبسًا على الخلق وتسليط الله تعالى له على ذلك كتسليطه في هذا فكيف يسوغ في لب سليم استجازة ذلك. ٦ - ومنها التقول على الله تعالى إما عمدًا أو خطأ أو سهوًا. وكل ذلك محال في حقه ﷺ ، وقد اجتمعت الأمة على ما قال القاضي عياض على عصمته ﷺ فيما كان طريقه البلاغ من الأقوال عن الأخبار بخلاف الواقع لا قصدًا، ولا سهوًا. ٧ - ومنها الإخلال بالوثوق بالقرآن فلا يؤمن فيه التبديل والتغيير، ولا يندفع كما قال البيضاوي بقوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] لأنه أيضًا يحتمل إلى غير ذلك. وذهب إلى صحتها الحافظ ابن حجر. وأجاب عما يلزم على تقدير كون الناطق بذلك النبي ﷺ (بكلام أذكره لبيان ضعفه وتهافته بعد ذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 3329

١ - أما عن الأول فبأن السلطان المنفي عن العباد المخلصين هو الإغواء أعني التلبيس المخل بأمر الدين وهو الذي وقع الإجماع على أن النبي ﷺ معصوم منه وأما غير المخل فلا دليل على نفيه ولا إجماع على العصمة منه وما هنا غير مخل لعدم منافاته للتوحيد كما يبين إن شاء الله تعالى بل فيه تأديب وتصفية وترقية للحبيب الأعظم ﷺ لأنه ﷺ تمنى هدى الكل ولم يكن ذلك مرادًا لله تعالى والأكمل في العبودية فناء إرادته في إرادة الحق سبحانه فليس عليه ﷺ الإلقاء حالة تمني هدى الكل المصادم للقدر والمنافي لما هو الأكمل ليترقى إلى الأكمل، وقد حصل ذلك بهذه المرة، ولذا لم يقع التلبيس مرة أخرى بل كان يرسل بعد من بين يديه ومن خلفه رصد ليعلم أن قد أبلغوا رسالة ربه سبحانه، وفي ترتيب الإلقاء على التمني ما يفهم العتاب عليه! وأما عن الثاني: فبأن المستحيل المنافي للعصمة أن يزيد ﷺ فيه من تلقاء نفسه أي يزيد فيه ما يعلم أنه ليس منه، وما هنا ليس كذلك لأنه ﷺ إنما تبع فيه الإلقاء الملبس عليه في حالة خاصة فقط تأديبًا أن يعود لمثل تلك الحالة. وأما عن الثالث: فبأنه يجوز أن يكون النبي ﷺ نطق به على فهم أنه استفهام إنكاري حذف منه الهمزة أو حكاية عنهم بحذف القول، وحينئذٍ لا يكون بعيد الالتئام، ولا متناقضًا، ولا ممتزج المدح بالذم، ولا بد من التزام أحد الأمرين على تقدير صحة الخبر لمكان العصمة، والنكتة في التعبير كذلك إيهام الذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم أنه ﷺ مدح آلهتهم ويحصل ذلك مراد الله تعالى المشار إليه بقوله سبحانه: ﴿لِيَجْعَلَ﴾ [الحج: ٥٣] الخ. وأما عن الرابع: فبأنا نختار الشق الثاني بناءً على أنه استفهام حذف منه الهمزة أو حكاية بحذف القول، وعلى التقديرين يكون ﷺ معتقدًا لمعنى مخالف لما اعتقدوه؛ ولا يلزم منه التقرير على الباطل لأنه بين بطلان معتقدهم بقوله تعالى بعد: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] فإن ما لم ينزل الله تعالى به

стр. 3330

سلطانًا لا ترجى شفاعته إذ لا شفاعة إلا من بعد إذن إلهي لقوله تعالى بعد: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]. وأما عن الخامس: فبأن هذا الاشتباه في حالة خاصة للتأديب لا يقتضي أن يكون ﷺ على غير بصيرة فيما يوحى إليه في غير تلك الحالة. وأما قول القاضي عياض: لا يصح أن يتصور الشيطان بصورة الملك ويلبس عليه ﷺ فإن أراد به أنه لا يصح أن يلبس تلبيسًا قادحًا فهو مسلم لكنه لم يقع وإن أراد مطلقًا ولو كان غير مخل فلا دليل عليه، ودليل المعجزة إنما ينفي الاشتباه المخل بأمر النبوة المنافي للتوحيد القادح في العصمة وما ذكر غير مخل بل فيه تأديب بما يتضمن تنقية وترقية إلى الأكمل في العبودية. وأما ما ذكر ابن العربي فقياس مع الفارق لأن تصور الشيطان في صورة النبي مطلقًا منفي بالنص الصحيح وتصوره في صورته ملبسًا على الخلق إغواء يعم وهو سلطان منفي بالنص عن المخلصين، وأما تصوره في صورة الملك في حالة خاصة ملبسًا على النبي بما لا يكون منافيًا للتوحيد لما يريد الله تعالى بذلك تأديبًا ولإيهامه خلاف المراد فتنة لقوم فليس من السلطان المنفي ولا بالتصور الممنوع لعدم إخلاله بمقام النبوة. وأما عن السادس: فبأن التقول تكلف القول ومن لا يتبع إلا من يلقى إليه من الله تعالى حقيقة أو اعتقادًا ناشئًا من تلبيس غير مخل لا تكلف للقول عنده فلا تقول على الله تعالى أصلًا؛ وما أشبه هذه القصة بما تضمنه حديث ذي اليدين فالتلبيس عليه ﷺ في الإلقاء في حالة التمني تأديبًا كإيقاع السهو عليه ﷺ في الصلاة باعتقاد التمام تشريعًا، والنطق بما ألقاه الشيطان في حالة خاصة مما لا ينافي التوحيد على أنه قرآن بناءً على اعتقاد أن الملقى ملك تلبيسًا للتأديب كالنطق بالسلام ثم بلم أنس معتقدًا أنه مطابق للواقع بناءً على اعتقاد التمام سهوًا، ووقوع البيان على لسان جبريل ﵇ ثم النسخ والإحكام كوقوع البيان على لسان الصحابي ثم التدارك وسجود السهو فكما أن السهو للتشريع غير قادح في منصب النبوة كذلك الاشتباه في الإلقاء للتأديب غير قادح، وكما أن النطق بلم أنس مع تبين أنه ﷺ قد نسي صدق بناء على اعتقاد التمام سهوًا كذلك النطق بما يلقيه الشيطان في تلك الحالة على أنه قرآن بناءً على اعتقاد
следующие страницы →