وسادسها: أنه يمتنع في حق النبي ﷺ أن يتمنى أن ينزل عليه شيء من القرآن في مدح آلهة غير الله لأن ذلك كفر. كما يمتنع في حقه أن يتسود الشيطان عليه، ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي أن من القرآن ما ليس منه حتى يفهمه جبريل ذلك.
وسابعها: ويقول العالم الهندي محمد علي: إن قراءة الآيات متسلسلة تظهر أن ليس من المعقول أن تحشر بينها آيات مناقضة لها في أصل العقيدة الإسلامية. وصلب دعوة محمد ﷺ ، دعوة التوحيد. (١)
وثامنها: استحالة هذه القصة نظرًا، وعرفا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام متناقض الأقسام ممتزج المدح بالذم متخاذل التأليف، والنظم، ولما كان النبي ﷺ ومن بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن لا يخفى عليه ذلك وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه واتسع في باب البيان فصيح الكلام علمه.
وتاسعها: أنه قد علم من عادة المنافقين ومعاندي المشركين وضعفة القلوب، والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي ﷺ لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة، وكذلك ما روى في قصة القضية، ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت فما روى عن معاند فيها كلمة ولا عن مسلم بسببها بنت شفة فدل على بطلها واجتثاث أصلها ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس، أو الجن هذا الحديث على بعض المحدثين ليلبسن به على ضعفاء المسلمين. (٢)
стр. 3327
وعاشرها: أن هناك من النص ذاته ما يستبعد معه أن يكون سبب نزول الآية شيئًا كهذا، وأن يكون مدلوله حادثًا مفردًا وقع للرسول ﷺ فالنص يقرر أن هذه القاعدة في الرسالات كلها مع الرسل كلهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾، فلا بد أن يكون المقصود أمرًا عامًا يستند إلى صفة في الفطرة مشتركة بين الرسل جميعًا، بوصفهم من البشر، مما لا يخالف العصمة المقررة للرسل. (١)
الوجه السادس: في ذكر بعض كلام المحققين على هذه القصة:
١ - قال ابن كثير: قد ذكر كثير من المفسرين ها هنا قصة الغَرَانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظَنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا. ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم. (٢)
٢ - قال الآلوسي: وقد أنكر كثير من المحققين هذه القصة.
قال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل.
وقال القاضي عياض في الشفاء: يكفيك في توهين هذا الحديث أنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند صحيح سليم متصل وإنما أولع به وبمثله المفسرون. والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم.
وذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي في كتاب حصص الأتقياء الصواب أن قوله: تلك الغرانيق العلا من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة حتى يلقوا بين الضعفاء وأرقاء الدين ليرتابوا في صحة الدين وحضرة الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية.
وذكر غير واحد أنه يلزم على القول بأن الناطق بذلك النبي ﷺ بسبب إلقاء الشيطان الملبس بالملك أمور.
١ - منها تسلط الشيطان عليه ﷺ وهو ﷺ بالإجماع معصوم من الشيطان لا سيما في مثل هذا من أمور الوحي والتبليغ والاعتقاد، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
стр. 3328
سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل: ٩٩] إلى غير ذلك.
٢ - ومنها زيادته ﷺ في القرآن ما ليس منه وذلك مما يستحيل عليه ﷺ لمكان العصمة.
٣ - ومنها اعتقاد النبي ﷺ ما ليس بقرآن أنه قرآن مع كونه بعيد الإلتئام متناقضًا ممتزج المدح بالذم وهو خطأ شنيع لا ينبغي أن يتساهل في نسبته إليه ﷺ .
٤ - ومنها أنه إما أن يكون ﷺ عند نطقه بذلك متعقدًا ما اعتقده المشركون من مدح آلهتهم بتلك الكلمات وهو كفر محال في حقه ﷺ وإما أن يكون معتقدًا معنى آخر مخالفًا لما اعتقدوه ومباينًا لظاهر العبارة ولم يبينه لهم مع فرحهم وادعائهم أنه مدح آلهتهم فيكون مقرًا لهم على الباطل وحاشاه ﷺ أن يقر على ذلك.
٥ - ومنها كونه ﷺ اشتبه عليه ما يلقيه الشيطان بما يلقيه عليه الملك وهو يقتضي أنه عليه ﷺ على غير بصيرة فيما يوحى إليه، ويقتضي أيضًا جواز تصور الشيطان بصورة الملك ملبسًا على النبي ولا يصح ذلك كما قال في الشفاء لا في أول الرسالة ولا بعدها والاعتماد في ذلك دليل المعجزة.
وقال ابن العربي: تصور الشيطان في صورة الملك ملبسًا على النبي كتصوره في صورة النبي ملبسًا على الخلق وتسليط الله تعالى له على ذلك كتسليطه في هذا فكيف يسوغ في لب سليم استجازة ذلك.
٦ - ومنها التقول على الله تعالى إما عمدًا أو خطأ أو سهوًا. وكل ذلك محال في حقه ﷺ ، وقد اجتمعت الأمة على ما قال القاضي عياض على عصمته ﷺ فيما كان طريقه البلاغ من الأقوال عن الأخبار بخلاف الواقع لا قصدًا، ولا سهوًا.
٧ - ومنها الإخلال بالوثوق بالقرآن فلا يؤمن فيه التبديل والتغيير، ولا يندفع كما قال البيضاوي بقوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] لأنه أيضًا يحتمل إلى غير ذلك. وذهب إلى صحتها الحافظ ابن حجر.
وأجاب عما يلزم على تقدير كون الناطق بذلك النبي ﷺ (بكلام أذكره لبيان ضعفه وتهافته بعد ذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 3329
١ - أما عن الأول فبأن السلطان المنفي عن العباد المخلصين هو الإغواء أعني التلبيس المخل بأمر الدين وهو الذي وقع الإجماع على أن النبي ﷺ معصوم منه وأما غير المخل فلا دليل على نفيه ولا إجماع على العصمة منه وما هنا غير مخل لعدم منافاته للتوحيد كما يبين إن شاء الله تعالى بل فيه تأديب وتصفية وترقية للحبيب الأعظم ﷺ لأنه ﷺ تمنى هدى الكل ولم يكن ذلك مرادًا لله تعالى والأكمل في العبودية فناء إرادته في إرادة الحق سبحانه فليس عليه ﷺ الإلقاء حالة تمني هدى الكل المصادم للقدر والمنافي لما هو الأكمل ليترقى إلى الأكمل، وقد حصل ذلك بهذه المرة، ولذا لم يقع التلبيس مرة أخرى بل كان يرسل بعد من بين يديه ومن خلفه رصد ليعلم أن قد أبلغوا رسالة ربه سبحانه، وفي ترتيب الإلقاء على التمني ما يفهم العتاب عليه!
وأما عن الثاني: فبأن المستحيل المنافي للعصمة أن يزيد ﷺ فيه من تلقاء نفسه أي يزيد فيه ما يعلم أنه ليس منه، وما هنا ليس كذلك لأنه ﷺ إنما تبع فيه الإلقاء الملبس عليه في حالة خاصة فقط تأديبًا أن يعود لمثل تلك الحالة.
وأما عن الثالث: فبأنه يجوز أن يكون النبي ﷺ نطق به على فهم أنه استفهام إنكاري حذف منه الهمزة أو حكاية عنهم بحذف القول، وحينئذٍ لا يكون بعيد الالتئام، ولا متناقضًا، ولا ممتزج المدح بالذم، ولا بد من التزام أحد الأمرين على تقدير صحة الخبر لمكان العصمة، والنكتة في التعبير كذلك إيهام الذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم أنه ﷺ مدح آلهتهم ويحصل ذلك مراد الله تعالى المشار إليه بقوله سبحانه: ﴿لِيَجْعَلَ﴾ [الحج: ٥٣] الخ.
وأما عن الرابع: فبأنا نختار الشق الثاني بناءً على أنه استفهام حذف منه الهمزة أو حكاية بحذف القول، وعلى التقديرين يكون ﷺ معتقدًا لمعنى مخالف لما اعتقدوه؛ ولا يلزم منه التقرير على الباطل لأنه بين بطلان معتقدهم بقوله تعالى بعد: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] فإن ما لم ينزل الله تعالى به
стр. 3330
سلطانًا لا ترجى شفاعته إذ لا شفاعة إلا من بعد إذن إلهي لقوله تعالى بعد: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].
وأما عن الخامس: فبأن هذا الاشتباه في حالة خاصة للتأديب لا يقتضي أن يكون ﷺ على غير بصيرة فيما يوحى إليه في غير تلك الحالة.
وأما قول القاضي عياض: لا يصح أن يتصور الشيطان بصورة الملك ويلبس عليه ﷺ فإن أراد به أنه لا يصح أن يلبس تلبيسًا قادحًا فهو مسلم لكنه لم يقع وإن أراد مطلقًا ولو كان غير مخل فلا دليل عليه، ودليل المعجزة إنما ينفي الاشتباه المخل بأمر النبوة المنافي للتوحيد القادح في العصمة وما ذكر غير مخل بل فيه تأديب بما يتضمن تنقية وترقية إلى الأكمل في العبودية. وأما ما ذكر ابن العربي فقياس مع الفارق لأن تصور الشيطان في صورة النبي مطلقًا منفي بالنص الصحيح وتصوره في صورته ملبسًا على الخلق إغواء يعم وهو سلطان منفي بالنص عن المخلصين، وأما تصوره في صورة الملك في حالة خاصة ملبسًا على النبي بما لا يكون منافيًا للتوحيد لما يريد الله تعالى بذلك تأديبًا ولإيهامه خلاف المراد فتنة لقوم فليس من السلطان المنفي ولا بالتصور الممنوع لعدم إخلاله بمقام النبوة.
وأما عن السادس: فبأن التقول تكلف القول ومن لا يتبع إلا من يلقى إليه من الله تعالى حقيقة أو اعتقادًا ناشئًا من تلبيس غير مخل لا تكلف للقول عنده فلا تقول على الله تعالى أصلًا؛ وما أشبه هذه القصة بما تضمنه حديث ذي اليدين فالتلبيس عليه ﷺ في الإلقاء في حالة التمني تأديبًا كإيقاع السهو عليه ﷺ في الصلاة باعتقاد التمام تشريعًا، والنطق بما ألقاه الشيطان في حالة خاصة مما لا ينافي التوحيد على أنه قرآن بناءً على اعتقاد أن الملقى ملك تلبيسًا للتأديب كالنطق بالسلام ثم بلم أنس معتقدًا أنه مطابق للواقع بناءً على اعتقاد التمام سهوًا، ووقوع البيان على لسان جبريل ﵇ ثم النسخ والإحكام كوقوع البيان على لسان الصحابي ثم التدارك وسجود السهو فكما أن السهو للتشريع غير قادح في منصب النبوة كذلك الاشتباه في الإلقاء للتأديب غير قادح، وكما أن النطق بلم أنس مع تبين أنه ﷺ قد نسي صدق بناء على اعتقاد التمام سهوًا كذلك النطق بما يلقيه الشيطان في تلك الحالة على أنه قرآن بناءً على اعتقاد
стр. 3331
أن الملقى ملك صدق ولا شيء من الصدق بالتقول فلا شيء من النطق بما يلقيه الشيطان في تلك الحالة به، وما ذكر عن القاضي عياض من حكاية الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية كما قال الحافظ ابن حجر متعقب.
وأما عن السابع: فبأنه لا إخلال بالوثوق بالقرآن عند الذين أوتوا العلم والذين آمنوا لأن وثوق كل منهما تابع لوثوق متبوعهم الصادق الأمين فإذا جزم بشيء أنه كذا جزموا به وإذا رجع عن شيء بعد الجزم رجعوا كما هو شأنهم في نسخ غير هذا من الآيات التي هي كلام الله تعالى لفظًا ومعنى إذ قبل نسخ ما نسخ لفظه كانوا جازمين بأنهم متعبدون بتلاوته وبعد النسخ جزموا بأنهم ما هم متعبدين بتلاوته، وما نسخ حكمه كانوا جازمين بأنهم مكلفون بحكمه وبعد النسخ جزموا بأنهم ما هم مكلفين به، فقول البيضاوي: إن ذلك لا يندفع بقوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٥٢] الخ لأنه أيضًا يحتمله ليس بشيء، وبيانه أنه إن أراد أنه يحتمله عند الفرق الأربع المذكورة في الآيات وهم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم والذين أوتوا العلم والذين آمنوا فهو ممنوع لدلالة قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ [الحج: ٥٤] على انتفاء الاحتمال عند فريقين من الفرق الأربع بعد النسخ والإحكام، وإن أراد أنه يحتمله في الجملة أي عند بعض دون بعض فهو مسلم وغير مضر لعدم إخلاله بالوثوق بالقرآن عند الذين أوتوا العلم والذين آمنوا، وأما إخلاله بالنسبة إلى الفريقين الآخرين فهو مراد الله .
١ - الرد على الجواب الأول
١ - إن التلبيس بحيث يشتبه الأمر على النبي ﷺ فيعتقد أن الشيطان ملك مخل بمقام النبوة، ونقص فيه فإن الولي الذي هو دونه ﷺ بمراتب لا يكاد يخفى عليه الطائع من العاصي فيدرك نور الطاعة وظلمة المعصية فكيف بمن هو سيد الأنبياء ونور عيون قلوب الأولياء يلتبس عليه من هو محض نور بمن محض ديجور، واشتباه جبريل ﵇ عليه ﷺ في بعض المرات حتى لم يعرفه إلى أن ذهب فقال: "والذي نفسي بيده ما شبه علي منذ أتاني قبل مرتي هذه وما عرفته حتى ولى" إذا صح ليس من قبيل اشتباه الشيطان به ﵇ إذ يجوز أن يكون من اشتباه ملك بملك وكل منهما نوراني، وقد كان يأتيه ﷺ غير جبريل ﵇ من الملائكة الكرام.
стр. 3332
٢ - وأيضًا قال المحققون: إن الأنبياء ﵈ ليس لهم خاطر شيطاني، وكون ذلك ليس منه بل كان مجرد إلقاء على اللسان دون القلب ممنوع ألا ترى أنه قال تعالى: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] دون ألقى الشيطان على لسانه، وتسمية القراءة أمنية لما أن القارئ يقدر الحروف في قلبه أولًا ثم يذكرها شيئًا فشيئًا.
٣ - وأيضًا حفظه ﷺ لذلك إلى أن أمسى كما جاء في بعض الروايات فنبهه عليه جبريل ﵉ يبعد كون الإلقاء على اللسان فقط، على أنا لو سلمنا ذلك وقلنا: إن الشيطان ألقى على لسانه ﷺ ولم يلق في قلبه كما هو شأن الوحي المشار إليه بقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] وقلنا: إن ذلك مما يعقل للزم أن يعلم ﷺ من خلو قلبه واشتغال لسانه أن ذلك ليس من الوحي في شيء ولم يحتج إلى أن يعلمه جبريل ﵇.
٤ - والقول بأنه لبس الحال عليه ﷺ للتأديب والترقية إلى المقام الأكمل في العبودية وهو فناء إرادته ﷺ في إرادة مولاه حيث تمنى إيمان الكل وحرص عليه ولم يكن مراد الله تعالى مما لا ينبغي أن يلتفت إليه لأن القائل به زعم أن التأديب بذلك كان بعد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥] ولا شك أن التأديب به لم يبق، ولم يذر، ولم يقرن بما فيه تسلية أصلًا فإذا قيل، والعياذ بالله تعالى: إن ذلك لم ينجع فكيف ينجع ما دونه، وأيضًا أية دلالة في الآية على التأديب وهي لم تخرج مخرج العتاب بل مخرج التسلية على أبلغ وجه عما كان يفعل المشركون من السعي في إبطال الآيات، ولا نسلم أن ترتيب الإلقاء على التمني مع ما في السباق والسياق مما يدل على التسلية عن ذلك يجدي نفعًا في هذا الباب كما لا يخفى على ذوي الألباب.
٥ - ويرد على قوله: إنه بعد حصول التأديب بما ذكر كان يرسل من بين يديه ومن خلفه رصد يحفظونه من إلقاء الشيطان أنه لم يدل دليل على تخصيص الإرسال بما بعد ذلك بل الظاهر أن ذلك كان في جميع الأوقات فقد أخرج عبد بن حميد. وابن جرير عن الضحاك
стр. 3333
بن مزاحم في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] قال: كان النبي ﷺ إذا بعث إليه الملك بالوحي بعث معه ملائكة يحرسونه من بين يديه ومن خلفه أن يتشبه الشيطان بالملك، وقد ذكروا أن كان في ذلك للاستمرار.
وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: ما جاء جبريل ﵇ بالقرآن إلى النبي ﷺ إلا ومعه أربعة من الملائكة حفظة، وهذا صريح في ذلك ولا شك أن هذا الإلقاء عند من يقول به كان عند نزول الوحي، فقد أخرج ابن جرير. وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس أن النبي ﷺ بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب فجعل يتلوها فسمعه المشركون فقالوا: إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير فدنوا منه فبينما هو يتلوها وهو يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] ألقى الشيطان تلك الغرانيق العلا منها الشفاعة ترتجى فعلى هذا ونحوه يكون الرصد موجودًا مع عدم ترتب أثره عليه؛ والقول بأن جبريل ﵇ ومن معه تنحوا عنه حتى ألقى الشيطان ما ألقى بناءً على ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال في آية الرصد: كان النبي ﷺ قبل أن يلقي الشيطان في أمنيته يدنون منه فلما ألقى الشيطان في أمنيته أمرهم أن يتنحوا عنه قليلًا فإن المراد من قوله: فيه فلما ألقى فلما أراد أن يلقى في حيز المنع وكذا صحة هذا الخبر، ثم أية فائدة في إنزال الرصد إذا لم يحصل به الحفظ بل كيف يسمى رصدًا.
ومما ذكر في هذا الاعتراض يعلم ما في الجواب الثاني من الاعتراض وهو ظاهر:
٢ - وقد يقال: إن إعجاز القرآن معلوم له ﷺ ضرورة كما ذهب إليه أبو الحسن الأشعري، بل قال القاضي: إن كل بليغ أحاط بمذاهب العرب وغرائب الصنعة يعلم ضرورة إعجازه، وذكر أن الإعجاز يتعلق بسورة أو قدرها من الكلام بحيث يتبين فيه تفاضل قوى البلاغة فإذا كانت آية بقدر حروف سورة وإن كانت كسورة الكوثر فهو معجز، وعلى هذا يمتنع أن يأتي الجن والإنس ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا بمقدار أقصر سورة منه تشبهه في البلاغة ومتى أتى أحد بما يزعم فيه ذلك لم تنفق سوقه عند رسول الله ﷺ وكذا عند كل بليغ محيط بما تقدم ولم يخف على الرسول ﷺ ولا على ذلك البليغ عدم
стр. 3334
إعجازه فلا يشتبه عنده بالقرآن أصلًا، ولا شك أن ما ألقى الشيطان على ما في بعض الروايات حروفه بقدر حروف سورة الكوثر بل أزيد إن اعتبر الحرف المشدد بحرفين وهو وإنهن لهن الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى الوارد فيما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب.
وجاء في رواية ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم بسند قال السيوطي: هو صحيح عن أبي العالية أنه ألقى تلك الغرانيق العلا وشفاعتهن ترتجى وترتضى ومثلهن لا ينسى وحروفه أزيد من حروفها إذا لم يعتبر الحرف المشدد في شيء منهما بحرفين أما إذا اعتبر فحروفها أزيد بواحد فإن كان ما ذكر مما يتعلق به الإعجاز فإن كان معجزًا لزم أن يكون من الله تعالى لا من إلقاء عدوه ضرورة عجزه كسائر الجن والإنس عن الإتيان بذلك، وإن لم يكن مما يتعلق به الإعجاز فهو كلام غير يسير يتنبه البليغ الحاذق إذا سمعه أثناء كلام فوقه بمراتب لكونه ليس منه فيبعد كل البعد أن يخفى عليه ﷺ قصور بلاغته عن بلاغة شيء من آيات القرآن سواء قلنا بتفاوتها في البلاغة كما اختاره أبو نصر القشيري وجماعة أم قلنا بعدم التفاوت كما اختاره القاضي فيعتقد أنه قرآن حتى ينبهه جبريل ﵇ لا سيما وقد تكرر على سمعه الشريف سكر الآيات ومازجت لحمه ودمه، والواحد منا وإن لم يكن من البلاغة بمكان إذا ألف شعر شاعر وتكرر على سمعه يعلم إذا دس بيت أو شطر في قصيدة له أن ذلك ليس له وقد يطالب بالدليل فلا يزيد على قوله: لأن النفس مختلف، وهذا البعد متحقق عندي على تقدير كون الملقى ما في الرواية الشائعة وهو تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهم لترتجى أيضًا لا سيما على قول جماعة: إن الإعجاز يتعلق بقليل القرآن وكثيره من الجمل المفيدة لقوله تعالى ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤].
٣ - والقول بأن النبي ﷺ خفي عليه ذلك للتأديب فيه ما فيه، ولا يبعد استحقاق قائله للتأنيب.
ثالثًا: وما ذكره في الجواب عن الثالث من أنه لا بد من حمل الكلام على الاستفهام أو حذف القول وهو دون الأول إذا صح الخبر صحيح لكن إثبات صحة الخبر أشد من خرط القتاد فإن الطاعنين فيه من حيث النقل علماء أجلاء عارفون بالغث والسمين من الإخبار وقد بذلوا الوسع في تحقيق الحق فيه فلم يرووه إلا مردودًا وما ألقى الشيطان إلى
стр. 3335
أوليائه معدودًا وهم أكثر ممن قال بقبوله ومنهم من هو أعلم منه، ويغلب على الظن أنهم وقفوا على رواته في سائر الطرق فرأوهم مجروحين وفات ذلك القائل بالقبول، ولعمري أن القول بأن هذا الخبر مما ألقاه الشيطان على بعض ألسنة الرواة ثم وفق الله تعالى جمعًا من خاصته لإبطاله أهون من القول بأن حديث الغرانيق مما ألقاه الشيطان على لسان رسول الله ﷺ ثم نسخه لا سيما وهو مما لم يتوقف على صحته أمر ديني ولا معنى آية ولا ولا سوى أنها يتوقف عليها حصول شبه في قلوب كثير من ضعفاء المؤمنين لا تكاد تدفع إلا بجهد جهيد، ويؤيد عدم الثبوت مخالفته لظواهر الآيات فقد قال سبحانه في وصف القرآن: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢]، والمراد بالباطل ما كان باطلًا في نفسه وذلك الملقى كذلك وإن سوغ نطق النبي ﷺ به تأويله بأحد التأويلين، والمراد ﴿لَا يَأْتِيهِ﴾ استمرار النفي لا نفي الاستمرار.
وقال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] فجيء بالجملة الاسمية مؤكدة بتأكيدين ونسب فيها الحفظ المحذوف متعلقة إفادة للعموم إلى ضمير العظمة وفي ذلك من الدلالة على الاعتناء بأمر القرآن ما فيه.
وقد استدل بالآية من استدل على حفظ القرآن من الزيادة والنقص وما علينا ما قيل في ذلك، وكون الإلقاء المذكور لا ينافي الحفظ لأنه نسخ ولم يبق إلا زمانًا يسيرًا لا يخلو عن نظر، والظاهر أنه وإن لم يناف الحفظ في الجملة لكنه ينافي الحفظ المشار إليه في الآية على ما يتقضيه ذلك الاعتناء، ثم إن قيل: بما روي عن الضحاك من أن سورة الحج كلها مدنية لزم بقاء ما ألقى الشيطان قرآنًا في اعتقاد رسول الله ﷺ والمؤمنين زمانًا طويلًا والقول بذلك من الشناعة بمكان، وقال : ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤] والظاهر أن الضمير لما ينطق به عليه ﷺ مما يتعلق بالدين، ومن هنا أخرج الدارمي عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: كان جبريل ﵇ ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن.
والمتبادر من لحن الخطاب أن جميع ما ينطق به ﷺ من ذلك ليس عن إلقاء شيطاني كما أنه ليس عن هوى، وبقيت آيات أخر في هذا الباب ظواهرها تدل على المدعي أيضًا،
стр. 3336
وتأويل جميع الظواهر الكثيرة لقول قلة قليلة بصحة الخبر المنافي لها مع قول جم غفير بعد الفحص التام بعدم صحته مما لا يميل إليه القلب السليم ولا يرتضيه ذو الطبع المستقيم، ويبعد القول بثبوته أيضًا عدم إخراج أحد من المشايخ الكبار له في شيء من الكتب الست مع أنه مشتمل على قصة غريبة وفي الطباع ميل إلى سماع الغريب وروايته ومع إخراجهم حديث سجود المشركين معه ﷺ حين سجد آخر النجم، فقد روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وغيرهم عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قرأ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] فسجد فيها وسجد كل من كان معه غير أن شيخًا من قريش أخذ كفًا من حصى أو تراب ورفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا.
وروى البخاري أيضًا والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس إلى غير ذلك، وليس لأحد أن يقول: إن سجود المشركين يدل على أنه كان في السورة ما ظاهره مدح آلهتهم وإلا لما سجدوا لأنا نقول: يجوز أن يكونوا سجدوا لدهشة أصابتهم وخوف اعتراهم عند سماع السورة لما فيها من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾ [النجم: ٥٠ - ٥٤] إلى آخر الآيات فاستشعروا نزول مثل ذلك بهم، ولعلهم لم يسمعوا قبل ذلك مثلها منه ﷺ وهو قائم بين يدي ربه سبحانه في مقام خطير وجمع كثير وقد ظنوا من ترتيب الأمر بالسجود على ما تقدم أن سجودهم ولو لم يكن عن إيمان كاف في دفع ما توهموه، ولا تستبعد خوفهم من سماع مثل ذلك منه ﷺ .
ويمكن أن يقال على بعد: إن سجودهم كان لاستشعار مدح آلهتهم ولا يلزم منه ثبوت ذلك الخبر لجواز أن يكون ذلك الاستشعار من قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] بناءً على أن المفعول محذوف وقدروه حسبما يشتهون أو على أن المفعول ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١)﴾ [النجم: ٢١] وتوهموا أن مصب الإنكار فيه كون المذكورات إناثًا والحب للشيء يعمي وبصم، وليس هذا بأبعد من حملهم تلك الغرانيق
стр. 3337
العلا وإن شفاعتهن لترتجى على المدح حتى سجدوا لذلك آخر السورة مع وقوعه بين ذمين المانع من حمله على المدح في البين كما لا يخفى على من سلمت عين قلبه عن الغين.
رابعًا: واعترض على الجواب الرابع بأن سجودهم كان مع رسول الله ﷺ آخرًا بعد سماع قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم: ٢٣] فكان ينبغي التنبيه بعد السجود، ولعلهم أرجعوا ضمير ﴿هِيَ﴾ للأسماء وهي قولهم اللات والعزى ومناة كما هو أحد احتمالين فيه ذكرهما الزمخشري، فيكون المعنى ما هذه الأسماء إلا أسماء سميتم بها بهواكم وشهوتكم ليس لكم على صحة التسمية بها برهان تتعلقون به، وحينئذٍ لا يكون فيه دليل على رد ما فهموه مما ألقى الشيطان من مدح آلهتهم بأنها الغرانيق العلا، ويحتمل أنهم أولوه على وجه آخر وباب التأويل واسع.
واعترض على قوله في الجواب الخامس: إن هذا الاشتباه في حالة خاصة للتأديب لا يقتضي أن يكون ﷺ على غير بصيرة فيما يوحى إليه في غير تلك الحالة بأن المعترض لم يرد أنه إذا اشتبه الأمر عليه ﷺ مرة يلزم أن يكون على غير بصيرة فيما يوحى إليه في غيرها بل أراد أن اللائق بمقام النبي ﷺ أن يكون على بصيرة في جميع ما يوحى إليه وأنه متى اشتبه عليه ﷺ في حالة من الأحوال لم تبق الكلية كلية وهو خلاف المراد.
وفي التنقيح أن الوحي إما ظاهر أو باطن أما الظاهر فثلاثة أقسام، الأول: ما ثبت بلسان الملك فوقع في سمعه ﷺ بعد علمه بالمبلغ بآية قاطعة والمراد بها كما قال ابن مالك: العلم الضروري بأن المبلغ ملك نازل بالوحي من الله تعالى والقرآن من هذا القبيل.
والثاني: ما وضح له ﷺ بإشارة الملك من غير بيان بالكلام كما قال ﷺ : "إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها. . ." (١)، وهذا يسمى خاطر الملك.
والثالث: ما تبدى لقلبه الشريف بلا شبهة بإلهام من الله تعالى بأن أراه بنور من عنده كما قال تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وكل ذلك حجة مطلقًا بخلاف الإلهام للولي فإنه لا يكون حجة على غيره.
стр. 3338
وأما الباطن فما ينال بالرأي والاجتهاد وفيه خلاف إلى آخر ما قال، وهو ظاهر في أنه ﷺ على بصيرة في جميع ما يوحى إليه من القرآن لأنه جعله من القسم الأول من أقسام الوحي الظاهر، ويعلم منه عدم ثبوت تكلمه ﷺ بما ألقى الشيطان لأنه عند زاعمه يكون قد اعتقده ﷺ قرآنًا ووحيًا من الله تعالى فيجب على ما سمعت أن يكون ﷺ قد علم ذلك علمًا ضروريًا فحيث أنه ليس كذلك في نفس الأمر يلزم انقلاب العلم جهلًا، واستثناء هذه المادة من العموم مما لا دليل عليه عند الزاعم سوى الخبر الذي زعم صحته وبنى عليه تفسير الآية بما فسرها به وذلك أول المسألة.
ودعوى أن التأديب بذلك على غير التمني مما لا تقتضيه الحكمة فلا يمكن وقوعه مما لم يقم عليه دليل، وقصارى ما تفيده الآية أن الإلقاء مشروط بالتمني أو في وقته بناءً على الخلاف في أن ﴿إِذَا﴾ للشرط أو لمجرد الظرفية وعند انتفاء ذلك الشرط أو عدم تحقق ذلك الوقت يبقى الإلقاء على العدم الأصلي إن لم يكن هناك ما يقوم مقام ذلك الشرط أو ذلك الوقت.
ولا شك أن صدور خلاف الأكمل لا سيما إذا كان كالتمني أو فوقه أو وقت صدوره مما يقوم مقام ذلك فيما يقتضيه فيلزم حينئذ أن يكون ﷺ في كل وحي متوقفًا غير جازم بأن وحي لا تلبيس إلى أن يتضح له ﷺ عدم صدور خلاف الأكمل بالنسبة إليه منه وفي ذلك من البشاعة ما فيه.
واعترض على قوله في الجواب أيضًا: إن ما قاله ابن العربي قياس مع الفارق الخ بأنه غير حاسم للقيل والقال إذ لنا أن نقول: خلاصة ما أشار إليه ابن العربي أنه قد صح بل تواتر قوله ﷺ : "من رآني في المنام فقد رآني حقًا فإن الشيطان لا يتمثل بي" والظاهر أنه لا يتمثل به ﷺ أصلًا لا للمخلصين ولا لغيرهم لعموم من ولزوم مطابقة التعليل المعلل وإذا لم يتمثل منامًا فلأن لا يتمثل يقظة من باب أولى، وعلله الشراح بلزوم اشتباه الحق بالباطل.
والنبي ﷺ خلق للهداية فلو ساغ ظهور إبليس بصورته لزال الاعتماد ﷺ فلذلك عصمت صورته ﷺ عن أن يظهر بها شيطان، ولا شك أن نسبة جبريل ﵇ إليه ﷺ وكذا إلى سائر إخوانه الأنبياء ﵈ نسبة النبي ﷺ إلى الأمة فإذا استحال تمثل الشيطان
стр. 3339
بالنبي يقظة أو منامًا لأحد من أمته مخلصًا أو غير مخلص خوف الاشتباه وزوال الاعتماد وكمال التضاد فليقل باستحالة تمثله بجبريل ﵇ لذلك ومن ادعى الفرق فقد كابر.
وتعقب ما ذكره في الجواب السادس بأن كون المتتبع لما يعتقده وحيًا للتلبيس غير منقول صحيح إلا أن القول باعتقاد ما ليس قرآنًا للتلبيس الناشيء عن إرادة التأديب بسبب تمني إيمان الجميع غير المراد له تعالى ليس به، وكون التلبيس للتأديب كالسهو في الصلاة للتشريع لا يخفى ما فيه.
وأورد على قوله في الجواب السابع: إنه لا إخلال بالوثوق بالقرآن عند الذين أوتوا العلم والذي آمنوا لأن وثوق كل منهما تابع لوثوق متبوعهم الصادق الأمين ﷺ أنه إذا فتح باب التلبيس لا يوثق بالوثوق في شيء أصلًا لجواز أن يكون كل وثوق ناشئًا عن تلبيس كالوثوق بأن تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى قرآن فلما تطرق الاحتمال الوثوق جاز أن يتطرق الرجوع ولا يظهر فرق بينهما فلا يعول حينئذ على جزم ولا على رجوع. وقوله فيما ذكره البيضاوي عليه الرحمة: ليس بشيء ليس بشيء لأن منع الاحتمال عند الفرق الأربع بعد القول بجواز التلبيس مكابرة والآية التي ادعى دلالتها على انتفاء الاحتمال عند فريقين بعد النسخ والأحكام فيها أيضًا ذلك الاحتمال، والحق أنه لا يكاد يفتح باب قبول الشرائع ما لم يسد هذا الباب.
ولا يجدي نفعًا كون الحكمة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ آبية عن بقاء التلبيس فلا أقل من أن يتوقف قبول معظم ما يجيء به النبي ﷺ إلى أن يتبين كونه ليس داخلًا في باب التلبيس مع أنا نرى الصحابة ﵃ يسارعون إلى امتثال الأوامر عند إخباره ﷺ إياهم بوحي الله تعالى إليه بها من غير انتظار ما يجيء بعد ذلك فيها مما يحقق أنها ليست عن تلبيس فافهم والله تعالى الموفق.
وتوسط جمع في أمر هذه القصة فلم يثبتوها كما أثبتها الكوراني عفا الله تعالى عنه من أنه ﷺ نطق بما نطق عمدًا معتقدًا للتلبيس أنه وحي حاملًا له على خلاف ظاهره ولم ينفوها بالكلية كما فعل أجلة إثبات وإليه أميل بل أثبتوها على وجه غير الوجه الذي أثبته
стр. 3340
الكوراني واختلفوا فيه على أوجه تعلم مما أسلفناه من نقل الأقوال في الآية وكلها عندي مما لا ينبغي أن يلتفت إليها.
وأقبح الأقوال التي رأيناها في هذا الباب وأظهرها فسادًا أنه ﷺ أدخل تلك الكلمة من تلقاء نفسه حرصًا على إيمان قومه ثم رجع عنها، ويجب على قائل ذلك التوبة ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]، وقريب منه ما قيل إنها كانت قرآنًا منزلًا في وصف الملائكة ﵈ فلما توهم المشركون أنه يريد ﷺ مدح آلهتهم بها نسخت، وأنت تعلم أن تفسير الآية أعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ [الحج: ٥٢] الخ لا يتوقف على ثبوت أصل لهذه القصة، وأقرب ما قيل في تفسيرها على القول بعدم الثبوت ما قدمناه، وقيل: هو بعيد صدقوا لكن عن إيهام الإخلال بمقام النبوة ونحو ذلك، واستفت قلبك إن كنت ذا قلب سليم. (١)
٣ - قال الشوكاني ﵀ بعد ذكر القصة مجملة: ولم يصح شيء من هذا، ولا ثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه. وقال أيضًا: والحاصل: أن جميع الروايات في هذا الباب إما مرسلة أو منقطعة لا تقوم الحجة بشيء منها. (٢)
٤ - وقال ابن الجوزي: قال العلماء المحققون: وهذا لا يصح، لأن رسول الله ﷺ معصوم عن مثل هذا، ولو صح، كان المعنى أن بعض شياطين الإِنس قال تلك الكلمات، فإنهم كانوا إِذا تلا لغطوا، كما قال الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]. (٣)
٥ - وقال الرازي: هذا رواية عامة المفسرين الظاهريين، أما أهل التحقيق فقد قالوا هذه الرواية باطلة موضوعة واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول. (٤)
стр. 3341
٦ - وقال البيضاوي: وهو مردود عند المحققين، وإن صح فابتلاء يتميز به الثابت على الإِيمان عن المتزلزل فيه. (١)
٧ - وقال ابن عاشور: وهي قصة يجدها السامع ضِغثًا على إبَالة، ولا يلقي إليها النِّحرير بالَه. وما رُويت إلا بأسانيد واهية ومنتهاها إلى ذكر قصة، وليس في أحد أسانيدها سماع صحابي لشيء في مجلس النبي ﷺ وسندها إلى ابن عباس سندٌ مطعون على أنّ ابن عباس يوم نزلت سورة النجم كان لا يحضر مجالس النبي ﷺ وهي أخبار آحاد (٢) تعارض أصول الدين لأنها تخالف أصل عصمة الرسول ﷺ للإلتباس عليه في تلقي الوحي. ويكفي تكذيبًا لها قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] وفي معرفة الملكَ. فلو رووها الثقات لوجب رفضها وتأويلها فكيف وهي ضعيفة واهية. وكيف يروج على ذي مُسكة من عقل أن يجْتمع في كلام واحد تسفيهِ المشركين في عبادتهم الأصنام بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] إلى قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] فيقع في خلال ذلك مدحها بأنها "الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى". وهل هذا إلا كلام يلعنُ بعضُه بعضًا. وقد اتفق الحاكون أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم كلها حتى خاتمتِها ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] لأنهم إنما سجدوا حين سجد المسلمون، فدلّ على أنهم سمعوا السورة كلها وما بين آية ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] وبين آخر السورة آيات كثيرة في إبطال الأصنام وغيرها من معبودات المشركين، وتزييف كثير لعقائد المشركين فكيف يصحّ أن المشركين سجدوا من أجل الثناء على آلهتهم. (٣)
فإن لم تكن تلك الأخبار مكذوبة من أصلها فإن تأويلها: أن بعض المشركين وجدوا ذكر اللات والعُزّى فُرصة للدخَل لاختلاق كلمات في مدحهنّ، وهي هذه الكلمات وروّجُوها بين الناس تأنيسًا لأوليائهم من المشركين وإلقاء للريب في قلوب ضعفاء الإيمان وفي "شرح الطيبي على الكشاف" نقلًا عن بعض المؤرّخين: أن كلمات "الغرانيق. . ." (أي
стр. 3342
هذه الجمل) من مفتريات ابن الزِّبعرى. ويؤيد هذا ما رواه الطبري عن الضحاك: "أن النبي ﷺ أنزل عليه قصةُ آلهة العرب، أي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ [النجم: ١٩] الخ؛ فجعَل يتلو: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ (أي الآية المشتملة على هذا) فسمع أهل مكة نبي الله يذكر آلهتهم ففرحوا ودنوا يستمعون فألقَى الشيطان تلك الغرانيق العُلَى مِنها الشفاعة ترتجَى" فإن قوله: "دنوا يستمعون فألقى الشيطان" الخ يؤذن بأنهم لم يسمعوا أول السورة ولا آخرها وأن شيطانهم ألقى تلك الكلمات. ولعل ابن الزبعرى كانت له مقدرة على محاكاة الأصوات وهذه مقدرة توجد في بعض الناس. وكنت أعرف فتى من أترابنا ما يحاكي صوت أحد إلا ظنه السامع أنه صوتُ المُحاكَى.
وأما تركيب تلك القصة على الخبر الذي لست فيه أنّ المشركين سَجدوا في آخر سورة النجم لما سجد المسلمون، وذلك مروي في الصحيح، فذلك من تخليط المؤلفين.
وكذلك تركيب تلك القصة على آية سورة الحجّ. وكم بين نزول سورة النجم التي هي من أوائل السور النازلة بمكة وبين نزول سورة الحج التي بعضها من أول ما نزل بالمدينة وبعضها من آخر ما نزل بمكة.
وكذلك ربط تلك القصة بقصة رجوع من رَجع من مهاجرة الحبشة. وكم بين مدّة نزول سورة النجم وبين سنة رجوع من رجع من مهاجرة الحبشة. (١)
٩ - وقال ابن حزم: (والحديث الذي فيه: وأنهن الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن لترجى. فكذب بحت لم يصلح من طريق النقل ولا معنى للاشتغال به، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد). (٢)
١٠ - قال الشريف الجرجاني: ولقد أخطأ المفسرون في إيداعها في تفاسيرهم إلا من عصمه الله تعالى. (٣)
стр. 3343
١١ - قال القاضي عياض: يكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال لقد بلى الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع إسناده واختلاف كلماته فقائل يقول إنه في الصلاة، وآخر يقول قالها في نادى قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول قالها وقد أصابته سنة، وآخر يقول بل حدث نفسه فيها، وآخر يقول إن الشيطان قالها على لسانه وأن النبي ﷺ لما عرضها على جبريل قال ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول بل أعلمهم الشيطان أن النبي ﷺ قرأها، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك قال والله ما هكذا نزلت، إلى غير ذلك من اختلاف الرواة، ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية، والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال فيما أحسب الشك في الحديث أن النبي ﷺ كان بمكة وذكر القصة.
قال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵁ فقد بين لك أبو بكر ﵀ أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه كما ذكرناه الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه، وأما حديث الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه كما أشار إليه البزار ﵀ والذي منه في الصحيح أن النبي ﷺ قرأ والنجم وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس، هذا توهينه من طريق النقل.
فأما من جهة المعنى فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته ﷺ ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي ﷺ أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل ﵇ وذلك كله ممتنع في حقه ﷺ أو يقول ذلك النبي ﷺ من قبل نفسه عمدًا - وذلك كفر- أو سهوا وهو معصوم من هذا كله وقد قررنا بالبراهين والإجماع
стр. 3344
عصمته ﷺ من جريان الكفر على قلبه أو لسانه لا عمدًا ولا سهوًا أو أن يتشبه عليه ما يلقيه الملك مما يلقى الشيطان أو يكون للشيطان عليه سبيل أو أن يتقول على الله لا عمدا ولا سهوا ما لم ينزل عليه وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤]، وقال تعالى ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٥].
١٢ - قال ابن العربي: اعلموا أنار الله أفئدتكم بنور هداه، ويسر لكم مقصد التوحيد ومغزاه؛ أن الهدى هدى الله، فسبحان من يتفضل به على من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، وقد بينا معنى الآية في فصل تنبيه الغبي على مقدار النبي بما نرجو به عند الله الجزاء الأوفى، في مقام الزلفى، ونحن الآن نجلو بتلك الفصول الغماء، ونرقيكم بها عن حضيض الدهماء، إلى بقاع العلماء في عشر مقامات:
المقام الأول: أن النبي ﷺ إذا أرسل الله إليه الملك بوحيه، فإنه يخلق له العلم به، حتى يتحقق أنه رسول من عنده، ولولا ذلك ما صحت الرسالة، ولا تبينت النبوة، فإذا خلق الله له العلم به تميز عنده من غيره، وثبت اليقين، واستقام سبيل الدين، ولو كان النبي إذا شافهه الملك بالوحي لا يدري أملك هو أم إنسان، أم صورة مخالفة لهذه الأجناس ألقت عليه كلاما، وبلغت إليه قولا لم يصح له أن يقول: إنه من عند الله، ولا ثبت عندنا أنه أمر الله، فهذه سبيل متيقنة، وحالة متحققة، لا بد منها، ولا خلاف في المنقول ولا في المعقول فيها، ولو جاز للشيطان أن يتمثل فيها، أو يتشبه بها ما أمناه على آية، ولا عرفنا منه باطلًا من حقيقة؛ فارتفع بهذا الفصل اللبس، وصح اليقين في النفس.
المقام الثاني: أن الله قد عصم رسوله من الكفر، وأمَّنه من الشرك، واستقر ذلك من دين المسلمين بإجماعهم فيه، وإطباقهم عليه؛ فمن ادعى أنه يجوز عليه أن يكفر بالله، أو يشك فيه طرفة عين، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه؛ بل لا تجوز عليه المعاصي في الأفعال، فضلًا عن أن ينسب إلى الكفر في الاعتقاد؛ بل هو المنزه عن ذلك فعلًا واعتقادًا.
стр. 3345
المقام الثالث: أن الله قد عرف رسوله بنفسه، وبصره بأدلته، وأراه ملكوت سمواته وأرضه، وعرفه سنن من كان قبله من إخوته، فلم يكن يخفى عليه من أمر الله ما نعرفه اليوم، ونحن حثالة أمته؛ ومن خطر له ذلك فهو ممن يمشي مكبا على وجهه، غير عارف بنبيه ولا بربه.
المقام الرابع: تأملوا فتح الله أغلاق النظر عنكم إلى قول الرواة الذين هم بجهلهم أعداء على الإسلام، ممن صرح بعداوته أن النبي ﷺ لما جلس مع قريش تمنى ألا ينزل عليه من الله وحي، فكيف يجوز لمن معه أدنى مُسكة أن يخطر بباله أن النبي ﷺ آثر وصل قومه على وصل ربه، وأراد ألا يقطع أنسه بهم بما ينزل عليه من عند ربه من الوحي الذي كان حياة جسده وقلبه، وأنس وحشته، وغاية أمنيته.
وكان رسول الله ﷺ أجود الناس؛ فإذا جاءه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة فيؤثر على هذا مجالسة الأعداء.
المقام الخامس: أن قول الشيطان تلك الغرانقة العلا، وإن شفاعتها ترتجى للنبي ﷺ قبله منه؛ فالتبس عليه الشيطان بالملك، واختلط عليه التوحيد بالكفر، حتى لم يفرق بينهما.
وأنا من أدنى المؤمنين منزلة، وأقلهم معرفة بما وفقني الله له، وآتاني من علمه، لا يخفى علي وعليكم أن هذا كفر لا يجوز وروده من عند الله.
ولو قاله أحد لكم لتبادر الكل إليه قبل التفكير بالإنكار والردع، والتثريب والتشنيع، فضلا عن أن يجهل النبي ﷺ حال القول، ويخفى عليه قوله، ولا يتفطن لصفة الأصنام بأنها الغرانقة العلا، وأن شفاعتها ترتجى.
وقد علم علمًا ضروريًا أنها جمادات لا تسمع ولا تبصر، ولا تنطق ولا تضر، ولا تنفع ولا تنصر ولا تشفع، بهذا كان يأتيه جبريل الصباح والمساء، وعليه انبنى التوحيد، ولا يجوز نسخه من جهة المعقول ولا من جهة المنقول، فكيف يخفى هذا على الرسول؟ ثم لم يكف هذا حتى قالوا: إن جبريل ﵇ لما عاد إليه بعد ذلك ليعارضه فيما ألقى إليه الوحي كررها عليه جاهلًا بها تعالى الله عن ذلك فحينئذ أنكرها عليه جبريل، وقال له: ما جئتك بهذه.
стр. 3346
فحزن النبي ﷺ لذلك، وأنزل عليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)﴾، فيا لله والمتعلمين والعالمين من شيخ فاسد وسوس هامد، لا يعلم أن هذه الآية نافية لما زعموا، مبطلة لما رووا وتقولوا.
وهو المقام السادس: وذلك أن كاد يكون كذا: معناه قارب ولم يكن؛ فأخبر الله في هذه.
وهو المقام السابع: ولم يفتر، ولو فتنوك وافتريت لاتخذوك خليلا، فلم تفتتن ولا افتريت، ولا عدوك خليلًا. ولولا أن ثبتناك.
وهو المقام الثامن: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾؛ فأخبر الله أنه ثبته، وقرر التوحيد والمعرفة في قلبه، وضرب عليه سرادق العصمة، وآواه في كنف الحرمة. ولو وكله إلى نفسه، ورفع عنه ظل عصمته لحظة لألممت بما راموه، ولكنا أمرنا عليك بالمحافظة، وأشرقنا بنور الهداية فؤادك، فاستبصر وأزح عنك الباطل، وادحر.
فهذه الآية نص في عصمته من كل ما نسب إليه، فكيف يتأولها أحد؟ عدوا عما نسب من الباطل إليه.
المقام التاسع: قوله: فما زال مهمومًا حتى نزلت عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢].
فأما غمه وحزنه فبأن تمكن الشيطان مما تمكن، مما يأتي بيانه؛ وكان ﷺ يعز عليه أن ينال الشيطان منه شيئًا وإن قل تأثيره.
المقام العاشر: أن هذه الآية نص في غرضنا، دليل على صحة مذهبنا، أصل في براءة النبي ﷺ مما نسب إليه أنه قاله عندنا، وذلك أنه قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ فأخبر الله تعالى أن من سنته في رسله وسيرته في أنبيائه أنهم إذا قالوا عن الله قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، كما يفعل سائر المعاصي، كما تقول: ألقيت في الدار كذا، وألقيت في الكيس كذا.
فهذا نص في أن الشيطان زاد في الذي قاله النبي ﷺ لا أن النبي قاله؛ وذلك أن النبي ﷺ كان إذا قرأ تلا قرآنًا مقطعًا، وسكت في مقاطع الآي سكوتًا محصلًا، وكذلك كان
стр. 3347
حديثه مترسلا متأنيا، فيتبع الشيطان تلك السكتات التي بين قوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ وبين قوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١)﴾، فقال يحاكي صوت النبي ﷺ : وإنهن الغرانقة العلا، وإن شفاعتهن لترتجى.
فأما المشركون، والذين في قلوبهم مرض لقلة البصيرة وفساد السريرة فتلوها عن النبي ﷺ ونسبوها بجهلهم إليه، حتى سجدوا معه اعتقادا أنه معهم، وعلم الذين أوتوا العلم والإيمان أن القرآن حق من عند الله فيؤمنون به، ويرفضون غيره، وتجيب قلوبهم إلى الحق، وتنفر عن الباطل؛ وكل ذلك ابتلاء من الله ومحنة. فأين هذا من قولهم وليس في القرآن إلا غاية البيان بصيانة النبي ﷺ في الإسرار والإعلان عن الشك والكفران.
وقد أوعدنا إليكم توصية أن تجعلوا القرآن إمامكم، وحروفه أمامكم، فلا تحملوا عليها ما ليس فيها، ولا تربطوا فيها ما ليس منها، وما هدي لهذا إلا الطبري بجلالة قدره، وصفاء فكره، وسعة باعه في العلم، وشدة ساعده وذراعه في النظر، وكأنه أشار إلى هذا الغرض، وصوب على هذا المرمى فقرطس بعدما ذكر في ذلك روايات كثيرة كلها باطلة، لا أصل لها، ولو شاء ربك لما رواها أحد ولا سطرها، ولكنه فعال لما يريد، عصمنا الله وإياكم بالتوفيق والتسديد، وجعلنا من أهل التوحيد بفضله ورحمته. (١)
١٢ - قال الألباني ﵀ بعد ذكر روايات القصة وردها: بيان بطلان القصة متنًا: تلك هي روايات القصة وهي كلها كما رأيت معلة بالإرسال والضعف والجهالة فليس فيها ما يصلح للاحتجاج به لا سيما في مثل هذا الأمر الخطير. ثم إن مما يؤكد ضعفها بل بطلانها ما فيها من الاختلاف والنكارة مما لا يليق بمقام النبوة والرسالة، وإليك البيان:
أولًا: في الروايات كلها أو جلها أن الشيطان تكلم على لسان النبي ﷺ بتلك الجملة الباطلة التي تمدح أصنام المشركين" تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى.
ثانيًا: وفي بعضها: "والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاء به عن ربهم ولا يتهمونه على خطأ وهم" ففي هذا أن المؤمنين سمعوا ذلك منه ﷺ ولم يشعروا بأنه من إلقاء الشيطان
стр. 3348
بل اعتقدوا أنه من وحي الرحمن بينما تقول الرواية السادسة: "ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان" فهذه خلاف تلك
ثالثًا: وفي بعضها كالرواية: أن النبي ﷺ بقي مدة لا يدري أن ذلك من الشيطان حتى قال له جبريل: "معاذ الله لم آتك بهذا هذا من الشيطان"
رابعًا: وفي بعضها أنه ﷺ سها حتى قال ذلك فلو كان كذلك أفلا ينتبه من سهوه؟
خامسًا: وفي بعضها: أن ذلك ألقي عليه وهو يصلي
سادسًا: وفي بعضها أنه ﷺ تمنى أن لا ينزل عليه شيء من الوحي يعيب آلهة المشركين لئلا ينفروا عنه.
سابعًا: وفي الرواية (٤ و ٦ و ٩) أنه ﷺ قال عندما أنكر جبريل ذلك عليه "افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل وشركني الشيطان في أمر الله"
فهذه طامات يجب تنزيه الرسول منها لا سيما هذا الأخير منها فإنه لو كان صحيحا لصدق فيه ﵇ وحاشاه - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. فثبت مما تقدم بطلان هذه القصة سندا ومتنا. والحمد لله على توفيقه وهدايته. (١)
١٢ - قال ابن حزم ﵀: وأما الحديث الذي فيه وأنهن الغرانيق العلى وأن شفاعتها لترتجى فكذب بحت موضوع لأنه لم يصح قط من طريق النقل ولا معنى للاشتغال به إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد. (٢)
وهذه الاضطرابات في متنها تدل على ضعفها.
الوجه السادس [*]: الاضطراب في متن الرواية
كما أشار إليه القاضي عياض في كلامه السابق، وكذا الألباني وقد سبق النقل عنهما، وإذا ثبت ضعف الرواية إسنادًا وردها من جهة المتن لعلة الاضطراب فلا حاجة للتأويل.
стр. 3349
الوجه السابع: ولكن أهل العلم أجابوا عنها على فرض صحتها وقد أعاذنا الله من صحتها وهذه أجوبتهم عنها على فرض الصحة
الأول: أن هذه الشائعة التي أشيعت بين المشركين في أول الإسلام، إنما هي من اختلاقات المستهزئين من سفهاء الأحلام بمكة مثل ابن الزبعرى، وأنهم عمدوا إلى آية ذُكرت فيها اللات والعُزّى ومناةَ فركّبوا عليها كلمات أخرى لإلقاء الفتنة في الناس وإنما خَصُّوا سورة النجم بهذه المرجَفة لأنهم حَضروا قراءتها في المسجد الحرام وتعلقت بأذهانهم وتطلبًا لإيجاد المعذرة لهم بين قومهم على سجودهم فيها الذي جعله الله معجزة ﷺ . (١)
الثاني: أنه ﷺ سكت عند قوله ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ فتكلم الشيطان بهذه الكلمات متصلًا بقراءة النبي ﷺ فوقع عند بعضهم أنه ﷺ هو الذي تكلم بها، فيكون هذا إلقاء في قراءة النبي ﷺ وكان الشيطان يتكلم في زمن النبي ﷺ ويسمع كلامه، فقد رُوي أنه نادى يوم أحد ألا إن محمدًا قد قتل، وقال يوم بدر: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]. (٢)
وقال عياض: والذي يظهر ويترجح في تأويله عند المحققين على تسليمه أن النبي ﷺ كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلا، ويفصل الآى تفصيلا في قراءته كما رواه الثقات عنه فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات، ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات محاكيا نغمة النبي ﷺ بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار فظنوها من قول النبي ﷺ ، وأشاعوها، ولم يقدح ذلك عند المسلمين بحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتحققهم من حال النبي ﷺ في ذم الأوثان، وعيبها عرف منه وقد حكى موسى بن عقبة في مغازيه نحو هذا، وقال إن المسلمين لم يسمعوها، وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين، وقلوبهم، ويكون ما روى من حزن النبي ﷺ لهذه الإشاعة، والشبهة، وسبب هذه الفتنة وقد قال الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية فمعنى تمنى:
стр. 3350
تلا، قال الله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ أي تلاوة وقوله (﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي يذهبه ويزيل اللبس به ويحكم آياته. (١)
الثالث: أن يكون النبي ﷺ قاله تقريرًا وتوبيخًا للكفار كقول إبراهيم ﵇ هذا ربى على أحد التأويلات وكقوله بل فعله كبيرهم هذا بعد السكت وبيان الفصل بين الكلامين ثم رجع إلى تلاوته وهذا يمكن مع بيان الفصل وقرينة تدل على المراد وأنه ليس من المتلو. (٢)
الرابع: أن يكون المراد بالغرانقة العلى الملائكة
قال القاضي عياض: وبهذا فسر الكلبي الغرانقة أنها الملائكة وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون الأوثان والملائكة بنات الله كما حكى الله عنهم، ورد عليهم في هذه السورة بقوله ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١)﴾ فأنكر الله كل هذا من قولهم ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح فلما تأوله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتهم وليس عليهم الشيطان ذلك وزينه في قلوبهم، وألقاه إليهم نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم آياته ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين، وجد الشيطان بهما سبيلا للإلباس كما نسخ كثير من القرآن، ورفعت تلاوته، وكان في إنزال الله تعالى لذلك حكمة وفى نسخة حكمة ليضل به من يشاء، ويهدى من يشاء، وما يضل به إلا الفاسقين، و ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣)
الخامس: وقيل إن النبي ﷺ لما قرأ هذه السورة وبلغ ذكرت اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى خاف الكفار أن يأتي بشيء من ذمها فسبقوا إلى مدحها بتلك الكلمتين ليخلطوا في تلاوة النبي ﷺ ويشنعوا عليه على عادتهم وقولهم ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ ونسب هذا الفعل إلى الشيطان لحمله لهم عليه وأشاعوا ذلك وأذاعوه وأن النبي ﷺ
стр. 3351
قاله فحزن لذلك من كذبهم، وافترائهم عليه فسلاه الله تعالى بقوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية، وبين للناس الحق من ذلك من الباطل، وحفظ القرآن، وأحكم آياته ودفع ما لبس به العدو كما ضمنه تعالى من قوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. (١)
السادس: أن الذي قال ذلك رجل منهم قلد صوته ﷺ عند التلاوة فظنوها من كلامه ﷺ
وكان ذلك بحضرة الجمع الكثير من قريش في المسجد الحرام فقال سائر الكفار الذين كانوا بالبعد منه إن محمدا قد مدح آلهتنا وظنوا أن ذلك كان في تلاوته فأبطل الله ذلك من قولهم وبين أن النبي ﷺ لم يتله وإنما تلاه بعض المشركين وسمى الذي القى ذلك في حال تلاوة النبي ﷺ شيطانا لأنه كان من شياطين الإنس كما قال تعالى شياطين الإنس والجن والشيطان اسم لكل متمرد عات من الجن والإنس. (٢)
السابع: أن يكون صدور مثل هذا وإتباعه بنسخه مع بيان الكل من النبي ﷺ دليل على صدقه وأمانته لأنه لم يكتم مثل هذا.
قال ابن تيمية ﵀: ومن جوز ذلك قال إذا حصل البيان ونسخ ما ألقى الشيطان لم يكن في ذلك محذور وكان ذلك دليلًا على صدقه وأمانته وديانته وأنه غير متبع هواه ولا مصر على غير الحق كفعل طالب الرياسة المصر على خطئه وإذا كان نسخ ما جزم بأن الله أنزله لا محذور فيه فنسخ مثل هذا أولى أن لا يكون فيه محذور (٣)، وعلى هذا فالعصمة المتفق عليها أنه لا يقر على خطأ في التبليغ بالإجماع. (٤)
ومما تقدم يتبين أن روايات قصة الغرانيق ليست صحيحة وأنه ليس للشيطان سلطان أن يلقي على لسان النبي ﷺ شيئا من الباطل فيتلوه أو يتكلم به، وربما ألقى الشيطان قولا أثناء تلاوة النبي ﷺ يتكلم به الشيطان ويسمعه الحاضرون، أو يوسوس الشيطان وساوس
стр. 3352
يلقيها في نفوس الكفار ومرضى القلوب من المنافقين فيحسبها أولئك من الوحي وليست منه فيبطل الله ذلك القول الشيطاني ويزيل الشبه ويحكم آياته.
فإن قيل إذا كان الأمر على ما وصفت فما هو معنى الآية؟ وما هو سبب النزول؟
فالجواب من كلام العلماء ما يلي:
١ - قال الشوكاني: وإذا تقرّر لك بطلان ذلك عرفت أن معنى ﴿تَمَنَّى﴾: قرأ وتلا، كما قدّمنا من حكاية الواحدي لذلك عن المفسرين. وكذا قال البغوي: إن أكثر المفسرين قالوا معنى ﴿تَمَنَّى﴾: تلا، وقرأ كتاب الله، ومعنى ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي في تلاوته وقراءته. قال ابن جرير: هذا القول أشبه بتأويل الكلام، ويؤيد هذا ما تقدّم في تفسير قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]. وقيل: معنى ﴿تَمَنَّى﴾: حدّث، ومعنى ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ في حديثه، روي هذا عن ابن عباس، وقيل: معنى ﴿تَمَنَّى﴾: قال فحاصل معنى الآية: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك من دون أن يتكلم به رسول الله ﷺ ، ولا جرى على لسانه، فتكون هذه الآية تسلية لرسول الله ﷺ ، أي لا يهولنك ذلك ولا يحزنك، فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين، والأنبياء، وعلى تقدير أن معنى ﴿تَمَنَّى﴾: حدّث نفسه كما حكاه الفرّاء والكسائي فإنهما قالا: تمنى إذا حدّث نفسه، فالمعنى: أنه إذا حدّث نفسه بشيء تكلم به الشيطان وألقاه في مسامع الناس من دون أن يتكلم به رسول الله ﷺ ولا جرى على لسانه. قال ابن عطية: لا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة وقعت بها الفتنة. (١)
٢ - وأوضح من هذا ما قاله الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى: والتمنّي: كلمة مشهورة، وحقيقتها: طلب الشيء العسير حصولُه. والأمنية: الشيء المتمنّى. وإنما يتمنى الرسل والأنبياء أن يكون قومهم كلُّهم صالحين مهتدين، والاستثناءُ من عمومِ أحوال تابعة لعموم أصحابها وهو ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾، أي ما أرسلناهم في حال من الأحوال
стр. 3353
إلّا في حالِ إذا تمنّى أحدُهم أمنية ألقى الشيطان فيها الخ، أي في حال حصول الإلقاء عند حصول التمني لأنّ أماني الأنبياء خيرٌ محض والشيطان دأبُه الإفساد وتعطيل الخير.
والقصر المستفاد من النفي والاستثناء قصر موصوف على صفة، وهو قصر إضافي، أي دون أن نرسل أحدًا منهم في حال الخلو من إلقاء الشيطان، ومكره.
والإلقاء حقيقته: رمي الشيء من اليد. واستعير هنا للوسوسة، وتسويل الفساد تشبيهًا للتسويل بإلقاء شيء من اليد بين الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧) وقوله: ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾ [النحل: ٨٦] وكقوله تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا﴾ [طه: ٩٦] على ما حققناه فيما مضى.
ومفعول ﴿أَلْقَى﴾ محذوف دل عليه المقام لأنّ الشيطان إنما يلقي الشر والفساد، فإسناد التمني إلى الأنبياء دل على أنه تمنّي الهدى والصلاح، وإسناد الإلقاء إلى الشيطان دلّ على أنه إلقاء الضلال، والفساد. فالتقدير: أدخل الشيطان في نفوس الأقوام ضلالات تفسد ما قاله الأنبياء من الإرشاد.
ومعنى إلقاء الشيطان في أمنية النبي والرسول إلقاء ما يضادُّها، كمن يمكر فيلقى السمّ في الدّسم، فإلقاء الشيطان بوسوسته: أن يأمر الناس بالتكذيب، والعصيان، ويلقي في قلوب أئمة الكفر مطاعن يبثونها في قومهم، ويروّج الشبهات بإلقاء الشكوك التي تصرف نظر العقل عن تذكر البُرهان، والله تعالى يُعيد الإرشاد ويكرّر الهدي على لسان النبي، ويفضح وساوس الشيطان وسوءَ فعله بالبيان الواضح كقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]. فالله بهديهِ، وبيانه ينسخ ما يُلقِي الشيطان، أي يزيل الشبهات التي يلقيها الشيطان ببيان الله الواضح، ويزيد آيات دعوة رسله بيانًا، وذلك هو إحكام آياته، أي تحقيقها، وتثبيت مدلولها، وتوضيحها بما لا شبهة بعده إلا لمن رِين على قلبه، وقد فسر كثيرٌ من المفسرين ﴿تَمَنَّى﴾ بمعنى قَرَأ، وتبعهم أصحاب كتب اللغة وذكروا بيتًا نسبوه إلى حسّان
стр. 3354
بن ثابت وذكروا قصة بروايات ضعيفة سنذكرها. وأيّا ما كان فالقول فيه هو، والقول في تفسير التمني بالمعنى المشهور سواءٌ، أي إذا قرأ على الناس ما أنزل إليه ليهتدوا به ألقَى الشيطان في أمنيته، أي في قراءته، أي وسوس لهم في نفوسهم ما يناقضه وينافيه بوسوسته للناس التكذيب والإعراض عن التدبر. فشبه تسويل الشيطان بوسوسته للكافرين عدمَ امتثال النبي بإلقاء شيء في شيء لخلطه وإفساده.
وعندي في صحة إطلاق لفظ الأمنية على القراءة شك عظيم، فإنه وإن كان قد ورد تمنّى بمعنى قرأ في بيت نسب إلى حسّان بن ثابت إن صحت رواية البيت عن حسان على اختلاف في مصراعه الأخير:
تمنى كتاب الله أولَ ليله ... تمنيَ داوود الزبورَ على مَهل
فلا أظن أن القراءة يقال لها أمنية.
وجه آخر في معنى الآية: ويجوز أن يكون المعنى أن النبي إذا تمنّى هدْي قومه أو حرَص على ذلك فلقي منهم العناد، وتمنّى حصول هداهم بكل وسيلة ألقى الشيطان في نفس النبي خاطر اليأس من هداهم عسى أن يُقْصر النبيءُ من حرصه أو أن يضجره، وهي خواطر تلوح في النفس ولكن العصمة تعترضها فلا يلبث ذلك الخاطر أن ينقشع ويرسخ في نفس الرسول ما كلّف به من الدأب على الدعوة والحرص على الرشد. فيكون معنى الآية على هذا الوجه ملوّحًا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام: ٣٥].
و﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ للترتيب الرتبي، لأنّ إحكام الآيات وتقريرها أهمّ من نَسخ ما يُلقي الشيطان إذ بالإحكام يتضح الهُدى ويزدادُ ما يلقيه الشيطان نسخًا. وجملة ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ معترضة.
ومعنى هذه الآية: أن الأنبياء والرسل يرجون اهتداء قومهم ما استطاعوا فيبلغونهم ما ينزل إليهم من الله ويعظونهم ويدعونهم بالحجة والمجادلة الحسنة حتى يظنوا أن أمنيتهم
стр. 3355
قد نجحت ويقترب القوم من الإيمان، كما حكى الله عن المشركين قولهم: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾ [الفرقان: ٤٢] فيأتي الشيطان فلا يزال يوسوس في نفوس الكفار فينكصون على أعقابهم، وتلك الوساوس ضروب شتى من تذكيرهم بحب آلهتهم، ومن تخويفهم بسوء عاقبة نبذ دينهم، ونحو ذلك من ضروب الضلالات التي حُكيت عنهم في تفاصيل القرآن، فيتمسك أهل الضلالة بدينهم ويصدّون عن دعوة رسلهم، وذلك هو الصبر الذي في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤٢] وقوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦]. وكلما أفسد الشيطان دعوة الرّسل أمرَ الله رسلَه فعاودوا الإرشاد وكرروه وهو سبب تكرر مواعظ متماثلة في القرآن، فبتلك المعاودة يُنسخ ما ألقاه الشيطان وتُثبت الآيات السالفة. فالنسخ: الإزالة، والإحكام: التثبيت. وفي كلتا الجملتين حذف مضاف، أي ينسخ آثارَ ما يُلقي الشيطان، ويُحكم آثارَ آياته. (١)
وهناك وجه ثالث أورده صاحب الظلال فقال: إن الرسل عندما يكلفون حمل الرسالة إلى الناس، يكون أحب شيء إلى نفوسهم أن يجتمع الناس على الدعوة، وأن يدركوا الخير الذي جاءوهم به من عند الله فيتبعوه. . ولكن العقبات في طريق الدعوات كثيرة. والرسل بشر محدودو الأجل. وهم يحسون هذا ويعلمونه. فيتمنون لو يجذبون الناس إلى دعوتهم بأسرع طريق. . يودون مثلًا لو هادنوا الناس فيما يعز على الناس أن يتركوه من عادات، وتقاليد، وموروثات، فيسكتوا عنها مؤقتًا لعل الناس أن يفيئوا إلى الهدى، فإذ دخلوا فيه أمكن صرفهم عن تلك الموروثات العزيزة! ، ويودون مثلًا لو جاروهم في شيء يسير من رغبات نفوسهم رجاء استدراجهم إلى العقيدة، على أمل أن تتم فيما بعد تربيتهم الصحيحة التي تطرد هذه الرغبات المألوفة! ، ويودون. من مثل هذه الأماني، والرغبات البشرية المتعلقة بنشر الدعوة وانتصارها. . ذلك على حين يريد الله أن تمضي الدعوة على أصولها الكاملة، وفق موازينها الدقيقة، ثم من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. فالكسب
стр. 3356
الحقيقي للدعوة في التقدير الإلهي الكامل غير المشوب بضعف البشر، وتقديرهم هو أن تمضي على تلك الأصول وفق تلك الموازين، ولو خسرت الأشخاص في أول الطريق. فالاستقامة الدقيقة الصارمة على أصول الدعوة ومقاييسها كفيل أن يثني هؤلاء الأشخاص أو من هم خير منهم إلى الدعوة في نهاية المطاف، وتبقى مثل الدعوة سليمة لا تخدش، مستقيمة لا عوج فيها، ولا انحناء.
ويجد الشيطان في تلك الرغبات البشرية، وفي بعض ما يترجم عنها من تصرفات أو كلمات، فرصة للكيد للدعوة، وتحويلها عن قواعدها، وإلقاء الشبهات حولها في النفوس. ولكن الله يحول دون كيد الشيطان، ويبين الحكم الفاصل فيما وقع من تصرفات أو كلمات، ويكلف الرسل أن يكشفوا للناس عن الحكم الفاصل، وعما يكون قد وقع منهم من خطأ في اجتهادهم للدعوة. كما حدث في بعض تصرفات الرسول ﷺ وفي بعض اتجاهاته، مما بين الله فيه بيانًا في القرآن.
بذلك يبطل الله كيد الشيطان، ويحكم الله آياته، فلا تبقى هنالك شبهة في الوجه الصواب والله عليم حكيم. اهـ (١)
* * * *
стр. 3357
٢ - شبهة: ادعاؤهم أن الحج شعائره وثنية .
نص الشبهة:
يقولون: إن أعمال الحج التي يفعلها المسلمون هي من الطقوس الوثنية العربية القديمة التي أقرها الإسلام مراعاة لحال العرب، وما هو إلا تعبير عن الحنين إلى أسطورة العود الأبدي، وإعادة إحياء لتلك التجربة الجنسية الدينية المقدسة التي تمت بين آدم وحواء، والحج العربي العاري في الجاهلية يؤكد المشاركة في الجنس بين الألوهية والبشر، وليس من الضروري أن يقام بطقوسه المعروفة إذ يغني عنه الحج العقلي أو الحج الروحي، وهكذا تُميَّع كل الشعائر الإسلامية وتعتبر طقوسًا وثنية تحدرت إلى القرآن من البيئات والأمم السابقة والجاهلية.
١ - فما هي الحكمة في الاجتماع على تقبيل الحجر الأسود إذا عرفنا أنه حجر لا يضر ولا ينفع ولا يخفى ما في ذلك من المظاهر الوثنية؟
٢ - ما الحكمة في رمي الجمار؟
٣ - ما الحكمة في الهرولة بين الصفا والمروة؟
٤ - الوقوف في سهل عرفات من أهم مناسك الحج، فالحج بدون الوقوف باطل في الإسلام، وإنما يفسّر هذا الأمر بأنه أثر لفكرة جاهلية، وهناك علاقة بين هذا الوقوف وبين إقامة بني إسرائيل على جبل سينا. فهؤلاء يعدّون أنفسهم لهذه الإقامة بالامتناع عن النساء وبغسل ثيابهم، وبذلك يقفون أمام الرب، وعلى هذا النحو لا يقرب المسلمون النساء ويرتدون ثياب الإحرام ويقفون أمام الخالق في سفح جبل مقدّس.
٥ - ما المقصد في ذبح الذبائح على كثرتها، وفي ذلك ما فيه من النتائج الوخيمة التي تصدر من تعفن اللحوم؛ إذ تنتشر الأوبئة منها؟ .
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الإسلام جاء ليُحافظ على جناب التوحيد، ويقضي على الشرك خاصةً في الحج.
الوجه الثاني: أن الله هو الذي أمر بهذه الأعمال فكيف تكون وثنية؟ ! !
الوجه الثالث: لا ينبغي دائمًا البحث عن الحكمة من وراء العبادة بل الأصل السمع والطاعة.
الوجه الرابع: توضيح حقيقة العبادة وماهيتها.
стр. 3358
الوجه الخامس: الوثنية ليست أمرًا أصليَّا عند العرب، بل هي أمر طارئ على العرب والأصل ملة إبراهيم.
الوجه السادس: أعمال الحج عند الأنبياء ﵈.
الوجه السابع: مخالفة النبي ﷺ لأمور الجاهلية في بعض أعمال الحج يدل على أن أعمال الحج محض عبادة.
الوجه الثامن: النبي ﷺ يلغي أمور الجاهلية في حجته ﷺ .
الوجه التاسع: التماس الحكمة من بعض أعمال الحج.
الوجه العاشر: مقارنة بين الحج في اليهودية والنصرانية والإسلام.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: الإسلام جاء ليُحافظ على جناب التوحيد، ويقضي على الشرك خاصةً في الحج .
خلق الله تعالى الثقلين وأمرهم بعبادته، وجعل للعبادة شرطًا لا تقبل بدونه، وهو الإخلاص والتوحيد، فالإسلام بشعائره وفرائضه كلها مرتبط غاية الارتباط بكلمة التوحيد. ومن تلك الشعائر شعيرة الحج، والتي هي من أعظم الشعائر التي تقوي وتحيي في قلب العبد توحيد المعبود ؛ لكثرة الأعمال التي توقف الإنسان مع ربه موحدًا متفكرًا تائبًا من أي تقصير أو زلل.
ويدل على ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فيها الأمر بإخلاصهما لله تعالى، وهذا يدل على أنها ليست من أعمال الوثنية.
٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ [النمل: ٩١]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾ [قريش: ٣].
فبين الله أن العبادة لرب البيت وهو الله وليست للبيت.
стр. 3359
والمعنى: إنما أمرت أن أخص الله بالعبادة وحده لا شريك له. (١)
وإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها والاعتناء بها. (٢)
والإشارة إلى البيت في هذا النظم تفيد التعظيم فإنه سبحانه تارة أضاف العبد إلى نفسه فيقول: (يا عبادي) [العنكبوت: ٥٦] وتارة يضيف نفسه إلى العبد فيقول: (وإلهكم) [البقرة: ١٦٣]، كذا في البيت (تارة) يضيف نفسه إلى البيت وهو قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾، وتارة يضيف البيت إلى نفسه فيقول: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]. (٣)
٣ - عن قتيلة امرأة من جهينة: (أن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون: تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت). (٤)
فيه النهي عن الحلف بالكعبة، مع أنها بيت الله التي حجها وقصدها بالحج والعمرة.
وهذا يبين أن النهي عن الشرك بالله عام لا يصلح منه شيء لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، ولا للكعبة التي هي بيت الله في أرضه.
فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ دَخَلَ النبي ﷺ مَكَّةَ وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ كَانَ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ). (٥)
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النبي ﷺ لمَّا رَأَى الصُّوَرَ في الْبَيْتِ لَمْ يَدْخُلْ، حَتَّى أَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ بِأَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ فَقَالَ "قَاتَلَهُمُ الله، وَالله إِنِ اسْتَقْسَمَا بِالأَزْلَامِ قَطُّ". (٦)
стр. 3360
الوجه الثاني: أن الله هو الذي أمر بهذه الأعمال فكيف تكون وثنية ؟ .
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقال أيضًا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]، إلى غير ذلك من الآيات التي تبين أن أعمال الحج من عند الله وليست من أعمال الوثنية.
والجاهل الذي لا يعرف حكم الإسلام ولا يعرف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قد ينطلي عليه مثل هذا الكلام - أن أعمال الحج من الوثنية - لأن القائل نفسه يعلم أنه باطل، وأن مقصوده به التشويه، وكذلك يقصد به أن ينفر عن الإسلام من لا يعرفه، وإلا فإن أهل الإسلام يعلمون أن الكعبة مبنية من الحجر وغيره، وأنها لا تضر ولا تنفع أحدًا، وإنما يمتثلون أمر ربهم حيث أمرهم بقصدها والطواف عليها وبالتوجه إليها بالصلاة والدعاء.
فهذا مثلما ذكر الله جل وعلا أنه أمر الملائكة بأن يسجدوا لآدم فسجدوا طاعة لله وليس عبادة لآدم، فكذلك المسلمون يذهبون إلى الكعبة ويطوفون بها طاعة لله جل وعلا، ويعبدون رب الكعبة وليست الكعبة هي المعبودة، وإنما المعبود ربها الذي أمر بتعظيمها وبقصدها وبالطواف عليها.
أما التمسح بالكعبة فليس مشروعًا بل لا يجوز وهو من المحرمات، وإذا وقع فإنما يقع من الجهلة الذين لا يعرفون الحكمة، وإنما الذي يمسح هو الحجر الأسود والركن اليماني فقط، وأما غير ذلك فلا يجوز التمسح كما يقول هؤلاء، وإنما يفعلون ما أمروا تعبدًا لله جل وعلا وتقربًا.
وأما الوقوف بعرفات فهو عبادة أمروا بها تعبدًا لله، وكذلك المبيت بمزدلفة، ورمي الجمار وسائر مواقف الحج والمشاعر، كلها عبودية للقلب وللبدن؛ فالقلب أولًا يخضع لله جل وعلا ممتثلًا أمره وليس لهذه المظاهر التي يزعم الأعداء أنها من بقايا الوثنية، إذ إنهم إما جاهلون بالحكم وبالواقع، أو أنهم عرفوا الحكم فكذبوا على الله وعلى رسوله ﷺ وعلى المسلمين، فعليهم جريمة الكذب وجريمة معاداة الحق. (١)
стр. 3361
الوجه الثالث: لا ينبغى دائمًا البحث عن الحكمة من وراء العبادة بل الأصل السمع والطاعة .
لا يجب على الإنسان أن يعلم الحكمة في جميع ما شرعه الله ورسوله ﷺ ، فإن ذلك ليس في قوى البشر، ولا في وسعهم وطاقتهم، وإنما يجب هذا على الأعيان الذين أهَّلهم الله لمعرفة ما أنزله الله، وأطلعهم عليه، وأما من كان عاجزًا عن ذلك، وليس في طاقته ووسعه معرفة ذلك والاطلاع عليه، فالواجب عليه أن يؤمن بما جاء به الرسول ﷺ إيمانًا عامًا مجملًا، وأن يعمل بما أمر الله به رسوله ﷺ ، سواء عرف الحكمة في ذلك أو لم يعرفها.
فإذا وعى الإنسان ذلك كان نورًا بين يديه يبصر به حكم سائر مناسك الحج والأمور التي تَعَبَّدَنا الله تعالى بها لتغذية إيماننا بالطاعة والامتثال سواء عرفنا سبب كل عمل منها وحكمته أم لا، وأنها إحياء لدين إبراهيم أبي الأنبياء وإمام الموحدين المخلصين، وتذكير بنشأة الإسلام ومعاهده الأولى، وإن لاستحضار ذلك لتأثيرًا عظيمًا في تغذية الإيمان وتقوية الشعور به، والثقة بأنه دين الله الخالص الذي لا يقبل غيره، فإن جهلنا سبب شرع بعض تلك الأعمال أو حكمتها لا يضرنا ذلك، ولا يثنينا عن إقامتها كما إذا ثبت لنا نفع دواء من الأدوية مركب من عدة أجزاء، وجهلنا سبب كون بعضها أكثر من بعض، فإن ذلك لا يثنينا عن استعمال ذلك الدواء والانتفاع به، ولا يدعونا إلى التوقف وترك استعماله إلى أن نتعلم الطب ونعرف حكمة أوزان تلك الأجزاء ومقاديرها.
قال ابن القيم: إن الحكمة لا يجب أن تكون بأسرها معلومة للبشر، ولا أكثرها بل لا نسبة لما علموه إلى ما جهلوه فيها، لو قيست علوم الخلائق كلهم بوجوه حكمة الله تعالى في خلقه وأمره إلى ما خفي عنهم منها كانت كنقرة عصفور في البحر، وحسب الفطن اللبيب أن يستدل بما عرف منها على ما لم يعرف، ويعلم الحكمة فيما جهله منها مثلها فيما علمه؛ بل أعظم وأدق، وما مثل هؤلاء الحمقى النوكى إلا كمثل رجل لا علم له بدقائق الصنائع والعلوم من البناء والهندسة والطب، بل ولا الحياكة والخياطة والنجارة إذا رام الاعتراض بعقله الفاسد على أربابها في شيء من آلاتهم وصنائعهم وترتيب صناعتهم فخفيت عليه فجعل كل ما خفي عليه منها شيء قال هذا لا فائدة فيه، وأي حكمة تقتضيه هذا مع أن أرباب الصنائع بشر مثله يمكنه أن يشاركهم في صنائعهم، ويفوقهم فيها. فما الظن بمن
стр. 3362
بهرت حكمته العقول الذي لا يشاركه مشارك في حكمته، كما لا يشاركه في خلقه، فلا شريك له بوجه، فمن ظن أن يكتال حكمته بمكيال عقله أو يجعل عقله عيارًا عليها فما أدركه أقر به وما لم يدركه نفاه فهو من أجهل الجاهلين ولله في كل ما خفي على الناس وجه الحكمة فيه حكم عديدة لا تدفع ولا تنكر. (١)
فعلّة الأسباب الإيمانية ليست في أن نفهمها أو نعرف الحكمة منها، ولكن علة الأشياء في أن الله قد أمرنا بها.
فالواجب على المسلم أن يمتثل ما أمر الله ورسوله مما شرعه في أعمال الحج وأن لا يدع ما أمر الله به ورسوله ﷺ لعدم علمه بالحكمة في ذلك لأن ترك العمل بذلك - إلا بعد العلم بالحكمة فيه - من شأن أهل البدع المارقين المتعنتين بالأسئلة والتشكيكات والمعارضة الباطلة لما شرعه الله ورسوله ﷺ كما نبه على ذلك أهل العلم.
الوجه الرابع: توضيح حقيقة العبادة وماهيتها .
إذا كان هؤلاء يعدّون تقبيل الحجر الأسود والسجود تجاه الكعبة والطواف والسعي بين الصفا والمروة عبادة لهم من دون الله، فلا بد إذًا أن نبدأ ببيان حقيقة العبادة وماهيّتها.
إن من يعبد شيئًا مهما كانت طبيعته فإنه يعتقد أن له سلطة غيبية ينعكس تأثيرها على الواقع، وبالتالي فإن العابد يتقرّب إلى معبوده رجاءً للنفع أو دفعًا للضرّ، وهو في الوقت ذاته يعتقد أن التقصير في حق هذا المعبود أو ترك عبادته يترتّب عليه حصول الضرر ووقوعه كنوع من العقاب، ومثل هذا مُشاهدٌ حتى في واقع الناس اليوم من أتباع الديانات الوثنية المنتشرة في أرجاء الأرض، إذ يلاحظ في أتباع تلك الديانات خضوعًا لمعبوداتهم رغبةً في جلب المنافع المختلفة، أو دفع المضارّ من القحط والجفاف ونحوه، مع تعلّق قلوبهم بهذا المعبود خشية منه ورهبة من سلطانه.
وهذه السلطة الغيبية قد تكون في نظرهم سلطة ذاتية، بمعنى أن العابد يرى استقلال معبوده بالنفع والضرّ، وهذا كالذين يعبدون الشمس والكواكب لاعتقادهم بتأثيرها على نواميس الكون وتسييرها للخلائق، أو أن تكون السلطة غير ذاتية بأن يعتقد أن معبوده
стр. 3363
يشكّل واسطة بينه وبين قوّة علوية لها قدرة ذاتية مستقلة في النفع والضرّ، فيؤدي ذلك إلى عبادته رجاء شفاعته عند من يقدر على النفع والضرّ، كما هو الحال مع كفار قريش الذين كانوا يعتقدون أن الأصنام والأوثان التي يعبدونها تقربهم إلى الله جلّ وعلا، وتشفع لهم عنده، يقول الله مبينا ذلك: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨].
وبناءً على ما سبق، فإن المسلمين لم يعبدوا الحجر الأسود ولا غيره، لأنهم لا يرون أن أحدًا يملك الضرّ والنفع غير الله تعالى، فهم ينفون وجود أية سلطة ذاتية في المخلوقات مهما كانت، كما أنهم يرون أن علاقة المخلوق بالخالق علاقة مباشرة ليس فيها وسيط، وأن العباد لا يحتاجون إلى شفيعٌ يقصدونه بالتقرّب دون الله ، بل إنهم يعدّون ذلك من الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام، لأنهم يرون أن العبادات لا يجوز صرفها لأي مخلوق، سواء أكان ملكًا مقرّبًا أم نبيًّا مرسلًا، فضلًا عن كونه حجرًا لا يضرّ ولا ينفع.
ويقرّر ذلك الصحابيّ الجليل عمر بن الخطاب ﵁ في مقولته الشهيرة: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك" (١)، فقد أراد أن يبيّن للناس أن هذا الفعل هو محض إتباع للنبي ﷺ ، وليس لأن الحجر ينفع أو يضرّ، وعليه فإنه لا قدسية لأحجار الكعبة بذاتها، وإنما اكتسب الحجر الأسود هذه المزية لأمر الله تعالى بتقبيله، ولو لم يرد ذلك الأمر لم يكن لأحد أن يقوم بتقديسه أو تقبيله.
ثم إن رحى العبادة تدور على قضيّتين أساسيّتين: تمام المحبة مع غاية الذلّ والخضوع، فمن أحبّ شيئًا ولم يخضع له فليس بعابد له، ومن خضع لشيء دون أن يحبّه فهو كذلك ليس بعابد له، ومعلوم أن تقبيل الحجر الأسود هو فعلٌ مجردٌ من الخضوع والذلّ لذلك الحجر.
ومن المناسب أن نقول: إن من يعبد شيئًا فلا شكّ أنه يرى في معبوده أنه أعلى منه وأفضل
стр. 3364
منه؛ لأن العابد لا يعبد من يرى أنه مثله أو أدنى منه منزلةً وقدرًا، ونحن نعلم أن حرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة، بل أعظم من حرمة الدنيا بأسرها فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم". (١)
وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْبَيْتِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ: (مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ الله مِنْكِ). (٢)
فما سبق يبيّن لنا نظرة الشرع للمسلم في كونه أعظم حرمةً من الكعبة بما فيها الحجر الأسود، فكيف يصحّ أن يقال إن المسلمين يعبدون هذا الحجر أو يعبدون البيت؟ . (٣)
الوجه الخامس: الوثنية ليست أمرًا أصليَّا عند العرب - ظلوا عليه آلاف السنين منذ نشأتهم - حتى يخاف محمد ﷺ خوفًا شديدًا على تغييرها في الحج وغيره، بل هي أمر طارئ على العرب والأصل ملة إبراهيم .
فدخول الوثنية إلى بلاد العرب كانت على يد عمرو بن لحي الخزاعي، ومحمد ﷺ جاء ليُرجعهم إلى ما كانوا عليه من التوحيد:
قال الكلبي: وكان عمرو بن لحي كاهنًا وكان يكنى أبا ثمامة، له رئى من الجن فقال: له عجل المسير والظعن من تهامة بالسعد والسلامة ائت صفا جده تجد فيها أصنامًا معدة فأوردها تهامة ولا تهب ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب فأتى نهر جدة فاستثارها ثم حملها حتى ورد بها تهامة وحضر الحج فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات فدفع إليه ودًا فحمله فكان بوادي القرى بدومة الجندل وسمي ابنه عبد ود فهو أول من سمى به وجعل عوف ابنه عامرًا سادنًا له فلم يزل بنوه يدينون به حتى جاء الله بالإسلام. (٤)
стр. 3365
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النبي ﷺ : "رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرِ بْنِ لُحَىٍّ الخزاعي يَجُرُّ قُصْبَهُ في النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ" (١)
الوجه السادس: أعمال الحج عند الأنبياء ﵈ .
نبين في هذا الوجه أن الله علَّم إبراهيم ﵇ هذه المناسك، وفعلها الأنبياء من بعده والنبي ﷺ قد أمر باتباع ملة إبراهيم ﵇، وهذا يدل على أن أعمال الحج ليست من الوثنية بل لها أصل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧، ١٢٨].
عن قتادة قوله: "وأرنا مناسكنا" فأراهما الله مناسكهما: الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والإفاضة من عرفات، والإفاضة من جمع، ورمي الجمار، حتى أكمل الله الدين - أو دينه. (٢)
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَمَرَرْنَا بِوَادٍ فَقَالَ: "أي وَادٍ هَذَا؟ ". فَقَالُوا: وادي الأَزْرَقِ. فَقَالَ: "كأني أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﷺ فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ وَشَعْرِهِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظْهُ دَاوُدُ وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ لَهُ جُؤَارٌ إِلَى الله بِالتَّلْبِيَةِ مَارًّا بِهَذَا الوادي". قَالَ: "ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ. فَقَالَ: "أي ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ ". قَالُوا: هَرْشَى أَوْ لِفْتٌ. فَقَالَ: "كأني أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلْبَةٌ مَارًّا بِهَذَا الوادي مُلَبِّيًا". (٣)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّىَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ، وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهْىَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ، فَوْقَ زَمْزَمَ في أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ. . . فذكر القصة وفيها: فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ في الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوادي تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ، الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الوادي رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْىَ الإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ،