الوجه الثالث: لا ينبغى دائمًا البحث عن الحكمة من وراء العبادة بل الأصل السمع والطاعة .
لا يجب على الإنسان أن يعلم الحكمة في جميع ما شرعه الله ورسوله ﷺ ، فإن ذلك ليس في قوى البشر، ولا في وسعهم وطاقتهم، وإنما يجب هذا على الأعيان الذين أهَّلهم الله لمعرفة ما أنزله الله، وأطلعهم عليه، وأما من كان عاجزًا عن ذلك، وليس في طاقته ووسعه معرفة ذلك والاطلاع عليه، فالواجب عليه أن يؤمن بما جاء به الرسول ﷺ إيمانًا عامًا مجملًا، وأن يعمل بما أمر الله به رسوله ﷺ ، سواء عرف الحكمة في ذلك أو لم يعرفها.
فإذا وعى الإنسان ذلك كان نورًا بين يديه يبصر به حكم سائر مناسك الحج والأمور التي تَعَبَّدَنا الله تعالى بها لتغذية إيماننا بالطاعة والامتثال سواء عرفنا سبب كل عمل منها وحكمته أم لا، وأنها إحياء لدين إبراهيم أبي الأنبياء وإمام الموحدين المخلصين، وتذكير بنشأة الإسلام ومعاهده الأولى، وإن لاستحضار ذلك لتأثيرًا عظيمًا في تغذية الإيمان وتقوية الشعور به، والثقة بأنه دين الله الخالص الذي لا يقبل غيره، فإن جهلنا سبب شرع بعض تلك الأعمال أو حكمتها لا يضرنا ذلك، ولا يثنينا عن إقامتها كما إذا ثبت لنا نفع دواء من الأدوية مركب من عدة أجزاء، وجهلنا سبب كون بعضها أكثر من بعض، فإن ذلك لا يثنينا عن استعمال ذلك الدواء والانتفاع به، ولا يدعونا إلى التوقف وترك استعماله إلى أن نتعلم الطب ونعرف حكمة أوزان تلك الأجزاء ومقاديرها.
قال ابن القيم: إن الحكمة لا يجب أن تكون بأسرها معلومة للبشر، ولا أكثرها بل لا نسبة لما علموه إلى ما جهلوه فيها، لو قيست علوم الخلائق كلهم بوجوه حكمة الله تعالى في خلقه وأمره إلى ما خفي عنهم منها كانت كنقرة عصفور في البحر، وحسب الفطن اللبيب أن يستدل بما عرف منها على ما لم يعرف، ويعلم الحكمة فيما جهله منها مثلها فيما علمه؛ بل أعظم وأدق، وما مثل هؤلاء الحمقى النوكى إلا كمثل رجل لا علم له بدقائق الصنائع والعلوم من البناء والهندسة والطب، بل ولا الحياكة والخياطة والنجارة إذا رام الاعتراض بعقله الفاسد على أربابها في شيء من آلاتهم وصنائعهم وترتيب صناعتهم فخفيت عليه فجعل كل ما خفي عليه منها شيء قال هذا لا فائدة فيه، وأي حكمة تقتضيه هذا مع أن أرباب الصنائع بشر مثله يمكنه أن يشاركهم في صنائعهم، ويفوقهم فيها. فما الظن بمن
стр. 3362
بهرت حكمته العقول الذي لا يشاركه مشارك في حكمته، كما لا يشاركه في خلقه، فلا شريك له بوجه، فمن ظن أن يكتال حكمته بمكيال عقله أو يجعل عقله عيارًا عليها فما أدركه أقر به وما لم يدركه نفاه فهو من أجهل الجاهلين ولله في كل ما خفي على الناس وجه الحكمة فيه حكم عديدة لا تدفع ولا تنكر. (١)
فعلّة الأسباب الإيمانية ليست في أن نفهمها أو نعرف الحكمة منها، ولكن علة الأشياء في أن الله قد أمرنا بها.
فالواجب على المسلم أن يمتثل ما أمر الله ورسوله مما شرعه في أعمال الحج وأن لا يدع ما أمر الله به ورسوله ﷺ لعدم علمه بالحكمة في ذلك لأن ترك العمل بذلك - إلا بعد العلم بالحكمة فيه - من شأن أهل البدع المارقين المتعنتين بالأسئلة والتشكيكات والمعارضة الباطلة لما شرعه الله ورسوله ﷺ كما نبه على ذلك أهل العلم.
الوجه الرابع: توضيح حقيقة العبادة وماهيتها .
إذا كان هؤلاء يعدّون تقبيل الحجر الأسود والسجود تجاه الكعبة والطواف والسعي بين الصفا والمروة عبادة لهم من دون الله، فلا بد إذًا أن نبدأ ببيان حقيقة العبادة وماهيّتها.
إن من يعبد شيئًا مهما كانت طبيعته فإنه يعتقد أن له سلطة غيبية ينعكس تأثيرها على الواقع، وبالتالي فإن العابد يتقرّب إلى معبوده رجاءً للنفع أو دفعًا للضرّ، وهو في الوقت ذاته يعتقد أن التقصير في حق هذا المعبود أو ترك عبادته يترتّب عليه حصول الضرر ووقوعه كنوع من العقاب، ومثل هذا مُشاهدٌ حتى في واقع الناس اليوم من أتباع الديانات الوثنية المنتشرة في أرجاء الأرض، إذ يلاحظ في أتباع تلك الديانات خضوعًا لمعبوداتهم رغبةً في جلب المنافع المختلفة، أو دفع المضارّ من القحط والجفاف ونحوه، مع تعلّق قلوبهم بهذا المعبود خشية منه ورهبة من سلطانه.
وهذه السلطة الغيبية قد تكون في نظرهم سلطة ذاتية، بمعنى أن العابد يرى استقلال معبوده بالنفع والضرّ، وهذا كالذين يعبدون الشمس والكواكب لاعتقادهم بتأثيرها على نواميس الكون وتسييرها للخلائق، أو أن تكون السلطة غير ذاتية بأن يعتقد أن معبوده
стр. 3363
يشكّل واسطة بينه وبين قوّة علوية لها قدرة ذاتية مستقلة في النفع والضرّ، فيؤدي ذلك إلى عبادته رجاء شفاعته عند من يقدر على النفع والضرّ، كما هو الحال مع كفار قريش الذين كانوا يعتقدون أن الأصنام والأوثان التي يعبدونها تقربهم إلى الله جلّ وعلا، وتشفع لهم عنده، يقول الله مبينا ذلك: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨].
وبناءً على ما سبق، فإن المسلمين لم يعبدوا الحجر الأسود ولا غيره، لأنهم لا يرون أن أحدًا يملك الضرّ والنفع غير الله تعالى، فهم ينفون وجود أية سلطة ذاتية في المخلوقات مهما كانت، كما أنهم يرون أن علاقة المخلوق بالخالق علاقة مباشرة ليس فيها وسيط، وأن العباد لا يحتاجون إلى شفيعٌ يقصدونه بالتقرّب دون الله ، بل إنهم يعدّون ذلك من الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام، لأنهم يرون أن العبادات لا يجوز صرفها لأي مخلوق، سواء أكان ملكًا مقرّبًا أم نبيًّا مرسلًا، فضلًا عن كونه حجرًا لا يضرّ ولا ينفع.
ويقرّر ذلك الصحابيّ الجليل عمر بن الخطاب ﵁ في مقولته الشهيرة: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك" (١)، فقد أراد أن يبيّن للناس أن هذا الفعل هو محض إتباع للنبي ﷺ ، وليس لأن الحجر ينفع أو يضرّ، وعليه فإنه لا قدسية لأحجار الكعبة بذاتها، وإنما اكتسب الحجر الأسود هذه المزية لأمر الله تعالى بتقبيله، ولو لم يرد ذلك الأمر لم يكن لأحد أن يقوم بتقديسه أو تقبيله.
ثم إن رحى العبادة تدور على قضيّتين أساسيّتين: تمام المحبة مع غاية الذلّ والخضوع، فمن أحبّ شيئًا ولم يخضع له فليس بعابد له، ومن خضع لشيء دون أن يحبّه فهو كذلك ليس بعابد له، ومعلوم أن تقبيل الحجر الأسود هو فعلٌ مجردٌ من الخضوع والذلّ لذلك الحجر.
ومن المناسب أن نقول: إن من يعبد شيئًا فلا شكّ أنه يرى في معبوده أنه أعلى منه وأفضل
стр. 3364
منه؛ لأن العابد لا يعبد من يرى أنه مثله أو أدنى منه منزلةً وقدرًا، ونحن نعلم أن حرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة، بل أعظم من حرمة الدنيا بأسرها فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم". (١)
وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْبَيْتِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ: (مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ الله مِنْكِ). (٢)
فما سبق يبيّن لنا نظرة الشرع للمسلم في كونه أعظم حرمةً من الكعبة بما فيها الحجر الأسود، فكيف يصحّ أن يقال إن المسلمين يعبدون هذا الحجر أو يعبدون البيت؟ . (٣)
الوجه الخامس: الوثنية ليست أمرًا أصليَّا عند العرب - ظلوا عليه آلاف السنين منذ نشأتهم - حتى يخاف محمد ﷺ خوفًا شديدًا على تغييرها في الحج وغيره، بل هي أمر طارئ على العرب والأصل ملة إبراهيم .
فدخول الوثنية إلى بلاد العرب كانت على يد عمرو بن لحي الخزاعي، ومحمد ﷺ جاء ليُرجعهم إلى ما كانوا عليه من التوحيد:
قال الكلبي: وكان عمرو بن لحي كاهنًا وكان يكنى أبا ثمامة، له رئى من الجن فقال: له عجل المسير والظعن من تهامة بالسعد والسلامة ائت صفا جده تجد فيها أصنامًا معدة فأوردها تهامة ولا تهب ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب فأتى نهر جدة فاستثارها ثم حملها حتى ورد بها تهامة وحضر الحج فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات فدفع إليه ودًا فحمله فكان بوادي القرى بدومة الجندل وسمي ابنه عبد ود فهو أول من سمى به وجعل عوف ابنه عامرًا سادنًا له فلم يزل بنوه يدينون به حتى جاء الله بالإسلام. (٤)
стр. 3365
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النبي ﷺ : "رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرِ بْنِ لُحَىٍّ الخزاعي يَجُرُّ قُصْبَهُ في النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ" (١)
الوجه السادس: أعمال الحج عند الأنبياء ﵈ .
نبين في هذا الوجه أن الله علَّم إبراهيم ﵇ هذه المناسك، وفعلها الأنبياء من بعده والنبي ﷺ قد أمر باتباع ملة إبراهيم ﵇، وهذا يدل على أن أعمال الحج ليست من الوثنية بل لها أصل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧، ١٢٨].
عن قتادة قوله: "وأرنا مناسكنا" فأراهما الله مناسكهما: الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والإفاضة من عرفات، والإفاضة من جمع، ورمي الجمار، حتى أكمل الله الدين - أو دينه. (٢)
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَمَرَرْنَا بِوَادٍ فَقَالَ: "أي وَادٍ هَذَا؟ ". فَقَالُوا: وادي الأَزْرَقِ. فَقَالَ: "كأني أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﷺ فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ وَشَعْرِهِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظْهُ دَاوُدُ وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ لَهُ جُؤَارٌ إِلَى الله بِالتَّلْبِيَةِ مَارًّا بِهَذَا الوادي". قَالَ: "ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ. فَقَالَ: "أي ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ ". قَالُوا: هَرْشَى أَوْ لِفْتٌ. فَقَالَ: "كأني أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلْبَةٌ مَارًّا بِهَذَا الوادي مُلَبِّيًا". (٣)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّىَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ، وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهْىَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ، فَوْقَ زَمْزَمَ في أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ. . . فذكر القصة وفيها: فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ في الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوادي تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ، الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الوادي رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْىَ الإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ،
стр. 3366
حَتَّى جَاوَزَتِ الوادي، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ، فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ ترَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النبي ﷺ : "فَذَلِكَ سَعْىُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا". (١)
عن ابن عباس رفعه قال: لما أتى إبراهيم خليل الله المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، قال ابن عباس: الشيطان ترجمون وملة أبيكم تتبعون. (٢)
وعن يزيد بن شيبان قال: كُنَّا في مَوْقِفٍ لنَا بِعَرَفَةَ يُبَاعِدُهُ عمرو بن دينارٍ مِنْ مَوْقِفِ الإِمَامِ جدًا فأتانًا ابْنُ بزيغ الأَنْصَارِيُّ فقال لنا: إنِّي رَسُولُ رَسُولِ الله ﷺ إليكُمْ إنَّ رَسُولَ الله يأمُرُكُمْ أنْ تَقِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكُم هذه فإنَّكُمْ على إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أبيكُمْ إبْرَاهِيمَ ﵇. (٣)
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ [الحج: ٢٧].
قال ابن كثير: ثم ذكر أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا شريك له، إما بطواف أو صلاة، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة: قيامها، وركوعها، وسجودها، ولم يذكر العاكفين لأنه تقدم ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين، واجتزأ بذكر الركوع والسجود عن القيام؛ لأنه قد علم أنه لا يكون ركوع ولا
стр. 3367
سجود إلا بعد قيام. وفي ذلك - أيضًا - رَدّ على من لا يحجه من أهل الكتابين: اليهود والنصارى؛ لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظمته، ويعلمون أنه بنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة وغير ذلك وللاعتكاف والصلاة عنده وهم لا يفعلون شيئًا من ذلك، فكيف يكونون مقتدين بالخليل، وهم لا يفعلون ما شرع الله له؟ وقد حَجَّ البيتَ موسى بن عمران وغيره من الأنبياء ﵈، كما أخبر بذلك المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤]. (١)
وجملة القول أن مناسك الحج من شريعة إبراهيم وقد أبطل الإسلام كل ما ابتدعته الجاهلية فيها من وثنيتها وقبيح عملها كطوافهم بالبيت عراة وغير ذلك مما سنبينه. ومبنى العبادات على الاتباع لا على الرأي.
الوجه السابع: مخالفة النبي ﷺ لأمور الجاهلية في بعض أعمال الحج يدل على أن أعمال الحج محض عبادة .
لقد كانت مواقف الجاهلية في الحج مواقف مخزية، إنما هي خليط ممزوج من الأضداد والمتناقضات. . يظهر ذلك جليًا في بعض المواقف المنكرة. والتي خالفها النبي ﷺ ومنها:
التلبية: فكانت تلبيتهم في الحج التي يخلطون معها الشرك، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكهُ وما لك.
عن ابن عباس ﵄ قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك قال فيقول رسول الله ﷺ : ويلكم قدٍ قدٍ، فيقولون إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت. (٢)
فكان النبي ﷺ يقول: "لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ" (٣).
стр. 3368
الطواف عرايا: فكان أهل الجاهلية يطوفون عراة ويرمون ثيابهم ويتركونها ملقاة على الأرض ولا يأخذونها أبدا ويتركونها تداس بالأرجل حتى تبلى ويسمى اللقاء حتى جاء الإسلام فأمر الله تعالى بستر العورة ونهى عن الطواف عرايا.
قَالَ عُرْوَةُ: كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ في الْجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً إِلَّا الْحُمْسَ، وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ، وَكَانَتِ الْحُمْسُ يَحْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ يُعْطِى الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا، وَتُعْطِى الْمْرْأَةُ الْمْرْأَةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا، فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ الْحُمْسُ طَافَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا، وَكَانَ يُفِيضُ جَمَاعَةُ النَّاسِ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَيُفِيضُ الْحُمْسُ مِنْ جَمْعٍ. قَالَ وَأَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الْحُمْسِ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، قَالَ: كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ فَدُفِعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ. (١)
عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة فتقول من يعيرني تطوافا؟ تجعله على فرجها وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. (٢)
فعن حُمَيْد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ بَعَثَهُ في الْحَجَّةِ التي أَمَّرَهُ عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ في رَهْطٍ يُؤَذِّنُ في النَّاسِ "أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ" (٣)
الوقوف بعرفة: ففي حديث جابر الطويل في سياق حجة الوداع أنه قال: (وَكَانَتِ الْعَرَبُ يَدْفَعُ بِهِمْ أَبُو سَيَّارَةَ عَلَى حِمَارٍ عُرْىٍ فَلَمَّا أَجَازَ رَسُولُ الله ﷺ مِنَ المُزْدَلِفَةِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ. لَمْ تَشُكَّ قُرَيْشٌ أَنَّهُ سَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ مَنْزِلُهُ ثَمَّ فَأَجَازَ وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتَّى أَتَى عَرَفَاتٍ فَنَزَلَ). (٤)
стр. 3369
معنى الحديث أن قريشًا كانت قبل الإسلام تقف بالمزدلفة وهي من الحرم ولا يقفون بعرفات وكان سائر العرب يقفون بعرفات وكانت قريش تقول نحن أهل الحرم فلا نخرج منه فلما حج النبي ﷺ ووصل المزدلفة اعتقدوا أنه يقف بالمزدلفة على عادة قريش فجاوز إلى عرفات لقول الله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].
المكاء، والتصدية: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٥]، أنهم كانوا يطوفون بالبيت ويصفِّقون وَيصْفِرُون ويضعون خدودهم بالأرض، فجاء الإسلام وبين أن الطواف لذكر الله.
فعن عَائِشَةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنما جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ الله". (١)
قال السعدي: يعني أن الله تعالى إنما جعل بيته الحرام ليقام فيه دينه، وتخلص له فيه العبادة، فالمؤمنون هم الذين قاموا بهذا الأمر، وأما هؤلاء المشركون الذين يصدون عنه، فما كان صلاتهم فيه التي هي أكبر أنواع العبادات ﴿إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ أي: صفيرًا وتصفيقًا، فعل الجهلة الأغبياء، الذين ليس في قلوبهم تعظيم لربهم، ولا معرفة بحقوقه، ولا احترام لأفضل البقاع وأشرفها، فإذا كانت هذه صلاتهم فيه، فكيف ببقية العبادات؟ ، فبأي: شيء كانوا أولى بهذا البيت من المؤمنين الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، إلى آخر ما وصفهم الله به من الصفات الحميدة، والأفعال السديدة. (٢)
ولو فقه المسلمون هذا المعنى العظيم في الحج لما كان في كثير من بلاد المسلمين قبور وأضرحة تعبد من دون الله تعالى؛ فيطاف بها، وينذر لها، ويدعى عندها، ويصرف لها ما لا يجوز صرفه إلا لله تعالى من المحبة والتعظيم والخوف والرجاء، فما أشد غربة التوحيد في
стр. 3370
كثير من بلاد المسلمين؟ !
فكيف يكون الحج رمزًا من رموز الجاهلية؟ وقد أبطل النبي ﷺ كل هذه المخالفات التي كانت في الجاهلية والتي تتناقض مع نقاء الإسلام وطُهرِهِ. . ومن المعلوم أن كل العبادات وما جاء فيها من أوامر ونواه كلها أمور توقيفية. . لا دخل للاجتهاد فيها؛ كالصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها من الأمور التي جاء بها الشرع الحكيم. فهذا يدلنا على أن الإسلام أراد بالحج تثبيت التوحيد لا إدخال طقوس الشرك.
الوجه الثامن: النبي ﷺ يلغي أمور الجاهلية في حجته ﷺ -.
من أجل ذلك - حفاظًا على الإسلام - ألغى النبي ﷺ كل أمور الجاهلية. . وفي خطبة عرفات قال ﷺ في جزء من الخطبة القيمة: ، فكان مما قال فيها: "أَلَا كُلُّ شيء مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قدمي مَوْضُوعٌ وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا في بني سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ" (١).
فكيف يكون الحج رمزًا من رموز الجاهلية؟ وقد أبطل النبي ﷺ كل هذه المخالفات التي كانت في الجاهلية والتي تتناقض مع نقاء الإسلام وطُهرِهِ. ومن المعلوم أن كل العبادات وما جاء فيها من أوامر ونواه كلها أمور توقيفية. لا دخل للاجتهاد فيها؛ كالصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها من الأمور التي جاء بها الشرع الحكيم. (٢)
الوجه التاسع: التماس بعض الحكم من أعمال الحج .
تقبيل الحجر:
قال السعدي: فمن تبرك بشجر أو حجر ونحوهما فإن ذلك من الشرك، ومن أعمال المشركين فإن العلماء اتفقوا على أنه لا يشرع التبرك بشيء من الأشجار والأحجار والبقع والمشاهد وغيرها. فإن هذا التبرك غلو فيها وذلك يتدرج به إلى دعائها وعبادتها، وهذا هو الشرك الأكبر كما تقدم انطباق الحد عليه، وهذا عام في كل شيء حتى مقام إبراهيم وحجرة النبي ﷺ وصخرة بيت المقدس وغيرها من البقع الفاضلة.
стр. 3371
وأما استلام الحجر الأسود وتقبيله واستلام الركن اليماني من الكعبة المشرفة فهذا عبودية لله وتعظيم لله وخضوع لعظمته فهو روح التعبد. فهذا تعظيم للخالق وتعبد له، وذلك تعظيم للمخلوق وتأله له.
فالفرق بين الأمرين كالفرق بين الدعاء لله الذي هو إخلاص وتوحيد، والدعاء للمخلوق الذي هو شرك وتنديد. (١)
فقد اتفق العلماء على أنه لا يشرع تقبيل شيء من الأحجار واستلامه إلا الحجر الأسود خاصة، وأجمعوا على حرمة الطواف بالقبور وأنه من وسائل الشرك إلا إن كان يقصد بطوافه التقرب والتعبد للمقبور فهو شرك أكبر، وأجمعوا على حرمة الطواف بالمساجد المبنية بعرفة أو منى. (٢)
ولقد انعقد إجماع الأمة على مشروعية تقبيل الحجر الأسود، وعليه فمن يدعي أن ذلك ينافي دعوة الإسلام لنبذ الأوثان فدعواه باطلة فشتان بين من يأتي ذلك طاعة لله ورسوله معتقدًا أن الحجر لا ينفع ولا يضر وبين من يقدس الأوثان التي نهى الله عن الاقتراب منها، فطواف المسلم بالكعبة المشرفة وصلاته إليها إنما هي عبادة لله لا لها.
الرمي: قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في بيان أسرار الحج من الإحياء: وأما رمي الجمار فليقصد به الانقياد للأمر إظهارًا للرق والعبودية، وانتهاضًا لمجرد الامتثال، من غير حظ للعقل والنفس في ذلك؛ ثم ليقصد به التشبه بإبراهيم ﵇ حيث عرض له إبليس لعنه الله تعالى في ذلك الموضع ليدخل على حجه شبهة أو يفتنه بمعصية، فأمره الله أن يرميه بالحجارة طردًا له وقطعًا لأمله، فإن خطر لك أن الشيطان عرض له وشاهده فلذلك رماه وأما أنا فليس يعرض لي الشيطان، فاعلم أن هذا الخاطر من الشيطان، وأنه الذي ألقاه في قلبك ليفتر عزمك في الرمي، ويخيل إليك أنه فعل لا فائدة فيه، وأنه يضاهي اللعب فلم تشتغل به؟
فاطرده عن نفسك بالجد والتشمير في الرمي، فبذلك ترغم أنف الشيطان. واعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة وفي الحقيقة ترمي به وجه الشيطان وتقصم به ظهره،
стр. 3372
إذا لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله تعظيمًا له بمجرد الأمر، من غير حظ للنفس والعقل فيه. (١)
القصد بذبح الذبائح أيام منى، وفي عيد الأضحى في سائر الأمصار هو طاعة الله، وامتثال ما أمر به، وما سنه رسول الله ﷺ وشرعه لأمته، وتقوى الله في هذا كله، لأن ذلك من شعائر الله، وتقوى الله في هذا كله، لأن ذلك من شعائر الله، فإنها من تقوى القلوب - أي أوامره - فإنها من تقوى القلوب، ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن.
ومن القصد بالذبائح أيام منى إظهار نعمة الله بالتوسعة على فقراء المسلمين، وإحياء سنة الخليل إبراهيم ﵇، وإذا كان من المعلوم المستقر عند الخلق أن علامة المحبة الصحيحة بذل الروح والمال في مرضاة المحبوب، فالمحبوب الحق - الذي لا تنبغي المحبة إلا له، وكل محبة سوى محبته فالمحبة له باطلة - أولى بأن يشرع لعباده الجهاد الذي هو غاية ما يتقربون به إلى إلههم وربهم.
وكانت قرابين من قبلهم من الأمم ذبائحهم وقرابينهم تقديم أنفسهم للذبح في الله مولاهم الحق، فأي حسن يزيد على حسن هذه العبادة، ولهذا ادخرها الله لأكمل الأنبياء، وأكمل الأمم، عقلًا وتوحيدًا، ومحبة لله.
وأما الضحايا والهدايا فقربان إلى الخالق سبحانه تقوم مقام الفدية عن النفس المستحقة للتلف فدية وعوضًا وقربانًا إلى الله، وتشبها بإمام الحنفاء، وإحياء لسنته، أن فدى الله ولده بالقربان، فجعل ذلك في ذريته باقيًا أبدًا.
وتأمل حكمة الرب تعالى في أمره إبراهيم خليله ﷺ بذبح ولده، لأن الله اتخذه خليلًا، والخلة منزلة تقتضي إفراد الخليل بالمحبة، وأن لا يكون له فيها منازع أصلًا، بل قد تخللت محبته جميع أجزاء القلب والروح، فلم يبق فيها موضع خال من حبه، فضلًا عن أن يكون محلًا لمحبة غيره. (٢)
فلما سأل إبراهيمُ الولدَ وأعطيه، أخذ شعبةً من قلبه، كما يأخذ الولد شعبة من قلب والده، فغار المحبوب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره، فأمره بذبح الولد ليخرج حبه من قلبه،
стр. 3373
ويكون الله أحب إليه، وآثر عنده، ولا يبقى في القلب سوى محبته، فوطن نفسه على ذلك، وعزم عليه، فخلصت المحبة لوليها ومستحقها، فحصلت مصلحة المأمور به من العزم عليه، وتوطين النفس على الامتثال، فبقي الذبح مفسدة، لحصول المصلحة بدونه، فنسخه في حقه لما صار مفسدة، وأمر به لما كان عزمه عليه، وتوطين نفسه مصلحة لهما، فأي حكمة فوق هذا، وأي لطف وبر وإحسان يزيد على هذا، وأي مصلحة فوق هذه المصلحة بالنسبة إلى هذا الأم ونسخه.
وإذا تأملت الشرائع الناسخة والمنسوخة وجدتها كلها بهذه المنزلة، فمنها ما يكون وجه المصلحة فيه ظاهرًا مكشوفًا، ومنها ما يكون ذلك فيه خفيًا لا يدرك إلا بفضل فطنة وجودة إدراك.
الوجه العاشر: مقارنة بين الحج في اليهودية والنصرانية والإسلام .
الحج في اليهودية:
وقت (أعياد) الحج عندهم.
لو أننا يممنا وجوهنا شطر شعيرة الحج في اليهودية والنصرانية لتبين لنا بوضوح الفروق الجوهرية بين الشعيرة في الرسالات الثلاث، بل لا نغالي إذا قلنا: إن الحج كشعيرة لا وجود له في اليهودية والنصرانية المحرفتين، فليس في اليهودية حج بالمعنى الذي يسبق إلى الذهن، وإنما مجرد أعياد مرتبطة بمواسم الحصاد، وكلمة "أعياد" تقابلها في العبرية كلمة "حَجِّيم" (مفردها "حَج")، ويقابلها أيضًا "موعيد" أو "يوم طوف". وتُستخدَم كلمة حجيم للإشارة إلى عيد الفصح وعيد الأسابيع وعيد المظال
جاء في سفر (الخروج ٢٣/ ١٩: ١٤): ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تُعَيِّدُ لِي فِي السَّنَةِ. ١٥ تَحْفَظُ عِيدَ الْفَطِيرِ. تَأْكُلُ فَطِيرًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ كَمَا أَمَرْتُكَ فِي وَقْتِ شَهْرِ أَبِيبَ، لأَنَّهُ فِيهِ خَرَجْتَ مِنْ مِصْرَ. وَلَا يَظْهَرُوا أَمَامِي فَارِغِينَ. ١٦ وَعِيدَ الْحَصَادِ أَبْكَارِ غَلَّاتِكَ الَّتِي تَزْرَعُ فِي الْحَقْلِ. وَعِيدَ الْجَمْعِ فِي نِهَايَةِ السَّنَةِ عِنْدَمَا تَجْمَعُ غَلَّاتِكَ مِنَ الْحَقْلِ. ١٧ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي السَّنَةِ يَظْهَرُ جَمِيعُ ذُكُورِكَ أَمَامَ السَّيِّدِ الرَّبِّ. . . . أَوَّلَ أَبْكَارِ أَرْضِكَ تُحْضِرُهُ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ.
وفي سفر (التثنية ١٦/ ١٧: ١٦): "ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي السَّنَةِ يَحْضُرُ جَمِيعُ ذُكورِكَ أَمَامَ الرَّبَّ إِلهِكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُهُ، فِي عِيدِ الْفَطِيرِ وَعِيدِ الأَسَابِيعِ وَعِيدِ الْمَظَالِّ. وَلَا يَحْضُرُوا أَمَامَ الرَّبِّ فَارِغِينَ. ١٧ كُلُّ وَاحِدٍ حَسْبَمَا تُعْطِي يَدُهُ.
стр. 3374
وهذا الحضور أو الظهور أمام الرب ثلاث مرات في السنة هو حج الإسرائيليين، وهو خاص بالذكور دون الإناث.
وقت الحج في الإسلام: الحج في الإسلام مرتبط بالأشهر القمرية، وهو يعني أنه يأتي صيفًا ويأتي شتاءً ويمر داخل السنة الشمسية، فيمر بكل تقلباتها المختلفة، وهو من حكمة الخالق ، ودقيق صنعه لعباده، وهو ما كان من دين إبراهيم وإسماعيل ﵉، ولكن أهل مكة بدلوا وغيروا، ونعى الله عليهم ذلك في القرآن الكريم ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: ٣٧]، وذلك أن العرب كانت تعتقد تعظيم الأشهر الحرم، وكان ذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم ﵇، وكانت عامة معايشهم من الصيد والغارة، فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر على التوالي، وربما وقعت لهم حرب في بعض الأشهر الحرم فيكرهون تأخير حربهم، فنسؤوا أي: أخَّروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، فيحرمون صفر ويستحلون المحرم، فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخروه إلى ربيع، هكذا شهرًا بعد شهر.
ويقول الرازي: إن القوم علموا أنهم لو رتبوا حسابهم على السنة القمرية، فإنه يقع حجهم تارة في الصيف وتارة في الشتاء، وكان يشق عليهم الأسفار ولم ينتفعوا بها في المرابحات والتجارات، لأن سائر الناس من سائر البلاد ما كانوا يحضرون إلا في الأوقات اللائقة الموافقة، فعلموا أن بناء الأمر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا، فتركوا ذلك واعتبروا السنة الشمسية. (١)
فما فعله المشركون كان خروجًا على ملة إبراهيم وإسماعيل ﵉، وجاء الإسلام ليصحح الخطأ، وأسواق العرب لم تكن فقط بسبب جني البلح كما اعتقد (فنسنك)، لأنه بحسب أصل الشعيرة كما هي في ملة إبراهيم ﵇ كان الحج يقع صيفًا وشتاءً.
الأضحية عند اليهودية: إن هوس المستشرقين بنسبة كل شعائر الإسلام إلى اليهودية والنصرانية أو إلى أي مصدر آخر أي أن تكون وحي موحى بها من عند الله جعلهم يقعون في أغلاط تاريخية واضحة، فمسألة الضحية أو التضحية ليست قاصرة على اليهود، بل هي من
стр. 3375
الشعائر التي عرفتها الإنسانية حتى قبل الخليل ﵇، فإن نحر الحيوانات ضحية معروفة في الأديان القديمة، وكان معروفًا عند الكنعانيين قبل أن يروا اليهود، أو على الأصح قبل أن يفد إبراهيم إلى تخوم فلسطين، والإسلام يستعمل ضحايا عيد الضحية للصدقة والبر بالفقراء، وهو عمل يتقرب به إلى الله تعالى، سواء من المذنبين ذوي الخطايا الكبيرة ومن الأطهار الأبرار على السواء، وكان العرب يعرفون القرابين الحيوانية ويذبحونها لأسباب كثيرة، ومشهور أن عبد المطلب جد النبي ﷺ افتدى ابنه عبد الله بمائة من الإبل.
بل وأبعد من ذلك في تاريخ الأديان ما جاء عن شعائر الديانة السومرية أن الأضاحي فيها كانت بالدرجة الأساس أضاحٍ نباتية وحيوانية، أما الأضاحي النباتية فكانت تُقدم بكثرة إلى المعابد لإطعام الآلهة والكهنة، ومنها الفاكهة، والحيوانية كانت تتألف من الثيران والما شية والماعز والغزلان والأسماك والخنازير وأنواع الطيور.
وفي الآرامية: كان القربان يسمى (قرين) وكان يُقدم للآلهة نذرًا أو تقدمة، ولكننا لا نعرف على وجه الدقة ما نوع الحيوانات التي كانت تُقدم كنذور، وما هي الحيوانات المحرم تقديمها، كذلك يصعب علينا معرفة القرابين النباتية والبشرية من عدم وجودها، وكان وعاء الأضاحي يسمى الدورق (أدقور)، وهو وعاء لرش السائل أو الماء، وهناك أيضًا المجامر التي كانت ترافق تقديم القرابين والأضاحي.
وهذه الطقوس هي ما يمارسه اليهود والنصارى اليوم في تقديم الذبائح والقرابين، فليس لليهود فضل في هذه الشعيرة، بل هي التي شوهت شعائر الله، والتاثت عقائدها بعقائد الوثنية، ففهمت أن القرابين والتضحيات ينال منها الله تعالى، ولقد جاء القرآن الكريم يضرب بباطلهم وجوههم، ويرد عن شعائر الله لوثات الوثنية ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ [الحج: ٣٧]، وإنما هي بقايا ما ورث الناس من الدين الحق، وإن أخطأ الناس ممارستها وتقربوا بها إلى غير مستحقها .
стр. 3376
وعلى الرغم من ذلك فإن القربان والتضحية في اليهودية - كما هو ممارَس عندهم - بينه وبين نظيره في الإسلام بون شاسع وفروق كبيرة، فالقربان في اليهودية يكون تارة من بواكير الزرع، وتارة من بواكير الحيوان في مواسم الحصاد أو النتاج، وتكون التضحية أو القربان ثمنًا للغفران من الله أو رشوة لتسكين الغضب واستجلاب الرضى والرعاية، بل يكون القربان الأكبر طعامًا مقدمًا إلى الله لأنه يستسيغه ويشعر بالسرور لاشتمامه، ويكون في كل حال هدية منتقاة من أطايب الذبيحة لكهان الهيكل وخدامه المنتسبين إليه.
ففي سفر (اللاويين ١/ ٩: ١): وَدَعَا الرَّبُّ مُوسَى وَكَلَّمَهُ مِنْ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ قَائِلًا: ٢ "كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: إِذَا قَرَّبَ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ قُرْبَانًا لِلرَّبِّ مِنَ الْبَهَائِمِ، فَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ تُقَرِّبُونَ قَرَابِينَكُمْ. ٣ إِنْ كَانَ قُرْبَانُهُ مُحْرَقَةً مِنَ الْبَقَرِ، فَذَكَرًا صَحِيحًا يُقَرِّبْهُ. إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ يُقَدِّمُهُ لِلرِّضَا عَنْهُ أَمَامَ الرَّبِّ. ٤ وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ اْلمُحْرَقَةِ، فَيُرْضَى عَلَيْهِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْهُ. ٥ وَيَذْبَحُ الْعِجْلَ أَمَامَ الرَّبِّ، وَيُقَرِّبُ بَنوُ هَارُونَ الْكَهَنَةُ الدَّمَ، وَيَرُشُّونَهُ مُسْتَدِيرًا عَلَى الْمَذْبَحِ الَّذِي لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. ٦ وَيَسْلُخُ الْمُحْرَقَةَ وَيُقَطِّعُهَا إِلَى قِطَعِهَا. ٧ وَيَجْعَلُ بَنُو هَارُونَ الْكَاهِنِ نَارًا عَلَى الْمَذْبَحِ، وُيُرَتِّبُونَ حَطَبًا عَلَى النَّارِ. ٨ وَيُرَتِّبُ بَنُو هَارُونَ الْكَهَنَةُ الْقِطَعَ مَعَ الرَّأْسِ وَالشَّحْمِ فَوْقَ الْحَطَبِ الَّذِي عَلَى النَّارِ الَّتِي عَلَى الْمَذْبَحِ. ٩ وَأَمَّا أَحْشَاؤُهُ وَأَكَارِعُهُ فَيَغْسِلُهَا بِمَاءٍ، وَيُوقِدُ الْكَاهِنُ الْجَمِيعَ عَلَى الْمَذْبَحِ مُحْرَقَةً، وَقُودَ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ.
فهم يتصورون تصورًا باطلًا أن الله تعالى يأكل، ومن ثَمَّ فالقربان له على الحقيقة كما جاء في سفر (التكوين ١٨/ ٨: ١): وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَقْتَ حَرِّ النَّهَارِ، ٢ فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا ثَلَاثَةُ رِجَال وَاقِفُونَ لَدَيْهِ. فَلَمَّا نَظَرَ رَكَضَ لاسْتِقْبَالِهِمْ مِنْ بَابِ الْخَيْمَةِ وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ، ٣ وَقَالَ: "يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلا تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ. ٤ لِيُؤْخَذْ قَلِيلُ مَاءٍ وَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ وَاتَّكِئُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَآخُذَ كِسْرَةَ خُبْزٍ، فَتُسْنِدُونَ قُلُوبَكُمْ ثُمَّ تَجْتَازُونَ، لأَنَّكُمْ قَدْ مَرَرْتُمْ عَلَى عَبْدِكُمْ". فَقَالُوا: "هكَذَا تَفْعَلُ كَمَا تَكَلَّمْتَ". ٦ فَأَسْرَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْخَيْمَةِ إِلَى سَارَةَ، وَقَالَ: "أَسْرِعِي بِثَلَاثِ كَيْلَاتٍ دَقِيقًا سَمِيذًا. اعْجِنِي وَاصْنَعِي خُبْزَ مَلَّةٍ". ٧ ثُمَّ رَكَضَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْبَقَرِ وَأَخَذَ عِجْلًا
стр. 3377
رَخْصًا وَجَيِّدًا وَأَعْطَاهُ لِلْغُلَامِ فَأَسْرَعَ لِيَعْمَلَهُ. ٨ ثُمَّ أَخَذَ زُبْدًا وَلَبَنًا، وَالْعِجْلَ الَّذِي عَمِلَهُ، وَوَضَعَهَا قُدَّامَهُمْ. وَإِذْ كَانَ هُوَ وَاقِفًا لَدَيْهِمْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَكَلُوا.
هذا المشهد المحرف يعرضه القرآن الكريم في صورة من الجلال والكمال اللائق بقدسية الوحي الإلهي حيث يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٦٩، ٧٠]، ويقول تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٨]، فالذين جاءوا ملائكة وليس الله، وهو لم يعرفهم كما جاء في القرآن الكريم، وهم لم يأكلوا وهو الأمر الذي يتناسب مع طبيعتهم كملائكة.
وأما هذه الصورة الكئيبة التي عرضتها التوراة المحرفة فليست إلا من صنع الكهان ورجال الدين الذين أعملوا يد الإثم في وحي الله، والفارق كبير بين المشهدين، ففي التوراة صورة لا تتفق مع نزاهة التوحيد، وفي القرآن نزاهة وبيان لعصمة الملائكة، وأعجب من هذا ما ورد في سفر (اللاويين ١٦/ ٨: ٥): وَمِنْ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَأْخُذُ تَيْسَيْنِ مِنَ الْمَعْزِ وَيَأْخُذُ التَّيْسَيْنِ وَيُوقِفُهُمَا أَمَامَ الرَّبِّ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. ٨ وَيُلْقِي هَارُونُ عَلَى التَّيْسَيْنِ قُرْعَتَيْنِ: قُرْعَةً لِلرَّبِّ وَقُرْعَةً لِعَزَازِيلَ.
جاء في قاموس الكتاب المقدس: عزازيل ورد في سفر اللاويين ويراد به الشيطان، أو الجن في الصحاري والبراري، أو ملاك ساقط بحسب سفر أخنوخ ومعظم المفسرين الحديثيين، ولئن حاول المفسرون المحدثون تفسيره بملاك ساقط من السماء فهو تفسير واه، لأن المقصود به روح الشر المقابلة للإله في اعتقادهم وهو الشيطان، وإنما تقدم التضحية له لتسكن غضبه، وهي شعيرة تبدو فيها الوثنية الطاغية والتأثر بالمذاهب القائلة بآلهة الخير وآلهة الشر.
الأضحية في الإسلام: ونحن لا نعيب الذبح من حيث هو، لأننا نؤمن بالتضحية كشعيرة إلهية يتقرب بها العبد لربه ، وهو لون من ألوان الاستسلام
стр. 3378
والامتثال لأمر الله، ولكننا نعيب التحريف والطقوس الوثنية التي شابت هذه الشعيرة، وامتزاجها بأفكار مشوشة في الإله تعالى، وإسقاط صفات المخلوقين عليه، وهو الأمر الذي جاء الإسلام بتصحيحه ورد الشعيرة إلى صورتها اللائقة بجناب الله تعالى، فليس القربان الإسلامي طعامًا للرب ولا طعمًا لأحد الوسطاء بين العبد وربه باسم الدين. . . وليس فيه معنى من معاني التقريب للظواهر الطبيعية في مواسمها المعروفة للحصاد والنتاج، قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ [الحج: ٣٦]، والمعنى: إن اتقيت الله في هذه البُدن، وعملت فيها لله، وطلبت ما قال الله تعظيمًا لشعائر الله ولحرمات الله، فإنه قال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، قال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، قال: وجعلته طيبًا، فذلك الذي يتقبل الله. فأما اللحوم والدماء، فمن أين تنال الله؟ .
وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن لطخوا الكعبة بدمائها قربة إلى الله، فأنزل الله هذه الآية، قال مجاهد: أراد المسلمون أن يفعلوا فعل المشركين من الذبح وتشريح اللحم ونصبه حول الكعبة ونضحها بالدماء تعظيمًا لها وتقربًا إليه تعالى فنزلت هذه الآية.
هذه الفروق الجوهرية بين صورة التضحية في الإسلام ونظيرتها في اليهودية والمسيحية هي ذات الفروق بين الإسلام كوحي إلهي وبين اليهودية والمسيحية كديانتين محرفين طالتهما أيدي التشويه الآدمي القاصر.
الحج في المسيحية: ما قيل في اليهودية يقال في المسيحية فليس في المسيحية الحالية شعيرة يمكن أن يطلق عليها اسم الحج كما هو الحال في شعيرة الحج في الإسلام في كمالها وشمولها ووضوح معالمها وأبعادها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والروحية والتربوية، فلم يرد أي نص بالحج في كتبها المقدسة، وما نراه من حج المسيحيين الكاثوليك إلى روما، وما نشاهده من حج المسيحيين على اختلاف طوائفهم وفرقهم إلى القدس لم يرد في الديانة المسيحية وأسفارها المقدسة لدى المسيحيين، وإنما هو تقليد اتبع فيما يعد المسيح بقرون.
стр. 3379
والحج المسيحي إلي القدس ليس فريضة من الفرائض المنصوص عليها في المسيحية وإنما نشأ بعد الإمبراطورة هيلانة أم الإمبراطور قسطنطين. وقد زارت القدس سنة ٣٢٤. وعثرت على الصليب الحقيقي كما تذكر بعض الروايات الضعيفة وصعدت هيلانة إلى مرتبة القداسة فعرفت بالقديسة.
وليس لهذا الحج طقوس أو مناسك، وإنما يقصدها المسيحيون كما يقصدها غيرهم من السائحين فيزورون مولد المسيح وغيره من الأماكن التي تردد عليها كما يزورون الكنائس القائمة في القدس وبيت لحم، والحج بهذه الصورة السابقة في المسيحية عبارة عن سياحة دينية وزيارة لبعض الأماكن التي يعتقدون قدسيتها وقدسية هذه الأماكن ليست بنص في كتبهم، وإنما هي من وضع الرهبان ورجال الدين النصراني، ولا علاقة لها بالمسيح ﵇.
مزارات الحج المسيحي: في المسيحية عدة أماكن يقصدها المسيحيون لحجهم:
(١) الحج إلى مدينتي القدس وروما:
وهي من أعظم مزارات الحج المسيحي باعتبار مولد صاحب الديانة والمركزية الدينية لهذه الديانة، وهي أسباب بشرية لا تدعمها نصوص ولا ترجع إلى فعل المسيح ﵇، وإذا كان قد سبق معنا أن الحج إلى القدس - وهو الحج الأساس في النصرانية - ليس فريضة ولا مناسك له، فالحج أيضًا إلى روما ليس فريضة مقدسة، ولكن زيارة روما مستحبة، وبدأت منذ القرن الثالث عشر الميلادي، ويظهر أن روما استأثرت بالعدد الأكبر من الحجاج وقطعت الطريق إلى بيت المقدس، وإن لم ينقطع المسيحيون عن الزيارة إليها، وهناك فارق بين روما والقدس في الحج، فروما خاصة بالكاثوليك، والقدس محجة كل المسيحيين.
وسبب ازدحام روما أنها أصبحت معقل المسيحية وبها قبر بطرس وقبر بولس وعشرات من مقابر القديسين والزهاد والنصارى، وكان نصارى غرب أوروبا يخرجون إلى الحج في احتفال عظيم، وكان الرئيس الديني لكل بلد يزود كل حاج بعصا ورداء من الصوف الخشن يرتديه عند تسلمه إياه، وكانت لهم في طريقهم إلى القدس أربطة وتكايا ينزلون بها، وإذا وصلوا اغتسلوا بنهر الأردن وتطهروا لدخول بيت المقدس، فإذا حجوا
стр. 3380
رجعوا إلى بلادهم وعرفوا بأنهم حجاج، وهي مجرد عادات واختراعات من رجال الدين ليوظفوا هذا الحدث الارتجالي الذي لا أصل له في دينهم.
(٢) الحج إلى مدينة (تريفس):
وهي مدينة ألمانية يعتقد أن بها قميص المسيح الذي كان يرتديه، وقد جذبت هذه الإشاعة ملايين المسيحيين حتى بلغ عدد حجاجهم إليها سنة ١٨١٤ م أكثر من مليون، وما يزالون يقصدونها حتى الآن، فالشائعات تصنع المناسك وهي تضاف إلى الخبرات الوثنية والتجارب الأممية التي أدخلت طقوسها في هذه الأديان.
(٣) الحج إلى كنيسة (لودره) بفرنسا:
والحج إليها ناتج عن إشاعة تقول أن العذراء ظهرت لاثنين من رعاة مدينة لودره، وعلى مقربة من الكنيسة عين ماء يعتقدون أنه ماء مبارك يشفي المرضى وذوي العاهات، فيشربون منه ويرسلونه إلى كل أقطار الأرض ليتبرك به الشاربون ويستشفي به المرضى، وهي تشبه الخرافات التي أشاعها بعض جهلة المسلمين حول بعض مقابر أولياء الله الصالحين، وبناءً عليه أقاموا طقوسًا وعادات يأتكلون منها مستغلين عواطف البسطاء وحبهم الفطري لأهل الله، فإن حب الصالحين وأولياء الله واحترامهم من الدين، ولكن ما يقام لهم من احتفالات هي في أصلها مخالفة جوهرية لدين الإسلام، وهو أمر لا يقبله عقل ولا يسانده نص من دين الله.
مقارنة بين الحج في اليهودية والنصرانية والإسلام:
يحسن بنا أولًا أن نقرر في هذا الصدد مسألة محورية في فهم شعيرة الحج في الإسلام، فالحج في الإسلام شعيرة بدنية ومالية جوهرها الانصياع الكامل لأوامر الله ونواهيه يطوف المسلم حيث أمر الله، ولا يطوف حيث نهى ويقبل حيث أمر ولا يقبل حيث نهى، إن القضية ليست قضية جنس حتى يقال إنها إحياء وثنيات قديمة ولا هي قضية تقليد، فليس عند القوم مثل هذه الشعيرة، إنما هو التجرد الكامل والانصياع التام حيث الفعل حين نؤمر والترك حيث ننهى، وفيما يلي مقارنة بين الحج في الإسلام وما يسمى بالحج في اليهودية والنصرانية:
١ - وأول الفوارق التي يتبين منها مدى هذا التطور أن الحج في بني إسرائيل إنما كان وسيلة لتدعيم سلطان الهيكل وكهانه، وإنما كان في أهم مناسكه فرصة لتزويد أولئك
стр. 3381
الكهان بالضرائب والإتاوات والقرابين، وقد صرحت بذلك مأثوراتهم كما رووها في العهد القديم، وفيه: وَإِذَا قَرَّبَ أَحَدٌ قُرْبَانَ تَقْدِمَةٍ لِلرَّبِّ، يَكُونُ قُرْبَانُهُ مِنْ دَقِيق. وَيَسْكُبُ عَلَيْهَا زَيْتًا، وَيَجْعَلُ عَلَيْهَا لُبَانًا. ٢ وَيَأْتِي بِهَا إِلَى بَنِي هَارُونَ الْكَهَنَةِ، وَيَقْبِضُ مِنْهَا مِلْءَ قَبْضَتِهِ مِنْ دَقِيقِهَا وَزَيْتِهَا مَعَ كُلِّ لُبَانِهَا، وَيُوقِدُ الْكَاهِنُ تَذْكَارَهَا عَلَى الْمَذْبَحِ، وَقُودَ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ. ٣ وَالْبَاقِي مِنَ التَّقْدِمَةِ هُوَ لِهَارُونَ وَبَنِيهِ (اللاويين ٢/ ٢: ١).
والحج في الإسلام ليس لجمع الإتاوات ولا لإثراء رجال الدين، إنما هو سياحة روحية وبدنية لبيت الله الحرام وتلبية لنداء الحق على لسان إبراهيم ﵇ ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ [الحج: ٢٧]، فهو إحياء للحنيفية الحقة وإقصاء ما علق بها من شوائب الوثنية الجاهلية.
فالحج في الإسلام إحياء الحنيفية الحقة وإحياء لحج الأنبياء من قبل، فلسنا بدعًا في الحج فهو شريعة الله لرسله، ولكن اليهود والنصارى ضيعوا شريعة الله وألبسوها ثوب الزور والبهتان.
٢ - ومن أكبر الفوارق بين الحج كما دان به بنو إسرائيل وبين فريضته التي دان بها الإسلام أن مواسم الحج الإسرائيلية كلها مواسم زرع وحصاد. . . وفي جميع هذه الزيارات تؤدى الإتاوة لكهان الهيكل (ولا تظهروا أمامي فارغين).
٣ - ومن سخافات المبشرين والمستشرقين أنهم يأخذون على الإسلام رمي الجمرات وينسون أن شعائر الضحية كما يرتبها الكهان الإسرائيليون تتجاوز الاعتراف بوجود الشيطان إلى تقديم القربان إليه، فإذا كان يوم الكفارة جاءوا بجديين وفضلوا أحدهما بالقرعة فتقربوا به إلى الله ثم تقربوا بالآخر إلى عزازيل أي الشيطان، وأبعد من ذلك عن نزاهة التوحيد أنهم يتصورون الذبيحة طعامًا للإله ، فيقولون إنه سبحانه يتنسم رائحة الرضى وإنها سرور له ومتاع، ومحال أن يدخل في عقل عاقل أن من التشريع الإسلامي أن يتقرب العبد بقربانين، أحدهما للإله والآخر لروح الشر المناوئة للإله، فإن الإسلام رفض
стр. 3382
الذبح لغير الله تعالى، وجعله من المحرمات ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، فكيف وهم يذبحون لعزازيل وهو الشيطان بزعمهم.
خصوصية الحج في الإسلام:
وهذا يتضح بجلاء من خلال معاينة النقاط التالية:
١ - لقد خطا الإسلام بالضمير الإنساني شوطًا بعيدًا في جميع المناسك والعبادات، فالمسلم لا يحج إلى الكعبة ليعزز فيها سلطان الكهان أو ليقدم إليهم القرابين والإتاوات، وإنما هي فريضة للأمة وفي مصلحة الأمة، وعلى شريعة المساواة بين أبناء الأمة، وهي بهذه المثابة فريضة اجتماعية تعلن فيها الأمم الإسلامية وحدتها، والمساواة بين الكبير والصغير أمام الله وعند بيت الله.
أي جاذبية تلك التي تجمع هذا العدد العظيم من الناس على اختلاف ألسنتهم وألوانهم؟ ، وعلى الرغم من هذا يتحد تفكيرهم بعد المجيء إلى مكة، فالكل يسير نحو هدف مشترك حتى إنه ليبدو أن هناك مغناطيسًا ربانيًا يجذب كل هؤلاء إلى نقطة واحدة مشتركة، وهذا التوحد والانصهار إنما يعيد صياغة المسلم بقوة واقتدار، فيريه جنسيته الحقيقية، إنه مسلم، وهذه جنسيته الحقيقية التي منحه إياها الإسلام، وهذا الوطن المعنوي الذي يحتل الأرض كلها والسماء له عليه حقوق، وإخوانه في هذه الجنسية لهم عليه حقوق، وهذا الفهم يحدث اتساعًا في مدارك المسلم بقدر اتساع آفاق الإسلام.
٢ - إن هؤلاء اليهود والنصارى يعيبون شعيرة الرجم في الإسلام ويعيبون تقبيل الحجر الأسود ويعتبرون ذلك من بقايا الوثنية، والإسلام بريء من افتراءاتهم، فإن تعظيم المسلم للمناسك وأماكنها تعظيم لله تعالى، وهم على الرغم من ذلك يبعدون النجعة في فهمهم لمعنى الضحية، فيقدمون ضحيتين إحداهما لله والأخرى لروح الشر التي يمثلها عزازيل، فإن التضحية ليست في الإسلام طعامًا للكهان أو طعامًا للإله أو قربانًا لكسب الرضى من عزازيل، ولكنها صدقة أو سخاء من النفس في سبيل العبادة، يشير بها الإنسان إلى واجب الضحية بشيء من الدنيا في سبيل الدين متجشمًا لذلك مشقة الرحلة وتكاليفها جهد المستطيع، وهي في الإسلام تطهير النفس وطعمة للفقراء والمساكين، فإنها تعني إراقة دم الرذيلة بيد اشتد ساعدها في بناء الفضيلة، ورمز للتضحية والفداء على مشهد من جند الله الأطهار الأبرار،
стр. 3383
فليست التضحية سلبية تعني اتقاء قوى الشر، ولكنها في الإسلام تتعدى هذا المعنى السلبي إلى معنى أجل وأرفع، وهو مقاومة الشر والرذيلة والتضحية في سبيل ذلك.
٣ - والحج في الإسلام شحنة روحية متقدة لا تخبو، تريه ماضي دينه العريق وحاضره الخصب ومستقبله المأمول، وتربطه بمشاعر الحب والأخوة والمسئولية فتملأ جوانحه خشية وتقى لله، وعزمًا على طاعته وندمًا على معصيته، وتغذي فيه عاطفة الحب لله ولرسول الله ﷺ ولمن عزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه، وتوقظ فيه مشاعر الأخوة لأبناء دينه في كل مكان وتوقد صدره شعلة الحماسة لدينه والغيرة على حرماته، وهذه الدلالة الروحية في الإسلام لا ترتبط بموسم الزرع والحصاد، فإنه يتفق في جميع المواسم والمواعيد ويأتي في الشتاء أو الصيف كما يأتي في الربيع، وهو بهذا المعنى علاقة سماوية روحية تناسب مقصدها الأسمى من تحقيق الرابطة بين الأمم التي تدين بعقيدة واحدة في أرجاء الكرة الأرضية على تباعد مواقعها واختلاف أجوائها وفصولها، فهو رابطة من روابط السماء تؤمن بها أمم وحدتها العقيدة السماوية، وإن فرقت بينها شتى المطارح والبقاع.
٤ - الحج في الإسلام هو فريضة الله الباقية في صورتها الشاملة الكاملة كما نزل بها الوحي على محمد ﷺ بعد أن ضيع اليهود والنصارى هذه الشعيرة واستبدلوا بها شعائر ما نزَّل الله بها من سلطان، بل وضعها كهنتهم ورجال دينهم، ولقد طال بحث المؤرخين الغربيين عن أصول الحج إلى الكعبة قبل الإسلام وتواترت الأقوال بتعدد الأبنية التي كانت من قبليها في الجزيرة العربية، ومنها كعبة صنعاء التي يقال إنها كانت في موضع مسجد غمدان وكعبة نجران التي كشفها الرحالة المعروف الشيخ عبد الله فلبي سنة ١٩٣٦ م، وغير هاتين الكعبتين مما ورد في بعض الأخبار الضعاف بغير سند من دلائل الثقات، وأيًا كان القول الفصل في تاريخ الماضي فالحج الإسلامي في عصرنا هذا هو الفريضة الوحيدة الباقية من قبيلها في جميع الأديان الكتابية.
فهيكل بيت المقدس قد تهدم منذ القرن الأول للميلاد، ولم يرد في الأناجيل المسيحية نص على مكان مقدس مفروض على المسيحيين أن يحجوا إليه، وكل ما عرف بعد القرون الأولى فإنما اتبع فيه الخلف سنة الملكة (هيلانة) أم الإمبراطور قسطنطين التي قيل إنها وجدت
стр. 3384
الصليب الأصيل في فلسطين عندما توجهت إليها لزيارة آثار السيد المسيح، وهي قصة يكفي للدلالة على قيمتها التاريخية أن رواتها جميعًا نقلوها بعد عصر الملكة (هيلانة)، وأن مؤرخ العصر الأكبر (يوسيبيوس) لم يشر إليها بكثير أو قليل على شدة اهتمامه باستقصاء الأخبار التي لا تُدرك بالقياس إلى هذا الخبر العظيم، أما فريضة الحج الإسلامي قد بقيت لها رسالتها التي لا عبث فيها ولا موضع للمكر والدسيسة من ورائها، وإن رسالتها اليوم في العالم الإسلامي لأعظم وألزم من رسالتها في جميع الأزمنة لأنا العهد المجدد في كل عام بين شعوب الإسلام في عصرهم أحوج ما يكونون فيه إلى الوفاق والوئام.
فنحن الآن أمام فريضة إلهية وتنزلات سماوية، لا تدخُّل فيها لبشر، ولا إضافة ولا حذف، بل هي وحي الله لنبيه ﷺ لم تَشُبْه لوثات الجاهلين ولا افتراءات المضللين. (١)
* * *
стр. 3385
سورة الفرقان
وفيها:
١ - شبهة: أساطير الأولين.
٢ - شبهة: إنكار أصحاب الرس.
٣ - شبهة: غرفة أم غرفات.
стр. 3386
١ - شبهة: أساطير الأولين .
نص الشبهة:
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٥, ٦].
فقالوا: اتهم المشركون محمدًا بأنه يورد أساطير الأولين في القرآن، وأن القرآن لم يرد على هذه الشبهة؟ لكنه فقط ينفي أن تكون هذه الأساطير من عند محمد، واستدلوا على ذلك في زعمهم بتعجب الإمام (الرازي) من رد القرآن، وموافقته لهذه القضية.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: إثبات كذب هؤلاء في هذا الزعم من نفس كلامهم في الآية.
الوجه الثاني: أن الضمير في قوله ﴿أَنْزَلَهُ﴾ لا يعود على أساطير الأولين، وإنما هو عائد إلى القرآن.
الوجه الثالث: أن الآية جوابًا وإنكارًا، وليست إقرارًا، بل ترد على الشبهة.
الوجه الرابع: بيان كذبهم على الإمام (الرازي)، وأن هذا ليس من الأمانة في نقل الأخبار.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: إثبات كذبهم في هذا الادعاء من نفس كلامهم في الآية .
فإنهم قالوا اكتتبها، ومعلوم أن النبي ﷺ لا يقرأ ولا يكتب، وهذا الكلام لسخافته وكذبه وبهته كل أحد يعلم منهم بطلانه، فإنه قد علم بالتواتر وبالضرورة: أن محمدًا رسول الله ﷺ لم يكن يعاني شيئًا من الكتابة لا في أول عمره ولا في آخره، وقد نشأ بين أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوا من أربعين سنة، وهم عرفوا مدخله ومخرجه، وصدقه وبره وأمانته، ونزاهته من الكذب والفجور، وسائر الأخلاق الرذيلة حتى أنهم لم يكونوا يسمونه في صغره إلى أن بعث إلا بـ (الأمين) لما يعلمون من صدقه وبره، فلما أكرمه الله بما أكرمه به نصبوا له العداوة والبغضاء، ورموه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها، وحاروا في ماذا يقذفون به، فتارة من إفكهم يقولون: ساحر، وتارة يقولون: شاعر، وتارة يقولون: مجنون،
стр. 3387
وتارة يقولون: كذاب، قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٩]، وقال تعالى ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧, ١٥٨]. (١)
الوجه الثاني: الضمير عائد على القرآن، وليس إلى أساطير الأولين حتى نقول أنه أثبت ذلك .
قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان: ٦]. أي أن الله أنزل هذا القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين إخبارًا حقًا صدقًا مطابقًا للواقع في الخارج ماضيًا ومستقبلًا. (٢)
الوجه الثالث: أن في الآية جوابًا وإنكارًا، وردًا على هذه الشبهة .
فإن الله سبحانه تكلم في هذه السورة عن التوحيد، لأنه أقدم وأهم، ثم تكلم في النبوة لأنها الواسطة، ثم في المعاد لأنه الخاتمة، فلما فرغ من بيان التوحيد، وتزييف مذاهب المشركين، شرع في ذكر شبهة منكري النبوة، فالشبهة الأولى ما حكاه عنهم بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)﴾ [الفرقان: ٤]. فرد الله عليهم بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾، ثم ذكر الشبهة الثانية فقال: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: ٥]، فأجاب الله سبحانه عن
стр. 3388
هذه الشبهة بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦]، أي: ليس ذلك مما يفترى ويفتعل بإعانة قوم وكتابة آخرين من الأحاديث الملفقة، وأخبار الأولين بل هو أمر سماوي أنزله الذي يعلم كل شيء، لا يغيب عنه شيء من الأشياء، فلهذا عجزتم عن معارضته، ولم تأتوا بسورة منه، وخص السر للإشارة إلى إنطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر. (١)
الوجه الرابع: بيان كذبهم على الإمام الرازي، وأن هذا ليس من الأمانة في نقل الأخبار .
ولا عجب من ذلك فهذا صنيعهم إذا كانوا حرفوا كتاب الله، فمن باب أولى أن يحرفوا كلام البشر، ولو قرؤوا كلام الرازي بتدبر لفهموا كلامه، إذ إن الإمام الرازي بين أولًا أنها جوابًا على الشبهة، ثم ذكر بعض مباحث عن الجواب ورد عليها أيضًا.
وهذا هو كلامه كاملًا: فقال:
(الشبهة الثانية لهم) قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: ٥] وفيه أبحاث:
البحث الأول: الأساطير ما سطره المتقدمون كأحاديث رستم واسفنديار، جمع أسطار أو أسطورة كأحدوثة: ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها محمد ﷺ من أهل الكتاب يعني عامرًا ويسارًا وجبرًا، ومعنى اكتتب ههنا أمر أن يكتب له كما يقال احتجم وافتصد إذا أمر بذلك: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ أي تقرأ عليه والمعنى أنها كتبت له وهو أمي فهي تلقي عليه من كتابه ليحفظها لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.
أما قوله: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، قال الضحاك: ما يملى عليه بكرة يقرؤه عليكم عشية، وما يملى عليه عشية يقرؤه عليكم بكرة.
البحث الثاني: قال الحسن قوله: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ كلام الله ذكره جوابًا عن قولهم كأنه تعالى قال إن هذه الآيات تملى عليه بالوحي حالًا بعد حال، فكيف
стр. 3389
ينسب إلى أنه أساطير الأولين.
وأما جمهور المفسرين فقد اتفقوا على أن ذلك من كلام القوم، وأرادوا به أن أهل الكتاب أملوا عليه في هذه الأوقات هذه الأشياء ولا شك أن هذا القول أقرب لوجوه:
أحدها: شدة تعلق هذا الكلام بما قبله، فكأنهم قالوا اكتتب أساطير الأولين فهي تملى عليه.
وثانيها: أن هذا هو المراد بقولهم: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾.
وثالثها: أنه تعالى أجاب بعد ذلك عن كلامهم بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾.
قال الزمخشري (١): وقول الحسن إنما يستقيم أن لو فتحت الهمزة للاستفهام الذي في معنى الإنكار وحق الحسن أن يقف على: ﴿الْأَوَّلِينَ﴾، وأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦] وفيه أبحاث:
البحث الأول: في بيان أن هذا كيف يصلح أن كون جوابًا عن تلك الشبهة؟ ، وتقريره ما قدمنا أنه ﵇ تحداهم بالمعارضة وظهر عجزهم عنها، ولو كان ﵇ أتى بالقرآن بأن استعان بأحد، لكان من الواجب عليهم أيضًا أن يستعينوا بأحد، فيأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزوا عنه ثبت أنه وحي الله وكلامه، فلهذا قال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وذلك لأن القادر على تركيب ألفاظ القرآن لا بد وأن يكون عالمًا بكل المعلومات ظاهرها وخافيها وليس ذلك إلا الله.
وبيانه من وجوه:
أحدها: أن مثل هذه الفصاحة لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات.
ثانيها: أن القرآن مشتمل على الإخبار عن الغيوب، وذلك لا يأتي إلا من العالم بكل المعلومات.
ثالثها: أن القرآن مبرأ عن النقص، وذلك لا يأتي إلا من العالم على ما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
стр. 3390
رابعها: اشتماله على الأحكام التي هي مقتضية لمصالح العالم ونظام العباد، وذلك لا يكون إلا من العالم بكل المعلومات.
خامسها: اشتماله على أنواع العلوم، وذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات.
فلما دل القرآن من هذه الوجوه على أنه ليس إلا كلام العالم بكل المعلومات لا جرم أكتفي في جواب شبهتهم بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ (١).
قلت: وهذا هو الكلام الصحيح الذي لا غبار عليه. فتراه أقر بأن الآية جوابًا في أولها وفي منتصفها وفي خاتمتها، ورد على كل الشبهات المتعلقة، فرحمه الله.
وكان محل كلامنا في عرضه للشبهة الثانية لهم، والرد عليها.
* * * *
стр. 3391
٢ - شبهة: إنكار أصحاب الرس .
نص الشبهة:
قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾ [الفرقان: ٣٨] قالوا: بعد أن ذكروا اختلاف أهل العلم فيهم ما هذا الرس وفي أي البلاد وفي أي زمن؟ ! ولماذا لم يوضح القرآن ذلك؟
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: قصة أصحاب الرس ثابتة بالقرآن .
الوجه الثاني: تحقيق القول في أصحاب الرس.
الوجه الثالث: القصة وبيان أهميتها في القرآن.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: قصة أصحاب الرس ثابتة بالقرآن.
قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾ [الفرقان: ٣٨].
وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾ [ق: ١٢ - ١٤].
فهذه من قصص القرآن التي ذكرها الله في كتابه فيجب الإيمان والتصديق بها؛ لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وقد وصف الله أخباره عن القصص بصفة الحق، كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣]، وقال تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٣].
وإذا كان هذا هو الحق عن ذلك فلا يجوز فيه النسخ أو التبديل أو التحريف.
وإذا كان النبي ﷺ أخبر بذلك فهذا بوحي من الله، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].
ثم إن الله قد أرسل الرسل فمنهم من ذكر خبره في القرآن، ومنهم من لم يذكر خبره، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ
стр. 3392
وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر: ٧٨]، وكذلك الأمم فمنهم من ذكر خبره ومنهم من لم يذكر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [إبراهيم: ٩].
وقصة وأصحاب الرس مما ذكر القرآن أشار إليها فوجب الإيمان والتصديق بها حتى وإن كنا لا نعلم من هو الذي أرسل إليهم؟ وكيف كانت سيرتهم؟ !
الوجه الثاني: تحقيق القول في أصحاب الرس .
القول الأول: أنهم في اليمن على آبار.
فعن قتادة قال: (وأصحاب الرس) كانوا بحجر بناحية اليمامة على آبار. (١)
القول الثاني: قرية من ثمود. قال ابن عباس ﵁: "أنهم قال قرية من ثمود". (٢)
القول الثالث: أنهم أصحاب يس.
فعن عكرمة قال: أصحاب الرس بفلج هم أصحاب يس. (٣)
وعن الضحاك قال: بئر قتل فيه صاحب يس. (٤)
وقد استبعد ابن الجوزي هذا القول. (٥)
стр. 3393
القول الرابع: أصحاب الرس بئر بأزربيجان.
فعن ابن عباس: في قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ بئر بأزربيجان (١)
قال ابن عاشور: ولا أحسب أنه المراد في هذه الآية، ولعله من تشابه الأسماء. (٢)
القول الخامس: عن مجاهد قال: "الرس بئر كان عليها قوم". (٣)
القول السادس: عن قتادة أنه قال: "إن أصحاب الأيكة، وأصحاب الرس كانتا أمتين، فبعث الله إليهم نبيًا واحدًا شعيبًا، وعذبها الله بعذابين". (٤)
стр. 3394
القول السابع: هم قوم رسوا نبيهم في بئر. فعن عكرمة قال: "كان الرس بئرًا رسَّوا فيها نبيهم". (١)
القول الثامن: أصحاب الرس هم أصحاب العبد الأسود. فعن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود" (٢)
قال ابن كثير: وفيه غرابة ونكارة ولعل فيه إدراجًا. (٣)
قال الطبري: غير أن هؤلاء في هذا الخبر يذكر محمد بن كعب عن النبيّ ﷺ أنهم آمنوا بنبيهم واستخرجوه من حفرته، فلا ينبغي أن يكونوا المعنيين بقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ لأن الله أخبر عن أصحاب الرّسّ أنه دمرهم تدميرا، إلا أن يكونوا دمروا بأحداث أحدثوها بعد نبيهم الذي استخرجوه من الحفرة وآمنوا به، فيكون ذلك وجهًا. (٤)
هذه هي الأقوال التي ذكرت مسنده في أصحاب الرس.
وقد قيل في ذلك أهوال أخرى غير مسنده منها:
١ - هم أصحاب البئر المعطلة وقصر مشيد.
٢ - هم أصحاب حنظلة بن صفوان.
٣ - هم أصحاب الأخدود.
٤ - قومًا كانوا يعبدون شجرة الصنوبر.
٥ - أنهم قومًا أرسل إليهم نبيًا فأكلوه! ، وهم أول من عمل نساءهم السحر.
٦ - قوم كانت لهم قرية على شاطئ النهر يقال له الرس من بلاد المشرق فبعث الله تعالى إليهم نبيًا من ولد يهود ابن يعقوب فكذبوه.
стр. 3395
٧ - هن اللواتي كن على عهد (تُبع) يفعلن السحاق. (١)
وملخص أصحاب الرس أنهم قوم أهلكهم الله تعالى بتكذيب من أرسل إليهم، وأن الله أهلكهم بسبب كفرهم. (٢)
وقد اختار ابن جرير الطبري أنهم أصحاب الأخدود حيث قال: والصواب من القول في ذلك، قول من قال: هم قوم كانوا على بئر، وذلك أن الرّسّ في كلام العرب: كلّ محفور مثل البئر والقبر ونحو ذلك، ولا أعلم قومًا كانت لهم قصة بسبب حفرة، ذكرهم الله في كتابه إلا أصحاب الأخدود، فإن يكونوا هم المعنيين بقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ فإنا سنذكر خبرهم إن شاء الله إذا انتهينا إلى سورة البروج، وإن يكونوا غيرهم فلا نعرف لهم خبرا؛ إلا ما جاء من جملة الخبر عنهم أنهم قوم رَسوا نبيهم في حفرة". (٣)
قال ابن كثير: وقد اختار ابن جرير أنهم أصحاب الأخدود وهو ضعيف؛ وذلك لأن أصحاب الرس في خبرهم ما يدل على أنهم أهلكوا ودمروا وتبروا وهو الهلاك، وأما أصحاب الأخدود حيث توعدهم بالعذاب في الآخرة إن لم يتوبوا ولم يذكر هلاكهم، وقد صرح بهلاك أصحاب الرس. (٤)
الوجه الثالث: القصة في القرآن وأهميتها .
وفي هذا الوجه نذكر صفة القصص في القرآن، وأقسامه، وأهميته.
أولًا: صفة القصص في القرآن:
١ - أصدق القصص كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، وذلك لتمام مطابقتها للواقع.
٢ - أحسن القصص كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وذلك لاشتمالها على أعلى درجات الكمال في البلاغة وجلال المعنى.
стр. 3396
٣ - أنفع القصص كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، وذلك لقوة تأثيرها في إصلاح القلوب والأعمال والأخلاق.
٤ - موسوم بوسام الحق: كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢].
وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣] وهذا معناه أنه لا يتبدل ولا يتغير.
ثانيًا: أقسام القصص في القرآن:
وهي على ثلاثة أنواع:
الأول: قصص الأنبياء:
وقد تضمن دعوتهم إلى قومهم والمعجزات التي أيدهم الله بها، وموقف المعاندين منهم، ومراحل الدعوة وتطورها، وعاقبة المؤمنين والمكذبين.
الثاني: قصص قرآني يتعلق بحوادث غابرة وأفراد وطوائف جرى لهم ما فيه عبرة. كقصة مريم ولقمان وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وذي القرنين وقارون وأصحاب الكهف وأصحاب الأخدود وأصحاب الفيل وأصحاب السبت ونحو ذلك.
الثالث: قصص يتعلق بالحوادث التي حدثت في زمن رسول الله ﷺ وأقوام على عهده. كغزوة بدر وأحد والأحزاب وغيرها من الغزوات، وحادث الهجرة والإسراء، وقصة زيد بن حارثة مع زوجته، وأبي لهب وغير ذلك. (١)
ثالثًا: أهمية (فوائد) القصص:
١ - تسلية النبي ﷺ عما أصابه من المكذبين به:
قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر: ٢٥, ٢٦].
٢ - تثبيت قلب رسول الله ﷺ وقلوب الأمة المحمدية على دين الله:
стр. 3397
قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠].
٣ - دليل على صدق رسالة النبي ﷺ : فإن الأخبار عن الأمم السابقة لا يعلمها إلا الله ، والنبي ﷺ كان لا يقرأ ولا يكتب، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩].
٤ - العظة والعبرة:
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].
٥ - تسلية الشخص المصاب وتعزيته بأهل الفضل والصلاح:
قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٣].
٦ - ترغيب المؤمنين في الإيمان بالثبات عليه والازدياد منه، إذا علموا نجاة السابقين المؤمنين وانتصار من أمروا بالجهاد:
قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]. وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]
٧ - تحذير للكافرين وأصحاب المعاصي من الاستمرار على ذلك: قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠].
٨ - إيضاح أسس الدعوة إلى الله، وبيان أصول الشرائع التي بعث بها كل نبي، فهي منهج دعوي لأصحاب الدعوة:
٣ - شبهة: غرفة أم غرفات .
نص الشبهة:
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]، في الآية الأولى (الغرفة)، وفي الثانية (الغرفات)، فكيف يكون الرد؟
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: هذا ليس بتعارض، فذكر المفرد وإرادة الجمع هذا من أساليب القرآن المعجز.
الوجه الثاني: بيان معاني الغرفة وأنها درجة عالية رفيعة في الجنة.
الوجه الثالث: بيان الحكمة من الإفراد والجمع في الآيتين.
الوجه الرابع: بيان أوجه القراءات في قوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: ذكر المفرد ويراد به الجمع، هذا أسلوب من أساليب القرآن المعجز وهذا منه .
قال الشنقيطي: الذي يظهر لي من استقراء اللغة العربية التي نزل بها القرآن، هو أن من أساليبها أن المفرد إذا كان اسم جنس يكثر إطلاقه مرادًا به الجمع مع تنكيره، وتعريفه بالألف واللام، وبالإضافة فمن أمثلته في القرآن مع التنكير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ أي: وأنهار بدليل قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾، وقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي: أئمة، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ أي: أنفسًا، وقوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾ أي سامرين، وقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: بينهم، وقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أي: رفقاء، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ أي: مجنبين أو أجنابًا، وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ أي: مظاهرون. ومن أمثلة ذلك مع التنكير في كلام العرب قول عقيل بن علفة المري:
стр. 3400
وكان بنو فزارة شرّ عم ... وكنتُ لهم كشر بني الأَخينا
يعني: شر أَعمام.
وقول قعنب ابن أم صاحب:
ما بال قوم صديق ثم ليس لهم ... دين وليس لهم عقل إذا ائتمنوا
يعني: ما بال قوم أصدقاء.
وقول جرير:
نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... بأعين أعداء وهن صديق
يعني: صديقات.
وقول الآخر:
لعمري لئن كنتم على النأي والنوى ... بكم مثل ما بي إنكم لصديق
أي لسن لي بأمراء، ومن أمثلته في القرآن واللفظ مضاف قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أي أصدقائكم: وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي أوامره: وقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ أَي نعم الله، وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ أي أضيافي، ونظير ذلك من كلام العرب قول علقمة بن عبدة التميمي:
بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب
أي: وأما جلودها فصليبة، وقول الآخر:
كلوا في بعض بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص
أي: بطونكم. وهذا البيت والذي قبله أنشدهما سيبويه في كتابه مستشهدًا بهما لما ذكرنا.
ومن أمثلة ذلك قول العباس بن مرداس السلمي:
فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... وقد سلمت من الأحسن الصدور
أي: إنا إخوانكم.
وقول جرير:
إذا آباؤنا وأبوك عدوًا ... أبان المقرفات من العراب