← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

٣ - أنفع القصص كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، وذلك لقوة تأثيرها في إصلاح القلوب والأعمال والأخلاق. ٤ - موسوم بوسام الحق: كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]. وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣] وهذا معناه أنه لا يتبدل ولا يتغير. ثانيًا: أقسام القصص في القرآن: وهي على ثلاثة أنواع: الأول: قصص الأنبياء: وقد تضمن دعوتهم إلى قومهم والمعجزات التي أيدهم الله بها، وموقف المعاندين منهم، ومراحل الدعوة وتطورها، وعاقبة المؤمنين والمكذبين. الثاني: قصص قرآني يتعلق بحوادث غابرة وأفراد وطوائف جرى لهم ما فيه عبرة. كقصة مريم ولقمان وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وذي القرنين وقارون وأصحاب الكهف وأصحاب الأخدود وأصحاب الفيل وأصحاب السبت ونحو ذلك. الثالث: قصص يتعلق بالحوادث التي حدثت في زمن رسول الله ﷺ وأقوام على عهده. كغزوة بدر وأحد والأحزاب وغيرها من الغزوات، وحادث الهجرة والإسراء، وقصة زيد بن حارثة مع زوجته، وأبي لهب وغير ذلك. (١) ثالثًا: أهمية (فوائد) القصص: ١ - تسلية النبي ﷺ عما أصابه من المكذبين به: قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر: ٢٥, ٢٦]. ٢ - تثبيت قلب رسول الله ﷺ وقلوب الأمة المحمدية على دين الله:

стр. 3397

قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠]. ٣ - دليل على صدق رسالة النبي ﷺ : فإن الأخبار عن الأمم السابقة لا يعلمها إلا الله ، والنبي ﷺ كان لا يقرأ ولا يكتب، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]. ٤ - العظة والعبرة: قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]. ٥ - تسلية الشخص المصاب وتعزيته بأهل الفضل والصلاح: قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. ٦ - ترغيب المؤمنين في الإيمان بالثبات عليه والازدياد منه، إذا علموا نجاة السابقين المؤمنين وانتصار من أمروا بالجهاد: قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]. وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] ٧ - تحذير للكافرين وأصحاب المعاصي من الاستمرار على ذلك: قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠]. ٨ - إيضاح أسس الدعوة إلى الله، وبيان أصول الشرائع التي بعث بها كل نبي، فهي منهج دعوي لأصحاب الدعوة:

стр. 3398

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. ٩ - منهج تربوي في جميع المجالات. (١) * * * *

стр. 3399

٣ - شبهة: غرفة أم غرفات . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]، في الآية الأولى (الغرفة)، وفي الثانية (الغرفات)، فكيف يكون الرد؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: هذا ليس بتعارض، فذكر المفرد وإرادة الجمع هذا من أساليب القرآن المعجز. الوجه الثاني: بيان معاني الغرفة وأنها درجة عالية رفيعة في الجنة. الوجه الثالث: بيان الحكمة من الإفراد والجمع في الآيتين. الوجه الرابع: بيان أوجه القراءات في قوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. وإليك التفصيل الوجه الأول: ذكر المفرد ويراد به الجمع، هذا أسلوب من أساليب القرآن المعجز وهذا منه . قال الشنقيطي: الذي يظهر لي من استقراء اللغة العربية التي نزل بها القرآن، هو أن من أساليبها أن المفرد إذا كان اسم جنس يكثر إطلاقه مرادًا به الجمع مع تنكيره، وتعريفه بالألف واللام، وبالإضافة فمن أمثلته في القرآن مع التنكير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ أي: وأنهار بدليل قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾، وقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي: أئمة، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ أي: أنفسًا، وقوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾ أي سامرين، وقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: بينهم، وقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أي: رفقاء، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ أي: مجنبين أو أجنابًا، وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ أي: مظاهرون. ومن أمثلة ذلك مع التنكير في كلام العرب قول عقيل بن علفة المري:

стр. 3400

وكان بنو فزارة شرّ عم ... وكنتُ لهم كشر بني الأَخينا يعني: شر أَعمام. وقول قعنب ابن أم صاحب: ما بال قوم صديق ثم ليس لهم ... دين وليس لهم عقل إذا ائتمنوا يعني: ما بال قوم أصدقاء. وقول جرير: نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... بأعين أعداء وهن صديق يعني: صديقات. وقول الآخر: لعمري لئن كنتم على النأي والنوى ... بكم مثل ما بي إنكم لصديق أي لسن لي بأمراء، ومن أمثلته في القرآن واللفظ مضاف قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أي أصدقائكم: وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي أوامره: وقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ أَي نعم الله، وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ أي أضيافي، ونظير ذلك من كلام العرب قول علقمة بن عبدة التميمي: بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب أي: وأما جلودها فصليبة، وقول الآخر: كلوا في بعض بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص أي: بطونكم. وهذا البيت والذي قبله أنشدهما سيبويه في كتابه مستشهدًا بهما لما ذكرنا. ومن أمثلة ذلك قول العباس بن مرداس السلمي: فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... وقد سلمت من الأحسن الصدور أي: إنا إخوانكم. وقول جرير: إذا آباؤنا وأبوك عدوًا ... أبان المقرفات من العراب

стр. 3401

أي: إذا آباؤنا وآباؤك عدوًا وهذا البيت، والذي قبله يحتمل أن يراد بهما جمع التصحيح للأب وللأخ، فيكون الأصل: أبون وأخون فحذفت النون للإضافة، فصار كلفظ المفرد. ومن أمثلته جمع التصحيح في جمع الأخ بيت عقيل بن علفة المذكور آنفًا، حيث قال فيه: كشربني الأخينا ومن أمثلة تصحيح جمع الأب قول الآخر: فلما تبين أصواتنا ... بكين وفديننا بالأبينا ومن أمثلة ذلك في القرآن: واللفظ معرف بالألف واللام قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: بالكتب كلها، بدليل قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ وقوله: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: الغرف بدليل قوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾، وقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، أي: الملائكة بدليل قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، وقوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي: الأدبار بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ أي: الأطفال، وقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ أي الأعداء، ونحو هذا كثير في القرآن، وفي كلام العرب: وهو في النعت بالمصدر مطرد، كما تقدم مرارًا. ومن أمثلة ذلك قول زهير: متى يَشْتَجِر قومٌ يقل سرواتهم ... هم بيننا هم رضي وهم عدل أي عدول مرضيون (١). الوجه الثاني: بيان معاني الغرفة، وأنها درجة عالية في الجنة . فقد تعددت أقوال أهل العلم في تفسير معنى الغرفة، وها هي:

стр. 3402

القول الأول: الغرفة هي الدرجة العالية الرفيعة في الجنة. وهي من أعلى منازل الجنة وأفضلها (١). وعليه فلا إشكال، فالجنة درجات وكل على حسب عمله فهم في الجنة، والجنة درجات وغرف وكل على حسب رحمة الله وفضله. وكل على حسب عمله، فكما أن الناس متفاوتون في الدنيا هذا فقير مدقع وهذا غني موسع عليه، فكذلك هم في الآخرة. هذا في الغرفات في أعلى الدرجات وهذا في الغمرات في أسفل الدركات، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٥]، وقد قال ﷺ حديث أبي هريرة ﵁: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا الله لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الله مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. . ." (٢)، وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﷺ : "إِنَّ أَهْلَ الجْنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ. . ." (٣). القول الثاني: الغرفة هي الجنة، وهذا الأثر قاله الضحاك (٤). وهو اختيار ابن كثير (٥). القول الثالث: الغرفة هي غرف الدرر والزبرجد واللؤلؤ والياقوت في الجنة (٦). أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ في قوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ قال: هي ياقوتة حمراء أو زبرجدة خضراء أو درة بيضاء ليس فيها فصم ولا وصم (٧).

стр. 3403

وبعد هذا التحقيق تبين أن المراد بالغرفة هي منزلة علية رفيعة في الجنة، وهي من أعلى منازل الجنة وأفضلها، والحكمة من ذلك هي: كما أن الغرفة أكرم شيء فيما اعتاد الناس في البيوت في هذه الأرض فيستقبلون فيها الأضياف، فكذلك لعباد الرحمن أولئك الكرام الذين سبقت صفاتهم وسماتهم يستقبلون في أعلى المنازل وأشرفها. الوجه الثالث: بيان الحكمة في الجمع والإفراد في الآيتين . الحكمة في الجمع: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ لأنها رتبت على الإيمان والعمل الصالح ولا خفاء في تفاوت الناس فيهما وعلى ذلك تتفاوت الأجزية. الحكمة في الإفراد هنا: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ رتبت على مجموع الأوصاف الكاملة فلذا جيء بالواحد دلالة على أن الغرف لا تتفاوت (١). الوجه الرابع: بيان أن قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ تقرأ ﴿وَهمْ فِي الغرفة آمِنُونَ﴾ فلا تعارض . قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] قرأها حمزة وحده (الغرفة) على الإفراد والوجه، وأن المراد بالغرفة هنا الجنس والكثرة فهو جمع في المعنى وإن كان بلفظ الواحد كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾، وقرأها الباقون بالجمع (في الغرفات)، والوجه أن الغرفات جمع غرفة، وإنما جاءت على لفظ الجمع لأن المعنى على الجمع. وإذا كانت الكلمة في حال الوحدة يراد بها الجمع، كان الأولى بها أن تكون بلفظ الجمع لتوافق المراد لفظًا ومعنىً، قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: ٥٨]، فجاء بها على الجمع (٢). قلت: وعلى قراءة الجمهور بالجمع فيحمل على ما ذكرنا من الوجوه المتقدمة. * * * *

стр. 3404

سورة النمل وفيها: ١ - شبهة: آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار. ٢ - شبهة: سليمان والجن والطير. ٣ - شبهة: هل الهدهد أعلم من سليمان النبي. ٤ - شبهة: خروج الدابة.

стр. 3405

١ - شبهة آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار . نص الشبهة: اختلاف واضح في قوله تعالى: ﴿إِسَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩]. ففي الآية الأولى تأكيد بأنه سيأتيهم منها ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا﴾ أما الآية الأخرى نرى أنه غير متأكد ويدلل على هذا بقوله: ﴿لَعَلِّي﴾. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول . فإن قلت: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ و ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ كالمتدافعين، لأن أحدهما ترجٍ والأخر تيقن. قلت: قد يقول الراجي إذا قوى رجاؤه: سأفعل كذا، وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة. كيف جاء بسين التسويف؟ قلت: عدة لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ، أو كانت المسافة بعيدة. فإن قلت: فلم جاء بـ (أو) دون الواو؟ قلت: بني الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعًا لم يعدم واحدة منهما: إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ثقة بعادة الله أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده، وما أدراه حين قال ذلك أنه ظافر على النار بحاجتيه الكليتين جميعًا وهما العزَّان: عز الدنيا وعز الآخرة. زيادة وتوضيح: كان الطريق قد اشتبه على سيدنا موسى والوقت بارد والسير في ليل، فتشوقت نفسه إذ رأى النار إلى زوال ما لحق من إضلال الطريق وشدة البرد، فقال: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ وأي: مِنْ موقدها بخبر يدل على الطريق أو ﴿آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ أي: إن لم يكن هناك مَنْ يخبر فإني أستصحب ما تدفؤون به منها، وهذا الترديد بـ (أو) ظاهر؛ لأنه كان مطلوبه أولًا أن يلقى على النار من يخبره الطريق فإنه مسافر ليس بمقيم، فإن لم يكن

стр. 3406

أحد فهو مقيم، فيحتاجون لدفع ضرر البرد وهو أن يأتيهم بما يصطلون، فليس محتاجًا للشيئين معًا بل لأحدهما؛ الخبر إن وجد مَنْ يخبره فيرحل، أو الاصطلاء إن لم يجد وأقام. فمقصوده إما هداية الطريق وإما اقتباس النار، وهو معنى قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠]. وجاء هنا: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ وهو خبر، وفي سورة طه: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾، وفي القصص: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ [القصص: ٢٩]، وهو ترجٍ؛ ومعنى الترجي مخالف لمعنى الخبر ولكن الرجاء إذا قوى جاز للراجي أن يخبر بذلك وإن كانت الخيبة يجوز أن تقع، وأتى بسين الاستقبال إما لأن المسافة كانت بعيدة، وإما لأنه قد يمكن أن يبطىء لما قد أنه قد يعرض له ما يبطنه (١). توضيح: قال ابن باشاذ: الغالب على (سوف) استعمالها في الوعيد والتهديد، وعلى السين استعمالها في الوعد، وقد تستعمل سوف في الوعد، والسين في الوعيد (٢). السين للوعد كقوله تعالى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ (٣)، وإذا فهمنا ذلك علمنا أن سيدنا موسى ﵇ وعد ولم يؤكد. بعض معاني (لعل) في اللغة العربية: ١ - التوقع: وهو ترجي المحبوب والإشفاق من المكروه نحو: لعل الحبيب قادم، ولعل الرقيب حاصل. وتختص بالممكن، وقول فرعون ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦, ٣٧] إنما قاله جهلًا أو مخرقة وإفكًا. ٢ - التعليل: أثبته جماعة منهم الأخفش والكسائي، وحملوا عليه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ ومن لم يثبت ذلك يحمله على الرجاء ويصرفه للمخاطبين أي: اذهبا على رجائكما.

стр. 3407

٣ - الاستفهام (١): نحو: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]. إذن من معاني (لعل) التوقع، وعلى هذا المعنى تندرج الآية الكريمة. * * *

стр. 3408

٢ - شبهة: سليمان والجن والطير . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [النمل: ١٦ - ١٩]. (١) لقد خصّ الله الإنسان فقط بالنطق والعقل والبيان، وعليه يكون سليمان كذب على الناس والطيور، أو يكون ما نُسب إليه هو الكذب. (٢) هل كانت الطيور والحشرات في عصره تعقل وتدرك، ثم جرّدها الله من العقل الآن؟ (٣) لم يكن لسليمان جنود من الجنّ، بل كانت جنوده من بني إسرائيل فقط. والرد من وجوه: الوجه الأول: أن الإنجيل والتوراة محرفان. الوجه الثاني: أقوال المفسرين في الآيات . الوجه الثالث: منطق الطير، وفيه مسائل: الوجه الرابع: الجن من جنود سليمان ﵇. وإليك التفصيل الوجه الأول: التوراة والإنجيل محرفان . لا يجوز الاحتجاج بما فيهما، وقد ثبت تحريفهما بالأدلة كما سبق (١). الوجه الثاني: أقوال المفسرين في الآيات. قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا

стр. 3409

يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [النمل: ١٦ - ١٩]. قوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ أي: ورثه في العلم والملك الذي خص الله به داود على سائر قومه (١). وهو إرث علم ونبوة، ودعوة إلى الله والقيام بدينه، لا إرث مال، ويدل لذلك ما جاء من الأدلة على أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يورث عنهم المال، وإنما يورث عنهم العلم، فمن ذلك حديث أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ" (٢). وعنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ" (٣). فهذه الأحاديث وأمثالها ظاهرة في أن الأنبياء لا يورث عنهم المال، بل العلم والدين (٤)، وقوله تعالى: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ يعني: فهمنا كلامها، وجعل ذلك من الطير كمنطق الرجل من بني آدم إذ فهمه عنها (٥). قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: وجمع لسليمان جنوده من الجنّ والإنس والطير في مسير لهم، ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: يرد أولهم على آخرهم (٦). وقوله تعالى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فقولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ التفاتة مؤمن؛ أي: من عدل سليمان وفضله وفضل جنوده لا يحطمون نمله فما فوقها إلا

стр. 3410

بألا يشعروا، وقد قيل: إن تبسم سليمان سرور بهذه الكلمة منها، ولذلك أكد التبسم بقوله: ﴿ضَاحِكًا﴾ إذ قد يكون التبسم من غير ضحك ولا رضا، ألا تراهم يقولون: تبسم تبسم الغضبان، وتبسم تبسم المستهزئين، وتبسُّمُ الضحكِ إنما هو عن سرور، ولا يسر نبى بأمر دنيا، وإنما سُر بما كان من أمر الآخرة والدين. وقولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ إشارة إلى الدين والعدل والرأفة، ونظير قوله النملة في جند سليمان ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قوله الله تعالى في جند محمد ﷺ : ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ التفاتًا إلى أنهم لا يقصدون هدر مؤمن (١). الوجه الثالث: منطق الطير . وفيه مسائل: أولًا: أقوال المفسرين: الآية صريحة الدلالة على أن سليمان وأباه عَلما منطق الطير ﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يعني أنه ﵇ كان يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها ويعبر للناس عن مقاصدها وإرادتها (٢)، وسمي صوت الطير منطقًا لحصول الفهم منه، كما يفهم من كلام الناس (٣). وسليمان يدعو الناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير، وغير ذلك مما أوتيه من عظائم الأمور. والمنطق: كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف، المفيد وغير المفيد. وقد ترجم يعقوب بن السكيت كتابه بـ (إصلاح المنطق) وما أصلح فيه إلا مفردات الكلم، وقالت العرب: نطقت الحمامة، وكل صنف من الطير يتفاهم أصواته، والذي علمه سليمان من منطق الطير: هو ما يفهم بعضه من بعض من معانيه وأغراضه (٤).

стр. 3411

و ﴿مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ استعارة لما يسمع منها من الأصوات، وهو حقيقة في بني آدم، لما كان سليمان يفهم منه ما يفهم من كلام بني آدم، كما يفهم بعض الطير من بعض، أطلق عليه منطق (١)، وكلام الطير كالمنطق إذا فهم (٢)، ولا اختلاف عند العلماء أن الحيوانات كلها لها أفهام وعقول، وقد قال الشافعي: الحمام أعقل الطير. قال ابن عطية: والنمل حيوان فطن قويّ شمام جدًّا يدخر القِرى، ويشق الحب بقطعتين لئلا ينبت، ويشق الكزبرة بأربع قطع لأنها تنبت إذا قسمت شقين، ويأكل في عامه نصف ما جمع، ويستبقي سائره عُدَّة (٣). قال ابن العربي: وهذه خواص العلوم عندنا، وقد أدركتها النمل بخلق الله ذلك لها (٤). ولا يبعد أن تدرك البهائم حدوث العالم وحدوث المخلوقات، ووحدانية الإله، ولكننا لا نفهم عنها ولا تفهم عنا، أما أنا نطلبها وهي تفر منا فبحكم الجنسية (٥). ثم تأمل الحكمة البالغة في إعطائه سبحانه بهيمة الأنعام: الأسماع والأبصار ليتم تناولها لمصالحها ويكمل انتفاع الإنسان بها، إذ لو كانت عمياء أو صماء لم يتمكن من الانتفاع بها، ثم سلبها العقول على كبر خلقها التي للإنسان ليتم تسخيره إياها فيقودها ويصرفها حيث شاء، ولو أعطيت العقول على كبر خلقها لامتنعت من طاعته واستعصت عليه ولم تكن مسخرة له، فأُعطيت من التمييز والإدراك ما تتم به مصلحتها ومصلحة من ذلك له، وسلبت من الذهن والعقل ما ميز به عليها الإنسان، وليظهر أيضًا فضيلة التمييز والاختصاص، ثم تأمل كيف قادها وذللها على كبر أجسامها، ولم يكن يطيقها لولا تسخيره، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ

стр. 3412

(١٣)﴾ أي: مطيقين ضابطين، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾، فترى البعير على عظم خلقته يقوده الصبي الصغير ذليلا منقادًا، ولو أرسل عليه لسواه بالأرض ولفصله عضوًا عضوًا، فسل المعطل من الذي ذلَّه وسخره وقاده على قوته لبشر ضعيف من أضعف المخلوقات، وفرغ بذلك التسخير النوع الإنساني لمصالح معاشه ومعاده، فإنه لو كان يزاول من الأعمال والأحمال ما يزاول الحيوان لشغل بذلك عن كثير من الأعمال؛ لأنه كان يحتاج مكان الجمل الواحد إلى عدة أناسي يحملون أثقاله وحمله ويعجزون عن ذلك، وكان ذلك يستفرغ أوقاتهم ويصدهم عن مصالحهم، فأعينوا بهذه الحيوانات مع مالهم فيها من المنافع التي لا يحصيها إلا الله من الغذاء، والشراب، والدواء، واللباس، والأمتعة، والآلات، والأواني، والركوب، والحرث، والمنافع الكثيرة، والجَمال (١). ثانيًا: تنزيه سليمان ﵇ عن الكذب . ١ - فضل سليمان ﵇ في القرآن: قال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا. . .﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ [النساء: ١٦٣]، وقال سبحانه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١]، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ

стр. 3413

إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٥ - ١٨]، فشهدت نملة لسليمان بالعدل والرحمة بقولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦]، فانظر إلى تحدثه بنعمة الله. ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٢, ١٣]، ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ [ص: ٣٠]، وقوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ فطلب من الله أن يقيضه للشكر على ما أنعم به عليه وعلى ما خصه به من المزية على غيره، وأن ييسر عليه العمل الصالح، وأن يحشره إذا توفاه مع عباده الصالحين وقد استجاب الله تعالى له (١). ٢ - فضل سليمان ﵇ في السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أنْتِ، وَقَالَتْ الْأُخْرَى إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉ فَأَخْبرَتَاهُ فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا فَقَالَتْ الصُّغْرَى: لَا يَرْحَمُكَ الله؛ هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لهَا" (٢). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ"؟ قَالَتْ: بَنَاتِي، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ فَقَالَ: "مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ"؟ قَالَتْ:

стр. 3414

فَرَسٌ. قَالَ: "وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ"؟ قَالَتْ: جَنَاحَانِ. قَالَ: "فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ"؟ قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ" (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي، فَأَمْكَنَنِي الله مِنْهُ، فأَخَذْتُهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا" (٢). ٣ - وما العجب في أن يتكلم غير الإنسان ؟ فإن الذي أعطى القدرة لقطعة اللحم لا حول لها ولا قوة (وهي اللسان) على التحدث والنطق بأكثر من لغة، قادر على أن يعطي هذه القدرة وهذه الملكة لغير الإنسان، فـ ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وإن كان كلام الطير مما يتعجب منه أو شيء لا يصدق، فهذا هو حال المعجزات، فهي معجزة لسليمان ﵇ كما حدث لنبينا من ذلك الكثير، كحنين الجزع (٣)، وتسبيح الطعام بين يديه ﷺ (٤). ومن الأدلة على ذلك قوله الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)﴾ [فصلت: ٢٠، ٢١]، ففي هذه الآيات إثبات الكلام مع انعدام الجارحة، فالسمع والبصر والجلود ليس عندهم جارحة الكلام، ومع ذلك عندما أراد الله أن ينطقهم نطقوا وقالوا: ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ [النور: ٢٤]. ٤ - كل الكائنات تسبح بحمده .

стр. 3415

قال ابن كثير: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]، يقول تعالى: تقدسه السموات السبع والأرض ومن فيهن، أي: من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه وتجِّلّه وتكبره، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته. وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي: وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس؛ لأنها بخلاف لغتكم. وهذا عام في الحيوانات والنبات والجماد، وهذا أشهر القولين، كما ثبت في صحيح البخاري، عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل (١) (٢). وقال السعدي: قوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ من حيوان ناطق وغير ناطق ومن أشجار ونبات وجماد وحي وميت ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ بلسان الحال ولسان المقال ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: تسبيح باقي المخلوقات التي على غير لغتكم، بل يحيط بها علام الغيوب (٣). الوجه الرابع: الجن من جنود سليمان ﵇ -. أولًا: من القرآن: قال تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٢]، وقال سبحانه: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧]، وقال سبحانه: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا

стр. 3416

عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٣٨ - ٤٠]. وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٢, ١٣]، ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ [ص: ٣٦ - ٣٨]. ثانيًا: من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي، فَأَمْكَنَنِي الله مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا" (١). * * * *

стр. 3417

٣ - شبهة: الهدهد أعلم من سليمان النبي . نص الشبهة: كيف أن الهدهد يخبر سليمان ﵇ ما ليس له به علم مع أنه نبي من عند الله؟ والرد على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: أن التوراة والإنجيل محرفان . الوجه الثاني: تفسير الآيات، وأن ما حدث من الهدهد وملكة سبأ صحيح ثابت. الوجه الثالث: هل الهدهد أعلم من سليمان ﵇؟ الوجه الرابع: بيان مدى علم سليمان ﵇. الوجه الخامس: سليمان ﵇ في القرآن والسنة، وسليمان ﵇ في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: أن التوراة والإنجيل محرفان. فلا يجوز الاحتجاج بهما، وقد ثبت ذلك بالأدلة كما سبق (١). الوجه الثاني: تفسير الآيات، وبيان أن ما حدث من الهدهد وملكة سبأ صحيح . قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى

стр. 3418

تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧) قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٢٠ - ٤٤]. قوله: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ دلَّ هذا على كمال عزمه وحزمه وحسن تنظيمه لجنوده وتدبيره بنفسه للأمور الصغار والكبار، حتى إنه لم يهمل هذا الأمر وهو تفقد الطيور، والنظر هل هي موجودة كلها أم مفقود منها شيء؟ وهذا هو المعنى للآية. ولم يصنع شيئًا من قال: إنه تفقد الطير لينظر أين الهدهد منها؟ ليدله على بعد الماء وقربه، كما زعموا عن الهدهد أنه يبصر الماء تحت الأرض الكثيفة، فإن هذا القول لا يدل عليه دليل، بل الدليل العقلي واللفظي دال على بطلانه، أما العقلي فإنه قد عرف بالعادة والتجارب والمشاهدات أن هذه الحيوانات كلها ليس منها شيء يبصر هذا البصر الخارق للعادة، ينظر الماء تحت الأرض الكثيفة؛ ولو كان كذلك لذكره الله؛ لأنه من أكبر الآيات. وأما الدليل اللفظي فلو أُريد هذا المعنى لقال - في غير القرآن -: وطلب الهدهد لينظر له الماء. فلما فقده قال ما قال، ولم يَقُلْ: فتش عن الهدهد، أو: بحث عنه، ونحو ذلك من العبارات، وإنما تفقد الطير لينظر الحاضر منها والغائب ولزومها للمراكز والمواضع التي عينها لها، وأيضًا فإن سليمان ﵇ لا يحتاج ولا يضطر إلى الماء بحيث يحتاج لهندسة الهدهد،

стр. 3419

فإن عنده من الشياطين والعفاريت ما يحفرون له الماء، ولو بلغ في العمق ما بلغ، وسخر الله له الريح غدوها شهر ورواحها شهر، فكيف - مع ذلك - يحتاج إلى الهدهد؟ وقوله: ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ أي: هل عدم رؤيتي إياه لقلة فطنتي به، لكونه خفيًا بين هذه الأمم الكثيرة؟ أم على بابها بأن كان غائبًا من غير إذني ولا أمري؟ فحينئذ تغيظ عليه وقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ دون القتل ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: حجة واضحة على تخلفه، وهذا من كمال ورعه وإنصافه أنه لم يقسم على مجرد عقوبته بالعذاب أو القتل؛ لأن ذلك لا يكون إلا من ذنب، وغيبته قد تحتمل أنها لعذر واضح، فلذلك استثناه لورعه وفطنته. ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ثم جاء، وهذا يدل على هيبة جنوده منه، وشدة ائتمارهم لأمره، حتى إن هذا الهدهد الذي خلفه العذر الواضح لم يقدر على التخلف زمنًا كثيرًا، ﴿فَقَالَ﴾ لسليمان: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي: عندي العلم علم ما أحطت به على علمك الواسع وعلى درجتك فيه، ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ القبيلة المعروفة في اليمن ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ أي: خبر متيقن (١). الوجه الثالث: هل الهدهد أعلم من سليمان ﵇ -؟ والرد من أوجه: أولها: قوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ ففيه تنبيه لسليمان على أن في أدنى خلق الله تعالى من أحاط علمًا بما لم يحط به، فيكون ذلك لطفًا في ترك الإعجاب، والإحاطة بالشيء علمًا أن يعلم من جميع جهاته (٢). ثانيها: فإن قيل: كيف يجوز أن يُقال إن سليمان لم يعلم به، وكانت أرض سبأ قريبة منه، وهناك ملك لم يعلم به سليمان؟

стр. 3420

قيل له: علم به سليمان، ولكنه لم يعلم أنهم يسجدون للشمس، ويقال: إنه علم بها، ولكنه لم يعلم أن ملكها قد بلغ هذا المبلغ، وعلم أنهم أهل الضلالة (١). ويقال أيضًا: وما العجب أن يعلم الهدهد شيئًا لم يعلمه سليمان ﵇؟ فإن الأنبياء لا يعلمون الغيب، وهذا غيب عن سليمان ﵇، وأيضًا ليس علم الهدهد بهذه المملكة يدل على أنه أعلم من سليمان (٢). وقد قال موسى للخضر: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] وقد استفاد موسى من الخضر ثلاث مسائل، وهو أفضل منه (٣). ثالثها: ألهم الله الهدهد، فكافح سليمان بهذا الكلام، مع ما أوتي من فضل النبوة والعلوم الجمَّة ابتلاءً له في علمه (٤). رابعها: أن سليمان ﵇ لمّا توعد الهدهد بأن يعذبه عذابًا شديدًا أو يذبحه، إنما نجا منه بالعلم وأقدم عليه في خطابه له بقوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ خبرًا، وهذا الخطاب إنما جرأه عليه العلم، وإلا فالهدهد مع ضعفه لا يتمكن من خطابه لسليمان مع قوته بمثل هذا الخطاب لولا سلطان العلم (٥). الوجه الرابع: بيان مدى علم سليمان ﵇ -. كفى بمقام النبوة علمًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣]، وقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا

стр. 3421

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٥, ١٦]، وقوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، فكلامه دليل على علمه بالله وورعه ﵇. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهمَا ابْنَاها إذ عدا الذِّئْبُ، فأخذ ابْنِ إِحْدَاهُمَا فتنازعتا في الآخر، فَقَالَتْ الكبرى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتْ الْصغرَى: بل إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فتحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَحكم بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ ﵇ فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ نصفين لكل واحدة منكما نصفه، فَقَالَتْ الصُّغْرَى: يَرْحَمُكَ الله هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لها" (١). قوله: "فَحكم بِهِ لِلْكُبْرَى" كان ذلك على سبيل الفتيا لا الحكم، ولذلك ساغ لسليمان أن ينقضه، والذي ينبغي أن يقال إن داود ﵇ قضى به للكبرى لسبب اقتضى به عنده ترجيح قولها، إذ لا بينة لواحدة منهما، وكونه لم يعين في الحديث اختصارًا لا يلزم منه عدم وقوعه، فيحتمل أن يقال: إن الولد الباقي كان في يد الكبرى وعجزت الأخرى عن إقامة البينة، قال: وهذا تأويل حسن جار على القواعد الشرعية. وليس في السياق ما يأباه ولا يمنعه، فإن قيل فكيف ساغ لسليمان نقض حكمه؟ فالجواب أنه لم يعمد إلى نقض الحكم، وإنما احتال بحيلة لطيفة أظهرت ما في نفس الأمر، وذلك أنهما لما أخبرتا سليمان ﵇ بالقصة، فدعا بالسكين ليشقه بينهما، ولم يعزم على ذلك في الباطن وإنما أراد استكشاف الأمر فحصل مقصوده لذلك لجزع الصغرى الدال على عظيم الشفقة، ويحتمل أن يكون سليمان ممن يسوغ له أن يحكم بعلمه.

стр. 3422

ودلت هذه القصة على أن الفطنة والفهم موهبة من الله لا تتعلق بكبر سن ولا صغره، وفيها استعمال الحيل في الأحكام لاستخراج الحقوق، ولا يتأتى ذلك إلا بالمزيد الفطنة وممارسة الأحوال (١). الوجه الخامس: سليمان ﵇ في القرآن والسنة، وسليمان ﵇ في الكتاب المقدس . أما سليمان ﵇ في القرآن والسنة فقد سبق بيان ذلك (٢). وأما سليمان في الكتاب المقدس: فيقولون أنه كفر، وهو ابن زنا: فَغَضِبَ الرَّبُّ عَلَى سُلَيْمَانَ لأَنَّ قَلْبَهُ مَالَ عَنِ الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ الَّذِي تَرَاءَى لَهُ مَرَّتَيْنِ، ١٠ وَأَوْصَاهُ فِي هذَا الأَمْرِ أَنْ لَا يَتَّبعَ آلِهَةً أُخْرَى، فَلَمْ يَحْفَظْ مَا أَوْصَى بِهِ الرَّبُّ. ١١ فَقَالَ الرَّبُّ لِسُلَيْمَانَ: "مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذلِكَ عِنْدَكَ، وَلَمْ تَحْفَظْ عَهْدِي وَفَرَائِضِيَ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ بِهَا، فإِنِّي أُمَزِّقُ الْمَمْلَكَةَ عَنْكَ تَمْزِيقًا وَأُعْطِيهَا لِعَبْدِكَ. (الملوك ١١/ ٩ - ١١). وَعَزَّى دَاوُدُ بَثْشَبَعَ امْرَأَتَهُ، وَدَخَلَ إِلَيْهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا فَوَلَدَتِ ابْنًا، فَدَعَا اسْمَهُ سُلَيْمَانَ، وَالرَّبُّ أَحَبَّهُ (صمويل ٢٤: ١٢). فَقَالَتْ لَهُ: "أَنْتَ يَا سَيِّدِي حَلَفْتَ بِالرَّبِّ إِلهِكَ لأَمَتِكَ قَائِلًا: إِنَّ سُلَيْمَانَ ابْنَكِ يَمْلِكُ بَعْدِي وَهُوَ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّي. (الملوك ١٧: ١). ولا حول ولا قوة إلا بالله، كيف يُفترى هذا الكلام على أنبياء الله ؟ * * * *

стр. 3423

٤ - شبهة: خروج الدابة . نص الشبهة: كيف تخرج دابة تكلم الناس؟ وكيف تكون تلك الدابة بهذه الأوصاف؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن الإنجيل والتوراة محرفان. الوجه الثاني: إثبات خروج الدابة من القرآن. الوجه الثالث: إثبات خروج الدابة من السنة. الوجه الرابع: ما ورد في صفة الدابة. وإليك التفصيل الوجه الأول: التوراة والإنجيل محرفان. فكيف يحتج بهما ! . الوجه الثاني: أن الدابة ستخرج وتكون من علامات الساعة بنص القرآن قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ أي: إذا وقع على الناس القول الذي حتمه الله وفرض وقته ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ خارجة ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ أو دابة من دواب الأرض ليست من السماء، وهذه الدابة ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ أي: تكلم العباد أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، أي: لأجل أن الناس ضعف علمهم ويقينهم بآيات الله، فإظهار الله هذه الدابة من آيات الله العجيبة ليبين للناس ما كانوا فيه يمترون، وهذه الدابة هي الدابة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان وتكون من أشراط الساعة كما تكاثرت بذلك الأحاديث، ولم يأتِ دليل يدل على كيفيتها ولا من أي: نوع هي، وإنما دلت الآية الكريمة على أن الله يخرجها للناس، وأن هذا التكليم منها خارق للعوائد المألوفة، وأنه من الأدلة على صدق ما أخبر الله به في كتابه والله أعلم (١). وقيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أقوال كلها متقاربة، فمن ذلك: إذا وجب الغضب عليهم، وقيل: إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وجب السخط عليهم، وقيل: ﴿

стр. 3424

وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ موت العلماء وذهاب العلم ورفع القرآن (١)، وقيل: حين فساد الناس، وتركهم أوامره وتبديلهم دينه الحق قرب مجئ الساعة (٢)، وقيل: المراد مشارفة الساعة وظهور أشراطها (٣). أما ما جاء في وصف الدابة والمبالغة في طولها وعرضها وزمان خروجها ومكانه مما لا يركن إليه، فإن أمور الغيب لا يجب التصديق بها إلا إذا ثبتت بالدليل القاطع عن الرسول المعصوم ﷺ (٤). وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ [الأنعام: ١٥٨]. وجاء في تفسير هذه الآية حديثٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولُ الله ﷺ : "ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ" (٥). الوجه الثالث: إثبات خروج الدابة من السنة . ١ - فعن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ حَفِظْتُ مِنْ رَسولِ الله ﷺ حَدِيثًا لَمْ أَنْسَهُ بَعْدُ، سَمِعْتُه يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبًا" (٦). وَأَمَّا الدَّابَّة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْحَدِيث وغيره فَهِيَ الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾، وَعَنْ ابْن عَمْرو بْن الْعَاصِ أَنَّهَا الْجَسَّاسَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث الدَّجَّال (٧).

стр. 3425

٢ - وعن أَبِي هُرَيْرَة ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوْ الدُّخَانَ، أَوْ الدَّجَّالَ، أَوْ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ" (١). ٣ - عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، ودابة الأرض، وخويصة أحدكم، وأمر العامة" (٢). ٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولُ الله ﷺ : "ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ" (٣). ٥ - عن حذيفة بن أسيد ﵁ قال: كنا نتحدث في ظل غرفة لرسول الله ﷺ فارتفعت أصواتنا، فأشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفته فقال: "عم يتساءلون، أو عم يتحدثون؟ " قلنا: ذكر الساعة، فقال رسول الله ﷺ : "إن الساعة لن تكون أو لن تقوم حتى يكون قبلها عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، والدجال، وعيسى ابن مريم، والدخان، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن فتسوق الناس إلى المحشر" (٤). الوجه الرابع: ما ورد في صفة الدابة . ما جاء في وصف الدابة والمبالغة في طولها وعرضها وزمان خروجها، ومكانه مما لا يركن إليه، فإن أمور الغيب لا يجب التصديق بها إلا إذا ثبتت بالدليل القاطع عن الرسول المعصوم ﷺ (٥). وقد وردت آثار في ذلك منها: ما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: تخرج الدابة من صدع في الصفا كجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها (٦).

стр. 3426

وعن حُذيفة بن أسيد الغفاري قال: إن الدابة حين تخرج يراها بعض الناس فيقولون: والله لقد رأينا الدابة، حتى يبلغ ذلك الإمام، فيطلب فلا يقدر على شيء، قال: ثم تخرج فيراها الناس، فيقولون: والله لقد رأيناها، فيبلغ ذلك الإمام فيطلب فلا يرى شيئًا، فيقول: أما إني إذا حدث الذي يذكرها قال: حتى يعدّ فيها القتل، قال: فتخرج، فإذا رآها الناس دخلوا المسجد يصلون، فتجيء إليهم فتقول: الآن تصلون، فتخطم الكافر، وتمسح على جبين المسلم غرّة، قال: فيعيش الناس زمانًا يقول هذا: يا مؤمن، وهذا: يا كافر (١). عن حُذيفة بن أسيد، في قوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قال: للدابة ثلاث خرجات: خرجة في بعض البوادي ثم تكمن، وخرجة في بعض القُرى حين يهرَيق فيها الأمراء الدماء، ثم تكمن، فبينا الناس عند أشرف المساجد وأعظمها وأفضلها، إذ ارتفعت بهم الأرض، فانطلق الناس هرابا، وتبقى طائفة من المؤمنين، ويقولون: إنه لا ينجينا من الله شيء، فتخرج عليهم الدابة تجلو وجوههم مثل الكوكب الدرّيّ، ثم تنطلق فلا يدركها طالب ولا يفوتها هارب، وتأتي الرجل يصلي، فتقول: والله ما كنت من أهل الصلاة، فيلتفت إليها فتخطمه. قال: تجلو وجه المؤمن، وتخطم الكافر، قلنا: فما الناس يومئذٍ؟ قال: جيران في الرباع، وشركاء في الأموال، وأصحاب في الأسفار (٢). وعن حُذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله ﷺ يقول: وذكر الدابة، فقال حُذيفة: قلت: يا رسول الله، من أين تخرج؟ قال: "مِنْ أَعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً عَلى الله، بَيْنَما عِيسَى يَطُوفُ بالبَيْتِ وَمَعَهُ المُسْلِمُونَ، إذْ تَضْطَرِبُ الأرْضُ تَحْتَهُمْ، تُحَرُّكَ القِنْديلِ، وَيَنْشَق الصَّفا ممَّا يَلي المَسْعَى، وَتَخْرُجُ الدَّابَّةُ مِنَ الصَّفا، أوَّلُ ما يَبْدُو رأْسُها، مُلَمَّعَةٌ ذَاتُ وَبَرٍ وَرِيشٍ، لَمْ يُدْرِكْها طالبٌ، وَلَنْ يَفُوتَها هاربٌ، تَسِمُ النَّاسَ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، أمَّا المُؤْمِنُ فَتَتْرُكَ وَجْهَهُ كَأنَّهُ

стр. 3427

كَوْكَبٌ دُرّيّ، وتَكْتُبُ بينَ عَيْنَيْهِ مُؤْمِنٌ، وأمَّا الكافِر فَتَنْكُتُ بينَ عَيْنَيْهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاء كافِرٌ" (١). فمن ذلك يتضح أنه لم يثبت في وصف الدابة شيء، فعلينا السكوت عما سكت عنه الشرع، ونؤمن أن من علامات الساعة دابة تخرج تكلم الناس أنهم كانوا بآيات الله لا يوقنون. * * *

стр. 3428

سورة القصص وفيها: ١ - شبهة: قتل الصبيان واستحياء النساء. ٢ - شبهة: فرعون وهامان. ٣ - شبهة: من التي التقطت موسى من اليم. ٤ - شبهة: وجود امرأتين عند البئر. ٥ - شبهة: قارون.

стр. 3429

١ - شبهة: قتل الصبيان واستحياء النساء . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤]. فاعترضوا على ذلك بقولهم: هنا يأمر فرعون بقتل الصبيان واستحياء البنات الذين آمنوا مع موسى عندما جاءهم بالحق. وفي التوراة أن فرعون أمر بقتل الصبيان قبل ولادة موسى؟ والجواب على هذه الشبهة من وجهين: الوجه الأول: كتابكم محرف فلا يجوز الاعتراض به علي القرآن. الوجه الثاني: القرآن أثبت أن القتل كان مرتين، وبيان الحكمة من ذلك . وإليك التفصيل الوجه الأول: أن كتابكم محرف فلا يجوز الاعتراض به على القرآن . ومن ذلك أن التاريخ يأتي في موضع ويأتي في نفس الموضع أو غيره ما يناقضه، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أن عندهم في كتابهم أن فرعون كان يأمر بقتل الأولاد (الذكور) من بني إسرائيل لتضعف شوكة بني إسرائيل فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم، أو أنهم ينضمون إلي أعداء فرعون إذا حدث حرب سفر الخروج (١/ ١١: ٩). وكل هذا عنهم كان قبل ولادة موسى ﵇. وهذا كما قال ابن كثير: فيه نظر بل هو باطل (١). وذلك لأن هذا القتل إنما كان بعد بعثة موسى ﵇. وأيضًا فما الدافع من قتل الولدان إلا إذا كان خوفًا من ظهور موسى الغلام الذي يزول ملك فرعون علي يده، وهو موسى ﵇. وكيف يخاف فرعون من بني إسرائيل وهو أيضًا قد سخرهم في أعماله وليست لهم شوكة. الوجه الثاني: القرآن أثبت أن القتل كان مرتين وبيان الحكمة من ذلك.

стр. 3430

الموضع الأول: فكان قبل ولادة موسى ﵇ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤]. وكان هذا الأمر لأجل الاحتراز من وجود موسى أو لإذلال هذا الشعب وتقليل عدوهم أو لمجموع الأمرين. الموضع الثاني: فكان بعد ما وقع من الأمر العظيم وهو الغلب الذي غلبته القبط في ذلك الموقف الهائل وأسلم السحرة الذي استنصروا بهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧)﴾ [الأعراف: ١٢٧]. وكما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥)﴾ [غافر: ٢٥]. وكان الغرض من هذا الأمر لإهانة هذا الشعب والتقليل لملأ بني إسرائيل لئلا يكون لهم شوكة يمتنعون بها ويصولون على القبط بسببها وليتشاءموا بموسى ﵇. وهذا هو قول جمهور المفسرين (١). وممن قال بهذا القول قتادة ﵁ حيث قال في تفسير هذه الآية: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥)﴾ [غافر: ٢٥]. قال ﵀: هذا بعد القتل الأول. وفي لفظ هذا قتل غير القتل الأول الذي كان (٢). * * *

стр. 3431

٢ - شبهة: فرعون وهامان . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص: ٦] فقالوا: القرآن يقول إن هامان كان وزيرًا لفرعون في مصر، مع أن التوراة تثبت أن هامان كان وزيرًا لأحشويرش ملك الفرس كما في سفر إستير. وذكروا أن الإمام الرازي أقر ذلك في تفسير سورة غافر. والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الكتاب الذي بأيديكم محرف فلا يجوز الاعتراض به على القرآن المعجز. الوجه الثاني: الإمام الرازي لم يقر هذا الكلام وإنما هو سوء فهم وتلبيس على الناس. الوجه الثالث: هامان كان في زمن فرعون بالقرائن الواضحة من القرآن والسنة. الوجه الرابع: هامان لقب وليس اسمًا لشخص. الوجه الخامس: الرموز الهيروغلوفية تثبت أن هامان كان في زمن فرعون. وإليك التفصيل الوجه الأول: الكتاب الذي بأيديكم محرف فلا يجوز الاعتراض به على القرآن المعجز المتواتر . وذلك أن التاريخ يأتي في موضع ويأتي في نفس الموضع أو في غيره ما يناقضه. وهذا ليس بغريب عليهم؛ فإن الله أثبت التحريف عليهم. وقد يطعن بعض اليهود بل كلهم في الآية بأن تواريخ بني إسرائيل تدل على أن هامان لم يكن موجودًا في زمان موسى وفرعون، وإنما ولد بعدهما بزمان طويل. ولو كان مثل هذا الشخص موجودًا في عصرهما لتوفرت الدواعي على نقله. والجواب: أن الطعن بتاريخ اليهود المنقطع الوسط لكثرة زمان الفترة أولى من الطعن في القرآن المعجز المتواتر أولًا ووسطًا وآخرًا. (١)

стр. 3432

الوجه الثاني: الإمام الرازي لم يقر هذا الكلام كما زعموا . ولكنه ذكره من ضمن شبه اليهود. وقد رد على هذه الشبهة ولم يقرها. وإليك كلامه بتمامه: قال الرازي: قالت اليهود: أطبق الباحثون عن تواريخ بني إسرائيل وفرعون أن هامان ما كان موجودًا البتة في زمان موسى وفرعون وإنما جاء بعدهما بزمان مديد ودهر داهر، فالقول بأن هامان كان موجودًا في زمان فرعون خطأ في التاريخ، وليس لقائل أن يقول إن وجود شخص يسمى بهامان بعد زمان فرعون لا يمنع من وجود شخص آخر يسمى بهذا الاسم في زمانه، قالوا لأن هذا الشخص المسمى بهامان الذي كان موجودًا في زمان فرعون ما كان شخصًا خسيسًا في حضرة فرعون بل كان كالوزير له، ومثل هذا الشخص لا يكون مجهول الوصف والحلية فلو كان موجودًا لعرف حاله، وحيث أطبق الباحثون عن أحوال فرعون وموسى أن الشخص المسمى بهامان ما كان موجودًا في زمان فرعون؛ وإنما جاء بعده بأدوار - علم أن غلطًا وقع في التواريخ، قالوا ونظير هذا أنا نعرف في دين الإسلام أن أبا حنيفة إنما جاء بعد محمد ﷺ فلو أن قائلًا ادعى أن أبا حنيفة كان موجودًا في زمان محمد ﷺ وزعم أنه شخص آخر سوى الأول وهو يسمى بأبي حنيفة، فإن أصحاب التواريخ يقطعون بخطئه فكذا ههنا. والجواب: أن تواريخ موسى وفرعون قد طال العهد بها واضطربت الأحوال والأدوار فلم يبق على كلام أهل التواريخ اعتماد في هذا الباب، فكان الأخذ بقول الله تعالى أولى بخلاف حال رسولنا مع أبي حنيفة فإن هذه التواريخ قريبة غير مضطربة بل هي مضبوطة فظهر الفرق بين البابين. (١) الوجه الثالث: هامان كان في زمن فرعون بالقرائن الواضحة البالغة من القرآن والسنة . قلت وذلك للأدلة الآتية: أولًا: لفظ هامان لا يذكر في القرآن إلا مقرونًا بفرعون وفي قصة موسى ﵇ مع فرعون. وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن في ستة مواضع هي:

стр. 3433

١ - ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦]. ٢ - ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨]. ٣ - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص: ٣٨]. ٤ - ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩)﴾ [العنكبوت: ٣٩]. ٥ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) [غافر: ٢٣, ٢٤]. ٦ - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦)﴾ [غافر: ٣٦]. ثانيًا: هو قول جمهور أهل العلم بالتفسير والتاريخ. ثالثًا: أن الآيات تليت على اليهود في زمن النبي ﷺ فيهم العلماء والأحبار فلم ينكر أحد منهم هذا الأمر. ومنهم من أسلم ودخل في دين الله ولم يتكلموا بشيء من ذلك. رابعًا: لفظ هامان أيضًا ذكر في السنة مقرونًا بفرعون وقارون كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: "مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا وَلَا نَجَاةً وَلَا بُرْهَانًا، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَىِّ بْنِ خَلَفٍ" (١). الوجه الرابع: هامان لقب وليس اسمًا لشخص .

стр. 3434

فمعلوم أن لقب الملك كان لرئيس المصريين في زمن يوسف ﵇. وأن لقب فرعون كان لرئيس المصريين في زمن موسى ﵇ وهامان لقب لكل نائب عن الملك لا اسم شخص. فإنه يصح أن يطلق علي النائب عن فرعون أو عن أي ملك من الملوك. قال ابن عاشور: (هامان) قال المفسرون: هو وزير فرعون. وظاهر آيات هذه السورة يقتضي أنه وزير فرعون وأحسب أن هامان ليس باسم علم ولكنه لقب خطة مثل فرعون وكسرى وقيصر ونجاشي. فالظاهر أن هامان لقب وزير الملك في مصر في ذلك العصر. وجاء في كتاب "أستير" من كتب اليهود الملحقة بالتوراة تسمية وزير (أحشويروش) ملك الفرس (هامان) فظنوه علمًا فزعموا أنه لم يكن لفرعون وزير اسمه هامان واتخذوا هذا الظن مطعنًا في هذه الآية. وهذا اشتباه منهم فإن الأعلام لا تنحصر وكذلك ألقاب الولايات قد تشترك بين أمم وخاصة الأمم المتجاورة، فيجوز أن يكون (هامان) علمًا من الأمان فإن الأعلام تتكرر في الأمم والعصور، ويجوز أن يكون لقب خطة في مصر فنقل اليهود هذا اللقب إلى بلاد الفرس في مدة أسرهم. (١) وعلى القول بأنه لقب أو اسم شخص فإن الألقاب والأسماء تتكرر ومشتركة، فلا وجه للاعتراض. الوجه الخامس: الرموز الهيروغلوفية تثبت أن هامان كان في زمن فرعون . جاء في كتاب (اليهود بين القرآن والتوراة ومعطيات العلم الحديث) للأستاذ عبد الرحمن غنيم، تحت عنوان - هامان وفرعون تحت قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)﴾ [القصص: ٣٨]. قال: تدل هذه الآية على عدة إعجازات غيبية. وذكر منها: أما الإعجاز الثالث هو الإشارة إلى أحد أعوان فرعون باسمه - هامان - فقد وجد علماء الآثار هذا الاسم مكتوبًا على نصب أحد فراعنة مصر القديمة وهذا

стр. 3435

النصب موجود في متحف (هوف بفينا) كما يؤكد هذا النص أن هامان كان مقربًا من فرعون وقد ورد أيضًا اسم هامان في (قاموس أسماء الأشخاص في المملكة الجديدة) (Dictionary of Personal names of the New kingdom) وهو القاموس المستند على مجموعة المعلومات المستقاة من الكتابات المصرية القديمة ووردت الإشارة إلى هامان على أنه رئيس البناءين في معامل نحت الحجارة، وهذا يتوافق مع القرآن الذي يشير إلى هامان على أنه المسؤول عن تشييد الصروح في مملكة فرعون. * * *
следующие страницы →