← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

٢ - شبهة: فرعون وهامان . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ [القصص: ٦] فقالوا: القرآن يقول إن هامان كان وزيرًا لفرعون في مصر، مع أن التوراة تثبت أن هامان كان وزيرًا لأحشويرش ملك الفرس كما في سفر إستير. وذكروا أن الإمام الرازي أقر ذلك في تفسير سورة غافر. والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الكتاب الذي بأيديكم محرف فلا يجوز الاعتراض به على القرآن المعجز. الوجه الثاني: الإمام الرازي لم يقر هذا الكلام وإنما هو سوء فهم وتلبيس على الناس. الوجه الثالث: هامان كان في زمن فرعون بالقرائن الواضحة من القرآن والسنة. الوجه الرابع: هامان لقب وليس اسمًا لشخص. الوجه الخامس: الرموز الهيروغلوفية تثبت أن هامان كان في زمن فرعون. وإليك التفصيل الوجه الأول: الكتاب الذي بأيديكم محرف فلا يجوز الاعتراض به على القرآن المعجز المتواتر . وذلك أن التاريخ يأتي في موضع ويأتي في نفس الموضع أو في غيره ما يناقضه. وهذا ليس بغريب عليهم؛ فإن الله أثبت التحريف عليهم. وقد يطعن بعض اليهود بل كلهم في الآية بأن تواريخ بني إسرائيل تدل على أن هامان لم يكن موجودًا في زمان موسى وفرعون، وإنما ولد بعدهما بزمان طويل. ولو كان مثل هذا الشخص موجودًا في عصرهما لتوفرت الدواعي على نقله. والجواب: أن الطعن بتاريخ اليهود المنقطع الوسط لكثرة زمان الفترة أولى من الطعن في القرآن المعجز المتواتر أولًا ووسطًا وآخرًا. (١)

стр. 3432

الوجه الثاني: الإمام الرازي لم يقر هذا الكلام كما زعموا . ولكنه ذكره من ضمن شبه اليهود. وقد رد على هذه الشبهة ولم يقرها. وإليك كلامه بتمامه: قال الرازي: قالت اليهود: أطبق الباحثون عن تواريخ بني إسرائيل وفرعون أن هامان ما كان موجودًا البتة في زمان موسى وفرعون وإنما جاء بعدهما بزمان مديد ودهر داهر، فالقول بأن هامان كان موجودًا في زمان فرعون خطأ في التاريخ، وليس لقائل أن يقول إن وجود شخص يسمى بهامان بعد زمان فرعون لا يمنع من وجود شخص آخر يسمى بهذا الاسم في زمانه، قالوا لأن هذا الشخص المسمى بهامان الذي كان موجودًا في زمان فرعون ما كان شخصًا خسيسًا في حضرة فرعون بل كان كالوزير له، ومثل هذا الشخص لا يكون مجهول الوصف والحلية فلو كان موجودًا لعرف حاله، وحيث أطبق الباحثون عن أحوال فرعون وموسى أن الشخص المسمى بهامان ما كان موجودًا في زمان فرعون؛ وإنما جاء بعده بأدوار - علم أن غلطًا وقع في التواريخ، قالوا ونظير هذا أنا نعرف في دين الإسلام أن أبا حنيفة إنما جاء بعد محمد ﷺ فلو أن قائلًا ادعى أن أبا حنيفة كان موجودًا في زمان محمد ﷺ وزعم أنه شخص آخر سوى الأول وهو يسمى بأبي حنيفة، فإن أصحاب التواريخ يقطعون بخطئه فكذا ههنا. والجواب: أن تواريخ موسى وفرعون قد طال العهد بها واضطربت الأحوال والأدوار فلم يبق على كلام أهل التواريخ اعتماد في هذا الباب، فكان الأخذ بقول الله تعالى أولى بخلاف حال رسولنا مع أبي حنيفة فإن هذه التواريخ قريبة غير مضطربة بل هي مضبوطة فظهر الفرق بين البابين. (١) الوجه الثالث: هامان كان في زمن فرعون بالقرائن الواضحة البالغة من القرآن والسنة . قلت وذلك للأدلة الآتية: أولًا: لفظ هامان لا يذكر في القرآن إلا مقرونًا بفرعون وفي قصة موسى ﵇ مع فرعون. وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن في ستة مواضع هي:

стр. 3433

١ - ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦]. ٢ - ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨]. ٣ - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص: ٣٨]. ٤ - ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩)﴾ [العنكبوت: ٣٩]. ٥ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) [غافر: ٢٣, ٢٤]. ٦ - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦)﴾ [غافر: ٣٦]. ثانيًا: هو قول جمهور أهل العلم بالتفسير والتاريخ. ثالثًا: أن الآيات تليت على اليهود في زمن النبي ﷺ فيهم العلماء والأحبار فلم ينكر أحد منهم هذا الأمر. ومنهم من أسلم ودخل في دين الله ولم يتكلموا بشيء من ذلك. رابعًا: لفظ هامان أيضًا ذكر في السنة مقرونًا بفرعون وقارون كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: "مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا وَلَا نَجَاةً وَلَا بُرْهَانًا، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَىِّ بْنِ خَلَفٍ" (١). الوجه الرابع: هامان لقب وليس اسمًا لشخص .

стр. 3434

فمعلوم أن لقب الملك كان لرئيس المصريين في زمن يوسف ﵇. وأن لقب فرعون كان لرئيس المصريين في زمن موسى ﵇ وهامان لقب لكل نائب عن الملك لا اسم شخص. فإنه يصح أن يطلق علي النائب عن فرعون أو عن أي ملك من الملوك. قال ابن عاشور: (هامان) قال المفسرون: هو وزير فرعون. وظاهر آيات هذه السورة يقتضي أنه وزير فرعون وأحسب أن هامان ليس باسم علم ولكنه لقب خطة مثل فرعون وكسرى وقيصر ونجاشي. فالظاهر أن هامان لقب وزير الملك في مصر في ذلك العصر. وجاء في كتاب "أستير" من كتب اليهود الملحقة بالتوراة تسمية وزير (أحشويروش) ملك الفرس (هامان) فظنوه علمًا فزعموا أنه لم يكن لفرعون وزير اسمه هامان واتخذوا هذا الظن مطعنًا في هذه الآية. وهذا اشتباه منهم فإن الأعلام لا تنحصر وكذلك ألقاب الولايات قد تشترك بين أمم وخاصة الأمم المتجاورة، فيجوز أن يكون (هامان) علمًا من الأمان فإن الأعلام تتكرر في الأمم والعصور، ويجوز أن يكون لقب خطة في مصر فنقل اليهود هذا اللقب إلى بلاد الفرس في مدة أسرهم. (١) وعلى القول بأنه لقب أو اسم شخص فإن الألقاب والأسماء تتكرر ومشتركة، فلا وجه للاعتراض. الوجه الخامس: الرموز الهيروغلوفية تثبت أن هامان كان في زمن فرعون . جاء في كتاب (اليهود بين القرآن والتوراة ومعطيات العلم الحديث) للأستاذ عبد الرحمن غنيم، تحت عنوان - هامان وفرعون تحت قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)﴾ [القصص: ٣٨]. قال: تدل هذه الآية على عدة إعجازات غيبية. وذكر منها: أما الإعجاز الثالث هو الإشارة إلى أحد أعوان فرعون باسمه - هامان - فقد وجد علماء الآثار هذا الاسم مكتوبًا على نصب أحد فراعنة مصر القديمة وهذا

стр. 3435

النصب موجود في متحف (هوف بفينا) كما يؤكد هذا النص أن هامان كان مقربًا من فرعون وقد ورد أيضًا اسم هامان في (قاموس أسماء الأشخاص في المملكة الجديدة) (Dictionary of Personal names of the New kingdom) وهو القاموس المستند على مجموعة المعلومات المستقاة من الكتابات المصرية القديمة ووردت الإشارة إلى هامان على أنه رئيس البناءين في معامل نحت الحجارة، وهذا يتوافق مع القرآن الذي يشير إلى هامان على أنه المسؤول عن تشييد الصروح في مملكة فرعون. * * *

стр. 3436

٣ - شبهة: من التي التقطت موسى من اليم . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ [القصص: ٩]. فاعترض على ذلك بقوله: ويعلمنا الكتاب المقدس أن ابنة فرعون هي التي نزلت إلى نهر النيل لتغتسل لأنهم كانوا يعتبرونه إلهًا يطهرهم من النجاسة فرأت فسطاطًا من البردي بين الحلفاء ففتحته وإذا هو صبي يبكي فأخذته ابنة فرعون ابنًا لها، ولكنها لم تكن زوجة فرعون. ووجه الاعتراض: أنه قال القرآن يقول إن امرأة فرعون هي التي التقطت موسى ﵇، وأن التوراة تقول أن الملتقطة له هي ابنة فرعون وليست امرأته. والرد على هذا من وجوه: الوجه الأول: التوراة التي بين أيديكم محرفة فلا يجوز الاحتجاج بها . الوجه الثاني: القرآن لم يثبت أن امرأة فرعون هي التي التقطته كما زعم. الوجه الثالث: تحقيق القول فيمن التقطه من البحر. وإليك التفصيل الوجه الأول: التوراة التي بين أيديكم محرفة فلا يجوز الاحتجاج بها. وذلك إن كلمات التوراة مشكوك فيها والدليل على ذلك أن اسم الرجل في موضع يأتي في موضع آخر باسم غيره. وكذلك المرأة وهذا يتكرر كثيرًا. وعلى سبيل المثال: الشيخ الكبير في أرض مدين مختلف في اسمه. في سفر الخروج اسمه رعوئيل. (سفر الخروج ٢/ ١٨). وفي سفر الخروج نفسه اسمه يترو. (سفر الخروج ٤/ ١٨، ١٨/ ١). رئيس جيش هدد عازر مختلف في اسمه. في سفر صموئيل الثاني اسمه شوباك. (سفر صموئيل الثاني ١٠/ ١٦). وفي سفر الأخبار الأول اسمه شوفاك. (سفر الأخبار الأول ١٩/ ١٦).

стр. 3437

وهذا على سبيل المثال لا الحصر فكيف يحتج علينا بما هو محرف. الوجه الثاني: القرآن لم يثبت أن امرأة فرعون هي التي أخذته من البحر . فقد اعترض علينا بفهم خاطئ للآية فالله قال: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ [القصص: ٩]. فالآية لا تتحدث عن الذي أخذه من البحر؛ وإنما هي في موقف آخر لما أراد فرعون أن يقتله. كذلك القرآن لم يثبت صراحة أن امرأة فرعون هي التي أخذته كما ادعى وإنما الله يقول: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨)﴾ [القصص: ٨]. فمن هم آل فرعون كما في الآية، والجواب عليه في الوجه الثالث. الوجه الثالث: من الذي التقطه من آل فرعون ؟ وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول جواري امرأة فرعون: الدليل: ١ - كما في حديث الفتون الطويل وهو حديث ابن عباس ﵄ وفيه "فانتهى الماء به حتى أوفي به عند فرضه مستقى جواري امرأة فرعون فلما رأينه أخذنه. . ." (١). قال ابن كثير: هكذا رواه الإمام النسائي في السنن الكبرى، وأخرجه أبو جعفر بن جرير، وابن أبي حاتم في تفسيريهما كلهم من حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه (ابن عباس ﵁) مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره، والله أعلم. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضًا. (٢)

стр. 3438

٢ - قال السدي: أقبل الموج بالتابوت يرفعه مرة ويخفضه أخرى حتى أدخله بين أشجار عند بيت فرعون فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأدخلنه إلى آسية وظنن أن فيه مالًا فلما نظرت إليه آسية وقعت عليها رحمته فأحبته فلما أخبرت به فرعون أراد أن يذبحه فلم تزل آسية تكلمه حتى تركه لها قال: إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل وأن يكون هذا الذي على يديه هلاكنا فذلك قول الله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ (١). القول الثاني: بنت فرعون. محمد بن قيس قال: كانت بنت فرعون برصاء فجاءت إلى النيل فإذا التابوت في النيل تخفقه الأمواج فأخذته بنت فرعون فلما فتحت التابوت فإذا هي بصبي فلما اطلعت في وجهه برأت من البرص فجاءت به إلى أمها فقالت: إن هذا الصبي مبارك لما نظرت إليه برئت فقال فرعون: هذا من صبيان بني إسرائيل هلم حتى أقتله فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾. (٢) القول الثالث: أعوان فرعون. عن ابن إسحاق قال: لما ولدت موسى أمه أرضعته حتى إذا أمر فرعون بقتل الولدان من سنته تلك عمدت إليه فصنعت به ما أمرها الله تعالى جعلته في تابوت صغير ومهدت له فيه ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة فبينا هو جالس إذ مر النيل بالتابوت فقذف به وآسية ابنة مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه فقال: إن هذا لشيء في البحر فأتوني به فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به

стр. 3439

ففتح التابوت فإذا فيه صبي في مهده فألقى الله عليه محبته وعطف عليه نفسه قالت امرأته آسية: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. (١) وبعد هذا العرض تبين أن الراجح هو القول الأول أن الذي أخذه من البحر جواري امرأة فرعون. الوجه الرابع: التوراة لم تثبت أن ابنة فرعون هي التي التقطته وإنما أثبت أن الجواري هن اللواتي أخذنه . فقد ادعو أن الكتاب عندهم يثبت أن ابنة فرعون هي التي أخذته من النهر وهذا خطأ ولكن الذي في الكتاب عندهم هو: فَنَزَلَتِ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ إِلَى النَّهْرِ لِتَغْتَسِلَ، وَكانَتْ جَوَارِيهَا مَاشِيَاتٍ عَلَى جَانِبِ النَّهْرِ. فَرَأَتِ السَّفَطَ بَيْنَ الْحَلْفَاءِ، فَأَرْسَلَتْ أَمَتَهَا وَأَخَذَتْهُ (سفر الخروج ٢/ ٥). قال ابن كثير: وعند أهل الكتاب أن التي التقطت موسى - دربتة - ابنة فرعون، وليس لامرأته ذكر بالكلية، وهذا من غلطهم على كتاب الله . (٢) * * * *

стр. 3440

٤ - شبهة: وجود امرأتين عند البئر . نص الشبهة: إنكار وجود امرأتين عند البئر وصفة صداق موسى ﵇ كما قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ [القصص: ٢٧]. قالوا: وتعلمنا التوراة أنه لما فعل موسى عملًا جميلًا مع بنات كاهن مديان وكن سبعًا - لا اثنتين - أعطاه إحداهن زوجة بدون أن يخدمه ثماني سنوات لا عشرًا والذي خدم حماه على امرأته يعقوب خدمه سبع سنين. والجواب على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: الكتاب الذي بين أيديكم محرف فلا يجوز الاحتجاج به . الوجه الثاني: القرآن أثبت أنهما امرأتين والعبرة بما في القرآن دون غيره. الوجه الثالث: الآثار الواردة في الباب تدل على أنهما امرأتين. الوجه الرابع: قد يكون له أكثر من بنت، ولكن اثنتان منهما هما اللتان كانتا تسقيان. الوجه الخامس: القرآن الكريم أثبت صفة الصداق فالعبرة به لا بغيره. الوجه السادس: السنة النبوية دلت على ما دل عليه القرآن الكريم من صفة الصداق. وإليك التفصيل الوجه الأول: الكتاب الذي بين أيديكم محرف فلا يجوز الاحتجاج به. وهذا مما لا يخفى؛ فالكلمات مشكوك فيها، والدليل على ذلك أن العدد يكون في موضع ويأتي في موضع آخر ويأتي في نفس المصدر أو غيره ما ينقضه، وهذا يتكرر كثيرًا. وعلى سبيل المثال: عدد بن إسرائيل: في سفر صموئيل الثاني (٢٤/ ٩) (وكان عدد بني إسرائيل ثمانمائة ألف رجل بطل يضرب بالسيف ورجال يهوزا عدتهم خمسمائة ألف رجل مقاتلة). وفي السفر الأول من أخبار الأيام (٢١/ ٥) (وكان عدد كل إسرائيل ألف ألف ومائة ألف رجل جاذب سيف ويهوذا أربعمائة وسبعون ألف رجل مقاتلة).

стр. 3441

عمر يوياكين: وفي سفر الملوك الثاني (٢٤/ ٨) (وكان يوم ملك ابن ثمانية عشر سنة). وفي السفر الثاني من أخبار اليوم (٣٦/ ٩) (ابن ثمانية سنين كان يوياكين حين ملك) وهذا على سبيل المثال وللمزيد يراجع كتاب إظهار الحق (١). الوجه الثاني: القرآن أثبت أنهما امرأتان، والعبرة بما في القرآن، ولا عبرة بالمحرف الذي وقع في التوراة . قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣]. وهنا نلاحظ الآتي: ١ - التصريح بذكر العدد في قوله امرأتين وهذا من أوضح الأدلة. ٢ - الخطاب بضمير المثنى سواء كان ما بين موسى والمرأتين أو موسى وصاحب مدين كما في قوله: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ ﴿قَالَتَا﴾ ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ ﴿إِحْدَاهُمَا﴾ ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾. ٣ - جمهور أهل العلم بالتفسير على أنهما اثنتين. الوجه الثالث: الآثار الواردة في الباب تدل على أنهما امرأتان . أثر ابن عباس ﵁: في قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ أن موسى ﷺ لما ورد ماء مدين ووجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان فقالتا له: ماء." (٢)

стр. 3442

أثر عمر بن الخطاب ﵁: أن موسى ﵇ لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال فإذا هو بامرأتين تذودان قال ما خطبكما؟ . . . . . ." (١). الوجه الرابع: قد يكون له أكثر من بنت، ولكن اثنتان منهما هما اللتان كانتا تسقيان . قال ابن كثير: وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات، وهذا أيضًا من الغلط، ولعلهن كن سبعًا، ولكن إنما كان تسقى اثنتان منهن، وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظًا، وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتين (٢). الوجه الخامس: القرآن الكريم أثبت صفة الصداق فالعبرة بما في القرآن قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨) فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٧ - ٢٩]. وهذه الصفة: وهي أن صاحب مدين طلب من موسى أن يرعى له ثمان سنوات على أن يزوجه إحدى ابنتيه، فإن تبرع بزيادة سنتين فهو لموسى ﵇ وإلا ففي ثمانية كفاية، وقد رعى موسى ﵇ أتم الأجلين وأوفاهما وأبرهما. وهذا ما عليه جمهور أهل العلم بالتفسير (٣). الوجه السادس: السنة النبوية دلت على ما دل عليه القرآن الكريم من صفة الصداق . ابن عباس ﵁:

стр. 3443

سألني يهودي من أهل الحيرة أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما إن رسول الله ﷺ إذا قال فعل. (١) قال ابن حجر: وهو في حكم المرفوع لأن ابن عباس كان لا يعتمد على أهل الكتاب. (٢) * * * *

стр. 3444

٥ - شبهة: حول قارون . نص الشبهة: إنكار أن يكون قارون هو الذي خسف به وإنما هو قورح، وأن قارون لم يكن في زمن موسى ﵇، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص: ٧٦]. والرد عليه من هذه الوجوه: الوجه الأول: الكتاب الذي بأيديكم محرف فلا يجوز الاعتراض به. الوجه الثاني: قورح واحد أم اثنان؟ الوجه الثالث: القرآن الكريم أثبت أنه قارون، فالعبرة بما في القرآن. الوجه الرابع: لا فرق بين قارون وقورح. الوجه الخامس: من هو قارون؟ . وإليك التفصيل الوجه الأول: الكتاب الذي بأيديكم محرف فلا يجوز الاعتراض به على القرآن . وذلك أن الأسماء تكون في موضع ويأتي في موضع نفسه أو غيره ما يناقضه، وكذلك التاريخ في موضع ويأتي في الموضع نفسه أو غيره ما ينقضه، وعلى سبيل المثال لا الحصر: أولًا في الأسماء: ١ - ففي سفر صمويل الثاني (٢٣: ٨): هذِهِ أَسْمَاءُ الأَبْطَالِ الَّذِينَ لِدَاوُدَ: يُشَيْبَ بَشَّبَثُ التَّحْكَمُونِيُّ رَئيسُ الثَّلَاثَةِ. هُوَ هَزَّ رُمْحَهُ عَلَى ثَمانِ مِئَةٍ قَتَلَهُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً. ولكن في سفر أخبار الأيام الأول (١١: ١١): وَهذَا هُوَ عَدَدُ الأَبْطَالِ الَّذِينَ لِدَاوُدَ: يَشُبْعَامُ بْنُ حَكْمُونِي رَئِيسُ الثَّوَالِثِ. هُوَ هَزَّ رُمْحَهُ عَلَى ثَلَاثِ مِئَةٍ قَتَلَهُمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً. ٢ - سفر صمويل الثاني ٨/ ٣: ١٧: "هدد عزر": "توعي الملك. . . . هدد عزر "يورام" "أوأخيمالك. . . . وسرايا الكاتب". سفر أخبار الأيام الأول ١٨/ ١٧: ٣: "هدر عزر" "توعو ملك. . . . . هدر عزر" "هدورام"، "وأبيمالك. . . . وشوشا كاتب". ثانيًا في التاريخ:

стр. 3445

١ - ففي سفر الملوك الأول (١٥: ٣٣): فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، مَلَكَ بَعْشَا بْنُ أَخِيَّا عَلَى جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ فِي تِرْصَةَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. ولكن سفر أخبار اليوم الثاني (١٦: ١): في السَّنَةِ السَّادِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ لِمُلْكِ آسَا صَعِدَ بَعْشَا مَلِكُ إِسْرَائِيلَ عَلَى يَهُوذَا، وَبَنَى الرَّامَةَ لِكَيْلَا يَدَعَ أَحَدًا يَخْرُجُ أَوْ يَدْخُلُ إِلَى آسَا مَلِكِ يَهُوذَا. ٢ - وفي إنجيل متى: (٨/ ١: ١٤): (أولًا شفاء الأبرص بعد وعظ الجبل ثم شفاء عبد قائد المائة بعدما دخل عيسى ﵇ كفر ناحوم ثم شفاء حماه بطرس). ولكن في إنجيل لوقا (أولًا شفاء حماه بطرس ثم في باب الخامس شفاء الأبرص ثم في الباب السابع شفاء عبد قائد المئة) (٤/ ٣٨، ٥/ ١٢: ١٤، ٧/ ١: ١٠). وعلى هذا فقد تبين أن الأسماء عندهم وكذلك التاريخ فيهما تناقض عجيب وظاهر بين في الدلالة، وقصة قارون عندهم من هذا القبيل فقد يكون قارون هو قورح على ما يأتي أو يكون هو قارون لكنهم حرفوا الاسم وليس هذا ببعيد عنهم. ثم اعتراضهم على تاريخ وجوده مع موسى فقد تبين أن التاريخ عندهم متناقض وعلى فرض صحته، فأي قورح يكون هل الذي في زمن يعقوب أم الذي في زمن موسى؟ ؟ ؟ ! والعبرة بما في القصة من دروس وعبر لا في اسمه. الوجه الثاني: قورح واحد أم اثنان ؟ وجوابًا على هذا السؤال نجد أن الكتاب عندهم يخبر بأن قورح عندهم اثنان. الأول: كان هو قورح بن عيسو بن إسحاق بن إبراهيم. (سفر التكوين ٣٦/ ١: ٤٣) الثاني: قورح بن يصهار بن قهاث بن لاوي. (سفر العدد ١٦/ ١: ٥٠) فإن كان الأول فهذا مستحيل لأنه كان قبل موسى بزمان، وإن كان الثاني فالقرآن أثبت أنه قارون وهذا هو المعلوم يقينا والعبرة في أحداث القصة لا في الاسم كما سنبين. الوجه الثالث: القرآن أثبت أنه قارون فالعبرة بما في القرآن . فقد أثبت القرآن الكريم قصة قارون مع نبي الله موسى ﵇ في غير موضع، ومع ذلك لم يتغير الاسم فبين القرآن أنه من قوم موسى.

стр. 3446

فقال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦]، وبين القرآن الكريم أن موسى ﵇ أُرسل إليه وأنه كذب بالرسالة، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤)﴾ [غافر: ٢٣, ٢٤]. وبين القرآن الكريم عاقبة تكذيبه وعناده واستكباره في الأرض ففي سورة القصص قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾ [القصص: ٨١]. وقال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٣٩, ٤٠] الوجه الرابع: لا فرق بين قارون وقورح هما واحد . (قارون) اسم معرب أصله في العبرانية (قورح) بضم القاف مشبعة وفتح الراء، وقع في تعريبه تغيير بعض حروفه للتخفيف، وأجري وزنه على متعارف الأوزان العربية مثل طالوت، وجالوت، فليست حروفه حروف اشتقاق من مادة قرن. (١) الوجه الخامس: من هو قارون ؟ والإجابة عن هذا السؤال في مبحثين: المبحث الأول: نبذة عنه . قارون على وزن فاعول، اسم أعجمي يمتنع من الصرف للعجمية والعلمية وليس بعربي، مشتق من قرنت قال الزجاج لو كان قارون من قرنت الشيء لانصرف. وهو بالإجماع كان رجل من بني إسرائيل كان ممن آمن بموسى وحفظ التوراة وكان من أقرأ الناس لها، ثم إنه لحقه الزهو والإعجاب فبغى على قومه بأنواع من البغي فنافق

стр. 3447

كما نافق السامري وخرج عن طاعة موسى ﵇ فكانت النتيجة أن خسف الله به وبداره الأرض وأصبح من الهالكين. (١) المبحث الثاني: درجة قرابته من موسى ﵇ -. واختلف في قرابته من موسى ﵇ على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه ابن عم موسى ﵇. قال قتادة: كنا نتحدث أنه كان ابن عمة أخي أبيه، وكان يسمى المنور من حسن صوته بالتوراة ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري فأهلكه البغي. (٢) قال إبراهيم النخعي: كان قارون ابن عم موسى ﵇. (٣) القول الثاني: أنه عم موسى ﵇. قاله ابن إسحاق. (٤) القول الثالث أنه ابن خالة موسى ﵇. روي عن ابن عباس ﵁. (٥) والراجح القول الأول. قال ابن جرير الطبري: وأما أهل العلم من سلف أمتنا ومن أهل الكتابين على أنه ابن عم موسى ﵇ (٦). وهذا ما ذهب إليه ابن حجر (٧). * * *

стр. 3448

سورة العنكبوت شبهة: قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ نص الشبهة: جاء في سورة العنكبوت (٣٩) ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩)﴾، وجاء في سورة غافر (٢٣: ٢٥) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥)﴾. يتبادر إلى الذهن من هذه الآيات أن قارون وهامان مصريان من قوم فرعون وأنهما مع فرعون قاوموا موسى في مصر ولكن هذا خطأ لأن قارون إسرائيلي لا مصري، ومن قوم موسى لا من قوم فرعون كما جاء في سورة القصص ٧٦ ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: إثبات أن قارون من قوم موسى . قال الله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦]، يقول الله تعالى ذكره (إن قارون) وهو قارون بن يصهر بن قامث بن لاوي بن يعقوب ﴿كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ يقول: كان من عشرة موسى بن عمران النبي ﷺ وهو ابن عمه لأبيه وأمه وذلك أن قارون هو قارون بن يصهر بن قامث، وموسى: موسى بن عمران بن قامث. (١)

стр. 3449

الوجه الثاني: أن الله بيّن لنا ووضح في علة الجمع بينهم هو الاستكبار في الأرض فقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: فاستكبروا في الأرض عن التصديق بالبينات من الآيات، وغي اتباع موسى ﷺ . (١) الوجه الثالث أن الله قبل هذه الآية ذكر قوم عاد وثمود وجمع بينهم اختلاف البلاد فقال : ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ يخبر تعالى عن هؤلاء الأمم المكذبة للرسل كيف أبادهم الله وتنوع في عذابهم فأخذهم بالانتقام منهم، فعاد قوم هود، وكانوا يسكنون الأحقاف وهي قرية قريبة من حضر موت ببلاد اليمن وثمود قوم صالح وكانوا يسكنون الحجر قريبًا من وادي القرى وكانت العرب تعرف مساكنها جيدًا وتمر عليها كثيرًا، وقارون صاحب الأموال ومفاتيح الكنوز الثقيلة، وفرعون ملك مصر في زمان موسى ووزير هامان القبطيان الكافران بالله ورسوله، ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾: أي كانت عقوبته بما يناسبه ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ وهم: عاد ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ وهم ثمود ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ وهو قارون ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ وهم فرعون ووزيره هامان. وهذا الذي ذكرناه ظاهر لسياق الآية، وهو من باب اللف والنشر وهو أنه ذكر الأمم المكذبة، ثم قال ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ أي من هؤلاء المذكورين (٢). الوجه الرابع .

стр. 3450

أن الله حين جمع في الآية الكريمة بين قارون وهامان فرعون جمع بينهم من جهة أن الرسول الذي أرسل إليهم هو رسول الله ﷺ واحد منهم وهو نبينا موسى ﵇، فالجمع إذًا من جهة أن الرسول واحد. فائدة مهمة: معنى العطف: الاشتراك في تأثير العامل. (١) ومعنى العطف: مطلق الجمع، فتعطف الشيء على مصاحبه نحو ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥]. وعلى سابقة نحو ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ وعلى لاحقه نحو ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الشورى: ٣]. ويجوز أن يكون بين متعاطفيها تقارب أو تراخ، نحو ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فإن الرد بعيد إلقائه والإرسال على أربعين سنة، وتنفرد الواو عن سائر أحرف العطف بأمور منها: احتمال معطوفها للمعاني الثلاثة السابقة. (٢) فأعطف بواو لاحقًا أو سابقًا ... في الحكم أو مصاحبًا موافقًا (٣) * * *

стр. 3451

سورة لقمان شبهة: إنكار شخصية لقمان الذي ذكر في القرآن . نص الشبهة: يقولون: إن محمدًا اتخذ شخصية خيالية من الجاهلية ليجعل منها نبيًا حكيمًا يعظ ابنه. وقد قال البيضاوي: إن اسمه لقمان بن عوراء من أولاد أزر ابن أخت أيوب أو خالته، وعاش حتى أدرك داود ﵇ وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعثه. والسؤال: فكيف يكون لقمان هذا نبيًا؟ وكيف يعتبره البيضاوي يعاصر أيوب ويعاصر داود؛ وبين أيوب وداود ما يقرب من ٩٠٠ سنة؟ وأين بلاد عوص حيث عاش أيوب من بلاد فلسطين حيث عاش داود؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: القرآن أثبت قصة لقمان فوجب الإيمان بها . الوجه الثاني: لا يجوز الاحتجاج بالتوراة والإنجيل وقد ثبت تحريفهما. الوجه الثالث: الصحيح أن لقمان كان حكيمًا وليس نبيًا، ولم يثبت عن حاله أو حياته أو تاريخه شيء سوى ما قصه علينا القرآن. الوجه الرابع: وماذا عن لقمان الذي في الإنجيل واسمه (لوكيوس). وإليك التفصيل الوجه الأول: القرآن أثبت قصة لقمان فوجب الإيمان بها. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ

стр. 3452

فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٢ - ١٩]. فهذه قصة من القصص التي ذكرها القرآن لنأخذ منها الدروس والعبر التي يسير عليها المسلم في حياته، فالقصة دعت إلى توحيد الله وإلى طاعة الله ﵎ وإلى جملة من المواعظ والآداب التي إذا ما تحلى بها المسلم سعد في دنياه وأخراه. الوجه الثاني: لا يجوز الاحتجاج بالتوراة والإنجيل وقد ثبت تحريفهما . ١ - ثبت بالأدلة القاطعة أن الكتاب المقدس محرف، ومن ثم لا يجوز الاحتجاج به. ٢ - ولو سلمنا بعدم التحريف فالقرآن قد أتى بزيادة لم تأتِ بها الكتب الأخرى فوجب الإيمان بها. ٣ - هل معنى أن التوراة والإنجيل لم تذكر القصة أنها ليست حقيقية؟ وهل استوعب الكتاب المقدس جميع أحداث التاريخ والقصص؟ والجواب: أن هذا محال. الوجه الثالث: الصحيح أن لقمان كان حكيمًا وليس نبيًا، ولم يثبت عن حاله أو حياته أو تاريخه شيء سوى ما قصه علينا القرآن . قال ابن كثير: اختلف السلف في لقمان ﵇ هل كان نبيًا أو عبدًا صالحًا من غير نبوة؟ على قولين الأكثرون على الثاني (١). قال الشوكاني: اختُلف في لقمان هل هو عجمي أم عربي مشتق من اللقم؟ فمن قال إنه عجمي منعه للتعريف والعجمة، ومن قال إنه عربي منعه للتعريف ولزيادة الألف والنون، واختلفوا أيضًا هو نبي أم رجل صالح؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه ليس بنبي، وحكا الواحدي عن عكرمة والسدي والشعبي أنه كان نبيًا والأول أرجح (٢).

стр. 3453

ثم قال: وقد ذكر جماعة من أهل الحديث روايات عن جماعة من الصحابة والتابعين تتضمن كلمات من مواعظ لقمان وحكمه، ولم يصح عن رسول الله ﷺ من ذلك شيء، ولا ثبت إسناد صحيح إلى لقمان بشيء منها حتى نقبله، وقد حكا الله سبحانه من مواعظه لابنه ما حكاه في هذا الوضع وفيه كفاية، وما عدا ذلك مما لم يصح فليس في ذكره إلا شغلة للحيز وقطيعة للوقت، ولم يكن نبيًا حتى يكون ما نقل عنه من شرع من قبلنا، ولا صح إسناد ما رُوي عنه من الكلمات حتى يكون ذكر ذلك من تدوين كلمات الحكمة التي هي ضالة المؤمن (١). الوجه الرابع: وماذا عن لقمان الذي في الإنجيل واسمه (لوكيوس) . لقد جاء في القرآن: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ. . .﴾ [لقمان: ١٢] ونقل عن البيضاوي المفسر أنه كان معاصرًا لداود ﵇، وحرَّف المشكك قول البيضاوي وهو أنه من أولاد أزر ابن أخت أيوب إلى أن لقمان كان معاصرًا لأيوب، ووجه نقده على هذا بقوله: كيف يكون معاصرًا لأيوب وداود، وبين أيوب وداود ما يقرب من ٩٠٠ سنة؟ وها هو كلام البيضاوي بنصه: "لقمان بن باعوراء أولاد آزر ابن أخت أيوب أو خالته، وعاش حتى أدرك داود ﵇، وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعثه، والجمهور على أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًا". قلت: وليس هناك ما يدل على هذا النسب وهذه المعاصرة، وما يهمنا هو إثبات هذه الشخصية كما قررها القرآن الكريم. والبيضاوي لا يقصد معاصرته وإنما يقصد نسبه، ولم يقل البيضاوي: كان نبيًا، ولم يقل القرآن ذلك؛ وإنما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ ولكن صاحب الشبهة وجه الإشكال على النبوة؛ فقال: كيف يكون لقمان نبيًا؟ إنه قال: كيف يكون لقمان نبيًا؟ وليس في القرآن أنه كان نبيًا - كما بينا - وإنما كان حكيمًا، واسمه "لوكيوس" في اليوناني، و"لقمان" في العبرانية، وفي سفر أعمال الرسل (١٣/ ١): "وَكَانَ فِي أَنْطَاكِيَةَ فِي الْكَنِيسَةِ هُنَاكَ أَنْبِيَاءُ

стр. 3454

وَمُعَلِّمُونَ: بَرْنَابَا، وَسِمْعَانُ الَّذِي يُدْعَى نِيجَرَ، وَلُوكِيُوسُ الْقَيْرَوَانِيُّ، وَمَنَايِنُ الَّذِي تَرَبَّى مَعَ هِيرُودُسَ رَئيسِ الرُّبْعِ، وَشَاوُلُ. وفي سفر الرسالة إلى أهل روما: أنه كان معاصرًا لبولس، وصديقًا له: يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ تِيمُوثَاوُسُ الْعَامِلُ مَعِي، وَلُوكِيُوسُ وَيَاسُونُ وَسُوسِيبَاتْرُسُ أَنْسِبَائِي (رومية ١٦/ ٢١) واللغة اليونانية تضيف حرف السين في آخر الاسم مثل يوسيفوس - هيرودس -, أغسطس قيصر، بير كلينوس وهو اسم أحمد رسول الله في إنجيل يوحنا. وفي العبرانية "يونان" بالألف والنون، وفي اليونانية "يونس". أما قولهم: إن بين أيوب وداود ما يقرب من ٩٠٠ سنة. فهذا كلام ليس عليه دليل من كتب التاريخ. (١) ولو سلمنا بصحته فإن كلام البيضاوي ليس فيه أنه عاصر أيوب، وما قال أحد بذلك وإنما قيل إنه عاصر داود ﵇ (٢). * * * *

стр. 3455

سورة الأحزاب وفيها: ١ - شبهة: مخاطبة الله لنساء النبي ﷺ في القرآن. ٢ - شبهة: النهي عن دخول بيوت النبي ﷺ . ٣ - شبهة: كيف يضع الرسول ﷺ نفسه مع الله .

стр. 3456

١ - شبهة: مخاطبة الله لنساء النبي ﷺ في القرآن . نص الشبهة: قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] فيه اتهام لهن أنهن وقعن في الفاحشة، ولماذا يخاطبهن بهذا الكلام؟ ! والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: تفسير الآيات . الوجه الثاني: لماذا يطلب الله من نساء النبي ﷺ مثل هذه الأمور. الوجه الثالث: فضل نساء النبي ﷺ على سائر النساء، فهذه الأوامر في حقهن من باب أولى. الوجه الرابع: أن الله خصهن بهذه الأوامر زيادة في حجابهن وحيائهن. وإليك التفصيل الوجه الأول: تفسير الآيات. قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [الأحزاب: ٣٠، ٣١]. قال ابن كثير: يقول تعالى واعظًا نساء النبي ﷺ اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، واستقر أمرهن تحت رسول الله ﷺ أن يخبرهن بحكمهن [وتخصيصهن] دون سائر النساء، بأن مَنْ يأت منهن بفاحشة مبينة، قال ابن عباس: وهي النشوز وسوء الخلق، وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع (١). قال الطبري: يقول تعالى ذكره: ومن يطع الله ورسوله منكن، وتعمل بما أمر الله به ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ يقول: يعطها الله ثواب عملها، مثلي ثواب عمل غيرهن من سائر نساء الناس، ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ يقول: وأعتدنا لها في الآخرة عيشًا هنيئًا في الجنة (٢).

стр. 3457

وقال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣] أي: اِلْزَمْنَ بيوتكن، فلا تخرجن لغير الحاجة، ومن الحوائج الشرعية: الصلاة في المسجد بشرطه، كما قال رسول الله ﷺ : "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ الله مَسَاجِدَ الله (١)، وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ (٢) "، وفي رواية: "وبيوتهن خير لهن" (٣). وفيه دليل على أنه لا يجوز للمرأة أن تتطيب في غير بيتها بطيب على حال من الأحوال، وإذا تطيبت في بيتها فلا تخرج، ولما كان الأصل ألا تخرج امرأة إلا تفلة، وكان الوقت المعروف لتطيب النساء للرجال، إنما هو بالليل؛ لأن الليل يجمع بين الرجل وامرأته لإقباله من مصرفه إلى بيته ليسكن إلى أهله في ليله فتطيب امرأته، قيل لهن: من تطيب منكن قبل شهود العشاء فلا تشهد العشاء (٤). والتفلة: هي غير المتطيبة؛ لأن التفل نتن الريح، يقال: امرأة تفلة إذا كانت متغيرة الريح بنتن أو ريح غير طيبة (٥). أما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] بَيَّنَ الله تَعَالَى أَنَّهُ كَمَا يُضَاعَفُ بِهَتْكِ الْحُرُمَاتِ الْعَذَابُ كَذَلِكَ يُضَاعَفُ بِصِيَانَتِهَا الثَّوَابُ، وقَوْلهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، يَعْنِي: فِي الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ فَإِنَّهُنَّ وَإِنْ كُنَّ مِنْ الْآدَمِيَّاتِ فَلَسْنَ كَإِحْدَاهُنَّ، كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْبَشَرِ جِبِلَّةً - فَلَيْسَ مِنْهُمْ فَضِيلَةً وَمَنْزِلَةً، وَشَرَفُ الْمَنْزِلَةِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَثَرَاتِ، فَإِنَّ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ وَتُرْفَعُ مَنْزِلَتُهُ عَلَى الْمَنَازِلِ جَدِيرٌ بِأَنْ يَرْتَفِعَ فِعْلُهُ عَلَى الْأَفْعَالِ، وَيَرْبُوَ حَالُهُ عَلَى

стр. 3458

الْأَحْوَالِ. قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ أَمَرَهُنَّ الله تَعَالَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُنَّ جَزْلًا، وَكَلَامُهُنَّ فَصْلًا، وَلَا يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يُحْدِثُ فِي الْقَلْبِ عَلَاقَةً بِمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنْ اللِّينِ المُطْمِعِ لِلسَّامِعِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُنَّ مَعْرُوفًا. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] قَالَ الْقَاضِي: الَّذِي عِنْدِي أَنَّهَا جَاهِلِيَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ وَهِيَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا وُصِفَتْ بِالْأُولَى؛ لِأَنَّهَا صِفَتُهَا الَّتِي لَيْسَ لَهَا نَعْتُ غَيْرِهَا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ وَهَذِهِ حَقِيقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَحْكُمُ إلَّا بِالْحَقِّ (١). وعن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ جَاءَهَا حِينَ أَمَرَهُ الله أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ، فَبَدَأَ بِي رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَسْتَعْجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ. وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أبوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الله قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إِلَى تَمامِ الْآيَتَيْنِ. فَقُلْتُ لَهُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ" (٢). وفي الحديث الذي بعده قالت عائشة ﵂ ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ (٣). وفي الحديث ملاطفة النبي ﷺ لأزواجه وحلمه عنهن، وصبره على ما كان يصدر منهن من إدلال وغيره مما يبثه عليهن الغيرة. الوجه الثاني: لماذا يأمر الله زوجات النبي ﷺ بهذه الأمور ؟ أولًا: الشرط لا يقتضي وقوع الفعل. قال تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ. .﴾ [الأحزاب: ٣٠]، وهذا أسلوب شرط، والشرط لا يقتضي وقوع الفعل، كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا

стр. 3459

أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١]، وقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ. . .﴾ [الزمر: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤، ٧٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ [الحاقة: ٤٤]. فهذه الصيغة التي وردت بها الآيات قضية شرطية والقضية الشرطية لا يلزم من صدقها صدق جزأيها، ألا ترى أن قولك: لو كانت الخمسة زوجًا لكانت منقسمة بمتساويين. قضية صادقة مع أن كل واحد من جزأيها غير صادق، قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ولم يلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وبأنهما فسدتا (١). ثانيًا: أن هذا على سبيل الفرض والمحالات يصح فرضها (٢). ثالثًا: هذا خطاب لهن والمراد به غيرهن (٣). أي: أن هذا من باب التعريض لغير نساء النبي ﷺ ، أي: أنه خطاب لنساء الأمة (٤). رابعًا: هذا الخطاب للتحذير والإنذار، والتحذير ليس معناه أَنْ وقع المخاطب في المحذور. خامسًا: أن هذا الكلام من الله أدب لهن، وتهديد لغيرهن من نساء الأمة (٥). سادسًا: خاطبهن الله بذلك ليعرف من دونهن أن هذه الأعمال فيها مضاعفة للعذاب حتى لو وقعت من نساء النبي ﷺ . سابعًا: أنه كما أن طاعتهن أفضل من طاعات غيرهن، فكذلك القبائح التي تصدر عنهن، فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ. . .﴾.

стр. 3460

واعلم أن الله لما قدم هذه المقدمات ذكر ما هو المقصود فقال: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١). ثامنًا: أراد الله أن ينبه الأمة أن من فعل ذلك عذب وضوعف لها العذاب حتى ولو كان كريمًا عند الله (٢). الوجه الثالث: فضل نساء النبي ﷺ على سائر النساء . ١ - قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ يَعْنِي: فِي الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ، فَإِنَّهُنَّ وَإِنْ كُنَّ مِنْ الْآدَمِيَّاتِ فَلَسْنَ كَإِحْدَاهُنَّ، كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْبَشَرِ جِبِلَّةً، فَلَيْسَ مِنْهُمْ فَضيلَةً وَمَنْزِلَةً، وَشَرَفُ الْمَنْزِلَةِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَثَرَاتِ، فَإِن مَنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَتُرْفَعُ مَنْزِلَتُهُ عَلَى الْمَنَازِلِ جَدِيرٌ بِأَنْ يَرْتَفِعَ فِعْلُهُ عَلَى الْأَفْعَالِ، وَيَرْبُوَ حَالُهُ عَلَى الْأَحْوَالِ (٣). قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: في الحرمة، والاحترام، والإكرام، والتوقير، والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سَمَّى بعضُ العلماء بناتهن أخوات المؤمنين، كما هو منصوص الشافعي في المختصر، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم (٤). ٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، والله قال هذا بعد الأوامر التي أمرهن بها والنواهي التي نهاهن عنها، وكأنه يقول: أنا ما آمركم ولا أنهاكم عن هذه الأمور إلا لأطهركن وأذهب عنكم الرجس.

стр. 3461

وقال أيضًا: وهذا نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت ها هنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولًا واحدًا (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وعن أم سلمة ﵂ أنها قالت: (يغزو الرجال، ولا يغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ. . .﴾. قال مجاهد: فأنزل فيها: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. . .﴾، وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة) (٢). وعن أم عمارة الأنصارية ﵂ أنها أتت النبي ﷺ فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء؟ فنزلت (٣). ومن فضائل زوجات النبي ﷺ أنهن كن يؤثرن على أنفسهن، فعن عائشة ﵂ قالت: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُن يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ الله" (٤). الوجه الرابع: لماذا لم تخاطب زوجات الأنبياء من قبل بمثل هذه الأمور ؟

стр. 3462

فنقول: أولًا إن الأمر للتشريف لا للإهانة، فعندما يأمرهن الله وينهاهن عن أشياء فهذا تشريف لهن ورفعة لمكانتهن، ثم إنه مَنْ قال: إن الله لم يخاطب النساء قبل ذلك بمثل هذه الأشياء؟ أليس قد قال لمريم: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، أليس قد ذم امرأة نوح وامرأة لوط لعدم استجابتهما لشرع الله فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠]. فانظر لصنيع سودة ﵂ وابتغائها رضا رسول الله ﷺ ، وإيثاره على نفسها وعلى ما فيه سعادتها. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : في (حديث الإفك): "من يعذرنا في رجل بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت من أهل بيتي إلا خيرًا" (١). وبعدُ، فأي امرأة في الكتاب المقدس تشرفت بهذا الذكر بما تشرفت به نساء النبي ﷺ ، ونساء المؤمنين عامةً، ولكنك حينما تنظر في هذا الكتاب - المحرف - تجد فيه إهانةً للمرأة، وإذلالًا، واحتقارًا، وغير ذلك للأهمية (٢). انظر كيف كان عيسى يخاطب أمه في أكثر كلامه، كان يقول لأمه: (يا امرأة)، كما في إنجيل يوحنا (٢/ ٥: ٣): (وَلمَّا فَرَغَتِ الْخَمْرُ، قَالَتْ أُمُّ يَسُوعَ لَهُ: لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ. ٤ قَالَ لَهَا يَسُوعُ: مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ. ٥ قَالَتْ أُمُّهُ لِلْخُدَّامِ: مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ). * * * *

стр. 3463

٢ - شبهة: النهي عن دخول بيوت النبي ﷺ -. نص الشبهة: أمر الله الصحابة بعدم دخول بيت النبي ﷺ بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ. . .﴾ [الأحزاب: ٥٣] والآية تدل على ما يلي: ١ - تصرفات زوجاته مع الرجال. ٢ - النبي ﷺ لا يستطيع أن يهتم بزوجاته. ٣ - الصحابة كانوا يستغيبون النبي ﷺ ويدخلون بيوت نسائه. ٤ - أن الوحي يشتغل بمثل هذه الأمور، وهل هذا كان في اللوح المحفوظ؟ والرد من ذلك وجوه: الوجه الأول: التفسير الصحيح للآية . الوجه الثاني: ١ - سبب نزول آية الحجاب (السبب الصحيح). ٢ - سبب نزول: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ وأن السبب المذكور باطل سندًا ومتنًا. الوجه الثالث: الرد على دعواهم كما في نص الشبهة. وإليك التفصيل الوجه الأول: التفسير الصحيح للآية. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]. يقول تعالى ذكره لأصحاب رسول الله ﷺ : يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تدخلوا بيوت نبي الله ﷺ ، إلا أن تدعوا إلى طعام تطعمونه ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ يعني: غير منتظرين إدراكه وبلوغه، ولكن إذا دعاكم رسول الله ﷺ فادخلوا البيت الذي أذن لكم بدخوله، فإذا أكلتم

стр. 3464

الطعام الذي دعيتم لأكله فانتشروا، يعني: فتفرقوا واخرجوا من منزله، ولا متحدثين بعد فراغكم من أكل الطعام إيناسًا من بعضكم لبعض به؛ لأن دخولكم بيوت النبي من غير أن يؤذن لكم وجلوسكم فيها مستأنسين للحديث بعد فراغكم من أكل الطعام الذي دعيتم له - كان يؤذي النبي فيستحي منكم أن يخرجكم منها إذا قعدتم فيها للحديث بعد الفراغ من الطعام، أو يمنعكم من الدخول إذا دخلتم بغير إذن مع كراهيته لذلك منكم ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أن يبيّن لكم وإن استحيا نبيكم فلم يبين لكم كراهية ذلك حياءً منكم، وإذا سألتم أزواج رسول الله ﷺ ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعًا ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يقول: من وراء ستر بينكم وبينهن، ولا تدخلوا عليهن بيوتهن ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ يقول: وما ينبغي لكم أن تؤذوا رسول الله، وما يصلح ذلك لكم، وما ينبغي لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا، فإن أذاكم رسول الله ﷺ ونكاحكم أزواجه من بعده عند الله عظيم من الإثم (١). قال ابن كثير: هذه آية الحجاب، وفيها أحكام وآداب شرعية، وهي مما وافق تنزيلها قول عمر بن الخطاب ﵁ كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال: وافقت ربي في ثلاث: فقلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن؟ فأنزل الله آية الحجاب. وقلت لأزواج النبي ﷺ : لما تمالئن عليه في الغيرة: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] فنزلت كذلك (٢). فقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ حَظَر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله ﷺ بغير إذن، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى غار الله

стр. 3465

لهذه الأمة فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى هذه الأمة؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ : "إياكم والدخول على النساء" (١). ثم قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾، وفي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعا أحدكم أخاه فَلْيجب، عُرسًا كان أو غيره" (٢)، وقال النبي ﷺ : "لو دُعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ كُرَاع لقبلت، فإذا فَرَغتم من الذي دُعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل، وانتشروا في الأرض" (٣). والمراد أن دخولكم منزله بغير إذنه كان يشق عليه ويتأذى به، لكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدة حيائه ﵇ حتى أنزل الله عليه النهي عن ذلك؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: ولهذا نهاكم عن ذلك وزجرَكم عنه. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ أي: وكما نهيتكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي: هذا الذي أمرتكم به وشرعته لكم من الحجاب أطهر وأطيب (٤). وقال الرازي: إن حال الأمة مع النبي على وجهين أحدهما: في حال الخلوة والواجب هناك عدم إزعاجه وبيّن ذلك بقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ وثانيهما: في الملأ والواجب هناك إظهار التعظيم كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ولما بيّن الله من حال النبي أنه داع إلى الله بقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ قال ههنا: لا تدخلوا إلا إذا دعيتم يعني كما أنكم ما دخلتم الدين إلا بدعائه.

стр. 3466

وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ فيه لطيفة وهي أن العادة إذا قيل لمن كان يعتاد دخول دار من غير إذن: لا تدخلها إلا بإذن! يتأذى وينقطع بحيث لا يدخلها أصلًا لا بالدعاء ولا بغير الدعاء، فقال: لا تفعلوا مثل ما يفعله المستنكفون بل كونوا طائعين سامعين إذا قيل لكم: لا تدخلوا! لا تدخلوا، وإذا قيل: لكم ادخلوا! فادخلوا، ثم إن الله تعالى بين كون ذلك أدبًا، وكون النبي حليمًا بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ إشارة إلى أن ذلك حق وأدب، وقوله كان إشارة إلى تحمل النبي ﷺ . وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ يعني العين روزنة القلب، فإذا لم ترَ العين لا يشتهي القلب، أما إن رأت العين فقد يشتهي القلب وقد لا يشتهي، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذ أظهر، ثم إن الله - تعالى - لما عَلَّمَ المؤمنين الأدب أكده بما يحملهم على محافظته، فقال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ وكل ما منعتم عنه مؤذ فامتنعوا عنه (١). وقال السعدي: في قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ فالأمر الشرعي ولو كان يتوهم أن في تركه أدبًا وحياءً فإن الحزم كل الحزم اتباع الأمر الشرعي، وأن يجزم أن ما خالفه، ليس من الأدب في شيء، والله تعالى لا يستحي أن يأمركم بما فيه الخير لكم والرفق لرسوله كائنًا ما كان، فهذا أدبُهم في الدخول في بيوته، وأما أدبُهم معه في خطاب زوجاته فإنه إما أن يحتاج إلى ذلك أو لا يحتاج إليه، فإن لم يحتج إليه فلا حاجة إليه؛ والأدب تركه، وإن احتيج إليه، كأن يسألن متاعًا أو غيره من أواني البيت أو نحوها فإنهن يُسألن ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٢). الوجه الثاني: سبب نزول هذه الآية . الأمر الأول: سبب نزول الحجاب: السبب الأول: روي عن أنس ﵁ في الصحيح وغيره قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا مَرَّ بِجَنبَاتِ أُمِّ سُلَيْمٍ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ. فَقَالَتْ لِي أُمُّ سُلَيْمٍ: لَوْ أَهْدَيْنَا لِرَسُولِ الله ﷺ هَدِيَّةً! فَقُلْتُ لها: افْعَلي. فَعَمَدَتْ إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَاتَّخَذَتْ حَيْسَةً

стр. 3467

فِي بُرْمَةٍ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا مَعِي إِلَيْهِ، فَانْطَلَقْتُ بِهَا إِلَيْهِ. فَقَالَ لِي: "ضَعْهَا" ثُمَّ أَمَرَني فَقَالَ: "ادعُ لي رِجَالًا" سَمَّاهُمْ "وَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ" قَالَ: فَفَعَلْتُ الَّذِي أَمَرَني، فَرَجَعْتُ فَإِذَا الْبَيْتُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى تِلْكَ الحْيْسَةِ، وَتَكَلَّمَ بِهَا مَا شَاءَ الله، ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً يَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَيَقُولُ لهمْ: "اذْكُرُوا اسْمَ الله وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَليهِ" قَالَ: حَتَّى تَصَدَّعُوا كُلُّهُمْ عَنْهَا فَخَرَجَ مِنْهُم مَنْ خَرَجَ، وَبَقِيَ نَفَرٌ يَتَحَدَّثُونَ، قَالَ: وَجَعَلْتُ أَغْتَمُّ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَ الْحُجُرَاتِ وَخرَجْتُ فِي إِثْرِهِ، فَقُلْتُ: إِنَّهُمْ قَدْ ذَهَبُوا، فَرَجَعَ فَدَخَلَ الْبَيْتَ، وَأَرْخَى السِّتْرَ وَإِنِّي لَفِي الْحُجْرَةِ وَهوَ يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ. . .﴾ قَالَ أَنَسٌ إِنَّهُ خَدَمَ رَسُولَ الله ﷺ عَشْرَ سِنِينَ (١). قال ابن حجر: وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد: مَشْرُوعِيَّة الْحِجَاب لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ عِيَاض: فَرْض الْحِجَاب مِمَّا اِخْتَصَصْنَ بِهِ، فَهُوَ فُرِضَ عَلَيْهِنَّ بِلَا خِلَاف فِي الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ، فَلَا يَجُوز لَهُنَّ كَشْف ذَلِكَ فِي شَهَادَة وَلَا غَيْرهَا، وَلَا إِظْهَار شُخُوصهنَّ وَإِنْ كُنَّ مُسْتَتِرَات؛ إِلَّا مَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَة مِنْ بِرَاز. ثُمَّ اِسْتَدَلَّ بِمَا فِي "الْمُوَطَّأ" أَنَّ حَفْصَة لمَّا تُوُفِّيَ عُمَر سَتَرَهَا النِّسَاء عَنْ أَنْ يُرَى شَخْصهَا، وَأَنَّ زَيْنَب بِنْت جَحْش جَعَلَتْ لها الْقُبَّة فَوْقَ نَعْشهَا لِيَسْتُر شَخْصهَا. وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ دَلِيل عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ فَرْض ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ، وَقَدْ كُنَّ بَعْدَ النَّبِيّ ﷺ يَحْجُجْنَ وَيطُفْنَ، وَكَانَ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَسْمَعُونَ مِنْهُنَّ الْحَدِيث وَهُنَّ مُسْتَتِرَات الْأَبدَانِ لَا الْأَشْخَاص (٢). السبب الثاني: ما روي عن عروة عن عائشة: أن أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ؛ وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ. فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : احْجُبْ نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ الله ﷺ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ليْلَةً مِنْ اللَّيَالِي عِشَاءً؛ وَكَانَتْ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنْزَلَ الله الْحِجَابِ (٣).

стр. 3468

قال ابن حجر: قَوْله: (اُحْجُبْ) أَيْ: اِمْنَعْهُنَّ مِنْ الْخُرُوج مِنْ بُيُوتهنَّ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَر بَعْد نُزُول آيَة الْحِجَاب قَالَ لِسَوْدَةَ مَا قَالَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ أَوَّلًا الْأَمْر بِسَتْرِ وُجُوههنَّ، فَلَمَّا وَقَعَ الْأَمْر بِوَفْقِ مَا أَرَادَ أَحَبَّ أَيْضًا أَنْ يَحْجُب أَشْخَاصهنَّ مُبَالَغَة فِي التَّسَتُّر، فَلَمْ يُجَبْ لِأَجْلِ الضَّرُورَة. وَهَذَا أَظْهَر الِاحْتِمَالَيْنِ. وَقَدْ كَانَ عُمَر يَعُدّ نُزُول آيَة الْحِجَاب مِنْ مُوَافَقَاته، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ كَانَ لَهُنَّ فِي التَّسَتُّر عِنْد قَضَاء الْحَاجَة حَالَات: أَوَّلهَا بِالظُّلْمَةِ لِأَنَّهُنَّ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ دُون النَّهَار كَمَا قَالَتْ عَائِشَة فِي هَذَا الْحَدِيث: "كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ"، ثُمَّ نَزَلَ الْحِجَاب فَتَسَتَّرْنَ بِالثِّيَابِ، لَكِنْ كَانَتْ أَشْخَاصهنَّ رُبَّمَا تَتَمَيَّز؛ وَلِهَذَا قَالَ عُمَر لِسَوْدَةَ فِي الْمَرَّة الثَّانِيَة بَعْد نُزُول الْحِجَاب: أَمَا وَالله مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، ثم قال: وسبب نزول هذا الحديث قصة زينب بنت جحش (١). ثم أورد البخاري حديثًا ليبين أنه يجوز لهن الخروج لقضاء حوائجهن، عن عائشة عن النبي ﷺ : "قد أذن أن تخرجن في حاجتكن" (٢). السبب الثالث: روى أنس أن عُمَرُ ﵁ قال: يَا رَسُولَ الله، يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ؛ فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ. فَأَنْزَلَ الله آيَةَ الْحِجَابِ. (٣) قلت: وفي المسألة أقوال وروايات أخرى فيها ضعف، واكتفينا بما ثبت. الأمر الثاني: سبب نزول قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ . . .﴾. عن ابن عباس ﵁ قال: قال رجل من أصحاب النبي ﷺ : لو قد مات رسول الله ﷺ لتزوجت عائشة أو أم سلمة. فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا. . .﴾ (٤).

стр. 3469

وما كان لأحد من أصحاب النبي ﷺ أن يتلفظ بمثل هذا، وإلا ما عد من أصحابه، وأنَّى لهذا الذي ترغب فيه واحدة من أزواج النبي بعد النبي ﷺ . فالحديث باطل متنًا وسندًا. الوجه الثالث: الرد على مزعوماتهم الباطلة . أولًا: يقولون: لماذا هذا الكلام؟ أليس يدل على تصرفات زوجاته مع الرجال بأمور لا تليق ؟ ونقول: ألا لعنة الله على الظالمين، ألمجرد توجيه وَجَّهَهُ الله للأمة كي يتأدبوا مع النبي ﷺ عندما يكون في خلوته يؤول بهذا التأويل وتقولون أن هذا يدل تصرفات غير سليمة بين زوجاته الطاهرات العفيفات وبين أصحابه المؤمنين الصادقين؟ ! ! ! فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أما النهي من الله فلأمور: ١ - الله نهى الصحابة عن ذلك لعلمه أن نبيه ﷺ كان أشد الناس حياءً، وعن أبي سعيد الخدري قال: "كان النبي ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها"، فالنبي ﷺ يستحي أن ينهاهم عن ذلك بنفسه، لكن عندما يكون من الله ، فالله لا يستحي من الحق. ٢ - أنه لا بد أن يعامل القدوة باحترام وتوقير، على غير معاملة العوام فهو له الفضل على الجميع، فما بالكم لو كان ذلك رسول الله ﷺ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فأهل الفضل لا بد أن يميزوا في المعاملة كما خص زوجاته ﵅ بألا يتزوجهن أحد بعد النبي ﷺ ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. ٣ - هذا أدب من الله للصحابة، ليبين لهم كيف يتعاملون مع نبيهم في الخلوة؟ كما بين لهم كيف يتعاملون معه في الملأ؟ فقال: ﴿آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] ٤ - أراد الله أن يبين لهم أن الذي يتوهم أن الأمر الشرعي تركه أدبًا وحياء، فإن الحزم كل الحزم اتباع الأمر الشرعي، وأن يجزم أن ما خالفه، ليس من الأدب الشرعي، والله

стр. 3470

تعالى لا يستحي أن يأمركم، بما فيه الخير لكم، والرفق لرسوله كائنًا ما كان (١). ٥ - وأراد أن يبين لهم أدبهم مع زوجاته ﷺ فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. ٦ - ليس أمرُ الله لنساء النبي بالحجاب عن الصحابة وغيرهم من الرجال اتهام لهن أنهن قبل الحجاب كُنَّ يتصرفن بما لا يليق كما زعم الملحدون، بل هذا الأمر عصمة لهن وعصمة للصحابة وحفاظًا من الله لحياء هذه الأمة. ٧ - هذا الأمر من الله لهن بالحجاب ليفعلنه وتفعلنه باقي نساء الأمة، فلو كانت الفتنة مأمونة بين نساء النبي وبين صحابته فهي ليست مأمونة مع غيرهن، فلكي لا يحتجَّ محتجٌ أن نساء النبي لم يكن متحجبات أمرهن الله بالحجاب سدًا للذريعة، وحفظًا من خدش حياء هذه الأمة. ٨ - إن من أسباب الحجاب أن عمر قال لسودة زوج النبي ﷺ : انظري يا سودة كيف تخرجين، فوالله لا تخفين علينا (٢). وقد قال للنبي ﷺ : "لو أمرت نساءك بالحجاب؟ فنزلت آية الحجاب" (٣)، وكذلك حرصًا من عمر على نزول الحجاب، فكيف تقولون بعد ذلك أن هناك تصرفات لا تليق بين زوجات النبي ﷺ وأصحابه؟ ألا سحقًا لكم وبعدًا. ٩ - لا يخفى على أحد خطورة التبرج، وأن التحجب أطهر لقلوب الرجال والنساء، وأبعد عن الفاحشة وأسبابها، وأشار سبحانه إلى أن السفور وعدم التحجب خبث ونجاسة، وأن التحجب طهارة وسلامة، ولا شك أن من الناس البر والفاجر، والطاهر والعاهر؛ فالحجاب يمنع بإذن الله من الفتنة، ويحجز دواعيها، ولما علم الله المفاسد التي تترتب على اختلاط النساء بالرجال حرم ذلك، وأمر أن يكون هناك حجاب أو ساتر حين يريد رجل مقابلة امرأة أجنبية لطلب متاع أو سؤال حاجة، والعلة من فرض الحجاب طهارة قلوب
следующие страницы →