وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ فيه لطيفة وهي أن العادة إذا قيل لمن كان يعتاد دخول دار من غير إذن: لا تدخلها إلا بإذن! يتأذى وينقطع بحيث لا يدخلها أصلًا لا بالدعاء ولا بغير الدعاء، فقال: لا تفعلوا مثل ما يفعله المستنكفون بل كونوا طائعين سامعين إذا قيل لكم: لا تدخلوا! لا تدخلوا، وإذا قيل: لكم ادخلوا! فادخلوا، ثم إن الله تعالى بين كون ذلك أدبًا، وكون النبي حليمًا بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ إشارة إلى أن ذلك حق وأدب، وقوله كان إشارة إلى تحمل النبي ﷺ .
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ يعني العين روزنة القلب، فإذا لم ترَ العين لا يشتهي القلب، أما إن رأت العين فقد يشتهي القلب وقد لا يشتهي، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذ أظهر، ثم إن الله - تعالى - لما عَلَّمَ المؤمنين الأدب أكده بما يحملهم على محافظته، فقال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ وكل ما منعتم عنه مؤذ فامتنعوا عنه (١).
وقال السعدي: في قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ فالأمر الشرعي ولو كان يتوهم أن في تركه أدبًا وحياءً فإن الحزم كل الحزم اتباع الأمر الشرعي، وأن يجزم أن ما خالفه، ليس من الأدب في شيء، والله تعالى لا يستحي أن يأمركم بما فيه الخير لكم والرفق لرسوله كائنًا ما كان، فهذا أدبُهم في الدخول في بيوته، وأما أدبُهم معه في خطاب زوجاته فإنه إما أن يحتاج إلى ذلك أو لا يحتاج إليه، فإن لم يحتج إليه فلا حاجة إليه؛ والأدب تركه، وإن احتيج إليه، كأن يسألن متاعًا أو غيره من أواني البيت أو نحوها فإنهن يُسألن ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٢).
الوجه الثاني: سبب نزول هذه الآية .
الأمر الأول: سبب نزول الحجاب:
السبب الأول: روي عن أنس ﵁ في الصحيح وغيره قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا مَرَّ بِجَنبَاتِ أُمِّ سُلَيْمٍ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ. فَقَالَتْ لِي أُمُّ سُلَيْمٍ: لَوْ أَهْدَيْنَا لِرَسُولِ الله ﷺ هَدِيَّةً! فَقُلْتُ لها: افْعَلي. فَعَمَدَتْ إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَاتَّخَذَتْ حَيْسَةً
قال ابن حجر: قَوْله: (اُحْجُبْ) أَيْ: اِمْنَعْهُنَّ مِنْ الْخُرُوج مِنْ بُيُوتهنَّ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَر بَعْد نُزُول آيَة الْحِجَاب قَالَ لِسَوْدَةَ مَا قَالَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ أَوَّلًا الْأَمْر بِسَتْرِ وُجُوههنَّ، فَلَمَّا وَقَعَ الْأَمْر بِوَفْقِ مَا أَرَادَ أَحَبَّ أَيْضًا أَنْ يَحْجُب أَشْخَاصهنَّ مُبَالَغَة فِي التَّسَتُّر، فَلَمْ يُجَبْ لِأَجْلِ الضَّرُورَة. وَهَذَا أَظْهَر الِاحْتِمَالَيْنِ. وَقَدْ كَانَ عُمَر يَعُدّ نُزُول آيَة الْحِجَاب مِنْ مُوَافَقَاته، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ كَانَ لَهُنَّ فِي التَّسَتُّر عِنْد قَضَاء الْحَاجَة حَالَات: أَوَّلهَا بِالظُّلْمَةِ لِأَنَّهُنَّ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ دُون النَّهَار كَمَا قَالَتْ عَائِشَة فِي هَذَا الْحَدِيث: "كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ"، ثُمَّ نَزَلَ الْحِجَاب فَتَسَتَّرْنَ بِالثِّيَابِ، لَكِنْ كَانَتْ أَشْخَاصهنَّ رُبَّمَا تَتَمَيَّز؛ وَلِهَذَا قَالَ عُمَر لِسَوْدَةَ فِي الْمَرَّة الثَّانِيَة بَعْد نُزُول الْحِجَاب: أَمَا وَالله مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، ثم قال: وسبب نزول هذا الحديث قصة زينب بنت جحش (١).
ثم أورد البخاري حديثًا ليبين أنه يجوز لهن الخروج لقضاء حوائجهن، عن عائشة عن النبي ﷺ : "قد أذن أن تخرجن في حاجتكن" (٢).
السبب الثالث: روى أنس أن عُمَرُ ﵁ قال: يَا رَسُولَ الله، يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ؛ فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ. فَأَنْزَلَ الله آيَةَ الْحِجَابِ. (٣)
قلت: وفي المسألة أقوال وروايات أخرى فيها ضعف، واكتفينا بما ثبت.
الأمر الثاني: سبب نزول قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ . . .﴾.
عن ابن عباس ﵁ قال: قال رجل من أصحاب النبي ﷺ : لو قد مات رسول الله ﷺ لتزوجت عائشة أو أم سلمة. فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا. . .﴾ (٤).
стр. 3469
وما كان لأحد من أصحاب النبي ﷺ أن يتلفظ بمثل هذا، وإلا ما عد من أصحابه، وأنَّى لهذا الذي ترغب فيه واحدة من أزواج النبي بعد النبي ﷺ .
فالحديث باطل متنًا وسندًا.
الوجه الثالث: الرد على مزعوماتهم الباطلة .
أولًا: يقولون: لماذا هذا الكلام؟ أليس يدل على تصرفات زوجاته مع الرجال بأمور لا تليق ؟
ونقول: ألا لعنة الله على الظالمين، ألمجرد توجيه وَجَّهَهُ الله للأمة كي يتأدبوا مع النبي ﷺ عندما يكون في خلوته يؤول بهذا التأويل وتقولون أن هذا يدل تصرفات غير سليمة بين زوجاته الطاهرات العفيفات وبين أصحابه المؤمنين الصادقين؟ ! ! ! فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أما النهي من الله فلأمور:
١ - الله نهى الصحابة عن ذلك لعلمه أن نبيه ﷺ كان أشد الناس حياءً، وعن أبي سعيد الخدري قال: "كان النبي ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها"، فالنبي ﷺ يستحي أن ينهاهم عن ذلك بنفسه، لكن عندما يكون من الله ، فالله لا يستحي من الحق.
٢ - أنه لا بد أن يعامل القدوة باحترام وتوقير، على غير معاملة العوام فهو له الفضل على الجميع، فما بالكم لو كان ذلك رسول الله ﷺ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فأهل الفضل لا بد أن يميزوا في المعاملة كما خص زوجاته ﵅ بألا يتزوجهن أحد بعد النبي ﷺ ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.
٣ - هذا أدب من الله للصحابة، ليبين لهم كيف يتعاملون مع نبيهم في الخلوة؟ كما بين لهم كيف يتعاملون معه في الملأ؟ فقال: ﴿آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]
٤ - أراد الله أن يبين لهم أن الذي يتوهم أن الأمر الشرعي تركه أدبًا وحياء، فإن الحزم كل الحزم اتباع الأمر الشرعي، وأن يجزم أن ما خالفه، ليس من الأدب الشرعي، والله
стр. 3470
تعالى لا يستحي أن يأمركم، بما فيه الخير لكم، والرفق لرسوله كائنًا ما كان (١).
٥ - وأراد أن يبين لهم أدبهم مع زوجاته ﷺ فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾.
٦ - ليس أمرُ الله لنساء النبي بالحجاب عن الصحابة وغيرهم من الرجال اتهام لهن أنهن قبل الحجاب كُنَّ يتصرفن بما لا يليق كما زعم الملحدون، بل هذا الأمر عصمة لهن وعصمة للصحابة وحفاظًا من الله لحياء هذه الأمة.
٧ - هذا الأمر من الله لهن بالحجاب ليفعلنه وتفعلنه باقي نساء الأمة، فلو كانت الفتنة مأمونة بين نساء النبي وبين صحابته فهي ليست مأمونة مع غيرهن، فلكي لا يحتجَّ محتجٌ أن نساء النبي لم يكن متحجبات أمرهن الله بالحجاب سدًا للذريعة، وحفظًا من خدش حياء هذه الأمة.
٨ - إن من أسباب الحجاب أن عمر قال لسودة زوج النبي ﷺ : انظري يا سودة كيف تخرجين، فوالله لا تخفين علينا (٢).
وقد قال للنبي ﷺ : "لو أمرت نساءك بالحجاب؟ فنزلت آية الحجاب" (٣)، وكذلك حرصًا من عمر على نزول الحجاب، فكيف تقولون بعد ذلك أن هناك تصرفات لا تليق بين زوجات النبي ﷺ وأصحابه؟ ألا سحقًا لكم وبعدًا.
٩ - لا يخفى على أحد خطورة التبرج، وأن التحجب أطهر لقلوب الرجال والنساء، وأبعد عن الفاحشة وأسبابها، وأشار سبحانه إلى أن السفور وعدم التحجب خبث ونجاسة، وأن التحجب طهارة وسلامة، ولا شك أن من الناس البر والفاجر، والطاهر والعاهر؛ فالحجاب يمنع بإذن الله من الفتنة، ويحجز دواعيها، ولما علم الله المفاسد التي تترتب على اختلاط النساء بالرجال حرم ذلك، وأمر أن يكون هناك حجاب أو ساتر حين يريد رجل مقابلة امرأة أجنبية لطلب متاع أو سؤال حاجة، والعلة من فرض الحجاب طهارة قلوب
стр. 3471
الرجال والنساء، فصار الحجاب على نساء المؤمنين من باب أولى من فرضه على أمهات المؤمنين وهن الطاهرات المبرآت من كل عيب ونقيصة.
ثانيًا: يقولون: إن النبي ﷺ لا يستطيع أن يقوم بالاهتمام بزوجاته جميعًا في آن واحد؛ فلا بد أن يحصل ما لا يحمد عقباه .
ونقول: إن هذا الادِّعاء والافتراء مبني على الادعاء السابق؛ وهو أن هذا الكلام من الله لصحابته وزوجات النبي ﷺ يدل على تصرفات لا تليق - زعموا - وقد أبطلنا هذا الادعاء، والحمد لله، وما بُني على باطل فهو باطل، فنرد على هذه الفرية بما رددنا به على الفرية الأولى، ونزيد الأمر وضوحًا بأن نبين اهتمام النبي ﷺ بزوجاته، وكيف كان يعيش معهن ويشاورهن في الأمور العضال؟ وكيف كان في خدمة أهله ﷺ ؟ إن نبينا ﷺ مثال للزوج الذي يقوم على شئون أكثر من زوجة في آنٍ واحد، وحسبه أنه مؤيد من عند ربه .
فعن عائشة سُئلت: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ - تَعْنِي: خِدْمَةَ أَهْلِهِ - فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ (١).
قال ابن حجر: وفيه الترغيب في التواضع، وترك التكبر، وخدمة الرجلِ أهلَه (٢).
وعن عائشة أنها سُئلت: ما كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، ويَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ ما يَعْمَلُ الرجال في بيوتهم (٣).
قَالَ اِبْن بَطَّال: مِنْ أَخْلَاق الْأَنْبِيَاء التَّوَاضُع، وَالْبُعْد عَنْ التَّنَعُّم، وَامْتِهَان النَّفْس لِيُسْتَنّ بِهِمْ، وَلِئَلَّا يَخْلُدُوا إِلَى الرَّفَاهِيَة الْمَذْمُومَة، وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى ذَمّهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾ (٤).
ولا يخفى حديث أم زرع الذي أورده البخاري تحت [باب حسن المعاشرة مع الأهل (٥)]، والذي قصت فيه حديث عائشة على النبي ﷺ قصة إحدى عشرة امرأة مع
стр. 3472
أزواجهن، وهو حديث طويل، فانظر كيف جلس النبي ﷺ مع عائشة ولم يتأذَ من سردها هذه القصة الطويلة، مع ما هو فيه من حمل هَمِّ الرسالة وهَمِّ الدعوة، ثم بعد ذلك يُقال: إنه لا يستطيع أن يقوم بشئون أهله ويحافظ عليهن.
وقال النووي: فيه استحباب حسن المعاشرة للأهل (١).
وعن عائشة أيضًا قالت: كَانَ الْحَبَشُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ فَسَتَرَنِي رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا أَنْظُرُ، فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ حَتَّى كُنْتُ أَنَا أَنْصَرِفُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ تَسْمَعُ اللهوَ (٢).
قال النووي ﵀: وَفِيهِ جَوَاز نَظَر النِّسَاء إِلَى لَعِب الرِّجَال مِنْ غَير نَظَر إِلَى نَفْس الْبَدَن. وَأَمَّا نَظَر الْمَرْأَة إِلَى وَجْه الرَّجُل الْأَجْنَبِيّ فَإِنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ فَحَرَام بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ شَهْوَة وَلَا مَخافَة فِتْنَة فَفِي جَوَازه وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: تَحْرِيمه لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ وَلِقَوْلِهِ ﷺ : لِأُمِّ سَلَمَة وَأُمّ حَبِيبَة: "اِحْتَجِبَا عَنْهُ" (٣).
وعن أنس بن مالك ﵁ حدثهم: "أن نبي الله ﷺ كان يطوف على نسائه في الليلة الواحد، وله يومئذ تسع نسوة" (٤)، وفي رواية عند البخاري: قال قتادة لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نحدث أنه أعطي قوة ثلاثين (٥).
فكيف من له قوة مثل هذه أن تكون نساؤه كما قلتم، أو أنه لا يستطيع أن يهتم بهن؟ !
ثالثًا: يقولون: إن أصحاب النبي ﷺ كانوا يستغيبون النبي ويدخلون بيوت نسائه .
وسبحان الله أهؤلاء الأطهار يفعلون ذلك؟ ! وإن فعلوا هل تسمح لهم زوجات النبي ﷺ ؟ والناظر إلى فعلهم ﵃ فإنهم ما كانوا يدخلون بدون إذن حتى بعد موت النبي ﷺ وليس هذا مع بيوت النبي فقط، بل مع كل البيوت.
شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزَالَا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتْ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا (١).
رابعًا: يقول: إنه لا يجوز للوحي أن يشتغل بمثل هذه الأمور وهل هذا كان في اللوح المحفوظ ؟
إن الوحي: هو كلمة الله إلى عباده ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وهو أصل الدين؛ إذ يتعلق بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، والوحي في الإسلام ثابت محفوظ بحفظ الله تعالى.
وغاية الوحي والرسالة هي تحقيق مصالح الخلق جميعًا في الدنيا والآخرة، فهي شريعة ربانية عالمية متوازنة واقعية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، وإن من أهم وظائفها تطهير الأمة من الأدران ورواسب الجاهلية؛ وذلك لأن الله هو خالق البشر، وهو وحده يعلم ما ينفعهم وما يضرهم، فأنزل إليهم شرعه ليتحاكموا به بينهم.
* * * *
стр. 3475
٣ - شبهة: كيف يضع الرسول ﷺ نفسه مع الله -.
نص الشبهة:
ذكروا قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وقالوا: كيف يضع نفسه مع الله؟ ! وقالوا: إن المسيح كان يعفو عن المسيئين له ولم يلعنهم.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: التفسير الصحيح للآية، ومعنى الأذى .
الوجه الثاني: ذكر بعض الأمثلة من أذى المشركين للنبي وذكر عقوبتهم.
الوجه الثالث: رحمة النبي ﷺ بأعدائه وبأمته، ورحمته في دعوته، وأنه ﷺ كان يتحمل الأذى إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله .
الوجه الرابع: المسيح والمهتدون في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: التفسير الصحيح للآية، ومعنى الأذى.
قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧].
أولًا: قال قتادة: يا سبحان الله، ما زال أناس من جهلة بني آدم حتى تعاطوا أذى ربهم، وأما أذاهم رسول الله ﷺ فهو طعنهم عليه، وقوله: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: أبعدهم الله من رحمته في الدنيا، وأعد لهم في الآخرة عذابًا يهينهم فيه بالخلود فيه (١).
وقال قتادة قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب: ٥٨]، فإياكم وأذى المؤمنين فإن الله يحوطه ويغضب له ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ زورًا وكذبًا وفرية شنيعة (٢).
стр. 3476
ومما روي في أذية الله : عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله : يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب ليله ونهاره" (١).
قَوْله: (وَأنا الدَّهْر)
قَالَ الْخَطابِيُّ: مَعْنَاهُ: أَنا صَاحِب الدَّهْر، وَمُدَبِّر الْأُمُور الَّتِي يَنْسُبُونَهَا إِلَى الدَّهْر، فَمَنْ سَبَّ الدَّهْر مِنْ أَجْل أَنَّهُ فَاعِل هَذِهِ الْأُمُور عَادَ سَبّه إِلَى رَبّه الَّذِي هُوَ فَاعِلهَا، وإِنَّمَا الدَّهْر زَمَان جُعِلَ ظَرْفًا لِمَوَاقِع الْأُمُور. وَكَانَتْ عَادَتهمْ إِذَا أَصَابَهُمْ مَكْرُوه أَضَافُوهُ إِلَى الدَّهْر فَقَالُوا: بُؤْسًا لِلدَّهْرِ، وَتَبًّا لِلدَّهْرِ (٢).
وقال ابن كثير: ومعنى هذا: أن الجاهلية كانوا يقولون: يا خيبة الدهر، فعل بنا كذا وكذا. فيسندون أفعال الله تعالى إلى الدهر، ويسبونه، وإنما الفاعل لذلك هو الله فنهى عن ذلك. هكذا قرره الشافعي، وأبو عبيد، وغيرهما من العلماء، ﵏.
والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء، ومن آذاه فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو شعيرة" (٤).
وقال ابن حجر: وَقَوْله: "وَمَنْ ذَهَبَ" أَيْ: قَصَدَ، وَقَوْله: "يَخْلُق كَخَلْقِي" نَسَبَ الْخَلْق إِلَيْهِمْ عَلَى سَبِيل الِاسْتِهْزَاء أَوْ التَّشْبِيه فِي الصُّورَة فَقَطْ، وَقَوْله: "فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّة أَوْ شَعِيرَة" أَمْر بِمَعْنَى: التَّعْجِيز؛ وَهُوَ عَلَى سَبِيل التَّرَقِّي فِي الْحَقَارَة أَوْ التَّنَزُّل فِي الْإِلْزَام، وَالْمُرَاد بِالذَّرَّةِ إِنْ كَانَ النَّمْلَة فَهُوَ مِنْ تَعْذِيبهمْ وَتَعْجِيزهمْ بِخَلْقِ الْحَيَوَان تَارَة، وَبِخَلْقِ الْجَمَاد أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى: الْهَبَاء فَهُوَ بِخَلْقِ مَا لَيْسَ لَهُ جِرْم مَحْسُوس تَارَة، وَبِمَا لَهُ جِرْم أُخْرَى (٥).
ثانيًا: وقال بعضهم: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ أي: يؤذون أولياء الله كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ
стр. 3477
الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهل القرية.
وقد قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب". (١)
قال البغوي: ومعنى الأذى: هو مخالفة أمر الله تعالى وارتكاب معاصيه، ذكره على ما يتعارفه الناس بينهم، والله منزه عن أن يلحقه أذى من أحد. و (إيذاء الرسول) قال ابن عباس: هو أنه شج في وجهه وكسرت رباعيته، وقيل: شاعر، ساحر، معلَّم، مجنون.
ومعنى اللعنة: الطرد والإبعاد من رحمته، وجعل ذلك في الدنيا والآخرة لتشملهم فيهما بحيث لا يبقى وقت من الأوقات مماتهم ومحياهم إلا واللعنة واقعة عليهم ومصاحبة لهم، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ﴾ مع ذلك اللعن ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ يصيرون به في الإهانة في الدار الآخرة لما يفيده معنى: الإعداد من كونه في الدار الآخرة (٢).
وقال الرازي: وقوله: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ إشارة إلى بعدٍ لا رجاءَ للقربِ معه؛ لأن المبعد في الدنيا يرجو القربة في الآخرة، فإذا أبعد في الآخرة فقد خاب وخسر؛ لأن الله إذا أبعده وطرده فمن الذي يقربه يوم القيامة، ثم إنه تعالى لم يحصر جزاءه في الإبعاد؛ بل أوعده بالعذاب بقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ فاللعن جزاء الله؛ لأن من آذى الملك يبعده عن بابه إذا كان لا يأمر بعذابه، والتعذيب جزاء إيذاء الرسول؛ لأن الملك إذا آذى بعض عبيده كبير يستوفي منه قصاصه، لا يقال: فعلى هذا من يؤذي الله ولا يؤذي الرسول لا يعذب؛ لأنا نقول: انفكاك أحدهما على هذا الوجه عن الآخر محال؛ لأن من آذى الله فقد آذى الرسول. وأما على الوجه الآخر وهو أن من يؤذي النبي ﷺ ولا يؤذي الله كمن عصى من غير إشراك، كمن فسق أو فجر من غير ارتداد وكفر، فقد آذى النبي ﷺ غير أن الله تعالى صبور غفور رحيم فيجزيه بالعذاب ولا يلعنه بكونه يبعده عن الباب (٣).
стр. 3478
لما كان الله تعالى مصليًا على نبيه لم ينفك إيذاء الله عن إيذائه، فإن من آذى الله فقد آذى الرسول، فبين الله للمؤمنين أنكم إن أتيتم بما أمرتكم وصليتم على النبي كما صليت عليه لا ينفك إيذاؤكم عن إيذاء الرسول، فيأثم من يؤذيكم لكون إيذائكم إيذاء الرسول، كما أن إيذائي إيذاؤه، وبالجملة لما حصلت الصلاة من الله والملائكة والرسول والمؤمنين صار لا يكاد ينفك إيذاء أحد منهم عن إيذاء الآخر؛ كما يكون حال الأصدقاء الصادقين في الصداقة (١).
وقال أحمد بن يوسف: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٥٧] أي: يقولون فيه ما صورته أذى، وإن كان لا يلحقه ضرر ذلك حيث وصفوه بما لا يليق بجلاله: من اتخاذ الأنداد، ونسبة الولد، والزوجة إليه، وأن يكون على حذف مضاف أي: أولياء الله، وقيل: أتى بالحالة تعظيمًا، والمراد: يؤذون رسولي (٢).
والله أثبت الأذية في القرآن، ونفى الضر عن نفسه سبحانه. نفى الله عن نفسه أن يضره شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦]، وفي الحديث القدسي: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني" (٣)(٤).
وهذا ممكن، ألا ترى الرجل يتأذى برائحة البصل ونحوه، ولا يتضرر بها (٥).
ومعنى: ﴿أذى الله﴾ أن الله يبغض ذلك ويكرهه؛ لأنه تنقص لله ، والله يتأذى ببعض أفعال عباده وأقوالهم التي فيها إساءة في حقه، ولكنه لا يتضرر بذلك، ولأن الله لا يضره شيء.
وكذلك من الأحاديث: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله ورسوله" (٦).
стр. 3479
الوجه الثاني: ذكر بعض الأمثلة من أذية المشركين للنبي ﷺ ، وذكر عقوبتهم .
تقولون: كيف يضع النبي ﷺ نفسه مع الله في قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. . .﴾؟ .
١ - هذا القرآن هو كلام الله ، والذي وضع النبي ﷺ في هذه المنزلة إنما هو الله ، والله لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
٢ - ثم إن الأنبياء ﵈ هم حاملوا رسالة ربهم رسالة التوحيد، فالله هو الذي استأمنهم على ذلك، وكيف بعد ذلك لا يدافع عنهم؟ ! وكيف لا تكون أذيتهم من أذية الله ، أليسوا يبلغون دعوته؟ !
٣ - ثم إن الله أخبرنا أنه يدافع عن كل من يدعو إليه، وكل من سار على نهج أنبيائه والمؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ [الحج: ٣٨]، ثم إن الله ﵎ بعد ذكره عقوبة من آذاه وآذى رسوله ﷺ ثنى بذكر عقوبة من آذى المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨].
ومن قبل هذا قال الله : ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٣].
٤ - ثم إن النبي ﷺ أشرف الخلق وأفضل الأنبياء، فكيف لا تكون أذيته من أذية الله (١)؟
فالاجتراء على نبي من أنبياء الله اجتراء على الله، وإيذاء النبي هو إيذاء لله ، يُنزل الله به غضبه ولعناته، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥] , وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ
стр. 3480
يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢)﴾ [محمد: ٣٢]، وقال : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾ [الحجر: ٩٤]، وقال : ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. ثم إن هذه الآية تخص الذين يؤذون النبي ﷺ بالكفر به أو بسبه أو بضربه من المشركين، والكافرين، ومع ذلك فإن من فعل ذلك ثم آمن وتاب وعمل صالحًا فإن الله يعفو عنه ويسامحه النبي ﷺ ، كما سنبين إن شاء الله.
ومن أمثلة أذى المشركين للنبي ﷺ :
١ - عن عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "بينما النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض: أيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ، فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَجَاءَ بِهِ فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ -وضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغْنِي شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَرَسُولُ الله ﷺ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَع رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: "اللهمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ، قَالَ: وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ، ثُمَّ سَمَّى: "اللهمَّ، عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ"، وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ يَحْفَظْ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ الله ﷺ صَرْعَى فِي الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ" (١).
وقال ابن حجر: وقول: "عليك بقريش" أي: بإهلاك قريش، والمراد الكفار منهم أو من سمى منهم، فهو عام أريد به الخصوص (٢).
وقوله: "صرعى في القليب" وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَمامِ الدُّعَاءِ الْمَاضِي فَيَكُونُ فِيهِ عَلَمٌ عَظِيم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَنْ أُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ وَزَاد شُعْبَةُ فِي رِوَايتهِ: (إِلَّا أُمَيَّة فَإِنَّهُ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ) زَادَ: (لِأَنَّهُ كَانَ بَادِنًا). قَالَ الْعُلَمَاء: وَإِنَّمَا
стр. 3481
أَمَرَ بِإِلْقَائِهِمْ فِيهِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى النَّاس بِرِيحِهِمْ وَإِلَّا فَالْحَرْبِيّ لَا يَجِبُ دَفْنه، وَالظَّاهِر أَنَّ الْبِئْرَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَاءٌ مَعِينٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ: تَعْظِيم الدُّعَاء بِمَكَّةَ عِنْدَ الْكُفَّارِ، وَمَا اِزْدَادَتْ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا تَعْظيمًا.
وَفِيهِ مَعْرِفَة الْكُفَّار بِصِدْقِهِ ﷺ ؛ لِخَوْفِهِمْ مِنْ دُعَائِهِ، وَلَكِنْ حَمَلَهُمْ الْحَسَد عَلَى تَرْك الِانْقِيَاد لَهُ.
وَفِيهِ حِلْمُهُ ﷺ عَمَّنْ آذَاهُ؛ فَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيّ، عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ اِبْن مَسْعُود قَالَ: (لَمْ أَرَهُ دَعَا عَلَيْهِمْ إِلَّا يَوْمَئِذٍ) وَإِنَّمَا اِسْتَحَقُّوا الدُّعَاءَ حِينَئِذٍ لِمَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِهِ ﷺ حَالَ عِبَادَة رَبِّهِ.
وَفِيهِ اِسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ ثَلَاثًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ اِسْتِحْبَاب السَّلَامِ ثَلَاثًا وَغَيْر ذَلِكَ.
وَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِ لَكِنْ قَالَ بَعْضهمْ: مَحَلُّهُ مَا إِذَا كَانَ كَافِرًا، فَأَمَّا المُسْلِمُ فَيُسْتَحَبُّ الِاسْتِغْفَارُ لَهُ وَالدُّعَاءُ بِالتَّوْبَةِ (١).
٢ - عَنْ أَنَسٍ- ﵁ قَالَ: "كان رجل نصرانيًا فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي ﷺ فعاد نصرانيًا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له فأعمقوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه، فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه" (٢).
٣ - عن عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: "لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ الله قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِما شِئْتَ فِيهِمْ. فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ
стр. 3482
ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ؛ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا" (١).
فانظر لقول النبي ﷺ : "لقد لقيت من قومك" كلمة تحمل الكثير مما عاناه النبي ﷺ وكابده مع هؤلاء المشركين.
٤ - عن عروة بن الزبير ﵁ قال: سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ ؟ قال رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم (٢).
فمما ذكرنا تبين أنه قد اشتد الأذى بالنبي ﷺ ، وسُبَّ، وخُنق، وسال الدم منه ﷺ ، وأوذي أشد الإيذاء، أفلا يكون من المعقول أن يدافع الله عنه ويهدد الذين يؤذونه، ويجعل سبحانه أذية رسوله ﷺ من أذيته ؟ .
بلى، إن الله يدافع عن الذين آمنوا، لذلك قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧].
الوجه الثالث: رحمة النبي ﷺ بأعدائه وبأمته ورحمته في دعوته وأنه ﷺ كان يتحمل الأذى إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله -.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فهو رحمته المهداة لعباده، فالمؤمنون به قبلوا هذه الرحمة وشكروها، وقاموا بها، وغيرهم كفرها، وبدلوا نعمة الله كفرًا، وأبوا رحمة الله ونعمته.
وشملت رحمة النبي ﷺ العالمين، والعالمين تشمل الكافر والمؤمن؛ فهو رحمة للبر والفاجر، فمن آمن به أمن من عذاب الله في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن به أمن من عذاب الله في الدنيا وأجلت له العقوبة في الآخرة، مصدقًا لقول الله : ﴿وَمَا كَانَ
стр. 3483
اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، وسنبين بإذن الله الآن رحمته ﷺ بأعدائه، ثم رحمته بأمته، ثم رحمته ﷺ في دعوته.
١ - رحمته ﷺ بأعدائه:
عن أبي هريرة ﵁ قال: (قيل يا رسول الله: ادع على المشركين قال: "إني لم أبعث لعانًا وإنما بعثت رحمة" (١).
وفي حديث عائشة ﵂ السابق لما جاءه ملك الجبال وقال له: "إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال: "لا، بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا" (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بني حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سواري الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: "مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ"؟ فَقَالَ: عندي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُول الله ﷺ حتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمامَةُ"؟ فقَالَ: عندي مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ وإنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى كَانَ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ: "مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمامَةُ"؟ فَقَالَ: عِنْدِى مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ". فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، يَا مُحَمَّدُ: وَالله، مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَىَّ مِنْ وَجْهِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَىَّ، وَالله مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَىَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَىَّ، وَالله مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَىَّ مِنْ بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَىَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أخذتني وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ الله ﷺ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ
стр. 3484
قَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَصَبَوْتَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّى أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، وَلَا وَالله لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ الله ﷺ " (١).
وقوله: (تقتل ذا دم) أي: صَاحِب دَم؛ لِدَمِهِ مَوْقِعٌ يَشْتَفِي بِقَتْلِهِ قَاتِله، وَيُدْرِك قَاتِله بِهِ ثَأْره، أَيْ: لِرِيَاسَتِهِ وَفَضِيلَته. (وهذا تهديد واضح كما ترى).
قال النووي: وَكَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثَة أيَّام؛ هَذَا مِنْ تَأْلِيف الْقُلُوب وَمُلَاطَفَة لِمَنْ يُرْجَى إِسْلَامه مِنْ الْأَشْرَاف الَّذِينَ يَتْبَعهُمْ عَلَى إِسْلَامهمْ خَلْق كَثِير (٢).
وقال ابن حجر: تَعْظِيم أَمْر الْعَفْو عَنْ المُسِيء؛ لِأَنَّ ثُمامَة أَقْسَمَ أَنَّ بُغضه اِنْقَلَبَ حُبًّا فِي سَاعَة وَاحِدَة لِمَا أَسَدَاهُ النَّبِيّ ﷺ إِلَيْهِ مِنْ الْعَفْو وَالْمَنّ بِغَيْرِ مُقَابِل، وفيه أَنَّ الْإِحْسَان يُزِيل الْبُغْض وَيُثْبِت الْحُبّ (٣).
٢ - رحمته ﷺ بأمته:
قال - تعالى -: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
قال السعدي: يمتن - تعالى - على عباده المؤمنين بما بعث فيهم النبي ﷺ الأمي الذي من أنفسهم، يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، ولا يأنفون عن الانقياد له، وهو ﷺ في غاية النصح لهم، والسعي في مصالحهم.
﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ أي: يشق عليه الأمر الذي يشق عليكم ويعنتكم.
﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ فيحب لكم الخير، ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان، ويكره لكم الشر، ويسعى جهده في تنفيركم عنه.
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم (٤).
стр. 3485
وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْن الْعَاصِ ﵁ أَنَّ النبي ﷺ تَلَا قَوْلَ الله في إِبْرَاهِيمَ ﷺ : ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الآيَةَ.
وَقَالَ عِيسَى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: "اللهمَّ أُمَّتِى أُمَّتِى وَبَكَى. فَقَالَ الله : يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ - وَرَبُّكَ أَعْلَمُ - فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَسَأَلَهُ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ بِمَا قَالَ - وَهُوَ أَعْلَمُ -. فَقَالَ الله: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ" (١).
وقال النووي: وفيه كَمَال شَفَقَة النَّبِيّ ﷺ عَلَى أُمَّته وَاعْتِنَائِهِ بِمَصَالحِهِمْ، وَاهْتِمَامه بِأَمْرِهِمْ، عِظَم مَنْزِلَة النَّبِيّ ﷺ عِنْد الله (٢).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: "أَرْجُو أَنْ تكُونوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: "مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ" (٣).
٣ - رحمة النبي ﷺ في دعوته:
قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
قال السعدي: أي: برحمة الله لك ولأصحابك مَنَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترفقت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ أي: سيئ الخلق ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ أي: قاسيه
стр. 3486
﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ لأن هذا ينفرهم ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيئ (١).
وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥].
وعن أبي هريرة ﵁: أن أعرابيًا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به فقال لهم رسول الله ﷺ : "دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبًا من ماء أو سجلًا من ماء فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين" (٢).
فانظر إلى رحمته ﷺ بهذا الأعرابي حتى علمه وبين له خطأ ما فعل، بعدما انتهى من بوله، وبين له المساجد لا تصلح لهذا.
وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السلمي ﵁ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا أُصَلِّى مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ الله، فرماني الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ! مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَىَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِى لَكِنِّى سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ فبأبي هُوَ وأمي؛ مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ؟ فَوَالله، مَا كَهَرَنِي، وَلَا ضربني، وَلَا شتمني؛ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شيء مِنْ كَلَامِ النَّاسِ؛ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ" (٣) أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ".
قال النووي: فِيهِ: بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ مِنْ عَظِيم الْخُلُق الَّذِي شَهِدَ الله تَعَالَى لَهُ بِهِ، وَرِفْقه بِالْجَاهِلِ، وَرَأْفَته بِأُمَّتِهِ، وَشَفَقَته عَلَيْهِمْ (٤).
وعن معاذ بن جبل وأبي بردة ﵃ قال لهما رسول الله ﷺ : لما بعثهما إلى اليمن: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا" (٥).
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: "ما خُير رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما؛ ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء
стр. 3487
قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم بها لله" (١).
قال ابن حجر: قَوْله: (بَيْن أَمْرَيْنِ) أَيْ: مِنْ أُمُور الدُّنْيَا، يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله: (مَا لَمْ يَكُنْ إِثمًا)؛ لِأَنَّ أُمُور الدِّين لَا إِثْم فِيهَا، وَقَوْله: (مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا) أَيْ: مَا لَمْ يَكُنْ الْأَسْهَل مُقْتَضِيًا لِلْإِثْمِ؛ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَخْتَار الْأَشَدّ، وقَوْله: (وَمَا اِنْتَقَمَ لِنَفْسِهِ) أَيْ: خَاصَّة، فَلَا يَرِد أَمْره بِقَتْلِ عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط وَعَبْد الله بْن خَطَل وَغَيْرهمَا مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِيه؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مع ذلِكَ يَنْتَهِكُونَ حُرُمَات الله، وَقِيلَ: أَرَادَتْ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِم إِذَا أُوذِيَ فِي غَيْر السَّبَب الَّذِي يُخْرِج إِلَى الْكُفْر، كَمَا عَفَا عَنْ الْأَعْرَابِيّ الَّذِي جَفَا فِي رَفْع صَوْته عَلَيْهِ، وَعَنْ الْآخَر الَّذِي جَبَذَ بِرِدَائِهِ حَتَّى أثَّرَ فِي كَتِفه (٢).
وعَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ أثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مُرْ لِي مِنْ مَال الله الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ" (٣).
وقال النووي: فِيهِ اِحْتِمَال الْجَاهِلِينَ وَالْإِعْرَاض عَنْ مُقَابَلَتهمْ، وَدَفعْ السَّيِّئَة بِالْحَسَنَةِ، وَإِعْطَاء مَنْ يُتَأَلَّف قَلْبُهُ، وَالْعَفْو عَنْ مُرْتَكِب كَبِيرَة لَا حَدّ فِيهَا بِجَهْلِهِ، وَإِبَاحَة الضَّحِك عِنْد الْأُمُور الَّتِي يُتَعَجَّب مِنْهَا فِي الْعَادَة، وَفِيهِ كَمَالُ خُلُق رَسُول الله ﷺ وَحِلْمه وَصَفْحه الْجَمِيل (٤).
فبذلك نكون قد بينا رحمة النبي ﷺ ، وبينا أذية المشركين له ﷺ ، وذكرنا عقوبات من آذاه ﷺ ، وأنه ﷺ ما كان ينتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله فينتقم لله.
وأما قولهم: إن المسيح ﵇ حصل معه إهانات، وإساءات كان يقابلها بالعفو والغفران فنحن قد بينا حلم النبي ﷺ ، وعفوه لمن آذاه؛ طالما أن هذا الأذى بعيد عن حرمات الله .
ولم يخلق من لدن آدم إلى قيام الساعة مَنْ هو أرحم من النبي ﷺ ، ولا أحلم منه صلوات ربي وسلامه عليه.
стр. 3488
الوجه الرابع: المسيح ﵇ والمهتدون في الكتاب المقدس .
يقولون: المسيح ملعون، والناموس لعنة، وكل من لا يعمل بجميع الناموس فهو ملعون، لذلك فالجميع ملعونون: (الْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ؛ إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: (مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ)) (رسالة بولس إلى أهل غلاطية ٣/ ١٣).
(لأَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَالِ النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ؛ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: (مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لَا يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ)) (رسالة بولس إلى أهل غلاطية ٣/ ١٠).
(كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: (أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلَا وَاحِدٌ، لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ، لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ الله، الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا، لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلَاحًا لَيْسَ وَلَا وَاحِدٌ)) (رسالة بولس إلى أهل رومية ٣/ ١٢: ١٠).
ونجد أيضًا أن الكتاب المقدس به سب صريح لمن يريد أن يدعوهم للهداية: (أَيُّهَا الْغَلَاطِيُّونَ الأَغْبِيَاءُ. . .) (رسالة بولس إلى أهل غلاطية ٣/ ١)
ونجد أيضًا أن المسيح يضع نفسه مع الله كهيكلٍ واحد للمدينة: (وَلَمْ أَرَ فِيهَا هَيْكَلًا، لأَنَّ الرَّبّ الله الْقَادِرَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، هُوَ وَالْخَرُوفُ هَيْكَلُهَا) (رؤيا يوحنا اللاهوتي ١/ ٢٢).
(لأَنَّ الْخَرُوفَ الَّذِي فِي وَسَطِ الْعَرْشِ يَرْعَاهُمْ، وَيَقْتَادُهُمْ إِلَى يَنَابِيعِ مَاءٍ حَيَّةٍ، وَيَمْسَحُ الله كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ) (رؤيا يوحنا اللاهوتي ٧/ ١٧).
(وَكُلُّ خَلِيقَةٍ مِمَّا فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ وَتَحْتَ الأَرْضِ، وَمَا عَلَى الْبَحْرِ، كُلُّ مَا فِيهَا، سَمِعْتُهَا قَائِلَةً: (لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ الْبَرَكَةُ وَالْكَرَامَةُ، وَالْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ)) (يوحنا اللاهوتي ٥/ ١٣).
ثم من العجب إنكارهم وضع النبي محمد ﷺ بجوار رب العالمين في الآية، وهم في المقابل يقولون بأن عيسى هو الله، وقد حلّ الإله فيه، والتحم الناسوت باللاهوت، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ [المائدة: ١١٦]
* * *
стр. 3489
سورة ص
وفيها:
١ - شبهة: قصة الخصم مع داود ﵇.
٢ - شبهة: فتنة سليمان ﵇.
٣ - شبهة: ملك سليمان.
٤ - شبهة: أيوب ﵇ الآية: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾.
стр. 3490
١ - شبهة: قصة الخصم مع داود ﵇ -.
نص الشبهة:
اتهام نبي الله داود ﵇ بالوقوع في الفاحشة.
والرد من وجوه:
الوجه الأول: ذكر هذه الروايات وبيان ضعفها .
الوجه الثاني: تفسير الآيات، وبيان ضعف القصة التي تثبت أنه زنى وقتل.
الوجه الثالث: داود ﵇ في القرآن والسنة.
الوجه الرابع: داود ﵇ في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: ذكر هذه الروايات وبيان ضعفها.
١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول ﷺ يقول: "إن داود النبي ﵇ حين نظر إلى المرأة فهمَّ أن يُجمع على بني إسرائيل وأوصى صاحب البعث، فقال: إذا حضر العدو فقرب فلانًا بين يدي التابوت، وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به وبمن قدم بين يدي التابوت، فلم يرجع حتى يقتل أو ينهزم عنه الجيش فقتل زوج المرأة، ونزل الملكان يقصان عليه قصته، ففطن داود فسجد ومكث أربعين ليلة ساجدًّا حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه وأكلت الأرض من جبينه وهو يقول في سجوده: "رب زل داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب، رب إن لم ترحم ضعف داود، ولم تغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثًا في الخلق من بعده، فجاءه جبريل من بعد أربعين ليلة فقال: يا داود إنه قد غفر لك الهم الذي هممت به، فقال داود: "إن الرب قادر على أن يغفر لي الهم الذي هممت به، وقد عرفت إن عدل لا يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة، فقال: يا رب دمي الذي عند داود، فقال جبريل: ما سألت ربك عن ذلك وإن شئت لأفعلن، فقال: نعم، فعرج جبريل وسجد داود، فمكث ما شاء ثم نزل جبريل، فقال: سألت يا داود عن الذي أرسلتني فيه،
стр. 3491
فقال: قل لداود إن يجمعكما يوم القيامة، فيقول له: هب لي دمك الذي عند داود، فيقول: هو لك يا رب، فيقول: إن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضًا عنه" (١).
٢ - عن الأحنف بن قيس: "أن داود حدث نفسه إن ابتُلي أن يعتصم فقيل له: إنك ستبتلى وتعلم اليوم الذي تبتلى فيه فخذ حذرك فقيل له: هذا اليوم الذي تبتلى فيه فأخذ الزبور فوضعه في حجره، وأغلق باب المحراب، وأقعد منصفًا على الباب، وقال: "لا تأذن لأحد علي اليوم" فبينما هو يقرأ الزبور؛ إذ جاء طائر مذهّب كأحسن ما يكون الطير، فيه من كل لون، فجعل يدرج بين يديه، فدنا منه، فأمكن أن يأخذه، فتناوله بيده ليأخذه فاستوفزه من خلفه، فأطبق الزبور وقام إليه ليأخذه، فطار فوقع على كوة من المحراب فدنا منه أيضًا ليأخذه، فوقع على حصن فأشرف عليه لينظر أين وقع؟ فإذا هو بالمرأة عند بركتها تغتسل من المحيض فلما رأت ظله حركت رأسها فغطت جسدها بشعرها فقال داود للمنصف: "اذهب فقل لفلانة تجيء" فأتاها فقال: إن نبي الله يدعوك فقالت: مالي ولنبي الله إن كانت له حاجة فليأتني أما أنا فلا آتيه، فأتاه المنصف فأخبره بقولها، فأتاها وأغلقت الباب دونه فقالت: مالك يا داود! أما تعلم أنه من فعل هذا رجمتموها ووعظته فرجع، وكان زوجها غازيًا في سبيل فكتب داود ﵇ إلى أمير المغزي انظر أوريا فاجعله في حملة التابوت، فقتل فلما انقضت عدتها خطبها فاشترطت
стр. 3492
عليه إن ولدت غلامًا أن يجعله الخليفة من بعده، وأشهدت عليه خمسين من بني إسرائيل وكتبت عليه بذلك كتابًا، فما شعر بفتنته أنه فتن حتى ولدت سليمان وشب، فتسور المكان عليه المحراب فكان من شأنهما ما قص، وخر داود ساجدًّا، فغفر له وأناب وتاب عليه فطلقها وجفا سليمان وأبعده، فبينما هو في مسير له وهو في ناحية القوم إذ أتى على غلمان له يلعبون فجعلوا يقولون: يا لادين يا لادين، فوقف داود فقال: "ما شأن هذا يسمى لادين" فقال سليمان وهو في ناحية القوم: "أما أنه لو سألني عن هذه لأخبرته بأمره" فقيل لداود: إن سليمان قال كذا وكذا فدعاه وقال: "ما شأن هذا الغلام سمي لادين"؟ فقال: "سأعلم لك علم ذلك" فسأل سليمان عن أبيه: كيف كان أمره؟ فقيل: إن أباه كان في سفر له مع أصحاب له وكان كثير المال، فأرادوا قتله، فأوصاهم فقال: إني تركت امرأتي حبلى فإن ولدت غلامًا فقولوا لها تسميه لادين، فبعث سليمان إلى أصحابه فجاؤا فخلا بأحدهم فلم يزل حتى أقر وخلا بالآخرين فلم يزل بهم حتى أقروا كلهم، فرفعهم إلى داود فقتلهم فعطف عليه بعض العطف.
وكانت امرأة عابدة من بني إسرائيل وكانت تبتلت، وكانت لها جاريتان جميلتان، وقد تبتلت المرأة لا تريد الرجال، فقالت إحدى الجاريتين للأخرى: قد طال علينا هذا البلاء أما هذه فلا تريد الرجال ولا نزال بشر ما كنا لها، فلو أنا فضحناها فرجمت فصرنا إلى الرجال، فأخذتا ماء البيض، فأتتاها وهي ساجدة فكشفتا عنها ثوبها ونضحتا في دبرها ماء البيض، وصرختا إنها قد بغت، وكان من زنا منهم حده الرجم، فرفعت إلى داود ﵇ وماء البيض في ثيابها فأراد رجمها فقال سليمان: "أما أنه لو سألني لأنبأته" فقيل لداود: إن سليمان قال كذا وكذا فدعاه فقال: "ما شأن هذه ما أمرها فقال ائتوني بنار؛ فإنه إن كان ماء الرجال تفرق وإن كان ماء البيض اجتمع، فأتي بنار فوضعها عليه فاجتمع، فدرأ عنها الرجم، وعطف عليه بعض العطف وأحبه.
ثم كان بعد ذلك أصحاب الحرث وأصحاب الشياه فقضى داود ﵇ لأصحاب الحرث بالغنم فخرجوا وخرجت الرعاء معهم الكلاب فقال سليمان: "كيف قضى بينكم"؟ فأخبروه فقال: "لو وُليت أمرهم لقضيت بينهم بغير هذا القضاء" فقيل لداود: إن سليمان يقول كذا وكذا، فدعاه فقال: "كيف تقضي"؟ فقال: "ادفع الغنم إلى أصحاب الحرث هذا العام فيكون
стр. 3493
لهم أولادها وسلاها وألبانها ومنافعها ويبذر هؤلاء مثل حرثهم فإذا بلغ الحرث الذي كان عليه أخذ هؤلاء الحرث ودفع هؤلاء إلى هؤلاء الغنم، قال: فعطف عليه.
قال حماد: وسمعت ثابتًا يقول: هو أوريا (١).
٣ - عن ليث عن مجاهد قال: "لما أصاب داود الخطيئة خر لله ساجدًّا أربعين يومًا حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطى رأسه ثم نادى: "رب قرح الجبين، وجمدت العين، وداود لم يرجع إليه في خطيئته شيء فنودي: أجائع فتطعم؟ أم مريض فتشفى؟ أم مظلوم فينتصر لك؟ قال: فنحب نحبة هاج كل شيء كان نبت، فعند ذلك غفر له، وكانت خطيئته مكتوبة بكفه يقرؤها، وكان يؤتى بالإناء ليشرب فلا يشرب إلا ثلثه أو نصفه، وكان يذكر خطيئته فينحب النحبة تكاد مفاصله تزول بعضها من بعض، ثم ما يتم شرابه حتى يملأه من دموعه، وكان يقال: إن دمعة داود تعدل دمعة الخلائق ودمعة آدم تعدل دمعة داود ودمعة الخلائق قال: فهو يجيء يوم القيامة خطيئته مكتوبة بكفه فيقول: "رب ذنبي ذنبي قدمني" قال: فيقدم فلا يأمن فيقول: "رب أخرني فيؤخر فلا يأمن" (٢).
٤ - عن ابن عباس قوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ قال إن داود قال: "يا رب قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لوددت أنك أعطيتني مثله قال: "إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك ما أعطيتهم" قال: "نعم" قال له: "فاعمل حتى أرى بلاءك، فكان ما شاء أن يكون، وطال ذلك عليه فكاد أن
стр. 3494
ينساه، فبينا هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة من ذهب، فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة المحراب، فذهب ليأخذها فطارت، فاطلع من الكوة فرأى امرأة تغتسل؛ فنزل نبي ﷺ -من المحراب فأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السرية أن يؤمره على السرايا ليهلك زوجها، ففعل، فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا، وإن لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنقذه فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه، فلما رآهما وهو يقرأ فزع وسكت، وقال: لقد استضفت في ملكي حتى إن الناس يتسورون علي محرابي! قالا له: لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض، ولم يكن لنا بد من أن نأتيك فاسمع منا، قال أحدهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ أنثى ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ يريد أن يتمم بها مئة، ويتركني ليس لي شيء ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ قال: إن دعوت ودعا كان أكثر، وإن بطشت وبطش كان أشد مني، فذلك قوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ قال له داود: أنت كنت أحوج إلى نعجتك منه ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ونسي نفسه ﷺ ، فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك فتبسم أحدهما إلى الآخر فرآه داود وظن أنما فتن ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ أربعين ليلة حتى نبت الخضرة من دموع عينيه ثم شدد له ملكه" (١).
٥ - عن أسباط عن السدي في قوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ قال: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوم يقضي فيه بين الناس، ويوم يخلو فيه لعبادة ربه، ويوم يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يُقرأ من الكتب أنه كان يجد فيه فضل إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فلما وجد ذلك فيما يُقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي فأعطني مثل ما أعطيتهم، وافعل بي مثل ما فعلت بهم، قال: فأوحى إليه: إن آباءك ابتلوا ببلايا لم تبتلَ بها، ابتُلي إبراهيم بذبح
стр. 3495
ابنه، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل من ذلك بشيء، قال: يا رب، ابتلني بمثل ما ابتليتهم به، وأعطني مثل ما أعطيتهم، قال: فأوحي إليه: إنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث بعد ذلك ما شاء أن يمكث إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد، حتى وقع في كوة، فذهب ليأخذه فطار من الكوة فنظر أين يطير فيبعث في أثره قال: فأبصر امرأة تغتسل على سطح لها فرأى امرأة من أجمل الناس خلقًا، فحانت منها التفاتة فأبصرته فألقت شعرها فاستترت به قال: فزاده ذلك فيها رغبة قال: فسأل عنها فأخبر أن لها زوجًا، وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا قال: فبعث إلى صاحب المسلحة أن يبعث أوريا إلى عدو كذا وكذا، قال: فبعثه ففتح له، قال: وكتب إليه بذلك، قال: فكتب إليه أيضًا: أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا؛ أشد منهم بأسًا، قال: فبعثه ففتح له أيضًا قال: فكتب إلى داود بذلك قال: فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا، فبعثه فقتل المرة الثالثة، قال: وتزوج امرأته، قال: فلما دخلت عليه قال: لم تلبث عنده إلا يسيرًا حتى بعث ملكين في صورة إنسيين، فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس أن يدخلا، فتسوروا عليه المحراب، قال: فما شعر وهو يصلي إذ هو بهما بين يديه جالسين، قال: ففزع منهما فقالا: ﴿لَا تَخَفْ﴾ إنما نحن ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ يقول لا تخف، ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ إلى عدل القضاء، قال: فقال: قصا عليّ قصتكما، فقال أحدهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ فهو يريد أن يأخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائةً، قال: فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي تسعًا وتسعين نعجة، ولأخي هذا نعجة واحدة، فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة، قال: وهو كاره؟ قال: وهو كاره، قال إذن لا ندعك وذاك، قال: ما أنت على ذلك بقادر، قال: فإن ذهبت تروم ذلك أو تريد ضربنا منك هذا وهذا وهذا. وفسر أسباط طرف الأنف وأصل الأنف والجبهة، قال: يا داود أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا وهذا، حيث لك تسع وتسعون نعجة (امرأة)، ولم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة، فلم تزل
стр. 3496
به تعرضه للقتل حتى قتلته، وتزوجت امرأته، قال: فنظر فلم يرَ شيئًا فعرف ما قد وقع فيه، وما قد ابتلي به، قال: فخر ساجدًّا، قال: فبكى، قال: فمكث يبكي ساجدًّا أربعين يومًا لا يرفع رأسه إلا لحاجة منها، ثم يقع ساجدًّا يبكي، ثم يدعو حتى نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى إليه بعد أربعين يومًا: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك، فقال: يا رب كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء إذا جاءك أوريا يوم القيامة آخذا رأسه بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه دمًا في قبل عرشك يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى إليه: إذا كان ذلك دعوت أهريا فاستوهبك منه فيهبك لي فأثيبه بذلك الجنة قال: رب الآن علمت أنك قد غفرت لي" قال: فما استطاع أن يملأ عينيه من السماء حياءً من ربه حتى قُبض ﷺ " (١).
٦ - عن الحسن: "أن داود جزَّأ الدهر أربعة أجزاء: يومًا لنسائه، ويومًا لعبادته، ويومًا لقضاء بني إسرائيل، ويومًا لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه، فلما كان يوم بني إسرائيل قال: ذاكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبًا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك، فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه، وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة، فبينما هو يقرؤها فإذا حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، قد وقعت بين يديه فأهوى إليها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها، قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل، فأعجبه خلقها وحسنها، قال: فلما رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاده ذلك أيضًا إعجابًا بها، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا، مكان إذا سار
стр. 3497
إليه لم يرجع، قال: ففعل فأصيب فخطبها فزوجها - قال: وقال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان - قال: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه، وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب، ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالوا: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ حتى بلغ: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ أي: لا تَمِلْ، ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ أي: أعدله وخيره، ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ - وكان لداود تسع وتسعون امرأة - ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ - قال: وإنما كان للرجل امرأة واحدة - ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي: ظلمني وقهرني، فقال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ وإلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ﴾ فعلم داود أنما صمد له؛ أي: عني به ذلك، ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾، قال: وكان في حديث مطر أنه سجد أربعين ليلة، حتى أوحى إليه: إني قد غفرت لك، قال: رب وكيف تغفر لي وأنت حكم عدل لا تظلم أحدًا؟ قال: إني أقضيك له، ثم أستوهبه دمك أو ذنبك، ثم أثيبه حتى يرضى، قال: الآن طابت نفسي وعلمت أنك قد غفرت لي" (١).
٨ - قال الحاكم: أخبرنا إسماعيل بن محمد الفقيه بالري، ثنا أبو حاتم محمد بن إدريس، أنبأ سليمان بن داود الهاشمي، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس - رضي عنهما - قال: "ما أصاب داود ما أصابه بعد القدر إلا من عجبٍ عجب به من نفسه، وذلك أنه قال: يا رب ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا وعابد من آل داود يعبدك يصلي لك، أو يسبح، أو يكبر وذكر أشياء، فكره ذلك، فقال: "يا داود
стр. 3498
إن ذلك لم يكن إلا بي فلولا عوني ما قويت عليه، وجلالي لأكلنك إلى نفسك يومًا، قال: "يا رب فأخبرني به"، فأصابته الفتنة ذلك اليوم" (١).
٩ - عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه اليماني قال: لما اجتمعت بنو إسرائيل على داود أنزل عليه الزبور وعلمه صنعة الحديد فألانه له، وأمر الجبال والطير أن يسبحن معه إذا سبح، ولم يعط فيما يذكرون أحدًا من خلقه مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور فيما يذكرون تدنو له الوحوش حتى يأخذ بأعناقها، وإنها لمصيخة تسمع لصوته، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته، وكان شديد الاجتهاد دائب العبادة، فأقام في بني إسرائيل يحكم فيهم بأمر مستخلفًا، وكان شديد الاجتهاد من الأنبياء كثير البكاء، ثم عرض من فتنة تلك المرأة ما عرض له، وكان له محراب يتوحد فيه لتلاوة الزبور ولصلاته إذا صلى، وكان أسفل منه جنينة لرجل من بني إسرائيل، كان عند ذلك الرجل المرأة التي أصاب داود فيها ما أصابه" (٢).
стр. 3499
١٠ - حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: أن داود حين دخل محرابه ذلك اليوم قال: لا يدخلن علي محرابي اليوم أحد حتى الليل، ولا يشغلني شيء عما خلوت له، حتى أمسي، ودخل محرابه ونشر زبوره يقرؤه، وفي المحراب كوة تطلعه على تلك الجنينة، فبينا هو جالس يقرأ زبوره إذ أقبلت حمامة من ذهب حتى وقعت في الكوة، فرفع رأسه فرآها فأعجبته، ثم ذكر ما كان، قال: لا يشغله شيء عما دخل له فنكس رأسه، وأقبل على زبوره، فتصوبت الحمامة للبلاء والاختبار من الكوة، فوقعت بين يديه فتناولها بيده، فاستأخرت غير بعيد فاتبعها فنهضت إلى الكوة، فتناولها في الكوة فتصوبت إلى الجنينة، فأتبعها بصره أين تقع؟ فإذا المرأة جالسة تغتسل بهيئة أعلم بها في الجمال والحسن والخلق، فيزعمون أنها لما وأته نقضت رأسها فوارت به جسدها منه، واختطفت قلبه ورجع إلى زبوره ومجلسه، وهي من شأنه لا يفارق قلبه ذكرها، وتمادى به البلاء حتى أغزى زوجها، ثم أمر صاحب جيشه فيما يزعم أهل الكتاب أن يقدم زوجها للمهالك، حتى أصابه بعض ما أراد به من الهلاك ولداود تسع وتسعون امرأة، فلما أصيب زوجها خطبها داود فنكحها، فبعث إليه وهو في محرابه ملكين يختصمان إليه مثلًا يضربه له ولصاحبه، فلم يَرُعْ داود إلا بهما واقفين على رأسه في محرابه، فقال: ما أدخلكما عليّ؟ قال: لا تخف، لم ندخل لبأس ولا لريبة، ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾، فجئناك لتقضي بيننا ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ أي: احملنا على الحق ولا تخالف بنا إلى غيره، قال الملك الذي يتكلم عن أوريا بن حنانيا زوج المرأة: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ أي: على ديني ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي: احملني عليها ثم ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي: قهرني في الخطاب وكان أقوى مني هو وأعز؛ فحاز نعجتي إلى نعاجه وتركني لا شيء لي فغضب داود فنظر إلى خصمه الذي لم يتكلم فقال: لئن كان صدقني ما يقول لأضربن بين عينيك بالفأس، ثم ارعوى داود فعرف أنه هو الذي يراد بما صنع في امرأة أوريا، فوقع ساجدًّا تائبًا منيبًا باكيًا فسجد أربعين صباحًا صائمًا لا يأكل فيها ولا يشرب حتى أنبت دمعه الخضر تحت وجهه وحتى أندب السجود في لحم
стр. 3500
وجهه، فتاب عليه وقبل منه، ويزعمون أنه قال: أي رب هذا غفرت ما جنيت في شأن المرأة، فكيف بدم القتيل المظلوم؟ قيل: يا داود - فيما زعم أهل الكتاب - إن ربك لم يظلمه بدمه ولكنه سيسأله فيعطيه فيضعه عنك فلما فرج عن داود ما كان فيه رسم خطيئته في كفه اليمنى بطن راحته فما رفع إلى فيه طعاما ولا شرابا قط إلا بكى إذا رآها، وما قام خطيبًا في الناس قط إلا نشر راحته فاستقبل بها الناس ليروا رسم خطيئته في يده". (١)
الوجه الثاني: تفسير الآيات .
قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢١ - ٢٦].
قال كثير من المفسرين إن الخصم كانوا ملكين وفزع منهم لدخولهما عليه من غير الباب الذي كان المدخل عليه، وقيل لأنهما دخلا ليلًا في غير وقت نظره بين الناس (٢).
وحديث أنس هذا أخرجه الطبري أن النبي ﷺ قال: "إنَّ دَاوُدَ النَّبِيّ ﷺ حِينَ نَظَرَ إلَى المَرْأَةِ فَأَهَمَّ قَطَعَ عَلَى بَنى إسْرَائِيلَ، فَأَوْصَى صَاحِبَ البَعْثِ، فَقَالَ: إذَا حَضَرَ العَدُوُّ، فَقَرَّبَ فُلانًا بَيْنَ
стр. 3501
يَدَيِ التَّابُوتِ، وَكَانَ التَّابُوتُ فِي ذَلِكَ الزَّمانِ يُسْتَنْصَرُ بِهِ، وَمَنْ قُدّمَ بَيْنَ يَدَيِ التَّابُوتِ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يُقْتَلَ أوْ يُهْزَمَ عَنْهُ الجَيْشُ، فَقُتِلَ زُوْجُ المَرْأَةِ، وَنزلَ المَلَكَانِ عَلى دَاوُدَ يَقُصَّانِ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ، فَفَطِنَ دَاوُدُ فَسَجَدَ، فَمَكَثَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً سَاجدًّا حَتَّى نَبَتَ الزَّرْعُ مِنْ دُمُوعِهِ. . ." (١).
وهذا لا يصح من طريق النقل، ولا يجوز من حيث المعنى؛ لأن الأنبياء منزَّهون، وهم لا يأتون المعاصي مع العلم (٢).
وقال في البحر المحيط: وذكر المفسرون في هذه القصة أشياء لا تناسب مناصب الأنبياء ضربنا عن ذكرها صفحًا (٣).
وقال البقاعي: تلك القصة وأمثالها من كذب اليهود، وأخبرني بعض من أسلم منهم أنهم يتعمدون ذلك في حق داود ﵇؛ لأن عيسى ﵇ من ذريته ليجدوا السبيل إلى الطعن فيه (٤).
وقال ابن عاشور: واعلم أن سوق هذا النبأ عقب التنويه بداود ﵇ ليس إلا تتميمًا للتنويه به لدفع مَا قد يُتوهم أنه ينقض ما ذكر من فضائله مما جاء في كتاب "صمويل الثاني" من كتب اليهود في ذكر هذه القصة من أغلاط باطلة تنافي مقام النبوءة فأريد بيان المقدار الصادق منها وتذييله بأن ما صدر عن داود ﵇ يستوجب العتاب ولا يقتضي العقاب ولذلك ختمت بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾ [ص: ٢٥] (٥).
وقال السعدي: وهذا الذنب الذي صدر من داود ﵇ لم يذكره الله لعدم الحاجة إلى ذكره، فالتعرض له من باب التكلف، وإنما الفائدة ما قصه الله علينا من لطفه به وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محله، فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها (٦).
стр. 3502
وقال الشنقيطي: واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة مما لا يليق بمنصب داود - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معوّل عليه (١).
قال الرازي: وأقول للناس في هذه القصة ثلاثة أقوال أحدها: ذكر هذه القصة على وجه يدل على صدور الكبيرة عنه. وثانيها: دلالتها على الصغيرة. وثالثها: بحيث لا تدل على الكبيرة ولا على الصغيرة.
فأما القول الأول: فحاصل كلامهم فيها أن داود عشق امرأة أوريا، فاحتال بالوجوه الكثيرة حتى قتل زوجها ثم تزوج بها فأرسل الله إليه ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة شبيهة بواقعته، وعرضا تلك الواقعة عليه، فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنبًا، ثم تنبه لذلك فاشتغل بالتوبة (٢).
والذي أدين به وأذهب إليه أن ذلك باطل ويدل عليه وجوه:
الأول: أن هذه الحكاية لو نسبت إلى أفسق الناس وأشدهم فجورًا لاستنكف منها، والرجل الذي يقرر تلك القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل لبالغ في تنزيه نفسه، وربما لعن من ينسبه إليها، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصوم إليه؟
الثاني: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته؛ أما الأول: فأمر منكر، قال ﷺ : "من سعى في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه: آيسٌ من رحمة الله" (٣).
أما الثاني: فمنكر عظيم قال ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٤)، وإن أوريا لم يسلم من داود لا في روحه ولا في منكوحه.
стр. 3503
والثالث: أن الله تعالى وصف داود ﵇ قبل ذكر هذه القصة بالصفات العشرة المذكورة، ووصفه أيضًا بصفات كثيرة بعد ذكر هذه القصة، وكل هذه الصفات تنافي كونه ﵇ موصوفًا بهذا الفعل المنكر والعمل القبيح، ولا بأس بإعادة هذه الصفات لأجل المبالغة في البيان.
فنقول أما الصفات الأولى: فهي أنه تعالى أمر محمدًا ﷺ بأن يقتدي بداود في المصابرة مع المكابدة، ولو قلنا إن داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم امرىء مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمدًا أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله.
وأما الصفة الثانية: فهي أن وصفه بكونه عبدًا له، وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصوف كاملًا في موقف العبودية تامًا في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحظورات، ولو قلنا إن داود ﵇ اشتغل بتلك الأعمال الباطلة، فحينئذٍ ما كان داود كاملًا في عبوديته لله تعالى بل كان كاملًا في طاعة الهوى والشهوة.
الصفة الثانية: هو قوله: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧] أي: ذا القوة، ولا شك أن المراد منه القوة في الدين، لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة على أداء الواجبات، والاجتناب عن المحظورات، وأي قوة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم؟
الصفة الرابعة: كونه أوابًا كثير الرجوع إلى الله تعالى، وكيف يليق هذا بمن يكون قلبه مشغوفًا بالقتل والفجور؟
الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ﴾ [ص: ١٨] أَفَتُرَى أنه سُخرت لي الجبال ليتخذها وسيلة إلى القتل والفجور؟ !
الصفة السادسة: قوله: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ [ص: ١٩]، وقيل إنه كان مُحرمًا عليه صيد شيء من الطير وكيف يعقل أن يكون الطير آمنًا منه ولا ينجو منه الرجل المسلم على روحه ومنكوحه؟
стр. 3504
الصفة السابعة: قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ومحال أن يكون المراد أنه تعالى شدد ملكه بأسباب الدنيا، بل المراد أنه تعالى شد ملكه بما يقوي الدين وأسباب سعادة الآخرة، والمراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لا يملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك؟ .
الصفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغي علمًا وعملًا، فكيف يجوز أن يقول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ مع إصراره على ما يستنكف عنه الخبيث الشيطان من مزاحمة أخلص أصحابه في الروح والمنكوح، فهذه الصفات المذكورة قبل شرح تلك القصة دالة على براءة ساحته عن تلك الأكاذيب.
وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فهي عشر:
الأولى: قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وذكر هذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة على قوته في طاعة الله، أما لو كانت القصة المتقدمة دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ لائقًا به.
الثانية: قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه: أحدها: أن الملك الكبير إذا حكى عن بعض عبيده أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فبعد فراغه من شرح القصة على ملأ من الناس يقبح منه أن يقول عقيبه: أيها العبد إني فوضت إليك خلافتي ونيابتي، وذلك لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر.
الثالثة: وهو أنه لما كانت مقدمة الآية دالة على مدح داود ﵇ وتعظيمه ومؤخرتها أيضًا دالة على ذلك، فلو كانت الواسطة دالة على القبائح والمعائب لجرى مجرى أن يقال: فلان عظيم الدرجة عالي المرتبة في طاعة الله يقتل ويزني ويسرق وقد جعله الله خليفة في أرضه وصوب أحكامه، وكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا ههنا، ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب.
والرابعة: وهو أن القائلين بهذا القول ذكروا في هذه الرواية أن داود ﵇ تمنى أن يحصل له في الدين كما حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية مثل ما حصل للخليل من الإلقاء في
стр. 3505
النار، وحصل للذبيح من الذبح، وحصل ليعقوب من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب، فأوحى الله إليه أنهم إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود ﵇ الابتلاء، فأوحى الله إليه أنك ستبلى في يوم كذا فبالغ في الاحتزاز ثم وقعت الواقعة.
فنقول: أول حكايتهم يدل على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه فالسعي في قتل أول حكايتهم يدل على أن الله تعالى بيتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه فالسعي في قتل النفس بغير الحق والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة، ويثبت أن الحكاية التي ذكروها يناقض أولها آخرها.
الخامسة: أن داود ﵇ قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ استثنى الذين آمنوا عن البغي، فلو قلنا إنه كان موصوفًا بالبغي لزم أن يقال إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه وذلك باطل.
السادسة: حضرت في بعض المجالس وحضر فيه بعض أكابر الملوك، وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة لسبب اقتضى ذلك، فقلت له: لا شك أن داود ﵇ كان من أكابر الأنبياء والرسل، ولقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ومن مدحه الله تعالى بمثل هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ الطعن فيه، وأيضًا فبتقدير أنه ما كان نبيًا فلا شك أنه كان مسلمًا، ثم على تقدير أنا لا نلتفت إلى شيء من هذه الدلائل إلا أنا نقول: إن من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها حقيقية صحيحة فإن روايتها وذكرها لا يوجب شيئًا من الثواب؛ لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من أن لا توجب الثواب، وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلة فاسدة فإن ذاكرها يستحق أعظم العقاب والواقعة التي هذا شأنها وصفتها، فإن صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور فلما سمع ذلك الملك هذا الكلام سكت، ولم يذكر شيئًا.
السابعة: أن ذكر هذه القصة وذكر قصة يوسف ﵇ يقتضي إشاعة الفاحشة فوجب أن يكون محرمًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: ١٩].