يَدَيِ التَّابُوتِ، وَكَانَ التَّابُوتُ فِي ذَلِكَ الزَّمانِ يُسْتَنْصَرُ بِهِ، وَمَنْ قُدّمَ بَيْنَ يَدَيِ التَّابُوتِ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يُقْتَلَ أوْ يُهْزَمَ عَنْهُ الجَيْشُ، فَقُتِلَ زُوْجُ المَرْأَةِ، وَنزلَ المَلَكَانِ عَلى دَاوُدَ يَقُصَّانِ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ، فَفَطِنَ دَاوُدُ فَسَجَدَ، فَمَكَثَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً سَاجدًّا حَتَّى نَبَتَ الزَّرْعُ مِنْ دُمُوعِهِ. . ." (١).
وهذا لا يصح من طريق النقل، ولا يجوز من حيث المعنى؛ لأن الأنبياء منزَّهون، وهم لا يأتون المعاصي مع العلم (٢).
وقال في البحر المحيط: وذكر المفسرون في هذه القصة أشياء لا تناسب مناصب الأنبياء ضربنا عن ذكرها صفحًا (٣).
وقال البقاعي: تلك القصة وأمثالها من كذب اليهود، وأخبرني بعض من أسلم منهم أنهم يتعمدون ذلك في حق داود ﵇؛ لأن عيسى ﵇ من ذريته ليجدوا السبيل إلى الطعن فيه (٤).
وقال ابن عاشور: واعلم أن سوق هذا النبأ عقب التنويه بداود ﵇ ليس إلا تتميمًا للتنويه به لدفع مَا قد يُتوهم أنه ينقض ما ذكر من فضائله مما جاء في كتاب "صمويل الثاني" من كتب اليهود في ذكر هذه القصة من أغلاط باطلة تنافي مقام النبوءة فأريد بيان المقدار الصادق منها وتذييله بأن ما صدر عن داود ﵇ يستوجب العتاب ولا يقتضي العقاب ولذلك ختمت بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾ [ص: ٢٥] (٥).
وقال السعدي: وهذا الذنب الذي صدر من داود ﵇ لم يذكره الله لعدم الحاجة إلى ذكره، فالتعرض له من باب التكلف، وإنما الفائدة ما قصه الله علينا من لطفه به وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محله، فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها (٦).
стр. 3502
وقال الشنقيطي: واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة مما لا يليق بمنصب داود - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معوّل عليه (١).
قال الرازي: وأقول للناس في هذه القصة ثلاثة أقوال أحدها: ذكر هذه القصة على وجه يدل على صدور الكبيرة عنه. وثانيها: دلالتها على الصغيرة. وثالثها: بحيث لا تدل على الكبيرة ولا على الصغيرة.
فأما القول الأول: فحاصل كلامهم فيها أن داود عشق امرأة أوريا، فاحتال بالوجوه الكثيرة حتى قتل زوجها ثم تزوج بها فأرسل الله إليه ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة شبيهة بواقعته، وعرضا تلك الواقعة عليه، فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنبًا، ثم تنبه لذلك فاشتغل بالتوبة (٢).
والذي أدين به وأذهب إليه أن ذلك باطل ويدل عليه وجوه:
الأول: أن هذه الحكاية لو نسبت إلى أفسق الناس وأشدهم فجورًا لاستنكف منها، والرجل الذي يقرر تلك القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل لبالغ في تنزيه نفسه، وربما لعن من ينسبه إليها، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصوم إليه؟
الثاني: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته؛ أما الأول: فأمر منكر، قال ﷺ : "من سعى في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه: آيسٌ من رحمة الله" (٣).
أما الثاني: فمنكر عظيم قال ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٤)، وإن أوريا لم يسلم من داود لا في روحه ولا في منكوحه.
стр. 3503
والثالث: أن الله تعالى وصف داود ﵇ قبل ذكر هذه القصة بالصفات العشرة المذكورة، ووصفه أيضًا بصفات كثيرة بعد ذكر هذه القصة، وكل هذه الصفات تنافي كونه ﵇ موصوفًا بهذا الفعل المنكر والعمل القبيح، ولا بأس بإعادة هذه الصفات لأجل المبالغة في البيان.
فنقول أما الصفات الأولى: فهي أنه تعالى أمر محمدًا ﷺ بأن يقتدي بداود في المصابرة مع المكابدة، ولو قلنا إن داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم امرىء مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمدًا أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله.
وأما الصفة الثانية: فهي أن وصفه بكونه عبدًا له، وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصوف كاملًا في موقف العبودية تامًا في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحظورات، ولو قلنا إن داود ﵇ اشتغل بتلك الأعمال الباطلة، فحينئذٍ ما كان داود كاملًا في عبوديته لله تعالى بل كان كاملًا في طاعة الهوى والشهوة.
الصفة الثانية: هو قوله: ﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧] أي: ذا القوة، ولا شك أن المراد منه القوة في الدين، لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة على أداء الواجبات، والاجتناب عن المحظورات، وأي قوة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم؟
الصفة الرابعة: كونه أوابًا كثير الرجوع إلى الله تعالى، وكيف يليق هذا بمن يكون قلبه مشغوفًا بالقتل والفجور؟
الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ﴾ [ص: ١٨] أَفَتُرَى أنه سُخرت لي الجبال ليتخذها وسيلة إلى القتل والفجور؟ !
الصفة السادسة: قوله: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ [ص: ١٩]، وقيل إنه كان مُحرمًا عليه صيد شيء من الطير وكيف يعقل أن يكون الطير آمنًا منه ولا ينجو منه الرجل المسلم على روحه ومنكوحه؟
стр. 3504
الصفة السابعة: قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ومحال أن يكون المراد أنه تعالى شدد ملكه بأسباب الدنيا، بل المراد أنه تعالى شد ملكه بما يقوي الدين وأسباب سعادة الآخرة، والمراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لا يملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك؟ .
الصفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغي علمًا وعملًا، فكيف يجوز أن يقول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ مع إصراره على ما يستنكف عنه الخبيث الشيطان من مزاحمة أخلص أصحابه في الروح والمنكوح، فهذه الصفات المذكورة قبل شرح تلك القصة دالة على براءة ساحته عن تلك الأكاذيب.
وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فهي عشر:
الأولى: قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وذكر هذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة على قوته في طاعة الله، أما لو كانت القصة المتقدمة دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ لائقًا به.
الثانية: قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه: أحدها: أن الملك الكبير إذا حكى عن بعض عبيده أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فبعد فراغه من شرح القصة على ملأ من الناس يقبح منه أن يقول عقيبه: أيها العبد إني فوضت إليك خلافتي ونيابتي، وذلك لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر.
الثالثة: وهو أنه لما كانت مقدمة الآية دالة على مدح داود ﵇ وتعظيمه ومؤخرتها أيضًا دالة على ذلك، فلو كانت الواسطة دالة على القبائح والمعائب لجرى مجرى أن يقال: فلان عظيم الدرجة عالي المرتبة في طاعة الله يقتل ويزني ويسرق وقد جعله الله خليفة في أرضه وصوب أحكامه، وكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا ههنا، ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب.
والرابعة: وهو أن القائلين بهذا القول ذكروا في هذه الرواية أن داود ﵇ تمنى أن يحصل له في الدين كما حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية مثل ما حصل للخليل من الإلقاء في
стр. 3505
النار، وحصل للذبيح من الذبح، وحصل ليعقوب من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب، فأوحى الله إليه أنهم إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود ﵇ الابتلاء، فأوحى الله إليه أنك ستبلى في يوم كذا فبالغ في الاحتزاز ثم وقعت الواقعة.
فنقول: أول حكايتهم يدل على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه فالسعي في قتل أول حكايتهم يدل على أن الله تعالى بيتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه فالسعي في قتل النفس بغير الحق والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة، ويثبت أن الحكاية التي ذكروها يناقض أولها آخرها.
الخامسة: أن داود ﵇ قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ استثنى الذين آمنوا عن البغي، فلو قلنا إنه كان موصوفًا بالبغي لزم أن يقال إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه وذلك باطل.
السادسة: حضرت في بعض المجالس وحضر فيه بعض أكابر الملوك، وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة لسبب اقتضى ذلك، فقلت له: لا شك أن داود ﵇ كان من أكابر الأنبياء والرسل، ولقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ومن مدحه الله تعالى بمثل هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ الطعن فيه، وأيضًا فبتقدير أنه ما كان نبيًا فلا شك أنه كان مسلمًا، ثم على تقدير أنا لا نلتفت إلى شيء من هذه الدلائل إلا أنا نقول: إن من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها حقيقية صحيحة فإن روايتها وذكرها لا يوجب شيئًا من الثواب؛ لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من أن لا توجب الثواب، وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلة فاسدة فإن ذاكرها يستحق أعظم العقاب والواقعة التي هذا شأنها وصفتها، فإن صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور فلما سمع ذلك الملك هذا الكلام سكت، ولم يذكر شيئًا.
السابعة: أن ذكر هذه القصة وذكر قصة يوسف ﵇ يقتضي إشاعة الفاحشة فوجب أن يكون محرمًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: ١٩].
стр. 3506
الثامنة: لو سعى داود في قتل ذلك الرجل لدخل تحت قوله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
أما الاحتمال الثاني - على تقدير حدوثه -: وهو أن تحمل هذه القصة على وجه يوجب حصول الصغيرة ولا يوجب حصول الكبيرة، فنقول في كيفية هذه القصة على هذا التقدير وجوه: الأول: أن هذه المرأة خطبها أوريا فأجابوه ثم خطبها داود فآثره أهلها، فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه.
الثاني: قالوا إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب ألبتة، أما وقوع بصره عليها من غير قصد فذلك ليس بذنب، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضًا ذنبًا لأن هذا الميل ليس في وسعه، فلا يكون مكلفًا به بل لما اتفق أن قتل زوجها لم يتأذ تأذيًا عظيمًا بسبب قتله لأجل أنه طمع أن يتزوج بتلك المرأة فحصلت الزلة بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل.
والثالث: أنه كان أهل زمان داود ﵇ يسأل بعضهم بعضًا أن يطلق امرأته حتى يتزوجها وكانت عادتهم في هذا المعنى مألوفة معروفة، أو أن الأنصار كانوا يساوون المهاجرين بهذا المعنى، فاتفق أن عين داود ﵇ وقعت على تلك المرأة فأحبها فسأله النزول عنها فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان، فقيل له: هذا وإن كان جائزًا في ظاهر الشريعة، إلا أنه لا يليق بك، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حق داود ﵇ إلا ترك الأفضل والأولى.
فأما جعله نائبًا وخليفة لنفسه فذلك البتة مما لا يليق، وثانيها: أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف يدل على كون ذلك الحكم معللًا بذلك الوصف، فلما حكى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة، ثم قال بعده: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ أشعر هذا بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعال المنكرة؛ ومعلوم أن هذا فاسد، أما لو ذكر تلك القصة على وجوه تدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدة مصابرته على طاعة الله تعالى فحينئذٍ يناسب أن يذكر عقيبه ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦] فثبت أن هذا الذي نختاره أولى.
стр. 3507
والثالث: وهو أنه لما كانت مقدمة الآية دالة على مدح داود ﵇ وتعظيمه ومؤخرتها أيضًا دالة على ذلك، فلو كانت الواسطة دالة على القبائح والمعائب لجرى مجرى أن يقال فلان عظيم الدرجة عالي المرتبة في طاعة الله يقتل ويزني ويسرق وقد جعله الله خليفة في أرضه وصوب أحكامه، وكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا ههنا، ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب (١).
الوجه الثالث: فضل داود ﵇ في القرآن والسنة .
أولًا: في القرآن: قال تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ. . .﴾ [البقرة: ٢٥١]، وقال سبحانه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾ [الأنعام: ٨٤]، وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥].
وقال عز من قائل: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٧٩, ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾ [سبأ: ١٠، ١١]، وقال : ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ١٧ - ٢٠]، وقال سبحانه في آخر الآيات: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٥, ٢٦].
стр. 3508
وقد قال ابن كثير ﵀ في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ أعانه الله على عمل الدروع من الحديد ليحصن المقاتلة من الأعداء وأرشده إلى صنعتها وكيفيتها، فقال: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: لا تدق المسمار فيفلق ولا تغلظه فيفصم.
قال الحسن البصري وقتادة والأعمش: كان الله قد ألان له الحديد حتى كان يفتله بيده لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة (١).
وقال ابن كثير: يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود - صلوات الله وسلامه عليه - مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العَدَد والعُدَد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات.
وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال: "لقد أوتي هذا مِزْمَارًا من مزامير آل داود" (٢)(٣).
فضل داود ﵇ في السنة.
١ - عن عَبْدَ الله بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لَهُ: "أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى الله صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا" (٤).
٢ - وعن عَبْدُ الله بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : "يَا عَبْدَ الله، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ. فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً،
٢ - شبهة: فتنة سليمان ﵇ -.
نص الشبهة:
ما قولكم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٤].
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن التوراة والإنجيل محرفان.
الوجه الثاني: لا يجوز احتجاجكم بالقرآن.
الوجه الثالث: أقوال المفسرين في معنى الآيات .
الوجه الرابع: بيان مكانة سليمان ﵇ في الكتاب والسنة، وفي الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: لا ينبغي أن يحتج بما هو محرف ومبدل .
فالتوراة والإنجيل لا يحتويان على كلام الله، فلا يجوز الاحتجاج بهما.
الوجه الثاني: لا يجوز للإنسان أن يحتج بما لا يعتقده .
أنتم لا تعتقدون ثبوت القرآن، فكيف تحتجون به؟ (١)
الوجه الثالث: أقوال المفسرين في معنى الآيات.
المسألة الأولى: قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾ [ص: ٣٠ - ٣٣].
وقوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)﴾ يقول تعالى ذكره: إنه تواب إلى الله من خطيئته التي أخطأها إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد، والصافنات: جمع الصافن من الخيل، والأنثى: صافنة، والصافن منها عند بعض العرب: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه، وعند آخرين: الذي يجمع يديه (٢).
стр. 3512
وقوله: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ وعنى بالخير في هذا الموضع الخيل، والعرب تسمي الخيل: الخير، والمال أيضًا يسمونه الخير (١).
وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي: إني أحببت حب الخير حتى سهوت عن ذكر ربي وأداء فريضته، وقيل: إن ذلك كان صلاة العصر (٢).
وقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ يقول: حتى توارت الشمس بالحجاب، يعني: تغيبت في مغيبها، وقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ أي: الخيل التي عرضت عليَّ فشغلتني عن الصلاة (٣).
﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ أي: أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكرامًا منه لها، وليرى أن الجليل لا يقبح أن يفعل مثل هذا بخيله (٤). والذي عليه أكثر السلف الأول فقالوا: اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس، والذي يقطع به أنه لم يترك الصلاة عمدًا من غير عذر، اللهم إلا أن يقال: إنه كان سائغًا في شريعتهم فأخر الصلاة لأجل أسباب الجهاد وعرض الخيل من ذلك (٥).
وعلى ما حدث لنبينا ﷺ يوم الخندق يُحْمَلُ فعلُ سليمان ﵇:
فعن جابر ﵁ قال: جَاءَ عمر ﵁ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَمَا عرَبَتْ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "والله مَا صَلَّيْتُهَا, فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ" (٦).
المسألة الثانية: (ولقد فتنا سليمان).
стр. 3513
أولًا: بيان معنى: الفتنة وإطلاقاتها.
الفتنة لغةً: قال الأَزهري وغيرُه: جِماعُ معنى الفِتْنة الابتلاء والامْتِحانُ والاختبار، وأَصلها مأْخوذ من قولك: فتَنْتُ الفضة والذهب إِذا أَذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيِّدِ، والفَتْنُ الإِحْراقُ، ومن هذا قوله : ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ أَي: يُحْرَقون بالنار، ويسمى الصائغ الفَتَّان، وكذلك الشيطان، ومن هذا قيل للحجارة السُّود التي كأَنها أُحْرِقَتْ بالنار: الفَتِينُ، قال ابن الأَعرابي الفِتْنة الاختبار، والفِتْنة المِحْنة والكُفْرُ واختلافُ الناس بالآراء، والإِحراق بالنار (١).
الفتنة اصطلاحًا: الفتنة ما يتبين به حال الإنسان من الخير والشر، يقال: فتنت الذهب بالنار إذا أحرقته بها لتعلم أنه خالص أو مشوب، ومنه الفتان: وهو الحجر الذي يجرب به الذهب والفضة (٢).
والفتنة ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك، حيث لا يعلم المحق من البطل (٣).
وهى البَلِيَّة: وهي معاملة تظهر الأمور الباطنة (٤).
والفتنة التي وقع فيها سليمان ﵇ هي التي بمعنى الابتلاء والاختبار قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾.
ثانيًا: تفسير الآية: أورد الرازي في تفسيره أقوالًا لهذه الآية فقال:
للناس فيه قول، ولأهل العلم والتحقيق قول آخر، أما قول أهل الحشو فذكروا فيه حكايات:
الأولى: قالوا: إن سليمان بلغه خبر مدينة في البحر فخرج إليها بجنوده تحمله الريح فأخذها وقتل ملكها، وأخذ بنتًا له اسمها جرادة من أحسن الناس وجهًا فاصطفاها لنفسه.
والرواية الثانية: أن تلك المرأة لما أقدمت على عبادة تلك الصورة افتتن سليمان وكاد يسقط الخاتم من يده ولا يتماسك فيها، فقال له آصف: إنك لمفتون بذنبك فتب إلى الله.
стр. 3514
والرواية الثالثة (لهم): قالوا: إن سليمان قال لبعض الشياطين كيف تفتنون الناس؟
فقال: أرني خاتمك أخبرك فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فذهب ملكه، وقعد هذا الشيطان على كرسيه، ثم ذكر الحكاية إلى آخرها.
إذا عرفت هذه الروايات فهؤلاء قالوا المراد من قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أن الله تعالى ابتلاه وقوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ هو جلوس ذلك الشيطان على كرسيه.
والرواية الرابعة: أنه كان سبب فتنته احتجابه عن الناس ثلاثة أيام فسلب ملكه وأُلقي على سريره شيطانٌ عقوبة له.
واعلم أن أهل التحقيق استبعدوا هذا الكلام من وجوه:
الأول: أن الشيطان لو قدر على أن يتشبه بالصورة والخلقة بالأنبياء، فحينئذ لا يبقى اعتماد على شيء من الشرائع، فلعل هؤلاء الذين رآهم الناس في صورة محمد، وعيسى، وموسى ﵈ ما كانوا أولئك بل كانوا شياطين تشبهوا بهم في الصورة لأجل الإغواء والإضلال، ومعلوم أن ذلك يبطل الدين بالكلية.
والثاني: أن الشيطان لو قدر على أن يعامل نبي الله سليمان بمثل هذه المعاملة لوجب أن يقدر على مثلها مع جميع العلماء والزهاد، وحينئذ وجب أن يقتلهم وأن يمزق تصانيفهم وأن يخرب ديارهم، ولما بطل ذلك في حق آحاد العلماء فلأن يبطل مثله في حق أكابر الأنبياء أولى.
والثالث: كيف يليق بحكمة الله وإحسانه أن يسلط الشيطان على أزواج سليمان؟ ولا شك أنه قبيح.
والرابع: لو قلنا: إن سليمان أذن لتلك المرأة في عبادة تلك الصورة فهذا كفر منه، وإن لم يأذن فيه البتة فالذنب على تلك المرأة، فكيف يؤاخذ الله سليمان بفعل لم يصدر عنه؟
فأما الوجوه التي ذكرها أهل التحقيق في هذا الباب فأشياء:
الأول: أن فتنة سليمان أنه ولد له ابن فقالت الشياطين: إن عاش صار مسلطًا علينا مثل أبيه، فسبيلنا أن نقتله، فعلم سليمان ذلك فكان يربيه في السحاب فبينما هو مشتغل بمهماته إذ ألقى ذلك الولد ميتًا على كرسيه، فتنبه على خطيئته في أنه لم يتوكل فيه على الله، فاستغفر ربه وأناب.
стр. 3515
الثاني: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن، فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل فجيء به على كرسيه فوضع في حجره، فوالذي نفسي بيده، لو قال: إن شاء الله لجاهدوا كلهم في سبيل الله فرسانًا أجمعون، فذلك قوله: ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ ".
الثالث: قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ بسبب مرض شديد ألقاه الله عليه، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ﴾ منه ﴿جَسَدًا﴾ وذلك لشدة المرض، والعرب تقول في الضعيف: إنه لحم على وضم وجسم بلا روح، ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أي: رجع إلى حال الصحة، فاللفظ محتمل لهذه الوجوه، ولا حاجة البتة إلى حمله على تلك الوجوه الركيكة.
الرابع: أقول لا يبعد أيضًا أن يقال: إنه ابتلاه الله تعالى بتسليط خوف أو توقع بلاء من بعض الجهات عليه، وصار بسبب قوة ذلك الخوف كالجسد الضعيف الملقى على ذلك الكرسي، ثم إنه أزال الله عنه ذلك الخوف، وأعاد إلى ما كان عليه من القوة وطيب القلب (١).
وقال الآلوسي: أظهر ما قيل في فتنته ﵇ أنه قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله تعالى، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة، وجاءت بشق رجل، وقد روى ذلك الشيخان وغيرُهما عن أبي هريرة مرفوعًا وفيه: "فوالذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا فرسانًا". لكن الذي في "صحيح البخاري" أربعين بدل سبعين، وأن الملك قال له: قل: إن شاء الله، فلم يقل، وغايته ترك الأولى فليس بذنب، وإن عده هو ﵇ ذنبًا، فالمراد بالجسد ذلك الشق الذي ولد له (٢).
قال الشنقيطي: أخرج الشيخان في صحيحهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النَّبي ﷺ قال: "قال سليمان بن داود - عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام -: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة - (وفي رواية تسعين امرأة، وفي رواية مائة امرأة) تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله"، فقيل له - وفي رواية قال له الملك -: "إن شاء الله" فلم يقل، فطاف بهن فلم تلد
стр. 3516
منهم إلا امرأة واحدة نصف إنسان. فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، لو قال: إن شاء الله لم يحنث وكان دركًا لحاجته"، وفي رواية: "ولقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعون".
فإذا علمت هذا فاعلم أن هذا الحديث الصحيح بَيَّنَ معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤]، وأن فتنة سليمان كانت بسبب تركه قوله: "إن شاء الله"، وأنه لم يلد من تلك النساء خلا واحدة نصف إنسان، وأن ذلك الجسد الذي هو نصف إنسان هو الذي أُلقي على كرسيه بعد موته في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ الآية، فما يذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ الآية، من قصة الشيطان الذي أخذ الخاتم وجلس على كرسي سليمان، وطرد سليمان عن ملكه حتى وجد الخاتم في بطن السمكة التي أعطاها له من كان يعمل عنده بأجر مطرودًا عن ملكه إلى آخر القصة - لا يخفى أنه باطل لا أصل له، وأنه لا يليق بمقام النبوة، فهي من الإسرائيليات التي لا يخفى أنها باطلة (١).
قال أبو بكر الجزائري: ذكر المفسرون لهذه الفتنة عدة أمور، وهي قصص أشبه بالخرافات الإسرائيلية، أمثلها ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس: اختصم إلى سليمان فريقان أحدهما من أهل جرادة امرأة سليمان، وكان يحبها فهوى أن يقع القضاء لهم، ثم قضى بينهما بالحق، فأصابه الذي أصابه عقوبة لذلك الهوى، وما في التفسير أصح وأقرب إلى تفسير الآيات (٢).
الوجه الرابع: مكانة سليمان ﵇ في الكتاب والسنة، مقارنة بما جاء عنه في الكتاب المقدس .
سليمان ﵇ في القرآن:
قال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ. . .﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ
стр. 3517
وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣]، وقال عز من قائل: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، وقال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١]، وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٥ - ١٨] فشهدت النملة لسليمان بالعدل والرحمة بقولها: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ [النمل: ٣٦]، فانظر إلى تحدثه بنعمة الله، وتنزهه عما في أيدي الناس.
وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٢, ١٣]، ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]، وقوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، فطلب من الله أن يقيضه للشكر على ما أنعم به عليه، وعلى ما خصه به من المزية على غيره، وأن ييسر عليه العمل الصالح، وأن يحشره إذا توفاه مع عباده الصالحين، وقد استجاب الله تعالى له (١).
سليمان ﵇ في السنة:
стр. 3518
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بَيْنَمَا امْرأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا إذ عدا الذِّئْبُ، فأخذ ابْنَ إِحْدَاهُمَا فتنازعتا في الآخر، فَقَالَتْ الكبرى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتْ الْصغرَى: بل إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَحكم بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سليمان ﵇ فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ نصفين لكل واحدة منكما نصفه، فَقَالَتْ الصُّغْرَى: يَرْحَمُكَ الله هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لها" (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: قَدِمَ رَسولُ الله ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ قَالَتْ: بَنَاتِي، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟ قَالَتْ: فَرَسٌ، قَالَ: وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟ قَالَتْ: جَنَاحَانِ، قَالَ: فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ؟ قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسليمان خَيْلًا في أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ" (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الجنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي، فَأَمْكَنَنِي الله مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ إلى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا" (٣).
أما سليمان ﵇ في الكتاب المقدس:
فانظر بحث: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ. . .﴾.
* * *
стр. 3519
٣ - شبهة: ملك سليمان .
نص الشبهة:
يقول الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ [ص: ٣٥] هذه الآية تتحدث عن طلب سليمان ﵇ للملك فكيف ذلك؟ !
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن التوراة والإنجيل محرفان .
الوجه الثاني: لا يجوز احتجاجكم بالقرآن .
الوجه الثالث: التفسير الصحيح للآية .
الوجه الرابع: إثبات الملك لسليمان ﵇.
الوجه الخامس: لا غرو أن يأتي القرآن بشيء لم يذكره الكتاب المقدس.
الوجه السادس: سليمان ﵇ في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: أن التوراة والإنجيل محرفان.
فلا يجوز الاحتجاج بهما وقد ثبت ذلك بالأدلة كما سبق.
الوجه الثاني: لا يجوز احتجاجكم بالقرآن.
فأنتم لا تؤمنون بالقرآن، فكيف تحتجون به علينا.
الوجه الثالث: التفسير الصحيح للآية.
قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٥ - ٣٨].
قوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: لا يسلبنيه أحد من بعدي، وقيل: أي لا يكون لأحد من بعدي (١).
стр. 3520
فإن قلت: أما يشبه الحسد والحرص على الاستبداد بالنعمة أن يستعطي الله ما لا يعطيه غيره؟ قلت: كان سليمان ﵇ ناشئًا في بيت الملك والنبوّة ووارثًا لهما، فأراد أن يطلب من ربه معجزة، فطلب على حسب ألفه ملكًا زائدًا على الممالك زيادة خارقة للعادة بالغة حدّ الإعجاز، ليكون ذلك دليلًا على نبوّته قاهرًا للمبعوث إليهم، وأن يكون معجزة حتى يخرق العادات، فذلك معنى قوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ وقيل: كان ملكًا عظيمًا، فخاف أن يعطى مثله أحد فلا يحافظ على حدود الله فيه، كما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ. . .﴾ [البقرة: ٣٠].
وقيل: يجوز أن يقال: علم الله فيما اختصه به من ذلك الملك العظيم مصالح في الدين، وعلم أنه لا يضطلع بأعبائه غيره، وأوجبت الحكمة استيهابه، فأمره أن يستوهبه إياه، فاستوهبه بأمر من الله على الصفة الذي علم الله أنه لا يضبطه عليها إلا هو وحده دون سائر عباده (١).
وقيل: سأل ذلك ليكون علمًا وآية لنبوته، ومعجزة دالة على رسالته ودلالة قبول توبته (٢).
الوجه الرابع: إثبات الملك لسليمان ﵇ من القرآن والسنة .
أولًا: من القرآن:
قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾ [الأنبياء: ٨١، ٨٢].
قوله: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ مكان الخيل التي شغلته عن الصلاة ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ يعني: رِخوة لينة، وهي من الرخاوة، وقيل: يعني مطيعة لسليمان، وقيل: ليست بعاصفة ولا بطيئة، وقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ حيث أراد، من قولهم: أصاب الله بك خيرًا، أي: أراد الله بك خيرًا (٣).
стр. 3521
وقوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ أي: وسخرنا له الشياطين سلطناه عليها مكان ما ابتُليناه بالذي ألقينا على كرسيّه منها يستعملها فيما يشاء من أعماله من بنَّاء وغوَّاص، فالبُناة منها يصنعون محاريب وتماثيل، والغاصة يستخرجون له الحُلِيّ من البحار، وآخرون ينحتون له جِفانًا وقدورًا، والمَردَة في الأغلال مُقَرَّنون (١).
وقال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ [النمل: ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ. . .﴾ [سبأ: ١٢، ١٣].
ثانيًا: من السنة:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ، فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ قَالَتْ: بَنَاتِي، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟ قَالَتْ: فَرَسٌ، قَالَ: وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ قَالَتْ: جَنَاحَانِ قَالَ: فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ؟ قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ، قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ (٢).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي، فَأَمْكَنَنِي الله مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا. (٣)
الوجه الخامس: لا غرو أن يأتي القرآن بشي، لم يذكره الكتاب المقدس
إن القارئ للكتاب المقدس يجد أنه أخلَّ بأمور كثيرة ما تحدّث عنها يحتاجها قارئه،
стр. 3522
فانظر على سبيل المثال لا الحصر مسائل العبادات وتفصيلاتها، والمعاملات في البيع والشراء، وغير ذلك.
والسؤال: أين القواعد التي وضعها الكتاب المقدس لأصحابه ليكون لهم منهجًا يسيروا عليه؟
والجواب: هذا ما يفتقده هذا الكتاب بخلاف القرآن الذي فصّل المنهج وبينه ووضّحه وأحكمه، فسبحان مَنْ جعل القرآن للناس يتعبدون به ويسيرون عليه.
الوجه السادس: سليمان ﵇ في الكتاب المقدس .
ولكن انظر ماذا يقول الكتاب المقدس عن نبي الله سليمان ﵇ كما في سفر (الملوك الأول ١١/ ١٣: ١) ١: وَأَحَبَّ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ نِسَاءً غَرِيبَةً كَثِيرَةً مَعَ بِنْتِ فِرْعَوْنَ: مُوآبِيَّاتٍ وَعَمُّونِيَّاتٍ وَأَدُومِيَّاتٍ وَصِيدُونِيَّاتٍ وَحِثِّيَّاتٍ ٢ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ قَالَ عَنْهُمُ الرَّبُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: "لَا تَدْخُلُونَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَدْخُلُونَ إِلَيْكُمْ، لأَنَّهُمْ يُمِيلُونَ قُلُوبَكُمْ وَرَاءَ آلِهَتِهِمْ". فَالْتَصَقَ سُلَيْمَانُ بِهؤُلَاءِ بِالْمَحَبَّةِ. ٣ وَكَانَتْ لَهُ سَبع مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلَاثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ، فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ. ٤ وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلًا مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ. فَذَهَبَ سُلَيْمَانُ وَرَاءَ عَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَمَلْكُومَ رِجْسِ الْعَمُّونِيِّينَ. ٦ وَعَمِلَ سُلَيْمَانُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلَمْ يَتْبَعِ الرَّبَّ تَمَامًا كَدَاوُدَ أَبِيهِ. ٧ حِينَئِذٍ بَنَى سُلَيْمَانُ مُرْتَفَعَةً لِكَمُوشَ رِجْسِ الْمَوآبِيِّينَ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَ أُورُشَلِيمَ، وَلِمُولَكَ رِجْسِ بَنِي عَمُّونَ. ٨ وَهكَذَا فَعَلَ لِجَمِيعِ نِسَائِهِ الْغَرِيبَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ يُوقِدْنَ وَيَذْبَحْنَ لآلِهَتِهِنَّ. ٩ فَغَضِبَ الرَّبُّ عَلَى سُلَيْمَانَ لأَنَّ قَلْبَهُ مَالَ عَنِ الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ الَّذِي تَرَاءَى لَهُ مَرَّتَيْنِ، ١٠ وَأَوْصَاهُ فِي هذَا الأَمْرِ أَنْ لَا يَتَّبعَ آلِهَةً أُخْرَى، فَلَمْ يَحْفَظْ مَا أَوْصى بِهِ الرَّبُّ. ١١ فَقَالَ الرَّبُّ لِسُلَيْمَانَ: "مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذلِكَ عِنْدَكَ، وَلَمْ تَحْفَظْ عَهْدِي وَفَرَائِضِيَ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ بِهَا، فَإِنِّي أُمَزِّقُ الْمَمْلَكَةَ عَنْكَ تَمْزِيقًا وَأُعْطِيهَا لِعَبْدِكَ. ١٢ إِلَّا إِنِّي لَا أَفْعَلُ ذلِكَ فِي أَيَّامِكَ، مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ أَبِيكَ، بَلْ مِنْ يَدِ ابْنِكَ أُمَزِّقُهَا. ١٣ عَلَى أَنِّي لَا أُمَزِّقُ مِنْكَ الْمَمْلَكَةَ كُلَّهَا، بَلْ أُعْطِي سِبْطًا وَاحِدًا لابْنِكَ، لأَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي، وَلأَجْلِ أُورُشَلِيمَ الَّتِي اخْتَرْتُهَا".
* * * *
стр. 3523
٤ - شبهة: أيوب ﵇ حول الآية: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ .
نص الشبهة:
قال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، يعني أن امرأة أيوب ذهبت لحاجةٍ وأبطأت، فحلف إنْ بَرِىءَ ليضربنَّها مائة سوط، فحلّل الله يمينه بأن أخذ ضِغْثًا، وهي حزمةٌ صغيرة من الحشيش بها مائة عود ليضربها بها ضربة واحدة فلا تقع يمينه، وهذه القصة من خرافات اليهود، ثَمّ أمر آخر وهو: كيف يصل الغضب إلى هذا الحد مع هذا النبي؟
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن التوراة والإنجيل محرفان.
الوجه الثاني: لا يجوز احتجاجكم بالقرآن .
الوجه الثالث: فضل أيوب ﵇ في القرآن والسنة.
الوجه الرابع: أقوال المفسرين في آيات سورة (ص)
الوجه الخامس: بيان معنى الغضب، وأنواعه، وأن أيوب ﵇ بشر مثلنا، يغضب كغضبنا ولا يخرجه غضبه عن الصفة الغالبة عليه وهي الحلم والصبر.
الوجه السادس: أيوب ﵇ في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: التوراة والإنجيل محرفان .
الوجه الثاني: لا يجوز احتجاجكم بالقرآن.
الوجه الثالث: أيوب ﵇ في القرآن والسنة .
أولًا: أيوب ﵇ في القرآن .
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ [النساء: ١٦٣]، وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا
стр. 3524
هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾ [الأنعام: ٨٤].
فأخبر الله أنه هداه واجتباه، وجعله من المحسنين، وقال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤].
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ [ص: ٤١ - ٤٤] فسماه الله عبدًا كما يخبر جميع أنبيائه، لأن مقام العبودية هو أشرف المقامات على الإطلاق، ثم إنه في هذه الآيات قال (مسني الشيطان)، وفي الأنبياء قال: (مسني الضر) فلم ينسب الضر إلى الله أدبًا مع الله .
وقال المفسرون: هذا ليس شكاية، إنما هو دعاء؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ على أن الجزع إنما هو في الشكوى إلى الخلق، فأما الشكوى إلى الله فلا يكون جزعًا ولا ترك صبر كما قال يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ أي: رد الله إليه أهله وأولاده بأعيانهم أحياهم الله له وأعطاه مثلهم معهم، وهو ظاهر القرآن (١).
ثانيًا: فضل أيوب ﵇ في السنة:
قال رسول الله ﷺ قال: "أشد الناس بلاءًا لأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زِيْدَ في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة" (٢).
стр. 3525
وكان أيوب ﵇ من أشد الناس بلاءً، ولم يزد هذا البلاء كله أيوب ﵇ إلا صبرًا واحتسابًا وحمدًا وشكرًا، حتى إن المثل ليضرب بصبره ﵇ (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن نبي الله أيوب ﵇ لبث به بلاؤه ثمان عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين. فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثمان عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقولان غير أن الله تعالى يعلم أني كنت أَمُرُّ بالرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فاكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق، قال: وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكته امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحي إلى أيوب أن: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ [ص: ٤٢]، فاستبطأته فتلقته تنظر وقد أقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، والله على ذلك ما رأيت أشبه منك إذ كان صحيحًا، فقال: فإني أنا هو، وكان له أندران: أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض" (٢).
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ فَنَادَى رَبُّهُ يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا ترَى؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، ولَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ" (٣).
وقَوْلُهُ: (خَرَّ عَلَيْهِ) أَيْ سَقَطَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: (رِجْلُ جَرَادٍ) أَيْ: جَمَاعَةُ جَرَادٍ، والْجَرَادُ اِسْمُ جَمْعٍ وَاحِدُهُ جَرَادَةٌ كَتَمْرٍ وَتَمْرَةٍ، وقَوْلُهُ: (فَنَادَاهُ رَبُّهُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِإِلْهَامٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ (٤).
стр. 3526
فأكرمه الله بأن أفاض عليه بركاته وأغناه، ورد عليه ولده وأهله جزاءً له على صبره على البلاء طيلة هذه المدة، وفي الحديث أن الله ناداه وكلمه سواءً بواسطة أو بغير واسطة إكرامًا له ﵇، وانظر إلى حسن ظنه بالله تعالى وطمعه في رحمة الله حينما قال: (لا غنى لي عن بركتك)، وبهذا القول يصدق قول الله فيه وفي إخوانه من الأنبياء والصالحين ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
الوجه الرابع: أقوال المفسرين في هذه الآية .
قال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ [ص: ٤٤]، الضغث: هو ما يجمع من شيء مثل حزمة الرُّطْبة، وكملء الكفّ من الشجر أو الحشيش والشماريخ ونحو ذلك مما قام على ساق (فَاضْرِبْ بِهِ): فاضرب زوجتك بالضِّغْث، لتَبرّ في يمينك التي حلفت بها عليها أن تضربها (وَلا تَحْنَثْ) يقول: ولا تحنَثْ في يمينك (١).
وفي ذلك أقوال:
١ - وذلك أن أيوب ﵇ كان قد غضب على زوجته ووجد عليها في أمر فعلته. قيل: باعت ضفيرتها بخبز فأطعمته إياه فلامها على ذلك وحلف إن شفاه الله ليضربنها مائة جلدة، وقيل: لغير ذلك من الأسباب، فلما شفاه الله وعافاه ما كان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تقابل بالضرب فأفتاه الله أن يأخذ ضغثًا فيه مائة قضيب فيضربها به ضربة واحدة وقد بَرّت يمينه وخرج من حنثه ووفى بنذره، وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأناب إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٢).
٢ - ولعل الكفارة لم تكن فيهم وخصنا الله بها مع شرعه فينا ما أرخصه له تشريفًا لنا، وكل هذا إعلامًا بأن الله تعالى ابتلاه ﵇ في بدنه وولده وماله، ولم يبق له إلا زوجة فوسوس لها الشيطان طمعًا في إيذائهما كما آذى آدم وحواء ﵉، إلى أن قارب
стр. 3527
منها بعض ما يريد (١).
قلت: قوله: (إلى أن قارب منها بعض ما يريد) فسره بعض المفسرين أن الشيطان قابلها ودلها على شفاء زوجها، فلما رجعت وأخبرت زوجها غضب عليها وحلف عليها أن يضربها مائة ضربة، فخلصهما الله بهذه الرخصة (٢).
الوجه الخامس: بيان معنى الغضب ودرجاته، وما يذم منه وما لا يذم .
معنى الغضب: الغَضَبُ: نَقِيضُ الرِّضَا وقد غَضِبَ عليه غَضَبًا ومَغْضَبَةً وأَغْضبْتُه أَنا فَتَغَضَّبَ، وغَضِبَ له غَضِبَ على غيره من أَجله، وذلك إِذا كان حَيًّا فإِن كان ميتًا قلت: غَضِبَ به قال دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّة يَرْثِي أَخاه عَبْدَ الله:
فإِن تُعْقِب الأَيامُ والدَّهْرُ فاعْلَمُوا ... بني قَارِبٍ أَنَّا غِضَابٌ بمَعْبَدِ
قال ابن عرفة: الغَضَبُ من المخلوقين شيءٌ يُداخِل قُلُوبَهم ومنه محمود ومذموم؛ فالمذموم ما كان في غير الحق، والمحمود ما كان في جانب الدين والحق (٣).
درجات الغضب: يتفاوت الناس في قوة الغضب على درجات ثلاث وهي: التفريط والإفراط والاعتدال:
أولًا: التفريط: ويكون إما بفقد قوة الغضب بالكلية أو بضعفها، وحينئذ يقال للإنسان: إنه لا حمية له، ويذم جدًّا، ولذلك قال الشافعي ﵀ من استغضب فلم يغضب فهو حمار، وهذا يثمر ثمرات مرة كقلة الأنفة مما يؤنف منه من التعرض للحرم والزوجة والأمة واحتمال الذل من الأخساء وصغر النفس.
ثانيًا: الإفراط: ويكون بغلبة هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين وطاعته، ولا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر وفكرة ولا اختيار، بل يصير في صورة المضطر، وسبب غلبته أمور غريزية وأمور اعتيادية: فرب إنسان هو بالفطرة مستعد لسرعة الغضب حتى كأن صورته في الفطرة صورة غضبان، ويعين على ذلك حرارة مزاج
стр. 3528
القلب، وأما الأسباب الاعتيادية: فهو أن يخالط قومًا يتبجحون بتشفي الغيظ وطاعة الغضب ويسمون ذلك شجاعة ورجولية.
ثالثًا: الاعتدال: وهو المحمود وذلك بأن ينتظر إشارة العقل والدين، فينبعث حيث تجب الحمية وينطفئ حيث يحسن الحلم، وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله بها عباده وهو الوسط، فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة وخسة النفس في احتمال الذل والضيم في غير محله فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه، ومن مال غضبه إلى الإفراط حتى جره إلى التهور، واقتحام الفواحش فينبغي أن يعالج نفسه لينقص من سَوْرة الغضب، ويقف على الوسط الحق بين الطرفين؛ وهذا هو الصراط المستقيم وهو أرق من الشعرة وأحد من السيف؛ فإن عجز عنه فليطلب القرب منه (١).
ومن الغضب ما يكون محمود، وذلك إذا صدر الغضب من الله ومن ذلك غضبه تعالى على أعدائه من اليهود، ومن كان على شاكلتهم من الكفار والمنافقين والطغاة والمتجبرين، قال تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، وقوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، وقال: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]، كما يكون الغضب محمودًا إذا كان لله عندما تنتهك حرماته، وقد أثبت القرآن ذلك للرسل الكرام في مواضع عديدة، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠].
وكان النبي ﷺ يغضب لله لا لنفسه، فعن عائشة أنها قالت: رَخَّصَ رَسولُ الله ﷺ فِي أَمْرٍ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ نَاسٌ مِنْ النَّاسِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَغَضِبَ حَتَّى بَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْغَبُونَ عَمَّا رُخِّصَ لِي فِيهِ فَوَالله لَأَنَا أَعْلَمُهمْ بِالله وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً" (٢).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ الله، إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلَانٌ فِيهَا فَغَضِبَ رَسُولُ الله ﷺ مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ" (٣).
стр. 3529
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: "قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ خَمْسٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضبَكَ يَا رَسُولَ الله أَدْخَلَهُ الله النَّارَ؟ قَالَ: أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ - قَالَ الْحَكَمُ: كَأَنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ، أَحْسِبُ - وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ ثُمَّ أَحِلُّ كَمَا حَلُّوا" (١).
وعن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: كَانَتْ بَيْنَ أَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُحَاوَرَةٌ، فَأَغْضَبَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فَانْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ مُغْضَبًا فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ، حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَنَحْنُ عِنْدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ قَالَ وَنَدِمَ عُمَرُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فَأَقْبَلَ، حَتَّى سَلَّمَ وَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَصَّ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ الْخَبَرَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: وَغَضِبَ رَسُولُ الله ﷺ وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: وَالله يَا رَسُولَ الله، لَأَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي؟ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي؟ إِنِّي قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبو بَكْرٍ صَدَقْتَ" (٢).
وعن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ؛ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ الله، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ تَرَكَ مَالًا فِلأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ" (٣).
الوجه السادس: أيوب ﵇ في الكتاب المقدس .
سورة غافر
شبهة: قتل الصبيان واستحياء النساء .
نص الشبهة:
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٢٣ - ٢٥].
فالظاهر من هذا الكلام أن فرعون لم يأمر بقتل أبناء اليهود إلا بعد ما جاءه موسى بالحق ولكنه يقول: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ. . .﴾ [طه: ٣٨، ٣٩].
وهذا يعني أن فرعون أمر بقتل أبناء اليهود وموسى طفل ولم يكن الحق قد جاء بعد من عند ريه.
والرد من وجوه:
الوجه الأول:
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥)﴾ [غافر: ٢٥]، فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وإنما كان قتل فرعون الولدان من بني إسرائيل حذار المولود الذي كان أخبر أنه على رأسه ذهاب ملكه وهلاك قومه، وذلك كان فيما يقال قبل أن يبعث الله موسى نبيًا؟ قيل: إن هذا الأمر بقتل أبناء الذين آمنوا مع موسى واستحياء نسائهم، كان أمرًا من فرعون وملئه من بعد الأمر الذي كان من فرعون قبل مولد موسى.
وعن قتادة قال: هذا قتل غير القتل الأول الذي كان حيًا. (١)
стр. 3532
توضيح: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: بالبرهان القاطع الدال على أن الله تعالى أرسله إليهم ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ. . .﴾ وهذا أمر ثانٍ من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل.
أما الأول: فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى، أو لإذلال هذا الشعب وتقليل عددهم، أو لمجموع الأمرين.
وأما الأمر الثاني: فالعلة الثانية، لإهانة هذا الشعب ولكي يتشاءموا بموسى ﵇ ولهذا قالوا: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ [الأعراف: ١٢٩].
قال قتادة: هذا أمر بعد أمر (١).
* * *
стр. 3533
سورة فصلت
وفيها:
١ - شبهة: بأي شيء أُهلكت ثمود.
٢ - شبهة اختلاف الشرائع.
стр. 3534
١ - شبهة: بأي شيء أهلكت ثمود .
نص الشبهة:
يقول القرآن عن قوم ثمود أهلكم الطاغية: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ [الحاقة: ٥] ثم يقول: إن ثمود أخذتهم صاعقة العذاب: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)﴾ [فصلت: ١٧]، ثم يؤكد أن ثمود أهلكوا بصاعقة مثل عاد: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ [فصلت: ١٣].
فهل هلك قوم ثمود بالطاغية أم بالصاعقة؟ ، وهل هلك قوم عاد وقوم ثمود بنفس الطريقة أم بطريقتين مختلفين.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ بالصيحة.
الوجه الثاني: (الطاغية) عاقر الناقة، والتاء فيه للمبالغة.
الوجه الثالث: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ أي: بطغيانهم.
الوجه الرابع: قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ أي: صاعقة.
الوجه الخامس: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ أي أنذرتكم وقيعة.
الوجه السادس: الصعقة: الهلاك يكون معها في الأحيان قطعة نار.
وإليك التفصيل
بداية: لا تعارض في المعنى بين اللفظين، وهذا معنى الطاغية في لغة العرب.
الطغيان، والطغوان لغة فيه، والفعل طغوت وطغيت، والاسم الطغوي، وكل شيء جاوز القدر فقد طغى كما طغى الماء على قوم نوح، وكما طغت الصيحة على ثمود، والريح على قوم عاد، وتقول سمعت طغى فلان: أي صوته.
стр. 3535
والطاغية: الأحمق المستكبر الظالم. وطغا البحر إذا علا كل شيء فاجترفه (١)، والطاغية الجبار العنيد (٢) وكذلك معنى - الصاعقة - في لغة العرب.
الصاعقة والصعقة: الصيحة يغشي منها على من يسمعها أو يموت، الصعق: شدة النهيق والصوت، ويقال: أصعقته الصيحة: قتلته، والصواعق: صوت الرعد (٣).
الصاعقة: العذاب، والصعقة الغشية (٤).
(الصاعقة والصعق) في القرآن الكريم:
الصعق: الموت، قال تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨].
والصاعقة: العذاب كقوله تعالى: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣].
والصاعقة: نار من السحاب، قال تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ١٣]. وأراها سميت صاعقة، لأنها إذا أصابت قتلت، يقال: صعقتهم: أي قتلتهم (٥).
الوجه الأول: في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾
أي: أهلكوا بالصيحة الطاغية، لأن الله تعالى إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكها به، فقال: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾. ولو كان الخبر أيضًا عن عاد كذلك إذ كان ذلك في سياق واحد، وفي إتباعه ذلك بخبره عن عاد بأن هلاكها كان بالريح الدليل الواضح على أن إخباره عن ثمود إنما هو ما بينت (٦).
زيادة توضيح: قال قتادة: أي: بالصيحة الطاغية، أي المجاوزة للحد؛ أي لحد
стр. 3536
الصيحات من الهول كما قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]، والطغيان: هو مجاوزة الحد، ومنه ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١١] أي: جاوز الحد (١).
فعلى هذا القول الطاغية نعت محذوف، واختلفوا في ذلك المحذوف فقال: بعضهم: إنها الصيحة المجاوزة في القوة والشدة للصيحات، وقال بعضهم: إنها الرجفة، وقال آخرون: إنها الصاعقة (٢).
الوجه الثاني: (الطاغية) عاقر الناقة، والتاء فيه للمبالغة كرجل راوية وأهلكوا كلهم لرضاهم بفعله . (٣)
والمعنى: أن الطاغية: الفرقة التي طغت من جملة ثمود فتآمروا بعقر الناقة فعقروها، أي: أهلكوا بشؤم فرقتهم الطاغية، ذلك الرجل الواحد الذي أقدم على عقر ناقة وأهلك الجميع لأنهم رضوا بفعله، وقيل: له طاغية كما يقول: فلان راوية الشعر وداهية وعلامة (٤).
الوجه الثالث: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ .
أي: بطغيانهم وكفرهم (٥)، أي: فأهلكوا بالطغيان، فهي مصدر كالكاذبة والعاقبة والعافية: أي أهلكوا بطغيانهم وكفرهم. (٦)
الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾
أي: قل لهم: أنذرتكم أيها الناس صاعقة تهلككم مثل صاعقة عاد وثمود وقد بينا فيما مضى أن معنى الصاعقة: كل ما أفسد الشيء وغيره عن هيئته. . (٧)
فيكون المعنى: أي: هلاكًا مثل هلاكهم، والصاعقة المهلكة من كل شيء. (٨)
стр. 3537
الوجه الخامس: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ .
أي أنذرتكم وقيعة مثل وقيعة عاد وثمود، قال: عذاب مثل عذاب عاد وثمود (١)، أي: عذاب شديد الواقع كأنه صاعقة (٢).
الوجه السادس: الصعقة: الهلاك يكون معها في الأحيان قطعة نار
فشبهت هنا وقعة العذاب بها، لأن عادًا لم تعذب إلا بريح، وإنما هذا تشبيه واستعارة (٣).
زيادة وتوضيح: لما أضيفت صاعقة إلى عاد وثمود، وعادًا لم تهلكهم الصاعقة، وإنا أهلكهم الريح، وثمود أهلكوا بالصاعقة، فقد استعمل الصاعقة هنا في حقيقته ومجازه، أو هو من عموم المجاز والمقتضى لذلك على الاعتبارين قصد الإيجاز (٤).
خلاصة القول: اعلم أن الله تكلم عن الهلاك الذي أهلك به ثمود، بعبارات مختلفة، فذكره هنا باسم الصاعقة في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ [فصلت: ١٧]. وقوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] وعبر عنه أيضًا بالصاعقة في قوله تعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٣, ٤٤].
وعبر عنه بالصيحة في آيات من كتابه، كقوله تعالى في إهلاكه ثمود: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦٧، ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٢, ٨٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ (القمر: ٣١)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، يعني به ثمود المذكورين في قوله تعالى:
стр. 3538
﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٨]، وعبر بالرجفة في قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٧، ٧٨]، وعبر عنه بالتدمير في سورة النمل في قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١].
وعبر عنه بالطاغية في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ وعبر عنه بالدمدمة في قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ١٤].
وعبر عنه بالعذاب في قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [الشعراء: ١٥٧, ١٥٨].
ومعنى هذه العبارات كلها راجع إلى شيء واحد، وهو أن الله أرسل عليهم صيحة أهلكتهم، والصيحة الصوت المزعج المهلك وعلى النار المحرقة، وعليهما معًا، ولشدة عظم الصيحة وهولها من فوقهم رجفت أنها صيحة وصاعقة ورجفة، وكون ذلك تدميرًا واضحًا، وقيل لها طاغية: لأنها واقعة مجاوزة الحد.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ ي جاوز الحدود التي يبلغها الماء عادة. (١)
ملخص ما سبق:
﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ أي فأما ثمود فأهلكهم الله بصيحة جاوزت الحد في الشدة كما جاء في سورة هود: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وهي الصاعقة التي جاءت في حم السجدة، والرجفة والزلزلة التي جاءت في سورة الأعراف، فلا تعارض بين الآيات، لأن الهلاك في بعضها نسب إلى السبب القريب، وفي بعضها نسب إلى السبب البعيد. (٢)
* * *
стр. 3539
٢ - شبهة اختلاف الشرائع .
نص الشبهة:
قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾ [فصلت: ٤٣].
قالوا: إذا كان ما قيل للنبي ﷺ هو نفس ما قيل للرسل من قبله، فما هي فائدة القرآن؟ وهل الله يريد التكرار؟ .
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: بيان التفسير الصحيح للآية.
الوجه الثاني: أصل الدين واحد، والدليل على اختلاف الشرائع في مباحث:
المبحث الأول: إن الدين عند الله الإسلام.
المبحث الثاني: أهداف الرسالات السماوية.
المبحث الثالث: لكل أمة شرعةً ومنهاجًا.
الوجه الثالث: بعض خصائص القرآن الكريم والإسلام.
الوجه الرابع: بيان بعض أوجه الاتفاق والاختلاف في الشرائع.
الوجه الخامس: ما هي فائدة الإنجيل بعد التوراة؟ وما هي فائدة تكرار الأناجيل.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: التفسير الصحيح للآية .
بعد النظر في كتب التفسير وجد تفسيرين للآية، وهما أيضًا غير متضادين أستطيع أن أقول: هما وجهان لعملة واحدة وكلٌّ قيل للرسل جميعًا.
القول الأول: الذي قيل له هو الأذية من قومه هو نفس الذي قيل للرسل سابقًا.
وهو قول الجمهور، قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾ [فصلت: ٤٣].
стр. 3540
والمعنى: ما يقال لك من التكذيب والأذى إلا كما قد قيل للرسل من قبلك، فكما قد كذبت فقد كذبوا، وكما صبروا على أذى قومهم لهم، فاصبر أنت على أذى قومك لك، وهو قول الجمهور (١). وممن قال به من أئمة التفسير:
قتادة: حيث قال (يعزيه قال: يقول: قد قيل للأنبياء: ساحر وشبه ذلك) (٢).
السدي: حيث قال (ما يقولون إلا ما قد قال المشركون للرسل من قبلك) (٣).
وهو قول الحسن (٤).
ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ [الذاريات: ٥٢].
فكما قيل له: ساحر فقد قيل لموسى ﵇ ساحر كما قال سبحانه على لسان قومه: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤]. وكما قيل له مجنون فقد قيل لنوح ﵇ مجنون كما قال سبحانه على لسان قومه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٥]. وكما قيل له كاذب فقد قيل لصالح ﵇ كذاب كما قال سبحانه على لسان قومه: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥)﴾ [القمر: ٢٥]. وهكذا إذا تتبعنا سيرة الأنبياء مع قومهم.
القول الثاني: الذي قيل له: هو إخلاص العبادة لله وهذا أصل في كل شريعة.
والمعنى: أي ما يقال لك من إخلاص العبادة لله إلا ما قد أوحى إلى من قبلك، ولا خلاف بين الشرائع فيما يتعلق بالتوحيد وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ