← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

الصيحات من الهول كما قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]، والطغيان: هو مجاوزة الحد، ومنه ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١١] أي: جاوز الحد (١). فعلى هذا القول الطاغية نعت محذوف، واختلفوا في ذلك المحذوف فقال: بعضهم: إنها الصيحة المجاوزة في القوة والشدة للصيحات، وقال بعضهم: إنها الرجفة، وقال آخرون: إنها الصاعقة (٢). الوجه الثاني: (الطاغية) عاقر الناقة، والتاء فيه للمبالغة كرجل راوية وأهلكوا كلهم لرضاهم بفعله . (٣) والمعنى: أن الطاغية: الفرقة التي طغت من جملة ثمود فتآمروا بعقر الناقة فعقروها، أي: أهلكوا بشؤم فرقتهم الطاغية، ذلك الرجل الواحد الذي أقدم على عقر ناقة وأهلك الجميع لأنهم رضوا بفعله، وقيل: له طاغية كما يقول: فلان راوية الشعر وداهية وعلامة (٤). الوجه الثالث: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ . أي: بطغيانهم وكفرهم (٥)، أي: فأهلكوا بالطغيان، فهي مصدر كالكاذبة والعاقبة والعافية: أي أهلكوا بطغيانهم وكفرهم. (٦) الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ أي: قل لهم: أنذرتكم أيها الناس صاعقة تهلككم مثل صاعقة عاد وثمود وقد بينا فيما مضى أن معنى الصاعقة: كل ما أفسد الشيء وغيره عن هيئته. . (٧) فيكون المعنى: أي: هلاكًا مثل هلاكهم، والصاعقة المهلكة من كل شيء. (٨)

стр. 3537

الوجه الخامس: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ . أي أنذرتكم وقيعة مثل وقيعة عاد وثمود، قال: عذاب مثل عذاب عاد وثمود (١)، أي: عذاب شديد الواقع كأنه صاعقة (٢). الوجه السادس: الصعقة: الهلاك يكون معها في الأحيان قطعة نار فشبهت هنا وقعة العذاب بها، لأن عادًا لم تعذب إلا بريح، وإنما هذا تشبيه واستعارة (٣). زيادة وتوضيح: لما أضيفت صاعقة إلى عاد وثمود، وعادًا لم تهلكهم الصاعقة، وإنا أهلكهم الريح، وثمود أهلكوا بالصاعقة، فقد استعمل الصاعقة هنا في حقيقته ومجازه، أو هو من عموم المجاز والمقتضى لذلك على الاعتبارين قصد الإيجاز (٤). خلاصة القول: اعلم أن الله تكلم عن الهلاك الذي أهلك به ثمود، بعبارات مختلفة، فذكره هنا باسم الصاعقة في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ [فصلت: ١٧]. وقوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] وعبر عنه أيضًا بالصاعقة في قوله تعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٣, ٤٤]. وعبر عنه بالصيحة في آيات من كتابه، كقوله تعالى في إهلاكه ثمود: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦٧، ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٢, ٨٣]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ (القمر: ٣١)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، يعني به ثمود المذكورين في قوله تعالى:

стр. 3538

﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٨]، وعبر بالرجفة في قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٧، ٧٨]، وعبر عنه بالتدمير في سورة النمل في قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١]. وعبر عنه بالطاغية في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ وعبر عنه بالدمدمة في قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ١٤]. وعبر عنه بالعذاب في قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [الشعراء: ١٥٧, ١٥٨]. ومعنى هذه العبارات كلها راجع إلى شيء واحد، وهو أن الله أرسل عليهم صيحة أهلكتهم، والصيحة الصوت المزعج المهلك وعلى النار المحرقة، وعليهما معًا، ولشدة عظم الصيحة وهولها من فوقهم رجفت أنها صيحة وصاعقة ورجفة، وكون ذلك تدميرًا واضحًا، وقيل لها طاغية: لأنها واقعة مجاوزة الحد. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ ي جاوز الحدود التي يبلغها الماء عادة. (١) ملخص ما سبق: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ أي فأما ثمود فأهلكهم الله بصيحة جاوزت الحد في الشدة كما جاء في سورة هود: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وهي الصاعقة التي جاءت في حم السجدة، والرجفة والزلزلة التي جاءت في سورة الأعراف، فلا تعارض بين الآيات، لأن الهلاك في بعضها نسب إلى السبب القريب، وفي بعضها نسب إلى السبب البعيد. (٢) * * *

стр. 3539

٢ - شبهة اختلاف الشرائع . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾ [فصلت: ٤٣]. قالوا: إذا كان ما قيل للنبي ﷺ هو نفس ما قيل للرسل من قبله، فما هي فائدة القرآن؟ وهل الله يريد التكرار؟ . والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: بيان التفسير الصحيح للآية. الوجه الثاني: أصل الدين واحد، والدليل على اختلاف الشرائع في مباحث: المبحث الأول: إن الدين عند الله الإسلام. المبحث الثاني: أهداف الرسالات السماوية. المبحث الثالث: لكل أمة شرعةً ومنهاجًا. الوجه الثالث: بعض خصائص القرآن الكريم والإسلام. الوجه الرابع: بيان بعض أوجه الاتفاق والاختلاف في الشرائع. الوجه الخامس: ما هي فائدة الإنجيل بعد التوراة؟ وما هي فائدة تكرار الأناجيل. وإليك التفصيل الوجه الأول: التفسير الصحيح للآية . بعد النظر في كتب التفسير وجد تفسيرين للآية، وهما أيضًا غير متضادين أستطيع أن أقول: هما وجهان لعملة واحدة وكلٌّ قيل للرسل جميعًا. القول الأول: الذي قيل له هو الأذية من قومه هو نفس الذي قيل للرسل سابقًا. وهو قول الجمهور، قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾ [فصلت: ٤٣].

стр. 3540

والمعنى: ما يقال لك من التكذيب والأذى إلا كما قد قيل للرسل من قبلك، فكما قد كذبت فقد كذبوا، وكما صبروا على أذى قومهم لهم، فاصبر أنت على أذى قومك لك، وهو قول الجمهور (١). وممن قال به من أئمة التفسير: قتادة: حيث قال (يعزيه قال: يقول: قد قيل للأنبياء: ساحر وشبه ذلك) (٢). السدي: حيث قال (ما يقولون إلا ما قد قال المشركون للرسل من قبلك) (٣). وهو قول الحسن (٤). ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ [الذاريات: ٥٢]. فكما قيل له: ساحر فقد قيل لموسى ﵇ ساحر كما قال سبحانه على لسان قومه: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤]. وكما قيل له مجنون فقد قيل لنوح ﵇ مجنون كما قال سبحانه على لسان قومه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٥]. وكما قيل له كاذب فقد قيل لصالح ﵇ كذاب كما قال سبحانه على لسان قومه: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥)﴾ [القمر: ٢٥]. وهكذا إذا تتبعنا سيرة الأنبياء مع قومهم. القول الثاني: الذي قيل له: هو إخلاص العبادة لله وهذا أصل في كل شريعة. والمعنى: أي ما يقال لك من إخلاص العبادة لله إلا ما قد أوحى إلى من قبلك، ولا خلاف بين الشرائع فيما يتعلق بالتوحيد وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ

стр. 3541

قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ. . .﴾ [الزمر: ٦٥]، أي: لم تدعهم إلا إلى ما تدعو إليه جميع الأنبياء فلا معنى لإنكارهم عليك (١). قلت ذلك: لأن ما من نبي أرسله الله تعالى إلا دعاهم بإخلاص العبادة لله وهذا هو أصل الدين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وكانت هي على لسان كل نبي إلى قومه كما قال تعالى: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٥٠]. فهذا هو الأصل الذي جاء به كل نبي الذي جاء به كل رسول ولكن التفصيل وبيان المنهج في الدعوة والتشريع فهذا لكل نبي مع قومه. الوجه الثاني: بيان أن أصل الدين واحد والدليل على اختلاف الشرائع . وهذا يكون في ثلاثة مباحث: المبحث الأول: إن الدين عند الله الإسلام . الرسالات التي جاء بها الأنبياء جميعًا منزلة من عند الله العليم الحكيم الخبير، ولذلك فإنها تمثل صراطًا واحدًا يسلكه السابق واللاحق، ولذا فإننا نجد الإسلام هو الدين الذي دعت إليه الرسل جميعًا من لدن آدم حتى تقوم الساعة قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. فهو دين نوح ﵇ حيث قال الله تعالى على لسان نبيه نوح ﵇: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]. وهو دين إبراهيم ﵇ قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة: ١٣١]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ [آل عمران: ٦٧]. وقال تعالى على لسان نبيه إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨]. ووصى بها قبل موته حيث قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم

стр. 3542

مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢]، وهو دين يعقوب ﵇ حيث وصى به قبل موته، قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣٣]، وهو دين يوسف ﵇ حيث قال الله تعالى على لسان نبيه يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١]. وهو دين سليمان ﵇ حيث قالت ملكة سبأ كما قال تعالى: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] وقد كتب لها كتابًا من قبل فيه كما أخبر سبحانه: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾ [النمل: ٣١]. وهو دين موسى ﵇ حيث قال الله تعالى على لسان نبيه موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس: ٨٤]. وهو دين عيسى ﵇ قال الحواريون لعيسى: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وهو دين الجن المؤمنين حيث قال الله تعالى على لسانهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]. وهو دين نبينا محمد ﷺ حيث قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وعلى هذا فالدين الوحيد الذي ارتضاه الله لأهل السماء والأرض لا للعرب فحسب بل للبشرية جميعًا إنما هو دين الإسلام، لذا قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥] (١). المبحث الثاني: أهداف الرسالات السماوية .

стр. 3543

إن الناظر بإمعان إلى كتاب الله يستطيع أن يخرج منه بالركائز الأساسية التي ارتكزت عليها دعوة الأنبياء السابقين. وتلك الركائز يسميها علماء الإسلام بالعناصر أو الأركان الأساسية للرسالات السماوية، وهذه العناصر وتلك الأهداف هي: ١ - الدعوة إلى الإيمان بالله وحده لا شريك له. ٢ - الإيمان بالبعث والجزاء. ٣ - الدعوة إلى العمل الصالح. أولًا: الدعوة إلى الإيمان بالله وحده لا شريك له، وهو توحيد الله . ولنبدأ بسيدنا نوح ﵇: قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وهود ﵇: قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥]، وصالح ﵇: قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٦١]. شعيب ﵇ قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥]. إبراهيم ﵇ وهو يجادل أباه وقومه ويدعوهم إلى ترك ما كانوا عليه من عبادة الأصنام والتماثيل إلى عبادة فاطر السموات والأرض. قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ [مريم: ٤٢]. وقال تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٩]. يوسف ﵇ كان داعيًا إلى التوحيد حتى وهو في السجن. قال تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٣٩، ٤٠]، موسى ﵇ عندما سأله فرعون عن ربه كانت إجابته بإقرار التوحيد لله. قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣, ٢٤].

стр. 3544

عيسى ﵇ أعلنها صراحة كما قال الله تعالى على لسان عيسى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ [مريم: ٣٦]. وقد قال الله جل في علاه موضحًا لمن اعتقدوا في عيسي أنه دعا إلى غير التوحيد المطلق كذب ادعائهم وبطلان ما نسبوه إلى الله تعالى، وأنه قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٦, ١١٧]، ولذلك قال الله تعالى موضحًا الصورة بأوضح عبارة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. ثانيًا: الإيمان بالبعث والجزاء، وهو الهدف الثاني في دعوة الأنبياء والرسل . سيدنا نوح ﵇: ربط الدعوة إلى التوحيد بالتخويف من عذاب الله يوم القيامة. وهذا دليل على الإيمان بالبعث والجزاء. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾ [هود: ٢٥, ٢٦]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٥ - ١٨]. موسى ﵇: وأن الله يربط بين نعمه على بني إسرائيل واليوم الآخر قال تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ [البقرة: ٤٧، ٤٨]، وخير مثال على ذلك ما حدث عيانًا بيانًا على مرأى ومسمع في قصة البقرة التي ساقها الله سبحانه دليلًا عليهم كما في سورة البقرة. عيسي ﵇ فالله سبحانه يربط كذلك ربطًا وثيقًا حيث قال: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ. . .﴾ [آل عمران: ٥٥]. ثالثًا: الدعوة إلى العمل الصالح .

стр. 3545

وهذا هو الهدف الثالث في دعوة الأنبياء والرسل. لأن كل نبي كان يأتي لقومه ليعالج مشكلة معينة، ومن خلال معالجته لتلك المشكلة يدعو قومه إلى العمل الصالح. سيدنا نوح ﵇: حيث قال الله تعالى على لسان سيدنا نوح ﵇: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ [نوح: ٣]. والتقوى هي: جماع خصال البر. سيدنا لوط ﵇ وهو ينفر قومه من ارتكاب جريمة اللواط، حيث قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ [الأعراف: ٨٥, ٨٦]. ثم يبين لهم الأفضل من ذلك في معرض الكلام: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦]. سيدنا شعيب ﵇ ينهي قومه عما فشا فيهم من التطفيف في الكيل والميزان وبخس الناس أشياءهم والسعي بالفساد بين الناس وصدهم عن سبيل الله. قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ. . .﴾ (الأعراف: ٨٥). وسيدنا موسى ﵇: قال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾ [الأعراف: ١٢٨]. سيدنا عيسى ﵇ حيث قال الله تعالى على لسان عيسى ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ [مريم: ٣٠]. سيدنا محمد ﷺ التي جمعت شريعته هذه الخصال حيث قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ. . .﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣]. ومن هنا يتضح لنا أن الدين واحد وهو الإسلام كما أن أصول الرسالات السماوية واحدة، إلا أن كل نبي يبعث إلى أمة معينة لأهداف معينة استلزمت اختلاف الشرائع التي شرعها الله لكل أمة. المبحث الثالث: لكل أمة شرعةً ومنهاجًا .

стр. 3546

قد قدمنا في المبحثين الأولين أن أصل الدين واحد وهو دين الإسلام، وأن الأهداف التي جاءت بها الرسالات واحدة. فهذا لا يمنع أن تختلف الشرائع وذلك حسب الظروف والأوضاع التي كانت سائدة بها بما يكفل صلاحها ويزيل ما ران في قلوبها من ظلمات. والقرآن الكريم يخبرنا أن الرسل جميعًا حملوا ميزان العدل والقسط، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. وأنهم أمروا بأن يكسبوا رزقهم بالحلال، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. فهذا إخبار عن الأمم المختلفة باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد. فالشرائع مختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حرامًا، ثم يحل في الشريعة الأخرى وبالعكس، وخفيفًا فيزداد في الشدة في هذه دون هذه، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة والحجة الدامغة. وهذا خطاب لجميع الأمم وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة لا ينسخ منها شيئًا. ولكنه تعالى شرع لكل رسول شرعة على حدة ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمد ﷺ الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة وجعله خاتم الأنبياء كلهم. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]. أي أنه تعالى شرع لنا الشرائع مختلفة ليختبر عباده فيما شرع لهم. ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله (١). وممن قال به علي ﵁ قال: الإيمان منذُ بَعث الله تعالى ذكره آدم ﷺ : شهادةُ أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، لكلّ قوم ما جاءَهم من شرعة أو منهاج، فلا يكون المقرُّ

стр. 3547

تاركًا، ولكنه مُطِيع (١). قال قتادة ﵁: فإن الدين واحد والشريعة مختلفة. (٢) وقال أيضًا في تفسيرها: سبيلًا وسُنّة. والسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلُّ الله فيها ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء بلاءً، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره: التوحيدُ والإخلاصُ لله، الذي جاءت به الرسل. (٣) والدليل على ذلك من السنة: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ". (٤) والعلات: بفتح المهملة الضرائر. وأولاد العلات الأخوة من الأب وأمهاتهم شتي. ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع (٥). الوجه الثالث: ذكر بعض خصائص القرآن الكريم والإسلام . ١ - الخلود: بمعنى أن دين الإسلام لا يزاحمه دين أبدًا، لأنه دين الفطرة، دين الخلود إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].

стр. 3548

أما الرسالات السماوية السابقة فهي موقوتة ومحلية وليست عالمية، ولا أدل على ذلك مما ورد على لسان المسيح نفسه حين قال: مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ. متى (١٩/ ٢٨) ٢ - العموم: فرسالات الأنبياء السابقين جميعًا كانت تخاطب أقوامًا بأعينهم وتخصهم بنداء ﴿يَاقَوْمِ﴾ فهي رسالات قومية محلية ترتبط بزمان ومكان وقوم. أما رسالة سيدنا محمد ﷺ عامة. قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، ولذا قال النبي ﷺ : "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلي كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ". (أي إلى الخلق كافة) (١). وراجع المقدمة ففيها مزيد على ذلك. فرسالة سيدنا محمد ﷺ غير محدودة بعصر ولا جيل ولا مكان ولا زمان ولا بشعب أو بطبقة بعينها بل هي رسالة الناس جميعًا ومن ثم نستطيع القول بأن رسالة الإسلام رسالة عامة للناس جميعًا وتشريعاتها متناسقة متكاملة توائم الفطرة الإنسانية. أما الرسالات السابقة فهي خاصة بأقوام بدليل أن كل نبي كان يخاطب قومه ويخصهم بالذكر دون غيرهم. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ. . .﴾ [نوح: ١]، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ. . .﴾ [الأعراف: ٦٥]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ﴾ [الأعراف: ٧٣]. ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ. . .﴾ [الأعراف: ٨٥]، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ٥]. ورسالة عيسى ﵇ خاصة لبني إسرائيل. قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]. وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].

стр. 3549

٣ - الوضوح: مما تتميز به رسالة الإسلام في أصولها وقواعدها ومصادرها ومنابعها وأهدافها وغاياتها ومناهجها ووسائلها. وأول ما يبدو لنا واضحًا في أصول الإسلام وقواعده عقيدة التوحيد التي لا مكان فيها لتأليه بشر أو حجر. ولذلك كان نداء الإسلام الأول لأهل الكتاب قوله تعالى ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [آل عمران: ٦٤]. ٤ - حفظ الله للقرآن الكريم: إذا نظرنا نظرة واقعية إلى نصوص الكتب المقدسة قبل نزول القرآن الكريم يتضح أنها متضاربة تختلف في الأمر الواحد وذلك للأسباب الآتية: ١ - ضياع النص الأصلي المنزل على الأنبياء. ٢ - فقدان السند. ٣ - تعدد الروايات في القضية الواحدة وتضاربها. ٤ - تدخل أيدي البشر بالتحريف والتبديل بالزيادة تارة والنقصان تارة أخرى وليس أدل على تحريفها وتدخلهم في تبديلها وتغييرها من شهادة الله تعالى عليهم وهو خير الشاهدين، قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ [آل عمران: ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٩]، وغير ذلك من الآيات. أما القرآن الكريم فاختص الله بحفظه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، فضلًا عن أن القرآن الكريم كتاب معجز. (١) الوجه الرابع: بيان بعض أوجه الاتفاق والاختلاف في الشرائع .

стр. 3550

وليس معنى ذلك أن الشرائع تختلف اختلافًا كليًا، فالناظر في الشرائع يجد أنها متفقة في المسائل الأساسية، وقد سبق ذكر ذلك في الأهداف العامة للرسالات وإنما الاختلاف يكون في بعض التفاصيل (الفروع) فأعداد الصلوات وشروطها وأركانها ومقادير الزكاة ومواضع النسك ونحو ذلك قد تختلف من شريعة إلى شريعة وقد يحل الله أمرًا في شريعة لحكمة ويحرمه في شريعة أخرى لحكمة، وهذه بعض الأمثلة: أولًا: الصلاة فكانت معروفة عند الرسل السابقين وأتباعهم كما قال الله تعالى بعد ذكر الحديث عن إبراهيم ﵇، وأن الله وهب له إسحاق ويعقوب، قال سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، ولذا قال إبراهيم ﵇ كما قال الله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠)﴾ [إبراهيم: ٤٠]. وفي حق شعيب ﵇ حيث قال له قومه كما قال سبحانه: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٨٧]. وفي حق إسماعيل ﵇ حيث قال سبحانه: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٥٥]. وموسى ﵇ حيث قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وعيسى ﵇ حيث قال الله سبحانه على لسان عيسى ﵇: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]. وفي حق زكريا ﵇ قال الله سبحانه: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]. فالصلاة كانت معروفة عند إبراهيم ﵇: (فَصَلَّى إِبْرَاهِيمُ إِلَى الله، فَشَفَى الله أَبِيمَالِكَ وَامْرَأَتَهُ وَجَوَارِيَهُ فَوَلَدْنَ.) تكوين (٢٠/ ١٧). وإسحاق ﵇: (وَصَلَّى إِسْحَاقُ إِلَى الرَّبِّ لأَجْلِ امْرَأَتِهِ لأَنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا، فَاسْتَجَابَ لَهُ الرَّبُّ، فَحَبِلَتْ) تكوين (٢٥/ ٢١). موسى ﵇: (فَخَرَجَ مُوسَى مِنْ لَدُنْ فِرْعَوْنَ وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ) خروج (١٠/ ١٨).

стр. 3551

سليمان ﵇: (وَكَانَ لمَّا انْتَهَى سُلَيُمَانُ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَى الرَّبِّ بِكُلِّ هذِهِ الصَّلَاةِ وَالتَّضَرُّعِ) الملوك الأول (٨/ ٥٤) وفي شريعة عيسى ﵇: (وَكُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ فِي الصَّلَاةِ مُؤْمِنِينَ تَنَالُونَهُ) متى (٢١/ ٢٢). (وَفي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلَاةِ للهِ) لوقا (٦/ ١٢). (هؤُلَاءِ كُلُّهُمْ كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الصَّلَاةِ وَالطِّلْبَةِ، مَعَ النِّسَاءِ، وَمَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ، وَمَعَ إِخْوَتِهِ.) أعمال الرسل (١/ ١٤). (وَصَعِدَ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا مَعًا إِلَى الْهَيْكَلِ فِي سَاعَةِ الصَّلَاةِ التَّاسِعَةِ) أعمال الرسل (٣/ ١). ١ - الصلاة في الشريعة الإسلامية: ومن هنا نلاحظ أن الصلاة كانت مفروضة على من قبلنا كما فرضت على النبي ﷺ . لكن الاختلاف في الهيئة والصفة فعندنا في شريعتنا وهي شريعة النبي ﷺ . التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم مع النية بشرائط مخصوصة. وقد ثبت فرضية الصلاة بالقرآن والسنة والإجماع، قال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقال ﷺ كما في حديث ابن عمر: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ" (١). وهي محددة بمواقيت قال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. وهي خمس صلوات كما عند الجمهور كما جاء في الحديث الأعرابي: أخبرني ما فرض الله علي من الصلوات؟ فقال: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ" (٢). وإنها محددة بعدد ركعات على ما فيها من سجود وركوع وقيام.

стр. 3552

قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن صلاة الظهر أربع ركعات يخافت فيها بالقراءة، ويجلس فيها جلستين في كل مثنى جلسة للتشهد، وأن عدد صلاة العصر أربع كصلاة الظهر لا يجهر فيها بالقراءة، ويجلس فيها جلستين في كل مثنى جلسة للتشهد، وأن عدد صلاة المغرب ثلاث يجهر في الركعتين الأولتين منها بالقراءة ويخافت في الثالثة، ويجلس في الركعتين الأولتين جلسة للتشهد وفي الآخرة جلسة، وأن عدد صلاة العشاء أربع، يجهر في الركعتين الأولتين منها بالقراءة، ويخافت في الأخريين ويجلس فيها جلستين كل مثنى جلسة للتشهد، وأن عدد صلاة الصبح ركعتان يجهر فيهما بالقراءة ويجلس فيها جلسة واحدة للتشهد هذا فرض المقيم، فأما المسافر ففرضه ركعتان إلا صلاة المغرب؛ فإن فرض المسافر في صلاة المغرب كفرض المقيم (١). ومن هنا نلاحظ أن الشريعة الإسلامية حددت عدد الصلوات ومواقيت الصلوات وكيفية كل صلاة. هذا بخلاف ما فعله اليهود والنصارى في دينهم فقد بدلوا وغيروا وأضافوا ونقصوا. وإليك بعض الحديث عن ذلك. الصلاة في المسيحية منها ما هو فردي يقوم به المسيحي وحده ومنها جماعي. العبادة الفردية: هي العبادة الخاصة التي يكملها شخص أو أكثر في الكنيسة أو في أي مكان ولا تخضع لأي نظام فيكون للمسيحي أن يصلي في البيت أو الشارع أو ساحة المدرسة. وأما العبادة الجماعية: فهى العبادة العامة التي تكملها الجماعة في الكنيسة على الغالب بقيادة كاهن وحسب ترتيب معين. التسابيح السبع: تتضمن الخدمة التسبيحية سبع خدم إلهية تقام كل يوم. . . فهي صلاة نصف الليل، صلاة السحر والساعة الأولى، صلاة الساعة الثالثة، السادسة، التاسعة، الغروب، النوم يقول الدكتور أحمد شلبي: وليس للصلاة المسيحية ترتيب خاص وإنما هي أدعية تختلف من مكان إلى مكان. وغاية ما يلزم أن تحويه أن تكون على نسق الصلاة الربانية.

стр. 3553

يقول المستشار الطهطاوي: لا يوجد لدى المسيحيين نص عن عدد معين من الصلوات كل يوم أو مواقيت لها إلا أنهم يتشبهون ويقتبسون من اليهود العدد والوقت للصلاة. لذا قرروا لهم صلاتين إحداهما في الصباح والأخرى في المساء. (١) وعلى هذا فهم يكثرون من الصلاة ويستندون في ذلك على ما جاء في لوقا (وَقَالَ لهُمْ أَيْضًا مَثَلًا فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلَا يُمَلَّ) لوقا (١٨/ ١). وكما جاء في آخر رسالة بولس إلى أهل تسالونيكي (صلوا بلا انقطاع). رسالة بولس إلى تسالونيكي (٥/ ١٧). لذا ازدادوا فيها سبع صلوات في اليوم والليلة وهي كالآتي: صلاة البكور، صلاة الساعة الثالثة، صلاة الساعة السادسة، صلاة الساعة التاسعة، صلاة الساعة الحادية عشر، صلاة الساعة الثانية عشر، صلاة منتصف الليل. (٢) ثانيًا: الصوم . ١ - الصوم في الشريعة الإسلامية: هو الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الشمس إلى غروب الشمس مع نية التعبد لله تعالى. وصيام رمضان فرض على كل مسلم بالغ عاقل صحيح مقيم وهو ركن من أركان الإسلام دل على وجوبه الكتاب والسنة والإجماع. أما من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]. ومن السنة حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال: "قَالَ رَسُولُ الله ﷺ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ" (٣).

стр. 3554

وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على أن الصوم ركن من أركان الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة بحيث يكفر منكره، وأنه لا يسقط على المكلف إلا بعذر من الأعذار الشرعية المعتبرة (١). وعلى هذا فقد أصبح الفرض هو شهر رمضان، وأما غيره من الأيام فهو من المستحبات. والصوم كان مفروضًا على من قبلنا كما قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. . .﴾ [البقرة: ١٨٣]. كما قال قتادة في تفسيرها: كتب شهرُ رمضان على الناس، كما كُتب على الذين من قبلهم. قال: وقد كتب الله على الناس قبل أن ينزل رمضانُ صَوْمَ ثلاثة أيام من كل شهر (٢). هذا وقد كان النبي ﷺ يصوم يوم عاشوراء؛ فلما ذهب إلى المدينة فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى الله بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى قَالَ: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ" (٣). فلما فرض رمضان ترك النبي ﷺ الأمر في صيام عاشوراء ولم يأمر الصحابة بذلك وبقي الأمر على الاستحباب (٤). وكان معروفًا في زمن داود ﵇: حيث قال ﷺ : "أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ كانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا" (٥). والصوم كان معروفًا قبل النبي ﷺ ، وجاء النبي ﷺ ليضع له المعالم ويضبطه بالضوابط وهكذا كما هو معلوم في كتب السنة. وأما اليهود والنصارى فحرفوا وبدلوا وجعلوه أعيادًا حسب ما يراه الأحبار والرهبان وقد ينقلونه إلي أيام أخر إذا تعارض مع المصلحة ويزيدون وينقصون كذلك.

стр. 3555

ثالثًا: الحج ١ - الحج في الشريعة الإسلامية: هو قصد بيت الله الحرام لأداء عبادة نحصوصة في زمن مخصوص بكيفية مخصوصة. والحج فرض عين على كل مكلف مستطيع في العمر مرة. وهو ركن من أركان الإسلام وقد ثبت فرضيته بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقد قال : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وأما من السنة: فقد وردت أحاديث كثيرة جدًّا بلغت حد التواتر تفيد اليقين والعلم القطعي الجازم بثبوت هذه الفريضة. ومن ذلك حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ" (١). وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على وجوب الحج (على المستطيع) مرة واحدة في العمر وهو المعلوم بالدين بالضرورة يكفر جاحده (٢) والحج له مواقيت: إما زمانية أو مكانية: والزمانية: هي كما قال سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي: لا يصح شيء من أعمال الحج إلا فيها. والمكانية: فهي كما في حديث ابن عباس قال: "وقت رسول الله ﷺ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الْجُحْفَةَ وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ. . ." (٣)، وفي حديث عائشة ﵂ "أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق" (٤). هذا وللحج أركان لا يصح إلا بهما، وهي عند الجمهور أربعة: الإحرام، والوقوف

стр. 3556

بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة. وله واجبات وسنن ومحظورات وضحت كتب السنة كل ذلك. وقد حج النبي ﷺ حجة الوداع، ورواها لنا مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵁. هذا والحج كان قديمًا قبل بعثة النبي ﷺ فهي دعوة إبراهيم ﵇ حيث أمره الله بالآذان بالحج، قال سبحانه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ [الحج: ٢٧]، فكان في شريعة إبراهيم ﵇، هذا وكانت مناسك الحج معروفة قديمًا على عهد الأنبياء قبل نبينا ﷺ . ففي حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: "أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ فَقَالُوا هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ. قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﵇ هَابِطًا مِنْ الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى الله بِالتَّلْبِيَةِ، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى فَقَالَ: أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ قَالُوا ثَنِيَّةُ هَرْشَى قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِّي" (١). وأهل قريش كانوا يحجون استنادًا إلى ملة إبراهيم غير أنهم كانوا يشركون فكانوا يطوفون عراة يصفقون ويصفرون كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]، ولذلك أرسل رسول الله ﷺ أبا بكر في الحجة التي أمّره عليها قبل حجة الوداع أن يؤذن في الناس يوم النحر"لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ" (٢). وكانوا يلبون لكن كانوا يشركون بالله في التلبية كما عند مسلم من حديث ابن عباس ﵁ قال: "كَانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ الله ﷺ وَيْلَكُمْ قَدْ قَدْ فَتقُولُونَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ" (٣). إلى غير ذلك مما يحدث من أمور الشرك، فجاء النبي ﷺ ليوضح لهم شريعة الله في الحج فتعلم الصحابة ونقلوا هذه الشعيرة إلينا كما تعلموها وهكذا ينقلها الخالف عن

стр. 3557

السالف، وها أنا أوضح كيف بدل وحرف اليهود والنصارى في هذه الشعيرة التي لم تصبح عبادة؛ وإنما صارت عادة نظمها لهم أحبارهم ورهبانهم على حسب الأهواء لنعلم أن الشريعة الإسلامية هي المنهج الأسمى للبشر. ٢ - الحج عند اليهودية (العهد القديم): لو أننا يممنا وجوهنا شطر شعيرة الحج في اليهودية والنصرانية لتبين لنا بوضوح الفروق الجوهرية بين الشعيرة في الرسالات الثلاث بل لا نغالي إذا قلنا: إن الحج كشعيرة لا وجود له في اليهودية والنصرانية المحرفتين، فليس في اليهودية حج بالمعنى الذي يسبق إلى الذهن، وإنما هو مجرد أعياد مرتبطة بمواسم الحصاد. فيتعين على كل يهودي أن يحج ثلاث مرات في العام إلى القدس (عيد الفصح، وعيد الأسابيع، وعيد المظال) ولذا تسمى الأعياد (أعياد الحج)، وهذا ما جاء في سفر الخروج، (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تُعَيِّدُ لِي فِي السَّنَةِ. ١٥ تَحْفَظُ عِيدَ الْفَطِيرِ. تَأْكُلُ فَطِيرًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ كَمَا أَمَرْتُكَ فِي وَقْتِ شَهْرِ أَبِيبَ، لأَنَّهُ فِيهِ خَرَجْتَ مِنْ مِصْرَ. وَلَا يَظْهَرُوا أَمَامِي فَارِغِينَ. ١٦ وَعِيدَ الْحَصَادِ أَبْكَارِ غَلَّاتِكَ الَّتِي تَزْرَعُ فِي الْحَقْلِ. وَعِيدَ الْجَمْعِ فِي نِهَايَةِ السَّنَةِ عِنْدَمَا تَجْمَعُ غَلَّاتِكَ مِنَ الْحَقْلِ. ١٧ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي السَّنَةِ يَظْهَرُ جَمِيعُ ذُكُورِكَ أَمَامَ السَّيِّدِ الرَّبِّ). خروج (٢٣/ ١٧: ١٤)، ويراجع سفر التثنية (١٦/ ١٧: ١). وكان اليهود يقدمون في حجهم قربانًا مشويًا للهيكل (الشواء) حيث كان يحرق تمامًا، فلا يبقي منه شيء للكهنة، وكان اليهود يحجون إلى مكان غير القدس يسمى (شيلوه)، وحين دخل داود القدس أصبحت مكانًا للعبادة الإسرائيلية والمكان الذي إليه أعضاء جماعة إسرائيل، وقد أسس ملوك المملكة الشمالية هيكلًا حتى لا يحج أحد منها إلى القدس في المملكة الجنوبية، وبعد هد الهيكل توقف الحج وبخاصة في عيد المظال (١). ٣ - الحج في المسيحية (العهد الجديد): ما قيل في اليهودية يقال في المسيحية فليس في المسيحية الحالية شعيرة يمكن أن يطلق عليها اسم الحج كما هو الحال في شعيرة الحج في الإسلام في كمالها وشمولها ووضوحها.

стр. 3558

فلم يرو ولم تشر الأناجيل إلى ذلك ولم تظهر هذه العبارة في الكتابات المسيحية الأولى وكبقية العبادات خضعت هذه العبادة أو الشعيرة لاختراعات وابتداعات من قبل اللاهوتيين المسيحيين وخاصة البابا. والحج المسيحي إلي القدس ليس فريضة من الفرائض المنصوص عليها في المسيحية وإنما نشأ بعد الإمبراطورة هيلانة أم الإمبراطور قسطنطين. وقد زارت القدس سنة ٣٢٤. وعثرت على الصليب الحقيقي كما تذكر بعض الروايات الضعيفة وصعدت هيلانة إلي مرتبة القداسة فعرفت بالقديسة. وليس لهذا الحج طقوس أو مناسك، وباعتبار أن المسيح ﵇ قد ولد في فلسطين ورفع إلى السماء منها فقد أنشئت كنيسة في الناصرة وكنيسة القيامة في مدينة القدس وكذلك كنيسة أخرى في بيت لحم. واعتبر المسيحيون كل بقعة تجول فيها المسيح مكانًا مقدسًا. وراح اللاهوتيون مع مرور السنين يفلسفون مفهوم الحج بأنه زيارة واجبة على كل مسيحي إلى تلك الأماكن المقدسة. وأما مزارات الحج المسيحي: ففي المسيحية عدة أماكن يقصدها المسيحيون لحجهم: ١ - الحج إلى مدينتي القدس وروما: وهي من أعظم مزارات الحج المسيحي باعتبار مولد صاحب الديانة والمركزية الدينية لهذه الديانة. ٢ - الحج إلى مدينة (تريفس): وهي مدينة ألمانية يعتقد أن بها قميص المسيح الذي كان يرتديه. ٣ - الحج إلي كنيسة (لودره) بفرنسا: والحج إليها ناتج عن إشاعة تقول: إن العذراء ظهرت لاثنين من رعاة مدينة لودره، وعلى مقربة من الكنيسة عين ماء يعتقدون أنه ماء مبارك يشفي المرضى. (١) الوجه الخامس: ما هي فائدة الإنجيل بعد التوراة؟ وما هي فائدة تكرار الأناجيل ؟ هذا سؤال يطرح نفسه الآن إذا كنتم تقولون بأن الذي قيل للنبي ﷺ هو نفس الذي قيل للأنبياء من قبله، فما هي فائدة القرآن؟ والجواب: زيادة ما تقدم أقول من نفس سؤالكم: فما هي فائدة الإنجيل بعد التوراة؟

стр. 3559

مع أن يسوع قال: لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. ١٨ فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لَا يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. ١٩ فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ) متى (٥/ ١٩: ١٧). ودقق في هذا اللفظ الذي ذكر عليك. ومع هذا الذي أنقله أيضًا عن يسوع حيث قال: (قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل. . . . وأما أنا فأقول لكم. . . . . . قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن. . . . . . . وأما أنا فأقول لكم. . . . . . . وقد قيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق وأما أنا فأقول لكم. . . . . .). متى (٥/ ٤٨: ٢١). أظنك لاحظت الفرق، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فما هي فائدة تكرار الأناجيل وبعضها مقتبس من بعض بالحرف والتركيب. . . . . .؟ ولا أرى مثلًا إلا كما قال سبحانه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]. * * *

стр. 3560

سورة الشورى وفيها: ١ - شبهة: استغفار الملائكة للبشر. ٢ - شبهة: هل سيُبصر العصاة والظالمون يوم القيامة أم لا؟ .

стр. 3561

١ - شبهة: استغفار الملائكة للبشر . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿لَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا. . .﴾ [غافر: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]. قالوا: كيف يستغفرون لمن في الأرض وفيهم الكفار والمنافقين. ثم قالوا وأنكروا استغفار الملائكة أو شفاعتهم لهم، وإذا صح ذلك فلماذا أرسل الرسل؟ وما هي منافعهم؟ والجواب من هذه الوجوه: الوجه الأول: أهمية إرسال الأنبياء والرسل . الوجه الثاني: علاقة الملائكة بالصالحين من بني آدم. الوجه الثالث: آية الشورى خصصت بآية غافر فلا تعارض. الوجه الرابع: الملائكة في سورة الشورى أعم من الملائكة في سورة غافر. الوجه الخامس: الاستغفار بمعنى طلب الهداية لهم، وليس لمغفرة ذنوبهم. الوجه السادس: بيان أنه لا يجوز الاستغفار للمشركين إذا ماتوا على الشرك. الوجه السابع: علاقة الملائكة بالبشر عندهم في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: أهمية إرسال الأنبياء والرسل. ونتحدث في هذا الوجه على أهمية الأنبياء والحاجة إليهم وهذا في مباحث: المبحث الأول: حاجة الناس للأنبياء والرسل: أولًا: لقد خلق الله تعالى الإنسان وزوده بوسائل المعرفة؛ ليكون خليفة في الأرض حتى يعمرها ويسخر ما فيها لمعيشته ومن ثم يتخذها مقرا لعبادة الله تعالى. ثانيًا: إن الإنسان رغم ما زوده الله تعالى به من وسائل معرفية إلا أنه لا يستطيع

стр. 3562

الإحاطة في معرفته إلا بالقدر اليسير من كثير مما حوله في هذا الكون الفسيح المحسوس المرتبط ارتباطا وثيقا بحياته ذلك أن أكثر ما في هذا الكون يدخل في عالم الغيب النسبي أو المطلق بالنسبة للإنسان مما يجعله في حاجة إلى مصدر عليم بأمر الكون حتى يزوده بمعلومات تزيح عنه الستر وتكشف عنه بعض الغيب. ثالثًا: لما كان الإنسان مفطورًا على عبادة الله تعالى، كما أنه مأمور بذلك وجوبًا لزم أن تكون تلك العبادة على علم بالمعبود وهو الله تعالى وهذا العلم لا يمكن الوصول إليه مفصلًا بالعقول المجردة، كما أن العبادة لا يمكن معرفة كيفيتها بالعقول المجردة، وبذلك يكون الإنسان بحاجة دائمة إلى خبر من مصدر موثوق يمكنه من معرفة الله تعالى وكيفية عبادته. رابعًا: إن الإنسان كائن اجتماعي لا يمكنه العيش منعزلًا عما حوله من كائنات وموجودات، فهو كذلك بحاجة إلى قواعد ونظم لترتيب حياته الفردية والاجتماعية والأسرية وبدون هذه النظم تصبح هذه العلاقات قائمة على الفوضى والتنازع، وارتباط هذه القوانين والنظم بالتشريع الإلهي يضمن لها الثبات والاستقرار؛ لأنها تصدر عن عليم بخلقه مدرك لمصالحهم إدراكًا كاملًا مطلقًا، أضف إلى ذلك أن الإنسان قد استقر في وجدانه أنه لا بد من حياة أخرى يجازى فيها الناس على أعمالهم في هذه الحياة الدنيا فكان مقتضى الحكمة أن يبين الله تعالى ذلك لخلقه. خامسًا: الاتصال بين الله تعالى والإنسان يكون بواسطة الملائكة، ولكن لما كانت طبيعة الملائكة تختلف اختلافًا كاملًا عن البشر كان لا بد من وجود خصوصية في الصلة بين الملائكة وبين البشر؛ لذا قضى الله تعالى بحكمته البالغة أن يصطفي من البشر أفرادًا ذوي طبيعة خاصة ويعدهم إعدادًا خاصًا للتكيف مع طبيعة الاتصالط بالملائكة حتى تتنزل هذه الملائكة عليهم بأحكام الله تعالى عليهم. قال ابن تيمية: والرسالة ضرورية للعباد لا بد لهم منها وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء والرسالة روح العالم ونوره وحياته فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة، وهو من الأموات، قال الله تعالى: ﴿

стр. 3563

أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نورًا يمشى به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات، وسمى الله تعالى رسالته روحًا والروح إذا عدم فقد فقدت الحياة، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. فذكر هنا الأصلين وهما الروح والنور فالروح الحياة والنور النور. وحاجة العبد إلى الرسالة أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطب فإن آخر ما يقدر بعدم الطبيب موت الأبدان وأما إذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها مات قلبه موتًا لا ترجى الحياة معه أبدًا أو شقي شقاوة لا سعادة معها أبدًا فلا فلاح إلا بإتباع الرسول فان الله خص بالفلاح إتباعه المؤمنين وأنصاره كما قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، أي: لا مفلح إلا هم كما قال تعالى، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. فخص هؤلاء بالفلاح كما خص المتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم ويؤمنون بما أنزل إلى رسوله، وما أنزل من قبله، ويوقنون بالآخرة وبالهدى والفلاح، فعلم بذلك أن الهدى والفلاح دائر حول ربع الرسالة وجودًا وعدمًا، وهذا مما اتفقت عليه الكتب المنزلة من السماء وبعث به جميع الرسل ولهذا قص الله علينا أخبار الأمم المكذبة للرسل وما صارت إليه عاقبتهم وأبقى آثارهم وديارهم عبرة لمن بعدهم وموعظة وكذلك مسخ من مسخ قردة وخنازير لمخالفتهم لأنبيائهم وكذلك من خسف به وأرسل عليه الحجارة من السماء وأغرقه في اليم وأرسل عليه الصيحة وأخذه بأنواع

стр. 3564

العقوبات وإنما ذلك بسبب مخالفتهم للرسل وإعراضهم عما جاءوا به واتخاذهم أولياء من دونه وهذه سنته سبحانه فيمن خالف رسله وأعرض عما جاؤوا به واتبع غير سبيلهم (١). قال ابن القيم: ومن ها هنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا يُنال رضى الله البتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاؤوا به فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فُرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك وصار كالحوت إذا فارق الماء ووضع في المقلاة فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال بل أعظم ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي وما لجرح بميت إيلام. وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي ﷺ ، فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم (٢). وهذه الوجوه السابقة مجتمعة تؤكد الحاجة الأساسية لإرسال الرسل حتى يقوموا بتحقيق هذه الغايات. المبحث الثاني: لماذا كان الرسل من البشر ؟ ١ - إن البشر أقدر على القيادة والتوجيه، وهم الذين يصلحون قدوة وأسوة، وهذه الحكمة تظهر حين التأمل في رسالة أي رسول منهم.

стр. 3565

٢ - صعوبة رؤية الملائكة نسبة لاختلاف طبيعة الملائكة وطبيعة البشر؛ إذ الاتصال بالملائكة فيه عناء وجهد شديدين لا يحتمله جميع البشر، فقد جاء في الحديث إن الرسول ﷺ كان يعاني من التنزيل شدة، وكان إذا نزل عليه الوحي تغير لونه، وتصبب عرقه، وارتعدت فرائصه، وكان من حوله يرون ذلك فيه، فكان إرسالى الرسل من البشر ضروريًا كي يتمكنوا من مخاطبتهم، والفقه عنهم والاختلاط بهم، ولو أرسل الله ملائكة لما أمكنهم ذلك. ٣ - إن الرسالة تقوم على تكليف المرسل إليهم ودعوتهم لامتثال ما يأمرهم به الرسول، فلو كان الرسول من الملائكة لأمكن الناس أن يحتجوا بعدم قدرتهم على هذه التكاليف نسبة لاختلاف طبيعة اللك المرسل؛ إذ يرون أنهم لا يستطيعون تحمل تلك التكاليف؛ لأنها لا تناسب طبيعتهم، لذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ [الإسراء: ٩٤، ٩٥]. المبحث الثالث: وظائف الرسل: لقد اصطفى الله تعالى رسله للقيام بوظائف محددة باعتبارهم سفراء الله تعالى إلى عباده وحملة وحيه وتتمثل هذه الوظائف في الآتي: أولًا: البلاغ المبين: وهذه الوظيفة بالضرورة هي المهمة الأساسية للرسل إذ ما بعثهم الله تعالى إلا لإبلاع الناس ما نزل إليهم من ربهم وقد جاء في القرآن الكريم ثلاث عشرة آية تنص على أن مهمة الرسول إنما هي (البلاغ) وقال الله تعالى آمرا رسوله ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، والبلاغ يحتاج إلى الشجاعة وعدم الخوف من الناس، لأن الرسول يأتي بما يخالف أهواء الناس ويهدد مركز قادتهم وكبراءهم المسيطرين على الناس بالباطل ويأمرهم بما يستنكرون ويكرهون لأنه خلاف ما اعتادوه، لذلك امتدح الله تعالى رسله قائلًا: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩].

стр. 3566

والرسول في بلاغه لرسالات الله تعالى مؤتمن في أدائه فلا يزيد فيها ولا ينقص منها ولو كان الأمر متعلقًا به شخصيًا وأوضح مثال على ذلك ما تكرر في القرآن الكريم من عتاب للنبي ﷺ في أكثر من موقف من ذلك حين أعرض عن عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى الذي جاءه يسأله في أمور دينه فأعرض عنه النبي ﷺ منشغلًا بدعوة بعض كبراء قريش فعاتبه الله تعالى في ذلك بقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١, ٢]. ثانيًا: دعوة الناس إلى الدين الحق ببيان ما يجب عليهم: وهذه الوظيفة تعد من كمال البلاغ لذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] لأنه الذي يبين للناس الحق من الباطل ويدعوهم لإتباع الحق. وأعظم الحقائق التي دعت إليها الرسل جميعًا: توحيد الله تعالى وإفراده بالخلق والملك والتدبير والعبادة قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٧]، وقال الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقد ذكر الله تعالى أن الرسل قالوا لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٥٠]، كما أن الرسل ﵈ يقومون بتعريف الناس بإلههم الواحد الأحد وصفاته وقد جاء ذلك في القرآن الكريم بأوجز عبارة في سورة الإخلاص قال الله تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾. ويقوم الرسل بتصحيح كل ما يخالف هذا الاعتقاد في الله تعالى، مثل جعل شريك له في ملكه أو خلقه أو عبادته، أو جعل صاحبة له أو جعل ولد له، أو نسبة البنات إليه، فقد قال المسيح عيسى ابن مريم ﵇ لقومه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]، ولما طلب قوم موسى منه أن يجعل لهم إلها مثل الآلهة الصنمية التي رأوها عند المشركين قال الله تعالى حكاية عنه في ذلك: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)

стр. 3567

إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠)﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٤٠]. وإضافة إلى ذلك فإن الرسل يقومون بتعليم الناس شئون عباداتهم وشعائرهم من صلاة وصيام وحج وزكاة وأحكام هذه العبادات مع التطبيق العملي النموذجي من الرسول كما قال الرسول ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقال ﷺ في حجة الوداع التي مات بعدها: "يا أيها الناس خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" (١). ولا يقتصر الأمر على تطبيق الشعائر فقط بل يدعوهم إلى إتباعه وتطبيق جميع ما أنزل الله تعالى إليهم دون أن يجعلوا شيئا من تشريعاتهم لغير الله تعالى قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ٣]، ثم إن الرسل في جميع ما يدعون الناس إليه يمثلون القدوة الحسنة والمثال المحتذى فهم يلتزمون بكل ما يأمرون الناس به ويجعلونه سلوكًا عامًا لهم في حياتهم لذلك قال الله تعالى بعد أن سرد سيرة كثير من الأنبياء في القرآن الكريم قال مخاطبا رسوله الكريم محمد ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وقال مخاطبا أمة محمد ﷺ والناس أجمعين: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ثالثًا: إقامة الحجة: لا أحد أحب إليه العذر من الله فلذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل كي لا يبقى للناس حجة يوم القيامة قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥]، وفى يوم القيامة عندما يجمع الله الأولين والآخرين يأتي الله لكل أمة برسولها ليشهد عليها بأنه بلغها رسالة ربها وأقام عليها الحجة قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]، ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)﴾ [النحل: ٨٤]، ولذلك فإن الذين يرفضون إتباع

стр. 3568

الرسل لا يملكون إلا الاعتراف بظلمهم، قال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾ [الأنبياء: ١١ - ١٥]. رابعًا: التبشير والإنذار: إن الحياة الدنيا دار عمل ومزرعة للآخرة، وقد أرسل الله تعالى رسله وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وقد بين الله تعالى أنه ما خلق الجن والإنس إلا لعبادته قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ ولما أنزل الله تعالى آدم ﵇ إلى الأرض هو وإبليس قال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤]، فلما كانت الغاية الأساسية من وجود الإنسان حياته الدنيا هي طاعة أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه وكانت رسل الله تعالى هي المبينة لتلك الأحكام والمبلغة عن الله تعالى لزم أن تكون من مهام الرسل الكرام ﵈ مهمة التبشير لمن اتبع أوامر الله تعالى بالفوز الكبير في الدنيا والآخرة، والإنذار لمن خالف أوامره بالوعيد الشديد والعذاب الأليم في الآخرة حتى تقوم الحجة على الناس كما قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الكهف: ٥٦]. وهذه الوظيفة تقتضيها حكمة الله تعالى وكمال عدله ولطفه بعباده؛ إذ إنه لا يتركهم سدى حتى يبين لهم ما يتقون فلا يؤخذون على حين غرة وغفلة بل كما قال الله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]، ومن كمال رحمته وعدله أنه تكفل ببيان صنوف النعيم وألوان المتع التي أعدها لعباده المؤمنين كما بين أنواع العذاب المهلك التي أعدها للمجرمين الكافرين.

стр. 3569

خامسًا: تقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائفة: لقد خلق الله تعالى عباده حنفاء ولكن جاءتهم الشياطين فاجتالتهم وانحرفوا عن الفطرة السليمة التي كانوا عليها، ولا تزال شياطين الجن والإنس يزينون لهم الباطل ويثيرون فيهم الشبه والضلالات ولأجل ذلك يرسل الله تعالى رحمة منه رسله كلما زاغ الناس عن الطريق المستقيم قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي: كان الناس أمة واحدة على التوحيد والإيمان وعبادة الله تعالى وحده فاختلفوا فأرسل الله تعالى النبيين مبشرين ومنذرين. ودعوة الرسل جميعا تقوم على التوحيد الخالص لله تعالى إلا أن كل رسول يختص بتقويم الانحراف الحادث في عصره وموطنه ذلك أن الانحراف على الصراط المستقيم يختلف باختلاف ظروف الزمان والمكان فنوح ﵇ أنكر على قومه عبادة الأصنام التي كانت عامة فيهم وكذلك إبراهيم ﵇ إضافة إلى أنه أنكر على قومه الاستعلاء في الأرض والتجبر فيها. وصالح ﵇ أنكر على قومه الفساد في الأرض وإتباع المفسدين. ولوط ﵇ حارب الشذوذ الجنسي المتفشي في قومه وشعيب ﵇ قاوم جريمة الإفساد الاقتصادي المتمثل في تطفيف المكيال والميزان، وموسى ﵇ وقف في وجه النزعة المادية التي انحرف إليها بنو إسرائيل، ولما كان محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين فقد جاءت رسالته عامة شاملة لكل أسس التقويم والهداية التي جاءت في الكتب السماوية وزائدة عليها حتى تكون صالحة لكل زمان ومكان كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾. وقد جاءت رسالة الإسلام - حتى تناسب ختم الرسالات - جاءت مرنة تصلح لكل زمان ومكان وبيان ذلك أن العقائد والعبادات في الإسلام جاءت بها نصوص قطعية مفصلة ثابتة لا تقبل التبديل ولا التعديل؛ لأن العقائد والعبادات في ذاتها لا تتبدل بتبدل الزمان ولا تختلف باختلاف الأعراف كما أن هيئات العبادات مناسبة لكل البشر في جميع العصور. أما الأوضاع الدستورية والمعاملات المادية والأحوال الإرادية التي يؤثر فيها تبدل الزمان والمكان واختلاف الأعراف فقد جاءت بها نصوص عامة كأسس ودعائم،

стр. 3570

بينما ترك لاجتهاد الناس أن يضعوا فيما يتعلق بها أحكاما لكل زمان ما يصلح له ويناسبه بشرط المحافظة على هذه القواعد. وسبب آخر لختم الرسالات بالإسلام هو أن الأمم على عهد الرسل الأولين تعيش في عزلة لا تقارب بينهما ولا اتصال إلا على الوسائل البدائية، لكن الوضع تغير كثيرا بعد رسالة محمد ﷺ ، فأصبحت المسافات مطوية والاتصال الأممي واقع - لا سيما في العهود المتأخرة - مما جعل حمل الرسالة إلى جميع من في الأرض متاحا فاقتضت حكمة الله تعالى ختم الرسالات بالإسلام كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. سادسًا: تدبير شئون الأمة عامة وسياسة أمرها: إن المؤمنين بالرسل يكونون جماعة وأمة والجماعة لا يستقيم لها أمر إلا أن تكون تحت إمرة زعيم تدين له بالطاعة وتوكل إليه تدبير شئونها ورعاية مصالحها وتحقيق غاياتها وأهدافها ولما كان الرسول هو رمز الأمة وهاديها في شئون دينها إلى ربها لزم أن يكون قائدها في شئون دنياها حتى لا تنفصم عراها وتهن قواها بالصراع الموهوم بين السلطة الدينية والسلطة السياسية فالرسول يؤسس شئون الأمة جميعًا بهدى من الكتاب منير كما قال الله تعالى لداود ﵇: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ وقال الله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾ وقال رسول الله ﷺ : "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي قام نبي"، وقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. والأنبياء في سياستهم هذه يمتازون بالآتي: ١ - أنهم لا يعبرون بمواقفهم وسياستهم عن أهوائهم وتصوراتهم الخاصة بل هم في ذلك منقادون لوحي الله تعالى العليم الخبير بشئون عباده قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾، وقال الله تعالى ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ

стр. 3571

اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ فما يدعون الناس إليه من مثل وقيم ومبادئ وسلوك عملي ليسوا متأثرين برؤيتهم الشخصية كالزعماء والمصلحين العاديين ولا بالقصور البشري الذي يعتري أفهام البشر وسلوكهم. ٢ - أنهم لا يتعاملون مع الحلول الجزئية والمشكلات الجزئية وإنها يتعاملون مع الجذور الأصلية العميقة ويبحثون عن مكان الداء لاجتثاثه من أصله فلا يعالجون المشاكل بمعزل عن مثيلاتها ومسبباتها بل ينظرون إلى الأمور نظرة كلية شاملة واضعين في اعتبارهم طبائع النفوس البشرية. ٣ - إن الحلول التي يقدمها الرسل ليست حلولًا نظرية أو تصورات عقلية مجردة كما تفعل الفلاسفة وإنما هي مناهج عملية منزَّلة من لدن حكيم خبير عليم بأحوال البشر والمجتمعات البشرية كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ ولذلك قدم الرسل نماذج راقية في قيادة المجتمعات إلى ما فيه صلاح الدنيا والآخرة، وهذا النجاح مكفول لكل من سلك سبيل الأنبياء في هديهم وقيادتهم للأمم قال الله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]. ٤ - إن الأنبياء في سياستهم يمثلون القدوة الصالحة لأممهم حيث تتمثل مبادئهم وقيمهم في سلوكهم وسياستهم فهم يرتفعون عن النقائص والعيوب الشائنة التي تشوب المصلحين العاديين بما فيهم من بذور حب التزعم والسيطرة والاستغلال والتسخير للمصالح الشخصية وغير ذلك من النقائص وقد وصف الله رسوله ﷺ مثنيا عليه وعلى المؤمنين بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ٥ - إن الأنبياء وهم يسوسون شعوبهم لا يجعلون حياتهم منصرفة لمتاع الدنيا أو الالتباس الشديد بالماديات غافلين عن النواحي الروحية، بل هم في غمرة السياسة يذكّرونهم بالله تعالى ويربطون قلوب العباد بخالقهم فتسمو نفوسهم وتصفو قلوبهم وترقى غاياتهم كما قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا

стр. 3572

أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٧٧]، وقد ترسخت هذه القيم العالية والأهداف السامية حتى إن صحابة رسول الله ﷺ جعلوها ضمن أهدافهم عند دعوة عباد الله تعالى في الأرض إلى دين الله تعالى، فهذا ربعي بن عامر حين دخل على كسرى عظيم الروم عندما سأله كسرى: من أنتم؟ فأجابه: لقد بعثنا الله تعالى لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ومن ظلم الحكام إلى عدل الإسلام، ثم إن خلفاء الرسل يخلفونهم في تولي شئون العباد فيحكمون بمنهج الرسل ويسوسون الناس على سنن من هديهم كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾، وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وأولو الأمر هم العلماء والحكام. ولكن الذين يتولون الأمر من بعد الرسول يجب عليهم الالتزام بقواعد الشرع في سياساتهم وأن يتبعوا سنة الرسول ﷺ في ذلك كما قال رسول الله ﷺ "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" فطاعة أولي الأمر ليست طاعة مستقلة، بل هي تبع لطاعة الرسول ﷺ ومقيدة بها كما قال رسول الله ﷺ : "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة"، وقال ﷺ : "لا طاعة لمن عصى الله"، فهذه القيادة ليست حكما يقوم على مفهوم (الدولة الدينية) المستقرة في أذهان الغرب نتيجة لترسبات تاريخية سابقة عن فترة كنسية مرتبطة بظروفها التاريخية والموضوعية وإنما الدولة في مفهوم الإسلام تقوم على أسس ومبادئ وقيم يلتزم بها كل من الحاكم والمحكوم وليس لحاكم عصمة في أن يفعل ما يشاء أو أن يتفرد بسلطة التشريع باسم النيابة عن الله تعالى ولا يتحكم في رقاب العباد باسم الوصاية والولاية على الشعب، بل هو مأمور بالمشاورة وأخذ الرأي في القضايا التي تمس جموع الأمة ويلتزم فيها برأي الجماعة ولو كان رأيهم خلافا لرأيه هو كما قال الله تعالى آمرا رسوله ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (١).

стр. 3573

الوجه الثاني: علاقة الملائكة مع الصالحين من بني آدم . فإن علاقة الملائكة بذرية آدم ﵇ علاقة وثيقة فهم يقومون عليه عند خلقه ويكلفون بحفظه بعد خروجه إلى الحياة ويأتونه بالوحي من الله ويراقبون أعماله وتصرفاته وينزعون روحه إذا جاء أجله. لكن أريد أن أوضح في هذه الوجه علاقة الملائكة مع صالحي بني آدم خصوصًا لأن العلاقة تختلف مع الصالحين وغير الصالحين (العاصين والمنافقين) إلى الكفار. فلا شك أن العلاقة مع الصالحين الموحدين علاقة حب ورحمة. وأما مع غيرهم فهي علاقة بغض وشدة. وإليك بعض هذه الصور الطيبة للعلاقة الصالحة: ١ - استغفارهم للصالحين: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سوقِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً. . . . ."، وفيه "وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ يَقُولُونَ اللهمَّ ارْحَمْهُ اللهمَّ اغْفِرْ لَهُ اللهمَّ تُبْ عليهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ" (١). قلت: فهذا أقوى الأدلة على استغفار الملائكة لصالحي البشر. وفي الباب أيضًا حديث على ﵁ قال: "ما من رجل يعود مريضًا ممسيًا إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة، ومن أتاه مصبحًا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يمسي، وكان له خريف في الجنة" (٢).

стр. 3574

٢ - شفاعتهم للموحدين عند الله: قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وفي حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ وهو حديث الرؤية الطويل وفيه ". . . فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون" (١). ٣ - محبتهم للمؤمنين: كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِذَا أَحَبَّ الله الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ" (٢). ٤ - تسديد المؤمن: فقد دعا النبي ﷺ لحسان بن ثابت وهو يدافع عن النبي ﷺ : "اللهمَّ أَيِّده بِرُوحِ الْقُدُسِ" (٣). ٥ - يصلون على المؤمنين: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤٣]. وهم يصلون على النبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وفي حديث البراء بن عازب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ" (٤). ٦ - التأمين على دعاء المؤمنين: وبهذا يكون الدعاء أقرب إلى الله تعالى. لأنهم لا

стр. 3575

يعصون الله ما أمرهم. ففي حديث أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ" (١). ٧ - شهودهم مجالس العلم وحلق الذكر وحفهم أهلها بأجنحتهم: ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لله ﵎ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا. . ." (٢). ٨ - تسجيل الملائكة الذين يحضرون الجمعة: كما في الصحيحين من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ في صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِى فَتقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ". (٣) قلت: فهذا قليل من كثير من أعمال الملائكة وخصوصًا مع المؤمنين وإلا فالأعمال كثيرة. ولذا فإن واجب المؤمن تجاه الملائكة هو عدم إيذاء الملائكة والبعد عن كل ما يؤذي الملائكة من الذنوب والمعاصي وموالاة الملائكة كلهم (٤). الوجه الثالث: آية الشوري خصصت بآية بغافر فلا تعارض . والمعني ويستغفرون للمؤمنين لمن في الأرض قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] هي خاصة بمن آمن من أهل الأرض. وممن قال به قتادة: حيث قال في تفسيرها (للمؤمنين منهم) (٥).
следующие страницы →