← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ فما يدعون الناس إليه من مثل وقيم ومبادئ وسلوك عملي ليسوا متأثرين برؤيتهم الشخصية كالزعماء والمصلحين العاديين ولا بالقصور البشري الذي يعتري أفهام البشر وسلوكهم. ٢ - أنهم لا يتعاملون مع الحلول الجزئية والمشكلات الجزئية وإنها يتعاملون مع الجذور الأصلية العميقة ويبحثون عن مكان الداء لاجتثاثه من أصله فلا يعالجون المشاكل بمعزل عن مثيلاتها ومسبباتها بل ينظرون إلى الأمور نظرة كلية شاملة واضعين في اعتبارهم طبائع النفوس البشرية. ٣ - إن الحلول التي يقدمها الرسل ليست حلولًا نظرية أو تصورات عقلية مجردة كما تفعل الفلاسفة وإنما هي مناهج عملية منزَّلة من لدن حكيم خبير عليم بأحوال البشر والمجتمعات البشرية كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ ولذلك قدم الرسل نماذج راقية في قيادة المجتمعات إلى ما فيه صلاح الدنيا والآخرة، وهذا النجاح مكفول لكل من سلك سبيل الأنبياء في هديهم وقيادتهم للأمم قال الله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]. ٤ - إن الأنبياء في سياستهم يمثلون القدوة الصالحة لأممهم حيث تتمثل مبادئهم وقيمهم في سلوكهم وسياستهم فهم يرتفعون عن النقائص والعيوب الشائنة التي تشوب المصلحين العاديين بما فيهم من بذور حب التزعم والسيطرة والاستغلال والتسخير للمصالح الشخصية وغير ذلك من النقائص وقد وصف الله رسوله ﷺ مثنيا عليه وعلى المؤمنين بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ٥ - إن الأنبياء وهم يسوسون شعوبهم لا يجعلون حياتهم منصرفة لمتاع الدنيا أو الالتباس الشديد بالماديات غافلين عن النواحي الروحية، بل هم في غمرة السياسة يذكّرونهم بالله تعالى ويربطون قلوب العباد بخالقهم فتسمو نفوسهم وتصفو قلوبهم وترقى غاياتهم كما قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا

стр. 3572

أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٧٧]، وقد ترسخت هذه القيم العالية والأهداف السامية حتى إن صحابة رسول الله ﷺ جعلوها ضمن أهدافهم عند دعوة عباد الله تعالى في الأرض إلى دين الله تعالى، فهذا ربعي بن عامر حين دخل على كسرى عظيم الروم عندما سأله كسرى: من أنتم؟ فأجابه: لقد بعثنا الله تعالى لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ومن ظلم الحكام إلى عدل الإسلام، ثم إن خلفاء الرسل يخلفونهم في تولي شئون العباد فيحكمون بمنهج الرسل ويسوسون الناس على سنن من هديهم كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾، وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وأولو الأمر هم العلماء والحكام. ولكن الذين يتولون الأمر من بعد الرسول يجب عليهم الالتزام بقواعد الشرع في سياساتهم وأن يتبعوا سنة الرسول ﷺ في ذلك كما قال رسول الله ﷺ "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" فطاعة أولي الأمر ليست طاعة مستقلة، بل هي تبع لطاعة الرسول ﷺ ومقيدة بها كما قال رسول الله ﷺ : "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة"، وقال ﷺ : "لا طاعة لمن عصى الله"، فهذه القيادة ليست حكما يقوم على مفهوم (الدولة الدينية) المستقرة في أذهان الغرب نتيجة لترسبات تاريخية سابقة عن فترة كنسية مرتبطة بظروفها التاريخية والموضوعية وإنما الدولة في مفهوم الإسلام تقوم على أسس ومبادئ وقيم يلتزم بها كل من الحاكم والمحكوم وليس لحاكم عصمة في أن يفعل ما يشاء أو أن يتفرد بسلطة التشريع باسم النيابة عن الله تعالى ولا يتحكم في رقاب العباد باسم الوصاية والولاية على الشعب، بل هو مأمور بالمشاورة وأخذ الرأي في القضايا التي تمس جموع الأمة ويلتزم فيها برأي الجماعة ولو كان رأيهم خلافا لرأيه هو كما قال الله تعالى آمرا رسوله ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (١).

стр. 3573

الوجه الثاني: علاقة الملائكة مع الصالحين من بني آدم . فإن علاقة الملائكة بذرية آدم ﵇ علاقة وثيقة فهم يقومون عليه عند خلقه ويكلفون بحفظه بعد خروجه إلى الحياة ويأتونه بالوحي من الله ويراقبون أعماله وتصرفاته وينزعون روحه إذا جاء أجله. لكن أريد أن أوضح في هذه الوجه علاقة الملائكة مع صالحي بني آدم خصوصًا لأن العلاقة تختلف مع الصالحين وغير الصالحين (العاصين والمنافقين) إلى الكفار. فلا شك أن العلاقة مع الصالحين الموحدين علاقة حب ورحمة. وأما مع غيرهم فهي علاقة بغض وشدة. وإليك بعض هذه الصور الطيبة للعلاقة الصالحة: ١ - استغفارهم للصالحين: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سوقِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً. . . . ."، وفيه "وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ يَقُولُونَ اللهمَّ ارْحَمْهُ اللهمَّ اغْفِرْ لَهُ اللهمَّ تُبْ عليهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ" (١). قلت: فهذا أقوى الأدلة على استغفار الملائكة لصالحي البشر. وفي الباب أيضًا حديث على ﵁ قال: "ما من رجل يعود مريضًا ممسيًا إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة، ومن أتاه مصبحًا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يمسي، وكان له خريف في الجنة" (٢).

стр. 3574

٢ - شفاعتهم للموحدين عند الله: قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وفي حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ وهو حديث الرؤية الطويل وفيه ". . . فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون" (١). ٣ - محبتهم للمؤمنين: كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِذَا أَحَبَّ الله الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ" (٢). ٤ - تسديد المؤمن: فقد دعا النبي ﷺ لحسان بن ثابت وهو يدافع عن النبي ﷺ : "اللهمَّ أَيِّده بِرُوحِ الْقُدُسِ" (٣). ٥ - يصلون على المؤمنين: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤٣]. وهم يصلون على النبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وفي حديث البراء بن عازب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ" (٤). ٦ - التأمين على دعاء المؤمنين: وبهذا يكون الدعاء أقرب إلى الله تعالى. لأنهم لا

стр. 3575

يعصون الله ما أمرهم. ففي حديث أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ" (١). ٧ - شهودهم مجالس العلم وحلق الذكر وحفهم أهلها بأجنحتهم: ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لله ﵎ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا. . ." (٢). ٨ - تسجيل الملائكة الذين يحضرون الجمعة: كما في الصحيحين من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ في صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِى فَتقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ". (٣) قلت: فهذا قليل من كثير من أعمال الملائكة وخصوصًا مع المؤمنين وإلا فالأعمال كثيرة. ولذا فإن واجب المؤمن تجاه الملائكة هو عدم إيذاء الملائكة والبعد عن كل ما يؤذي الملائكة من الذنوب والمعاصي وموالاة الملائكة كلهم (٤). الوجه الثالث: آية الشوري خصصت بآية بغافر فلا تعارض . والمعني ويستغفرون للمؤمنين لمن في الأرض قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] هي خاصة بمن آمن من أهل الأرض. وممن قال به قتادة: حيث قال في تفسيرها (للمؤمنين منهم) (٥).

стр. 3576

والسدي: حيث قال في تفسيرها (للمؤمنين) (١). والضحاك (٢)، وبهذا القول أكثر أهل العلم بالتفسير على أن الآية خاصة لأهل الإيمان من أهل الأرض (٣). الوجه الرابع: الملائكة في سورة الشورى أعم من الملائكة في سووة غافر أي أن حملة العرش هم المخصصون في الاستغفار للمؤمنين خاصة كما في سورة غافر، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]. وأما في سورة الشورى فهي تتحدث عن صنف آخر وملائكة الله كثيرون، ولله ملائكة أخر يستغفرون لمن في الأرض على العموم (٤). الوجه الخامس: الاستغفار بمعنى طلب الهداية لهم، وليس لمغفرة ذنوبهم وهو أن الاستغفار من الملائكة ليس بطلب غفران الله تعالى للكفرة على أن يبقوا كفرة. وإنما استغفارهم لهم بمعنى طلب الهداية التي تؤدي إلى الغفران لهم. أي السعي فيما يستدعي المغفرة لهم وتأخير عقوبتهم طمعًا في إيمان الكافر وتوبة الفاسق. فهي في حق الكفار بواسطة طلب الإيمان لهم. وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم (٥). الوجه السادس: لا يجوز الاستغفار للمشركين إذا ماتوا على الشرك . والأدلة على ذلك: من القرآن: قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣، ١١٤]. فهذه الآية متضمنة لقطع الموالاة للكفار وتحريم الاستغفار لهم والدعاء بما لا يجوز لمن كان كافرًا من بعد ما ماتوا على الشرك وعبادة الأوثان لأن الله قضى أن لا يغفر لمشرك. فإن

стр. 3577

قالوا: إن إبراهيم قد استغفر لأبيه وهو مشرك فلم يكن استغفار إبراهيم لأبيه إلا لموعدة وعدها إياه. فلما تبين له وعلم أنه لله عدو خلاه وتركه وترك الاستغفار (١). الأدلة من السنة: حديث وفاة أبي طالب عم النبي ﷺ لما أبى أن يقول: لا إله إلا الله، كما دعاه إلى ذلك رسول الله ﷺ وقال آخر ما قال (بل عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) فقال رسول الله ﷺ : "أَمَا وَالله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ" فَأَنْزَلَ الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣]، وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله ﷺ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦] (٢). قال العيني: فرض على جميع الأمة أن لا يدعوا لمشرك ولا يستغفروا له إذا مات على الشرك (٣). قال ابن تيمية: والاستغفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع (٤). واتفق الفقهاء على أن الاستغفار للكافر محظور بل بالغ بعضهم فقال أن الاستغفار للكافر يقتضي كفر من فعله لأن فيه تكذيبًا للنصوص الواردة التي تدل على أن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به، وأن من مات على كفره فهو من أهل النار (٥). الوجه السابع: إثبات علاقة الملائكة بالبشر عندهم من الكتاب المقدس في هذا الوجه نبين علاقة الملائكة بالبشر عندهم وبيان أن العلاقة قائمة على الحفظ والرعاية والدعاء بالسلامة وغير ذلك، وهذا من خير البراهين على بطلان هذه الدعوى في إنكارهم لعلاقة الملائكة بالبشر على هذه الصورة. وإليك بعض الأدلة:

стр. 3578

١ - البشرى والدعاء بالسلامة لمن في الأرض: وَإِذَا مَلَاكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ، فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا. ١٠ فَقَالَ لَهُمُ الْمَلَاكُ: "لَا تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: ١١ أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ. ١٢ وَهذِهِ لَكُمُ الْعَلَامَةُ: تَجِدُونَ طِفْلًا مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ". ١٣ وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلَاكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ الله وَقَائِلِينَ: ١٤ "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلَامُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ (لوقا ٢/ ١٤: ٩). ٢ - يشجعون في وقت الخطر: لأَنَّهُ وَقَفَ بِي هذِهِ اللَّيْلَةَ مَلَاكُ الإِلهِ الَّذِي أَنَا لَهُ وَالَّذِي أَعْبُدُهُ، ٢٤ قَائِلًا: لَا تَخَفْ يَا بُولُسُ. يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَقِفَ أَمَامَ قَيْصَرَ. وَهُوَ ذَا قَدْ وَهَبَكَ الله جَمِيعَ الْمُسَافِرِينَ مَعَكَ. ٢٥ لِذلِكَ سُرُّوا أَيُّهَا الرِّجَالُ، لأَنِّي أُومِنُ بِالله أَنَّهُ يَكُونُ هكَذَا كَمَا قِيلَ لِي (أعمال الرسل ١٧/ ٢٥: ٢٣). ٣ - يقولون الصالحين عند الممات: فَمَاتَ الْمِسْكِينُ وَحَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ. (لوقا ١٦/ ٢٢). ٤ - الحفظ والرعاية: لأَنَّهُ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ. ١٢ عَلَى الأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلَّا تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ. سفر المزامير ٩١/ ١٢: ١١).

стр. 3579

٢ - شبهة: هل سيُبصر العصاة والظالمون يوم القيامة أم لا ؟ نص الشبهة: هناك تعارض في النظر للعصاة والظالمين في هذه الآيات: قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ [ق: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، والسؤال: ينظرون، أو لا ينظرون؟ . والجواب عن هذا من وجوه: الوجه الأول: الجمع بين قوله في سورة الشورى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ وبين سورة ق: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ وبيان أن كل آية في موقف آخر. الوجه الثاني: الجمع في قوله في سورة الشورى ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ وبين قوله في سورة الإسراء ﴿وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ من هذه الوجوه: الأول: بيان معنى عميًا وبكمًا وصمًا. الثاني: بيان معنى من طرف خفي. الثالث: أن أحوال ومواقف الناس تختلف يوم القيامة. وإليك التفصيل الوجه الأول: الجمع بين قوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ . هو أن آية سورة الشورى ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ في أحوال الآخرة، وأما سورة ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ في أحوال الدنيا عند الموت وعلى هذا فلا تعارض. قلت: والدليل على ذلك سياق الآيات: ففي سورة الشورى، قال : ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤]، هذه الآية تقدمت عن الآية التي قال فيها سبحانه: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾، وهذا في مشهد يوم القيامة.

стр. 3580

وأما عن آية سورة (ق) ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ فقد تقدم هذه الآية قوله سبحانه: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ [ق: ١٩] (١). الوجه الثاني: الجمع بين قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾، وبين قوله سبحانه: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ وما في الباب من آيات أولًا: بيان معنى قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وهذا على قولين: الأول: عميًا، لا يرون شيئًا يسرهم بكمًا لا ينطقون بحجة صمًا لا يسمعون شيئًا يسرهم (٢)، وهذا قول ابن عباس (٣). الثاني: عميًا عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه، بكمًا عن مخاطبة الله، ومخاطبة الملائكة المقربين، صمًا عن ثناء الله على أوليائه. (٤) وعلى كلا المعنيين للآية فُهم المراد وبعد ما ذكر ابن الجوزي هذا القول قال: وهو قول الأكثرين. ثانيًا: بيان معنى قوله سبحانه: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ المعنى الأول: ذليل. عن ابن عباس قوله: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ذليل. (٥) عن مجاهد في قوله: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ قال: ذليل. (٦)

стр. 3581

وممن قال بهذا ابن جرير الطبري. (١) المعنى الثاني: يسارقون النظر إلى النار: عن قتادة في قوله: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ قال يسارقون النظر (٢). وعن السدي قال: يسارقون النظر (٣). محمد بن كعب القرظي قال: يسارقون النظر إلى النار. (٤) المعنى الثالث: أنهم ينظرون إلى النار بقلوبهم لأنهم يحشرون عميًا. (٥) ونُقل هذا عن مجاهد. الوجه الثالث: أن أحوال ومواقف الناس تختلف يوم القيامة وهذا قول ابن عباس لما سأله رجلٌ فقال رأيت قوله ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، وأخرى (عميًا)، قال: أن يوم القيامة فيه حالات يكونون في حال زرقًا وفي حال عميً (٦). قال الشوكاني: وقد جمع بين الآيات المختلفة في مثل هذا وغيره بأن المواقف يوم القيامة مختلفة فقد يكون في بعض المواقف ما لا يكون في الآخر (٧). وأخرج ابن مردويه (٨) عن عبد الله بن الصامت قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أرأيت قول الله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات: ٣٥،

стр. 3582

٣٦]، قال: إن يوم القيامة يوم له حالات وتارات في حال لا ينطقون، وفي حال ينطقون، وفي حال يعتذرون، لا أحدثكم إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة ينزل الجبار في ظلل من الغمام، وكل أمة جاثية في ثلاثة حجب مسيرة كل حجاب خمسون ألف سنة، حجاب من نور، وحجاب من ظلمة، وحجاب من ماء، لا يرى لذلك فيأمر بذلك الماء فيعود في تلك الظلمة، ولا تسمع نفس ذلك القول إلا ذهبت فعند ذلك لا ينطقون". قلت: وقد جمع الإمام القرطبي صاحب التذكرة في هذا الوجه كلامًا جيدًا فقال تحت باب بعنوان الجمع بين آيات وردت في الكتاب في الحشر ظاهرها التعارض. منها قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وفي آية ثالثة إنهم يقولون: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]، وهذا كلام وهو مضاد للبكم والتعارف تخاطب وهو مضاد للصم والبكم معًا، وقال الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف: ٦]، والسؤال لا يكون إلا بالاسماع وإلا لناطق يتسع للجواب، وقال: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، وقال: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، وقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ [المعارج: ٤٣]، والنسلان والإسراع مخالفان للحشر على الوجوه. والجواب: لمن سأل عن هذا الباب أن يقال له إن الناس إذا أحيوا وبعثوا من قبورهم فليست حالهم حالة واحدة ولا موقفهم ولا مقامهم واحدا ولكن لهم مواقف وأحوال واختلفت الأخبار عنهم لاختلاف مواقفهم وأحوالهم وجملة ذلك أنها خمسة أحوال: الأولى: حال البعث من القبور. والثانية: حال السوق إلى مواضع الحساب. والثالثة: حال المحاسبة. والرابعة: حال السوق إلى دار الجزاء. والخامسة: حال مقامهم في الدار التي يستقرون فيها. فأما حال البعث من القبور: فإن الكفار يكونون كاملي الحواس والجوارح لقول الله تعالى: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، وقوله: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا

стр. 3583

(١٠٣)﴾ [طه: ١٠٢]، وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، وقوله: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢)﴾ إلى قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٢ - ١١٥]. واالحالة الثانية: حال السوق إلى موضع الحساب وهم أيضًا في هذه الحال بحواس تامة لقوله : ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٤]، ومعنى ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ أي: دلوهم، ولا دلالة لأعمى أصم ولا سؤال لأبكم فثبت بهذا أنهم يكونون بأبصار وأسماع وألسنة ناطقة. والحالة الثالثة: وهي حالة المحاسبة وهم يكونون فيها أيضًا كاملي الحواس ليسمعوا ما يقال لهم ويقرأوا كتبهم الناطقة بأعمالهم وتشهد عليهم جوارحهم بسيئاتهم فيسمعونها وقد أخبر الله تعالى أنهم يقولون: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، وأنهم يقولون لجلودهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١]، وليشاهدوا أحوال القيامة، وما كانوا مكذبين في الدنيا به من شدتها وتصرف الأحوال بالناس فيها. وأما الحالة الرابعة: وهي السوق إلى جهنم فإنهم يسلبون فيها أسماعهم وأبصارهم وألسنتهم لقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [الإسراء: ٩٧]، ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ [الرحمن: ٤١] إشارة إلى ما يشعرون به من سلب الأبصار والأسماع والمنطق. والحالة الخامسة: حال الإقامة في النار وهذه الحالة تنقسم إلى بدو ومآل: فبدوها: أنهم إذا قطعوا المسافة التي بين موقف الحساب وشفير جهنم عميا وبكما وصما إذلالا لهم تمييزا عن غيرهم ثم ردت الحواس إليهم ليشاهدوا النار وما أعد الله لهم فيها من العذاب ويعاينوا ملائكة العذاب وكل ما كانوا به مكذبين فيستقرون في النار ناطقين سامعين مبصرين ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾ [الأنعام: ٢٧]، وقال: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا

стр. 3584

قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف ٣٨, ٣٩]، وقال: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨، ٩]، وأخبر تعالى أنهم ينادون أهل الجنة فيقولون: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]، وأن أهل الجنة ينادونهم: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وأنهم يقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، فيقول لهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]، وأنهم يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾، فيقولون لهم: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠]. وأما العقبى والمآل: فإنهم إذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، فقال الله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وكتب عليهم الخلود بالمثل الذي يضرب لهم وهو أن يؤتى بكبش أملح ويسمى الموت ثم يذبح على الصراط بين الجنة والنار وينادوا يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت سلبوا في ذلك الوقت أسماعهم وقد يجوز أن يسلبوا الأبصار والكلام لكن سلب السمع يقين لأن الله تعالى يقول: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ [الأنبياء: ١٠٠]، فإذا سلبوا الأسماع صاروا إلى الزفير والشهيق ويحتمل أن تكون الحكمة في سلب الأسماع من قبل أنهم سمعوا نداء الرب سبحانه على ألسنة رسله فلم يجيبوه بل جحدوه وكذبوا به بعد قيام الحجة عليهم بصحته فلما كانت حجة الله عليهم في الدنيا الاستماع عاقبهم على كفرهم في الأخرى بسلب الأسماع يبين ذلك أنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ : ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥]، وقالوا ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]، وإن قوم نوح ﵇ كانوا يستغشون ثيابهم تسترًا منه لئلا يروه ولا يسمعوا كلامه وقد أخبر الله تعالى عن الكفار في وقت نبينا محمد ﷺ مثله فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ [هود: ٥]،

стр. 3585

وإن سلبت أبصارهم فلأنهم أبصروا الغير فلم يعتبروا والنطق فلأنهم أوتوه فكفروا فهذا وجه الجمع بين الآيات على ما قاله علماؤنا، والله أعلم (١). * * *

стр. 3586

سورة النجم شبهة: حول قول الله ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ، . نص الشبهة: يقول القرآن ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾، واللمم كما قال المفسرون هو: القبلة والغمزة والمباشرة وكل عمل سوى الإيلاج فكيف يبيح الله هذا مع تواتر الروايات عليه؟ . والجواب على هذه الشبهة من عدة وجوه: الوجه الأول: معنى اللمم . الوجه الثاني: تفسير الآية. الوجه الثالث: ليس في الآية دليل على الإباحة. الوجه الرابع: تحذير النبي ﷺ من التهاون في اللمم. الوجه الخامس: اللمم هي الصغائر دون الإصرار عليها. الوجه السادس: معنى الآية متكامل. الوجه السابع: الفواحش واللمم في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: معنى اللمم. قال ابن منظور: واللَّمَمُ مُقاربَةُ الذنب وقيل اللّمَم ما دون الكبائر من الذنوب، وألَمَّ الرجلُ من اللَّمَمِ وهو صغار الذنوب، ويقال هو مقارَبة المعصية من غير مواقعة، وقال الأَخفش: اللَّمَمُ المُقارَبُ من الذنوب، وقال أبو إسحق: قيل اللّمَمُ نحو القُبْلة والنظْرة وما أَشبهها، وقيل إلّا اللَّمَمَ إلّا أن يكونَ العبدُ ألَمَّ بفاحِشةٍ ثم تاب قال ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ غير أن اللَّمَم أن يكونَ الإنسان قد أَلَمَّ بالمعصية ولم يُصِرَّ عليه، وقال الفراء في قوله إلّا اللّمَم يقول إلّا المُتقاربَ من الذنوب الصغيرة (١).

стр. 3587

وقال أيضًا: أن يفعل الإنسان الشيء في الحين لا يكون له عادة. (١)، ويقال أيضًا: أصابت فلانًا من الجن لمة، وهو المس والشيء القليل (٢). الوجه الثاني: تفسير الآية . قال الله : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أي: يفعلون ما أمرهم الله به من الواجبات، التي يكون تركها من كبائر الذنوب، ويتركون المحرمات الكبار، كالزنا، وشرب الخمر، وأكل الربا، والقتل، ونحو ذلك من الذنوب العظيمة، ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ وهي الذنوب الصغار، التي لا يصر صاحبها عليها، أو التي يلم بها العبد، المرة بعد المرة، على وجه الندرة والقلة، فهذه ليس مجرد الإقدام عليها مخرجًا للعبد من أن يكون من المحسنين، فإن هذه مع الإتيان بالواجبات وترك المحرمات، تدخل تحت مغفرة الله التي وسعت كل شيء، ولهذا قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾. (٣) ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ يعني ما كبر الوعيد عليه من المناهي، والفواحش يعني ما فحش منها، وقد فسر اللمم بقول النبي ﷺ : "كتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ الله كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ (٤). قال الماوردي: وأما اللمم المستثنى ففيه ثمانية أقاويل: ١ - إلا اللمم الذي ألموا به في الجاهلية من الإثم والفواحش فإنه معفو عنه في الإسلام، قاله زيد بن ثابت. ٢ - هو أن يلم بها ويفعلها ثم يتوب منها، قاله الحسن ومجاهد.

стр. 3588

٣ - هو أن يعزم على المواقعة ثم يرجع عنها مقلعًا وقد روى عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: إِنْ تَغْفِرِ اللهمْ تغفر جَمًّا. . . وَأَي عَبْدٍ لَكَ لَا أَلمَّا. (١) ٤ - أن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة، قاله ابن مسعود. ٥ - أن اللمم الصغائر من الذنوب. ٦ - أن اللمم ما لم يجب عليه حد في الدنيا ولم يستحق عليه في الآخرة عذاب، قاله ابن عباس، وقتادة. ٧ - أن اللمم النظرة الأولى فإن عاد فليس بلمم، قاله بعض التابعين. ٨ - أن اللمم النكاح، قاله أبو هريرة. (٢) الوجه الثالث: ليس في الآية دليل على الإباحة . ليس معنى الآية أيها المؤمنون لا تفعلوا الكبائر، وافعلوا اللمم الذي هو المباشرة والقبلة والغمزة، إنما هي بمعنى الاستثناء المنقطع، فعلى هذا يكون معنى الكلام: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم الذي ألموا به من الإثم والفواحش في الجاهلية قبل الإسلام، فإن الله قد عفا لهم عنه فلا يؤاخذهم به. وهذا ما اختاره ابن جرير: ووجّه معنى الكلام إلى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ بما دون كبائر الإثم، ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فإن ذلك معفوّ لهم عنه، وذلك عندي نظير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١]، فهذا استثناء منقطع لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال، وعد جلّ ثناؤه باجتناب الكبائر، العفو عما دونها من السيئات، وذلك هو اللمم، والله جل ثناؤه أكرم من أن يعود فيما قد عفا عنه (٣).

стр. 3589

الوجه الرابع: أن النبي ﷺ حذر من التهاون في اللمم وصغار الذنوب، وسماها (محقرات الذنوب) . عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : يا عائشة إياك ومحقرات الأعمال، فإن لها من الله طالبًا. (١) قال السندي: قوله: "فإن لها من الله طالبًا" أي: فإن لها ملكًا يسألك مجئ من الله تعالى، كالمنكر والنكير في القبر مثلًا (٢). وعن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ، وَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ ضَرَبَ لهُنَّ مَثَلًا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا فَأَجَّجُوا نَارًا وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا (٣). قال السندي: قوله: "ومحقرات الذنوب" بفتح القاف المشددة أي: صغائرها، "يهلكنه": إما لأن اعتيادها يؤدي إلى ارتكاب الكبائر من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه فيكون الهلاك بالكبائر التي تؤدي إليها الصغائر، وإما لأن تكفير الصغائر عند ارتكاب الكبائر جائز لا واجب كما ذكر كثير من أهل العلم، إما لأن اعتيادها يؤدي إلى قلة المبالاة بها، أو يوجب الهلاك، وإما الإصرار على الصغيرة كبيرة وهو محمل الحديث، والأقرب أن الحديث يدل على أن الإصرار على نوع الصغيرة أيضًا كبيرة وإن لم يصر على صغيرة واحدة

стр. 3590

بعينها، وهذا هو ظاهر المثل المذكور (١). وعن أنس ﵁ قال: إِنَّكُمْ لتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنْ الشَّعَرِ إِنْ كُنَّا لنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمُوبِقَاتِ. قَالَ أَبُو عَبْد الله يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ (٢). قال الحافظ ابن حجر: أي تعملون أعمالًا تحسبونها هينة وهي عظيمة، أو تؤول إلى العظم، وقال ابن بطال: المحقرات إذا كثرت صارت كبارًا مع الإصرار (٣). وكان الصحابة ﵃ يعدون الصغائر من الموبقات لشدة خشيتهم لله ولم تكن لهم كبائر (٤). الوجه الخامس: أن اللمم هي الصغائر دون الإصرار عليها . لقد وصف الله عباده المؤمنين في كتابه العزيز فقال : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أي: إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار، وتابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله من قريب، ولم يستمروا على المعصية، ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه (٥). وقال ابن تيمية: وأما اللمم الذي يقترن به التوبة والاستغفار مما يعظم به الإنسان عند أولي الأبصار، وهذا عمر بن الخطاب ﵁ قد علم تعظيم رعيته له، وطاعتهم مع كونه دائما كان يعترف بما يرجع عنه من خطأ وكان إذا اعترف بذلك وعاد إلى الصواب زاد في أعينهم وازدادوا له محبة وتعظيمًا (٦).

стр. 3591

وقال العلماء: رحمهم والإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة (١)، كما ورد عن ابن عباس ﵁، قال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس: الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار (٢). وقال ابن تيمية: فإن الزنا من الكبائر وأما النظر والمباشرة فاللمم منها مغفور باجتناب الكبائر فإن أصر على النظر أو على المباشرة صار كبيرة وقد يكون الإصرار على ذلك أعظم من قليل الفواحش فإن دوام النظر بالشهوة وما يتصل به من العشق والمعاشرة والمباشرة قد يكون أعظم بكثير من فساد زنا لا إصرار عليه ولهذا قال الفقهاء في الشاهد العدل أن لا يأتي كبيرة ولا يصر على صغيرة (٣). الوجه السادس: معنى الآية متكامل . إن الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإن وقع منهم لمم خطأ وليس إصرارًا فإنه يغفر لهم، نقول للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، فالذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ووقع منهم بعض الصغائر أو لمم خطأ أو سهو أو نسيان فإنه يغفر لهم هذا اللمم، ومصداق ذلك قول الله في كتابه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ أي: إن تجتنبوا كبائر الذنوب التي نهاكم الله عنها: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: ذنوبكم التي هي صغائر، وحمل السيئات على الصغائر هنا متعين لذكر الكبائر قبلها، وجعل اجتنابها شرطًا لتكفير السيئات، ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا﴾ أي: مكان دخول، وهو الجنة (٤). وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]، أي: وإنما الإثم على مَنْ تعمد الباطل كما قال

стр. 3592

تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] (١). وعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما أخشى عليكم الفقر ولكني أخشى عليكم التكاثر، وما أخشى عليكم الخطأ، ولكني أخشى عليكم التعمد (٣). وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ قَالَ: إِنَّ الله كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً (٤). قال ابن بطال: فِي هَذَا الْحَدِيث بَيَان فَضْل الله الْعَظِيم عَلَى هَذِهِ الْأُمَة لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ كَادَ لَا يَدْخُل أَحَدٌ الْجَنَّةَ، لِأَنَّ عَمَلَ الْعِبَادِ لِلسَّيِّئَاتِ أَكْثَر مِنْ عَمَلِهِمْ الْحَسَنَاتِ؛ وَيُؤَيِّد مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث الْبَاب مِنْ الْإِثَابَةِ عَلَى الْهَمِّ بِالْحَسَنَةِ وَعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الْهَمِّ بِالسَّيِّئَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] (٥). وعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ الله تجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ (٦). الوجه السابع: الفواحش في الكتاب المقدس .

стр. 3593

في (حزقيال ٢٣/ ١١: ١): وَكَانَ إِلَيَّ كَلَامُ الرَّبِّ قَائِلًا: ٢ "يَا ابْنَ آدَمَ، كَانَ امْرَأَتَانِ ابْنَتَا أُمٍّ وَاحِدَةٍ، ٣ وَزَنَتَا بِمِصْرَ. فِي صِبَاهُمَا زَنَتَا. هُنَاكَ دُغْدِغَتْ ثُدِيُّهُمَا، وَهُنَاكَ تَزَغْزَغَتْ تَرَائِبُ عُذْرَتِهِمَا. ٤ وَاسْمُهُمَا: أُهُولَةُ الْكَبِيرَةُ، وَأُهُولِيبَةُ أُخْتُهَا. وَكَانَتَا لِي، وَوَلَدَتَا بَنِينَ وَبَنَاتٍ. وَاسْمَاهُمَا: السَّامِرَةُ "أُهُولَةُ"، وَأُورُشَلِيمُ "أُهُولِيبَةُ". ٥ وَزَنَتْ أُهُولَةُ مِنْ تَحْتِي وَعَشِقَتْ مُحِبِّيهَا، أَشُّورَ الأَبْطَالَ ٦ اللَّابِسِينَ الأَسْمَانْجُونِيَّ وُلَاةً وَشِحَنًا، كُلُّهُمْ شُبَّانُ شَهْوَةٍ، فُرْسَانٌ رَاكِبُونَ الْخَيْلَ. ٧ فَدَفَعَتْ لَهُمْ عُقْرَهَا لِمُخْتَارِي بَنِي أَشُّورَ كُلِّهِمْ، وَتَنَجَّسَتْ بِكُلِّ مَنْ عَشِقَتْهُمْ بِكُلِّ أَصْنَامِهِمْ. ٨ وَلَمْ تَتْرُكْ زِنَاهَا مِنْ مِصْرَ أَيْضًا، لأَنَّهُمْ ضَاجَعُوهَا فِي صِبَاهَا، وَزَغْزَغُوا تَرَائِبَ عِذْرَتِهَا وَسَكَبُوا عَلَيْهَا زِنَاهُمْ. ٩ لِذلِكَ سَلَّمْتُهَا لِيَدِ عُشَّاقِهَا، لِيَدِ بَنِي أَشُّورَ الَّذِينَ عَشِقَتْهُمْ. ١٠ هُمْ كَشَفُوا عَوْرَتَهَا. أَخَذُوا بَنِيهَا وَبَنَاتِهَا، وَذَبَحُوهَا بِالسَّيْفِ، فَصَارَتْ عِبْرَةً لِلنِّسَاءِ. وَأَجْرَوْا عَلَيْهَا حُكْمًا. ١١ "فَلَمَّا رَأَتْ أُخْتُهَا أُهُولِيبَةُ ذلِكَ أَفْسَدَتْ فِي عِشْقِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، وَفِي زِنَاهَا أَكْثَرَ مِنْ زِنَا أُخْتِهَا. وفي (إشعياء ٢٣/ ١٨: ١٧): وَيَكُونُ مِنْ بَعْدِ سَبْعِينَ سَنَةً أَنَّ الرَّبَّ يَتَعَهَّدُ صُورَ فَتَعُودُ إِلَى أُجْرَتِهَا، وَتَزْني مَعَ كُلِّ مَمَالِكِ الْبِلَادِ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ. ١٨ وَتَكَونُ تِجَارَتُهَا وَأُجْرَتُهَا قُدْسًا لِلرَّبِّ. لَا تُخْزَنُ وَلَا تُكْنَزُ، بَلْ تَكُونُ تِجَارَتُها لِلْمُقِيمِينَ أَمَامَ الرَّبِّ، لأَكْل إِلَى الشِبَعِ وَلِلِبَاسٍ فَاخِرٍ. * * * *

стр. 3594

سورة القمر وفيها: ١ - شبهة: إنكار معجزة انشقاق القمر. ٢ - شبهة: كيف كان هلاك عاد؟

стр. 3595

١ - شبهة: إنكار معجزة انشقاق القمر . نص الشبهة: إنكار وقوع معجزة انشقاق القمر لهذه الأدلة: ١ - أن معنى آية: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ أي سينشق يوم القيامة كما قال بعض المفسرين. ٢ - أن في روايات ابن مسعود تَعارُض مع روايات الذين لم يعاصروا هذه المعجزة، فكيف تقبل روايتهم؟ . ٣ - تعارض هذه المعجزة مع آية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]. ٤ - لو وقعت ما أهملها تاريخ الأمم الأخرى. ٥ - أن هذا مغاير لطبيعة الأفلاك السماوية. والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: القرآن أثبت وقوع معجزة انشقاق القمر في عهد النبي ﷺ -. الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ دليل على وقوع هذه المعجزة. الوجه الثالث: تواتر هذه المعجزة عن النبي ﷺ . الوجه الرابع: الإجماع على وقوع هذه المعجزة. الوجه الخامس: ذكر المعجزة في القرآن دليل على ثبوتها. الوجه السادس: ذكر الكتاب المقدس لأحداث لم يذكرها التاريخ. الوجه السابع: ماذا عن المعجزات ومعجزات يسوع كما في الكتاب المقدس؟ . وإليك التفصيل الوجه الأول: القرآن أثبت وقوع معجزة انشقاق القمر في عهد النبي ﷺ . قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١, ٢].

стр. 3596

قال الطبري: وقوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ يقول جلّ ثناؤه: وانفلق القمر، وكان ذلك فيما ذُكر على عهد رسول الله ﷺ وهو بمكة، قبل هجرته إلى المدينة، وذلك أن كفار أهل مكة سألوه آية، فأراهم ﷺ انشقاق القمر، آية حجة على صدق قوله، وحقيقة نبوّته؛ فلما أراهم أعرضوا وكذبوا، وقالوا: هذا سحر مستمرّ، سحرنا محمد، فقال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾. الوجه الثاني: قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ دليل على وقوع هذه المعجزة . قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ هذا يدل على أنهم رأوا انشقاق القمر. (١) الوجه الثالث: تواتر هذه المعجزة عن النبي ﷺ -. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقين فقال النبي ﷺ : "اشهدوا". (٢) وفي لفظ آخر للبخاري عن عبد الله ﵁ قال: انشق القمر ونحن مع النبي ﷺ بمنى فقال: "اشهدوا"، وذهبت فرقة نحو الجبل. (٣) وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله انشق بمكة وتابعه محمد بن مسلم عن ابن نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله - عن ابن عمر قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فلقتين فستر الجبل فلقة وكانت فلقة فوق الجبل فقال رسول الله: ﷺ : "اللهم اشهد". (٤) عن أنس بن مالك ﵁: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر. (٥) عن ابن عباس: أن القمر انشق في زمان النبي ﷺ . (٦)

стр. 3597

قَالَ ابْن عَبْد الْبَر: قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث جَمَاعَة كَثِيرَة مِنْ الصَّحَابَة، وَرَوَى ذَلِكَ عَنْهُمْ أَمْثَالهمْ مِنْ التَّابِعِينَ، ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْهُمْ الْجَمّ الْغَفِير إِلَى أَنْ اِنْتَهَى إِلَيْنَا. (١) قَال القاضي عياض: بعد ما ذكر أن كثيرًا من الآيات المأثورة عنه - معلومة بالقطع - ما نصه: أما انشقاق القمر؛ فالقرآن نص بوقوعه، وأخبر بوجوده، ولا يعدل عن ظاهر إلا بدليل، وجاء برفع احتماله صحيح الأخبار من طرق كثيرة، فلا يوهن عزمنا خلاف أخرق منحل عرى الدين، ولا يلتفت إلى سخافة مبتدع يلقي الشك في قلوب ضعفاء المؤمنين، بل نرغم بهذا أنفه، وننبذ بالعراء سخفه. (٢) الوجه الرابع: الإجماع على وقوع هذه المعجزة . وقد روى حديث الانشقاق جماعةٌ، منهم: عبد الله بن عمر، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عباس، وأنس بن مالك، وعلى هذا جميع المفسرين، إلّا أن قومًا شذُّوا فقالوا: سيَنْشَقُّ يوم القيامة، وهذا القول الشاذ لا يقاوم الإجماع. (٣) وقال ابن حجر: أجمع المفسرون وأهل السير على وقوعه. (٤) الوجه الخامس: ذكر المعجزة في القرآن دليل على ثبوتها . فلو أن القرآن سجل شيئًا لم يقع، أي: لو أن القمر لم ينشق لكانت الفرصة لكفار قريش ليقولوا: محمد يزعم أن القمر قد انشق وأننا رأيناه، وأننا قد قلنا هذا سحر وما وقع من ذلك شيء، أما المسلمون فكان منهم من سيرتد عن الإسلام إذ كيف يكذب عليهم ويقول وقع انشقاق ولم يقع؟ . ولكن ما الذي حدث؟ الذي حدث أن ثبت المسلمون على إسلامهم واستمروا على إيمانهم وازدادوا إيمانًا، وتحول الكفار من الكفر إلى الإسلام وأصبحوا بعد ذلك من جيش الإسلام. أما عن قولهم أن المراد بقوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ أي: سينشق يوم القيامة:

стр. 3598

قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾: قد كان هذا في زمان رسول الله ﷺ ، كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: خمس قد مضين: الروم، والدخان، واللزام، والبطشة، والقمر (١). وهذا أمر متفق عليه بين العلماء - أي انشقاق القمر - قد وقع في زمان النبي ﷺ وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات (٢). قال ابن الجوزي: وعلى هذا جميع المفسرين - أي انشقاق القمر -، إلّا أن قومًا شذُّوا فقالوا: سيَنْشَقُّ يوم القيامة. وقد روى عثمان بن عطاء عن أبيه نحو ذلك، وهذا القول الشاذ لا يقاوم الإجماع، ولأن قوله: ﴿وَانْشَقَّ﴾ لفظ ماض، وحَمْلُ لفظ الماضي على المستقبل يفتقر إلى قرينة تنقله ودليل، وليس ذلك موجودًا. وفي قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ دليل على أنه قد كان ذلك. (٣) قال الشوكاني: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ أي: وقد انشقّ القمر، وكذا قرأ حذيفة بزيادة ﴿قد﴾، والمراد الانشقاق الواقع في أيام النبوّة معجزة لرسول الله ﷺ ، وإلى هذا ذهب الجمهور من السلف والخلف. قال الواحدى: وجماعة المفسرين على هذا إلّا ما روى عثمان بن عطاء عن أبيه أنه قال: المعنى: سينشقّ القمر، والعلماء كلهم على خلافه. قال: وإنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر؛ لأن انشقاقه من علامات نبوّة محمد ﷺ ، ونبوّته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة. . . . ثم قال - أي الشوكاني - قال الزجاج: زعم قوم عندوا عن القصد وما عليه أهل العلم أن تأويله (أن القمر ينشق يوم القيامة)، والأمر بين في الغلط وإجماع أهل العلم على قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يدل على أن هذا كان في الدنيا لا في القيامة، ولم يأت من خالف الجمهور وقال إن الانشقاق سيكون يوم القيامة إلا بمجرد استبعاد فقال: لأنه لو انشق في زمن النبوة لم يبق أحد إلا رآه لأنه آية والناس في الآيات سواء.

стр. 3599

ويجاب عنه: بأنه لا يلزم أن يراه كل أحد لا عقلًا ولا شرعًا ولا عادة، ومع هذا فقد نقل إلينا بطريق التواتر وهذا بمجرده يدفع الاستبعاد ويضرب به في وجه قائله. والحاصل: أنا إذا نظرنا إلى كتاب الله فقد أخبرنا بأنه انشق ولم يخبرنا بأنه سينشق وإن نظرنا إلى سنة رسول الله ﷺ فقد ثبت في الصحيح وغيره من طرق متواترة أنه قد كان ذلك في أيام النبوة، وإن نظرنا إلى أقوال أهل العلم فقد اتفقوا على هذا ولا يلتفت إلى شذوذ من شذ واستبعاد من استبعد. (١) أما عن ادعائهم التعارض في روايتي ابن مسعود ﵁ بقوله انشق القمر ونحن بمنى والأخرى قال فيها بمكة، أو مع غيرها من الروايات الأخرى وباقى الصحابة لم يعاصروا هذه المعجزة! أما عن الأولى فأجاب ابن حجر عن ذلك قائلًا: والجمع بين قول ابن مسعود (تارة بمنى وتارة بمكة) إما باعتبار التعدد إن ثبت، وإما بالحمل على أنه كان بمنى، ومن قال: كان بمكة لا ينافيه؛ لأن من كان بمنى كان بمكة من غير عكس، ويؤيده أن الرواية التي فيها بمنى قال فيها: (ونحن بمنى)، والرواية التي فيها بمكة لم يقل فيها (ونحن)، وإنما قال: (انشق القمر بمكة) يعني أن الإنشقاق كان وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، وبهذا تندفع دعوى الداوودي أن بين الخبرين تضادا، والله أعلم. وقال: وقد وقع عند ابن مردويه بيان المراد فأخرجه من وجه آخر عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ ونحن بمكة قبل أن نصير إلى المدينة فوضح أن مراده بذكر مكة الإشارة إلى أن ذلك وقع قبل الهجرة، ويجوز أن ذلك وقع وهم ليلتئذ بمنى. ورواية (رأيت القمر على الجبل وقد انشق، فأبصرت الجبل بين فرجتي القمر) ورواية (فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما)، لا تعارض بينهما البتة، وكذا رواية (انشق القمر فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه) فإنها قريبة من معناهما. فلم يبق إلا ما ظاهره التعارض بين هاتين الروايتين (رأيت القمر منشقًا شقتين؛ شقة على أبي قبيس، وشقة على السويداء)، ورواية (فانشق القمر نصفين؛ نصفًا على الصفا، ونصفًا على المروة، وهذا ليس فيه إشكال؛ فإن نظر الإنسان يختلف بحسب الزاوية التي

стр. 3600

ينظر منها، فمرة يرى القمر فوق أبي قبيس، ثم إذا تحرك رآه على الصفا وهكذا، أو هو بحسب اختلاف جهة الناظرين، فبعضهم يراه من زاوية والآخرين من زواية أخرى. وقال ابن حجر: (رَأَيْت الْقَمَر مُنْشَقًّا شقَّتَيْنِ): شقَّة عَلَى أَبِي قُبَيْس، وَشُقَّة عَلَى السُّوَيْدَاء - وَالسُّوَيْدَاء بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّصْغِير نَاحِيَة خَارِجَة مَكَّة عِنْدهَا جَبَل -، وَقَوْل اِبْن مَسْعُود: عَلَى أَبِي قُبَيْس. يَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَآهُ كَذَلِكَ وَهُوَ بِمِنًى، كَأَنْ يَكُون عَلَى مَكَان مُرْتَفِع بِحَيْثُ رَأَى طَرَف جَبَل أَبِي قُبَيْس، ويَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْقَمَر اِسْتَمَرَّ مُنْشَقًّا حَتَّى رَجَعَ اِبْن مَسْعُود مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّة، فَرَآهُ كَذَلِكَ وَفِيهِ بُعْد، وَالَّذِي يَقْتَضِيه غَالِب الرِّوَايَات أَنَّ الِانْشِقَاق كَانَ قُرْب غُرُوبه، وَيُؤَيِّد ذَلِكَ إِسْنَادهمْ الرُّؤْيَة إِلَى جِهَة الْجَبَل، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الِانْشِقَاق وَقَعَ أَوَّل طُلُوعه؛ فَإِنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَة الْبَدْر، أَوْ التَّعْبِير بِأَبِي قُبَيْس مِنْ تَغْيِير بَعْض الرُّوَاة؛ لِأَنَّ الْغَرَض ثُبُوت رُؤْيَته مُنْشَقًّا، إِحْدَى الشِّقَتَيْنِ عَلَى جَبَل، وَالْأُخْرَى عَلَى جَبَل آخَر، وَلَا يُغَايِر ذَلِكَ قَوْل الرَّاوِي الْآخَر: رَأَيْت الْجَبَل بَيْنهمَا. أَيْ بَيْن الْفِرْقَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا ذَهَبَتْ فِرْقَة عَنْ يَمِين الْجَبَل، وَفِرْقَة عَنْ يَسَاره مِثْلًا صَدَقَ أَنَّهُ بَيْنهمَا، وَأَيّ جَبَل آخَر كَانَ مِنْ جِهَة يَمِينه أَوْ يَسَاره صَدَقَ أَنَّهَا عَلَيْهِ أَيْضًا. (١) ولو سلمنا التعارض التام بين هاتين اللفظتين من كل جهة، فهذا لا يضر في أصل الحديث، وأقصى ما فيه أن ابن مسعود ﵁، أو أحد الرواة عنه كان يهم في اسم الجبلين، فتارة يقول: (شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء)، وتارة (فانشق القمر نصفين، نصفًا على الصفا، ونصفًا المروة)، وأما أصل الحديث وهو الشاهد منه، أن القمر انشق فليس فيها أي اضطراب أو نسيان أو وهم. (٢) أما عن قولهم إن باقي الصحابة لم يعاصروا وقوع هذه المعجزة وهذه من المراسيل. قال ابن الصلاح: ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي، مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله - ولم

стр. 3601

يسمعوه منه -؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند. (١) قال ابن كثير: وقد حكى بعضهم الإجماع على قبول مراسيل الصحابة. (٢) ثم لو سلمنا بعدم قبول رواية مرسل الصحابي، فقد رواه ابن مسعود مشاهدة، وهو ليس بمرسل في حقه، وكذلك رواه ورآه علي بن أبي طالب، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عمر. (٣) أما عن قولهم إن حدوث هذه المعجزة يتعارض مع آية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩]. والجواب على ذلك بما يلى: ١ - لقد طلبت قريش من النبي محمد ﷺ آية بعينها فلم تنزل حتى لا يقع العذاب عليهم: قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ في الكلام حذف والتقدير: وما منعنا أن نرسل بالآيات التي اقترحوها إلا أن يكذبوا بها فيهلكوا كما فعل بمن كان قبلهم قال معناه قتادة وابن جريج وغيرهما فأخر الله تعالى العذاب عن كفار قريش لعلمه أن فيهم من يؤمن وفيهم من يولد مؤمنًا، وقد تقدم في الأنعام وغيرها أنهم طلبوا أن يحول الله لهم الصفا ذهبًا وتتنحى الجبالى عنهم فنزل جبريل وقال: إن شئت كان ما سأل قومك ولكنهم إن لم يؤمنوا لم يمهلوا إن شئت استأنيت بهم فقال: "لا بل استأن بهم"، وأن الأولى في محل نصب بوقوع المنع عليهم، وأن الثانية في محل رفع، والباء في بالآيات زائدة ومجاز الكلام: وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين، والله تعالى لا يكون ممنوعًا عن شيء فالمعنى: المبالغة في أنه لا يفعل؛ فكأنه قد منع عنه ثم بين ما فعل بمن سأل الآيات فلم يؤمن بها. (٤) ٢ - أنزل الله الآيات كانشقاق القمر، وطلبوا آيات أخرى فلما لم يؤمنوا منع الله إرسال الآيات.

стр. 3602

لما أنزل الله الآيات كانشقاق القمر، اجتمع إليه المشركون بعد مدة فسألوه أن يأتي إليهم بالله والملائكة قبيلًا، وسألوه أن يرد لهم أجدادهم الماضين، ويكون فيهم قصي بن كلاب ليسألوه أحق ما أتي به أم لا؟ . وطلبوا منه أن يزحزح عنهم جبال مكة، ويفجر لهم في بطحائها أنهارًا، وسألوه أن يسقط عليهم من السماء كسفًا، وأن يكون له بيت من زخرف ويرقي في السماء، ويأتيهم بكتاب مع الملائكة يشهدون، وهذا كله منصوص في السورة السابعة عشر من القرآن فقال: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]؛ وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ يعني هذه الآيات التي طلبوها منه، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] يشير إلي تكذيبهم بانشقاق القمر قبل ذلك. وتكذيب الأنبياء من قبله. (١) وأما انشقاق القمر فإنه آية لم يطلبها المشركون بعينها؛ وإنما طلبوا آية دون تحديد فانشق القمر، كما في صحيح البخاري عن أنس ﵁ قال: سأل أهل مكة أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر. وبهذا يتبين أنه لا تعارض يبن انشقاق القمر ومضمون الآية الكريمة ولله الحمد والمنة. أما عن قولهم لو وقع ذلك لرآها كثير من الناس وما أهمله أهل التاريخ وتواتر عندهم: والرد على هذا من وجوه: الوجه الأول: يكفينا ثبوتها في القرآن وتواترها في سنة النبي محمد ﷺ وقد سبق بيان ذلك في أول البحث. الوجه الثاني: قال الحافظ ابن حجر إنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَيْلًا وَأَكْثَر النَّاس نِيَام وَالْأَبْوَاب مُغَلَّقَة، وَقَلَّ مَنْ يُرَاصِد السَّمَاء إِلَّا النَّادِر، وَقَدْ يَقَع بِالْمُشَاهَدَةِ فِي الْعَادَة أَنْ يَنْكَسِف الْقَمَر، وَتَبْدُو الْكَوَاكِب الْعِظَام وَغَيْر ذَلِكَ فِي اللَّيْل وَلَا يُشَاهِدهَا إِلَّا الْآحَاد، فَكَذَلِكَ الِانْشِقَاق كَانَ آيَة وَقَعَتْ فِي اللَّيْل لِقَوْم سَأَلُوا وَاقْتَرَحُوا فَلَمْ يَتَأَهَّب غَيْرهمْ لَهَا، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْقَمَر لَيْلَتئِذٍ كَانَ فِي بَعْض الْمَنَازِل الَّتِي تَظْهَر لِبَعْضِ أَهْل الْآفَاق دُون بَعْض كَمَا يَظْهَر

стр. 3603

الْكُسُوف لِقَوْمٍ دُون قَوْم. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: اِنْشِقَاق الْقَمَر آيَة عَظِيمَة لَا يَكَاد يَعْدِلهَا شَيْء مِنْ آيَات الْأَنْبِيَاء، وَذَلِكَ أَنَّهُ ظَهَرَ فِي مَلَكُوت السَّمَاء خَارِجًا مِنْ جُمْلَة طِبَاع مَا فِي هَذَا الْعَالَم الْمُرَكَّب مِنْ الطَّبَائِع، فَلَيْسَ مِمَّا يُطْمَع فِي الْوُصُول إِلَيْهِ بِحِيلَةٍ، فَلِذَلِكَ صَارَ الْبُرْهَان بِهِ أَظْهَر، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضهمْ فَقَالَ: لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَمْ يَجُز أَنْ يَخْفَى أَمْره عَلَى عَوَامّ النَّاس لِأَنَّهُ أَمْر صَدَرَ عَنْ حِسّ وَمُشَاهَدَة فَالنَّاس فِيهِ شُرَكَاء وَالدَّوَاعِي مُتَوَفِّرَة عَلَى رُؤْيَة كُلّ غَرِيب وَنَقْل مَا لَمْ يُعْهَد، فَلَوْ كَانَ لِذَلِكَ أَصْل لَخُلِّدَ فِي كُتُب أَهْل التَّسْيِير وَالتَّنْجِيم، إِذْ لَا يَجُوز إِطْبَاقهمْ عَلَى تَرْكه وَإِغْفَاله مَعَ جَلَالَة شَأْنه وَوُضُوح أَمْره. وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ: أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة خَرَجَتْ عَنْ بَقِيَّة الْأُمور الَّتِي ذَكَرُوهَا لِأَنَّهُ شَيْء طَلَبه خَاصة مِنْ النَّاس فَوَقَعَ لَيْلًا لِأَنَّ الْقَمَر لَا سُلْطَان لَهُ بِالنَّهَارِ وَمِنْ شَأْن اللَّيْل أَنْ يَكُون أَكْثَر النَّاس فِيهِ نِيَامًا وَمُسْتَكِنِّينَ بِالْأَبْنِيَةِ، وَالْبَارِز بِالصَّحْرَاءِ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ يَقْظَان يَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت مَشْغُولًا بِمَا يُلْهِيه مِنْ سَمَر وَغَيْره، وَمنْ الْمُسْتَبْعَد أَنْ يَقْصِدُوا إِلَى مَرَاصِد مَرْكَز الْقَمَر نَاظِرِينَ إِلَيْهِ لَا يَغْفُلُونَ عَنْهُ، فَقَدْ يَجُوز أَنَّهُ وَقَعَ وَلَمْ يَشْعُر بِهِ أَكْثَر النَّاس، وَإِنَّمَا رَآهُ مَنْ تَصَدَّى لِرُؤْيَتِهِ مِمَّنْ اِقْتَرَحَ وُقُوعه، وَلَعَلَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ فِي قَدْر اللَّحْظَة الَّتِي هِيَ مَدَرك الْبَصَر. (١) الوجه الثالث: جائز أن يستره الله عنهم بغيم أو يشغلهم عن رؤيته ببعض الأمور لضرب من التدبير ولئلا يدعيه بعض المتنبئين في الآفاق لنفسه فأظهره للحاضرين عند دعاء رسول الله ﷺ إياهم واحتجاجه عليهم (٢). الوجه الرابع: أَنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَد مِنْهُمْ أَنَّهُ نَفَاهُ، وَهَذَا كَافٍ، فَإِنَّ الْحُجَّة فِيمَنْ أَثْبَتَ لَا فِيمَنْ يُوجَد عَنْهُ صَرِيح النَّفْي، حَتَّى إِنَّ مَنْ وُجِدَ عَنْهُ صَرِيح النَّفْي يُقَدَّم عَلَيْهِ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ صَرِيح الْإِثْبَات. الوجه الخامس: إِنَّ زَمَن الِانْشِقَاق لَمْ يَطُلْ وَلَمْ تَتَوَفَّر الدَّوَاعِي عَلَى الِاعْتِنَاء بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ بَعَثَ أَهْل مَكَّة إِلَى آفَاق مَكَّة يَسْأَلُونَ عَنْ ذَلِكَ فَجَاءَتْ السِّفَار وَأَخْبَرُوا بِأَنَّهُمْ عَايَنُوا ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسَافِرِينَ فِي اللَّيْل غَالِبًا يَكُونُونَ سَائِرِينَ فِي ضَوْء الْقَمَر وَلَا

стр. 3604

يَخْفَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. (١) الوجه السادس: أنها لم تكن متوقع الحصول لأهل العلم لينظروها في وقتها ويروها كما أنهم يرون هلال رمضان والعيدين والكسوف والخسوف في أوقاتها غالبًا لأجل كونها متوقع الحصول، ولا يكون نظر كل واحد إلى السماء في كل جزء من أجزاء النهار أيضًا فضلًا عن الليل. فلذلك رأى الذين كانوا طالبين لهذه المعجزة وكذلك من وقع نظره في هذا الوقت إلى السماء كما جاء في الأحاديث الصحيحة أن الكفار لما رأوها قالوا: سحركم ابن أبي كبشة فقال أبو جهل: هذا سحر فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى تنظروا رأوا ذلك أم لا؟ فأخبر أهل آفاق مكة أنهم رأوه منشقًا، وذلك لأن العرب يسافرون في الليل غالبًا ويقيمون بالنهار فقالوا: هذا سحر مستمر. وفي المقالة الحادية عشر من تاريخ "فرشته" أن أهل مليبار من إقليم الهند رأوه أيضًا، وأسلم والي تلك الديار التي كانت من مجوس الهند بعد ما تحقق له هذا الأمر. وقد نقل الحافظ المزى عن ابن تيمية أن بعض المسافرين ذكر أنه وجد في بلاد الهند بناءً قديمًا مكتوبًا عليه: (بني ليلة انشق القمر). (٢) الوجه السابع: أنه قد يحول في بعض الأمكنة وفي بعض الأوقات بين الرائي والقمر، سحاب غليظ أو جبل، ويوجد التفاوت الفاحش في بعض الأوقات في الديار التي ينزل فيها المطر كثيرًا، بأنه يكون في بعض الأمكنة سحاب غليظ ونزول المطر بحيث لا يرى الناظر في النهار الشمس ولا هذا اللون الأزرق إلى ساعات متعددة، وكذا لا يرى في الليل القمر والكواكب ولا اللون المذكور. وفي بعض أمكنة أخرى لا أثر للسحاب ولا للمطر وتكون المسافة بين تلك الأمكنة والأمكنة الأولى قليلة، وأهل البلاد الشمالية كالروم والفرنج في موسم نزول الثلج والمطر لا يرون الشمس إلى أيام، فضلًا عن القمر. (٣)

стр. 3605

الوجه الثامن: أن القمر لاختلاف مطالعه ليس في حد واحد لجميع أهل الأرض، فقد يطلع على قوم قبل أن يطلع على آخرين، فيظهر في بعض الآفاق وبعض المنازل على أهل بعض البلاد دون بعض، ولذلك نجد الخسوف في بعض البلاد دون بعض، ونجده في بعض البلاد باعتبار بعض أجزاء القمر، وفي بعضها مستوفيًا أطرافه كلها، وفي بعضها لا يعرفها إلا الحاذقون في علم النجوم، وكثيرًا ما يحدث الثقات من العلماء بالهيئة الفلكية بعجائب يشاهدونها من أنوار ظاهرة ونجوم طالعة عظيمة تظهر في بعض الأوقات أو الساعات من الليل، ولا علم لأحد بها من غيرهم. (١) الوجه التاسع: أنه قلما يقع أن يبلغ عدد ناظري أمثال هذه الحوادث النادرة الوقوع إلى حد يفيد اليقين، وأخبار بعض العوام لا يكون معتبرًا عند المؤرخين في الوقائع العظيمة، نعم يعتبر أخبارهم أيضًا في الحوادث التي يبقى أثرها بعد وقوعها، كالريح الشديد، ونزول الثلج الكثير، والبرد. فيجوز أن مؤرخي بعض الديار لم يعتبروا أخبار بعض العوام في هذه الحادثة، وحملوه على تخطئة أبصار المخبرين العوام، وظنوا أنها تكون نحوًا من الخسوف. (٢) الوجه العاشر: أن المؤرخين كثيرًا ما يكتبون الحوادث الأرضية ولا يتعرضون للحودث السماوية إلا قليلًا، لا سيما مؤرخي السلف، وكان في زمان النبي ﷺ في ديار إنكلترة وفرانس شيوع الجهل، واشتهارها بالصنائع والعلوم إنما هو بعد زمانه ﷺ بمدة طويلة. (٣) الوجه الحادي عشر: أن المنكر إذا علم أن الأمر الفلاني معجزة أو كرامة للشخص الذي ينكره تصدى لإخفائها، ولا يرضى بذكرها وكتابتها غالبًا. (٤) الوجه السادس: ذكر الكتاب المقدس لأحداث لم يذكرها التاريخ . وأخيرًا: سلمنا جدلًا أن التاريخ قد أهمل ذكر معجزة انشقاق القمر فلماذا أهمل التاريخ ذكر هذه الحوادث المزعومة في الكتاب المقدس. (٥)

стр. 3606

أ - أن حادثة طوفان نوح ﵇ كانت ممتدة إلى سنة، وفنى فيه كل ذي حياة من الطيور والبهائم والحشرات والإنسان غير أهل السفينة، وما نجا من الإنسان غير ثمانية أشخاص على ما هو مصرح به في الباب السابع والثامن من سفر التكوين. وفي الآية العشرين من الباب الثالث من الرسالة الأولى لبطرس هكذا: (إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ). والآية الخامسة من الباب الثاني من رسالته الثانية هكذا: (وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى الْعَالَمِ الْقَدِيمِ، بَلْ إِنَّمَا حَفِظَ نُوحًا ثَامِنًا كَارِزًا لِلْبِرِّ، إِذْ جَلَبَ طُوفَانًا عَلَى عَالَمِ الْفُجَّارِ). وما مضت على هذه الحادثة مدة إلى هذا اليوم على زعم أهل الكتاب إلا مقدار أربعة آلاف ومائتين واثنتي عشرة سنة شمسية ولا يوجد هذا الحال في تواريخ مشركي الهند وكتبهم. وهم ينكرون هذا الأمر إنكارًا بليغًا ويستهزئ به علماؤهم كافة ويقولون: لو قطع النظر عن الزمان السالف ونظر إلى زمان كرشن الأوتار، الذي كان قبل هذا اليوم بمقدار أربعة آلاف وتسعمائة وستين سنة على شهادة كتبهم، لا مجال لصحة هذه الحادثة العامة لأن الأمصار العظيمة الكثيرة من ذلك العهد إلى هذا الحين مغمورة وثبت بشهادة تواريخهم أنه يوجد من ذلك العهد إلى هذا الحين في إقليم الهند مليونات كثيرة في كل زمان من الأزمنة، ويدعون أن حال زمان كرشن لوجود كثرة التواريخ كحال أمس. وقال ابن خلدون في المجلد الثاني من تاريخه: واعلم أن الفرس والهند لا يعرفون الطوفان وبعض الفرس يقولون كان ببابل فقط. انتهى كلامه بلفظه. وقال العلامة تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد المعروف بالمقريزي في المجلد الأول من كتابه المسمى بكتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: (الفرس وسائر المجوس والكلدانيون أهل بابل والهند وأهل الصين وأصناف الأمم المشرقية ينكرون الطوفان، وأقر به بعض الفرس لكنهم قالوا لم يكن الطوفان بسوى الشام والمغرب ولم يعم العمران كله ولا غرق إلا بعض الناس ولم يجاوز عقبة حلوان ولا بلغ إلى ممالك المشرق) انتهى كلامه بلفظه.

стр. 3607

وأبناء صف القسيسين ينكرون هذا الطوفان ويستهزئون به. وأنقل كلام جان كلارك الملحد عن رسالته الثالثة المندرجة في كتابه المطبوع سنة ١٨٣٩ في ليدس فقال في الصفحة ٥٤: (هذا) يعني الطوفان، غير صحيح على شهادة علم الفلسفة وأنا أتعجب! أمات الحيتان في ماء هذا الطوفان؟ . ولما كان بحكم الآية الخامسة من الباب السادس من سفر التكوين أفكار قلوب الإنسان ذميمة فلماذا أبقى الله ثمانية أشخاص. لِمَ لَمْ يخلق الإنسان مرة أخرى بعد إهلاك الكل؟ ولماذا أبقى بضاعته القديمة التي بقيت الأفكار الذميمة باقية بسببها؟ لأن الشجرة الرديئة لا تثمر ثمرة جيدة كما قال متى في الآية السادسة عشر من الباب السابع، هل يجتنون من الشوك عنبًا أو من الحسك تينًا؟ . ونوح كان شارب الخمر وبهيمة وظالمًا (والعياذ بالله). كما يفهم من الآية ٢١ و ٢٥ من الباب التاسع من سفر التكوين فكيف يرجى منه أن يكون نسله صالحًا. وانظروا أنه لم يكن صالحًا كما يظهر من الآية الثانية من الباب الثاني من رسالة بولس إلى أهل أفسيس والآية الثالثة من الباب الثالث من رسالته إلى تيطس والآية الثالثة من الباب الرابع من الرسالة الأولى لبطرس والآية (ص ١٩٠) الخامسة من الزبور الحادي والخمسين) انتهى كلامه. ثم استهزأ في هذه الصفحة ٩٣ استهزاءً بليغًا جاوز الحد في إساءة الأدب، فلا أرضى بنقل كلامه القبيح. ب - أن حادثة وقوف الشمس يومًا كاملًا ليوشع (يشوع بن نون) مذكورة في سفر يشوع ١٠/ ١٢ - ١٣، وذكر مؤرخو أهل الكتاب ومفسروهم بأنها دامت إلى أربع وعشرين ساعة، فهذه الحادثة العظيمة التي وقعت سنة ١٤٥٠ ق. م يجب أن يراها سكان الأرض كلهم؛ لأن السحاب الغليظ لا يمنع العلم بها في المناطق التي كان عليها النهار، وأما سكان المناطق التي كان عليها الليل فلا بد أن يعلموا بهذه الحادثة لامتداد ليلهم بمقدار أربع وعشرين ساعة، ومع ذلك فإن مشركي الهند والفرس وأهل الصين ينكرونها ولم تذكر في تواريخهم، وملاحدة أوروبا يستهزئون بها ويوردون عليها اعتراضات، فهل يقبل القسيسون بإنكار الأمم المشرقية لهذه الحادثة وباعتراضات أبنائهم الملاحدة؟ !

стр. 3608

ج - أن متى روى في إنجيله ٢٧/ ٥١ - ٥٣ عدة حوادث عظيمة وقعت بعد حادثة الصلب مباشرة، وهي: انشقاق حجاب الهيكل من فوق إلى أسفل، وتزلزل الأرض، وتشقق الصخور، وتفتح القبور، وقيام كثير من أجساد القديسين الموتى، وخروجهم من القبور، ودخولهم القدس، وظهورهم لكثيرين، وهذه الحوادث كاذبة يقينًا لكن نقول: إن هذه الحوادث العظيمة غير مذكورة في كتب الرومان ولا في كتب اليهود، بل لم يذكرها إنجيل يوحنا، وإما إنجيل مرقس وإنجيل لوقا فذكرا انشقاق حجاب الهيكل فقط ولم يذكرا باقي الأمور العظيمة، علمًا أن ذكرها أولى من ذكر صراخ المصلوب وأمور أخرى لا قيمة لها اتفقا على ذكرها، وعلمًا أن بعض الأمور يبقى أثرها بعد الوقوع كتشقق الصخور وتفتح القبور، والعجب من متى أنه لم يذكر أن هؤلاء القديسين بعد خروجهم من قبورهم أحياء أين ذهبوا؟ ! هل بقوا على قيد الحياة أم رجعوا إلى قبورهم؟ ! ولذلك استهزأ بعضهم بهذه المبالغات الشنيعة فقال: لعل متى رآها في المنام. ويفهم من عبارة إنجيل لوقا أن انشقاق حجاب الهيكل كان قبل وفاة المصلوب، بينما يفهم من عبارتي متى ومرقس أنه بعد وفاة المصلوب. فكيف يعالج القسيسون هذه المعضلات؟ ! د - أنه ورد في إنجيل متى (٣/ ١٦ - ١٧) وإنجيل مرقس (١/ ١٠ - ١١) وإنجيل لوقا (٣/ ٢١ - ٢٢) أن يحيى عمد عيسى ﵇ في نهر الأردن، وفي وقت صعود عيسى من الماء، انشقت السماوات وانفتحت ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسيمة في شكل حمامة، وقال صوت من السماوات: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. فانشقاق السماوات لم كان في النهار فلا بد أن يراه أكثر أهل العالم، وكذا رؤية الحمامة المجسمة وسماع الصوت لا يختص بواحد دون غيره من الحاضرين، ومع ذلك لم يكتب أحد من مؤرخي ذلك الزمان هذه الحادثة غير الإنجيليين الثلاثة، ولذلك صارت سببًا لاستهزاء ملاحدة أوروبا فقالوا: لماذا أبقانا متى محرومين من معرفة الأبواب التي انفتحت في السماوات هل هي أبوابها الكبيرة أم المتوسطة أم الصغيرة؟ ! وفي أي جانب منها كانت هذه الأبواب؟ ! وقساوستنا يضربون رؤوسهم متحيرين في تعيين ذلك. ولماذا لم يخبرنا متى عن الحمامة هل أخذها أحد وحبسها في القفص أم رأوها راجعة إلى السماوات؟ !

стр. 3609

وإذا رجعت إلى السماوات فهل بقيت أبوابها مفتوحة كل هذه المدة؟ ! وهل رأوا باطن السماوات بوجه حسن؟ ! فماذا يقول القسيسون في هذه التساؤلات؟ ! إذن فالاعتراض على معجزة انشقاق القمر لمحمد ﷺ اعتراض باطل ولا قيمة له. أما عن قولهم بأن ذلك مغاير للأفلاك، إضافة إلى ما سبق بيانه من إثبات وقوع هذه المعجزة نقول: الله أكبر، مَن الذي خلق الأفلاك السماوية أليس الله؟ بلى، إذن هو قادر على أن يغيرها ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾، فانشقاق القمر انشقاق حسي، انفلق فرقتين، ورآه الناس وشاهدوه، ولكن المكابر المعاند لا يقبل شيئًا، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ ﴿آيَةً﴾ نكرة في سياق الشرط، أي آية يرونها يعرضون عنها ولا يقبلونها. ونحن نؤمن بأن القادر على أن يطوي السماوات بيمينه كطي السجل للكتب، قادر على أن يفرق القمر فرقتين، ولا شيء يعجزه ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر: ٤٤]، ولهذا لا وجه لإنكار من أنكر ذلك. (١) وأخيرًا: إليكم هذا النبأ الهام من وكالة ناسا الفضائية أما في عصرنا الراهن فنجد في موقع وكالة ناسا الفضائية الأمريكية على شبكة (الإنترنت) صورة لصدع طولي رهيب على سطح القمر يظهر بوضوح من الصورة في أعلى المقال يمتد لمئات الكيلومترات، عبارة عن حزام من الصخور المتحولة، وكاتب المقال يتساءل: What could cause along crack on tha moon? أي ما الذي يمكن أن يحدث شقًا بهذا الطول في القمر؟ والكيفية التي طرح بها السؤال تبين بجلاء حيرة العلماء في تفسير تكون هذا الشق، وهو ما ينم عن حدث عظيم تعرض له القمر ترك هذا الأثر المحيّر، ولو كان سببه زلزالًا عاديًا أو بركانًا لما استغلق على العلماء فهمه كل هذه المدة إذ إنه اكتشف منذ أكثر من ٢٠٠ عام كما يذكر موقع وكالة ناسا.

стр. 3610

والطريف في الأمر أن هؤلاء العلماء ليسوا مسلمين ولا علم لهم بنسبة هذه المعجزة لنبينا ﷺ ؛ فصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾ [سبأ: ٦]. وإليكم صورة انشقاق القمر كما نقلت إلينا: الوجه السابع: ماذا عن المعجزات ومعجزات يسوع كما في الكتاب المقدس ؟ (١) المعجزات ليست دليل ألوهية: (متى ٢٤/ ٢٤): لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا. المسيح لم يقدر أن يصنع معجزات: (مرقس ٥/ ٥): وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَصْنَعَ هُنَاكَ وَلَا قُوَّةً وَاحِدَةً، غَيْرَ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى مَرْضَى قَلِيلِينَ فَشَفَاهُمْ. يسوع ينكر معجزاته:
следующие страницы →