← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وأما التكلم بإزالة التهمة عن الأم، لا يفيد إزالة التهمة عن الله تعالى، فكان الاشتغال بذلك أولى، فهذا مجموع ما في هذا اللفظ من الفوائد. واعلم أن مذهب النصارى متخبط جدًّا، وقد اتفقوا على أنه سبحانه ليس بجسم ولا متحيز، ومع ذلك فإنا نذكر تقسيمًا حاصرًا يبطل مذهبهم على جميع الوجوه فنقول: ١ - إما أن يعتقدوا كونه متحيزًا أو لا. ٢ - فإن اعتقدوا كونه متحيزًا في مكان، أبطلنا قولهم بإقامة الدلالة على حدوث الأجسام المتحيزة في الأمكنة، وحينئذ يبطل كل ما فرعوا عليه. ٣ - وإن اعتقدوا أنه ليس بمتحيز، يبطل ما يقوله بعضهم من أن الكلمة اختلطت بالناسوت اختلاط الماء بالخمر وامتزاج النار بالفحم؛ لأن ذلك لا يعقل إلا في الأجسام المتحيزة فإذا لم يكن جسمًا استحال ذلك. ثم نقول للناس قولان في الإنسان: ١ - منهم من قال: إنه هو هذه البنية أو جسم موجود في داخلها. ٢ - ومنهم من يقول: إنه جوهر مجرد عن الجسمية والحلول في الأجسام فنقول لهؤلاء النصارى: ١ - إما أن يعتقدوا أن الله، أو صفة من صفاته اتحد ببدن المسيح أو بنفسه. ٢ - أو يعتقدوا أن الله، أو صفة من صفاته حل في بدن المسيح أو في نفسه. ٣ - أو يقولوا: لا نقول بالاتحاد ولا بالحلول، ولكن نقول: إنه تعالى أعطاه القدرة على خلق الأجسام والحياة والقدرة وكان لهذا السبب إلهًا. ٤ - أو لا يقولوا بشيء من ذلك ولكن قالوا: إنه على سبيل التشريف اتخذه ابنًا كما اتخذ إبراهيم على سبيل التشريف خليلًا، فهذه هي الوجوه المعقولة في هذا الباب، والكل باطل. أما القول الأول بالاتحاد فهو باطل قطعًا، لأن الشيئين إذا اتحدا فهما حال الاتحاد، إما أن يكونا موجودين أو معدومين أو يكون أحدهما موجودًا والآخر معدومًا. ١ - فإن كانا موجودين فهما اثنان لا واحد فالاتحاد باطل.

стр. 387

٢ - وإن عدما وحصل ثالث فهو أيضًا لا يكون اتحادًا بل يكون قولًا بعدم ذينك الشيئين، وحصول ثالث. ٣ - وإن بقي أحدهما وعدم الآخر فالمعدوم يستحيل أن يتحد بالجود لأنه يستحيل أن يقال المعدوم بعينه هو الموجود فظهر من هذا البرهان الباهر أن الاتحاد محال. وأما العلول فلنا فيه مقامان: الأول: أن التصديق مسبوق بالتصور فلا بد من البحث عن ماهية الحلول حتى يمكننا أن نعلم أنه هل يصح على الله تعالى أو لا يصح وذكروا للحلول تفسيرات ثلاثة: أحدها: كون الشيء في غيره ككون ماء الورد في الورد والدهن في السمسم والنار في الفحم، واعلم أن هذا باطل لأن هذا إنما يصح لو كان الله تعالى جسمًا متحيزًا وهم قائلون بأنه ليس بجسم. وثانيها: حصوله في الشيء على مثال حصول اللون في الجسم فنقول: المعقول من هذه التبعية حصول اللون في ذلك الحيز تبعًا لحصول محله فيه، وهذا أيضًا إنما يعقل في حق الأجسام المتحيزة لا في حق الله تعالى. وثالثها: حصوله في الشيء على مثال حصول الصفات الإضافية للذوات فنقول: هذا أيضًا باطل لأن العقول من هذه التبعية الاحتياج فلو كان الله تعالى في شيء بهذا المعنى لكان محتاجًا فكان ممكنًا فكان مفتقرًا إلى المؤثر، وذلك محال، وإذا ثبت أنه لا يمكن تفسير هذا الحلول بمعنى ملخص يمكن إثباته في حق الله تعالى امتنع إثباته. المقام الثاني: احتج الأصحاب على نفي الحلول مطلقًا بأن قالوا: لو حل لحل، إما مع وجوب أن يحل أو مع جواز أن يحل والقسمان باطلان، فالقول بالحلول باطل. وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يحل مع وجوب أن يعل: ١ - لأن ذلك يقتضي إما حدوث الله تعالى أو قدم المحل وكلاهما باطلان، لأنا دللنا على أن الله قديم. وعلى أن الجسم محدث. ٢ - ولأنه لو حل مع وجوب أن يحل لكان محتاجًا إلى المحل والمحتاج إلى الغير ممكن

стр. 388

لذاته لا يكون واجبًا لذاته. (١) ثم قال الرازي ﵀: ولنا في إبطال قول النصارى وجوه أخر. أحدها: أنهم وافقونا على أن ذاته لم تحل في ناسوت عيسى ﵇ بل قالوا الكلمة حلت فيه، والمراد من الكلمة العلم. فنقول: العلم لما حل في عيسى ففي تلك الحالة إما أن يقال إنه بقي في ذات الله تعالى أو ما بقي فيها. ١ - فإن كان الأول لزم حصول الصفة الواحدة في محلين. وذلك غير معقول، ولأنه لو جاز أن يقال العلم الحاصل في ذات عيسى ﵇ هو العلم الحاصل في ذات الله تعالى بعينه، فلم لا يجوز في حق كل واحد ذلك حتى يكون العلم الحاصل لكل واحد هو العلم الحاصل لذات الله تعالى. ٢ - وإن كان الثاني لزم أن يقال: إن الله تعالى لم يبق عالمًا بعد حلول علمه في عيسى ﵇ وذلك مما لا يقوله عاقل. وثانيها: أنا نقول دلالة أحوال عيسى على العبودية أقوى من دلالتها على الربوبية لأنه كان مجتهدًا في العبادة والعبادة لا تليق إلا بالعبيد فإنه كان في نهاية البعد عن الدنيا والاحتراز عن أهلها حتى قالت النصارى: إن اليهود قتلوه ومن كان في الضعف هكذا فكيف تليق به الربوبية. وثالثها: المسيح إما أن يكون قديمًا أو محدثًا والقول بقدمه باطل لأنا نعلم بالضرورة أنه ولد وكان طفلًا ثم صار شابًا وكان يأكل ويشرب ويعرض له ما يعرض لسائر البشر، وإن كان محدثًا كان مخلوقًا ولا معنى للعبودية إلا ذلك، فإن قيل: المعنى بإلهيته أنه حلت صفة الآلهية فيه، قلنا: هب أنه كان كذلك لكن الحال هو صفة الإله والمسيح هو المحل والمحل محدث مخلوق فما هو المسيح ﴿إِلَّا﴾ عبد محدث فكيف يمكن وصفه بالإلهية. أما الاحتمال الثالث: وهو أن يقال معنى كونه إلهًا أنه سبحانه خص نفسه أو بدنه

стр. 389

بالقدرة على خلق الأجسام والتصرف في هذا العالم فهذا أيضًا باطل لأن النصارى حكوا عنه الضعف والعجز وأن اليهود قتلوه ولو كان قادرًا على خلق الأجسام لما قدروا على قتله بل كان هو يقتلهم ويخلق لنفسه عسكرًا يذبون عنه. وأما الاحتمال الرابع: وهو أنه اتخذه ابنًا لنفسه على سبيل التشريف فهذا قد قال به قوم من النصارى يقال لهم الأرميوسية وليس فيه كثير خطأ إلا في اللفظ فهذا جملة الكلام على النصارى وبه ثبت صدق ما حكاه الله تعالى عنه أنه قال: إني عبد الله. الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾. الصفة الثالثة: قوله: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾. الصفة الرابعة: قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾. الصفة الخامسة: قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾. الصفة السادسة: قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ أي جعلني برًّا بوالدتي. الصفة السابعة؛ قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾. الصفة الثامنة: هي قوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾. الدليل العاشر: إثبات بنوة عيسى لمريم ﵂ . قال تعالى: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ (آل عمران: ٤٥). يخبر تعالى أن الملائكة بشرت مريم ﵍ بأعظم بشارة، وهو كلمة الله -عبده ورسوله- عيسى ابن مريم، سمي كلمة الله لأنه كان بالكلمة من الله، لأن حالته خارجة عن الأسباب، وجعله الله من آياته وعجائب مخلوقاته، فأرسل الله جبريل ﵇ إلى مريم، فنفخ في جيب درعها فولجت فيها تلك النفخة الزكية من ذلك الملك الزكي، فأنشأ الله منها تلك الروح الزكية، فكان روحانيا نشأ من مادة روحانية، فلهذا سمى روح الله ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي:

стр. 390

له الوجاهة العظيمة في الدنيا، جعله الله أحد أولي العزم من الرسلين -أصحاب الشرائع الكبار والأتباع- ونشر الله له من الذكر ما ملأ ما بين المشرق والمغرب، وفي الآخرة وجيها عند الله يشفع أسوة إخوانه من النبيين والمرسلين، ويظهر فضله على أكثر العالمين، فلهذا كان من المقربين إلى الله، أقرب الخلق إلى ربهم، بل هو ﵇ من سادات المقربين (١). الدليل الحادي عشر: القرآن يذكر مقالة اليهود في قتل عيسى، ويثبت أنه رسول الله؛ ثم هو ينهى عن الغلو فيه: قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)﴾ (النساء: ١٥٧). وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾ (١٧١). قال السعدي ﵀: ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو في الدين؛ وهو مجاوزة الحد والقدر المشروع إلى ما ليس بمشروع. وذلك كقول النصارى في غلوهم بعيسى ﵇، ورفعه عن مقام النبوة والرسالة إلى مقام الربوبية؛ الذي لا يليق بغير الله، فكما أن التقصير والتفريط من المنهيات، فالغلو كذلك، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. وهذا الكلام يتضمن ثلاثة أشياء: أمرين منهي عنهما، وهما: قول الكذب على الله، والقول بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه ورسله، والثالث: مأمور به وهو قول الحق في هذه الأمور. ولما كانت هذه قاعدة عامة كلية، وكان السياق في شأن عيسى ﵇ نصَّ على قول الحق فيه، المخالف لطريقة اليهودية والنصرانية فقال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ

стр. 391

﴿اللَّهِ﴾ أي: غاية المسيح ﵇ ومنتهى ما يصل إليه من مراتب الكمال أعلى حالة تكون للمخلوقين، وهي درجة الرسالة، التي هي أعلى الدرجات، وأجلّ المثوبات، وأنه ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ التي ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أي: كلمة تكلم الله بها فكان بها عيسى، ولم يكن تلك الكلمة، وإنما كان بها، وهذا من باب إضافة التشريف والتكريم. وكذلك قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: من الأرواح التي خلقها، وكملها بالصفات الفاضلة والأخلاق الكاملة، أرسل الله روحه جبريل ﵇ فنفخ في فرج مريم ﵍، فحملت بإذن الله بعيسى ﵇. فلما بيّن حقيقة عيسى ﵇، أمر أهل الكتاب بالإيمان به وبرسله، ونهاهم أن يجعلوا الله ثالث ثلاثة: أحدهم عيسى، والثاني مريم، فهذه مقالة النصارى قبحهم الله. فأمرهم أن ينتهوا، وأخبر أن ذلك خير لهم، لأنه الذي يتعين أنه سبيل النجاة، وما سواه فهو طريق الهلاك، ثم نزه نفسه عن الشريك والولد فقال: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: هو المنفرد بالألوهية، الذي لا تنبغي العبادة إلا له. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي: تنزه وتقدس ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ لأن ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فالكل مملوكون له مفتقرون إليه؛ فمحال أن يكون له شريك منهم أو ولد. ولما أخبر أنه المالك للعالم العلوي والسفلي أخبر أنه قائم بمصالحهم الدنيوية والأخروية وحافظها، ومجازيهم عليها تعالى (١). الدليل الثاني عشر: تكذيب الله لهم في قولهم: إن المسيح ابن الله: قال تعالى: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (التوبة: . ٣). فقوله: ﴿وَقَالتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ قالوا

стр. 392

هذا لما رأوا من إحيائه الموتى مع كونه من غير أب، فكان ذلك سببًا لهذه المقالة، والأولى أن يقال: إنهم قالوا هذه المقالة؛ لكون الإنجيل وصفه تارة بابن الله، وتارة بابن الإنسان، كما رأينا ذلك في مواضع متعددة من الإنجيل، ولم يفهموا أن ذلك لقصد التشريف والتكريم، أو لم يظهر لهم أن ذلك من تحريف سلفهم لغرض من الأغراض الفاسدة. قيل: وهذه المقالة إنما هي لبعض النصارى لا لكلهم. وقوله: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ الإشارة إلى ما صدر عنهم من هذه المقالة الباطلة. وأما قوله: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ مع العلم بأن القول لا يكون إلا الفم. ففيه وجهان: أحدهما: أن يراد أنه قول لا يعضده برهان، فما هو إلّا لفظ يفوهون به، فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي هي أجراس ونغم لا تدلّ على معان. وذلك أن القول الدال على معنى لفظه مقول بالفم ومعناه مؤثر في القلب. وما لا معنى له مقول بالفم لا غير، والمقصود من الإشارة تشهير القول وتمييزه، زيادة في تشنيعه عند المسلمين. و﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ حال من القول، والمراد أنه قول لا يعدو الوجودَ في اللسان وليس له ما يحقّقه في الواقع، وهذا كناية عن كونه كاذبا؛ ولذلك قال بعض أهل العلم: إن الله سبحانه لم يذكر قولًا مقرونًا بذكر الأفواه والألسن، إلا وكان قولًا زورًا كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (آل عمران: ١٦٧)، وقوله: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ (الكهف: ٥)، وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (الفتح: ١١)، قوله: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المضاهاة: الشابهة. والثاني: أن يراد بالقول المذهب، كقولهم: قول أبي حنيفة، يريدون مذهبه وما يقول به كأنه قيل: ذلك مذهبهم ودينهم بأفواههم لا بقلوبهم، لأنه لا حجة معه ولا شبهة حتى يؤثر في القلوب، وذلك أنهم إذا اعترفوا أنه لا صاحبة له، لم تبق شبهة في انتفاء الولد ﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلهم من الأمم، ضلوا كما ضل هؤلاء ﴿قَاتَلَهُمُ

стр. 393

اللَّهُ﴾ وقال ابن عباس: لعنهم الله ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؟ أي: كيف يضلون عن الحق، وهو ظاهر، ويعدلون إلى الباطل؟ (١) الدليل الثالث عشر: فيه تنزيه الله تعالى عن مقالتهم: قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣١). قال أبو السعود: اتخذوا زيادة تقرير لما سلف من كفرهم بالله تعالى أحبارهم، وهم: علماء اليهود ورهبانهم وهم: علماء النصارى من أصحاب الصوامع؛ أي اتخذ كل واحد من الفريقين علماءهم أربابًا من دون الله؛ بأن أطاعوهم في تحريم ما أحله الله تعالى وتحليل ما حرمه، أو بالسجود لهم، ونحوه تسمية اتباع الشيطان عبادة له في قوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ (مريم: ٤٤)، وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾. قال عدي بن حاتم: أتيت رسول الله ﷺ ، وفي عنقي صليب من ذهب، وكان إذ ذاك على دين يسمى الركوسية -فريق من النصارى- وهو يقرأ سورة براءة، فقال يا عدي! اطرح هذا الوثن فطرحته فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قلت يا رسول الله: لم يكونوا يعبدونهم فقال ﷺ أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟ فقلت بلى. قال: ذلك عبادتهم. قال الربيع قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟ قال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله تعالى ما يخالف أقوال الأحبار؛ فكانوا يأخذون بأقوالهم ويتركون حكم كتاب الله. والمسيح ابن مريم، عطف على رهبانهم؛ أي: اتخذه النصارى ربًا معبودًا بعد ما قالوا: إنه ابنه -تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا- وتخصيص الاتخاذ به، يشير إلى أن اليهود ما فعلوا ذلك بعزير، وتأخيره في الذكر، مع أن اتخاذهم له ﷺ ربًّا

стр. 394

معبودًا أقوى من مجرد الإطاعة في أمر التحليل والتحريم، كما هو المراد باتخاذهم الأحبار والرهبان أربابًا، لأنه مختص بالنصارى، ونسبته ﷺ إلى أمه من حيث دلالتها على مربوبيته المنافية للربوبية للإيذان بكمال ركاكة رأيهم والقضاء عليهم بنهاية الجهل والحماقة وما أمروا أي والحال أن أولئك الكفرة ما أمروا في كتابيهم، إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا عظيم الشأن هو الله ويطيعوا أمره ولا يطيعوا أمر غيره بخلافه؛ فإن ذلك مخل بعبادته تعالى؛ فإن جميع الكتب السماوية متفقة على ذلك قاطبة، وقد قال المسيح: ﵇ إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، وأما طاعة الرسول ﷺ ، وسائر من أمر الله تعالى بطاعته، فهي في الحقيقة طاعة لله ، أو وما أمر الذين اتخذهم الكفرة أربابا من المسيح والأحبار والرهبان إلا ليوحدوا الله. (١) الدليل الرابع عشر: يثبت أنه رسول أيده الله بروح القدس . قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ (البقرة: ٨٧). ووجه الاستدلال: في هذه الآية يمتن تعالى على بني إسرائيل أن أرسل إليهم كليمه موسى، وآتاه التوراة، ثم تابع من بعده بالرسل الذين يحكمون بالتوراة، إلى أن ختم أنبياءهم بعيسى ابن مريم ﵇، وآتاه من الآيات البينات ما يؤمن على مثله البشر، ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ أي: قواه الله بروح القدس. قال أكثر المفسرين: إنه جبريل ﵇، وقيل: إنه الإيمان الذي يؤيد الله به عباده. ثم مع هذه النعم التي لا يقدر قدرها، لما أتوكم ﴿بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عن الإيمان بهم، ﴿فَفَرِيقًا﴾ منهم ﴿كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ فقدمتم الهوى على الهدى، وآثرتم الدنيا على الآخرة، وفيها من التوبيخ والتشديد ما لا يخفى. (٢)

стр. 395

الدليل الخامس عشر: يثبت أنه لا فرق بين عيسى وبين غيره من الأنبياء في نبوته: قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ (البقرة: ١٣٦)، ووجه الدلالة من الآية أن عيسى ﵇ معدود ضمن الأنبياء الذين بعثهم الله للناس. فأما قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾، يعني: وآمنا أيضًا بالتوراة التي آتاها الله موسى، وبالإنجيل الذي آتاه الله عيسى، والكتب التي آتى النبيين كلهم، وأقرَرنا وصدَّقنا أن ذلك كله حَق وهُدى ونور من عند الله، وأن جَميع من ذكر الله من أنبيائه كانوا على حق وهدى، يُصدِّق بعضهم بعضًا، على منهاج واحد في الدعاء إلى توحيد الله، والعمل بطاعته. (١) ولكون أهل الكتاب زادوا ونقصوا وحرفوا فيهما وادعوا أنهما أنزلا كذلك، والمؤمنون ينكرونه؛ اهتم بشأنهما فأفردهما بالذكر، وبين طريق الإيمان بهما، ولم يدرجهما في الموصول السابق؛ ولأن أمرهما أيضًا بالنسبة إلى موسى وعيسى أنهما منزلان عليهما حقيقة، لا باعتبار التعبد فقط كما في المنزل على إسحق ويعقوب والأسباط، ولم يعد الموصول لذلك في عيسى لعدم نحالفة شريعته لشريعة موسى إلا في النزر، ولذلك الاهتمام عبر بالإيتاء دون الإنزال، لأنه أبلغ لكونه المقصود منه، ولما فيه من الدلالة على الإعطاء الذي فيه شبه التمليك والتفويض، ولهذا يقال: أنزلت الدلو في البئر، ولا تقول: آتيتها إياها، ولك أن تقول: المراد بالموصول هنا ما هو أعم من التوراة والإنجيل، وسائر المعجزات الظاهرة بأيدي هذين النبيين الجليلين حسبما فصل في التنزيل الجليل، وإيثار الإيتاء لهذا التعميم، وتخصيص النبيين بالذكر لما أن الكلام مع اليهود والنصارى. (٢) وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ دلالة على أن عطية الدين، هي العطية الحقيقية المتصلة بالسعادة الدنيوية والأخروية. لم يأمرنا أن نؤمن بما أوتي الأنبياء من الملك والمال

стр. 396

ونحو ذلك، بل أمرنا أن نؤمن بما أعطوا من الكتب والشرائع. وفيه أن الأنبياء مبلغون عن الله، ووسائط بين الله وبين خلقه في تبليغ دينه، ليس لهم من الأمر شيء. وفي قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إشارة إلى أنه من كمال ربوبيته لعباده، أن ينزل عليهم الكتب، ويرسل إليهم الرسل، فلا تقتضي ربوبيته، تركهم سدى ولا هملًا. وإذا كان ما أوتي النبيون، إنما هو من ربهم، ففيه الفرق بين الأنبياء وبين من يدعي النبوة، وأنه يحصل الفرق بينهم بمجرد معرفة ما يدعون إليه، فالرسل لا يدعون إلا إلى الخير، ولا ينهون إلا عن كل شر، وكل واحد منهم، يصدق الآخر، ويشهد له بالحق، من غير تخالف ولا تناقض لكونه من عند ربهم ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. وهذا بخلاف من ادعى النبوة، فلا بد أن يتناقضوا في أخبارهم وأوامرهم ونواهيهم، كما يعلم ذلك من سبر أحوال الجميع، وعرف ما يدعون إليه. (١) وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ فيه وجهان: الأول: أنا لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، فإنا لو فعلنا ذلك كانت المناقضة لازمة على الدليل وذلك غير جائز. الثاني: لا نفرق بين أحد منهم، أي لا نقول: إنهم متفرقون في أصول الديانات، بل هم مجتمعون على الأصول التي هي الإسلام، كما قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، والوجه الأول: أليق بسياق الآية. (٢) فلما بيَّن تعالى جميع ما يؤمن به، عموما وخصوصا، وكان القول لا يغني عن العمل قال: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: خاضعون لعظمته، منقادون لعبادته، بباطننا وظاهرنا، مخلصون له العبادة بدليل تقديم المعمول، وهو ﴿لَهُ﴾ على العامل وهو ﴿مُسْلِمُونَ﴾. فقد

стр. 397

اشتملت هذه الآية الكريمة -على إيجازها واختصارها- على أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، واشتملت على الإيمان بجميع الرسل، وجميع الكتب، وعلى التخصيص -الدال على الفضل- بعد التعميم، وعلى التصديق بالقلب واللسان والجوارح والإخلاص لله في ذلك، وعلى الفرق بين الرسل الصادقين، ومن ادعى النبوة من الكاذبين، وعلى تعليم الباري عباده، كيف يقولون، ورحمته وإحسانه عليهم بالنعم الدينية المتصلة بسعادة الدنيا والآخرة، فسبحان من جعل كتابه تبيانًا لكل شيء، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. (١) الدليل السادس عشر: إذا كان إلها فكيف يطلب العون من الحواريين وفيه أن عيسى يقول من أنصاري إلى الله؟ فكيف يكون هو الله؟ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَال مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٥٢). وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (الصف: ١٤). أي إنه لما رأى منهم عدم الانقياد له، وقالوا هذا سحر مبين، وهموا بقتله وسعوا في ذلك ﴿قَال مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ من يعاونني ويقوم معي بنصرة في ين الله (٢). وقال مجاهد: أي من يتبعني إلى الله، والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي ﷺ يقول في مواسم الحج قبل أن يهاجر: "مَنْ رَجُل يُؤْوِيني عَلى أن أبلغ كلامَ رَبِّي، فإنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي" (٣) حتى وجد الأنصار فآووه، ونصروه، وهاجر إليهم؛ فآسوه، ومنعوه من الأسود والأحمر. وهكذا عيسى ابن مريم، انْتدَبَ له طائفة من بني إسرائيل؛ فآمنوا به،

стр. 398

وآزروه، ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه. ولهذا قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ الحواريون، قيل: كانوا قَصّارين وقيل: سموا بذلك لبياض ثيابهم، وقيل: صيادين. والصحيح أن الحواري الناصر، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما نَدبَ الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدَبَ الزبير (ثم ندبهم فانتدب الزبير) فقال ﷺ : "إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَاريًّا وَحَوَارِي الزُّبَيْرُ". (١) الدليل السابع عشر: وفيه أن الله يتوفى عيسى ويرفعه إليه . قال تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (آل عمران: ٥٥). وقد اختلف المفسرون في قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾: ١ - فقال قتادة وغيره: هذا من المقدم والمؤخر، تقديره: إني رافعك إلي ومتوفيك، يعني بعد ذلك. ٢ - وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا: النوم، والأدلة على ذلك: قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (الأنعام: . ٦). وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الزمر: ٤٢). وكان رسول الله ﷺ يقول -إذا قام من النوم-: "الحمْدُ لله الَّذِي أحْيَانَا بَعْدَمَا أمَاتَنَا وإلَيْهِ النُّشُورُ". (٢) وقال الله- تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا

стр. 399

قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ (النساء: ١٥٦ - ١٥٩). والضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عائد على عيسى ﵇ أي: وإن من أهل الكتاب إلا يؤمن بعيسى قبل موت عيسى؛ وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلّهم، لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام. وقوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: برفعي إياك إلى السماء ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهكذا وقع؛ فإن المسيح ﵇ لما رفعه الله إلى السماء تَفَرَّقت أصحابه شيَعًا بعده؛ فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد ذكر الله مقالاتهم في القرآن، ورَد على كل فريق، فلما بعث الله محمدًا ﷺ ، فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق -كانوا هم أتباع كُل نبي على وجه الأرض- إذ قد صدقوا الرسول النبي الأمي، خاتم الرسل، وسيد ولد آدم، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي من أمته، الذين يزعمون أنهم على ملّته وطريقته، مع ما قد حَرّفوا وبدلوا. ثم لو لم يكن شيء من ذلك، لكان قد نسخ الله بشريعته شريعة جميع الرسل بما بعث به محمدًا ﷺ من الدين الحق، الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة، ولا يزال قائما منصورًا ظاهرا على كل دين، فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واحتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميعُ الدول، وكسروا كسرى، وقَصروا قيصر، وسلبوهما كُنُوزَهما، وأنفقت في سبيل الله، كما أخبرهم بذلك نبيهم عن ربهم في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور: ٦٥).

стр. 400

ولهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقًّا، سلبوا النصارى بلاد الشام، وأَجْلَوهم إلى الروم، فلجؤوا إلى مدينتهم القسطنطينية، ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة. وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ أمَّته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية، ويستفيؤون ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مَقْتلة عظيمة جدا، لم ير الناس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ وكذلك فعل تعالى بمن كفر بالمسيح من اليهود، أو غلا فيه وأطراه من النصارى، عَذبهم في الدنيا بالقتل والسبي وأخْذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك، وفي الدار الآخرة عَذابُهم أشد وأشق ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ (الرعد: ٣٤)، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ أي: هذا الذي قَصَصْنَاه عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره، هو مما قاله الله تعالى، وأوحاه إليك ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى في سورة مريم: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (مريم: ٣٤ - ٣٥) (١). الدليل الثامن عشر: يثبت أن الله تعالى خلق عيسى ﵇ بكن: قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: ٥٩). يقول تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ في قدرة الله تعالى، حيث خلقه من غير أب ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾؛

стр. 401

فإن الله تعالى خلقه من غير أب ولا أم، بل ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ والذي خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى بكونه مخلوقًا من غير أب؛ فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلانًا وأظهر فسادًا. ولكن الرب أراد أن يظهر قدرته لخلقه، حين خَلَق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١]. وقال هاهنا: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي: هذا القول هو الحق في عيسى، الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال. ثم قال تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يُبَاهِلَ مَنْ عَانَدَ الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيانِ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: نحضرهم في حال المباهلة ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ أي: نلتعن ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ أي: منا أو منكم. (١) قال السعدي: يخبر تعالى محتجًا على النصارى الزاعمين بعيسى ﵇ ما ليس له بحق، بغير برهان ولا شبهة، بل بزعمهم أنه ليس له والد استحق بذلك أن يكون ابن الله أو شريكا لله في الربوبية، وهذا ليس بشبهة فضلًا أن يكون حجة؛ لأن خلقه كذلك من آيات الله الدالة على تفرد الله بالخلق والتدبير وأن جميع الأسباب طوع مشيئته وتبع لإرادته، فهو على نقيض قولهم أدل، وعلى أن أحدًا لا يستحق المشاركة لله بوجه من الوجوه أولى، ومع هذا فآدم ﵇ خلقه الله من تراب لا من أب ولا أم، فإذا كان ذلك لا يوجب لآدم ما زعمه النصارى في المسيح، فالمسيح المخلوق من أم بلا أب من باب أولى وأحرى، فإن صح ادعاء البنوة والإلهية في المسيح، فادعاؤها في آدم من باب أولى وأحرى، فلهذا قال

стр. 402

تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: هذا الذي أخبرناك به من شأن المسيح ﵇ هو الحق الذي في أعلى رتب الصدق، لكونه من ربك الذي من جملة تربيته الخاصة لك ولأمتك أن قص عليكم ما قص من أخبار الأنبياء ﵈، ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكين في شيء مما أخبرك به ربك، وفي هذه الآية وما بعدها دليل على قاعدة شريفة وهو أن ما قامت الأدلة على أنه حق وجزم به العبد من مسائل العقائد وغيرها، فإنّه يجب أن يجزم بأن كل ما عارضه فهو باطل، وكل شبهة تورد عليه فهي فاسدة، سواء قدر العبد على حلها أم لا فلا يوجب له عجزه عن حلها القدح فيما علمه، لأن ما خالف الحق فهو باطل، قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَال﴾ وبهذه القاعدة تنحل عن الإنسان إشكالات كثيرة يوردها المتكلمون ويرتبها المنطقيون، إن حلها الإنسان فهو تبرع منه، وإلا فوظيفته أن يبين الحق بأدلته ويدعو إليه. الدليل التاسع عشر: يثبت أن عيسى من الأنبياء الذين أوحى الله إليهم . قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣]. ووجه الاستدلال من الآية: أنه لما ذكر عيسى ﵇ بين هؤلاء الرسل دل على أنه من جنس هؤلاء الرسل، فليعتبره المعتبر بإخوانه المرسلين، فدعوته دعوتهم، وأخلاقهم متفقة، ومصدرهم واحد، وغايتهم واحدة. وهو كقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥] وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]. وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]. الدليل العشرون: يذكر أن عيسى ﵇ جاء على آثار من سبقه من الرسل: قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا

стр. 403

عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾ [المائدة: ٤٦]. فقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ أي: أتبعنا، أي جعلنا عيسى ابن مريم يقفوا آثارهم، أي آثار النبيين الذين أسلموا من بني إسرائيل، يقال قفيته مثل عقبته إذا اتبعته ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ يعني: أنبياء بني إسرائيل ﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: مؤمنًا بها حاكمًا بما فيها ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ أي: هدى إلى الحق، ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: متبعًا لها، غير مخالف لما فيها، إلا في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه، كما قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]؛ ولهذا كان المشهور من قولي العلماء أن الإنجيل نسخ بَعْضَ أحكام التوراة. وقوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وجعلنا الإنجيل ﴿وَهُدًى﴾ يهتدى به، ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ أي: وزاجرًا عن ارتكاب المحارم والمآثم ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: لمن اتقى الله وخاف وعيده وعقابه. وقوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ قُرئ ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بالنصب على أن اللام لام كي، أي: وآتيناه الإنجيل ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ ليحكم أهل ملته به في زمانهم. وقرئ: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بالجزم اللام لام الأمر، أي: ليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا ما أمروا به فيه، ومما فيه البشارة ببعثة محمد ﷺ ولأمر باتباعه وتصديقه إذا وجد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٨]، وقال هاهنا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحق. (١)

стр. 404

وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦]. الدليل الحادي والعشرون: وفيه المنة من الله تعالى على عيسى ﵇ بما أعطاه من الآيات ردًّا على اليهود الذين كذَّبوه: قال تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)﴾ [المائدة: ١١٠]. وتخصيص عيسى ﵇ من بين الرسل؛ لاختلاف طائفتي اليهود والنصارى فيه إفراطًا وتفريطًا، هذه تجعله إلهًا، وهذه تجعله كاذبًا. (١) الدليل الثاني والعشرون: وفيه اعتقاد أصحاب عيسى أنه رسول من ربه: قال تعالى: ﴿إِذْ قَال الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَال اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)﴾ [المائدة: ١١٢ - ١١٤]. ففي هذه الآيات سؤال الحواريين عن ربه وقول عيسي: اللهم ربنا، وهذا واضح فيما نحن فيه، وجرى قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ على طريقة عربية في العرض والدعاء، يقولون للمستطيع لأمر: هل تستطيع كذا، على معنى تطلّب العذر له إن لم يجبك إلى مطلوبك، وأنّ السائل لا يحبّ أن يكلّف المسؤول ما يشقّ عليه، وذلك كناية فلم يبق منظورًا فيه إلى صريح المعنى المقتضي أَنَّه يشكّ في استطاعة المسؤول، وإنَّما يقول

стр. 405

ذلك الأدنى للأعلى منه، وفي شيء يعلم أنه مستطاع للمسؤول، فقرينة الكناية تحقّقُ المسؤول أنّ السائل يعلم استطاعته. ومنه ما جاء في حديث يحيى المازني "أنّ رجلًا قال لعبد الله بن زيد: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله يتوضّأ". فإنّ السائل يعلم أنّ عبد الله بن زيد لا يشقّ عليه ذلك. فليس قول الحواريين المحكي بهذا اللفظ في القرآن إلّا لفظًا من لغتهم يدلّ على التلطّف والتأدّب في السؤال، كما هو مناسب أهل الإيمان الخالص. وليس شكًّا في قدرة الله تعالى ولكنّهم سألوا آية لزيادة اطمئنان قلوبهم بالإيمان بأن ينتقلوا من الدليل العقلي إلى الدليل المحسوس. فإنّ النفوس بالمحسوس آنس. (١) الدليل الثالث والعشرون: وفيه الرد على النصاري في ادعاء الألوهية والتثليث صراحة . قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَال سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المائدة: ١١٦ - ١١٧). وهذا مما يخاطب الله تعالى به عبده ورسوله عيسى بن مريم ﵇ قائلًا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله: ﴿وَإِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد. وهذا هو أحد الوجهين في الآية، والثَّاني أن هذا السؤال في الدنيا والأول أظهر. (٢) وهذا التوبيخ للنصارى الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، فيقول الله هذا الكلام لعيسى. فيتبرأ عيسى ويقول: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ عن هذا الكلام القبيح، وعمّا لا يليق بك، ﴿مَا

стр. 406

يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أي: ما ينبغي لي، ولا يليق أن أقول شيئًا ليس من أوصافي ولا من حقوقي، فإنّه ليس أحد من المخلوقين، لا الملائكة المقربون ولا الأنبياء المرسلون ولا غيرهم له حق ولا استحقاق لمقام الإلهية وإنما الجميع عباد مدبرون، وخلق مسخرون، وفقراء عاجزون، ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ فأنت أعلم بما صدر مني و ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ وهذا من كمال أدب المسيح ﵇ في خطابه لربه، فلم يقل ﵇: "لم أقل شيئًا من ذلك" وإنما أخبر بكلام ينفي عن نفسه أن يقول كل مقالة تنافي منصبه الشريف، وأن هذا من الأمور المحالة، ونزه ربه عن ذلك أتم تنزيه، ورد العلم إلى عالم الغيب والشهادة. ثم صرح بذكر ما أمر به بني إسرائيل، فقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ فأنا عبد متبع لأمرك، لا متجرئ على عظمتك، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أي: ما أمرتهم إلا بعبادة الله وحده وإخلاص الدين له، المتضمن للنهي عن اتخاذي وأمي إلهين من دون الله، وبيان أني عبد مربوب، فكما أنه ربكم فهو ربي. ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أشهد على من قام بهذا الأمر، ممن لم يقم به. ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: المطلع على سرائرهم وضمائرهم. ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ علمًا وسمعا وبصرا، فعلمك قد أحاط بالمعلومات، وسمعك بالمسموعات، وبصرك بالمبصرات، فأنت الذي تجازي عبادك بما تعلمه فيهم من خير وشر. ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ وأنت أرحم بهم من أنفسهم وأعلم بأحوالهم، فلولا أنهم عباد متمردون لم تعذبهم. ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: فمغفرتك صادرة عن تمام عزة وقدرة، لا كمن يغفر ويعفو عن عجز وعدم قدرة. ﴿الْحَكِيمُ﴾ حيث كان من مقتضى

стр. 407

حكمتك أن تغفر لمن أتى بأسباب المغفرة. (١) الدليل الرابع والعشرون: إثبات الأحدية والصمدية، وأن الله لم يلم ولم يولد . قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ١ - ٤). أي ﴿قُلْ﴾ قولًا جازمًا به، معتقدًا له، عارفًا بمعناه، ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أي: قد انحصرت فيه الأحدية، فهو الأحد المنفرد بالكمال، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، والأفعال المقدسة، الذي لا نظير له ولا مثيل. ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ أي: المقصود في جميع الحوائج. فأهل العالم العلوي والسفلي مفتقرون إليه غاية الافتقار، يسألونه حوائجهم، ويرغبون إليه في مهماتهم؛ لأنه الكامل في أوصافه، العليم الذي قد كمل في علمه، الحليم الذي قد كمل في حلمه، الرحيم الذي كمل في رحمته الذي وسعت رحمته كل شيء، وهكذا سائر أوصافه، ومن كماله أنه ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ لكمال غناه ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ لا في أسمائه ولا في أوصافه، ولا في أفعاله، ﵎. فهذه السورة مشتملة على توحيد الأسماء والصفات. (٢) الوجه الثالث: الأدلة من السنة على بطلان ألوهية المسيح . الدليل الأول: يثبت أن الله تعالى لم يلد ولم يولد، وأن من قال هذا القول فقد شتم الله -: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قال الله : كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني أبن آدم ولم يكن له ذلك. فأمَّا شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصَّمد، ولم ألد، ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد. وأما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته". (٣) وإنما سماه شتمًا؛ لما فيه من التنقيص؛ لأن الولد إنما يكون عن والدة تحمله ثم تضعه،

стр. 408

ويستلزم ذلك سبق النكاح، والنكاح يستدعي باعثًا له على ذلك. والله سبحانه منزه عن جميع ذلك (١)، واتخاذ الولد نقص لاستدعائه محالين: أحدهما: مماثلته للولد، وتمام حقيقته فيلزم إمكانه وحدوثه. وثانيهما: استخلافه لخلف يقوم بأمره من بعده؛ إذ الغرض من التوالد بقاء النوع فيلزم زواله وفناؤه سبحانه؛ ولذا قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَال هَدًّا (٩٠)﴾ [مريم: ٩٠]، والأحد: المنفرد المطلق ذاتًا وصفاتًا، وفرق بين الأحد والواحد؛ بأن الواحد لنفي مفتتح العدد، والأحد لنفي كل عدد، فالواحد ينبىء عن تفرد الذّات عن المثل والنظير، والأحد ينبىء عن تفردها عن كل نقص واتصافها بكلِّ كمال، فكيف مع ذلك يحتاج إلى الولد؟ والصمد هو الذي يحتاج إليه كل أحد وهو غني عنهم. (٢) فأي شتم لله تعالى أعظم من أن يقال: إن لله ولدًا؟ وأي شتم أعظم من أن يقال: إن رب السموات والأرض ﵎ نزل عن كرسي عظمته وعرشه، ودخل في فرج امرأة تأكل، وتشرب، وتبول، وتتغوط، وتحيض فالتحم ببطنها، وأقام هناك تسعة أشهر، يتلبط بين نجو، وبول، ودم طمث، ثم خرج إلى القماط والسري كلما بكي ألقمته أمه ثديها، ثم انتقل إلى المكتب بين الصبيان، ثم آل أمره إلى لطم اليهود خديه، وصفعهم قفاه، وبصقهم في وجهه، ووضعهم تاجا من الشوك على رأسه والقصبة في يده؛ استخفافًا به وانتهاكًا لحرمته. ثم قربوه من مركب خص بالبلاء راكبه، فشدوه عليه وربطوه بالحبال، وسمروا يديه ورجليه، وهو يصيح ويبكي ويستغيث من حر الحديد وألم الصلب؛ هذا وهو الذي خلق السموات والأرض، وقسم الأرزاق والآجال، ولكن اقتضت حكمته ورحمته أن يمكن أعداءه من نفسه لينالوا منه ما نالوا؛ فيستحقوا بذلك العذاب والسجن في الجحيم، ويفدى أنبياءه ورسله وأولياءه بنفسه؛ فيخرجهم من سجن إبليس؛ فإن روح

стр. 409

آدم وإبراهيم ونوح وسائر النبيين عندهم، كانت في سجن إبليس في النار، حتى خلصها من سجنه بتمكينه أعداءه من صلبه. وأما قولهم في مريم؛ فإنهم يقولون: إنها أم المسيح ابن الله في الحقيقة، ووالدته في الحقيقة، لا أم لابن الله إلا هي، ولا والدة له غيرها، ولا أب لابنها إلا الله، ولا ولد له سواه، وأن الله اختارها لنفسه ولولادة ولده وابنه من بين سائر النساء، ولو كانت كسائر النساء لما ولدت إلا عن وطء الرجال لها، ولكن اختصت عن النساء بأنها حبلت بابن الله، وولدت ابنه الذي لا ابن له في الحقيقة غيره، ولا والد له سواه، وإنَّها على العرش جالسة عن يسار الرب ﵎ والد ابنها، وابنها عن يمينه. والنصارى يدعونها ويسألونها سعة الرزق، وصحة البدن، وطول العمر، ومغفرة الذنوب، وأن تكون لهم عند ابنها ووالده -الذي يعتقد عامتهم أنه زوجها، ولا ينكرون ذلك عليهم- سورًا وسندًا وذخرًا وشفيعًا وركنًا، ويقولون في دعائهم: يا والدة الإله اشفعي لنا، وهم يعظمونها، ويرفعونها على الملائكة، وعلى جميع النبيين والمرسلين، ويسألونها ما يسأل الإله من العافية، والرزق، والمغفرة، حتى إن اليعقوبية يقولون في مناجاتهم لها: يا مريم يا والدة الإله، كوني لنا سورًا، وسندًا، وذخرًا، وركنًا، والنسطورية يقولون: يا والدة المسيح كوني لنا كذلك! ويقولون لليعقوبية: لا تقولوا يا والدة الإله، وقولوا يا والدة المسيح، فقالت لهم اليعقوبية: المسيح عندنا، وعندكم إله في الحقيقة فأي فرق بيننا وبينكم في ذلك؟ ولكنكم أردتم مصالحة المسلمين ومقاربتهم في التوحيد. (١) الدليل الثاني: يثبت أن عيسى مؤمن بالله معظم له: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: رأى عيسى بن مريم رجلًا يسرق، فقال له: أسرقت؟ قال: كلا والله الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى آمنت بالله وكذبت عيني (٢). وهذا الحديث فيه وجهان: أحدهما: قال القرطبي: ظاهر قول عيسى ﵇ للرجل:

стр. 410

سرقت، أنه خبر جازم؛ لكونه أخذ مالًا من حرز في خفية، وقوله الرجل: كلا، نفي لذلك ثم أكده باليمين، وقول عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني، أي صدقت من حلف بالله، وكذبت ما ظهر لي من كون الأخذ سرقة؛ فإنّه يحتمل أن يكون الرجل أخذ ماله فيه حق، أو ما أذن له صاحبه في أخذه أو أخذه؛ ليقلبه وينظر فيه، ولم يقصد الغصب والاستيلاء. الثاني: ما قاله ابن القيِّم: إن الله تعالى كان في قلبه أجل من أن يحلف به أحد كاذبًا، فدار الأمر بين تهمة الحالف، وتهمة بصره؛ فرد التهمة إلى بصره، كما ظن آدم ﵇ صدق إبليس لما حلف له أنه ناصح، وهذا أحسن من الأول. (١) قال ابن كثير ﵀: وهذا يدلُّ على سجية طاهرة، حيث قدم حلف ذلك الرجل؛ فظن أن أحدًا لا يحلف بعظمة الله كاذبًا على ما شاهده منه عيانًا؛ فقبل عذره ورجع على نفسه فقال: آمنت بالله أي صدقتك وكذبت بصري لأجل حلفك. (٢) الدليل الثالث: وفية لقاء النبي ﷺ بعيسى ﵇ ليلة الإسراء وذكر صفته . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ليلة أسري بي لقيت موسى، قال: فنعته فإذا رجل -حسبته قال- مضطرب، رجل الرأس، كأنه من رجال شنوءة، قال ولقيت عيسى - فنعته النبي ﷺ فقال- ربعة أحمر، كأنما خرج من ديماس -يعني الحمام- ورأيت إبراهيم، وأنا أشبه ولده به. قال وأتيت بإناءين: أحدهما لبن، والآخر فيه خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت؛ فأخذت اللبن فشربته، فقيل لي: هديت الفطرة، أو أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك". (٣) وعن ابن عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ رأيت عيسى وموسى وإبراهيم فأمَّا عيسى، فأحمر

стр. 411

جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزط". (١) فالحديث فيه أمران: الأول: ذكر لقاء النبي ﷺ بعيسى، وأن ذلك غير لقائه بالله تعالى، كما في القصة المطولة عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ ... ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇. فَقِيلَ مَنْ أَنْتَ قَال جِبْرِيلُ. قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قَال مُحَمَّد. قِيلَ وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ قَال قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أنَّا بِابْنَيِ الْخَالةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمَا فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ". (٢) وفي رواية أبي ذر قال: "ثم مررت بعيسى ﵇ فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح قلت من هذا؟ قال هذا عيسى بن مريم". (٣) وفي رواية أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : "لَقَدْ رَأَيْتُنِي في الحجْرِ وَقُرَيْش تَسْألنِي عَنْ مَسْرَايَ فَسَأَلتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيتِ المُقْدِسِ لَمْ أُثبِتْهَا. فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ قَال فَرَفَعَهُ الله لي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا يَسْألوني عَنْ شيء إِلَّا أَنْبَأْتهمْ بِهِ وَقَدْ رَأَيْتُنِي في جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِم يُصَلِّي فَإِذَا رَجُل ضَرْب جَعْد كَأنّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ قَائِم يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَائِم يُصَلِّي أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ -يَعْنِي نَفْسَهُ- فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأممتُهُمْ فَلَمّا فَرَغْتُ مِنَ الصلَاةِ قَال قَائِل يَا مُحَمَّدُ هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ". (٤) ففي هذه الروايات أنه قال له: "مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح فهل يقول الرب للعبد: يا أخي؟ ". وفيها: أنه دعا له بخير فمن يدعوا عيسى لو كان هو الإله.

стр. 412

وفيها: أنه لقيه في أثناء رحلة المعراج وليس في آخرها. وفيها: أنه تردد في عودته بين موسى وربه، ولم يكن لعيسى ﵇ شيء من هذا الحوار، فلو كان هو الرب لجرى معه هذا الحوار. وفيها: أنه قال فإذا أنا بابني الخالة، فإذا قلنا بأن مريم خالة يحيى ﵇ فهل أم يحيى خالة الرب؟ فإذا كانت كذلك فهلا توسل بها القوم كما توسلوا بأم الإله؟ وفي رواية أبي هريرة ﵁ أنه كان يصلي وصلى كذلك خلف رسول الله ﷺ فلو كان هو الإله فلمن يصلي وكيف يصلي به رسول الله ﷺ ؟ ! الأمر الثاني: صفة عيسى ﵇، وليس فيها شيء من صفات الله تعالى، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فقال في وصفه له: "وإذا عيسى بن مريم ﵇ قائم يصلي؛ فإذا ربعة أحمر، جعد، عريض الصدر، مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، شابًا أبيضَ، جعد الرأس، حديد البصر، مبطن الخلق، كأنما خرج من ديماس، أقرب الناس به شبهًا، عروة بن مسعود الثَّقفيُّ". (١) وفي بعض الروايات: "بينما أنا نائم أطوف بالكعبة؛ فإذا رجل آدم، كأحسن ما أنت راء من آدم الرجال، له لمة كأحسن ما أنت راء من اللمم، قد رجلها فهي تقطر ماء، متكئًا على رجلين، أو على عواتق رجلين، يطوف بالبيت، فسألت من هذا؟ فقيل: هذا المسيح بن مريم، سبط الشعر، يهادى بين رجلين، ينطف رأسه ماء، أو يهراق رأسه ماء؟ فقلت من هذا؟ قالوا ابن مريم". (٢) الدليل الرابع: وفيه إثبات أن عيسى من شباب أهل الجنة . عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الحسن والحسين سيدًا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة: عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا". (٣) الدليل الخامس: وفيه أن المسيح يدعو الله ويتضرع إليه، ولو كان إلهًا لما احتاج أن يرغب إلى الله ويدعوه؛ كما في هذا الحديث . عَنْ النَّوَّاسِ بْن سَمْعَانَ قَال: ذَكَرَ رَسُول

стр. 413

الله ﷺ الدَّجَّال ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ ... فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ الله المسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فَيَنْزِلُ عِنْدَ المنارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ وَإِذَا رَفَعَهُ تحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ فَلَا يحلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمْ الله مِنْهُ فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيحدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتهمْ فِي الجنَّةِ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى الله إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ وَيَبْعَثُ الله يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيرة طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ لَقَدْ كَانَ بِهَذه مَرَّةً مَاء وَيُحْصَرُ نَبِيُّ الله عِيسَى وَأَصحَابه حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمْ الْيَوْمَ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ الله عِيسَى وَأَصحَابه فَيُرْسلُ الله عَلَيْهِمْ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ الله عِيسَى وَأَصحَاُبهُ إِلَى الْأَرْضِ فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ الله عِيسَى وَأَصحَابه إِلَى الله فَيُرْسِلُ الله طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فتحْمِلُهُمْ فتطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ الله ثُمَّ يُرْسِلُ الله مَطَرًا لَا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ ثُمَّ يُقَال لِلْأَرْضِ أنبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنْ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنْ الْإِبِلِ لَتكفِي الْفِئَامَ مِنْ النَّاسِ وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْبقَرِ لَتكفِي الْقَبِيلَةَ مِنْ النَّاسِ وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْغَنَمِ لَتكفِي الْفَخِذَ مِنْ النَّاسِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ الله رِيحًا طَيبةً فتأْخُذُهُمْ تَحْتَ آباطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تهَارُجَ الحمُرِ فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ". (١) الدليل السادس: وهو متعلق بنزول عيسى في آخر الزمان، وما هي مهمته بعد قتل الدجَّال ؟ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل

стр. 414

فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا؛ فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال؛ حتى لا يقبله أحد". (١) زاد عند مسلم: وفي رواية ابن عيينة: "إمامًا مقسطًا، وحكمًا عدلًا". ووجه الدلالة من الحديث: قوله: ليوشكن بكسر المعجمة: أي ليقربن، أي لا بد من ذلك سريعًا. وقوله: أن ينزل فيكم، أي في هذه الأمة؛ فإنّه خطاب لبعض الأمة ممن لا يدرك نزوله. وقوله: حكمًا أي حاكمًا، والمعنى أنه ينزل حاكمًا بهذه الشريعة؛ فإن هذه الشريعة باقية لا تنسخ، بل يكون عيسى حاكمًا من حكام هذه الأمة، وفي رواية الليث عن بن شهاب عند مسلم: حكَمًا مقسطًا، وله من طريق بن عيينة عن بن شهاب إمامًا مقسطًا والمقسط العادل بخلاف القاسط فهو الجائر، وقوله فيكسر الصليب ويقتل الخنزير أي: يبطل دين النصرانية بأن يكسر الصليب حقيقة، ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه، ووقع في رواية عطاء بن ميناء عن أبي هريرة عند مسلم ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وقوله ويضع الحرب في رواية الكشميهني الجزية والمعنى أن الدين يصير واحدًا فلا يبقى أحد من أهل الذمة يؤدي الجزية وقيل معناه أن المال يكثر حتى لا يبقى من يمكن صرف مال الجزية له فتترك الجزية استغناء عنها وقال عياض يحتمل أن يكون المراد بوضع الجزية تقريرها على الكفار من غير محاباة ويكون كثرة المال بسبب ذلك وتعقبه النووي وقال الصواب أن عيسى لا يقبل إلا الإسلام قلت: ويؤيده أن عند أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة وتكون الدعوى واحدة، قال النووي: ومعنى وضع عيسى الجزية مع أنها مشروعة في هذه الشريعة أن مشروعيتها مقيدة بنزول عيسى لما دل عليه هذا الخبر وليس عيسى بناسخ لحكم الجزية بل نبينا ﷺ هو المبين للنسخ بقوله هذا، وقوله: ويفيض المال بفتح أوله وكسر الفاء وبالضاد المعجمة أي يكثر، وفي رواية عطاء بن ميناء المذكورة وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد، وسبب كثرته نزول البركات،

стр. 415

وتوالي الخيرات بسبب العدل، وعدم الظلم، وحينئذ تخرج الأرض كنوزها، وتقل الرغبات في اقتناء المال لعلمهم بقرب الساعة قوله: حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها أي: أنهم حينئذ لا يتقربون إلى الله إلا بالعبادة لا بالتصدق بالمال وقيل: معناه أن الناس يرغبون عن الدنيا حتى تكون السجدة الواحدة أحب إليهم من الدنيا، وما فيها، وقد روى ابن مردويه من طريق محمد بن أبي حفصة عن الزهري بهذا الإسناد في هذا الحديث حتى تكون السجدة واحدة لله رب العالمين، وقوله: ثم يقول أبو هريرة واقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ هو موصول بالإسناد المذكور قال ابن الجوزي: إنما تلا أبو هريرة هذه الآية للإشارة إلى مناسبتها لقوله: حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها، فإنّه يشير بذلك إلى صلاح الناس، وشدة إيمانهم، وإقبالهم على الخير فهم لذلك يؤثرون الرَّكعة الواحدة على جميع الدنيا، والسجدة تطلق ويراد بها الرَّكعة، قال القرطبي: معنى الحديث أن الصلاة حينئذ تكون أفضل من الصدقة لكثرة المال إذ ذاك وعدم الانتفاع به حتى لا يقبله أحد، وقوله في الآية ﴿وَإِنْ﴾ بمعنى ما أي: لا يبقى أحد من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى إذا نزل عيسى إلا آمن به، وهذا مصير من أبي هريرة إلى أن الضمير في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ وكذلك في قوله قبل موته يعود على عيسى أي إلا ليؤمن بعيسى قبل موت عيسى وبهذا جزم ابن عباس فيما رواه ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عنه بإسناد صحيح ومن طريق أبي رجاء عن الحسن قال قبل موت عيسى والله إنَّه الآن لحي ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون ونقله عن أكثر أهل العلم ورجحه ابن جرير وغيره ونقل أهل التفسير في ذلك أقوالًا أخر وأن الضمير في قوله به يعود لله أو لمحمد وفي موته يعود على الكتابي على القولين وقيل على عيسى وروى ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس لا يموت يهودي ولا نصراني حتى يؤمن بعيسى فقال له عكرمة أرأيت أن خر من بيت أو احترق أو أكله السبع قال لا يموت حتى يحرك شفتيه بالإيمان بعيسى وفي إسناده خصيف وفيه ضعف ورجح جماعة هذا المذهب بقراءة أبي بن كعب إلا ليؤمنن به قبل موتهم أي أهل الكتاب قال النووي معنى

стр. 416

الآية على هذا ليس من أهل الكتاب أحد يحضره الموت إلا آمن عند المعاينة قبل خروج روحه بعيسى، وأنَّه عبد الله وابن أمته ولكن لا ينفعه هذا الإيمان في تلك الحالة كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ قال وهذا المذهب أظهر لأن الأول يخص الكتابي الذي يدرك نزول عيسى وظاهر القرآن عمومه في كل كتابي في زمن نزول عيسى وقبله. قال العلماء: الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه فبين الله تعالى كذبهم وأنَّه الذي يقتلهم أو نزوله لدنو أجله ليدفن في الأرض إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها وقيل: إنَّه دعا الله لما رأى صفة محمد وأمته أن يجعله منهم فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حتى ينزل في آخر الزمان مجددًا لأمر الإسلام فيوافق خروج الدجال فيقتله والأول أوجه وروى مسلم من حديث ابن عمر في مدة إقامة عيسى بالأرض بعد نزوله أنها سبع سنين وروى نعيم بن حماد في كتاب الفتن من حديث ابن عباس أن عيسى إذ ذاك يتزوج في الأرض ويقيم بها تسع عشرة سنة، وروى أحمد وأبو داود بإسناد صحيح من طريق عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة مثله مرفوعًا وفي هذا الحديث ينزل عيسى عليه ثوبان ممصران فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو الناس إلى الإسلام ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام وتقع الامنة في الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل وتلعب الصبيان بالحيات وقال في آخره ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون وروى أحمد ومسلم من طريق حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة ليهلن ابن مريم بفج الروحاء بالحج والعمرة الحديث وفي رواية لأحمد من هذا الوجه ينزل عيسى فيقتل الخنزير ويمحي الصليب وتجمع له الصلاة ويعطي المال حتى لا يقبل ويضع الخراج وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما. (١) وعن أبي هريرة

стр. 417

- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم". (١) وقد أخرجه مسلم، من طريق ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب بلفظ: وأمكم منكم قال الوليد بن مسلم فقلت لابن أبي ذئب إن الأوزاعي حدثنا عن الزهري فقال وإمامكم منكم قال بن أبي ذئب أتدري ما أمكم منكم قلت تخبرني قال فأمكم بكتاب ربكم. (٢) وعن جابر ﵁ في قصة الدجَّال. قال: "فينطلقون؛ فإذا هم بعيسى بن مريم ﷺ ؛ فتقام الصلاة، فيقال له: تقدم يا روح الله! فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم؛ فإذا صلى صلاة الصبح؛ خرجوا إليه. قال: فحين يرى الكذاب؛ ينماث كما ينماث الملح في الماء، فيمشي إليه فيقتله؛ حتى إن الشجرة والحجر ينادي: يا روح الله! هذا يهودي، فلا يترك ممن كان يتبعه أحدًا إلا قتله". (٣) وقال أبو الحسن الأبدي في مناقب الشافعي تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة، وأن عيسى يصلي خلفه ذكر ذلك ردًا للحديث الذي أخرجه ابن ماجه عن أنس وفيه ولا مهدي إلا عيسى، وقال أبو ذر الهروي حدثنا الجوزقي عن بعض المتقدمين قال معنى قوله وإمامكم منكم يعني أنه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل. وقال ابن التين معنى قوله: "وإمامكم منكم" أن الشريعة المحمدية متصلة إلى يوم القيامة وأن في كل قرن طائفة من أهل العلم، وهذا والذي قبله لا يبين كون عيسى إذا نزل يكون إمامًا، أو مأمومًا وعلى تقدير أن يكون عيسى إمامًا فمعناه أنه يصير معكم بالجماعة من هذه الأمة قال الطيبي المعنى يؤمكم عيسى حال كونه في دينكم ويعكر عليه قوله في حديث آخر عند مسلم فيقال له صلِّ لنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة لهذه الأمة. وقال ابن الجوزي: لو تقدم عيسى إمامًا لوقع في النفس إشكال ولقيل أتراه تقدم

стр. 418

نائبًا، أو مبتدئا شرعا فصلى مأمومًا لئلا يتدنس بغبار الشبهة وجه قوله: لا نبي بعدي وفي صلاة عيسى خلف رجل من هذه الأمة مع كونه في آخر الزمان، وقرب قيام الساعة دلالة للصحيح من الأقوال أن الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجة والله أعلم. (١) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه رجلًا مربوعًا إلى الحمرة، والبياض عليه ثوبان ممصران كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل فيدق الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام فيهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، وتقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون" (٢). فقول النبي ﷺ : "الأنبياء أولاد علات"، وفي لفظ إخوة من علات أمهاتهم شتى، ودينهم واحد: قال الجوهري: بنو العلات هم أولاد الرجل من نسوة شتى سميت بذلك لأن الذي تزوجها على أولى كانت قبلها ثم على من الثانية العلل الشرب الثاني يقال له: علل بعد نهل، وعله يعله إذا سقاه السقية الثانية، وقال غيره سموا بذلك لأنهم أولاد ضرائر، والعلات الضرائر وهذا الثاني أظهر وأما وجه التسمية فقال جماعة منهم القاضي عياض وغيره معناه أن الأنبياء مختلفون في أزمانهم وبعضهم بعيد الوقت من بعض فهم أولاد علات إذ لم يجمعهم زمان واحد كما لم يجمع أولاد العلات بطن واحد وعيسى لما كان قريب الزمان من النبي، ولم يكن بينهما نبي كانا كأنهما في زمان واحد، فقال ﷺ "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم ﵇ قالوا كيف يا رسول الله فقال الأنبياء إخوة من علات" الحديث. وفيه وجه آخر أحسن من هذا وهو أن النبي ﷺ شبه دين الأنبياء الذين اتفقوا عليه من

стр. 419

التوحيد وهو عبادة الله وحده لا شريك له والإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله ولقائه بالأب الواحد لاشتراك جميعهم فيه وهو الدين الذي شرعه الله لأنبيائه كلهم فقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، وقال البخاري في صحيحه باب ما جاء أن دين الأنبياء واحد وذكر هذا الحديث وهذا هو دين الإسلام الذي أخبر الله أنه دين أنبيائه، ورسله من أولهم نوح إلى خاتمهم محمد فهو بمنزلة الأب الواحد وأما شرائع الأعمال، والمأمورات فقد تختلف فهي بمنزلة الأمهات الشتى التي كان لقاح تلك الأمهات من أب واحد كما أن مادة تلك الشرائع المختلفة من دين واحد متفق عليه فهذا أولى المعنيين بالحديث، وليس في تباعد أزمنتهم ما يوجب أن يشبه زمانهم بأمهاتهم، ويجعلون مختلفي الأمهات لذلك، وكون الأم بمنزلة الشريعة، والأب بمنزله الدين، وأصالة هذا وتذكيره، وفرعية الأم، وتأنيثها، واتحاد الأب، وتعدد الأم ما يدل على أنه معنى الحديث والله أعلم. (١) وقال ابن تيمية: ولمما كان أصل الدين الذي هو دين الإسلام واحدًا، وإن تنوعت شرائعه قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء إخوة لعلات، وإن أولى الناس بابن مريم لأنا فليس بيني، وبينه نبي فدينهم واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وهو يعبد في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت، وذلك هو دين الإسلام في ذلك الوقت. (٢) وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليس بيني وبينه نبي يعني عيسى وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه رجل مربوع إلى الحمرة، والبياض بين ممصرتين كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل فيقاتل الناس على الإسلام فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال فيمكث في الأرض

стр. 420

أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون" (١). الدليل السابع: وفيه أن الناس يذهبون إلى عيسى ﵇ ليشفع لهم عند الله؛ فيحيل هذه الشفاعة إلى رسول الله ﷺ قائلًا: إن يعني غضب اليوم غضبًا- الخ ولم يقل أنا اليوم غضبت . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: "أنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأتونَ عِيسَى فَيقُولُونَ يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ الله وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِى المُهْدِ وَكَلِمَةٌ مِنْهُ ألقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوح مِنْهُ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا ترى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ لهمْ عِيسَى ﷺ إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ -وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا- نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ." (٢). الدليل الثامن: وفيه أن عُبَّاد عيسى ﵇ يلقون في النار يوم القيامة؛ لأنهم كذبوا . عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "قلنا يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس، والقمر إذا كانت صحوا؟ . قلنا: لا قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما. ثم قال: ينادي مناد ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم حتى يبقى من كان يعبد الله من بر، أو فاجر، وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم لم يكن لله صاحبة، ولا ولد، فيها تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم.، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فيها تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا فيقال: اشربوا، فيتساقطون حتى يبقى من كان يعبد الله من بر، أو فاجر". (٣)

стр. 421

قال القرطبي ﵀: وقد جاءنا على لسان من دلت المعجزة بصدقه أن الله تعالى إذا حشر الخلائق في صعيد واحد يعني يوم القيامة فيقال للنصارى: ما كنتم تعبدون فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله فيقول لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبه ولا ولد، ثم يقال لهم: ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا. فالله الله أدرك بقية نفسك قبل حلول رمسك، واستعمل سديد عقلك، ولا تعول على تقليد فاسد نقلك، واتبع الدين القويم دين الأب إبراهيم فما كان يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولكن كان حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين فالله يعلم أني انظر إليك وإلى كافّة خلق الله بعين الرحمة، وأسأله هداية من ضل من هذة الأمة وأتأسف على الأباطيل التي ينتحلون فإنا لله وإنا إليه راجعون. (١) وإن ما ذكر عنهم في هذا الحديث، هو حال كل صاحب باطل؛ فإنّه يخونه باطله أحوج ما كان إليه فإن الباطل لا حقيقة له وهو كاسمه باطل فإذا كان الاعتقاد غير مطابق، ولا حق كان متعلقه باطلًا، وكذلك إذا كانت غاية العمل باطلة كالعمل لغير الله، أو على غير أمره بطل العمل ببطلان غايته وتضرر عامله ببطلانه وبحصول ضد ما كان يؤمله فلم يذهب عليه عمله واعتقاده لا له ولا عليه بل صار معذبًا بفوات نفعه وبحصول ضد النفع فلهذا قال تعالى ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب فهذا مثل الضَّال الذي يحسب أنه على هدى. (٢) الدليل التاسع: وفيه بشرى لكل مسلم بصفة عامة، ولكل نصراني دخل في الإسلام بصفة خاصة، وفيه أن عيسى عبد الله ورسوله: عن عبادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل من أي أبواب الجنة الثمانية شاء". (٣)

стр. 422

قال النووي ﵀: هذا حديث عظيم الموقع، وهو أجمع أو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد؛ فإنه ﷺ جمع فيه ما يخرج عن جميع ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدهم، فاختصر ﷺ في هذه الأحرف ما يباين به جميعهم وسمى عيسى ﵇ كلمة لأنه كان بكلمة كن فحسب من غير أب، بخلاف غيره من بني آدم. قال الهروي: سمى كلمة لأنه كان عن الكلمة فسمى بها كما يقال للمطر رحمة، قال الهروي: وقوله تعالى ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي رحمة قال: وقال ابن عرفة: أي ليس من أب إنما نفخ في أمه الروح، وقال غيره: وروح منه أي مخلوقة من عنده، وعلى هذا يكون إضافتها إليه إضافة تشريف كناقة الله، وبيت الله وإلا فالعالم له ومن عنده. (١) وقال ابن حجر: قال القرطبي: مقصود هذا الحديث التنبيه على ما وقع للنصارى من الضلال في عيسى، وأمه ويستفاد منه ما يلقنه النصراني إذا أسلم. وقال غيره: في ذكر عيسى تعريض بالنصارى وإيذان بأن إيمانهم مع قولهم بالتثليث شرك محض، وكذا قوله: عبده، وفي ذكر رسوله تعريض باليهود في إنكارهم رسالته، وقذفه بما هو منزه عنه وكذا أمه وفي قوله وابن أمته تشريف له وكذا تسميته بالروح ووصفه بأنه منه كقوله تعالى وسخر لكم ما في الأرض جميعًا منه فالمعنى أنه كائن منه كما أن معنى الآية الأخرى أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه أي أنه مكون كل ذلك وموجده بقدرته وحكمته، وقوله: وكلمته إشارة إلى أنه حجة الله على عباده أبدعه من غير أب، وأنطقه في غير أوانه، وأحيى الموتى على يده، وقيل: سمي كلمة الله لأنه أوجده بقوله: فلما كان بكلامه سمي به كما يقال سيف الله وأسد الله وقيل لما قال في صغره إني عبد الله، وأما تسميته بالروح فلما كان أقدره عليه من إحياء الموتى، وقيل: لكونه ذا روح وجد من غير جزء من ذي روح. (٢) ومن فوائد هذا الحديث عدم الخلط بين الإسلام وغيره من الأديان، فقوله: "وأن عيسى عبد

стр. 423

الله ورسوله" تعريض باليهود في التفريق بين رسله في إنكارهم رسالته، ثم رسالة محمد ﷺ وتعريض بالنصارى- أنفسهم- في قولهم بالإيمان به مع التثليث، وهو شرك محض؛ وبه تعرف السر في تخصيص ذكر عيسى ﵇ في هذا الحديث العظيم الجامع، ألا وحدة بين مسلم يؤمن بجميع أنبياء الله ورسله، ويهودي، أو نصراني: لا يؤمن بمحمد ﷺ كما قال الله -سبحانه-: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ [البقرة: ١٣٧]. (١) الدليل العاشر: شهادة النجاشي لما جاء في القرآن من أن عيسى عبد، وقد كان على دينهم بل كان حاكمهم: عن أم سلمة ﵂ زوج النبيِّ ﷺ قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا على أن يبعثوا إلى النجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة المخرومي وعمرو بن العاص، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا إلى النجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. قالت فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار وعند خير جوار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعًا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق أنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤا بدين مبتدع لانعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إليك فيهم أشارف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فإذا كلما الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم؛ فإن قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا نعم، ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهم،

стр. 424

ثم كلماه فقالا له أيها لا ملك إنَّه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قوهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم، فقالت بطارقته حوله صدقوا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما ليردوهم إلا بلادهم وقومهم، قالت فغضب النجاشي، ثم قال: لا ها الله أذن لا أسلمهم إليهما ولا أكاد أقوام جاوروني ونزلوا ببلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسئلهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني، قالت ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه قالوا نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا ﷺ كائنًا في ذلك ما هو كائن، فلما جاؤه -وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله- سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الأمم، قالت وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له أيها الملك! كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام، ونسىء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة، قالت فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده ولم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا

стр. 425

قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك، قالت فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص (١)﴾ قالت فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقوا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا ولا أكاد قالت أم سلمة فلما خرجنا من عنده قال عمرو بن العاصي والله لآتينه غدًا أعيبهم عنده بما استأصل به خضراءهم، قالت فقال عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا لا تفعل فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا، قال والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد، قالت ثم غدًا عليه من الغد فقال له أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه، قالت فأرسل إليهم فسألهم عنه، قالت ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه، قالوا نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا كائنًا في ذلك ما هو كائن، فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته التي ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه، فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم، وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي- "والسيوم" الآمنون- من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبر ذهب وإني آذيت رجلًا منكم-"، وفيه أن النجاشي وافق الصحابة على اعتقاد المسلمين في عيسى ﵇. (١)
следующие страницы →