أ - أن حادثة طوفان نوح ﵇ كانت ممتدة إلى سنة، وفنى فيه كل ذي حياة من الطيور والبهائم والحشرات والإنسان غير أهل السفينة، وما نجا من الإنسان غير ثمانية أشخاص على ما هو مصرح به في الباب السابع والثامن من سفر التكوين.
وفي الآية العشرين من الباب الثالث من الرسالة الأولى لبطرس هكذا: (إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ).
والآية الخامسة من الباب الثاني من رسالته الثانية هكذا: (وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى الْعَالَمِ الْقَدِيمِ، بَلْ إِنَّمَا حَفِظَ نُوحًا ثَامِنًا كَارِزًا لِلْبِرِّ، إِذْ جَلَبَ طُوفَانًا عَلَى عَالَمِ الْفُجَّارِ). وما مضت على هذه الحادثة مدة إلى هذا اليوم على زعم أهل الكتاب إلا مقدار أربعة آلاف ومائتين واثنتي عشرة سنة شمسية ولا يوجد هذا الحال في تواريخ مشركي الهند وكتبهم. وهم ينكرون هذا الأمر إنكارًا بليغًا ويستهزئ به علماؤهم كافة ويقولون: لو قطع النظر عن الزمان السالف ونظر إلى زمان كرشن الأوتار، الذي كان قبل هذا اليوم بمقدار أربعة آلاف وتسعمائة وستين سنة على شهادة كتبهم، لا مجال لصحة هذه الحادثة العامة لأن الأمصار العظيمة الكثيرة من ذلك العهد إلى هذا الحين مغمورة وثبت بشهادة تواريخهم أنه يوجد من ذلك العهد إلى هذا الحين في إقليم الهند مليونات كثيرة في كل زمان من الأزمنة، ويدعون أن حال زمان كرشن لوجود كثرة التواريخ كحال أمس.
وقال ابن خلدون في المجلد الثاني من تاريخه: واعلم أن الفرس والهند لا يعرفون الطوفان وبعض الفرس يقولون كان ببابل فقط. انتهى كلامه بلفظه. وقال العلامة تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد المعروف بالمقريزي في المجلد الأول من كتابه المسمى بكتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: (الفرس وسائر المجوس والكلدانيون أهل بابل والهند وأهل الصين وأصناف الأمم المشرقية ينكرون الطوفان، وأقر به بعض الفرس لكنهم قالوا لم يكن الطوفان بسوى الشام والمغرب ولم يعم العمران كله ولا غرق إلا بعض الناس ولم يجاوز عقبة حلوان ولا بلغ إلى ممالك المشرق) انتهى كلامه بلفظه.
стр. 3607
وأبناء صف القسيسين ينكرون هذا الطوفان ويستهزئون به. وأنقل كلام جان كلارك الملحد عن رسالته الثالثة المندرجة في كتابه المطبوع سنة ١٨٣٩ في ليدس فقال في الصفحة ٥٤: (هذا) يعني الطوفان، غير صحيح على شهادة علم الفلسفة وأنا أتعجب! أمات الحيتان في ماء هذا الطوفان؟ .
ولما كان بحكم الآية الخامسة من الباب السادس من سفر التكوين أفكار قلوب الإنسان ذميمة فلماذا أبقى الله ثمانية أشخاص. لِمَ لَمْ يخلق الإنسان مرة أخرى بعد إهلاك الكل؟ ولماذا أبقى بضاعته القديمة التي بقيت الأفكار الذميمة باقية بسببها؟ لأن الشجرة الرديئة لا تثمر ثمرة جيدة كما قال متى في الآية السادسة عشر من الباب السابع، هل يجتنون من الشوك عنبًا أو من الحسك تينًا؟ . ونوح كان شارب الخمر وبهيمة وظالمًا (والعياذ بالله). كما يفهم من الآية ٢١ و ٢٥ من الباب التاسع من سفر التكوين فكيف يرجى منه أن يكون نسله صالحًا.
وانظروا أنه لم يكن صالحًا كما يظهر من الآية الثانية من الباب الثاني من رسالة بولس إلى أهل أفسيس والآية الثالثة من الباب الثالث من رسالته إلى تيطس والآية الثالثة من الباب الرابع من الرسالة الأولى لبطرس والآية (ص ١٩٠) الخامسة من الزبور الحادي والخمسين) انتهى كلامه. ثم استهزأ في هذه الصفحة ٩٣ استهزاءً بليغًا جاوز الحد في إساءة الأدب، فلا أرضى بنقل كلامه القبيح.
ب - أن حادثة وقوف الشمس يومًا كاملًا ليوشع (يشوع بن نون) مذكورة في سفر يشوع ١٠/ ١٢ - ١٣، وذكر مؤرخو أهل الكتاب ومفسروهم بأنها دامت إلى أربع وعشرين ساعة، فهذه الحادثة العظيمة التي وقعت سنة ١٤٥٠ ق. م يجب أن يراها سكان الأرض كلهم؛ لأن السحاب الغليظ لا يمنع العلم بها في المناطق التي كان عليها النهار، وأما سكان المناطق التي كان عليها الليل فلا بد أن يعلموا بهذه الحادثة لامتداد ليلهم بمقدار أربع وعشرين ساعة، ومع ذلك فإن مشركي الهند والفرس وأهل الصين ينكرونها ولم تذكر في تواريخهم، وملاحدة أوروبا يستهزئون بها ويوردون عليها اعتراضات، فهل يقبل القسيسون بإنكار الأمم المشرقية لهذه الحادثة وباعتراضات أبنائهم الملاحدة؟ !
стр. 3608
ج - أن متى روى في إنجيله ٢٧/ ٥١ - ٥٣ عدة حوادث عظيمة وقعت بعد حادثة الصلب مباشرة، وهي: انشقاق حجاب الهيكل من فوق إلى أسفل، وتزلزل الأرض، وتشقق الصخور، وتفتح القبور، وقيام كثير من أجساد القديسين الموتى، وخروجهم من القبور، ودخولهم القدس، وظهورهم لكثيرين، وهذه الحوادث كاذبة يقينًا لكن نقول: إن هذه الحوادث العظيمة غير مذكورة في كتب الرومان ولا في كتب اليهود، بل لم يذكرها إنجيل يوحنا، وإما إنجيل مرقس وإنجيل لوقا فذكرا انشقاق حجاب الهيكل فقط ولم يذكرا باقي الأمور العظيمة، علمًا أن ذكرها أولى من ذكر صراخ المصلوب وأمور أخرى لا قيمة لها اتفقا على ذكرها، وعلمًا أن بعض الأمور يبقى أثرها بعد الوقوع كتشقق الصخور وتفتح القبور، والعجب من متى أنه لم يذكر أن هؤلاء القديسين بعد خروجهم من قبورهم أحياء أين ذهبوا؟ ! هل بقوا على قيد الحياة أم رجعوا إلى قبورهم؟ ! ولذلك استهزأ بعضهم بهذه المبالغات الشنيعة فقال: لعل متى رآها في المنام. ويفهم من عبارة إنجيل لوقا أن انشقاق حجاب الهيكل كان قبل وفاة المصلوب، بينما يفهم من عبارتي متى ومرقس أنه بعد وفاة المصلوب. فكيف يعالج القسيسون هذه المعضلات؟ !
د - أنه ورد في إنجيل متى (٣/ ١٦ - ١٧) وإنجيل مرقس (١/ ١٠ - ١١) وإنجيل لوقا (٣/ ٢١ - ٢٢) أن يحيى عمد عيسى ﵇ في نهر الأردن، وفي وقت صعود عيسى من الماء، انشقت السماوات وانفتحت ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسيمة في شكل حمامة، وقال صوت من السماوات: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت.
فانشقاق السماوات لم كان في النهار فلا بد أن يراه أكثر أهل العالم، وكذا رؤية الحمامة المجسمة وسماع الصوت لا يختص بواحد دون غيره من الحاضرين، ومع ذلك لم يكتب أحد من مؤرخي ذلك الزمان هذه الحادثة غير الإنجيليين الثلاثة، ولذلك صارت سببًا لاستهزاء ملاحدة أوروبا فقالوا: لماذا أبقانا متى محرومين من معرفة الأبواب التي انفتحت في السماوات هل هي أبوابها الكبيرة أم المتوسطة أم الصغيرة؟ ! وفي أي جانب منها كانت هذه الأبواب؟ !
وقساوستنا يضربون رؤوسهم متحيرين في تعيين ذلك. ولماذا لم يخبرنا متى عن الحمامة هل أخذها أحد وحبسها في القفص أم رأوها راجعة إلى السماوات؟ !
стр. 3609
وإذا رجعت إلى السماوات فهل بقيت أبوابها مفتوحة كل هذه المدة؟ ! وهل رأوا باطن السماوات بوجه حسن؟ ! فماذا يقول القسيسون في هذه التساؤلات؟ ! إذن فالاعتراض على معجزة انشقاق القمر لمحمد ﷺ اعتراض باطل ولا قيمة له.
أما عن قولهم بأن ذلك مغاير للأفلاك،
إضافة إلى ما سبق بيانه من إثبات وقوع هذه المعجزة نقول:
الله أكبر، مَن الذي خلق الأفلاك السماوية أليس الله؟ بلى، إذن هو قادر على أن يغيرها ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾، فانشقاق القمر انشقاق حسي، انفلق فرقتين، ورآه الناس وشاهدوه، ولكن المكابر المعاند لا يقبل شيئًا، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ ﴿آيَةً﴾ نكرة في سياق الشرط، أي آية يرونها يعرضون عنها ولا يقبلونها.
ونحن نؤمن بأن القادر على أن يطوي السماوات بيمينه كطي السجل للكتب، قادر على أن يفرق القمر فرقتين، ولا شيء يعجزه ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر: ٤٤]، ولهذا لا وجه لإنكار من أنكر ذلك. (١)
وأخيرًا: إليكم هذا النبأ الهام من وكالة ناسا الفضائية
أما في عصرنا الراهن فنجد في موقع وكالة ناسا الفضائية الأمريكية على شبكة (الإنترنت) صورة لصدع طولي رهيب على سطح القمر يظهر بوضوح من الصورة في أعلى المقال يمتد لمئات الكيلومترات، عبارة عن حزام من الصخور المتحولة، وكاتب المقال يتساءل:
What could cause along crack on tha moon?
أي ما الذي يمكن أن يحدث شقًا بهذا الطول في القمر؟
والكيفية التي طرح بها السؤال تبين بجلاء حيرة العلماء في تفسير تكون هذا الشق، وهو ما ينم عن حدث عظيم تعرض له القمر ترك هذا الأثر المحيّر، ولو كان سببه زلزالًا عاديًا أو بركانًا لما استغلق على العلماء فهمه كل هذه المدة إذ إنه اكتشف منذ أكثر من ٢٠٠ عام كما يذكر موقع وكالة ناسا.
стр. 3610
والطريف في الأمر أن هؤلاء العلماء ليسوا مسلمين ولا علم لهم بنسبة هذه المعجزة لنبينا ﷺ ؛ فصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾ [سبأ: ٦].
وإليكم صورة انشقاق القمر كما نقلت إلينا:
الوجه السابع: ماذا عن المعجزات ومعجزات يسوع كما في الكتاب المقدس ؟ (١)
المعجزات ليست دليل ألوهية:
(متى ٢٤/ ٢٤): لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا.
المسيح لم يقدر أن يصنع معجزات:
(مرقس ٥/ ٥): وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَصْنَعَ هُنَاكَ وَلَا قُوَّةً وَاحِدَةً، غَيْرَ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى مَرْضَى قَلِيلِينَ فَشَفَاهُمْ.
يسوع ينكر معجزاته:
٢ - شبهة: كيف كان هلاك عاد ؟
نص الشبهة:
هل كان قوم عاد صرعى (واقعون على الأرض) أم مثل أعجاز نخل خاوية (واقفة) قال الله تعالى: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)﴾ [القمر: ٢٠]، وقال في موضع آخر ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧].
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: لا تعارض بين اللفظين في اللغة (منقعر)، (خاوية) وما تعود عليهما:
الوجه الثاني: لم يقل الله (منقعرة).
الوجه الثالث: في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ إنما ذكر رعاية للفواصل.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: لا تعارض بين اللفظين في اللغة (منقعر)، (خاوية) وما تعود عليهما.
معنى المنقعر في اللغة:
قال الله تعالى ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، معنى المنقعر المنقلع من أصله، وقال ابن السكيت: يقال قعرت النخلة إذا قلعتها من أصلها حتى تسقط وقد انقعرت هي. وقال لبيد يرثي أخاه:
وأربَدُ فارسُ الهيجا إذا ما ... تقعّرت المَشاجر بالفئامِ
أي: انقلبت فانصرعت، وذلك في شدة القتال عند الانهزام.
وعن ابن الأعرابي أنه قال: ضربته فانقعر. . .، وعن الكسائي: وقَعَرتُ شجرة من أرومتها فانقعرت (١).
وفي الحديث: أَن رجلًا تَقَعَّر عن مال له وفي رواية انْقَعَر عن ماله أَي انْقَلَع من أَصله
يقال قَعَرَه إِذا قَلَعَه يعني أَنه مات عن مال له، وفي حديث ابن مسعود ﵁: أَن عمر ﵁ لقي شيطانًا فصارَعَه فقَعَره أَي قَلَعه، وقيل: كلُّ ما انْصَرَع فقد انْقَعَر وتَقَعَّر. (٢)
стр. 3613
معنى خاوية في اللغة: خوت الدار تهدمت وسقطت ... ، وخوى البيت إذا انهدم .. .، وفي حديث سهل: فإذا هم بدار خاوية على عروشها، خوى إذا سقط وخلا عروشها سقوفها ومنه قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَة﴾. أعجاز النخل أصولها، وقيل خاوية نعت للنخل لأن النخل يذكر ويؤنث.
وقال في موضع آخر ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ المنقعر: المنقلع عن منبته، وكذلك الخاوية معناها معنى المنقلع، وقيل لها إذا انقلعت خاوية لأنها خوت من منبتها الذي كانت تنبت فيه وخوى منبتها منها، ومعنى خوت أى: خلت كما تخوى الدار خويًا إذا خلت من أهلها. (١)
قلت: من هنا يظهر أن كلمة منقعر وخاوية بنفس العنى وهو معنى المنقلع المنخلع من أصله، وذلك تشبيهًا بالنخل المنقعر الخاوي من أصوله لبيان شدة الأخذ والعذاب، وأنهم بعد ما خلعوا وانقلعوا أصبحت ديارهم منهم خواء.
شبهة أخرى: هل النخل مذكر أم مؤنث ؟
تذكر النخل وتأنيثه: وأهل الحجاز يؤنثون النخل، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾، وأهل نجد يذكرون، قال الشاعر في تذكيره:
كنخل من الأعراض غير مُنبَّقِ (٢).
﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ أسافل نخل منقلع من أصله يقال: من النخل وهو النخل فمجازها هنا: لغة من ذكّر وفي آية أخرى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾، في لغة من أنث. (٣)
قوله تعالى: ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ النخل يذكر ويؤنث، ويقال: هذا نخل، وهذه نخل فمنقعر على من قال: هذا نخل، ومن قال هذه نخل فمثل قوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾. (٤)
стр. 3614
الوجه الثاني: لم يقل الله (منقعرة) .
إنما ذكر الصفة لأن الموصوف -وهو النخل- مذكر اللفظ، وليس فيه علامة تأنيث، فاعتبروا المعنى وهو كونه جمعًا فقال: أعجاز نخل خاوية.
ويمكن أن يقال النخل لفظه لفظ الواحد كالبقل والنمل ومعناه معنى الجمع فيجوز أن يقال فيه نخل منقعر ومنقعرة ومنقعرات، ونخل: خاوية وخاويات، ونخل خاو وخاوية وخاويات ونخل باسق وباسقة وباسقات فإذا قال قائل منقعر أو خاو أو باسق جرد النظر إلى اللفظ ولم يراع جانب المعنى.
وإذا قال: منقعرة أو خاوية أو باسقة جمع بين الاعتبارين من حيث وحدة اللفظ، وربما قال منقعرة على الإفراد من حيث اللفظ وألحق به تاء التأنيث التي في الجماعة إذا عرفت هذا فنقول: ذكر الله -تعالى- لفظ النخل في مواضع ثلاثة ووصفها على الوجوه الثلاثة فقال: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ فإنها حال منها وهي كالوصف، وقال: ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ وقال: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ فحيث قال: ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ كان المختار ذلك؛ لأن المنقعر في حقيقة الأمر كالمفعول؛ لأنه الذي ورد عليه القعر فهو مقعور، والخاوي والباسق فاعل ومعناه: إخلاء ما هو مفعول من علامة التأنيث أولًا، كما نقول: امرأة كفيل وامرأة كفيلة، وامرأة كبير وامرأة كبيرة، وأما الباسقات فهي فاعلات حقيقة، لأن السوق قام بها، وأما الخاوية فهي من باب حسن الوجه؛ لأن الخاوي موضعها فكأنه قال: نخل خاوية المواضع، وهذا غاية الإعجاز حيث أتى بلفظ مناسب للألفاظ السابقة واللاحقة من حيث اللفظ فكان الدليل يقتضي ذلك بخلاف الشاعر الذي يختار اللفظ على المذهب الضعيف لأجل الوزن والقافية. (١)
قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ فيه وجوه:
أحدها: نزعتهم فصرعتهم: ﴿أَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾، كما قال: ﴿صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
ثانيها: نزعتهم فهم بعد النزع: كأنهم أعجاز نخل وهذا أقرب، لأن الانقعار قبل الوقوع، فكأن الريح تنزع الواحد وتقعر فينقعر فيقع فيكون صريعًا، فيخلو الموضع عنه فيخوى، وقوله في الحاقة: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ إشارة إلى حالة بعد الانقعار الذي هو
стр. 3615
بعد النزع، وهذا يفيد أن الحكاية ههنا مختصرة حيث لم يشر إلى صرعهم وخلو منازلهم عنهم بالكلية، فإن حال الانقعار لا يحصل الخلو التام إذ هو مثل الشروع في الخروج والأخذ فيه.
ثالثها: تنزعهم نزعًا بعنف كأنهم أعجاز نخل تقعرهم فينقعروا إشارة إلى قوتهم وثباتهم على الأرض، وفي العنى وجوه: أحدها: أنه ذكر ذلك إشارة إلى عظمة أجسادهم وطول أقدادهم، ثانيها: ذكره إشارة إلى ثباتهم في الأرض، فكأنهم كانوا يعملون أرجلهم في الأرض ويقصدون المنع به على الريح، وثالثها: ذكره إشارة إلى يبسهم وجفافهم بالريح، فكانت تقتلهم وتحرقهم ببردها المفرط فيقعون كأنهم أخشاب يابسة. (١)
قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ أي كأنهم أصول نخل خالية الأجواف لا شيء فيها، ثم يحتمل أنهم شبهوا بالنخيل التي قلعت من أصلها، وهو إخبار عن عظيم خلقهم وأجسامهم ويحتمل أن يكون المراد به الأصول دون الجذوع، أي أن الريح قد قطعتهم حتى صاروا قطعًا ضخامًا كأصول النخل. وأما وصف النخل بالخواء، فيحتمل أن يكون وصفًا للقوم؛ فإن الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم كالنخل الخاوية الجوف، ويحتمل أن تكون الخالية بمعنى البالية لأنها إذا بليت خلت أجوافها، فشبهوا بعد أن أهلكوا بالنخيل البالية. (٢)
الوجه الثالث: في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ إنما ذكر رعاية للفواصل . (٣)
قال ههنا: منقعر فذكر النخل، وقال في سورة الحاقة ﴿أَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ فأنثها، قال المفسرون في تلك السورة كانت أواخر الآيات تقتضي ذلك لقوله ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾، ومنهم ومنتشر، وجواب حسن؛ فإن الكلام كما يزين بحسن المعنى يزين بحسن اللفظ. (٤)
* * * *
стр. 3616
سورة الرحمن
شبهة: تكرار ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ .
نص الشبهة:
في سورة الرحمن تكررت آية بعينها أكثر من مرة، وأن ذلك غير مفيد، وأنه قد يُختصر.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: التكرار في لغة العرب .
الوجه الثاني: التكرار في القرآن.
الوجه الثالث: التكر ار في سورة الرحمن.
الوجه الرابع: النظر إلى التكرار في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: التكرار في لغة العرب.
يقول ابن منظور:
كرر الشئ: أعاده مرة بعد أخرى، والكرة: المرة.
والتكرار أو الإطناب، وضده الحذف أو الإيجاز من مباحث المعاني في البلاغة العربية، فمن فوائد التكرار: التأكيد، التحريض، وتنبيه الأنفس، وهذا موجود في تكرار الكلام، مثل قول النبي ﷺ : "ألا هل بلغت، ألا هل بلغت، ... "، فقد قال ابن عمر ﵁: قال النبي: ﷺ "هل بلغت ثلاثًا"، كما قال النبي ﷺ : " ألا وقول الزور، فما زال يكررها)، وعَنْ أَنسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا" حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا" (١).
فهذا هو النبي ﷺ أبلغ العرب، وكان يخاطبهم، وهذه سنتهم، وتلك طريقتهم. وكلام العرب وأشعارهم كثيرة جدًّا في هذا الباب، ومن ذلك قول مهلهل يرثي كليبا:
стр. 3617
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا ما ضيم جيران المجير
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا رجف العضاة من الدبور
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا خرجت مخبأة الخدور
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا ما أعلنت نجوى الأمور
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا خيف المخوف من الثغور
على أن ليس عدلًا من كليب ... غداة تأثل الأمر الكبير
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا ما خار جاش المستجير
وقال الفراء: إن القرآن نزل بلغة العرب، ومن عادتهم تكرار الكلام للتأكيد والإفهام، فيقول المجيب: بلى بلى، والممتنع: لالا، وعليه قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ (التكاثر: ٣، ٤) وأنشد قوله:
كائن وكم عندي لهم من صنيعة ... أيادي سنوها على وأوجبوا
وقوله: نعق الغراب ببين ليلى ... غدوة كم كم وكم بفراق ليلى ينعق
وقوله: هلا سألت جموع كن ... دة يوم ولوا أين أينا
وهو كثير نظمًا ونثرًا (١).
الوجه الثاني: التكرار في القرآن .
لقد جاء التكرار في القرآن الكريم محكمًا، وقد ورد فيه كثيرًا، فليس فيه موضع قد أخذ عليه، دَعْ دعاوى المغالين، فإن بينهم وبين القرآن تارات، فهم له أعداء وإذا أحسنا الفهم لكتاب الله، فإن التكرار فيه -مع سلامته من المآخذ والعيوب- يؤدى وظيفتين:
أولاهما: من الناحية الدينية.
ثانيهما: من الناحية الأدبية.
فالناحية الدينية: باعتبار أن القرآن كتاب هداية وإرشاد وتشريع، لا يخلو منها فن من
стр. 3618
فنونه، وأهم ما يؤديه التكرار من الناحية الدينية هو: تقرير المكرر وتوكيده، وإظهار العناية به؛ ليكون في السلوك أمثل، وللاعتقاد أبين.
أما الناحية الأدبية: فإن دور التكرار فيها متعدد، وإن كان الهدف منه في جميع مواضعه يؤدى إلى تأكيد المعاني، وإبرازها في معرض الوضوح والبيان (١).
الوجه الثالث: التكرار في سورة الرحمن .
وفي الدرر والغرر لعلم الهدى سيد المرتضي: التكرار في سورة الرحمن إنما حسن؛ للتقرير بالنعم المختلفة المعددة، فكلما ذكر سبحانه نعمة أنعم بها؛ وبخ على التكذيب بها، كما يقول الرجل لغيره: ألم أحسن إليك بأن خولتك في الأموال؟ ألم أحسن إليك بأن فعلت بك كذا وكذا؟ فيحسن فيه التكرير؛ لاختلاف ما يقرر به (٢).
قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، فإنها تكررت نيفًا وثلاثين مرة، كل واحدة تتعلق ربما قبلها، ولذلك زادت على ثلاثة، ولو كان عائدًا على شىء واحد لماذا زاد على ثلاثة؟ لأن التأكيد لا يزيد عليها، قاله ابن عبد السلام وغيره، وإن كان بعضها ليس بنعمة فذكر النعمة للتحذير نعمة، وقد سئل أي نعمة في قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾؟ فأجاب بأجوبة أحسنها: النقلة من دار الهموم إلى دار السرور، وإراحة المؤمن من الكافر، والبار من الفاجر، فالتكرير -وهو أبلغ من التأكيد- وهو من محاسن الفصاحة، خلافًا لبعض من غلط.
وله فوائد منها: التقرير، وقد قيل: إن الكلام إذا تكرر تقرر، ومنها: التأكيد، ومنها: التنبيه، ومنها: إذا طال الكلام وحش؛ تناسى الأول، أعيد ثانيًا، نظرية له وتجديدًا لعهده، ومنها: التعظيم والتهويل، ومنه ما وقع فيه الفصل بين المكررين فيقع التكرير للطول، ومنه ما كان لتعدد المتعلق، بأن يكون المكرر ثانيًا متعلقًا بغير ما تعلق به الأول، وهذا القسم يسمى بالترديد (٣)، ومن مثاله ما وقع بسورة الرحمن.
стр. 3619
وكرر سبحانه هذه الآية في هذه السورة في أحد وثلاثين موضعًا، تقريرًا للنعمة، وتأكيدًا للتذكير بها، على عادة العرب في الاتساع ثمانية منها: ذكرت عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، بعدد أبواب جهنم، وحسن ذكر الآلاء عقبها، لأن من جملة الآلاء: رفع البلاء، وتأخير العقاب، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنيتن وأهلها، بعدد أبواب الجنة، وثمانية أخرى بعدها في الجنتين اللتين هما دون الجنيتن الأولين، أخذًا من قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها؛ استحق هاتين الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة، أفاده شيخ الإسلام في متشابه القرآن.
قال القتيبي: إن الله عدد في هذه السورة نعماءه، وذكر خلقه آلاءه، ثم أتبع كل خلة وضعها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين، لينبههم على النعم، ويقررهم بها، كما تقول لمن تتابع له إحسانك وهو يكفره: ألم تكن فقيرًا فأغنيتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملًا فعززتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن راجلًا فحملتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن عريانًا فكسوتك أفتنكر هذا؟ والتكرير حسن في مثل هذا، ومنه قول الشاعر:
لا تقتلي رجلًا إن كنت مسلمة ... إياك من دمه إياك إياك
ومثل هذا الكلام شائع في كلام العرب، وذلك لأن الله تعالى ذكر في هذه السورة ما يدل على وحدانيته: من خلق الإنسان، وتعليمه البيان، وخلق الشمس والقمر، والسماء والأرض، إلى غير ذلك مما أنعم به على خلقه، وخاطب الجن والإنس بالأشياء المذكورة، لأنها كلها منعم بها عليهم.
قال الحسين بن فضيل: التكرير طرد للغفلة، وتأكيد للحجة، وذهب جماعة منهم ابن قتيبة إلى أن التكرير لإختلاف النعم، فلذلك كرر التوقيف مع كل واحدة (١).
стр. 3620
يقول ابن قتيبة: وأما تكرار: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)﴾، فإنه عدد في هذه السورة نعمائه، وأذكر عباده آلاءه، ونبههم على قدرته ولطفه بخلقه، ثم أتبع ذكر لكل خلة وصفها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين، ليفهمهم النعم، ويقررهم بها (١).
فكما سبق توضيحه لا بد للتكرار من هدف وغرض جاء له، وإلا كان ضربًا لغو الحديث.
وإلى صاحب الشبهة أقول: إن القرآن نزل على العرب، وقرأه النبي ﷺ عليهم، فما استطاع أحد منهم أن يعيب حرفًا واحدًا منه، والعرب بلا شك أعلم الناس بكلامهم وصوره التي يأتي عليها، سوًاء كان تكرارًا وإطنابًا وتأكيدًا، أو إيجازًا وحذفًا واختصارًا، ولو كان في القرآن مأخذ؛ لكان بلغائهم هم أول الناس طعنًا فيه وأخذًا عليه، فقد روي أن قيس بن عاصم المنقري قال للنبي ﷺ : اتل علي مما أنزل عليك، فقرأ عليه سورة (الرحمن) فقال: أعدها، فأعادها ثلاثًا، فقال: والله إن له لطلاوة، وإن عليه لحلاوة، وأسفله لمغدق، وأعلاه مثمر، وما يقول هذا بشر، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله (٢).
ففي الحديث دلالة على إعجاب هذا العربي بالآيات، وهو الخبير بالكلام وصنوفه شعره ونثره، وما عاب تكرارًا أو غيره في السورة، بل طلب إعادتها عليه، كذلك أن ابن مسعود ﵁ جهر بقرائتها في المسجد؛ حتى قامت إليه أندية قريش فضربوه (٣)، ولم يتخذ أحدهم ذلك فرصة للطعن والعيب في القرآن.
стр. 3621
الوجه الرابع: النظر إلى التكرار في الكتاب المقدس .
إن تكرار القرآن جاء محكمًا مؤديًا غرضه في أبلغ صورة على الإطلاق، لكن عندما ننظر إلى التكرار في الكتاب المقدس نجد شيئًا مغايرًا تمامًا.
لنبدأ بسفر الجامعة تتكرر فيه كلمة " تحت الشمس" ثلاثون مرة في السفر وبطريقة لا تمت إلى البلاغة بصلة وإليك أمثلة:
"مَا الْفَائِدَةُ لِلإِنْسَانِ مِنْ كُلِّ تَعَبِهِ الَّذِي يَتْعَبُهُ تَحْتَ الشَّمْسِ ١٤ رَأَيْتُ كُلَّ الأَعْمَالِ الَّتِي عُمِلَتْ تَحْتَ الشَّمْسِ وَلَا مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ ولا جديد تحت الشمس"، وهكذا أكثر من ثلاثين مرة وهنا لنا كلمة عن سفر الجامعة هذا: فهو من الكتب الغريبة في العهد القديم، ويختلف في موضوعه وفي روحه الدينية عن بقية الأسفار، ويقدم رؤية فكرية مختلفة، بل مضادة للدين ويعكس موقفًا سلبيًا من الحياة الإنسانية، ويفسر هذه الحياة في ضوء نظرية عبثية ترى كل الأشياء باطلة، ولا معنى للأشياء سوى التكرار الممل للأحداث، فلا جديد تحت الشمس التي تتكرر بطريقة سمجة ثلاثون مرة.
وهذه كلمة: (سلاه) تكررت أكثر من ٧٠ مرة في المزامير، والكارثة هنا: أن هذه الكلمة ليس لها معنى على الإطلاق، أو كما يقول القاموس معناها مشكوك فيه، و (البابا شنودة) يقر بذلك ويقول في كتابه: سنوات مع أسئلة الناس صفحة ٢٦ أن عبارة سلاه وردت ٧١ مرة في المزامير، ويرجح أنها وقفة لتغيير اللحن إلى طبقة موسيقية مختلفة (يعني حاجة لزوم الاوركسترا السيمفوني! ! ! )، وهذا معناها في قاموس الكتاب المقدس.
Selah a word frequently found in the Book of psalms and
also in Hab.٣: ٩: ١٣ about seventy-four times in all in Scripture.
Its meaning is doubtful.Some interpret it as meaning "silence"or
"pause"others "end" "alouder strain" "piano"etc.
وبصرف النظر عن معرفة المعنى الصحيح، ما يهمنا هنا هو: التكرار الذي لا يعجبهم في القرآن الكريم، في رأيهم في هذه الكلمة المجهولة المعنى التي تكررت ٧١ مرة؟ !
ولم ننتهي بعد لنأخذ (إنجيل لوقا): نجده يحتوى على ١١ فقرة مكررة فيه نفسه في موضعين مختلفين، بل ولعشرة منها نظيرها في (إنجيل مرقص)، وإليك البيان:
سورة الواقعة
شبهة: ثلة من الأولين وثلة من الآخرين .
نص الشبهة:
هناك اختلاف بين قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ وبين قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾.
والرد من وجوه:
الوجه الأول: تفسير الآيات .
الوجه الثاني: إبطال هذه الشبهة، وإثبات أنهم أخطأوا في فهمها.
الوجهالثالث: إثبات الفضل والأفضلية للأولين على الآخرين.
الوجه الرابع: التناقض في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تفسير الآيات.
أولًا: قوله تعالى في الحديث عن السابقين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾:
١ - ثلة: أي جماعة.
٢ - وقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ وهم جماعة كثيرة من الذين سبقوا لرسوخ إيمانهم وظهور أثره في أعمالهم من العمل الصالح والدعوة إلى الله والصبر على الجهاد في سبيله، إلى غير ذلك من المناقب التي كانت ملكات لهم، سواء كان ثلة من الأولين السابقين المقصود بهم أنهم من الأمم السابقة أو من القرون الأولى لأمة محمد ﷺ .
٣ - وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾: أ- فإذا كان ثلة من الأولين السابقين المقصود بهم أنهم من الأمم السابقة كان قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ أي: من أمة محمد ﷺ وهذا رواية عن مجاهد والحسن البصري رواها عنهما ابن أبي حاتم، وهو اختيار ابن جرير (١).
стр. 3626
قال الشوكني: والمراد بالأولين هم الأمم السابقة من لدن آدم إلى نبينا ﷺ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ أي: من هذه الأمة وسموا قليلًا بالنسبة إلى من كان قبلهم وهم كثيرون لكثرة الأنبياء فيهم وكثرة من أجابهم. قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا، قال الزجاج: الذين عاينوا جميع الأنبياء وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي ﷺ ، ولا يخالف هذا ما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ثم قال: ثلث أهل الجنة ثم قال: "نصف أهل الجنة" لأن قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ إنما هو تفضيل للسابقين فقط كما سيأتي في ذكر أصحاب اليمين أنهم ثلة من الأولين وثلة من الآخرين، فلا يمتنع أن يكون في أصحاب اليمين من هذه الأمة من هو أكثر من أصحاب اليمين من غيرهم، فيجتمع من قليل سابقي هذه الأمة ومن ثلة أصحاب اليمين منها من يكون نصف أهل الجنة، والمقابلة بين الثلتين في أصحاب اليمين لا تستلزم استواءهما لجواز أن يقال: هذه الثلة أكثر من هذه الثلة كما يقال: هذه الجماعة أكثر من هذه الجماعة، وهذه الفرقة أكثر من هذه الفرقة، وهذه القطعة أكثر من هذه القطعة (١).
وإطلاق قوله: ﴿الْآخِرِينَ﴾ على أمة محمد ﷺ لأنهم آخر الأمم (٢).
قال الآلوسي: وحاصل ذلك غلبة مجموع هذه الأمة كثرة على من سواها كقرية فيها عشرة من العلماء ومائة من العوام وأخرى فيها خمسة من العلماء وألف من العوام فخواص الأولى أكثر من خواص الثانية؛ وعوام الثانية ومجموع أهلها أضعاف أولئك، لا يقال يأبى أكثرية تابعي هؤلاء قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ (الواقعة: ٣٩ - ٤٥) فإنه في حق أصحاب اليمين وهم التابعون، وقد عبر عن كل بالثلة أي: الجماعة الكثيرة، لأنا نقول لأدلة في الآية على أكثر من وصف كل من الفريقين بالكثرة؛ وذلك لا ينافي أكثرية أحدهما فتحصل أن سابقي الأمم السوالف أكثر من سابقي أمتنا، وتابعي أمتنا أكثر من تابعي الأمم، والمراد بالأمم ما يدخل فيه الأنبياء، وحينئذ لا
стр. 3627
يبعد أن يقال: إن كثرة سابقي الأولين ليس إلا بأنبيائهم في على سابقي هذه الأمة بأس إذ أكثرهم سابقو الأمم بضم الأنبياء ﵈ (١).
ب- وإذا كان ثلة من الأولين السابقين المقصود بهم أنهم من القرون الأولى لأمة محمد ﷺ كان قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ أي: من القرون المتأخرة من أمة محمد ﷺ أيضًا، فالذين جاءوا في الأزمنة التي حدثت فيها الغير، وتبرجت الدنيا لخطابها، ونسي معها سر البعثة، وحكمة الدعوة فما أقل الماشين على قدم النبي ﷺ وأصحابه؛ لا جرم أنهم وقتئذ الغرباء لقلتهم (٢).
ورجح ابن كثير هذا القول ودلل على ذلك بقوله: لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنص القرآن؛ فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة، والظاهر أن المقربين من هؤلاء أكثر من سائر الأمم والله أعلم (٣).
والدين كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم، كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها، وتثبيت الناس على السنة وروايتها إظهارها والفضل للمتقدم، وكذلك الزرع إليه آكد، فإنه لولاه ما نبت في الأرض ولا تعلق أساسه فيها، ولهذا قال ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى قيام الساعة (٤) " (٥).
ثانيًا: قوله تعالى في الحديث عن أصحاب اليمين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ (الواقعة ٣٩ - ٤٠) أي: جماعة وأمة من المتقدمين في الإيمان سواء من الأمم السابقة أو من القرن الأول من أمة محمد ﷺ وممن جاء بعدهم من التابعين بإحسان، والكثرة ظاهرة لوفرة أصحاب اليمين في أواخرهم دون السابقين كما بينا أولًا (٦).
стр. 3628
عن ابن عباس ﵁ قال: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأفقَ فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي؛ فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأفقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأفقَ فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ ألفًا يَدْخُلُونَ الجنّةَ بِغَر حِسَاب"، فتفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيَّنْ لَهُمْ، فتذَاكَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشًّرْكِ وَلَكِنَّا آمَنَّا بِالله وَرَسُولِهِ وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ هُمْ أَبْنَاؤُنَا فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "هُمْ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ محصنٍ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ فَقَالَ سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ (١).
الوجه الثاني: الرد على القول المزعوم .
فأما من قال: كيف قيل في موضع: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ وقيل في موضع آخر: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾؟
والرد من وجوه:
الأول: أن الموضع الأول كان في الحديث عن السابقين، فالسابقون من أمة النبي ﷺ من الصحابة (أي أول الأمة) خير وأكثر من الذين جاءوا من بعدهم؛ لرسوخ إيمانهم، وظهور أثره في أعمالهم من العمل الصالح، والدعوة إلى الله، والصبر على الجهاد في سبيله، إلى غير ذلك من المناقب التي كانت ملكات لهم.
وأما الموضع الذي قال فيه: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ فهذا في الكلام عن أصحاب اليمين، والكثرة فيهم ظاهرة لوفرة أصحاب اليمين في أواخرهم دون السابقين؛ فلذلك فرق بين الثلتين في السابقين، وسوى بينهما في أصحاب اليمين.
الثاني: قد وصف الله في هذه الآيات ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ والذين لهم أعلى المنازل في الجنة أنهم ثلة من الأولين أي: كثيرون؛ لأن الأولين قد عاصروا
стр. 3629
النبي ﷺ وكانت درجات إيمانهم من أقوى الدرجات، وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ لأن الأجيال المتأخرة لا يمكن مقارنة إيمانهم بمن عاصروا الرسول ﷺ ، ثم وإن اجتهد بعض المتأخرين اجتهاد الأولين، فإنهم عدد قليل، وأما في أصحاب اليمين فكثير من يجتهد ليصل لهذه الدرجة لذلك قال: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾.
الوجه الثالث: إثبات الأفضلية للأولين على الآخرين .
فعن عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " خَيْرُ النَّاس قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينه، وَيَمِينه شَهَادَتَهُ".
قَالَ إِبْرَاهِيمُ (الراوي عن عبيدة): وَكانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ (١).
قال ابن حجر: وَقَالَ أَبو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ: مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ النَّهْيُ عَنْ مُبَادَرَةِ الرَّجُلِ بِقَوْلِهِ: أَشْهَدُ بِالله وَعَلَى عَهْدِ الله لَقَدْ كَانَ كَذَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَضْرِبونَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يَصيرَ لهمْ بِهِ عَادَةٌ فَيَحْلِفُوا فِي كُلِّ مَا يَصْلُحُ وَمَا لَا يَصْلُحُ (٢).
قَوْله: "تَسْبِق شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ "قَالَ الطَّحَاوِيُّ: أَيْ يُكْثِرُونَ الْأَيْمَانَ فِي كُلّ شَيْء حَتَّى يَصير لَهُمْ عَادَة، فَيَحْلِف أَحَدهمْ حَيْثُ لَا يُرَاد مِنْهُ الْيَمِين وَمنْ قَبْلِ أَنْ يُسْتَحْلَف.
وَقَالَ غَيْره: المُرَاد يَحْلِف عَلَى تَصْدِيق شَهَادَته قَبْل أَدَائِهَا أَوْ بَعْده، وَهَذَا إِذَا صَدَرَ مِنْ الشَّاهِد قَبْلَ الحكْم سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ، وَقِيلَ: المُرَاد التَّسَرُّعُ إِلَى الشَّهَادَةِ، وَالْيَمِين، وَالحرْص عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يَدْرِي بِأَيِّهِمَا يَبْدَأ لِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ (٣).
وهذا فيه دليل على أفضلية الأولين على الآخرين، وأن الورع يقل كلما مرت هذه القرون الأول، فلذلك ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ في هؤلاء الأخيار ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ فيمن يكونون من السابقين.
واتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ خَيْر الْقُرُون قَرْنه صَلَّى ﷺ ، وَالمُرَاد أَصْحَابه، وقوله: "خَيْر النَّاس"
غَالِبًا بَلِيد الْفَهْم ثَقِيل عَنْ الْعِبَادَةِ كَمَا هُوَ مَشْهُور (١).
وقوله في حديث مسلم: "ثُمَّ يَخْلُف قَوْم يُحِبُّونَ السَّمَانَة" وَفِي رِوَايَة: "وَيَظْهَر قَوْم فِيهِمْ السِّمَن" قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى هَذَا الحدِيث: المُرَاد بِالسِّمَنِ هُنَا: كَثْرَة اللَّحْم، وَمَعْنَاهُ أنَّهُ يَكْثُر ذَلِكَ فِيهِمْ، قَالُوا: وَالمُذْمُوم مِنْهُ مَنْ يَسْتكسِبُهُ، وَأَمَّا مَنْ هُوَ فِيهِ خِلْقَة فَلَا يَدْخُل فِي هَذَا، وَالمُتكَسِّب لَهُ هُوَ المتوَسِّع فِي المأْكُول وَالمُشْرُوب زَائِدًا عَلَى المْعْتَاد، وَقِيلَ: المُرَاد بِالسِّمَنِ هُنَا أَنَّهُمْ يَتكَثَّرُونَ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ، وَيَدَّعُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ مِنْ الشَّرَف وَغَيْره (٢).
فمما سبق يتبين الخير في الأولين، والبلادة والسمنة وعدم الورع والزهد والإقبال على ما ليس من حق في الآخرين أو في معظمهم إلا من رحم الله ، لذلك كان السابقون لدرجة السابقين كثر في الأولين وقليل في الآخرين، فقال تعالى عن السابقين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ أما أصحاب اليمين فهي منزلة أقل من منزلة السابقين، فكان السابقون لها في الأولين والآخرين كثير؛ فلذلك قال: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾.
الوجه الرابع: التناقض في الكتاب المقدس .
هل أنجبت ميكال أم لا؟
(وَلَمْ تُنْجِبْ مِيكَالُ بِنْتُ شَاوُلَ وَلَدًا إِلَى يَوْمِ مَوْتِهَا ((صموئيل الثاني ٦/ ٢٣).
(فَأَخَذَ المُلِكُ، أَرْمُويبَ وَمَفِبيُوشَثَ ابْنَيْ رِصْفَةَ ابْنَةِ أَيَّةَ اللَّذَيْنِ وَلَدَتْهُما لِشَاوُلَ، وَأَبْنَاءَ مِيكَالَ ابْنَةِ شَاوُلَ الْخَمْسَةَ الَّذِينَ أَنْجَبَتْهُمْ لِعَدْرِيئيلَ ابْنِ بَرْزِلايَ المُحُولِيِّ) (صموئيل الثاني ٢١/ ٨) (٣).
* * *
стр. 3632
سورة الجمعة
شبهة: لماذا يجتمع المسلمون يوم الجمعة ؟
نص الشبهة:
أن اليهود يجتمعون لذكر خلق الله العالم في ستة أيام واستراح في اليوم السابع، والنصارى يجتمعون الأحد لذكرى قيام المسيح فيه.
والسؤال: لماذا جعل المسلمون يوم الجمعة ليجتمعوا فيه؟
والجواب:
لأن يوم الجمعة كان يسمى في الجاهلية عروبة فسماه كعب بن لؤي بن غالب يوم الجمعة وكان يخطب فيه على قريش وكانت قريش تجتمع إليه في كل جمعة ليسمعوا خطبة (من كتاب بلوغ الأرب في حال العرب) فيوم الجمعة مصدره عرب الجاهلية ومن وضع كعب بن لؤي وليس من وحي السماء.
فلما أراد المسلمون أن يختاروا يومًا كاليهود والنصارى اختاروا يوم الجمعة الذي وضعته عرب الجاهلية.
والجواب على ذلك من وجوه كما يلي،
الوجه الأول:
يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع فهدى الله المسلمين هذا اليوم فكان رزقًا من الله للمسلمين.
وإليك هذه الأحاديث التي بين فيها النبي ﷺ فضل يوم الجمعة:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: ﷺ "نحن الآخرون ونحن السابقون يوم القيامة بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ثم هذا اليوم الذي كتبه الله علينا هدانا الله له فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد". (١)
٢ - عن أبي هريرة، وعن ربعى بن حراش ﵁ عن حذيفة قالا: قال رسول الله ﷺ : " أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت وكان للنصارى يوم الأحد فجاء الله بنا
стр. 3633
فهدانا الله ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضى لهم قبل الخلائق ". (١)
٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة". (٢)
٤ - عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : " من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا على من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي " فقالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت -يعني وقد بليت-؟ قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء -صلوات الله عليهم-" (٣).
٥ - وعن أبي هريرة أيضًا عن النبي ﷺ قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط من الجنة وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مسيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى يسألى الله شيئا إلا أعطاه إياه". قال كعب: ذلك في كل سنة يوم. فقلت بل في كل جمعة. فقرأ كعب التوراة فقال صدق رسول الله ﷺ قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب، قال: قد علمت أية ساعة هي؟ قلت: فأخبِرني بها، قال: هي آخر ساعة في يوم الجمعة. قال أبو هريرة: فقلت: وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال رسول الله ﷺ : " لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي" وتلك الساعة ساعة لا يصلَّى فيها، فقال عبد الله بن سلام ألم يقل رسول الله ﷺ : "من
стр. 3634
جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلى". (١)
فهذه بعض فضائل يوم الجمعة التي جعلها الله للمسلمين والتي ذكرها نبينا محمد ﷺ وهي كما بينا لتعرف الفضل الذي هو عند أهل الفضل:
١. أفضل يوم طلعت عليه الشمس.
٢. فيه خُلق آدم ﵇.
٣. فيه أدخل الجنة وأخرج منها وفيه تيب عليه وفيه مات.
٤. فيه تقوم الساعة.
٥. فيه ساعة إجابة.
٦. فيه النفخة وفيه الصعقة.
٧. فيه فضل الصلاة على النبي ﷺ في هذا اليوم .... وغيرها كثير من فضائل هذا اليوم الذي اختصت به هذه الأمة.
أول من سمى يوم الجمعة وسبب تسميته .
قال البغوي: واختلفوا في تسمية هذا اليوم جمعة، منهم من قال: لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم ﵇. وقيل: لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات، وقيل: لاجتماع الجماعات فيه، وقيل: لاجتماع الناس فيها للصلاة.
وقيل: أول من سماها جمعة كعب بن لؤي قال أبو سلمة: أول من قال: (أما بعد) كعب بن لؤي وكان أول من سمى الجمعة جمعة، وكان يقال له يوم العروبة.
وعن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي ﷺ المدينة. وقبل أن ينزل الجمعة وهم الذين سموها الجمعة. (٢)
стр. 3635
وقيل: كان كعب عظيم القدر عند العرب، ولهذا أرَّخوا لموته إلى عام الفيل، ثم أرخوا بالفيل. وهو أول من جمع يوم العروبة، وقيل: هو أول من سماها الجمعة، فكانت قريش تجتمع عليه في هذا اليوم فيخطبهم، ويذكرهم بمبعث النبي ﷺ ، ويعلمهم أنه من ولده ويأمرهم باتباعه والإيمان به وينشد فيه هذا:
يا ليتني شاهدًا فحواء دعوته ... إذا قريش تبتغي الحق خذلانا. (١)
أما عن قولهم: إن المسلمين اختاروا يومًا لمحاكاة اليهود والنصاري أفعالهم.
والجواب:
إن هذا ليس من دأب المسلمين بل وليس ذلك من الشرع فإن الشرع يأمر بمخالفة اليهود والنصارى. حيث كان يذكر دائمًا "خالفوا المشركين ........ " الحديث. (٢)
وكان النبي ﷺ يحب مخالفة اليهود والنصارى في كل شيء.
الوجه الثاني: لماذا اختار اليهود يوم السبت والنصاري يوم الأحد ؟
يذكر اليهود أن يوم السبت هو اليوم الذي استراح فيه الله بعد خلق العالم.
وتذكر النصارى أن يوم الأحد هو اليوم الذي يحفظونه لذكرى قيامة المسيح من قبره.
وكلا الأمرين باطل لا جدال في ذلك.
حيث إن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، وما أتعبه ذلك، وما مسه من لغوب كما ذكر القرآن ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨].
وهل يليق بالله ﷻ أن يتصف بصفة مذمومة كصفة التعب! ! فهذا محال على الله.
стр. 3636
والنصارى يدعون أن يوم الأحد يوم قيامة المسيح، وهذا أيضًا معتقد خاطئ؛ فالمسيح لم يصلب، ولم يدفن ولم يقم من قبره في اليوم الثالث كما يزعمون، ولو سلمنا جدلًا بهذه المسألة لوجدنا أن قيامة المسيح لم تكن بعد ثلاثة أيام حيث يعتمد المسيحيون على بيان أن المسيح مكث في قبره ثلاثة أيام على ما ورد في الأناجيل على لسان المسيح وهو بين تلاميذه.
وذلك حين طلب الكتبة والفريسيون من المسيح ﵇: "حِينَئِذٍ أَجَابَ قَوْمٌ مِنَ الْكَتبة وَالْفَرِّيسِيِّينَ قَائِلِينَ: "يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْكَ آيَةً". ٣٩ فَأَجابَ وَقَالَ لهُمْ: "جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلَا تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلَّا آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ. ٤٠ لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الحُوتِ ثَلاثةَ أيَّامٍ وَثَلاثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاثةَ أيَّامٍ وَثَلاثَ ليال." (متي ١٢/ ٣٨: ٤٠).
يقول المسيحيون إن هذا إخبار من المسيح بأنه سيمكث في قبره هذه لمدة المذكورة. ولكننا إذا رجعنا إلي الأناجيل ورواياتها عن الصلب والقيامة لوجدنا استحالة هذه النبوءة لأنه لكي يتحقق يجب أن يبقى المصلوب في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، ولكن إذا رجعنا إلى روايات الأناجيل لوجدنا أن المصلوب أُنزل من على الصليب مساء الجمعة. (مرقس ١٥/ ٤٢: ٤٦).
ولقد اكتشف التلاميذ قيامته فجر الأحد. (متى ٢٨/ ١: ٦).
وبعملية حسابية بسيطة نجد أن عدد الأيام التي قضاها الميت في بطن الأرض (في القبر) تساوي يومًا واحدًا (يوم السبت)، وعدد الليالي التي قضاها تساوي ليلتين على أحسن الفروض. (١)
وعلى هذا نقول كيف يعتقد النصارى أن المصلوب قام من قيامته بعد ثلاث أيام فيكون ذلك يوم الأحد ليسمونه يوم القيامة؟ .
* * *
стр. 3637
سورة المنافقون
شبهة: ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ .
نص الشبهة:
أن قول الله: ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ينافي الرحمة والشفقة.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن التوراة والإنجيل محرفان.
الوجه الثاني: احتجاجكم بالقرآن لا يجوز.
الوجه الثالث: تفسير الآيات، ومن خلالها الرد على هذه الشبهة المزعومة، وإثبات أنهم يستحقون غضب الله عليهم.
الوجه الرابع: من أسباب غضب الله عليهم.
الوجه الخامس: أن الله لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: التوراة والإنجيل محرفان.
الوجه الثاني: لا يجوز احتجاجكم بالقرآن.
الوجه الثالث: تفسير الآيات، ومن خلالها الرد على هذه الشبهة.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ (المنافقون: ٥ - ٨).
يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين تعالوا إلى رسول الله يستغفر لكم لووا رءوسهم، يقول حرّكوها وهزّوها استهزاء برسول الله ﷺ وباستغفاره، ورأيتهم يُعْرضون
стр. 3638
عما دُعوا إليه بوجوههم ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ يقول وهم مستكبرون عن المصير إلى رسول الله ﷺ ليستغفر لهم، وإنما عُنِي بهذه الآيات كلها فيما ذُكر، عبدُ الله بن أُبيّ ابن سَلُول، وذلك أنه قال لأصحابه: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾، وقال: ﴿لئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ فسمع بذلك زيد بن أرقم، فأخبر به رسول الله ﷺ ، فدعاه رسول الله ﷺ ، فسأله عما أخبر به عنه، فحلف أنه ما قاله، وقيل له: لو أتيت رسول الله ﷺ ، فسألته أن يستغفر لك، فجعل يلوي رأسه ويحرّكه استهزاء، ويعني ذلك أنه غير فاعل ما أشاروا به عليه، فأنزل الله فيه هذه السورة من أوّلها إلى آخرها (١).
وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله ﵁ قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُل مِنْ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأنصَارِ! وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! " فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا بَالُ دَعْوَى الجاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا يَا رَسُولَ الله: كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنصَارِ؛ فَقَالَ: "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَة، فسمِعَهَا عَبْدُ الله بْنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلُوهَا! وَالله لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المُدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. قَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِب عُنُقَ هَذَا المنافق، فَقَالَ: دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ." (٢).
وعن زيد بن أرقم ﷺ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقال عبد الله بن أُبيّ ابن سلول: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المُدِينَةِ ليخرجن الأعز منها الأذل، قال: فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، قال: فحلف عبد الله بن أبي أنه لم يكن شيء من ذلك، قال: فلامني قومي وقالوا: ما أردت إلى هذا؟ ، فانطلقمت فنمت كئيبًا حزينًا، قال: فأرسل إلي رسول الله ﷺ فقال: "إنَّ الله ﵎ قَدْ عَذَرَكَ وصَدَّقَكَ" قال: فنزلت الآية ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ حتى بلغ ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. (٣)
стр. 3639
فبعد كل هذا بعد سبهم لرسول الله ﷺ وكذبهم عليه، وإعراض عبد الله بن أبي بن سلول عن استغفار رسول الله ﷺ قال تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ﴿سَوَاءٌ﴾ يا محمّد على هؤلاء المنافقين الذين قيل لهم تعالوا يستغفر لكم ر سول الله ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أ﴾ ذنوبهم ﴿أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ يقول: لن يصفح الله لهم عن ذنوبهم، بل يعاقبهم عليها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ يقول: إن الله لا يوفِّق للإيمان القوم الكاذبين عليه، الكافرين به الخارجين عن طاعته. (١).
وقال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (التوبة: ٨٥).
يخبر تعالى نبيه ﷺ بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلًا للاستغفار، وأنه لو استغفر لهم، ولو سبعين مرة فإن الله لا يغفر لهم، وقد قيل: إن السبعين إنما ذكرت حسمًا لمادة الاستغفار لهم، لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها، ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها، وقيل: بل لها مفهوم، كما روى العوفي عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لما نزلت هذه الآية: "أسمع ربي قد رخص لي فيهم، فو الله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة، لعل الله أن يغفر لهم! فقال الله من شدة غضبه عليهم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. (٢)
ثم تتابع الآيات في ذكر نفاقهم وإبطانهم الكفر والكره للمسلمين، فقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ يعني المنافقين الذين يقولون لأصحابهم ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ من أصحابه المهاجرين ﴿حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ ويقول: حتى يتفرّقوا عنه، لله جميع ما في السموات والأرض من شيء وبيده مفاتيح خزائن ذلك، لا يقدر أحد أن يعطي أحدًا
стр. 3640
شيئًا إلا بمشيئته، ويقول هؤلاء المنافقون الذين وَصف صفتهم قبل: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ فيها، ويعني بالأعزّ: الأشدّ والأقوى (١).
الوجه الرابع: أسباب غضب الله على هؤلاء المنافقين.
١ - أنهم منافقون يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان، والله ورسوله أعلم بذلك، ولكن رسول الله ﷺ قبل منهم علانيتهم ووكل سرائرهم إلى الله، وكان لهم مثل حقوق المسلمين الصادقين من حرمة المال والدم والعرض، ومع ذلك هم أعرضوا ولووا رؤوسهم وتكبروا عن توحيد الله ، ومما يؤيد هذا المعنى ما جاء في حديث كعب بن مالك ﵁ عندما تخلف عن غزوة تبوك، وفيه أن المنافقين الذين تخلفوا عن الغزوة جاءوا يعتذرون إلى رسول الله ﷺ ، فقال كعب ﵁: فقبل علانيتهم ووكل سرائرهم إلى الله. (٢)
٢ - أنهم لما أشير عليهم بأن يذهبوا لرسول الله ﷺ ليستغفر لهم أعرضوا ولووا رؤوسهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾ [المنافقون: ٥]، فهم رفضوا أن يغفر الله لهم، في بالك بمن يرفض مغفرة الله ؟ .
٣ - أنهم سبوا النبي ﷺ وقالوا عنه أنه الأذل، ووصفوا أنفسهم بالعزة، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.
٤ - أنهم أرادوا أن يتحكموا في رزق الله سبحانه، فقالوا لا تنفقوا على المسلمين حتى يتفرقوا عن رسول الله ﷺ : ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (المنافقون: ٧).
٥ - من صفاتهم أن في قلوبهم مرض، قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾ [الأنفال: ٤٩].
٦ - استهزاؤهم بالدين، وادعاؤهم أنهم يخوضوا ويلعبوا، قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ
стр. 3641
الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ التوبة: ٦٤ - ٦٦).
٧ - أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ (التوبة: ٦٧).
٨ - أنهم يشكون في وعد الله ورسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ١٢].
الوجه الخامس: أن الله لا يظلم الناس شيئًا.
قالط تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤﴾ (يونس: ٤٤)، وقال تعالى رحمةً منه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣]، وقال تعالى عدلًا منه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥)، وقال تعالى في شأن النصارى واليهود الذين نسبوا له الولد وسبوه وهانوه وتنزه عن ذلك: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤].
والآيات في ذلك كثيرة والتي تدل على أن الله لا يظلم أحدًا، ولكن الإنسان هو الذي يجر الشر إلى نفسه، وقالط تعالى في شأن المنافقين: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (التوبة: ٧٤)، فدعاهم إلى التوبة بعد كل ما فعلوه.
* * *
стр. 3642
سورة التغابن
شبهة: التقوى .
نص الشبهة:
جاء في سورة التغابن: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
السؤال: كيف يطلب من الناس تقوى الله قدر الاستطاعة؟ وإذا لم تستطع ماذا يحدث؟ كيف أن الله يوحي بكلام يناقض طبيعته، فالله يطلب تقوى كاملة؟
والجواب على هذه الشبهة من عدة أوجه:
الوجه الأول: تفسير قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.
الوجه الثاني: أن الآية الأولى ناسخة للثانية.
الوجه الثالث: آية التغابن بمعزل عن آية آل عمران.
الوجه الرابع: أن قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ محمولة على التوحيد، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ محمولة على الأعمال.
الوجه الخامس: الإسلام دين يسر وسعة.
الوجه السادس: التكليف بالمستحيل ممنوع شرعًا.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تفسير الآيتين .
الآية الأولى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] عمران: ١٥٢)، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا
стр. 3643
يُعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر. (١)
فمعناها أي حق الله وتقواه وذلك بدوام خشيته ظاهرًا وباطنًا والعمل بموجبها. (٢)
وقال مجاهد: أن تُجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لَوْمَةُ لائمٍ وتقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم. (٣)
وحق التقوى أيضًا: استفراغُ الوُسعِ في القيام بالموجبات واجتنابِ المحارم. (٤)
وذكر الماوردي في تفسيره هذه الآية أربعة أقاويل:
الأول: هو أن يُطَاع فلا يُعْصى، ويُشْكَر فلا يكفر ويُذْكَر فلا يُنْسى، قاله ابن مسعود، والحسن، وقتادة.
الثاني: اتقاء جميع المعاصي.
والثالث: هو أن يعترفوا بالحق في الأمن والخوف
والرابع: هو أن يُطَاع، ولا يُتَّقى في ترك طاعته أحدٌ سواه (٥).
أما عن الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: ١٦) أي ما أطقتم وبلغ إليه جهدكم. (٦)
كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَمَرْتكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وما نَهَيْتكمْ عَنْه فَاجْتَنِبُوهُ". (٧)
стр. 3644
أي: ابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم. يقول تعالى ذكره: واحذروا الله أيها المؤمنون وخافوا عقابه وتجنبوا عذابه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه والعمل بما يقرب إليه ما أطقتم وبلغه وسعكم. (١)
ويُفهم من الآية أن التكليف في حدود الاستطاعة، ويبينه قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ البقرة: ٢٨٦)، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٦). (٢)
وفي هذا القيد ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ يتجلى لطف الله بعباده وعلمه بمدى طاقتهم في تقواه وطاعته. (٣)
هذا أيضًا من إحسان الله تعالى إلى عباده المؤمنين، إنه لما علمهم أن أموالهم وأولادهم فتنة وحذرهم أن يؤثروهم على طاعة الله ورسوله علم أن بعض المؤمنين سوف يزهدون في المال والولد، والبعض الآخر سوف يعاني مشقة شديدة في التوفيق بين خدمة المصلحتين، فأمرهم أن يتقوه في حدود ما يطيقون فقط، وخير الأمور الوسط فلا يفرط في ولده وماله، ولا يفرط في غاية خلقه وهي عبادة الله تعالى التي خلق لأجلها وعليها مدار نجاته من النار ودخوله الجنة. (٤)
فهذه الآية تدل على أن كل واجب عجز عنه العبد أنه يسقط عنه، وأنه إذا قدر على بعض المأمور وعجز عن بعضه فإنه يأتي بما يقدر عليه ويسقط عنه ما يعجز عنه، كما قال النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". (٥)
الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ناسخة لقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ .
стр. 3645
وهذا ما ذهب إليه سعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان وابن زيد والسدي. (١)
عن قتادة في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: يطاع فلا يعصى ثم أنزل الله التخفيف ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فنسخت هذه الآية التي في آل عمران (٢).
قال ابن المنير: الظاهر أن قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ إنما نسخ حكمه لا فضله وأجره، وقد فسر النبي ﷺ حق تقاته بأن قال: "هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر" فقالوا: أينا يطيق ذلك فنزلت: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وكان التكليف أولا باستيعاب العمر بالعبادة بلا فترة ولا نعاس كما كانت الصلاة خمسين ثم صارت بحسب الاستطاعة خمسًا، والاقتدار منزل على هذا الاعتبار ولم ينحط من درجاته.
وبتعقب هذا الحديث نجد أنه لم يثبت مرفوعًا، بل هو من كلام ابن مسعود رواه النسائي وليس فيه قول الصحابة: (أينا يطيق ذلك)، ونزول قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣).
وقال آخرون بأن الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ليست منسوخة بل هي محكمة، وأن آية ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ مبينة لها ومفسرة لها.
عن ابن عباس ﵁ قال: وقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: لم تنسخ ولكن حق تقاته أن تجاهدوا في الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لومة لائم.
وتقوموا بالقسط ولو على آبائكم وأبنائكم (٤).
وعن طاوس ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ إن لم تفعلوا ولم تستطيعوا ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. (٥)