← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ التوبة: ٦٤ - ٦٦). ٧ - أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ (التوبة: ٦٧). ٨ - أنهم يشكون في وعد الله ورسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ١٢]. الوجه الخامس: أن الله لا يظلم الناس شيئًا. قالط تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤﴾ (يونس: ٤٤)، وقال تعالى رحمةً منه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣]، وقال تعالى عدلًا منه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥)، وقال تعالى في شأن النصارى واليهود الذين نسبوا له الولد وسبوه وهانوه وتنزه عن ذلك: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤]. والآيات في ذلك كثيرة والتي تدل على أن الله لا يظلم أحدًا، ولكن الإنسان هو الذي يجر الشر إلى نفسه، وقالط تعالى في شأن المنافقين: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (التوبة: ٧٤)، فدعاهم إلى التوبة بعد كل ما فعلوه. * * *

стр. 3642

سورة التغابن شبهة: التقوى . نص الشبهة: جاء في سورة التغابن: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦]. السؤال: كيف يطلب من الناس تقوى الله قدر الاستطاعة؟ وإذا لم تستطع ماذا يحدث؟ كيف أن الله يوحي بكلام يناقض طبيعته، فالله يطلب تقوى كاملة؟ والجواب على هذه الشبهة من عدة أوجه: الوجه الأول: تفسير قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. الوجه الثاني: أن الآية الأولى ناسخة للثانية. الوجه الثالث: آية التغابن بمعزل عن آية آل عمران. الوجه الرابع: أن قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ محمولة على التوحيد، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ محمولة على الأعمال. الوجه الخامس: الإسلام دين يسر وسعة. الوجه السادس: التكليف بالمستحيل ممنوع شرعًا. وإليك التفصيل الوجه الأول: تفسير الآيتين . الآية الأولى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] عمران: ١٥٢)، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا

стр. 3643

يُعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر. (١) فمعناها أي حق الله وتقواه وذلك بدوام خشيته ظاهرًا وباطنًا والعمل بموجبها. (٢) وقال مجاهد: أن تُجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لَوْمَةُ لائمٍ وتقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم. (٣) وحق التقوى أيضًا: استفراغُ الوُسعِ في القيام بالموجبات واجتنابِ المحارم. (٤) وذكر الماوردي في تفسيره هذه الآية أربعة أقاويل: الأول: هو أن يُطَاع فلا يُعْصى، ويُشْكَر فلا يكفر ويُذْكَر فلا يُنْسى، قاله ابن مسعود، والحسن، وقتادة. الثاني: اتقاء جميع المعاصي. والثالث: هو أن يعترفوا بالحق في الأمن والخوف والرابع: هو أن يُطَاع، ولا يُتَّقى في ترك طاعته أحدٌ سواه (٥). أما عن الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: ١٦) أي ما أطقتم وبلغ إليه جهدكم. (٦) كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَمَرْتكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وما نَهَيْتكمْ عَنْه فَاجْتَنِبُوهُ". (٧)

стр. 3644

أي: ابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم. يقول تعالى ذكره: واحذروا الله أيها المؤمنون وخافوا عقابه وتجنبوا عذابه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه والعمل بما يقرب إليه ما أطقتم وبلغه وسعكم. (١) ويُفهم من الآية أن التكليف في حدود الاستطاعة، ويبينه قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ البقرة: ٢٨٦)، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٦). (٢) وفي هذا القيد ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ يتجلى لطف الله بعباده وعلمه بمدى طاقتهم في تقواه وطاعته. (٣) هذا أيضًا من إحسان الله تعالى إلى عباده المؤمنين، إنه لما علمهم أن أموالهم وأولادهم فتنة وحذرهم أن يؤثروهم على طاعة الله ورسوله علم أن بعض المؤمنين سوف يزهدون في المال والولد، والبعض الآخر سوف يعاني مشقة شديدة في التوفيق بين خدمة المصلحتين، فأمرهم أن يتقوه في حدود ما يطيقون فقط، وخير الأمور الوسط فلا يفرط في ولده وماله، ولا يفرط في غاية خلقه وهي عبادة الله تعالى التي خلق لأجلها وعليها مدار نجاته من النار ودخوله الجنة. (٤) فهذه الآية تدل على أن كل واجب عجز عنه العبد أنه يسقط عنه، وأنه إذا قدر على بعض المأمور وعجز عن بعضه فإنه يأتي بما يقدر عليه ويسقط عنه ما يعجز عنه، كما قال النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". (٥) الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ناسخة لقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ .

стр. 3645

وهذا ما ذهب إليه سعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان وابن زيد والسدي. (١) عن قتادة في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: يطاع فلا يعصى ثم أنزل الله التخفيف ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فنسخت هذه الآية التي في آل عمران (٢). قال ابن المنير: الظاهر أن قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ إنما نسخ حكمه لا فضله وأجره، وقد فسر النبي ﷺ حق تقاته بأن قال: "هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر" فقالوا: أينا يطيق ذلك فنزلت: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وكان التكليف أولا باستيعاب العمر بالعبادة بلا فترة ولا نعاس كما كانت الصلاة خمسين ثم صارت بحسب الاستطاعة خمسًا، والاقتدار منزل على هذا الاعتبار ولم ينحط من درجاته. وبتعقب هذا الحديث نجد أنه لم يثبت مرفوعًا، بل هو من كلام ابن مسعود رواه النسائي وليس فيه قول الصحابة: (أينا يطيق ذلك)، ونزول قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣). وقال آخرون بأن الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ليست منسوخة بل هي محكمة، وأن آية ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ مبينة لها ومفسرة لها. عن ابن عباس ﵁ قال: وقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: لم تنسخ ولكن حق تقاته أن تجاهدوا في الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لومة لائم. وتقوموا بالقسط ولو على آبائكم وأبنائكم (٤). وعن طاوس ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ إن لم تفعلوا ولم تستطيعوا ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. (٥)

стр. 3646

قال أبو جعفر: محال أن يقع في هذا ناسخ ولا منسوخ إلا على حيلة وذلك أن معنى نسخ الشيء إزالته والمجيء بضده، فمحال أن يقال: اتقوا الله منسوخ ولا سيما مع قول الرسول ﷺ . فعن معاذ بن جبل، قال: قال لي رسول الله ﷺ : " يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: أن يعبدوه فلا يشركوا به شيئًا" (١)، أفلا ترى أنه محال أن يقع في هذا نسخ؟ والذي قلناه قول ابن عباس في الحديث السابق فهل ما ذكر في الآية واجب على المسلمين أن يستعملوه ولا يقع فيه نسخ. (٢) فالآية محكمة وهذا مذهب طاووس وهو الصحيح لأن التقوى هي اجتناب ما نهى الله عنه ولم ينه عن شيء ولا أمر به إلا وهو داخل تحت الطاقة كم قال : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فالآيتان متوافقتان والتقدير اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم. (٣) فالتعارض الحقيقي بين الآيتين غير مسلَّم به، فإن تقوى الله حق تقاته المأمور بها في الآية هي الإتيان بما يستطيعه المكلفون من عبادة الله دون ماخرج عن استطاعتهم، إذًا فلا تعارض بينها وبين قوله: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وحيث لا تعارض فلا نسخ، والتحديد بالاستطاعة ليس بيانًا للتقوى الحقيقية المطلوبة (٤)، فلا مجال للنسخ؛ لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع، والجمع ممكن فهو أولى (٥)، فمن أتى ما يستطيعه من عبادته تعالى وأناب لجلاله وأخلص في أعماله وكان مشفقًا في طاعته فقد اتقى الله حق تقاته.

стр. 3647

قال ابن تيمية: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وهذه مفسرة له ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، ومن قال من السلف هي ناسخة لها، فمعناه أنها رافعة لما يظن من أن المراد من حق تقاته ما يعجز البشر عنه؛ فإن الله لم يأمر بهذا قط ومن قال إن الله أمر به فقد غلط. (١) وقال الشيخ كمال الدين الزملكاني: وفي كون ذلك منسوخًا نظر، وقوله: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ هو ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ إذ به أمر فإن حق تقاته الوقوف على ما أمره ودينه وقد قال بذلك كثير من العلماء. (٢) الوجه الثالث: أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ بمعزل مما دل عليه قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ . قال بعض المفسرين: إنما عنى بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فاتقوا الله أيها الناس وراقبوه فيما جعل فتنة لكم من أموالكم وأولادكم أن تغلبكم فتنتهم، وتصدكم عن الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام، فتتركوا الهجرة ما استطعتم، بمعنى وأنتم للهجرة مستطيعين، ومما يدل على صحة هذا أن قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ عقيب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ ولا خلاف بين السلف من أهل العلم بتأويل القرآن أن هذه الآيات نزلت بسبب قوم كفار تأخروا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك. (٣) أما قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ ذكر غير واحد من أهل التفسير أن الخطاب بهذه الآية يعم جميع المؤمنين، والمقصود به

стр. 3648

وقت نزولها الأوس والخزرج الذين شجر بينهم بسعاية شاس بن قيس ما شجر. (١) قال عكرمة: نزلت في الأوس والخزرج حين اقتتلوا وأصلح النبي ﷺ بينهم. (٢) قال مقاتل بن حيان: كان بين الأوس والخزرج عداوة في الجاهلية وقتال حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، فأصلح بينهم فافتخر بعده منهم رجلان: ثعلبة بن غنم من الأوس وأسعد بن زرارة من الخزرج، فقال الأوسي: منّا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنّا حنظلة غسيل الملائكة، ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حميُّ الدبر، ومنّا سعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الرحمن ورضي الله بحكمه في بني قريظة. وقال الخزرجي: منّا أربعة أحكموا القرآن: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ومنّا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم، فجرى الحديث بينهما فغضبا وأنشدا الأشعار وتفاخرا، فجاء الأوس والخزرج ومعهم السلاح فأتاهم النبي ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. (٣) الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ محمول على التوحيد، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ محمول على الأعمال . ذكر السيوطي ﵀ في الإتقان والزركشي في البرهان: أن الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ محمولة على التوحيد ونفي الشرك بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. (٤) فلا يقبل الله عذر ترك التوحيد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦].

стр. 3649

وقال تعالى حكاية عن لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣﴾ (لقمان: ١٣)، وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ الله عَلَى الْعِبَادِ؟ " قَالَ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عليهِ؟ " قَالَ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ". (١) وعَنْ أَنس ﵁ قَالَ: (كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: "أَسْلِمْ" فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الحْمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ" (٢)، فالآية الأول محمولة على التوحيد. أما الآية الثانية فمحمولة على الأعمال؛ فمن لم يستطع الوضوء أتى بالتيمم بدلًا منه كما بين ذلك رب العالمين حيث قال في كتابه الحكيم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦]، فعلى ذلك تكون الآية الأولى خاصة بالمحسنين، والثانية خاصة بالمؤمنين. الوجه الخامس: الإسلام دين يسر وسعة . إن الدين الإسلامي دين يسر وسعة وليس في شريعة الإسلام شدة وضيق أو حرج، وهذا من محاسن الإسلام، وقد أشارت آيات كثيرة إلى يسر الإسلام وسعته، ومن هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦).

стр. 3650

وعن أبي هريرة ﵁ قال: "لمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤] قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصحَابِ رَسُولِ الله ﷺ فَأتَوْا رَسُولَ الله ﷺ ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَب فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ الله، كُلِّفْنَا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالجهَادَ وَالصَّدَقَةَ وَقَدْ أنزِلَتْ عليكَ هَذ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ترِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المُصيرُ"، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ائمصيرُ، فَلَمّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ ذَلَّتْ بِهَا ألسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ الله فِي إِثْرِهَا ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا الله تَعَالَى فَأَنْزَلَ الله ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ: نَعَمْ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قَالَ: نَعَمْ ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قَالَ: نَعَمْ، ميه ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قَالَ: نَعَمْ". (١) قال المراغي: وقد قال الصحابة ﵃ ذلك لأنهم قد دخلوا في الإسلام وكثير منهم تربوا في حجر الجاهلية وانطبعت في نفوسهم أخلاقها وأثرت في قلوبهم عاداتها، وكانوا يتطهرون منها بالتدريج بهدي الرسول ﷺ ونور القرآن، فلما نزلت هذه الآية خافوا أن يؤاخذوا على ما كان باقيًا في أنفسهم من العادات الأولي، وكانوا يحاسبون أنفسهم لاعتقادهم النقص وخوفهم من الله ، فأخبرهم الله تعالى أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا يؤاخذها إلا على ما كلفها وهم مكلفون بتزكية أنفسهم ومجاهدتها بقدر الطاقة وطلب العفو عما لا طاقة لهم به. (٢)

стр. 3651

وهذه الآية نص عَلَى أَنَّ الله تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ أَحَدًا مَا لَا يَقْدِرُ عليهِ وَلَا يُطِيقُهُ، وَلَوْ كَلَّفَ أَحَدًا مَا لَا يَقدِرُ عليهِ وَلَا يَسْتَطِيعُهُ لَكَانَ مُكَلِّفًا لَهُ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ (١). وقال الله أيضًا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وكثير من الآياتِ التي تدل على يسر الشريعة الاسلامية ونفي الحرج عن المؤمنين ونفي التكليف بما لا يطاق، وقد وردت أيضًا أحاديث كثيرة في سنة نبينا محمد ﷺ تبين هذا الأمر العظيم من أمور الدين الإسلامي منها: عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ قال: هم المؤمنون وسع الله عليهم أمر دينهم فقال الله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. (٢) ولقد بوب البخاري ﵀ في كتابه الصحيح بابًا بعنوان: (الدين يسر وقول النبي: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة)، وأخرج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ" (٣) وقد وردت السنة عن رسول الله ﷺ أن من لم يستطع الصلاة قائمًا فغير مكلف للقيام بها وهذا من يسر الشريعة الإسلامية، فعن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: (كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فَقَالَ: "صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ". (٤) هكذا تتجلى الشريعة الإسلامية في يسرها وسماحتها ورفع الحرج عن المكلفين.

стр. 3652

عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ في سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عليهِ فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ " فَقَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: "لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَر". (١) وقال الله في كتابه المبين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٣، ١٨٤]. قال ابن حجر: وَقَالَ عَطَاء: يُفْطِر مِنْ المَرَض كُلّه كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ... وَقَالَ الحسَن وَإِبْرَاهِيم فِي المُرْضِع وَالحامِل إِذَا خَافتا عَلَى أَنْفُسهمَا أَوْ وَلَدهمَا: تُفْطِرَانِ ثُمَّ تَقْضِيَانِ، وَأَمَّا الشَّيْخ الْكَبِير إِذَا لَمْ يُطِقْ الصِّيَام فَقَدْ أَطْعَمَ أَنَس بْن مَالِك بَعْدَمَا كَبِرَ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ كُلّ يَوْم مِسْكِينًا خُبْزًا وَلَحْمًا وَأَفْطَرَ. (٢) الوجه السادس: التكليف بالمستحيل ممنوع شرعًا . إن شرط الفعل الذي وقع التكليف به أن يكون ممكنًا ومقدورًا عليه لأن المطلوب شرعًا حصول الفعل ولا يمكن حصوله إلا بأن يكون متصور الوقوع، وعلى هذا فلا يجوز التكليف بالمستحيل عند الجمهور وهو الحق وسواء كان مستحيلًا بالنظر إلى ذاته أو بالنظر إلى امتناع تعلق قدرة المكلف به. (٣) وقال ابن تيمية: وَالشَّرِيعَةُ طَافِحَةٌ بِأَنَّ الْأَفْعَالَ الْمَأمُورَ بِهَا مَشْرُوطَةٌ بِالِاسْتِطَاعَةِ وَالْقُدْرَةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: "صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ". (٤) وَقَدْ اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ المُصَلِّيَ إذَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ وَاجِبَاتِهَا: كَالْقِيَامِ أَوْ الْقِرَاءَةِ أَوْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ أَوْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ أَوْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عليهِ مَا إذَا أَرَادَ فِعْلَهُ إرَادَةً جَازِمَةً أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ

стр. 3653

يَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْ مِثْلِ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعَجُوزِ الْكَبِيرَةِ الَّذِينَ يَعْجِزُونَ عَنْهُ أَدَاءً وَقَضَاءً. وَكَذَلِكَ الحجُّ فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْهُ وَقَدْ قَالَ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، بَلْ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الاسْتِطَاعَةَ الشَّرْعِيَّةَ المُشْرُوطَةَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَمْ يَكْتَفِ الشَّارِعُ فِيهَا بِمُجَرَّدِ الْمِكْنَةِ وَلَوْ مَعَ الضَّرَرِ بَلْ مَتَى كَانَ الْعَبْدُ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ مَعَ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ جُعِلَ كَالْعَاجِزِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ الشَّرِيعَةِ: كَالتَّطَهُّرِ بِالمُاءِ وَالصِّيَامِ فِي المُرَضِ وَالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهو في الصحيحين عن أنس له عن النبي ﷺ ، أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا بَالَ فِي المَسْجِدِ قَالَ: "لَا تزرموه" - أَيْ لَا تَقْطَعُوا عليهِ بَوْلَهُ - "فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ" (١). وقال أيضًا: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعِبَادَاتِ لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مُسْتَطِيعٍ وَأَنَّ المُسْتَطِيعَ يَكُونُ مُسْتَطِيعًا مَعَ مَعْصِيَتِهِ وَعَدَمِ فِعْلِهِ كَمَنْ اسْتَطَاعَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالحَجِّ وَلَمْ يَفْعَلْهُ فَإِنَّهُ مُسْتَطِيع بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ الَّذِي اسْتَطَاعَهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ لَا عَلَى تَرْكِ مَا لَمْ يَسْتَطِعْهُ. (٢) وقال أبو الحسين البصري: لا يصح شرعًا التكليف بالمستحيل الذي لا يجد المكلف سبيلًا ممكنًا لفعله. (٣) * * *

стр. 3654

سورة التحريم وفيها: ١ - شبهة: آية التحريم. ٢ - شبهة: إسرار النبي ﷺ لبعض أزواجه. ٣ - شبهة: مصير امرأة نوح ﵇.

стр. 3655

١ - شبهة: آية التحريم . نص الشبهة: في قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ [التحريم: ١]. قال البغوي: قال المفسرون: وكان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فلما كان يوم حفصة استأذنت رسول الله ﷺ في زيارة أبيها فأذن لها، فلما خرجت أرسل رسول الله ﷺ إلى جاريته مارية القبطية فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقًا فجلست عند الباب فخرج رسول الله ﷺ ووجهه يقطر عرقًا، وحفصة تبكي فقال: "ما يبكيك؟ فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا أدخلت أَمَتَكَ بيتي، ثم وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقًا؟ ما كنت تصنع هذا بامرأةٍ منهنَّ. فقال رسول الله ﷺ : أليست هي جاريتي أحلها الله لي؟ اسكتي فهي حرام عليّ ألتمس بذاك رضاك، فلا تخبري بهذا امرأة منهن. فلما خرج رسول الله ﷺ قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت: ألا أبشرك أن رسول الله ﷺ قد حرم عليه أمته مارية، وإن الله قد أراحنا منها وأخبرت عائشة بما رأت، وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواج النبي ﷺ ، فغضبت عائشة فلم تزل بنبي الله ﷺ حتى حلف أن لا يقربها فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ يعني العسل ومارية: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. (١) وفي ذلك مسائل: ١ - أن محمدًا ﷺ يحرم ما أحل الله وذلك يؤدي إلى عدم عصمته. ٢ - في القصة أن محمدًا غدر بحفصة. والجواب على ذلك من وجوه كما يلي: الوجه الأول: سياق ما ثبت في هذا. الوجه الثاني: سبب نزول الآية وتعدد السبب.

стр. 3656

الوجه الثالث: القصة المذكورة ليس فيها غدر بحفصة ﵂. الوجه الرابع: للرجل حق في أن يجامع زوجته في غير يومها. الوجه الخامس: خصوصية النبي ﷺ في عدم القسمة بين النساء. الوجه السادس: عدل النبي ﷺ مع زوجاته الوجه السابع: الحكمة من عتاب النبي ﷺ وبيان أنه كرامة وقربة وليس ذمًا. وإليك التفصيل الوجه الأول: سياق ما ثبت في هذا . عن أنس: أنَّ رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى آخر الآية. (١) وعن عمر قال: قال النبي ﷺ لحفصة: "لا تخبري أحدًا وإن أم إبراهيم علي حرام فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: فوالله لا أقربها قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة قال: فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢). الوجه الثاني: سبب نزول الآية وتعدد السبب للآية أكثر من سبب نزول وهذا لا مانع فيه مطلقًا ١ - تحريم النبي ﷺ مارية على نفسه وقد سبق بيان ذلك. ٢ - تحريم النبي ﷺ على نفسه العسل. وقد حدث ذلك في أكثر من واقعة: ١ - عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها

стр. 3657

عسلًا فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي ﷺ فلتقل إني أجد فيك ريح مغافير (١) أكلت مغافير فدخل على إحداهما فقلت له ذلك فقال: "بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحش ولن أعود له فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لعائشة وحفصة إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه. لقوله بل شربت عسلًا". (٢) ٢ - عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يحب العسل والحلواء وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس فغرت فسألت عن ذلك؛ فقيل أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل فسقت النبي ﷺ منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالن له فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك فإذا دنا منك فقولي أكلت مغافير فإنه سيقول لك لا فقولي له ما هذه الريح التي أجد منك؛ فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل فقولي له جرست نحلة العرفط وسأقول ذلك وقولي أنت يا صفية ذاك. قالت: تقول سودة: فو الله ما هو إلا أن أقام على الباب فأردت أن أباديه بما أمرتني به فرقا منك فلما دنا منها قالت له سودة يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال: لا. قالت في هذه الريح التي أجد منك؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل. فقالت: جرست نحلة العرفط فلما دار إلي قلت له نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت: يا رسول الله ألا أسقيك منه؟ قال لا حاجة لي فيه. قالت: تقول سودة: والله لقد حرمناه قلت لها: اسكتي" (٣).

стр. 3658

قال ابن حجر: وطريق الجمع بين هذا الاختلاف الحمل على التعدد فلا يمتنع تعدد السبب للأمر الواحد. (١) الوجه الثالث: القصة المذكورة ليس فيها غدر بحفصة هل معاشرة رسول الله ﷺ لسريته وأم ولده تعتبر خيانة زوجية والعياذ بالله؟ بالطبع لا فهي من نسائه اللاتي أحل الله له، وهذا أمر معروف ولا حرج فيه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ أي: وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم، وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما. وملك ريحانة بنت شمعون النضرية، ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم ﵇، وكانتا من السراري، ﵄ (٢). الوجه الرابع: للرجل حق في أن يجامع زوجته في غير يومها . والدليل على ذلك: ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵁ أَنَّهَا قَالَتْ: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله ﷺ ثُمَّ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَحُّ طِيبًا". (٣) قال ابن حجر: (فيطوف) كناية عن الجماع. (٤) ٢ - عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النبي ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. (٥) ٣ - عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النبي ﷺ قَالَ: "قَالَ سَلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأة تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يجاهِدُ في سَبِيلِ الله، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ الله. فَلَمْ

стр. 3659

يَقُلْ، وَلَمْ تَحْمِلْ شَيْئًا إِلَّا وَاحِدًا سَاقِطًا إِحْدَى شِقَّيْهِ" فَقَالَ النبي ﷺ : "لَوْ قَالَهَا لَجَاهَدُوا في سَبِيلِ الله". قَالَ شُعَيْبٌ وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: تِسْعِينَ. وَهْوَ أَصحُّ. (١) الوجه الخامس: خصوصية النبي ﷺ في عدم القسمة بين النساء . قال ابن كثير: في قول آخر لمعنى الآية: المراد بقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أي: من أزواجك، لا حرج عليك أن تترك القَسْم لهن، فتقدم من شئت، وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت، وتترك من شئت. هكذا يروى عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وأبي رَزين، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم، ومع هذا كان ﷺ يقسم لهن، ولهذا ذهب طائفة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أنه لم يكن القسم واجبًا عليه ﷺ ، واحتجوا بهذه الآية الكريمة. عن عائشة، أن رسول الله ﷺ كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾، فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول: إن كان ذاك إليَّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أؤثر عليك أحدًا. (٢) فهذا الحديث عنها يدل على أن المراد من ذلك عدم وجوب القسم. الوجه السادس: عدل النبي ﷺ مع زوجاته عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ ، لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم يأتي إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنوا من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها (٣) فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"، وهذه الأقوال منه ﷺ تأكيد وبيان لقول رب العزة: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهي كلمة جامعة تعنى: التحلي

стр. 3660

بمكارم الأخلاق في معاملة الزوجات، من صبر على ما قد يبدر منهن، أو تقصير في أداء واجباتهن، ومن حلم عن إيذائهن في القول أو الفعل، وعفو وصفح عن ذلك، ومن كرم في القول والبذل، ولين في الجانب، ورحمة في المعاملة، إلى غير ذلك مما تعنيه المكارم الأخلاقية التعاملية الأسرية. الوجه السابع: الحكمة من عتاب النبي ﷺ وبيان أنه حرامة وقربة وليس ذمًا . أولًا: إن عتاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الوارد في القرآن الكريم، هو في الظاهر عتاب، وفي الحقيقة كرامة وقربة لله ، وتنبيه لغيرهم ممن ليس في درجتهم من البشر، بمؤاخذتهم بذلك، فيستشعرا الحذر، ويلتزموا الشكر على النعم، والصبر على المحن، والتوبة عند الزلة. ثانيًا: أنَّ لله تعالى أن يعتب أنبياءه وأصفياءه، ويؤدبهم، ويطلبهم بالنقير والقطمير من غير أن يلحقهم في ذلك نقص من كمالهم، ولا غض من أقدارهم، حتى يتمحصوا للعبودية لله ﷺ . ثالثًا: أنَّ غاية أقوال الأنبياء وأفعالهم التي وقع فيها العتاب من الله لمن عاتبه منهم، أن تكون على فعل مباح، كان غيره من المباحات أولى منه في حق مناصبهم السنية. رابعًا: المباحات جائز وقوعها من الأنبياء، وليس فيها قدح في عصمتهم ومنزلتهم، فهم لا يأخذون من المباحات إلا الضرورات، مما يتقون به على صلاح دينهم، وضرورة دنياهم، وما أخذ على هذه السبيل التحق طاعة، وصار قربة. خامسًا: أنَّه ليس كل من أتى ما يلام عليه يقع لومة، فاللوم قد يكون عتابًا، وقد يكون ذمًا، فإن صح وقوع لومه، كان من الله عتابًا له لا ذمًا، إذ المعاتب محبور (أي مظنة للحبور، وهو السرور) والمذموم مدحور، فاعلم - رحمك الله - صحة التفرقة بين اللوم والذم قال الشاعر: لعل عتبك محمود عواقبه ... فربما صحت الأجسام بالعلل إذا ذهب العتاب فليس ود ... ويبقى الود ما بقى العتاب سادسًا: أنَّ العتاب فيما قيل أنه عوتب عليه رسول الله ﷺ ، إنما كان على ما حَكَمَ فيه رسول الله ﷺ بالاجتهاد، والاجتهاد محتمل الخطأ، فكان تصحيح الخطأ في اجتهاده من

стр. 3661

الله ، بتوجيهه ﷺ إلى الأخذ بالصواب فعاد الحكم بذلك إلى الوحي. سابعًا: عدم ورود نهى عما عوتب فيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حتى يكون عتابهم ثمَّ ذم. ثامنًا: إنه ما من آية ظاهرها عتاب رسول الله ﷺ إلا وهي واردة في مقام المنَّة على رسول الله ﷺ ، وبيان عظيم فضله ومكانته عند ربه بأعظم ما يكون البيان (١). الرد على قولهم أن النبي ﷺ حرم ما أحل الله . وقد أخذوا هذا الكلام من الزمخشري، حيث قال في تفسيره: كان هذا ما حرمه الرسول على نفسه من ملك اليمين أو العسل زلة منه؛ لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله، لأن الله ، إنما أحل ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها في إحلاله، فإذا حرم كان ذلك قلب المصلحة مفسدة. (٢) فإن ما أطلقه الزمخشري، وتابعه فيه خصوم السنة النبوية، والسيرة العطرة، في حق النبي ﷺ تقول وافتراء، والنبي ﷺ مما أطلقوه براء، وذلك أن تحريم ما أحله الله على وجهين: الوجه الأول: اعتقاد ثبوت حكم التحريم فيه، فهذا بمثابة اعتقاد حكم التحليل فيما حرمه الله ، وكلاهما محظور لا يصدر من المتسمين بسمة الإيمان، وإن صدر! سلب المؤمن حكم الإيمان. والزمخشري كلامه محمول على هذا المحمل، ومعاذ الله أن يعتقد رسول الله ﷺ تحريم ما أحله الله له، وما هذه من الزمخشري إلا جراءة على الله ورسوله؛ تابعه فيها بعض الجهلاء. (٣) الوجه الثاني: الامتناع عما أحله الله ، وهو المعنى الأصلي لمادة حرم في اللغة. (٤)

стр. 3662

وقد ورد التحريم بهذا المعنى (الامتناع) في القرآن الكريم في آيات منها: ١ - قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ (القصص: ١٢). أي منعنا موسى المراضع، أن يرتضع منهن إلا من قِبَلِ أمه. (١) ٢ - وقوله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢] أي منعه من دخولها. ٣ - وقوله سبحانه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] أي إلا ما امتنع عنه سيدنا يعقوب ﵇ عنه من قبل نفسه. والامتناع عما أحله الله قد يكون مؤكدًا باليمين مع اعتقاد حله، وهذا مباح صرف، وحلال محض. وعلى هذا الوجه الثاني تحمل آية التحريم، والتفسير الصحيح، والحديث الصحيح يعضده فإن النبي ﷺ في العسل قال: فلن أعود له، وقد حلفت. وفي مارية عندما قالت حفصة، كيف تحرم عليك وهي جاريتك حلف لها لا يقربها. فالتحريم منه ﷺ كان امتناعًا عن العسل أو مارية، وهو امتناع أكده باليمين، مع اعتقاد حله، ولذا نزلت الآيات. (٢) * * *

стр. 3663

٢ - شبهة: إسرار النبي ﷺ لبعض أزواجه . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾ [التحريم: ٣]. كيف يقول إلى بعض أزواجه، ثم يقول: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ﴾ بصيغة المفرد؟ أسر بكلام لها وهي أفشته، ما المغزى الروحي والإفادة الروحية مما حصل؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: كلمة بعض في اللغة . الوجه الثاني: تفسير الآيات، والمغزى الروحي. الوجه الثالث: سبب نزول الآياتِ، وفيه أن الله لم يسكت على هذا الخطأ. الوجه الرابع: كل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ. وإليك التفصيل الوجه الأول: كلمة (بعض) في اللغة. ﴿بَعْضٍ﴾ بَعْضُ الشيء طائفة منه، والجمع أَبعاض، قال ابن سيده: حكاه ابن جني. وقيل: بَعْضُ الشيء كلُّه، قال لبيد: أَو يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفوسِ حِمامُها، قال ابن سيده: وليس هذا عندي على ما ذهب إِليه أَهل اللغة من أَن البَعْضَ في معنى الكل هذا نقض ولا دليل في هذا البيت؛ لأَنه إِنما عنى ببعض النفوس نَفْسَه، قال أَبو العباس أَحمد بن يحيى: أَجمع أَهل النحو على أَن البعض شيء من أَشياء أَو شيء من شيء، وقوله تعالى: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ بالتأْنيث في قراءة من قرأ به، فإِنه أَنث لأَنّ بَعْضَ السيّارة سَيّارةٌ كقولهم: ذهَبتْ بَعْضُ أَصابعه لأَن بَعْض الأَصابع يكون أُصبعًا وأُصبعين وأَصابع، وبعضٌ من كل (١). فلفظة ﴿بَعْضُ﴾ تفيد جزءًا من كل، وقد تفيد كلًّا حسب السياق، ولأنه جاء بعده

стр. 3664

﴿أَزْوَاجِهِ﴾ جمعًا، فقد أريد بها واحدة منهن، كما أراد لبيد من بعض النفوس نفسه هو، وهي واحدة، والقرآن نزل بلسان عربي مبين. الوجه الثاني: المغزى الروحي من هذه القصة . ولكي نعرف المغزى والإفادة من إفشاء هذا السر، لابد من التعريج على أغراض هذه السورة، والآيات الأول منها خاصةً: - وهي أن أحدًا لا يُحَرِّم على نفسه ما أحل الله له لإرضاء أحد؛ إذ ليس ذلك بمصلحة له، ولا للذي يسترضيه. - تنبيه نساء النبي ﷺ إلى أن غيرة الله على نبيه أعظم من غيرتهن عليه، وأسمى مقصدًا. - وأن الله يطلعه على ما يخصه من الحادثات. - أن من حلف على يمينٍ فرأى حنثها خيرًا من برها أن يكفر عنها ويفعل الذي هو خير. - تعليم الأزواج ألا يكثرن من مضايقة أزواجهن، فإنها ربما أدت إلى الملال فالكراهة فالفراق. - موعظة الناس بتربية بعض الأهل بعضًا، ووعظ بعضهم بعضًا. وأتبع ذلك بوصف عذاب الآخرة ونعيمها، وما يقضي إلى كليهما من أعمال الناس صالحاتها وسيئاتها، وذَيَّلَ ذلك بضرب مثلين من صالحات النساء، وضدهن لما في ذلك من العظة لنساء المؤمنين ولأمهاتهم. (١) وقد تضمنت الآية عدة معان، منها: - ﴿بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾ هي حفصة بنت عمر بن الخطاب، وعدل عن ذكر اسمها ترفعًا عن أن يكون القصد معرفة الأعيان، وإنما المراد العلم بمغزى القصة وما فيها مما يجتنب مثله أو يقتدى به، وكذلك طي تعيين المنبَّأة بالحديث وهي عائشة - وذكرت حفصة بعنوان بعض أزواجه للإِشارة إلى أن النبي ﷺ وضع سِرَّه في موضعه، لأن أولى الناس بمعرفة سرّ الرجل زوجهُ، وفي ذلك تعريض بملامها على إفشاء سرّه؛ لأن واجب المرأة أن تحفظ سرّ زوجها إذا أمرها بحفظه أو كان مثله مما يجب حفظه.

стр. 3665

ولذا فمن الآداب العربية القديمة قولهم: السر أمانة، وقد وافق ذلك التشريع الإسلامي وحث عليه. - و ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾: هذا تنبيه إلى عناية الله برسوله ﷺ وانتصاره له، لأن إطلاعه على ما لا علم له به مما يهمه عناية ونصحًا له. - ﴿عَرَّفَ﴾: عرّفها النبي ﷺ بذلك ليوقفها على مخالفتها واجب الأدب من حفظ سرّ زوجها. - ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾: إعراض الرسول ﷺ عن تعريف زوجه ببعض الحديث الذي أفشته من كرم خلقه ﷺ في معاتبة المفشية وتأديبها، وهذا من كمال خلق النبي ﷺ ، فإنه أعرض عن بعض تَكَرُّمًا، قاله السدي، وقال الحسن: ما استقصى كريمٌ قط، قال تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ وقال سفيان: ما زَال التغافل من فعل الكرام. - والاستفهام في قوله: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ وللتحقق من الذي أعلم النبي ﷺ خبرها فلا قبل للرسول ﷺ بعلم ذلك إلا من قبل عائشة أو من طريق الوحي. وفي هذا كفاية من تيقظها بأن إفشاءها سرّ زوجها زَلة خُلقية عظيمة حجبها عن مراعاتها شدة الصفاء لعائشة وفرط إعجابها بتحريم مارية لأجلها، فلم تتمالك عن أن تبشر به خليلتها ونصيرتها ولو تذكرت لتبين لها أن مقتضى كتم سرّ زوجها أقوى من مقتضى إعلامها خليلتها؛ فإن أواصر الزوجية أقوى من أواصر الخلة وواجب الإِخلاص لرسول الله ﷺ أعلى من فضيلة الإِخلاص للخلائل، ولذا كان إنهاء الآية بوصفي: ﴿الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ولما فيهما من التذكير بما يجب أن يعلمه الناس من إحاطة الله تعالى علمًا وخُبْرًا بكل شيء. الوجه الثالث: سبب نزول الآياتِ . (١) لم يسكت الله ورسوله على هذا الخطأ من حفصة وعائشة: قال تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾ [التحريم: ٤].

стр. 3666

وعن ابن عباس ﵄، قال: أردت أن أسأل عمر، قريبًا من سنة، عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ ، وفيه أن النبي ﷺ طلق حفصة، فكان هذا جزاؤها، ثم راجعها بعد ذلك. وعن ابن عمر، قال: دخل عمر ﵁ على حفصة وهي تبكي، فقال لها: "ما يبكيك؟ لعل رسول الله ﷺ طلقك؟ إنه قد كان طلقك مرّة، ثم راجعك من أجلي، والله لئن كان طلقك مرّة أخرى لا أكلمك أبدًا". (١) وللحديث شواهد مختصرة عن أنس قال: "لما طلق النبي ﷺ أُمِرَ أن يراجعها فراجعها" (٢). قال الألباني: وإسناده صحيح. (٣) وله شاهد عن أنس قال: "طلق النبي ﷺ حفصة تطليقة، فأتاه جبريل ﷺ "، فقال: يا محمد، طلقت حفصة وهي صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجَنَّة" (٤). الوجه الرابع: كل شيء في اللوح المحفوظ . كل ما هو كائن، وما يكون، وما سيكون مكتوب وقد علمه الله قبل وقوعه، وقدره قبل الخلق، فالله يعلم ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، . وقد قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ﵁ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الله الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؛ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي". (٥)

стр. 3667

فالحادثة حدثت بين النبي ﷺ وبين أزواجه، وهي مكتوبة في قدر الله، والقرآن كان باللوح المحفوظ، ثم نزل إلى بيت العزة بالسماء الدنيا، ثم نزل منجمًا تبعًا للحوادث والأسئلة والمواقف، حتى يكون أكثر ارتباطًا بهذه الوقائع التي نزل فيها. (١) * * *

стр. 3668

٣ - شبهة: مصير امرأة نوح ﵇ -. نص الشبهة: قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ [التحريم: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ [الأنبياء: ٧٦]، وقال أيضًا: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ [الصافات: ٧٦]. السؤال: في سورة التحريم يقول: إن امرأة نوح هلكت في الطوفان، وفي الأنبياء والصافات يقول: إنها نجت معه، فأين الحقيقة؛ وإذا طالعنا التوراة نرى أن امرأة نوح نجت معه، والإنجيل يشهد على صحة التوراة، لماذا في الأول أَوحى إلى موسى أنَّها نجت وهنا يقول: إنها هلكت؟ أم سيتهم الكتاب المقدس بالتحريف للهروب من الحقيقة؟ . والجواب على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: معنى كلمة (الأهل) . الوجه الثاني: معنى الأهل في قوله: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. الوجه الثالث: القرآن بَيَّنَ عاقبة امرأة نوح ﵇. الوجه الربع: المراد بالخيانة في قوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾. الوجه الخامس: مصير امرأة نوح ولوط ﵉ في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: معنى كلمة (الأهل). الأَهْل: أَهل الرجل وأَهْلُ الدار وكذلك الأَهْلة، قال أَبو الطَّمَحان: وأَهْلةِ وُدٍّ تَبَرَّيتُ وُدَّهم ... وأَبْلَيْتُهم في الحمد جُهْدي ونَائلي وقال ابن سيده: أَهْل الرجل عَشِيرتُه وذَوُو قُرْباه، والجمع أَهْلون، وآهَالٌ، وأَهَالٌ، وأَهْلات، وأَهَلات، وتطلق كلمة (أهل) على كثير.

стр. 3669

وفي الحديث: "أَهْل القرآن هم أَهْلُ الله وخاصَّته" (١) أَي: حَفَظة القرآن العاملون به هم أَولياء الله والمختصون به اختصاصَ أَهْلِ الإِنسان به، وفي حديث أَبي بكر ﵁ في استخلافه عمر أَقول له إِذا لَقِيتُه: اسْتعملتُ عليهم خَيْرَ أَهْلِكَ يريد خير المهاجرين، وكانوا يسمُّون أَهْلَ مكة أَهل الله تعظيمًا لهم، كما يقال بيت الله، ويجوز أَن يكون أَراد أَهل بيت الله؛ لأَنهم كانوا سُكَّان بيت الله. وأَهْلُ الذهب مَنْ يَدين به، وأَهْلُ الإِسلام مَن يَدِين به، وأَهْلُ الأَمر وُلاتُه، وأَهْلُ البيت سُكَّانه، وأَهل الرجل أَخَصُّ الناس به، وأَهْلُ بيت النبي ﷺ أَزواجُه وبَناته وصِهْرُه أَعني: عليًّا ﵁، وقيل: نساء النبي ﷺ والرجال الذين هم آله، وفي التنزيل العزيز: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (٢)، وقوله لنوح ﵇: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ قال الزجاج: أَراد ليس من أَهْلِك الذين وعدتُهم أَن أُنجيهم، قال: ويجوز أَن يكون ليس من أَهل دينك وأَهَلُ كل نَبيٍّ أُمَّته، ومَنْزِلٌ أَهِلٌ أَي: به أَهْلُه، ومكان آهِلٌ له أَهْل. (٣) الوجه الثاني: معنى الأهل في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ . إن المَعْنِيَّ من الأهل في قوله: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء: ٧٦] جاء على عدة معان؛ منها: ١ - أهله في الذين آمنوا به: قال ابن كثير: يخبر تعالى عن استجابته لعبده ورسوله نوح ﵇ حين دعا على قومه لما كذبوه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ [القمر: ١٠]، ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧]، ولهذا قال هاهنا: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء: ٧٦] أي: الذين آمنوا به كما قال: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ

стр. 3670

الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] (١). قال ابن عاشور: والمراد بأهله: عائلته إلَّا مَن حق عليه القول منهم، وكذلك المؤمنون من قومه، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾ [هود: ٤٠]، فالاقتصار على أهله هنا لقلة من آمن به من غيرهم. ٢ - أهل دينه: أو أُريد بالأهل أهل دينه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] (٢) الوجه الثالث: القرآن بَيَّنَ عاقبة امرأة نوح ﵇ -. قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ [التحريم: ١٠]. قال الطبري: يقول تعالى ذكره: مَثَّل الله مثلًا للذين كفروا من الناس وسائر الخلق امرأة نوح وامرأة لوط، كانتا تحت عبدين من عبادنا، وهما نوح ولوط فخانتاهما. (٣) قال ابن عاشور: فمعنى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾، أن الله جعل حالة هاتين المرأتين عظة وتنبيهًا للذين كفروا؛ أي: ليُذكرهم بأن الله لا يصرفه عن وعيده صَارِف، فلا يحسبوا أن لهم شفعاء عند الله، ولا أن مكانهم من جوار بيتِه وعمارة مسجده وسقاية حجيجه تصرف غضب الله عنهم، فإن هم أقلعوا عن هذا الحسبان أقبلوا على التدبر في النجاة من وعيده بالنظر في دلائل دعوة القرآن وصدق الرسول ﷺ ، فلو كان صارفٌ يصرف الله عن غضبه لكان أولى الأشياء بذلك مكانة هاتين المرأتين من زوجيهما رسولي رب العالمين (٤).

стр. 3671

ومناسبة ضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط دون غيرهما من قرابة الأنبياء نحو أبي إبراهيم وابن نوح، لأن ذكر هاتين المرأتين لم يتقدم، لتكون في ذكرهما فائدة مستجدة. الوجه الرابع: المراد بالخيانة في قوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ . قال ابن كثير: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ أي: في الإيمان، لم يوافقاهما على الإيمان، ولا صدَّقاهما في الرسالة، فلم يُجْد ذلك كلُّه شيئًا، ولا دفع عنهما محذورًا؛ ولهذا قال: ﴿لَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لكفرهما، ﴿وَقِيلَ﴾ أي: للمرأتين: ﴿ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ وليس المراد: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ في فاحشة، بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصوماتٌ عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء (١). قال ابن عادل: قال القشيريُّ: وهذا إجماع من المفسرين أنما كانت خيانتهما في الدين، وكانتا مشركتين، وقيل: كانتا منافقتين، وقيل: خيانتهما النَّميمةُ إذا أوحى الله إليهما شيئًا أفشتاه إلى المشركين؛ قاله الضحاك، وقيل: كانت امرأة لوط إذا نزل به ضيف دخنت لتعلم قومها أنه قد نزل به ضيف لما كانوا عليه من إتيان الرجال (٢). قال السعدي: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ في الدين؛ بأن كانتا على غير دين زوجيهما، وهذا هو المراد بالخيانة، لا خيانة النسب والفراش، فإنه ما بغت امرأة نبي قط، وما كان الله ليجعل امرأة أحد من أنبيائه بغيًا. (٣) والدليل على صحة ما في القرآن: هو أن قابين لما قتل هابيل ولد حنوك ولد عيراد، وعيراد ولد محويائيل، ومحويائيل ولد متوشائيل، ومتوشائيل ولد لامك، ولامك ولد يابال الذي كان أبًا لساكني الخيام ورعاء المواشي، واسم أخيه يوبال الذي كان أبًا لكل ضارب بالعود والمزمار، واسم أخيه توبال قابين الضارب كل آلة من نحاس وحديد (تكوين: ٤). قوله عن الثلاثة: الذي كان أبًا لساكني الخيام ورعاء المواشي - الذي كان أبًا لكل

стр. 3672

ضارب بالعود والمزمار - الضارب كل آلة من نحاس وحديد؛ يدل على أنه كان من الناجين غير أبناء نوح، ولذلك قال مفسرو التوراة: (وسلالة قابين سلالة الحياة المدنية، وسلالة شعث سلالة الحياة القدسية). الوجه الخامس: مصير امرأة نوع ولوط ﵉ في الكتاب المقدس . نجد أن الكتاب المقدس لم يذكر أن امرأة نوح كانت خائنة له وأنها من الكافرين به، ففي (التكوين ٦/ ١٨): وَلكِنْ أُقِيمُ عَهْدِي مَعَكَ، فتدْخُلُ الْفُلْكَ أَنْتَ وَبَنُوكَ وَامْرَأَتَكَ وَنِسَاءُ بَنِيكَ مَعَكَ، وفي (التكوين ٧/ ١): وَقَالَ الرَّبُّ لِنُوحٍ: ادْخُلْ أَنْتَ وَجَمِيعَ بَيْتِكَ إِلَى الْفُلْكِ، لأَنِّي إِيَّاكَ رَأَيْتُ بَارًّا لَدَيَّ فِي هذَا الجيلِ. حتى إنها كانت ممن دخل معه أيضًا في الفلك، على عكس ما في القرآن الكريم الذي هو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ففي سفر (التكوين ٧/ ٧: ٦): وَلمَّا كَانَ نُوحٌ ابْنَ سِتِّ مِئَةِ سَنَةٍ صَارَ طُوفَانُ الْمَاءِ عَلَى الأَرْضِ، ٧ فَدَخَلَ نُوحٌ وَبَنُوهُ وَامْرَأَتُهُ وَنسَاءُ بَنِيهِ مَعَهُ إِلَى الْفُلْكِ مِنْ وَجْهِ مِيَاهِ الطُّوفَانِ. أما امرأة لوط ففيها مثل ما في قصة امرأة نوح إذ إن الملكين اللذين جاءا ليهلكا سدوم التي كان يعيش فيها لوط وأهله يأمرانه بأن يأخذ امرأته مع الناجين من العذاب، ففي سفر (التكوين ١٩/ ١٦: ١٥): وَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ كَانَ الْمَلَكَانِ يُعَجِّلَانِ لُوطًا قَائِلَيْنِ: (قُمْ خُذِ امْرَأَتَكَ وَابْنَتَيْكَ الْمَوْجودَتَيْنِ لِئَلَّا تَهْلِكَ بِإِثْمِ الْمَدِينَةِ). ١٦ وَلمَّا تَوَانَى، أَمْسَكَ الرَّجُلَانِ بِيَدِهِ وَبِيَدِ امْرَأَتِهِ وَبِيَدِ ابْنَتَيْهِ، لِشَفَقَةِ الرَّبِّ عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَاهُ وَوَضَعَاهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ. ولكن امرأة لوط هلكت في نهاية الأمر، ولكن بطريقة غريبة؛ إذ إنها لما نظرت ورائها تحولت وصارت كعمود ملح، وهذا ما جاء به سفر (التكوين ١٩/ ٢٦: ٢٣): وَإِذْ أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلَى الأَرْضِ دَخَلَ لُوطٌ إِلَى صُوغَرَ، ٢٤ فَأَمْطَرَ الرَّبُّ عَلَى سَدُومَ وعَمُورَةَ كِبْرِيتًا وَنَارًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ. ٢٥ وَقَلَبَ تِلْكَ الْمُدُنَ، وَكُلَّ الدَّائِرَةِ، وَجَمِيعَ سُكَّانِ الْمُدُنِ، وَنَبَاتَ الأَرْضِ. ٢٦ وَنَظَرَتِ امْرَأَتَهُ مِنْ وَرَائِهِ فَصَارَتْ عَمُودَ مِلْحٍ. * * *

стр. 3673

سورة الحاقة شبهة: معنى كلمة (الحاقة) . نص الشبهة: يقولون أن قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾ [الحاقة: ١ - ٣] كلام ليس له معنى! والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: التفسير الصحيح للآيات . الوجه الثاني: علاقتها بما قبلها وما بعدها. الوجه الثالث: وماذا عن الكلام الغريب الموجود في الكتاب المقدس؟ وإليك التفصيل الوجه الأول: التفسير الصحيح للآيات. قال الطبري: يقول تعالى ذكره: الساعة ﴿الْحَاقَّةُ﴾ التي تحقّ فيها الأمور، ويجب فيها الجزاء على الأعمال، ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ يقول: أيّ شيء الساعة الحاقة، وذُكر عن العرب أنَّها تقول: لما عرف الحاقة متى والحقة متى، وبالكسر بمعنى واحد في اللغات الثلاث، وتقول: وقد حقّ عليه الشيء إذا وجب، فهو يحقّ حقوقًا. والحاقة الأولى مرفوعة بالثانية، لأن الثانية بمنزلة الكناية عنها، كأنه عجب منها، فقال ﴿الْحَاقَّةُ﴾ وما هي، كما يقال: زيد ما زيد، والحاقة الثانية مرفوعة بما، وما بمعنى أي، وما رفع بالحاقة الثانية، ومثله في القرآن ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾ فما: في موضع رفع بالقارعة الثانية والأولى بجملة الكلام بعدها، وعن ابن عباس، في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾ قال: من أسماء يوم القيامة، عظمه الله، وحذّره عباده (١). وعن قتادة قال: ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾ يعني: الساعة أحقت لكل عامل عمله.

стр. 3674

وقال عكرمة: يعني القيامة (١). وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾ وأيّ شيء أدراك وعرّفك: أيّ شيء الحاقة؟ وقال قتادة: تعظيم ليوم القيامة كما تسمعون (٢). قال البقاعي: قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾، لما قدم سبحانه في (نون) الإنكار الشديد لأن يسوي المسيء بالمحسن، وذكر القيامة وبيّنها بيوم كشف الساق، وزيادة المشاق، وهدد التهديد العظيم بآية الاستدراج الذي لا يدفع بعلاج، وختم بأن القرآن ذكر - أي شرف -، وتذكير، ومواعظ للعالمين في شمولهم كلهم برحمته، أما من بعد إنزاله فبوعيده ووعده، ووعظه وقصه، وأمره ونهيه، وأما من قبل إنزاله فبالشهادة لهم وعليهم، وكان تأويل ذلك وجميع أَثاره إنما يظهر ظهورًا تامًّا يوم الجمع الأكبر، وكان ذلك اليوم أعظم مذكر للعالمين، وواعظ لهم وزاجر، تنبني جميع الخيرات على تذكره، وتذكر العرض على الملك الديان، والسر في إنزال القرآن هو: التذكير بذلك اليوم الذي هو نظام الوجود، قال واصفًا للقيامة واليوم الذي يكشف فيه عن ساق، واعظًا بذكرها، ومحذرًا من أمرها: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ أي الساعة التي يكذب بها هؤلاء، وهي أثبت الأشياء وأجلاها، فلا كاذبة لها ولا لشيء عنها، فلا بد من حقوقها، فهي ثابتة في نفسها، ومن إحضار الأمور فيها بحقائقها، والمجازاة عليها بالحق الذي لا مرية فيه لأحد من الخلق، فهي فاعلة بمعنى مفعول فيها، وهي فاعلة أيضًا؛ لأنَّها غالبة لكل خصم، من حاققته فحققته أحقه أي: غالبته في الحق فغلبته فيه، فهي تحق الحق ولا بد، فتعلو الباطل فتدمغه وتزهقه، فتحق العذاب للمجرمين، والثواب للمسلمين، وكل ما فيها دائر على الثبات والبيان؛ لأن ذلك مقتضى الحكمة، ولا يرضى لأحد من الحكام ترك رعيته بغير إنصاف بينهم - على زعمه - فكيف بالحكيم العليم! وقصة صاحب الحوت ﵇ أدل دليل على القدرة عليها.

стр. 3675

ولما كان ذلك كله أمرًا رائعًا للعقول، هازًا للقلوب، مزعجًا للنفوس، وكان ربما توقف فيه الجلف الجافي، أكد أمره وزاد في تهويله، وأطنب في تفخيمه وتبجيله، إشارة إلى أن هوله يفوت الوصف بقوله، معلمًا أنه مما يحق له أن يستفهم عنه سائقًا له بأداة الاستفهام مرادًا بها التعظيم للشأن، وأن الخبر ليس كالعيان ﴿مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾ فأداة الاستفهام: مبتدأ أخبر عنه بالحاقة، وهما خبر عن الأولى، والرابط تكرير المبتدأ بلفظه، نحو: زيد أي ما هو؟ وأكثر ما يكون ذلك إذا أريد معنى التعظيم والتهويل. ولما كان السياق لترجمة المراد بكشف الساق، عظم التهويل بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ وأي في الزمن الماضي، وقصره لتذهب النفس فيه كل مذهب، أي: وأي شيء أعلمك بشيء من الأشياء، مع تعاطيك للبحث والمداورة، ثم زاد التحذير منها بقوله على النهج الأول مستفهمًا، والمراد به التفخيم ومزيد التعظيم: ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ وأي: إنها بحيث لا يعلم كنهها أحد، ولا يدركها، ولا يبلغها درايته، وكيف ما قدرت حالها، فهي أعظم من ذلك، فلا تعلم حق العلم إلا بالعيان (١). وقال البغوي: سُمّيت حاقة لأنَّها حقت فلا كاذبة لها، وقيل: لأن فيها حواق الأمور وحقائقها؛ ولأن فيها يحق الجزاء على الأعمال - أي: يجب -، يقال: حق عليه الشيء؛ إذا وجب يحق حقوقًا، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]، وقوله: ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ هذا استفهام معناه التفخيم لشأنها كما يقال: زيد ما زيد، على التعظيم لشأنه، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾ أي أنك لا تعلمها؛ إذ لم تعاينها ولم تر ما فيها من الأهوال (٢). وقال الشوكاني: قوله: فالقيامة حاقة؛ لأنَّها تحاق كل محاق في دين الله بالباطل، وتخصم كل مخاصم، وقال في الصحاح: حاقه أي: خاصمه في صغار الأشياء، ويقال: ماله فيها حقّ، ولا حقاق، ولا خصومة، والتحاقّ: التخاصم، والحاقة والحقة والحقّ ثلاث لغات بمعنى. قال الواحدي: هي القيامة في قول كل المفسرين، وسميت بذلك لأنَّها ذات

стр. 3676

الحواقّ من الأمور، وهي الصادقة الواجبة الصدق، وجميع أحكام القيامة صادقة واجبة الوقوع والوجود، قال الكسائي، والمؤرج: ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾ يوم الحق، وقيل: سميت بذلك لأن كل إنسان فيها حقيق بأن يجزى بعمله، وقيل: سميت بذلك لأنَّها أحقت لقوم النار، وأحقت لقوم الجَنَّة، والمعنى: أيّ شيء هي في حالها أو صفاتها؟ أي: أيّ شيء أعلمك ما هي؟ أي: كأنك لست تعلمها إذا لم تعاينها وتشاهد ما فيها من الأهوال، فكأنها خارجة عن دائرة علم المخلوقين (١). الوجه الثاني: علاقتها بما قبلها . مما سبق بينا فائدة تكرار هذه الكلمة، وفائدة الاستفهام في هذه الآياتِ؛ ردًّا على قولهم أن هذا الكلام ليس له معنى. وأما قولهم أنَّها ليس لها رابط بما قبلها، فهو كلام مردود، وقد بينا ذلك في نقلنا لتفسير هذه الآياتِ من تفسير البقاعي، وقلنا: أنَّ الله تعالى يكمل كلامه الذي بدأه في سورة (ن)، التي حذر فيها الكافرين والمكذبين، وذكر فيها اليوم الذي يكشف فيه عن ساق، ويشتد العذاب على الظالمين، فأكمل كلامه في سورة الحاقة ببيان عظم شأن هذا اليوم، وبيان بعض أهواله التي لا يطيقها أحد - إلا من رحم الله -. وأما رابطها بما بعدها: فقد بين الله بعد ذكره هذه الآياتِ أهوال هذا اليوم، وذكر أمثالا من القوم الذين كذبوا بالبعث والنشور، فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾ (الحاقة: ٤)، والقارعة هي القيامة، ثم ذكر بعض أهوال هذا اليوم فقال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (الحاقة: ١٣)، إلى قوله ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ [الحاقة: ٣٥ - ٣٧]، وسرد في هذه الآياتِ كيفية بدء هذا اليوم، وذكر فيه حال أصحاب اليمين، وحال أصحاب الشمال، فكيف لا تكون هذه الآيات ليس لها علاقة بما بعدها، إن هذا من سفه العقول، وانعدام الفهم والتدبر.

стр. 3677

ثم إن الله لا يقول شيئًا عبثًا، أو ليس له معنى، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [الأنبياء: ١٦ - ١٨]. الوجه الثالث: وماذا عن الكلام الغريب الموجود في الكتاب المقدس ؟ جاء في سفر (العدد ٥/ ٢٢): وَيَدْخُلُ مَاءُ اللَّعْنَةِ هذَا فِي أَحْشَائِكِ لِوَرَمِ الْبَطْنِ، وَلإِسْقَاطِ الْفَخْذِ. فَتَقُولُ الْمَرْأَةُ: آمِينَ، آمِينَ. وفي سفر (الرؤيا ٦/ ٦): وَسَمِعْتُ صَوْتًا فِي وَسَطِ الأَرْبَعَةِ الحيَوَانَاتِ قَائِلًا: (ثُمْنِيَّةُ قَمْحٍ بِدِينَارٍ، وَثَلَاثُ ثَمَانِيِّ شَعِيرٍ بِدِينَارٍ. وَأَمَّا الزَّيْتُ وَالْخَمْرُ فَلَا تَضُرَّهُمَا. وفي (الرؤيا ١٧/ ٦): وَرَأَيْتُ الْمَرْأَةُ سَكْرَى مِنْ دَمِ الْقِدِّيسِينَ وَمنْ دَمِ شُهَدَاءِ يَسُوعَ. فتعَجَّبْتُ لمَّا رَأَيْتُهَا تَعَجُّبًا عَظِيمًا! . * * *

стр. 3678

سورة نوح شبهة: أنَّ نوحًا ﵇ يدعو للضلال . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ [نوح: ٢٤] فكيف يدعو نوح ربه أن يزيد الناس ضلالا؟ ! والتاريخ المقدس يشهد له: "كان نوح رجلًا بارًا كاملًا في أجياله" (تكوين: ٦/ ٩) ". وأنه كان كارزًا للبر" (٢ بطرس: ٢/ ٥). كما أن الله ليس مصدرًا للضلال، ونوح نفسه لا يحب الضلال. والجواب عليه من وجوه: الوجه الأول: الأصل في دعوة الأنبياء هداية الناس . الوجه الثاني: مدة دعوة نوح ﵇ قومه استمرت دعوته تسعمائة وخمسين (٩٥٠) سنة. الوجه الثالث: بيان عماملة قوم نوح له عند دعوتهم إلى عبادة الله وحده وطاعته. الوجه الرابع: شكاية نوح ﵇ قومه لربه، وبيان إعراضهم مع علم الله بذلك. الوجه الخامس: بيان تكذيب قوم نوح له، وبيان عاقبة المكذبين. الوجه السادس: ما دعا نوح على قومه إلا بعد أن أعلمه الله أنهم لا يؤمنون. الوجه السابع: أنَّ للآية الكريمة عدة معانٍ يصح حملُ الآية على أي معنى منها. الوجه الثامن: فضل نوح ﵇. الوجه التاسع: دعاء الأنبياء على الظالمين في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: الأصل في دعوة الأنبياء هداية الناس. قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ [الكهف: ٥٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ

стр. 3679

يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨، ٤٩]. الوجه الثاني: مدة دعوة نوح ﵇ قومه استمرت دعوته تسعمائة وخمسين (٩٥٠) سنة قبل الطوفان . قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ فلم يستجيبوا ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فمكث في قومه هذه المدة يدعوهم إلى الله ليلًا، ونهارًا، وسرًّا، وجهارًا، ومع هذا ما زادهم ذلك إلا فرارًا عن الحق، وإعراضًا عنه وتكذيبًا له، وما آمن معه منهم إلا قليل (١). وبعد هذه المدة الطويلة ما نجح فيهم البلاغ والإنذار (٢). الوجه الثالث: بيان معاملة قوم نوح له عند دعوتهم إلى عبادة الله وحده وطاعته . وقد عاملوه بأشياء: أولها: قوله تعالى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ والمعني أنهم بلغوا في التقليد إلى حيث جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا الحجة والبينة. ثانيها: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ أي: تغطوا بها، إما لأجل أن لا يبصروا وجهه، كأنهم لم يجوزوا أن يسمعوا كلامه، ولا أن يروا وجهه، وإما لأجل المبالغة في أن لا يسمعوا؛ فإنهم إذا جعلوا أصابعهم في أَذانهم، ثم استغشوا ثيابهم مع ذلك، صار المانع من السماع أقوى. وثالثها: قوله: ﴿وَأَصَرُّوا﴾ والمعنى أنهم أصروا على مذهبهم، أو على إعراضهم عن سماع دعوة الحق. ورابعها: قوله: ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ أي: عظيمًا بالغًا إلى النهاية القصوى (٣). بل كانت مراتب دعوته ثلاث: فبدأ بالمناصحة في السر، فعاملوه بالأمور الأربعة ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾، ثم ثنى بالمجاهرة،

стр. 3680

فلما لم يؤثر جمع بين الإعلان والإسرار، وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ دالة على تراخي بعض هذه المراتب عن بعض إما بحسب الزمان، أو بحسب الرتبة؛ لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الإسرار والجهار أغلظ من الجهار وحده (١). ثم بعد ذلك سخروا منه، كانوا يرونه يعمل السفينة، فيقولون: يا نوح صرت بعد النبوة نجارًا (٢)، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨]. الوجه الرابع: شكاية نوح ﵇ قومه لربه، وبيان إعراضهم مع علم الله بذلك . قال تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [نوح: ٢١ - ٢٥]. يقول تعالى مخبرًا عن نوح ﵇ أنه أنهى إليه، وهو العليم الذي لا يعزب عنه شيء، أنه مع البيان المتقدم ذكره، والدعوة المتنوعة المشتملة على الترغيب تارة والترهيب أخرى، أنهم عصوه وكذبوه وخالفوه، واتبعوا أبناء الدنيا ممن غفل عن أمر الله، ومتع بمال وأولاد، وهي في نفس الأمر استدراج وإنظار لا إكرام؛ ولهذا قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ قال مجاهد: ﴿كُبَّارًا﴾ أي: عظيمًا، وقال ابن زيد ﴿كُبَّارًا﴾ وأي: كبيرًا، وأي: باتباعهم في تسويلهم لهم بأنهم على الحق والهدى (٣). (ووَدًّا وَسُوَاعًا وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. وقصتهم ذكرها البخاري ﵀ في صحيحه (٤٩٢٠) فدعا على قومه لتمردهم وكفرهم وعنادهم، وبسبب كثرة ذنوبهم وعتوهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم (٤). فدعاهم إلى الله ونبههم على هذه الدلائل الظاهرة، فلم يستجيبوا فحكى عنهم
следующие страницы →