الحواقّ من الأمور، وهي الصادقة الواجبة الصدق، وجميع أحكام القيامة صادقة واجبة الوقوع والوجود، قال الكسائي، والمؤرج: ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾ يوم الحق، وقيل: سميت بذلك لأن كل إنسان فيها حقيق بأن يجزى بعمله، وقيل: سميت بذلك لأنَّها أحقت لقوم النار، وأحقت لقوم الجَنَّة، والمعنى: أيّ شيء هي في حالها أو صفاتها؟ أي: أيّ شيء أعلمك ما هي؟ أي: كأنك لست تعلمها إذا لم تعاينها وتشاهد ما فيها من الأهوال، فكأنها خارجة عن دائرة علم المخلوقين (١).
الوجه الثاني: علاقتها بما قبلها .
مما سبق بينا فائدة تكرار هذه الكلمة، وفائدة الاستفهام في هذه الآياتِ؛ ردًّا على قولهم أن هذا الكلام ليس له معنى.
وأما قولهم أنَّها ليس لها رابط بما قبلها، فهو كلام مردود، وقد بينا ذلك في نقلنا لتفسير هذه الآياتِ من تفسير البقاعي، وقلنا: أنَّ الله تعالى يكمل كلامه الذي بدأه في سورة (ن)، التي حذر فيها الكافرين والمكذبين، وذكر فيها اليوم الذي يكشف فيه عن ساق، ويشتد العذاب على الظالمين، فأكمل كلامه في سورة الحاقة ببيان عظم شأن هذا اليوم، وبيان بعض أهواله التي لا يطيقها أحد - إلا من رحم الله -.
وأما رابطها بما بعدها: فقد بين الله بعد ذكره هذه الآياتِ أهوال هذا اليوم، وذكر أمثالا من القوم الذين كذبوا بالبعث والنشور، فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾ (الحاقة: ٤)، والقارعة هي القيامة، ثم ذكر بعض أهوال هذا اليوم فقال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (الحاقة: ١٣)، إلى قوله ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ [الحاقة: ٣٥ - ٣٧]، وسرد في هذه الآياتِ كيفية بدء هذا اليوم، وذكر فيه حال أصحاب اليمين، وحال أصحاب الشمال، فكيف لا تكون هذه الآيات ليس لها علاقة بما بعدها، إن هذا من سفه العقول، وانعدام الفهم والتدبر.
стр. 3677
ثم إن الله لا يقول شيئًا عبثًا، أو ليس له معنى، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [الأنبياء: ١٦ - ١٨].
الوجه الثالث: وماذا عن الكلام الغريب الموجود في الكتاب المقدس ؟
جاء في سفر (العدد ٥/ ٢٢): وَيَدْخُلُ مَاءُ اللَّعْنَةِ هذَا فِي أَحْشَائِكِ لِوَرَمِ الْبَطْنِ، وَلإِسْقَاطِ الْفَخْذِ. فَتَقُولُ الْمَرْأَةُ: آمِينَ، آمِينَ.
وفي سفر (الرؤيا ٦/ ٦): وَسَمِعْتُ صَوْتًا فِي وَسَطِ الأَرْبَعَةِ الحيَوَانَاتِ قَائِلًا: (ثُمْنِيَّةُ قَمْحٍ بِدِينَارٍ، وَثَلَاثُ ثَمَانِيِّ شَعِيرٍ بِدِينَارٍ. وَأَمَّا الزَّيْتُ وَالْخَمْرُ فَلَا تَضُرَّهُمَا.
وفي (الرؤيا ١٧/ ٦): وَرَأَيْتُ الْمَرْأَةُ سَكْرَى مِنْ دَمِ الْقِدِّيسِينَ وَمنْ دَمِ شُهَدَاءِ يَسُوعَ. فتعَجَّبْتُ لمَّا رَأَيْتُهَا تَعَجُّبًا عَظِيمًا! .
* * *
стр. 3678
سورة نوح
شبهة: أنَّ نوحًا ﵇ يدعو للضلال .
نص الشبهة:
قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ [نوح: ٢٤] فكيف يدعو نوح ربه أن يزيد الناس ضلالا؟ !
والتاريخ المقدس يشهد له: "كان نوح رجلًا بارًا كاملًا في أجياله" (تكوين: ٦/ ٩) ".
وأنه كان كارزًا للبر" (٢ بطرس: ٢/ ٥).
كما أن الله ليس مصدرًا للضلال، ونوح نفسه لا يحب الضلال.
والجواب عليه من وجوه:
الوجه الأول: الأصل في دعوة الأنبياء هداية الناس .
الوجه الثاني: مدة دعوة نوح ﵇ قومه استمرت دعوته تسعمائة وخمسين (٩٥٠) سنة.
الوجه الثالث: بيان عماملة قوم نوح له عند دعوتهم إلى عبادة الله وحده وطاعته.
الوجه الرابع: شكاية نوح ﵇ قومه لربه، وبيان إعراضهم مع علم الله بذلك.
الوجه الخامس: بيان تكذيب قوم نوح له، وبيان عاقبة المكذبين.
الوجه السادس: ما دعا نوح على قومه إلا بعد أن أعلمه الله أنهم لا يؤمنون.
الوجه السابع: أنَّ للآية الكريمة عدة معانٍ يصح حملُ الآية على أي معنى منها.
الوجه الثامن: فضل نوح ﵇.
الوجه التاسع: دعاء الأنبياء على الظالمين في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: الأصل في دعوة الأنبياء هداية الناس.
قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ [الكهف: ٥٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
стр. 3679
يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨، ٤٩].
الوجه الثاني: مدة دعوة نوح ﵇ قومه استمرت دعوته تسعمائة وخمسين (٩٥٠) سنة قبل الطوفان .
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ فلم يستجيبوا ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فمكث في قومه هذه المدة يدعوهم إلى الله ليلًا، ونهارًا، وسرًّا، وجهارًا، ومع هذا ما زادهم ذلك إلا فرارًا عن الحق، وإعراضًا عنه وتكذيبًا له، وما آمن معه منهم إلا قليل (١).
وبعد هذه المدة الطويلة ما نجح فيهم البلاغ والإنذار (٢).
الوجه الثالث: بيان معاملة قوم نوح له عند دعوتهم إلى عبادة الله وحده وطاعته .
وقد عاملوه بأشياء:
أولها: قوله تعالى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ والمعني أنهم بلغوا في التقليد إلى حيث جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا الحجة والبينة.
ثانيها: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ أي: تغطوا بها، إما لأجل أن لا يبصروا وجهه، كأنهم لم يجوزوا أن يسمعوا كلامه، ولا أن يروا وجهه، وإما لأجل المبالغة في أن لا يسمعوا؛ فإنهم إذا جعلوا أصابعهم في أَذانهم، ثم استغشوا ثيابهم مع ذلك، صار المانع من السماع أقوى.
وثالثها: قوله: ﴿وَأَصَرُّوا﴾ والمعنى أنهم أصروا على مذهبهم، أو على إعراضهم عن سماع دعوة الحق.
ورابعها: قوله: ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ أي: عظيمًا بالغًا إلى النهاية القصوى (٣).
بل كانت مراتب دعوته ثلاث: فبدأ بالمناصحة في السر، فعاملوه بالأمور الأربعة ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾، ثم ثنى بالمجاهرة،
стр. 3680
فلما لم يؤثر جمع بين الإعلان والإسرار، وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ دالة على تراخي بعض هذه المراتب عن بعض إما بحسب الزمان، أو بحسب الرتبة؛ لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الإسرار والجهار أغلظ من الجهار وحده (١).
ثم بعد ذلك سخروا منه، كانوا يرونه يعمل السفينة، فيقولون: يا نوح صرت بعد النبوة نجارًا (٢)، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨].
الوجه الرابع: شكاية نوح ﵇ قومه لربه، وبيان إعراضهم مع علم الله بذلك .
قال تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [نوح: ٢١ - ٢٥].
يقول تعالى مخبرًا عن نوح ﵇ أنه أنهى إليه، وهو العليم الذي لا يعزب عنه شيء، أنه مع البيان المتقدم ذكره، والدعوة المتنوعة المشتملة على الترغيب تارة والترهيب أخرى، أنهم عصوه وكذبوه وخالفوه، واتبعوا أبناء الدنيا ممن غفل عن أمر الله، ومتع بمال وأولاد، وهي في نفس الأمر استدراج وإنظار لا إكرام؛ ولهذا قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ قال مجاهد: ﴿كُبَّارًا﴾ أي: عظيمًا، وقال ابن زيد ﴿كُبَّارًا﴾ وأي: كبيرًا، وأي: باتباعهم في تسويلهم لهم بأنهم على الحق والهدى (٣).
(ووَدًّا وَسُوَاعًا وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله.
وقصتهم ذكرها البخاري ﵀ في صحيحه (٤٩٢٠) فدعا على قومه لتمردهم وكفرهم وعنادهم، وبسبب كثرة ذنوبهم وعتوهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم (٤). فدعاهم إلى الله ونبههم على هذه الدلائل الظاهرة، فلم يستجيبوا فحكى عنهم
стр. 3681
أنواع قبائحهم وأقوالهم وأفعالهم، فقال تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ وذلك لأنه قال في أول السورة: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ فكأنه قال: قلت لهم أطيعون فهم عصوني، ثم قال ﵇: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ فذكر في الآية الأولى أنهم عصوه وفي هذه الآية أنهم ضموا إلى عصيانه معصية أخرى وهي طاعة رؤسائهم الذين يدعونهم إلى الكفر، ولم يكتفوا بذلك بل: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾ فالمتبوعين مكروا وقالوا للأتباع: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ و ﴿كُبَّارًا﴾ مبالغة في الكبر.
المكر الكبار هو أنهم قالوا لأتباعهم: ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا﴾ فهم منعوا القوم عن التوحيد، وأمروهم بالشرك، ولما كان التوحيد أعظم المراتب لا جرم كان المنع منه أعظم الكبائر فلهذا وصفه الله تعالى بأنه كبار، واستدل بهذا من فضل علم الكلام على سائر العلوم، فقال: الأمر بالشرك كبار في القبح والخزي، فالأمر بالتوحيد والإرشاد وجب أن يكون كبارًا في الخير والدين.
وسمي الله فعلهم ﴿مَكْرًا﴾ لوجهين:
الأول: لما في إضافة الإلهية إليهم من الحيلة الموجبة لاستمرارهم على عبادتها، كأنهم قالوا: هذه الأصنام آلهة لكم، وكانت آلهة لآبائكم، فلو قبلتم قول نوح لاعترفتم على أنفسكم بأنكم كنتم جاهلين ضالين كافرين، وعلى آبائكم بأنهم كانوا كذلك، ولما كان اعتراف الإنسان على نفسه، وعلى جميع أسلافه بالقصور والنقص والجهل شاقًا شديدًا، صارت الإشارة إلى هذه المعاني بلفظ آلهتكم صارفًا لهم عن الدين، فلأجل اشتمال هذا الكلام على هذه الحيلة الخفية سمى الله كلامهم ﴿مَكْرًا﴾.
الثاني: أنَّه تعالى حكى عن أولئك المتبوعين أنهم كان لهم مال وولد، فلعلهم قالوا لأتباعهم: إن آلهتكم خير من إله نوح، لأن آلهتكم يعطونكم المال والولد، وإله نوح لا يعطيه شيئًا لأنه فقير، فبهذا المكر صرفوهم عن طاعة نوح، وهذا مثل مكر فرعون إذ قال:
стр. 3682
﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ وقال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ (١).
ومع كل هذا كان الدعاء على الظالمين، ولو كان في هذا الدعاء إجحافًا لما استجاب الله له، فهل يقر الله الباطل ويعلي شأنه؟
الوجه الخامس: بيان تكذيب قوم نوح له، وبيان عاقبة المكذبين .
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧)﴾ (الفرقان: ٣٧)، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾ [القصص: ٥٩].
والله لا يهلك إلا بالعصيان؛ قال تعالى: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)﴾ [الحاقة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ [الأنعام: ١٠]، وغير ذلك من الآياتِ؛ وهي كثيرة.
الوجه السادس: ما دعا نوح على قومه إلا بعد أن أعلمه الله أنهم لا يؤمنون .
فهذا دعاء عليهم بعدما أعلم الله نوحًا أنهم لا يؤمنون؛ وهو قوله: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] (٢).
الوجه السابع: أنَّ للآية الكريمة عدة معانٍ يصح حمل الآية على أي معنى منها .
الأول: والضلال، مستعار لعدم الاهتداء إلى طرائق المكر الذي خشي نوح غائلته في قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾ [نوح: ٢٢] أي حُلْ بيننا وبين مكرهم ولا تزدهم إمهالًا في طغيانهم علينا إلَّا أن تضللهم عن وسائله، فيكون الاستثناء من تأكيد الشيء بما يشبه ضده (٣).
стр. 3683
ثانيًا: ﴿إِلَّا ضَلَالًا﴾ أي: إلا عذابًا، قال ابن بحر: واستشهد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ [القمر: ٤٧] (١).
ويجوز أن يكون الضلال أطلق على العذاب المسبب عن الضلال؛ أي: في عذاب يوم القيامة وهو عذاب الإِهانة والآلام (٢).
ثالثًا: يقول نوح ﵇: ولا تزد الظالمين أنفسهم بكفرهم بآياتنا إلا ضلالًا؛ أي: إلا طبعًا على قلبه حتى لا يهتدي للحق (٣).
رابعًا: قيل: إنما الضلال الضياع والهلاك في أمر الدنيا وما يتعلق بها لا في أمر الآخرة (٤).
خامسًا: ﴿إِلَّا ضَلَالًا﴾ أي: خذلانًا واستدراجًا (٥). والمقصود: أنَّ يخذلوا ويمنعوا الألطاف لتصميمهم على الكفر ووقوع اليأس من إيمانهم، وذلك حسن جميل يجوز الدعاء به، بل لا يحسنَ الدعاء بخلافه (٦).
سادسًا: أو أراد إبهام طرق النفع عليهم حتى تنكسر شوكتهم وتلين شكيمتهم نظير قول موسى ﵇: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ [يونس: ٨٨] وليس المراد بالضلال: الضلال عن طريق الحق والتوحيد لظهور أنه ينافي دعوة نوح قومه إلى الاستغفار والإِيمان بالبعث؛ فكيف يسأل الله أن يزيدهم منه (٧).
سابعًا: ويحوز أن تكون جملةً معترضة؛ وهي من كلام الله تعالى لنوح فتكون الواو
стр. 3684
اعتراضية، ويقدر قول محذوف: وقلنا لا تزد الظالمين، والمعنى: ولا تزد في دعائهم فإن ذلك لا يزيدهم إلَّا ضلالًا، فالزيادة منه تزيدهم كفرًا وعنادًا، وبهذا يبقى الضلال مستعملًا في معناه المشهور في اصطلاح القرآن، فصيغة النهي مستعملة في التأييس من نفع دعوته إياهم، وأعلَمَ الله نوحًا أنه مهلكهم بقوله: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: ٢٥] وهذا في معنى قوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٦، ٣٧] (١).
ثامنًا: أنَّ يكون المعنى كما هو على ظاهره. وإنما دعا عليهم بعد أن أعلمه الله أنهم لا يؤمنون وهو قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ (هود: ٣٦) (٢).
وهذا دعاء منه على قومه لتمردهم وكفرهم وعنادهم كما دعا موسى على فرعون وملئه في قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]، وقد استجاب الله لكل من النبيين في قومه وأغرد اأمته بتكذيبهم لما جاءهم به (٣). وإنما دعا ذلك ليأسه من إيمانهم (٤).
ومع هذا فقد ثبت في حديمث الشفاعة في الصحيح أنه يقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة لم أؤمر بها، فإنه وإن لم ينه عنها فلم يأمر بها، فكان أولى أن لا يدعو إلا بدعاء مأمور به واجب أو مستحب، فإن الدعاء من العبادات فلا يعبد الله إلا بمأمور به واجب أو مستحب، وهذا لو كان مأمورًا به لكان شرعًا لنوح، ثم ننظر في شرعنا هل نسخه أم لا؟ (٥)
الوجه الثامن: فضل نوح ﵇ -.
١ - أنه أول رسول إلى أهل الأرض بعد آدم ﵇ (٦).
стр. 3685
٢ - قال عنه رب العالمين: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبله هديناه كما هديناه، ووهبنا له ذرية صالحة، وكل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح ﵇، فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به - وهم الذين صحبوه في السفينة - جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذرية نوح، وكذلك الخليل إبراهيم ﵇ لم يبعث الله بعده نبيًّا إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨] (١).
٣ - دعوته لقومه لخوفه عليهم ولحب الخير لهم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ [الأعراف: ٥٩].
وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾ [الشعراء: ١٠٦ - ١١٠].
٤ - من جزاء الله لنوح ﵇ ثناء الناس عليه. قال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾ [الصافات: ٧٩ - ٨١].
قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ مفسر لما أبقى عليه من الذي الجميل والثناء الحسن أنه يسلم عليه في جميع الطوائف والأمم ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله، نجعل له لسانَ صدْق يذكر به بعده بحسب مرتبته في ذلك، ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: المصدقين الموحدين الموقنين (٢).
أثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين فيسلمون عليه بكليتهم، ثم إنه
стр. 3686
تعالى لما شرح تفاصيل إنعامه عليه قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ والمعنى: أنَّا إنما خصصنا نوحًا ﵇ بتلك التشريفات الرفيعة من جعل الدنيا مملوءة من ذريته ومن تبقية ذكره الحسن في السنة جميع العالمين لأجل أنه كان محسنًا، ثم علل كونه محسنًا بأنه كان عبدًا لله مؤمنًا، والمقصود منه بيان أن أعظم الدرجات وأشرف المقامات الإيمان بالله والانقياد لطاعته (١).
٦ - عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فجاء رجل من أهل البادية عليه جبة سيجان مزرورة بالديباج فقال: ألا إن صاحبكم هذا قد وضع كل فارس ابن فارس. قال: يريد أن يضع كل فارس ابن فارس ويرفع كل راع ابن راع. قال: فأخذ رسول الله ﷺ بمجامع جبته وقال: ألا أرى عليك لباس من لا يعقل. ثم قال: إن نبي الله نوحًا ﵇ لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاصٍ عليك الوصية، آمرك باثنتين، وأنهاك عن اثتتين: آمرك بلا إله إلا الله؛ فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله وسبحان الله وبحمده؛ فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق، وأنهاك عن الشرك والكبر.
قال: قلت أو قيل يا رسول الله، هذا الشرك قد عرفناه في الكبر؟ قال: أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان؟ قال: ""لا"، قال: هو أن يكون لأحدنا حلة يلبسها؟ " قال: "لا"، قال: الكبر هو أن يكون لأحدنا دابة يركبها؟ قال: "لا"، قال: أفهو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه؟ قال: "لا"، قيل: يا رسول الله، فما الكبر؟ قال: "سفه الحق وغمص الناس"" (٢).
أما قولهم عن الله: ليس مصدرًا للضلال؛ فهذا حقٌّ أريد به باطل، وقد فصل ذلك في شبه العقيدة فانظره في محله.
الوجه التاسع: دعاء الأنبياء على الظالمين في الكتاب المقدس .
وأخيرًا: فما قولكم في دعاء الأنبياء على الظالمين كما في التوراة.
ففي المزمور الثامن عشر (١٨/ ٤٨) "من الرجل الظالم تنقذني" وأيضا (١٨/ ٤٢) "مثل طين الأسواق اطرحهم".
стр. 3687
وفي الإنجيل يقول المسيح لله عن الذين آمنوا به في (يوحنا ١٧/ ١١) "أحفظهم في أسمك الذين أعطيتني" ولم يدع للكل.
ثم ماذا عن هذه الأمور التي تزعمون أن نوحًا ﵇ وقع فيها هل تصدقون أن نوحًا يسكر ويتعرى ويتكلم بالفواحش بل ويقع عليه ابنه الصغير بالفاحشة بل ويلعن كل أولاد كنعان.
والإجابة اقرأ عن هذه المآسي التي يصفون بها نبي الله نوحًا ﵇ في الكتاب المقدس لتعلم الفارق بين الإسلام وغيره.
ففي سفر التكوين (٩/ ٢١: ٢٧): "وَشَرِبَ مِنَ الخمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ. ٢٢ فَأَبْصَرَ حَامٌ أَبُو كنْعَانَ عَوْرَةَ أَبِيهِ، وَأَخْبَرَ أَخَويهِ خَارِجًا. ٢٣ فَأَخَذَ سَامٌ وَيَافَثُ الرِّدَاءَ وَوَضَعَاهُ عَلَى أَكتَافِهِما وَمَشَيَا إِلَى الْوَرَاءِ، وَسَتَرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا وَوَجْهَاهُمَا إِلَى الْوَرَاءِ. فَلَمْ يُبْصِرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا. ٢٤ فَلمَّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ مِنْ خَمْرِهِ، عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ابْنه الصَّغِيرُ، ٢٥ فَقَالَ: "مَلْعُونٌ كَنْعَانُ! عَبْدَ الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتهِ". ٢٦ وَقَالَ: "مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كنْعَانُ عَبْدًا لهُمْ. ٢٧ لِيَفْتَحِ الله لِيَافَثَ فَيَسْكُنَ فِي مَسَاكِنِ سَامٍ، وَلْيَكُنْ كنْعَانُ عَبْدًا لهُمْ".
انظر إلى هذا السفه الذي تطاولوا به على أنبياء الله ورسله وحاشا وكلا أن يقوم نبي الله نوح ﵇ بمثل هذه الخبائث التي افتروا به عليه في كتابهم.
لتعلم أيها المنصف أن مثل هذا لا يكون إلا في كتاب حُرِّفَ، حرفه أقوام لا يعرفون شيئًا عن أنبياء الله.
* * *
стр. 3688
سورة البلد
شبهة: القسم .
نص الشبهة:
قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ وحيث أخبر ألا يقسم، ثم أقسم في آية أخرى ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾، فكيف توجه هذا التناقض؟
والجواب على ذلك كما يلي من وجوه:
الوجه الأول (إثبات قراءة):
قرأ قنبل: (لأقسم بيوم القيامة) بغير ألف بعد اللام، وكذا روى النقاش عن أبي ربيعة عن البزي والباقون بألف ولا خلاف في الثاني. (١)
الوجه الثاني: إن كلمة (لا) في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ هي نافية على معناها غير أن في الكلام مجازًا تركيبا، وتقديره أن نقول: (لا) في النفي ههنا كما في قول القائل: لا تسألني عما جرى عليه أعظم من أن يشرح، فلا ينبغي أن يسأله فإن غرضه من السؤال لا يحصل ولا يكون غرضه من ذلك النهي إلا بيان عظمة الواقعة، ويصير كأنه قال: "جرى على أمر عظيم ويدل عليه أن السامع يقول له ماذا جرى عليك ولو فهم من حقيقة كلامه النهي عن السؤال لما قال ماذا جرى عليك فيصح منه أن يقول أخطأت حيث منعتك عن السؤال ثم سألتني وكيف لا وكثيرًا ما يقول ذلك القائل الذي قال لا تسألني عند سكوت صاحبه عن السؤال أو لا تسألني ولا تقول ماذا جرى عليك ولا يكون للسامع أن يقول إنك منعتني عن السؤال كل ذلك تقرر في أفهامهم أن المراد تعظيم الواقعة لا النهي.
إذا اعلم هذا فنقول في القسم مثل هذا موجود من أحد وجهين إما لكون الواقعة في غاية الظهور فيقول لا أقسم بأنه على هذا الأمر لأنه أظهر من أن يشهر، وأكثر من أن ينكر، فيقول لا أقسم ويريد به القسم ونفيه وإنما يريد الإعلام بأن الواقعة ظاهرة وإما
стр. 3689
لكون المقسم به فوق ما يقسم به، والمقسم صار الأمير بل برأس السلطان ويقول لا أقسم بكذا أمر مريد لكونه في غاية الجزم.
والثاني: يدل عليه أن هذه الصيغة لم ترد في القرآن والمقسم به هو الله تعالى أو صفة من صفاته وإنما جاءت أمور مخلوقه والأول لا يرد عليه إشكال إن قلنا أن المقسم به في جميع المواضع رب الأشياء (١).
الوجه الثالث: أن (لا) على عادة العرب، فإنها ربما لفظت بلفظة (لا) من غير قصد معناها الأصلي، بل لمجرد تقوية الكلام وتوكيد كقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ (طه: ٩٢ - ٩٣) يعني: أنَّ تتبعني وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] أي: أنَّ تسجد.
وكقول أبي النجم: فما اللوم البيض ألا تسخرا لما رأين الشمط القفندرا. (٢)
يعني: أنَّ تسخر.
وقول امرئ القيس:
فلا وأبيك ابنه العامري ... لا يدعى القوم أني أفر
يعني: وأبيك (٣).
الوجه الرابع:
في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ (القيامة: ١ - ٢).
وقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ فإنها زيدت في الكلام على نية الرد على المكذبين، كما في الكلام لا والله ماذا كما تقول، ولو قلت: والله ماذا كما تقول لكان غير أن إدخالك (لا) في الكلام أولا أبلغ في الرد. (٤)
стр. 3690
زيادة وتوضيح: جاء القرآن بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار فجاء الإقسام بالرد عليهم في كثير من الكلام المبتدأ منه، وغير المبتدأ كقولك في الكلام إلا والله لا أفعل ذاك جعلوا (لا) وإن رأيتها مبتدأة ردًا الكلام قد كان مضى، فلو ألقيت (لا) مما ينوى به الجواب لم يكن بين اليمين التي تكون جوابًا واليمين التي تستأنف فرق، ألا ترى أنك تقول مبتدئًا: والله إن الرسول لحق، فإذا قلت: لا والله إن الرسول لحق فكأنك أكذبت قومًا أنكروه فهذه جهة لا مع الإقسام وجميع الإيمان في كل موضع ترى فيه (لا) مبتدأ بها، وهو كثير في الكلام. (١)
رد هذا القول بعض العلماء فقال: لا يجوز لأن في ذلك حذف اسم (لا) وخبرها، وليس جواب السائل سأل فيحتمل ذلك نحو قوله: لا، لمن قال: هل من رجل في الدار؟ (٢) ويقال أيضًا: هذا القول ليس بوجيه لقوله تعالى في سورة القيامة: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾: يدل على أنه لم يرد الإثبات المؤتنف بعد النفي بقوله ﴿أُقْسِمُ﴾. (٣)
الوجه الخامس:
أنَّها لام أشبعت فتحتها فتولدت منها ألف كقوله: (أعوذ بالله من العقراب) يريد من العقرب، وهذا وإن كان قليلًا فقد جاء نظيره في قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] بياء بعد الهمزة وذلك في قراءة هشام، فالمعنى (فلا أقسم) كقراءة الحسن وعيسى. (٤)
زيادة وتوضيح: إن الام لام الابتداء، أشبدت فتحتها والعرب ربما أشبعت الفتحة بألف، والكسرة بياء، والضمة بواو.
فمثاله في الفتحة: قول عبد يغوث بن وقاص الحارثي:
وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم ترى قبلي أسيرًا يمانيًا (٥).
فالأصل: كأن لم تر ولكن الفتحة أشبعت.
стр. 3691
وليس إشباع الفتحة هنا من ضرورة الشعر لتصريح علماء اللغة العربية بأن إشباع الحركة بحرف يناسبها أسلوب من أساليب اللغة العربية، ولأنه مسموع في النثر كقولهم:
كلكال، وخاتام يعنون: كلكلًا وخاتمًا.
ومثال إشباع الكسرة بالياء قول قيس بن زهير:
ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بني زياد. (١)
ويدل لهذا الوجه قراءة قنبل: (لأقسم بهذا البلد) بلام الابتداء. (٢)
الوجه السادس:
(لا) استفتاح كلام بمنزلة (ألا) وأنشدوا على ذلك:
فلا وأبيك ابنة العامري ... لا يعلم القوم أني أفر. (٣)
الوجه السابع: (في قراءة لأقسم):
إن اللام من لام توكيد دخلت على الفعل المضارع كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. (٤)
زيادة وتوضيح: (لأقسم) على أن اللام للابتداء، وأقسم خبر مبتدأ محذوف، ومعناه لأنا أقسم ويعضده أنه في مصحف عثمان بغير ألف واتفقوا في قوله. (٥)
الوجه الثامن: أنَّ اللام لام القسم (٦)، وأقسم فعل حال. (٧)
ورد بعض العلماء هذا الوجه فقال: طعن أبو عبيدة في هذه القراءة وقال: لو كان المراد هذا لقال: لأقسمن، لأن العرب لا تقول لأفعل كذا، وإنما يقولون: لأفعلن كذا. (٨)
стр. 3692
زيادة وتوضيح: لا يصح أن تكون اللام لام القسم لأمرين:
أحدهما: أن حقها أن يقرن بها النون المؤكد والإخلال بها ضعيف قبيح.
الثاني: أن لأفعلن في جواب القسم للاستقبال وفعل القسم يجب أن يكون للحال. (١)
رد بعض العلماء هذا الرد فقالوا: لم تصحبها النون اعتمادًا على المعنى ولأن الله صدق فجاز أن يأتي من غير توكيد. (٢)
إن كان الفعل قد وقع وحلفت عليه لم تزد على اللام، وذلك قولك: والله لفعلت وسمعنا من العرب من يقول: (والله لكذبت، والله لكذب)، فالنون لا تدخل على فعل قد وقع، وإنما تدخل على غير الواجب. (٣)
* * *
стр. 3693
سورة الكوثر
شبهة: إن شانئك هو الأبتر
نص الشبهة:
الاعتراض على قوله سبحانه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر: ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ (الكوثر ١: ٣).
قالوا: هذه الآية نزلت في العاص بن وائل، وأن هذه السورة بما فيها من قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾، رد على ما قال العاص بن وائل وهذا وما شابهها من آيات كما في سورة المسد في قول أبي لهب وأنه من أهل النار وقالوا: كيف يكون الرد بهذه الصورة، وأين تحمل الأذى، وكيف يكيل باللعنات لكل من تعرض لرسوله وأين هو من المسيح في معاملته للناس وأنه إذا شتم لم يشتم عوضًا.
والجواب على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: بيان سبب نزول ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.
الوجه الثاني: بيان معنى الأبتر.
الوجه الثالث: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الوجه الرابع: بيان بعض الأدلة على سعة رحمة الله .
الوجه الخامس: هدي النبي ﷺ فيمن تعرض له بالأذى.
الوجه السادس: أنَّ من تكلم فيه النبي ﷺ بشيء من الذم تحول إلى رحمة وقربة من الله لصاحبه شريطة أن يكون مسلمًا.
الوجه السابع: جزاء من تعرض للنبي ﷺ بالأذى.
الوجه الثامن: بعض النماذج من السنة لمن تعرض للنبي بالأذى، وجزاؤه.
стр. 3694
الوجه التاسع: بيان الحكمة في تولي رب العزة الدفاع عن نبيه ﷺ .
الوجه العاشر: بيان بعض صفات الرب في الكتاب المقدس وبعض نماذج الغلظة واللعنات في الحديث بالسب والشتم.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: بيان سبب نزول ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.
اختلف أهل العلم بالتفسير في شأن من نزلت فيه هذه الآية على هذه الأقوال:
القول الأول: نزلت في العاص بن وائل. وهذا مروي عن جماعة.
١ - ابن عباس قال: هو العاص بن وائل (١).
٢ - قتادة، قال: هو العاص بن وائل قال إني شانئ محمدًا وهو أبتر ليس له عقب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ (٢).
٣ - سعيد بن جبير، قال: هو العاص بن وائل (٣).
٤ - يزيد بن رومان، قال: كان العاص بن وائل السهمي إذا ذكر رسول الله ﷺ قال دعوه فإنما هو رجل أبتر لا عقب له ولو هلك انقطع ذكره واسترحت منه، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ إلى آخر السورة (٤).
٥ - مجاهد، قال: هو العاص بن وائل قال أنا شانئ محمد ومن شنأه الناس فهو الأبتر (٥).
стр. 3695
٦ - الكلبي، قال: هو العاص بن وائل قال أنا شانئ محمد وهو الأبتر وأنه ليس له عقب قال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ الحقير الرقيق الذليل) (١).
القول الثاني: نزلت في جماعة على رأسهم كعب بن الأشرف، ورُوي عن:
١ - ابن عباس قال: لما قَدِم كعب بن الأشرف مكة أتَوْه، فقالوا له: نحن أهل السقاية والسدانة، وأنت سيد أهل المدينة، فنحن خير أم هذا الصنبور المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا؟ قال: بل أنتم خير منه، فنزلت عليه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ قال: وأنزلت عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ٥١] (٢).
٢ - عكرمة، قال في هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤)﴾ [النساء: ٤٤]، قال: نزلت في كعب بن الأشرف أتى مكة فقال له أهلها نحن خير أم هذا الصنبور المنبتر من قومه ونحن أهل الحجيج وعندنا منحر البدن قال: أنتم خير فأنزل الله في هذه الآية، وأنزل في الذين قالوا للنبي ﷺ ما قالوا: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ (٣).
القول الثالث: نزلت في عمرو بن العاص. عن محمد بن علي قال: كان القاسم بن رسول الله ﷺ قد بلغ أن يركب الدابة، ويسير على النجيب، فلما قبضه الله قال عمرو بن العاص: لقد
стр. 3696
أصبح محمد أبتر من ابنه، فأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ عوضًا يا محمد من نصيبك ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (١).
قال البيهقي: كذا روي بهذا الإسناد وهو ضعيف والمشهور أن الآية نزلت في أبيه (٢).
القول الرابع: نزلت في عقبة بن أبي معيط، عن شمر بن عطية قال: كان عقبة بن أبي معيط يقول: إنه لا يبقى للنبي ﷺ ولد، وهو أبتر فأنزل الله فيه هؤلاء الآياتِ: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ عقبة بن أبي معيط ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (٣).
هذه هي الأقوال المسندة في أسباب نزول هذه الآياتِ وثَم أقوال أخرى قيل نزلت في أبي جهل (٤)، وقيل نزلت في أبي لهب (٥).
وبعد أن ذكر الإمام الطبري ﵀ جملة الأقوال في سبب نزول الآية:
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن مبغض رسول الله ﷺ هو الأقل الأذل المنقطع عقبه فتلك صفة كل من أبغضه من الناس وإن كانت الآية نزلت في شخص بعينه (٦).
قال الرازي: واعلم أنه لا يبعد في كل أولئك الكفرة أن يقولوا مثل ذلك فإنهم كانوا يقولون فيه ما هو أسوأ من ذلك ولعل العاص بن وائل كان أكثرهم مواظبة على هذا القول فلذلك اشتهرت الروايات بأن الآية نزلت فيه (٧).
стр. 3697
الوجه الثاني: معنى الأبتر:
لغة: الأبتر من الرجال الذي لا ولد له [الذي لا عقب له]، الأبتر من الدواب المقطوع الذَّنْب من أي موضع وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر، والبَتْرُ القطع، والانبتار: الانقطاع (١).
شرعًا: المراد بالأبتر في الآية لا يخرج بعيدًا عن المعنى اللغوي، فقيل هو الحقير والذليل، وقيل هو الفرد الوحيد وقيل هو الذي لا خير فيه وقيل هو الذي لا عقب له أي مات ذكور أولاده.
ورجح غير واحد أن المراد بقوله ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ أي المقطوع عنه الخير والذي خير فيه.
قال ابن عاشور: ومعنى الأبتر في الآية الذي لا خير فيه وهو رد لقول العاصي بن وائل أو غيره في حق النبي ﷺ فبهذا المعنى استقام وصف العاصي أو غيره بالأبتر دون المعنى الذي عناه هو حيث لمز النبي ﷺ بأنه أبتر، أي لا عقب له لأن العاصي بن وائل له عقب، فابنه عمرو الصحابي الجليل، وابن ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي الجليل ولعبد الله عقب كثير. فقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ اقتضت صيغة القصر إثبات صفة الأبتر لشانيء النبي ﷺ ونفيها عن النبي ﷺ وهو الأبتر بمعنى الذي لا خير فيه.
ولكن لما كان وصف الأبتر في الآية جيء به لمحاكاة قول القائل: محمد أبتر، إبطالًا لقوله ذلك، وكانَ عرفهم في وصف الأبتر أنه الذي لا عقب له تعيّن أن يكون هذا الإبطال ضربًا من الأسلوب الحكيم وهو تلقي السامع بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيهًا على أن الأحقَّ غيرُ ما عناه من كلامه كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وذلك بصرف مراد القائل عن الأبتر الذي هو عديم الابن الذكر إلى ما هو أجدر بالاعتبار وهو الناقص حظّ الخير، أي ليس ينقص للمرء أنه لا ولد له لأن ذلك لا يعود على المرء بنقص في صفاته وخلائقه وعقله. وهب أنه لم يولد له البتة وإنما اصطلح الناس على اعتباره نقصًا لرغبتهم في الولد بناء على ما كانت عليه أحوالهم الاجتماعية
стр. 3698
من الاعتماد على الجهود البدنية فهم يبتغون الولد الذكور رجاء الاستعانة بهم عند الكبر وذلك أمر قد يعرض، وقد لا يعرض أو لمحبة ذِكر المرء بعد موته وذلك أمر وهمي، والنبي ﷺ قد أغناه الله بالقناعة، وأعزّه بالتأييد، وقد جعل الله له لسان صدق لم يجعل مثله لأحد من خلقه، فتمحض أن كماله الذاتي بما علمه الله فيه إذ جعل فيه رسالته، وأن كماله العرضي بأصحابه وأمته إذ جعله الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم (١).
وعلى هذا المعنى فالآية ليست سبًا وشتمًا، وإنما كانت تسلية للنبي ﷺ لما حدث له وليس فيها شيء من السب كما أراد هو أن يسب النبي ﷺ ويعيره.
الوجه الثالث: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
فالآية تسلية للنبي ﷺ وليست ردًا على الشتم والسب، أي أن مبغضك هو المنقطع عن الخير على العموم فيعم خيري الدنيا والآخرة أو الذي لا عقب له أو الذي لا يبقى ذكره بعد موته.
وظاهر الآية العموم وأن هذا شأن كل من يبغض النبي ﷺ ولا ينافي ذلك كون سبب النزول هو العاص بن وائل فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه ينقطع ذكره وحاشا وكلا بل قد أبقى الله ذكره على رؤوس الأشهاد وأوجب الله شرعه على رقاب العباد مستمرا على دوام الآباد إلى يوم الحشر والمعاد صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم التناد (٢).
وعلى هذا فالمعنى: أنَّ الذي قالوه فيك كلام فاسد يضمحل ويفنى، وأما المدح الذي ذكرناه فيك فإنه باق على وجه الدهر، ومن ثم نزلت هذه السورة تمسح على قلبه ﷺ بالروح والندى وتقرر حقيقة الخير الباقي الممتد والذي اختاره له ربه وحقيقة الانقطاع والبتر المقدر لأعدائه. فالآية تدل عن حال ومآل من اتصف بهذا الوصف.
الوجه الرابع: بيان بعض الأدلة على رحمة الله من القرآن والسنة .
وعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقَ مَا بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الْأَرْضِ رَحْمَةً فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا وَالْوَحْشُ وَالطَيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذ الرَّحْمَةِ" (١).
وعن أبي سعيد الخدري، أن نبي الله ﷺ قال: " كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتأه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة" (٢).
وعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ فَقَالَ لِأَهْلِهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونِي فَذَرُّونِي فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَفَعَلُوا بِهِ فَجَمَعَهُ الله ثُمَّ قَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ قَالَ مَا حَمَلَنِي إِلَّا مَخَافَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ" (٣).
وعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنْ الله إِنَّهُ يُشْرَكُ بِهِ وَيُجْعَلُ لَهُ الْوَلَدُ ثُمَّ هُوَ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ" (٤).
هذا وفي الباب أدلة كثيرة، وقد ذكرت مثل هذه الأدلة لأبين، أن الله سبحانه تعالى يحب أن يعفو ويتجاوز لا يحب أن يأخذ ويبطش فهو العفو الغفور الرحمن الرحيم.
стр. 3701
الوجه الخامس: بيان بعض هدي النبي ﷺ وكيف كان خلقه لمن تعرض له بالأذي وكيف عامله ﷺ -.
وفي هذا الوجه أسوق بعض الأمثلة لترى كيف كانت معاملة النبي ﷺ لمن تعرض له بالأذى سواء بالكلام أو بالفعل وتستطيع من خلالها أن ترى خلق النبي ﷺ وأنه كان لا ينتقم لنفسه وكان يصبر ويتحمل الأذى في مقابل دعوة الله إلا أن تنتهك محارم الله فكان غضبه لله سبحانه.
النموذج الأول: في رحلته إلى الطائف:
أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَتْهُ [عروة] أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ: "لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ الله قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الجبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لَا يُشركُ بِهِ شَيْئًا" (١).
النموذج الثاني: الرجل الذي قال للنبي ﷺ اعدل:
في حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ أَتَى رَجُل رَسُولَ الله ﷺ بِالجعْرَانَةِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ وَفِي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضَّة وَرَسُولُ الله ﷺ يَقْبِضُ مِنْهَا يُعطِي النَّاسَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ قَالَ ويلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب ﵁ دَعْنِي يَا رَسُولَ الله فَأَقْتُلَ هَذَا المنافِقَ فَقَالَ مَعَاذَ الله أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي إِنًّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يجاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ" (٢).
النموذج الثالث: الرجل الذي أخذ سيف النبي ﷺ وهدده:
стр. 3702
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ الله ﷺ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاة فَنَزَلَ رَسُولُ الله ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا قَالَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ قَالَ فَقَالَ رَسولُ الله ﷺ : "إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِم فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِم عَلَى رَأْسِي فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ فَقَالَ لِي مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قَالَ قُلْتُ الله ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قَالَ قُلْتُ الله قَالَ فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ ". (١)
النموذج الرابع: الرجل الذي جذب النبي ﷺ من ورائه: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ أثَرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ ثُمَّ قَالَ مُرْ لِي مِنْ مَالِ الله الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. (٢)
الوجه السادس: أن من تكلم فيه النبي ﷺ بشىء فيه ذم فقد حول الله ذلك كرامة وقربة لصاحبه شريطة أن يكون مسلمًا، لأنه لا يستحق ذلك اللعن، وهذا من خصوصيته ﷺ .
حديث أبي هريرة ﵁:
١ - من طريق أَبِي صَالِحٍ عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اللهمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأيُّمَا رَجُلٍ مِنْ المُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ لَعَنْته أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكاةً وَرَحْمَةً" (٣).
٢ - من طريق الْأَعْرَجِ عَنْه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اللهمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ فَإِنَّمَا أَنَا بَشرٌ فَأَيُّ المُؤْمِنِينَ آذَيْته شَتَمْتُهُ لَعَنْته جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكاةً وَقُرْبَةً تُقَرُّبهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٤)
٣ - من طريق سَالِمٍ مَوْلَى النَّصْرِيِّينَ عنه أن رَسُولَ الله ﷺ قال: "اللهمَّ إِنَّمَا مُحَمَّد بَشرٌ يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ وَإِنِّي قَدْ اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ آذَيْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ
стр. 3703
أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١).
من طريق سَعِيدُ بْنُ المسَيَّبِ عَنْه أَنَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "اللهمَّ فَأيُّمَا عَبْدٍ مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢).
حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّما أَنَا بَشَرٌ وَإِنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي أَيُّ عَبْدٍ مِنْ المسْلِمِينَ سبَبْته أَوْ شَتَمْته أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ زَكاةً وَأَجْرًا" (٣).
حديث أنس بن مالك ﵁، قال: كانت عند أم سليم يتيمة، وهي أم أنس، فرأى رسول الله ﷺ اليتيمة، فقال: "آنت هيه؟ لقد كبرت، لا كبر سنك" فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت أم سليم: ما لك؟ يا بنية قالت الجارية: دعا علي نبي الله ﷺ ، أن لا يكبر سني، فالآن لا يكبر سني أبدا، أو قالت قرني فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها، حتى لقيت رسول الله ﷺ ، فقال لها رسول الله ﷺ : "ما لك يا أم سليم" فقالت: يا نبي الله أدعوت على يتيمتي قال: "وما ذاك؟ يا أم سليم" قالت: زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها، ولا يكبر قرنها، قال فضحك رسول الله ﷺ ، ثم قال: "يا أم سليم أما تعلمين أن شرطي على ربي، أني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه، من أمتي، بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهورا وزكاة، وقربة يقربه بها منه يوم القيامة". (٤)
حديث عائشة ﵂ قالت: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ رَجُلَانِ فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ لَا أَدْرِي مَا هُوَ فَأَغْضَبَاهُ فَلَعَنَهُمَا وَسَبَّهُمَا، فَلَمّا خَرَجَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَصَابَ مِنْ الْخَيْرِ شَيْئًا مَا أَصَابَهُ هَذَانِ، قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَعَنْتَهُمَا وَسَبَبْتَهُمَا، قَالَ: أَوَ مَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي، قُلْتُ: اللهمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأَيُّ المُسْلِمِينَ لَعَنْته أَوْ سَبَبْته فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكاةً وَأَجْرًا" (٥).
стр. 3704
الوجه السابع: جزاء من يتعرض بالأذى للنبي ﷺ .
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧].
قال ابن كثير: يقول تعالى مهددا ومتوعدا من آذاه بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك وآذى رسوله بعيب أو تنقص، عياذا بالله من ذلك.
ثم قال: والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء ومن آذاه فقد آذى الله ومن أطاعه فقد أطاع الله (١).
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾ [التوبة: ٦١].
قال القاضى عياض: قد تقدم من الكتاب والسنة وإجماع الأمة ما يجب من الحقوق للنبي ﷺ وما يتعين من له بر وتوقير وتعظيم وإكرام وبحسب هذا حرم الله تعالى أذاه في كتابه وأجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابِّه قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] (٢).
قال القاضى عياض: اعلم - وفقنا الله وإياك - أن جميع من سب النبي ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له فهو ساب له والحكم فيه حكم الساب يقتل كما نبينه ..... وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور أو عيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه
стр. 3705
أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائز والمعهودة لديه وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جر.
وقال أبو بكر بن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ يقتل وممن قال ذلك مالك بن أنس والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي.
قال القاضي أبو الفضل: وهو مقتضى قول أبي بكر الصديق ﵁ ولا تقبل توبته عند هؤلاء المذكورين وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأهل الكوفة والأوزاعي في المسلم لكنهم قالوا: هي ردة روى مثله الوليد بن مسلم عن مالك.
وحكي الطبري مثله عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه ﷺ أو برئ منه أو كذب، وقال سحنون فيمن سبه: ذلك ردة كالزندقة.
وعلى هذا وقع الخلاف في استتابته وتكفيره وهل قتله حد أو كفر ... ولا نعلم خلافًا في استباحة دمه بين علماء الأمصار وسلف الأمة، وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره وأشار بعض الظاهرية - وهو أبو محمد علي بن أحمد الفارسي إلى الخلاف في تكفير المستخف به.
والمعروف ما قدمناه قال محمد بن سحنون: أجمع العلماء أن شاتم النبي ﷺ المتنقص له كافر والوعيد جار عليه بعذاب الله وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر.
وقال أحمد بن أبي سليمان صاحب سحنون: من قال: إن النبي ﷺ كان أسود يقتل. وقال في رجل قيل له: لا وحق رسول الله فقال فعل الله برسول الله كذا وكذا - وذكر كلاما قبيحا فقيل له: ما تقول يا عدو الله؟ فقال أشد من كلامه الأول ثم قال: إنما أردت برسول الله العقرب فقال ابن أبي سليمان للذي سأله: اشهد عليه وأنا شريكك - يريد في قتله وثواب ذلك.
قال حبيب بن الربيع: لأن ادعاءه التأويل في لفظ صراح لا يقبل لأنه امتهان وهو غير معزز لرسول الله ﷺ ولا موقر له فوجب إباحة دمه.
وأفتى أبو عبد الله بن عتاب في عشار قال لرجل: أد واشك إلى النبي ﷺ وقال: إن سألت أو جعلت فقد جهل وسأل النبي ﷺ - بالقتل.
وأفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم التفقه الطليطلي وصلبه بما شهد عليه به من استخفافه بحق النبي ﷺ وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم وختن حيدرة وزعمه أن زهده
стр. 3706
لم يكن قصدًا ولو قدر على الطيبات أكلها إلى أشباه لهذا. وأفتى فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل إبراهيم الفزاري وكان شاعرًا متفننا في كثير من العلوم وكان ممن يحضر مجلس القاضي أبي العباس بن طالب للمناظرة فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب في الاستهزاء بالله وأنبيائه ونبينا ﷺ فأحضر له القاضي يحيى بن عمر وغيره من الفقهاء وأمر بقتله وصلبه فطعن بالسكين وصلب منكسا ثم أنزل وأحرق بالنار.
وحكى بعض المؤرخين أنه لما رفعت خشبته وزالت عنها الأيدي استدارت وحولته عن القبلة فكان آية للجميع وكبر الناس وجاء كلب فولغ في دمه وقال القاضي أبو عبد الله بن المرابط: من قال: إن النبي ﷺ هزم يستتاب فإن تاب وإلا قتل لأنه تنقص إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصته إذ هو على بصيرة من أمره ويقين من عصمته، وقال حبيب بن ربيع القروي: مذهب مالك وأصحابه أن من قال فيه ﷺ : ما فيه نقص - قتل دون استتابة، وقال ابن عتاب: الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي ﷺ بأذى أو نقص معرضا أو مصرحا وإن قل - فقتله واجب فهذا الباب كله مما عده العلماء سبا أو تنقصا يجب قتل قائله لم يختلف في ذلك متقدمهم ولا متأخرهم وإن اختلفوا في حكم قتله على ما أشرنا إليه ونبيه بعد وكذلك أقول حكم من غمصه أو عيره برعاية الغنم أو السهو أو النسيان أو السحر أو ما أصابه من جرح أو هزيمة لبعض جيوشه أو أذى من عدوه أو شدة من زمنه أو باليل إلى نسائه فحكم هذا كله لمن قصد به نقصه القتل (١).
حكم الله عليهم بالكفر:
قوله سبحانه: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٤ - ٦٦].
وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر فالسب المقصود بطريق الأولى
стр. 3707
وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله ﷺ جادًا أو هازلًا فقد كفر (١).
الوجه الثامن: بعض النماذج من السنة لمن تعرض بالأذى للنبى ﷺ وجزاء من تعرض بالأذى.
* قتل كعب بن الأشرف وإذن النبي ﷺ في ذلك لأنه آذى الله ورسوله: فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى الله وَرَسُولَهُ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: يَا رَسُولَ الله، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ائْذَنْ لِي فَلْأَقُلْ، قَالَ: قُلْ" (٢)
* الإذن في قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق والسبب أيضًا لأنه كان يؤذي النبي ﷺ :
عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﷺ قَالَ: "بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ رِجَالًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ الله بْنَ عَتِيكٍ وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ الله ﷺ وَيُعِينُ عَلَيْهِ" (٣).
* إسقاط النبي ﷺ دية المرأة التي كانت تسبه لما قتلت:
فعن ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ قَالَ فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَتَشْتُمُهُ فَأَخَذَ المغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: "أَنْشُدُ الله رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ"، فَقَامَ الْأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَنَا صَاحِبُهَا كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤلُؤَتَيْنِ وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَخَذْتُ المِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " ألا اشهدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ" (٤).
وحتى لا يكون هذا الحكم في إسقاط النبي ﷺ دمها عامًا للناس جميعًا بعد موته، فقال
стр. 3708
أبو بكر الصديق: ليس هذا لأحد بعد رسول الله ﷺ (١).
* الرجل لفظته الأرض بعد دفنه لأنه افترى على رسول الله ﷺ :
من حديث أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًا فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَعَادَ نَصْرَانِيًّا فَكَانَ يَقُولُ مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ فَأَمَاتَهُ الله فَدَفَنُوهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَقَالُوا هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ لمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَألقَوْهُ فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَقَالُوا هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَألقَوْهُ فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الْأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ فَألقَوْهُ (٢).
قال ابن تيمية: فهذا الملعون الذي افترى على النبي ﷺ أنه ما كان يدري إلا ما كتب له قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دفن مرارًا وهذا أمر خارج عن العادة يدل كل أحد على أن هذا كان عقوبة لما قاله وأنه كان كاذبا إذ كان عامة الموتى لا يصيبهم مثل هذا وأن هذا الجرم أعظم من مجرد الارتداد إذ كان عامة المرتدين يموتون ولا يصيبهم مثل هذا وأن الله منتقم لرسوله ممن طعن عليه وسبه ومظهر لدينه ولكذب الكاذب إذ لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد (٣).
الوجه التاسع: بيان الحكمة في تولي رب العزة الدفاع عن نبيه ﷺ . وأن هذا ليس كلام النبي ﷺ .
قال الرازي: الكفار لما شتموه، فهو تعالى أجاب عنه من غير واسطة، فقال: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] وهكذا سنة الأحباب، فإن الحبيب إذا سمع من يشتم حبيبه تولى بنفسه جوابه، فههنا تولى الحق سبحانه جوابهم، وذكر مثل ذلك في مواضع حين قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
стр. 3709
[سبأ: ٧]، فقال سبحانه: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ: ٨] وحين قالوا: هو مجنون أقسم ثلاثًا، ثم قال: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] ولما قالوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣] أجاب فقال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ١: ٣] وحين قالوا: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦] رد عليهم وقال: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧]: فصدقه، ثم ذكر وعيد خصمائه، وقال: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ [الصافات: ٣٨] وحين قال حاكيًا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾ [الطور: ٣٠] قال سبحانه: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩] ولما حكى عنهم قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] سماهم كاذبين بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: ٤] ولما قالوا: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧] أجابهم فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] فما أجل هذه الكرامة (١).
الوجه العاشر: بيان بعض صفات الرب في الكتاب المقدس وبعض نماذج الغلظة في الحديث بالسب والشتم.
أولا: صفات الرب:
الرب جاهل: لأَنَّ جَهَالَةَ الله أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! وَضَعْفَ الله أَقْوَى مِنَ النَّاسِ! (الرسالة الأولى إلى كورونثوس ١/ ٢٥)
الرب يسيئ الأمانة: وَصَرَخ إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: "أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي، أَأَيْضًا إِلَى الأَرْمَلَةِ الَّتِي أَنَا نَازِلٌ عِنْدَهَا قَدْ أَسَأْتَ بِإِمَاتَتِكَ ابْنَهَا؟ (الملوك الأول ١٧/ ٢٠)
الرب يسيئ: فَقَالَ مُوسَى لِلرَّبِّ: "لمِاذَا أَسَأْتَ إِلَى عَبْدِكَ؟ وَلمِاذَا لَمْ أَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيكَ حَتَّى أنَّكَ وَضَعْتَ ثِقْلَ جَمِيعِ هذَا الشَّعْبِ عَلَيَّ؟ (العدد ١١/ ١١)
الرب شتام: فَقَالَ لَهُ الله: يَا غَبِيُّ! هِذهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذهِ الَّتِي أَعْدَدْتهَا لمِنْ
موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام
تأليف
أحمد بن سُليمان أيُّوب
ونخبة من الباحثين
فكرة وإشرافُ
د. سُليمان الدريع
المُجلدُ السابعُ
شُبُهاتُ عن السُّنَّة النبوية والأنبياء
دار إيلاف الدولية
للنشر والتوزيع
стр. 3713
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3714
موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام
стр. 3715
حُقُوق الطَّبْع مَحفوظة
الطَّبْعَةُ الأُولى
١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م
دَارُ إيلاف الدُّوَليَّة
لِلنَّشْرِ وَالتَّوزيع
(دار وقفية دعوية)
المدير العام: د/ فرحان بن عبيد الشمري
falaslmi@gmail.com
الإدارة: مجمع المخيال- هاتف: ٢٤٥٧٠٠٨٢ - ٩٦٩٩٩١٨٢ - الكويت.
الفرع الأول: الجهراء- مجمع الخير- الدور الأول مكتب ١٠ هاتف ٢٤٥٥٧٥٥٩
الفرع الثاني: حولي- شارع المثنى، هاتف وناسوخ: ٢٢٦٤١٧٩٧
رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: ١١٠٤٥/ ٢٠١٥ م
التوزيع داخل جمهورية مصر العربية:
دَارُ العِلمِ
للبحث العلمي وتحقيق التراث
لصاحبها: أحمد بن سليمان
ah.solaiman ١٩٧٠@gmail.com
ت: ٠١١٥٨٩٨٠٥٨٠