← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

الأَرْضِ الَّتِي أَنتَ دَاخِل إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا. يَضْربُكَ الرَّبُّ بِالسِّلِّ وَالحُمَّى وَالْبُرَدَاءِ وَالالْتِهَابِ وَالجفَافِ وَاللَّفْحِ وَالذُّبُول، فتَتَّبِعُكَ حَتَّى تُفْنِيَكَ وَتكُونُ سَمَاؤُكَ الَّتِي فَوْقَ رَأْسِكَ نُحَاسًا، وَالأَرْضُ الَّتِي تَحْتَكَ حَدِيدًا. وَيَجْعَلُ الرَّبُّ مَطَرَ أَرْضِكَ غُبَارًا، وَتُرَابًا يُنزّلُ عَلَيْكَ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى تَهْلِكَ. يَجْعَلُكَ الرَّبُّ مُنْهَزِمًا أَمَامَ أَعْدَائِكَ. فِي طَرِيق وَاحِدَةٍ تَخرُجُ عَلَيْهِمْ، وَفي سَبع طرق تَهْرُبُ أَمَامَهُمْ، وَتَكُونُ قَلِقًا فِي جَمِيعِ مَمالِكِ الأَرْضِ. وَتكُونُ جُثَّتُكَ طَعَامًا لِجَمِيعِ طُيُورِ السَّمَاءِ وَوُحُوشِ الأَرْضِ وَلَيْسَ مَنْ يُزْعِجُهَا. يَضْرُبكَ الرَّبُّ بِقُرْحَةِ مِصْرَ وَبِالْبَوَاسِيرِ وَالجْرَبِ وَالحكَّةِ حَتَّى لا تَسْتَطِيعَ الشِّفَاءَ. يَضْربُكَ الرَّبُّ بِجُنُونٍ وَعَمًى وَحَير قَلْبٍ، فتَتَلَمَّسُ فِي الظُّهْرِ كَمَا يَتَلَمَّسُ الأَعْمَى فِي الظَّلامِ، وَلا تَنْجَحُ فِي طرقِكَ بَلْ لا تَكُونُ إِلَّا مَظْلُومًا مَغْصُوبًا كُلَّ الأيَّامِ وَلَيْسَ مُخَلِّصٌ. تَخْطُبُ امْرَأةَ ورَجُل آخَرُ يَضْطَجع مَعَهَا. تَبْنِي بَيْتًا وَلا تَسْكُنُ فِيهِ. تَغْرِسُ كَرْمًا وَلا تَسْتَغِلُّهُ. يُذْبَحُ ثَوْرُكَ أَمَامَ عَيْنيكَ وَلا تَأْكُلُ مِنْهُ. يُغْتَصَبُ حِمَارُكَ مِنْ أَمَامِ وَجْهِكَ وَلا يَرْجِعُ إِلَيْكَ. تُدْفَعُ غَنَمُكَ إِلَى أَعْدَائِكَ وَلَيْسَ لَكَ مُخَلِّصٌ. يُسَلَّمُ بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ لِشَعْبٍ آخَرَ وَعَيْنَاكَ تَنْظُرَانِ إِلَيْهِمْ طُولَ النَّهَارِ، فتكِلَّانِ وَلَيْسَ فِي يَدِكَ طَائِلَةٌ. ثَمَرُ أَرْضِكَ وَكُلُّ تَعَبِكَ يَأْكُلُهُ شَعْبٌ لا تَعْرِفُهُ، فَلا تَكُونُ إِلَّا مَظْلُومًا وَمَسْحُوقًا كُلَّ الأيَّامِ. وَتكُونُ مَجنُونًا مِنْ مَنْظَرِ عَيْنَيكَ الَّذِي تَنْظُرُ. يَضْربُكَ الرَّبُّ بِقَرْحٍ خَبِيثٍ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ وَعَلَى السَّاقَيْنِ، حَتَّى لا تَسْتَطِيعَ الشِّفَاءَ مِنْ أَسْفَلِ قَدَمِكَ إِلَى قِمَّةِ رَأْسِكَ. يَذْهَبُ بِكَ الرَّبُّ وَبِمَلِكِكَ الَّذِي تُقِيمُهُ عَلَيْكَ إِلَى أُمَّةٍ لم تَعْرِفْهَا أَنتَ وَلا آبَاؤُكَ، وَتَعْبُدُ هُنَاكَ آلهِةً أُخْرَى مِنْ خَشَبٍ وَحَجَرٍ، وَتكُونُ دَهَشًا وَمَثَلًا وَهُزأَةً فِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ يَسُوقُكَ الرَّبُّ إِلَيْهِمْ. بِذَارًا كَييرًا تُخْرِجُ إِلَى الحَقلِ، وَقَلِيلًا تَجْمَعُ، لأَنَّ الجرَادَ يَأكُلُهُ. كُرُومًا تَغْرِسُ وَتَشْتَغِلُ، وَخَمْرًا لا تَشْرَبُ وَلا تَجْنِي، لأَنَّ الدُّودَ يأكُلُهَا. يَكُونُ لَكَ زيتُونٌ فِي جَمِيعِ تُخُومِكَ، وَبِزَيْتٍ لا تَدَّهِنُ، لأَنَّ زيتُونَكَ يَنتثِرُ. بَنينَ وَبَنَاتٍ تَلِدُ وَلا يَكُوُنونَ لَكَ، لأَنَّهُمْ إِلَى السَّبْيِ يَذْهَبُونَ. جَمِيعُ أَشْجَارِكَ وَأثمارِ أَرْضِكَ يَتَوَلَّاهُ الصَّرْصَرُ. الْغَرِيبُ الَّذِي فِي وَسَطِكَ يَسْتَعلي عَلَيْكَ مُتَصَاعِدًا، وَأَنتَ تَنْحَطُّ مُتَنَازِلًا. هُوَ يُقْرِضُكَ وَأنتَ لا تُقْرِضُهُ. هُوَ يَكُونُ رَأْسًا وَأَنتَ تَكُونُ ذَنبًا. وَتَأْتِي عَلَيْكَ جَمِيعُ هذِهِ اللَّعَنَاتِ وَتَتَّبِعُكَ وَتُدْرِكُكَ حَتَّى تَهْلِكَ، لأنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلِهكَ لِتَحْفَظَ وَصَايَاهُ وَفَرَائِضَهُ الَّتِي أَوْصَاكَ بِهَا. فتكُونُ فِيكَ آيَةً وَأُعْجُوبَةً وَفِي نَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ. * * *

стр. 3712

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام تأليف أحمد بن سُليمان أيُّوب ونخبة من الباحثين فكرة وإشرافُ د. سُليمان الدريع المُجلدُ السابعُ شُبُهاتُ عن السُّنَّة النبوية والأنبياء دار إيلاف الدولية للنشر والتوزيع

стр. 3713

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3714

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

стр. 3715

حُقُوق الطَّبْع مَحفوظة الطَّبْعَةُ الأُولى ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م دَارُ إيلاف الدُّوَليَّة لِلنَّشْرِ وَالتَّوزيع (دار وقفية دعوية) المدير العام: د/ فرحان بن عبيد الشمري falaslmi@gmail.com الإدارة: مجمع المخيال- هاتف: ٢٤٥٧٠٠٨٢ - ٩٦٩٩٩١٨٢ - الكويت. الفرع الأول: الجهراء- مجمع الخير- الدور الأول مكتب ١٠ هاتف ٢٤٥٥٧٥٥٩ الفرع الثاني: حولي- شارع المثنى، هاتف وناسوخ: ٢٢٦٤١٧٩٧ رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: ١١٠٤٥/ ٢٠١٥ م التوزيع داخل جمهورية مصر العربية: دَارُ العِلمِ للبحث العلمي وتحقيق التراث لصاحبها: أحمد بن سليمان ah.solaiman ١٩٧٠@gmail.com ت: ٠١١٥٨٩٨٠٥٨٠

стр. 3716

شبهات عن السنة النبوية وعلومها

стр. 3717

أولًا: شبهات حول علوم السنة وفيها: مقدمة عن السنة، ثم شبهات ١ - ادعاؤهم وجود تعارض في الشريعة. ٢ - شبهة: خبر الواحد. ٣ - تدوين السنة. ٤ - رواية الحديث بالمعنى.

стр. 3718

مقدمة عن السنة وتشتمل على أمور: ١ - تعريف السنة في اللغة: السنة: السيرة حسنة كانت أو قبيحة (١)، مرضية كانت أو غير مرضية (٢). أو: الطريقة المحموده المستقيمة (٣). أو: العادة (٤). أو معناها: الدوام (٥). السنة في الأصل: سنة الطريق، ويجوز أن يكون من: سنت الإبل؛ إذا أحسنت رعيتها، والقيام عليها (٦). أو من: سنت الماء؛ إذا واليت في حبه (٧). السنة في دواوين العرب: قال لبيد: من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم أسنة وإمامها (٨) قال حسان بن ثابت: إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سنة للناس تتبع (٩) إن كلمة السنة استعملها الشعراء في الجاهلية والإسلام بمعناها اللغوي أي: الطريقة المتبعة سواء كانت حسنة أو قبيحة ... (١٠). تعريف السنة في الاصطلاح: أما في اصطلاح العلماء؛ فيختلف معناها باختلاف نوع العلم الذي يشتغلون به (١١).

стр. 3719

أ) تعريف السنة في الاصطلاح العام: كل ما نقل عن رسول الله ﷺ أو عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وغيرهم من الأئمة المقتدى بهم، وهو ما جاء في قوله ﷺ : "فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المهْدِيِّينَ من بعدي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذ". وهي بذلك تقابل البدعة (١). تعريف السنة عند الفقهاء: - هي ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم، أو ما في فعلها ثواب، وليس في تركها عقاب (٢). أو ما رسم ليحتذي استحبابًا (٣). أو ما يرادف المستحب (٤). باعتبار أن الفقهاء يبحثون عن حكم أفعال العباد، من الوجوب والندب، والإباحة والحرمة، والكراهة، إلى آخر صفات العباد (٥). تعريف السنة عند المحدثين: - هي ما نقل عن رسول الله ﷺ من أقوال وأفعال وتقريرات. وزاد ابن حجر: وما هم بفعله، وصفاته الخَلْقية والخُلُقية، سواء أكان ذلك قبل البعثة، أم بعدها (٦). - أو: ما يطلق على الواجب وغيره في عرف أهل اللغة والحديث (٧).

стр. 3720

إذ أن عرض المحدثين: معرفة ما كان عليه النبي ﷺ في أحواله كلها، سواء أفاد حكمًا شرعيًا، أم لم يفد (١). - أو: ما شرعه النبي ﷺ لأمته؛ فيلزم اتباعه فيه (٢). السنة عند المشتغلين بتقرير عقيدة السلف في الاعتقاد: السنة؛ كالشريعة هي: ما سن الرسول وشرعه من العقائد، أو من العمل، وقد يراد به كلاهما (٣). تعريف السنة في أصول الفقه: - هي ما نقل عن رسول الله ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير. وزاد بعضهم: جملة مما ليس في القرآن ... (٤). أو: ما صدر من النبي ﷺ من الأفعال، والأقوال التي ليست للإعجاز (٥). أو: الواجب، والمندوب، والمباح (٦). ٢ - حجية السنة: ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظَّ له في الإسلام (٧). فإن أصول العلم: الكتاب، والسنة (٨). وأقسام السنة كلها حجة، تصلح أن يحتج بها على ثبوت الأحكام الشرعية (٩). وقوله ﷺ حجة على من سمعه، أو نقل إليه (١٠).

стр. 3721

وذلك لدلالة المعجز على صدقه، وأمر الله سبحانه بطاعته، وتحذيره من مخالفة أمره (١). ومن البديهي بعد هذا أن أقول: إن السنة التي لها هذه الأهمية في التشريع، إنما هي السنة الثابتة عن النبي ﷺ بالطرق العلمية، والأسانيد الصحيحة المعروفة عند أهل العلم بالحديث ورجاله (٢). ومعنى حجية السنة هو: وجوب العمل بمقتضاها (٣)، وأقسام السنة كلها حجة أي: تصلح أن يحتج بها على ثبوت الأحكام الشرعية (٤). إجماع السلف على حجية السنة: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله ﷺ ؛ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس (٥). فإن الأئمة المقبولين عند الأمة قبولًا عامًّا؛ متفقون اتفاقًا يقينًا: على وجوب اتباع الرسول ﷺ ، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويرد، إلا رسول الله ﷺ (٦). وثبوت حجية السنة المطهرة، واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا منْ لا حظَّ له في دين الإسلام (٧). ٣ - السنة وحي من الله تكفل بحفظها: قال تعالى واصفًا رسوله ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. فصح لنا بذلك أن الوحي من الله إلى رسوله ﷺ ينقسم على قسمين:

стр. 3722

أحدهما: القرآن، والثاني: الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ . وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. وقالى تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥]. والذكر: اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه ﷺ من قرآن، أو من سنة وحي يبيَّن بها القرآن. فأخبر تعالى أن كلام نبيه ﷺ كله وحي، والوحي بلا خلاف: الذكر، وكله محفوظ بحفظ الله ﷺ ، مضمون لنا أنه لا يضيع منه شيء، إذ ما حفظ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء، فهو منقول إلينا كله (١). وعن حسان بن عطية: كان جبريل ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن (٢). وقالى تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. قالى تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤]، فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله ﷺ . قال الشافعي: وذكر الله مَنَّهُ على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز - والله أعلم - أن يقال الحكمة ها هنا إلا سنة رسول الله؛ وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتم على الناس اتباع أمره؛ فلا يجوز أن يقال لقوله: فرض إلا لكتاب الله، ثم سنة رسوله ﷺ ، ولم يجعل هذا لأحد من خلقه، غير رسوله ﷺ (٣).

стр. 3723

وكان مما ألقي في روعه: سنته، وهي الحكمة التي ذكر الله، وما أنزل به عليه كتاب، فهو كتاب الله، وكل جاءه من عند الله كما أراد الله (١). والحكمة: السنة، وهو ما جاء به عن الله بغير تلاوة، ويؤيد ذلك: قوله في قصة العسيف: "لَأَقْضِيَنَّ بَيْنكُمَا بِكِتَابِ الله" أي بوحيه (٢). وعَنْ المقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الكندي عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنهُ قَالَ: "أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ" (٣). وفي لفظ: "أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَما يعدله" (٤). وهذا يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما: أن يكون معناه أنه أولى من الوحي الباطن غير المتلو، مثل ما أعطى من الظاهر المتلو. الثاني: ويحتمل أن يكون معناه أنه أوتى الكتاب وحيًا يتلى، وأوتي من البيان، أي: أذن له أن يبين ما في الكتاب، ويعم ويخص، وأن يزيد عليه فيشرع ما ليس له في الكتاب ذكر، فيكون ذلك في وجوب الحكم، ولزوم العمل به كالظاهر المتلو من القرآن، وفي الحديث دليل على أنه حيثما ثبت الحديث عن رسول الله ﷺ ؛ كان حجة بنفسه (٥). ٤ - عصمة الرسول ﷺ في التبليغ . قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].

стр. 3724

لا نزاع بين المسلمين أن الرسول ﷺ معصوم فيما بلغه عن الله تعالى، فهو معصوم فيما شرعه للأمة بإجماع المسلمين والكلام في هذا المقام مبنى على أصل وهو: أن الأنبياء -صلوات الله عليهم- معصومون فيما يخبرونه به عن الله تعالى، وفي تبليغ الرسالة باتفاق الأمة، وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي التي يحصل بها مقصود النبوة والرسالة؛ فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين (١). وأعلم الله رسوله مَنَّه عليه بما سبق في علمه من عصمته إياه من خلقه. ولما سبق في علمه جل ثناؤه، من إسعاده بعصمته وتوفيقه، وما شهد له به من هدايته، واتباع أمره .. ، والشهادة بتأدية رسالته (٢). وعليه: فإن أقسام السنة كلها حجة تصلح أن يحتج بها على ثبوت الأحكام الشرعية لثبوت العصمة للنبي ﷺ ، ولسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (٣). وقد أعطى الله الرسول ﷺ حق التشريع: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فاعلم: أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم؛ على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال، وتحريم الحرام، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "أَلا إِنِّي أُوتيتُ الْقُرْآنَ وَمثْلَهُ مَعَهُ" أي أوتيت القرآن، وأوتيت مثله من السنة التي ينطق بها القرآن (٤). لأن الله سبحانه ولاه منصب التشريع عنه ابتداء، كما ولاه منصب البيان لما أراده بكلامه، بل كلامه كله بيان عن الله (٥).

стр. 3725

وعليه: لا فرق بين قضاء الله، وقضاء رسوله ﷺ (١). وكل ما سن فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العنود عن اتباعه معصيته التي لم يعذر بها خلقًا، ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله مخرجًا لما وصفت وما قال رسول الله (٢). ولو كان رسول الله ﷺ لا يطاع في هذا القسم؛ لم يكن لطاعته معنى، ولسقطت طاعته المختصة به، وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآن، لا فيما زاد عليه؛ لم يكن له طاعة خاصة تختص به، وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (٣). ولهذا كانت فتاويه ﷺ : جوامع الأحكام، ومشتملة على فصل الخطاب، وهي في وجوب اتباعها وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب، وليس لأحد من المسلمين العدول عنها، ما وجد إليها سبيلًا (٤). أمر الله ﷻ بطاعة الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. فقد جاء النص، ثم لم يختلف مسلمان في أن ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قاله؛ ففرض اتباعه (٥). حيث أعلمهم أن الفرض عليهم اتباع أمره وأمر رسوله، وأن طاعة رسوله طاعته (٦). وأخبر -تعالى- عن عبده ورسوله محمد ﷺ بأنه من أطاعه؛ فقد أطاع الله، ومن عصاه؛ فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى (٧).

стр. 3726

ووعد على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب، وأوجب امتثال أمره واجتناب نهيه، وطاعة الرسول في التزام سنته، والتسليم لما جاء به (١)، وكذلك ما أمر به ونهى عنه، مما جاء به، مما ليس في القرآن (٢). وأمر الله عند التنازع بالرجوع لحكم الله ورسوله ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وهذا أمر من الله بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه، أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة (٣). وأعاد الفعل؛ إعلامًا بأن طاعة الرسول تجب استقلالًا، من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا، سواء كان ما أمر به في الكتاب، أو لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه. فإن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته (٤). وذلك لأن الله لم يجعل العصمة عند تنازع المسلمين إلا في الرد إلى الكتاب والسنة. وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، الذي لا ينطق عن الهوى (٥).

стр. 3727

وعليه فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة؛ فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال (١). وذلك لأن القرآن والخبر الصحيح بعضها مضاف إلى بعض، وهما شيء واحد في أنهما من عند الله تعالى، وحكمها حكم واحد في باب وجوب الطاعة لهما (٢). فما حكم به الله تعالى هو بعينه حكم رسوله، وما يحكم به الرسول ﷺ هو بعينه حكم الله (٣) ومن لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك؛ فليس مؤمنًا بالله، ولا باليوم الآخر (٤). حيث جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد؛ انتفى الإيمان (٥). والتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والرجوع إليهما في فصل النزاع خير، وأحسن عاقبة ومآلًا (٦). وأخبر سبحانه أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول؛ فقد حكَّم الطاغوت وتحاكم إليه، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة، وهم الصحابة ومن تبعهم (٧). وعليه لا يسع مسلمًا يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن، والخبر عن رسول الله ﷺ ، ولا أن يأتي غيرما وجد فيهما، فإن فَعَل ذلك بعد قيام الحجة عليه؛ فهو فاسق، وأما من فعله مستحلا للخروج عن أمرهما وموجبا لطاعة أحد دونهما؛ فهو كافر (٨). ٥ - التسليم بقضاء رسول الله ﷺ من الإيمان:

стр. 3728

قال تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل، ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه، ولم يكتف منهم أيضًا بذلك حتى يسلموا تسليمًا، وينقادوا انقيادًا (١)؛ لأنهم إذا سلموا لحكم رسول الله؛ فإنما سلموا لحكمه بفرض الله؛ لأن حكمه حكمه (٢). فما حكم به الله تعالى هو بعينه حكم رسوله، وما يحكم به الرسول ﷺ هو بعينه حكم الله (٣). وقد أقام الله الحجة على خلقه بالتسليم لحكم رسول الله، واتباع أمره (٤). فالواجب: كمال التسليم للرسول ﷺ ، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن يعارضه بخيال باطل يسميه معقولا، أو بحمله شبهة، أو شكًا، أو يقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فيوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل (٥). وقد حذر المولى من مخالفة الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وأمر رسول الله ﷺ هو: سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته. (٦) ومخالفة أمره وتبديل سنته؛ ضلال وبدعة متوعد من الله عليه بالخذلان والعذاب (٧).

стр. 3729

فمن جاءه خبر عن رسول الله ﷺ ، يقر أنه صحيح، وأن الحجة تقوم بمثله، أو قد صحح مثل ذلك الخبر في مكان آخر ثم ترك مثله في هذا المكان لقياس، أو لقول فلان وفلان، فقد خالف أمر الله وأمر رسوله، واستحق الفتنة والعذاب الأليم (١)، فإن من ردَّ حديث رسول الله ﷺ ، فهو على شفا هلكة (٢)، بأن تصيبهم فتنة في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة، أو يصبهم عذاب أليم في الدنيا بقتل، أو حد، أو حبس (٣)، ومصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم وأموالهم بسبب إعراضهم عما جاء به الرسول، وتحكيم غيره، والتحاكم إليه (٤). ٦ - من أقوال السلف في التمسك بالسنة: ١) أبو بكر ﵁: لست تاركًا شيئًا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ (٥). ٢) عمر بن الخطاب ﵁: السنة ما سنه الله ورسوله، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة (٦). ٣) ابن عباس ﵁: إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فمن قال بعد ذلك برأيه؛ فلا أدري أفي حسناته يجد ذلك، أم في سيئاته (٧). ٤) عبد الله بن عمر ﵁: من ترك السنة كفر (٨). ٥) عمر بن عبد العزيز ﵁: لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ (٩).

стр. 3730

٦) عن أبي حنيفة ﵀: إذا صح الحديث فهو مذهبي (١). ٧) مالك بن أنس ﵀: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب؛ فانظروا في رأيي، فكلما وافق الكتاب والسنة؛ فخذوا به، وكلما لم يوافق الكتاب والسنة؛ فاتركوه (٢). ٨) الشافعي ﵀: إذا صح الحديث خلاف قولي؛ فاعملوا بالحديث واتركوا قولي (٣)، وفي رواية: فهو مذهبي. ٩) أحمد ﵀: من رد حديث رسول الله ﷺ ؛ فهو على شفا هلكة (٤). ١٠) عن الزهري: كان من مضى من علمائنا يقول: الاعتصام بالسنة نجاة (٥). ١١) عبد الله الديلمي: إن أول ذهاب الدين ترك السنة، يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة. ١٢) الأوزاعي: ندور مع السنة حيث دارت، وقال: كان يقال: خمس كان عليها أصحاب محمد ﷺ والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله. ١٣) الفضيل بن عياض: إن لله عبادًا يحيى بهم البلاد، وهم أهل السنة. ١٤) أبو بكر بن عياش: السنة في الإسلام أعز من الإسلام في سائر الأديان. ١٥) عن عون: من مات على الإسلام والسنة فله يشير بكل خير (٦). ٧ - وظيفة السنة مع القرآن:

стр. 3731

بداية أشير إلى أن القرآن أحوج إلى السنة، من السنة إلى القرآن (١). ومعنى احتياج القرآن إلى السنة: أنها مبينة له، ومفصلة لمجملاته؛ لأن فيه -لو جازته- كنوزًا تحتاج إلى من يعرف خفايا خباياها؛ فيبررها، وذلك هو المنزل عليه ﷺ (٢). وذلك لأن جميع كتاب الله إنما نزل بلغة العرب، ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي (٣). لهذا كانت السنة شرح له، وشأن الشرح أن يكون أوضح وأبين وأبسط من المشروح (٤). حال السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه (٥): اتفق أهل العلم أن سنة النبي ﷺ مع القرآن تكون على وجوه؛ فاجتمعوا منها على وجهين (٦): الوجه الأول: أن تكون موافقة له من كل وجه (٧). وهي سنة تأتي بحكم موافق للحكم الوارد في القرآن، مساوٍ له في المعنى، ولم تزد عنه، سواء أكانت قولية أم فعلية (٨). فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتطافرها (٩).

стр. 3732

كأمر النبي ﷺ للصحابة بصيام رمضان وإتمام الحج، كل ذلك موافق لقول تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وحكم هذا النوع أنه تطبيق لدلالة القرآن وتأكيد لها، وهو ما يسمى بيان التقرير (١). الوجه الثاني: أن تكون بيانًا لما أريد بالقرآن، وتفسيرًا له (٢). فهي تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره (٣). وبين رسول الله فيه عن الله معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرضها عامًا أو خاصًا، وكيف أراد أن يأتي به العباد، وكلاهما اتبع فيه كتاب الله (٤). والبيان من النبي ﷺ أقسام: أحدها: بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيًا. الثاني: بيان معناه وتفسيره لمن احتاج ذلك، كما بين أن الظلم المذكور في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]: هو الشرك. الثالث: بيانه بالفعل، كما بين أوقات الصلاة للسائل بفعله. الرابع: بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن؛ فنزل القرآن ببيانها، كما سئل عن قذف الزوج؛ فجاء القرآن باللعان ونظائره. الخامس: بيان ما سئل عنه بالوحي، وإن لم يكن قرآنا، كما سئل عن رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بالخلوق، فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبة، ويغسل أثر الخلوق. السادس: بيانه للأحكام بالسنة ابتداء من غير سؤال، كما حرم عليهم لحوم الحمر. السابع: بيانه للأمة جواز الشيء بفعله هو له، وعدم نهيهم عن التأسي به.

стр. 3733

الثامن: بيانه جواز الشيء بإقراره لهم على فعله، وهو يشاهده، أو يعلمهم يفعلونه. التاسع: بيانه إباحة الشيء عفوا بالسكوت عن تحريمه، وإن لم يأذن فيه نطقا. العاشر: أن يحكم القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته، ويكون لذلك الحكم شروط وموانع وقيود وأوقات مخصوصة وأحوال وأوصاف؛ فيحيل الرب على رسوله في بيانها. ويضاف إليها: تخصيص القرآن بالسنة، وهو جائز، كما أجمعت الأمة على تخصيص قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بقوله ﷺ : "لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَا" (١) (٢). فإذا عمل المكلف على وفق البيان؛ أطاع الله فيما أراد بكلامه، وأطاع رسوله في مقتضى بيانه، ولو عمل على مخالفة البيان؛ عصى الله تعالى في عمله على مخالفة البيان؛ إذ صار عمله على خلاف ما أراد بكلامه، وعصى رسوله في مقتضى بيانه (٣). وكذلك الاستدلال بسننه على الناسخ والمنسوخ من كتاب الله. وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما (٤). أما الوجه الثالث فهو: ما سن رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب (٥)، أو: التشريع المبتدأ، حيث تكون السنة موجبة لحكم سكت القرآن عن إيحابه، أو محرمة لما سكت عن تحريمه (٦).

стр. 3734

مثل حديث: "أَلا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لحمُ الحمَارِ الْأَهليِّ، وَلَا كلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَلَا لُقَطَةٌ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَن يَقْرُوهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُمْ فَلَهُمْ أَن يُعْقِبُوهُمْ بِمِثْلِ قِرَاه" (١). الوجه الرابع: بيان التبديل، أو نسخ السنة للقرآن: لم يثبت أن شيئًا من القرآن نسخ السنة بلا قرآن، فإن الشافعي وأحمد وسائر الأئمة يوجبون العمل بالسنة المتواترة المحكمة، وإن تضمنت نسخا لبعض آي القرآن لكن يقولون: إنما نسخ القرآن بالقرآن، لا بمجرد السنة، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، ويرون من تمام حرمة القرآن أن الله لم ينسخه إلا بقرآن. (٢) وبعد عرض هذه المقدمة السريعة نبدأ بالرد على الشبهات: * * *

стр. 3735

١ - ادعاؤهم وجود تعارض في الشريعة نص الشبهة: ظنوا أن كثيرًا من نصوص الوحي -قرآنًا وسنة- يوجد بينهما تعارض، وهذا مما يفقد مصداقية الوحي. والرد على ذلك من عدة وجوه: الوجه الأول: تعريف التعارض . الوجه الثاني: أركان التعارض. الوجه الثالث: شروط تحقيق التعارض. الوجه الرابع: أقسام التعارض الوجه الخامس: كثرة التعارضات في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل، الوجه الأول: تعريف التعارض. التعارض لغة: التمانع، ومنه تعارض البينات، والتعارض على وزن: تَفَاعُل، وهذا الوزن يدل على: ١ - التشارك بين شيئين أو أكثر، نحو: تَزَاحُم، تَقَاتُل. ٢ - المطاوعة: نحو التبَاعُد. ٣ - إظهار ما ليس واقعًا، نحو: التجاهُل، التغافُل، التعالُم. ٤ - وقوع الحدث تدريجيًا، نحو: التفاقُم، التوارُد، التكاثُر. ٥ - مجرد وقوع الحدث، نحو: التجاوز. والمراد هنا الأول، إذ يراد به مشاركة الشريعة في تقابل أدلتها؛ بحيث يمتنع الأخذ بها. التعارض اصطلاحًا: التعارض بين الأمرين هو: تقابلهما على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى صاحبه. والمعنى: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، وذلك إذا كان أحد الدليلين يدل على خلاف ما يدل عليه الآخر، كأن يدل أحد الدليلين على الجواز والآخر على المنع،

стр. 3736

فدليل الجواز يمنع التحريم، ودليل التحريم يمنع الجواز، فكل منهما مقابل للآخر، ومعارض له، وممانع له (١). ومرادهم بوقوع التعارض في الشريعة: تقابل الأدلة -القرآن مع القرآن، والسنة مع السنة، والقياس مع القياس، والإجماع مع الإجماع، ثم تقابل كل منها مع الآخر- فالقرآن يقابل السنة والقياس، والسنة تقابل القياس والإجماع، والقياس يقابل الإجماع؛ فيكون مجموع الأدلة المتقابلة عشرة أدلة، بحيث يمنع مدلول أحدها مدلول الآخر، فيستحيل الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع الصحيحة، مثل أن يكون أحد الدليلين مثبت والآخر نافٍ في زمن واحد، في محل واحد، فإذا أثبتوا على الشريعة هذا التناقض؛ امتنع الأخذ بها بأي وجه من الوجوه. الوجه الثاني: أركان التعارض . للتعارض ركنان هما: الأول: كون كل من المتعارضين حجة، أي: دليل شرعي محتَجّ به يصح التمسك به في محل النزاع، ويمكن استنباط الحكم منه، فإذا كان أحد الدليلين دليلًا لا يحتج به كالحديث الضعيف مثلًا، لم يكن ثَمَّ تعارض. وكون هذا ركن واضح من تعريف التعارض بأنه تقابل الدليلين. الثاني: تقابل الدليلين على وجه التمانع، بحيث لا يمكن الجمع بينهما جمعًا صحيحًا، فإن أمكن الجمع بينهما، أو كان كل واحد منهما ينزل على نوع لم يكن هناك تعارض، وإن كان كل واحد منهما ينزل في زمن من الأزمان لم يكن ثَمَّ تمانع. (٢) الوجه الثالث: شروط تحقيق التعارض . لابد للحكم على حديثين بالتعارض، وجعلهما من باب مختلف الحديث: أن يكون كل منهما مُحْتَجًّا به، أما إن كان أحدهما لا يُقْبَلُ بحال، فإنه لا يُعَارَضُ به القوي، إذ إنه-

стр. 3737

والحالة هذه- لا أَثَر له. وقد بين ابن القَيِّم ﵀ ذلك وأكده، فقال: لا يجوز معارضة الأحاديث الثابتة بحديث من قد أجمع علماء الحديث على ترك الاحتجاج به. (١) وقال: ومعارضة الأحاديث الباطلة للأحاديث الصحيحة لا توجب سقوط الحكم بالصحيحة والأحاديث الصحيحة يصدق بعضها بعضًا. (٢) الشرط الأول: اتحاد محل الحكمين المستفادين من الدليلين، فإن اختلف المحل فلا تعارض. فالنكاح الصحيح مثلًا يحل ويحرم، ولا تقابل ولا تعارض لاختلاف المحل، فيحل الزوجة، ويحرم أمها، فلا تعارض بين قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، لكونه في الزوجة التي أحلها عقد النكاح وهي محل الحكم، وبين قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلي قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، لكونه في الأم التي هي محل التحريم بالعقد على ابنتها، فاختلف محل الحكمين. الشرط الثاني: اتحاد الجهة، ويُعَبَّر عنه باتحاد الحال أي: الحال المحمول عليه كل من الحكمين التي يتوجه إليها الحكمان المتقابلان، فإن اختلفت الجهة ولو اتحد الحكم فلا تعارض، ومثال ذلك الأمر بحلق الرأس في الحج والعمرة، والنهي عن حلقه فيهما، لاختلاف جهة الحكم، فلا تعارض بين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وبين قوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، فالآية الأولى فيما يحرمه الإحرام بالحج والعمرة، والآية الثانية في التحلل من الحج والعمرة. ومثال آخر قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].

стр. 3738

كلمة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فيها قراءتان إحداهما: بنصب اللام (١) عطفًا على ﴿وُجُوهَكُمْ﴾، والثانية بجرها (٢) عطفًا على ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، والأولى تقتضي وجوب غسل الرجلين، والثانية تقتضي وجوب مسحهما، والقراءتان بمنزلة دليلين، ومع اختلاف مقتضى القراءتين فإنه لا تعارض لاختلاف الجهة -الحال- إذ إن قراءة الجر المقتضية مسح الرجلين؛ محمولة على حال استتار القدمين بالخفين، وقراءة النصب المقتضية غسل الرجلين؛ محمولة على حال ظهور القدمين. الشرط الثالث: اتحاد زمن الحكمين، فإن اختلف زمن الحكمين فلا تعارض، وإن اتحد المحل محل الحكم. ومثال ذلك: الأمر باعتزال الزوجة في المحيض، وإباحة جماعها بعده -الطُهْر-، فمحل الحكم واحد وهو الزوجة، لكن اختلف زمن الحكمين، فلا تعارض إذا بين قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، وبين قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. (٣) الوجه الرابع: أقسام التعارض . من خلال ما تقدم من تعريف التعارض، وأركانه، وشروطه؛ يمكن تقسيم التعارض إلى قسمين: التعارض الحقيقي، والتعارض الظاهري. وهذا ما نفصله في المبحثين الآتيين: المبحث الأول: التعارض الحقيقي . وهو التضاد التام بين حجتين: دلالةً، وثبوتًا، وعددًا، ومتحدتين: زمانا، ومحلًا، وهو المراد من تعريف التعارض الذي مَرَّ سابقًا وهو: تقابل الدليلين على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى صاحبه، أي: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة.

стр. 3739

والتعارض بهذا المعنى ليس موجودًا في شريعة رب العالمي ولله الحمد والمنة (١). الادلة على عدم وقوع هذا النوع في الشريعة . الدليل الأول: قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. وما كان من عند الله تعالى فلا اختلاف فيه ولا تعارض لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. قال الطبري: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾: أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم -يا محمد- كتاب الله؛ فيعلموا حجّة الله عليهم في طاعتك، واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم؛ لاتِّساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق، فإن ذلكٍ لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض. (٢) وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سمع رسول الله ﷺ قومًا يتدارءون في القرآن؛ فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضًا؛ فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوه، وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه". (٣)

стр. 3740

الدليل الثاني: أمر الله تعالى بالرجوع عند التنازع الاختلاف إلى القرآن الكريم والسنة فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] أي: القرآن والسنة، وهذا يعني أن الرجوع إليهما يرفع النزاع، ويقطع الخلاف، وهذا لا يتحقق إلا إذا كانا لا اختلاف فيهما، ولا تعارض، إذ لو كان فيهما اختلاف وتعارض؛ لم يحصل بالرجوع إليهما رفع النزاع. الدليل الثالث: إذا أثبت الشارع حكمًا بدليل يعارضه دليل آخر يقضي خلافه؛ دل ذلك على العجز عن إثباته بدليل سالم عن المعارضة، والله تعالى منزه عن العجز. الدليل الرابع: إذا وقع التعارض بين دليلين شرعيين في الواقع، وفي نفس الأمر، كأن دل أحدهما على وجوب شيء، ودل الآخر على تحريمه؛ أدى ذلك إلى ثلاثة أمور كلها باطلة: أولها: العبث، وذلك إذا لم يقصد الشارع بالدليلين تشريع الحكم الذي تضمنه كل منهما، والله تعالى منزه عن العبث. ثانيها: التكليف بما لا يطاق، وذلك إذا قصد الشارع بهما تشريع الحكم؛ إذ إن إيجاب شيء واحد، وتحريمه بعينه على شخص واحد، في وقت واحد؛ تكليف للشخص بما ليس في وسعه، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ثالثها: صدور الأمر بالشيء، والنهي عنه في وقت واحد من الشارع، وهذا باطل أيضًا؛ لأنه تناقض يتنزه عنه الشارع الحكيم، وما أدى إلى الباطل؛ فهو باطل، فالقول بتعارض الأدلة حقيقةً، وفي نفس الواقع باطل. الدليل الخامس: لَوْ وَقَعَ التعارض بين الدليلين؛ فَإِمَّا أَنْ يَعْمَلَ بِهِما -وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ المُتنَافِيَيْنِ- أَوْ لا يُعْمَلُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ فَيَكُونُ وَضْعُهُمَا عَبَثًا -وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى الله تَعَالَى- أَو يُعْمَلُ بِأَحَدِهِمَا عَلَى التَّعْيِينِ -وَهُوَ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ- أَوْ لا عَلَى التَّعْيِينِ، بَلْ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ المُبَاحِ وَغَيرهِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ أَمَارَةِ الإِبَاحَةِ بِعَيْنِهَا؛ لأَنَّهُ لمَّا جَازَ لَهُ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ؛ كَانَ هَذَا مَعْنَى الِإباحَةِ، فَيَكُونُ تَرْجِيحًا لإِحْدَى الأَمَارَتَيْنِ بِعَيْنِهَا.

стр. 3741

الدليل السادس: لو كان التعارض في الواقع، وفي نفس الأمر جائزًا، لكان البحث عن الناسخ والمنسوخ لدفع التعارض بين الدليلين المتعارضين عبثًا، وكيف يكون عبثًا وقد شدَّدَ العلماء على تَعَلُّم الناسخ والمنسوخ ومعرفتهما! الدليل السابع: القول بثبوت التعارض في الشريعة يرفع باب الترجيح جملة؛ إذ لا فائدة فيه، ولا حاجة إليه، على فرض ثبوت الخلاف أصلًا شرعيًا لصحة وقوع التعارض في الشريعة، لكن ذلك فاسد؛ فما أدى إليه مثله. (١) - نفي أهل العلم وقوع هذا النوع من التعارض في الشريعة: ١ - قال ابن خزيمة: لا أَعْرِفُ حَدِيثَيْنِ صَحِيحَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْهُ فَلْيَأْتِنِي بِهِ؛ لأُؤَلِّفَ بَيْنَهُمَا (٢).: ٢ - صرح ابن الشافعي: بأنه: لا يصح عن النبي ﷺ أبدًا حديثان صحيحان متضادان ينفي أحدهما ما يثبته الآخر، من غير جهة الخصوص والعموم، والإجمال والتفسير، إلا على وجه النسخ وإن لم يجده. (٣) ٣ - قال الشاطبي: كل من تحقق بأصول الشريعة؛ فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل من حقق مناط المسائل؛ فلا يكاد يقف في متشابه؛ لأن الشريعة لا تعارض فيها البتة، فالمتحقق بها متحقق بما في نفس الأمر؛ فيلزم أن لا يكون عنده تعارض، ولذلك لا تجد البتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ؛ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم. (٤)

стр. 3742

٤ - قال ابن تيمية: لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه، وليس مع أحدهما ترجيح يقدم به. (١) ٥ - قال ابن القيم: وَأَمّا حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ، صَرِيحَانِ، مُتَنَاقِضَانِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ، لَيْسَ أَحَدُهُمَا نَاسِخًا لِلْآخَرِ، فَهَذَا لَا يُوجَدُ أَصْلًا، وَمَعَاذَ الله أَنْ يُوجَدَ فِي كَلَامِ الصّادِقِ المْصْدُوقِ، الّذِي لَا يُخْرِجُ مِنْ بَيْنِ شَفَتَيْهِ إلّا الْحَقّ. (٢) المبحث الثاني: التعارض الظاهري -الموهوم -: ويشتمل هذا المبحث على المطالب الآتية: المطلب الأول: أسباب وجود التعارض الظاهري . هذه الأسباب هي في الحقيقة ترجع إلى التقصير في استخدام طرق دفع التعارض، خاصةً الجمع بين الدليلين، أو معرفة الناسخ والمنسوخ، فأدَّى ذلك إلى وقوع التعارض الظاهري، وقد أجمل (ابن القيم) ذكر هذه الأسباب بقوله: لا تعارض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة، فإذا وقع التعارضُ؛ فإما أن يكون أحدُ الحديثين ليس مِن كلامه ﷺ ، وقد غَلِطَ فيه بعضُ الرواة -مع كونه ثقةً ثَبتًا، فالثقةُ يَغْلَطُ- أو يكونُ أحدُ الحديثين ناسخًا للآخر، إذا كان مما يَقْبَلُ النسخ، أو يكونُ التعارضُ في فهم السامع، لا في نفس كلامه ﷺ ، فلا بُدَّ مِن وجه من هذه الوجوه الثلاثة، وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان مِن كل وجه، ليس أحدُهما ناسخًا للآخر، فهذا لا يُوجد أصلًا، ومعاذَ الله أن يُوجَدَ في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحقُّ، والآفةُ مِن التقصير في معرفة المنقول، والتمييز بين صحيحه ومعلوله، أو من القُصور في فهم مُراده ﷺ ، وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معًا؛ ومن ههنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع. (٣)

стр. 3743

وقال أيضًا عن سبب التعارض والاختلاف: وإنما يؤتى من يؤتى هناك من قبل فهمه، وتحكيمه آراء الرجال وقواعد المذهب على السنة، فيقع الاضطراب والتناقض والاختلاف. (١) ومن خلال الكلام السابق يظهر أن أسباب التعارض والاختلاف ترجع إلى: - إما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه ﷺ ، وقد غلط فيه بعض الرواة -مع كونه ثقة ثبتًا- فالثقة يغلط. - وإما أن يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر، إذا كان مما يقبل النسخ. - وإما أن يكون التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه ﷺ . - وإما من جهة تقصير الناظر في معرقة المنقول، والتمييز بين صحيحه ومعلوله.- أو من القصور في فهم مراده ﷺ ، وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معًا. - أو تحكيم آراء الرجال، وقواعد مذهب من المذاهب على السنة النبوية. المطلب الثاني: طرق دفع التعارض الظاهري . فإذا وقع هذا النوع من التعارض الظاهري -الموهوم- فإن أهل العلم يدفعونه بالطرق الآتية: الطريقة الأولى: الجمع بين الدليلين اللذين ظاهرهما التعارض: لاحتمال أن يكون بينهما عموم وخصوص، أو إطلاق وتقييد، أو مجمل ومبين؛ لأن القاعدة المقررة عند أهل العلم: أن إعمال الكلام أولى من إهماله. (٢) قال الشافعي: ولا ينسب الحديثان إلى الاختلاف ما كان لهما وجهًا يمضيان معًا، إنما المختلف ما لم يمض إلا بسقوط غيره، مثل أن يكون الحديثان في الشيء الواحد، هذا يحله، وهذا يحرمه. (٣)

стр. 3744

قال الخطابي: وسبيل الحديثين إذا اختلفا في الظاهر، وأمكن التوفيق بينهما وترتيب أحدهما على الآخر؛ أن لا يحملا على المنافاة، ولا يضرب بعضها ببعض، لكن يستعمل كل واحد منهما في موضعه، وبهذا جرت قضية العلماء في كثير من الحديث. (١) كقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ مع قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾. قال الحليمي: فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل، والثانية على ما يستلزم الإقرار بالنبوات؛ من شرائع الدين وفروعه، حمله غيره على اختلاف الأماكن؛ لأن في القيامة مواقف كثيرة، فموضع يسأل ويناقش، وموضع آخر يرحم ويلطف به، وموضع آخر يعنف ويوبخ، وهم الكفار، وموضع آخر لا يعنف، وهم المؤمنون. وكقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾ إلى قوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وذلك يبلغ ثمانية أيام، والجواب أن المراد بقوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ مع اليومين المتقدمين، ولم يرد بذكر الأربعة غير ما تقدم ذكره، وهذا كما يقول الفصيح: سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وسرت إلى الكوفة في ثلاثة عشر يومًا، ولا يريد سوى العشرة، بل يريد مع العشرة ثلاثة ثم قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وأراد سوى الأربعة، وذلك لا مخالفة فيه؛ لأن المجموع يكون ستة. (٢)

стр. 3745

وكذلك ما ورد في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]. مع ما ورد عن النبي ﷺ "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" فظاهر الحديث يخالف الآية، مما جعل أهل الحديث يبحثون في وجه الجمع بينهما، وممن قام بالجمع بينهما شيخ الإسلام ابن القيم ﵀ حيث يقول: ها هنا أمر يجب التنبيه عليه، وهو: أن الجنة تدخل برحمة الله تعالى، وليس عمل العبد مستقلًا بدخولها، وإن كان سببًا. ولهذا أثبت الله تعالى دخولها بالأعمال في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ونفي رسول الله ﷺ دخولها بالأعمال في قوله: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله" ولا تنافي بين الأمرين لوجهين: أحدهما ما ذكره سفيان وغيره، قال: كانوا يقولون النجاة من النار بعفو الله، ودخول الجنة برحمته، واقتسام المنازل والدرجات بالأعمال، ويدل على هذا حديث أبي هريرة ﵁ "أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم" (١). والثاني: أن الباء التي نفت الدخول هي باء المعاوضة؛ التي يكون فيها أحد العوضين مقابل للآخر، والباء التي أثبتت الدخول هي باء السببية؛ التي تقضي سببية ما دخلت عليه لغيره، وإن لم يكن مستقلًا بحصوله، وقد جمع النبي ﷺ بين الأمرين بقوله: "لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ، قَالُوا: وَلا أنتَ يَا رَسُولَ الله! قَالَ: وَلا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي الله بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَىْءٌ مِنَ الدُّلجْةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا" (٢). ومن عرف الله تعالى، وشهد مشهد حقه عليه، ومشهد تقصيره وذنوبه، وأبصر هذين المشهدين بقلبه؛ عرف ذلك وجزم به، والله المستعان (٣).

стр. 3746

وقد ذكر ابن تيمية قريبًا من هذا الجمع فقال: وليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة، بل هي سبب، ولهذا قال النبي ﷺ : "أنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" وقد قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهذه باء السبب، أي بسبب أعمالكم، والذي نفاه النبي ﷺ باء المقابلة، كما يقال: اشتريت هذا بهذا، أي: ليس العمل عوضًا، وثمنًا كافيًا في دخول الجنة، بل لا بد من عفو الله وفضله ورحمته، فبعفوه يمحو السيئات، وبرحمته يأتي بالخيرات، وبفضله يضاعف البركات. (١) الطريقة الثانية: الناسخ والمنسوخ . النسخ هو: رفع الحكم الشرعي بخطاب شرعي متراخ عنه. (٢) ومثال وقوع النسخ في القرآن: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، فبينت الآية أن عدة المتوفَّى عنها زوجها عام كامل. وقد نسخت بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. فبينت الآية أن عدة المتوفَّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، وهي ناسخة للحكم الأول. ومثال وقوع النسخ في السنة: قوله ﷺ : "تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ" (٣). ونسخ هذا الحكم بحديث ابن عباس وغيره: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ". (٤)

стр. 3747

ومثل قوله ﷺ : "كُنْتُ نَهَيْتكُمْ عَنْ زِيَارةِ القُبُورِ، فَزُورُوهَا". (١) ومعرفة الناسخ والمنسوخ يتبين لنا أنه لا يوجد تعارض. والنسخ واقع في جميع الشرائع السماوية، (٢) ومن حكمته أخذ الناس بسنة التدرج في التشريع، فيشرع لهم ما يصلحهم في وقت، ثم يشرع لهم ما يصلحهم في الآخر. الطريقة الثالثة: الترجيع بين الدليلين . وهو: بيان أن أحد المتعارضين أقوى من الآخر بدليل؛ ليعمل به. (٣) قال الشافعي: ومنها ما لا يخلو من أن يكون أحد الحديثين أشبه بمعنى كتاب الله، أو أشبه بمعنى سنن النبي ﷺ مما سوى الحديثين المختلفين، أو أشبه بالقياس، فأي الأحاديث المختلفة كان هذا فهو أولاهما عندنا أن يصار إليه. (٤) قال الشوكاني في مبحث وجوه الترجيح بين المتعارضين:

стр. 3748

إنه متفق عليه، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به، ومن نظر في أحوال الصحابة والتابعين، وتابعيهم ومن بعدهم؛ وجدهم متفقين على العمل بالراجح، وترك المرجوح. (١) واعلم: أن الترجيح قد يكون باعتبار الإسناد أي الرواة، وقد يكون باعتبار المتن أي المروي عنه، وقد يكون باعتبار جهة الحكم الذي يدل عليه كل من الخبرين، وقد يكون باعتبار أمر خارج. (٢) وجوه الترجيح باعتبار الإسناد: ١ - الترجيح بكثرة الرواة، فيرجح ما رواته أكثر على ما رواته أقل؛ لقوة الظن به. ٢ - ترجح رواية الكبير على رواية الصغير؛ لأنه أقرب إلى الضبط، إلا أن يعلم أن الصغير مثله في الضبط، أو أكثر ضبطًا منه. ٣ - ترجح رواية من كان فقيهًا على من لم يكن كذلك؛ لأنه أعرف بمدلولات الألفاظ. ٤ - ترجح رواية الأوثق. ٥ - ترجح رواية الأحفظ. ٦ - أن يكون أحدهما من الخلفاء الأربعة دون الآخر. ٧ - أن يكون أحدهما صاحب الواقعة؛ لأنه أعرف بالقصة. ٨ - أن يكون أحدهما مباشرًا لما رواه دون الآخر. ٩ - أن يكون أحدهما كثير المخالطة للنبي دون الآخر؛ لأن كثرة الاختلاط تقتضي زيادة في الاطلاع. ١٠ - أن يكون أحدهما قد ثبتت عدالته بالتزكية، والآخر بمجرد الظاهر. ١١ - أن يكون المزكون لأحدهما أكثر من المزكين للآخر. ١٢ - ترجح رواية من يوافق الحفاظ على رواية من ينفرد عنهم في كثير من رواياته.

стр. 3749

١٣ - ترجح رواية من دام حفظه وعقله -ولم يختلط- على من اختلط في آخر عمره، ولم يعرف: هل روي الخبر حال سلامته، أو حال اختلاطه؟ ١٤ - تقدم رواية من كان أشهر بالعدالة والثقة من الآخر؛ لأن ذلك يمنع عن الكذب. ١٥ - تقدم رواية من تأخر إسلامه على من تقدم إسلامه؛ لاحتمال أن يكون ما رواه من تقدم إسلامه منسوخًا. ١٦ - تقدم رواية من ذكر سبب الحديث على من لم يذكر سببه. ١٧ - تقدم الأحاديث التي في الصحيحين على الأحاديث الخارجة عنهما. ١٨ - تقدم رواية من لم ينكر عليه على رواية من أنكر عليه، فإن وقع التعارض في بعض هذه المرجحات؛ فعلى المجتهد أن يرجح بين ما تعارض منها. وجوه الترجيح باعتبار المتن: ١ - يقدم الخاص على العام. ٢ - تقدم الحقيقة على المجاز؛ إذا لم يغلب المجاز. ٣ - يقدم ما كان حقيقة شرعية، أو عرفية على ما كان حقيقة لغوية. ٤ - يقدم ما كان مستغنيًا عن الإضمار في دلالته على ما هو مفتقر إليه. ٥ - يقدم الدال على المراد من وجهين على ما كان دالًا عليه من وجه واحد. ٦ - يقدم ما كان فيه الإيماء إلى علة الحكم على ما لم يكن كذلك؛ لأن دلالة المعلل أوضح من دلالة غير المعلل. ٧ - يقدم المقيد على المطلق. وجوه الترجيح باعتبار المدلول: ١ - يقدم ما كان مقررًا لحكم الأصل والبراءة على ما كان ناقلًا. ٢ - أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط، فإنه أرجح. ٣ - يقدم المثبت على المنفي؛ لأن مع المثبت زيادة علم.

стр. 3750

٤ - يقدم ما كان حكمه أخف على ما كان حكمه أغلظ. وجوه الترجيح باعتبار أمور خارجة: ١ - يقدم ما عضده دليل آخر على ما لم يعضده دليل آخر. ٢ - أن يكون أحدهما قولًا، والآخر فعلًا؛ فيقدم القول؛ لأن له صيغة، والفعل لا صيغة له. ٣ - يقدم ما كان فيه التصريح على ما لم يكن كذلك، كضرب الأمثال ونحوها؛ فإنها ترجح العبارة على الإشارة. ٤ - يقدم ما عمل عليه أكثر السلف على ما ليس كذلك؛ لأن الأكثر أولي بإصابة الحق. ٥ - أن يكون أحدهما موافقًا لعمل الخلفاء الأربعة دون الآخر، فإنه يقدم الموافق. ٦ - أن يكون أحدهما موافقًا لعمل أهل المدينة. ٧ - أن يكون أحدهما أشبه بظاهر القرآن دون الآخر، فإنه يقدم. وللأصوليين مرجحات أخر في الأقسام الأربعة، فهي ليست توقيفية، بحيث أورد الحازمي منها في الاعتبار خمسين وجهًا، وأناف بها الحافظ العراقي في نكته على ابن الصلاح على المائة، وحصرها السيوطي في تدريب الراوي في سبعة أقسام. (١) وهذه بعض أمثلة لطريقة الترجيح: حمل العام على الخاص: العام: اسم فاعل من العموم، بمعنى: الشمول والإحاطة، ومنه سميت العمامة لأنها تحيط بالرأس، والعم والعمومة: اسم بعض القرابات، سموا بذلك؛ لأنهم يحيطون بالإنسان عند احتياجه للمساعدة عادة. والعام في الاصطلاح: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحدا. (٢)
следующие страницы →