وقد ذكر ابن تيمية قريبًا من هذا الجمع فقال: وليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة، بل هي سبب، ولهذا قال النبي ﷺ : "أنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" وقد قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهذه باء السبب، أي بسبب أعمالكم، والذي نفاه النبي ﷺ باء المقابلة، كما يقال: اشتريت هذا بهذا، أي: ليس العمل عوضًا، وثمنًا كافيًا في دخول الجنة، بل لا بد من عفو الله وفضله ورحمته، فبعفوه يمحو السيئات، وبرحمته يأتي بالخيرات، وبفضله يضاعف البركات. (١)
الطريقة الثانية: الناسخ والمنسوخ .
النسخ هو: رفع الحكم الشرعي بخطاب شرعي متراخ عنه. (٢)
ومثال وقوع النسخ في القرآن:
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، فبينت الآية أن عدة المتوفَّى عنها زوجها عام كامل.
وقد نسخت بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
فبينت الآية أن عدة المتوفَّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، وهي ناسخة للحكم الأول.
ومثال وقوع النسخ في السنة:
قوله ﷺ : "تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ" (٣).
ونسخ هذا الحكم بحديث ابن عباس وغيره: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ". (٤)
стр. 3747
ومثل قوله ﷺ : "كُنْتُ نَهَيْتكُمْ عَنْ زِيَارةِ القُبُورِ، فَزُورُوهَا". (١)
ومعرفة الناسخ والمنسوخ يتبين لنا أنه لا يوجد تعارض.
والنسخ واقع في جميع الشرائع السماوية، (٢) ومن حكمته أخذ الناس بسنة التدرج في التشريع، فيشرع لهم ما يصلحهم في وقت، ثم يشرع لهم ما يصلحهم في الآخر.
الطريقة الثالثة: الترجيع بين الدليلين .
وهو: بيان أن أحد المتعارضين أقوى من الآخر بدليل؛ ليعمل به. (٣)
قال الشافعي: ومنها ما لا يخلو من أن يكون أحد الحديثين أشبه بمعنى كتاب الله، أو أشبه بمعنى سنن النبي ﷺ مما سوى الحديثين المختلفين، أو أشبه بالقياس، فأي الأحاديث المختلفة كان هذا فهو أولاهما عندنا أن يصار إليه. (٤)
قال الشوكاني في مبحث وجوه الترجيح بين المتعارضين:
стр. 3748
إنه متفق عليه، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به، ومن نظر في أحوال الصحابة والتابعين، وتابعيهم ومن بعدهم؛ وجدهم متفقين على العمل بالراجح، وترك المرجوح. (١)
واعلم: أن الترجيح قد يكون باعتبار الإسناد أي الرواة، وقد يكون باعتبار المتن أي المروي عنه، وقد يكون باعتبار جهة الحكم الذي يدل عليه كل من الخبرين، وقد يكون باعتبار أمر خارج. (٢)
وجوه الترجيح باعتبار الإسناد:
١ - الترجيح بكثرة الرواة، فيرجح ما رواته أكثر على ما رواته أقل؛ لقوة الظن به.
٢ - ترجح رواية الكبير على رواية الصغير؛ لأنه أقرب إلى الضبط، إلا أن يعلم أن الصغير مثله في الضبط، أو أكثر ضبطًا منه.
٣ - ترجح رواية من كان فقيهًا على من لم يكن كذلك؛ لأنه أعرف بمدلولات الألفاظ.
٤ - ترجح رواية الأوثق.
٥ - ترجح رواية الأحفظ.
٦ - أن يكون أحدهما من الخلفاء الأربعة دون الآخر.
٧ - أن يكون أحدهما صاحب الواقعة؛ لأنه أعرف بالقصة.
٨ - أن يكون أحدهما مباشرًا لما رواه دون الآخر.
٩ - أن يكون أحدهما كثير المخالطة للنبي دون الآخر؛ لأن كثرة الاختلاط تقتضي زيادة في الاطلاع.
١٠ - أن يكون أحدهما قد ثبتت عدالته بالتزكية، والآخر بمجرد الظاهر.
١١ - أن يكون المزكون لأحدهما أكثر من المزكين للآخر.
١٢ - ترجح رواية من يوافق الحفاظ على رواية من ينفرد عنهم في كثير من رواياته.
стр. 3749
١٣ - ترجح رواية من دام حفظه وعقله -ولم يختلط- على من اختلط في آخر عمره، ولم يعرف: هل روي الخبر حال سلامته، أو حال اختلاطه؟
١٤ - تقدم رواية من كان أشهر بالعدالة والثقة من الآخر؛ لأن ذلك يمنع عن الكذب.
١٥ - تقدم رواية من تأخر إسلامه على من تقدم إسلامه؛ لاحتمال أن يكون ما رواه من تقدم إسلامه منسوخًا.
١٦ - تقدم رواية من ذكر سبب الحديث على من لم يذكر سببه.
١٧ - تقدم الأحاديث التي في الصحيحين على الأحاديث الخارجة عنهما.
١٨ - تقدم رواية من لم ينكر عليه على رواية من أنكر عليه، فإن وقع التعارض في بعض هذه المرجحات؛ فعلى المجتهد أن يرجح بين ما تعارض منها.
وجوه الترجيح باعتبار المتن:
١ - يقدم الخاص على العام.
٢ - تقدم الحقيقة على المجاز؛ إذا لم يغلب المجاز.
٣ - يقدم ما كان حقيقة شرعية، أو عرفية على ما كان حقيقة لغوية.
٤ - يقدم ما كان مستغنيًا عن الإضمار في دلالته على ما هو مفتقر إليه.
٥ - يقدم الدال على المراد من وجهين على ما كان دالًا عليه من وجه واحد.
٦ - يقدم ما كان فيه الإيماء إلى علة الحكم على ما لم يكن كذلك؛ لأن دلالة المعلل أوضح من دلالة غير المعلل.
٧ - يقدم المقيد على المطلق.
وجوه الترجيح باعتبار المدلول:
١ - يقدم ما كان مقررًا لحكم الأصل والبراءة على ما كان ناقلًا.
٢ - أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط، فإنه أرجح.
٣ - يقدم المثبت على المنفي؛ لأن مع المثبت زيادة علم.
стр. 3750
٤ - يقدم ما كان حكمه أخف على ما كان حكمه أغلظ.
وجوه الترجيح باعتبار أمور خارجة:
١ - يقدم ما عضده دليل آخر على ما لم يعضده دليل آخر.
٢ - أن يكون أحدهما قولًا، والآخر فعلًا؛ فيقدم القول؛ لأن له صيغة، والفعل لا صيغة له.
٣ - يقدم ما كان فيه التصريح على ما لم يكن كذلك، كضرب الأمثال ونحوها؛ فإنها ترجح العبارة على الإشارة.
٤ - يقدم ما عمل عليه أكثر السلف على ما ليس كذلك؛ لأن الأكثر أولي بإصابة الحق.
٥ - أن يكون أحدهما موافقًا لعمل الخلفاء الأربعة دون الآخر، فإنه يقدم الموافق.
٦ - أن يكون أحدهما موافقًا لعمل أهل المدينة.
٧ - أن يكون أحدهما أشبه بظاهر القرآن دون الآخر، فإنه يقدم.
وللأصوليين مرجحات أخر في الأقسام الأربعة، فهي ليست توقيفية، بحيث أورد الحازمي منها في الاعتبار خمسين وجهًا، وأناف بها الحافظ العراقي في نكته على ابن الصلاح على المائة، وحصرها السيوطي في تدريب الراوي في سبعة أقسام. (١)
وهذه بعض أمثلة لطريقة الترجيح:
حمل العام على الخاص:
العام: اسم فاعل من العموم، بمعنى: الشمول والإحاطة، ومنه سميت العمامة لأنها تحيط بالرأس، والعم والعمومة: اسم بعض القرابات، سموا بذلك؛ لأنهم يحيطون بالإنسان عند احتياجه للمساعدة عادة.
والعام في الاصطلاح: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحدا. (٢)
стр. 3751
وبتعبير أوضح: ما تناول جميع أفراده بلا حصر، ومثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ (الانفطا ر: ١٣، ١٤).
فكلمة: الأبرار جمع: بر، والفجار جمع: فاجر، جمع معرف بأل الاستغراقية، فتتناول جميع الأفراد الداخلة تحتها بلا حصر؛ فتفيد أن: جميع الأبرار يوم القيامة. في جنات النعيم، وأن جميع الفجار يوم القيامة في نار الجحيم.
والخاص: اسم فاعل من الخصوص، ضد العموم.
وفي الاصطلاح: ما دل على عين محصور. (١)
والعموم والخصوص وصفان نسبيان، يطلقان على اللفظ أو الدليل بالنسبة، فقد يكون اللفظ عاما بالنسبة إلى ما تحته من الأفراد، وخاصا بالنسبة إلى ما فوقه. (٢)
فمرادنا هنا التخصيص، وهو إخراج بعض أفراد العام.
والتخصيص نوعان: الأول: المتصل، والآخر: المنفصل:
فمثال المتصل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر ٢، ٣).
فكلمة الإنسان: مفرد معرف بأل الاستغراقية؛ فتتناول جميع الأفراد الداخلة تحته - بلا حصر - فتفيد أن: جميع الناس يوم القيامة في خسر.
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ إخراج لبعض أفراد هذا العام، بأداة من أدوات التخصيص، وهي: إلا.
فتفيد أن بعض أفراد الإنسان خارج من هذا الحكم، وهم المؤمنون الآمرون بالمعروف، الصابرون على ذلك.
стр. 3752
وأما التخصيص المنفصل فهو: ما يستقل بنفسه، بحيث يأتي في دليلين منفصلين ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (البقرة: ٢٨)، فكلمة المطلقات: جمع عُرِّف بأل الاستغراقية فتناول جميع المطلقات بلا حصر، فأفاد أن كل مطلقة عدتها ثلاثة قروء.
وقد جاءت آية أخرى تخرج بعض أفراد هذا العام، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (الأحزاب: ٤٩). فبينت الآية أن المطلقة غير المدخول بها فلا عدة لها.
ومثال ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ (البقرة: ٢٢١) - فإنه عام مع قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (المائدة: ٥) - فإنه خاص - فيحمل العام على الخاص. (١)
ومن الأمثلة أيضًا: قول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تيسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ" (٢)، وهذا عام. (٣)
وقد خصص ذلك بقوله ﷺ : "لا صَلاة لمِنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ". (٤)
ومن أمثلة تخصيص السنة بالسنة أيضا قوله ﷺ : "فِيَما سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ" (٥).
وهذا عام خصص بقوله ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ". (٦)
حمل المطلق على المقيد .
والمطلق هو: اللفظ الدال على الحقيقة، من حيث هي، من غير قيد، أو يقال هو: اللفظ
стр. 3753
الدال على مدلول شائع في جنسه. (١)
كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (البقرة: ٦٧).
فكلمة: بقرة نكرة في سياق الإثبات؛ فتدل على الإطلاق بلا قيد، فلو ذبحوا بقرة -أي بقرة- أجزأتهم.
المقيد: ما دل على الحقيقة بقيد.
ومثاله قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (البقرة: ٦٨).
وقوله: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ (البقرة: ٦٩). وقوله: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ (البقرة: ٧١).
فقيدت البقرة على بني إسرائيل بتلك الأوصاف، لما تشددوا شدد الله عليهم.
فهذا مثال واضح للمطلق والمقيد، إذ هو في قصة واحدة، في سورة واحدة، وفي آيات متتاليات.
ومن أمثلة حمل المطلق على المقيد:
حَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ عُكَيْم قَالَ: كَتَبَ إِلَينَا رَسُول الله ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ لَا تَنتفِعُوا مِنْ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ. (٢)
والإهاب: الجلد ما لم يدبغ. (٣)
والعصب: أطناب المفاصل (٤)، يعني: أعصابها.
وقد جاء في السنة ما يدل على جواز استخدام جلود الميتة مثل:
стр. 3754
حَدِيثُ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ: مَرَّ رَسُولُ الله ﷺ بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا، فَقَال: "لَوْ أَخَذْتُمْ إهَابَهَا؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: يُطَهِّرُهَا الْماءُ، وَالْقَرَظُ". (١)
ويحمل المطلق في حديث عبد الله بن عكيم على المقيد في حديث ميمونه؛ إذ النهي في الحديث الأول عن استعمال جلود الميتة قبل دباغها، والإذن في استخدام جلود الميتة إنما هو بعد الدباغ، لا قبله فلا تعارض، فلكل نص موضعه، ويدل لذلك قوله ﷺ : إِذَا دُبغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ (٢).
الطريقة الرابعة: التوقف
إذا تعذر كل ما تقدم من الجمع، والنسخ، والترجيح؛ فإنه يجب التوقف حينئذ عن العمل بأحد الحديثين، حتى يتبين وجه الترجيح.
قال الشاطبي: (التوقف عن القول بمقتضى أحدهما، وهو الواجب إذا لم يقع ترجيح) (٣).
قال السّخاوي: ثم التوقف عن العمل بأحد الحديثين، والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط؛ لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة، مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه، وفوق كل ذي علم عليم.
وخلاصة ما مَرَّ:
أن شرع رب العالمين يستحيل أن يقع فيه تعارض حقيقي، ووقوع مثل ذلك في شريعة من الشرائع يرفع الاحتجاج بها جملة، وقد اتفق على ذلك العقلاء من جميع الأديان.
وأما التعارض المتوهم الظاهري بين النصوص؛ فهو واقع في أذهان بعض الناس دون بعض، وكلما زاد علم العالم؛ عَلِمَ أن التناقض غير موجود أصلًا في شرع رب العالمين، ولهذا قال ابن خزيمة: لا أعرف حديثين متضادين، فمن كان عنده؛ فليأتني به لأؤلف بينهما. (٤)
وقد اعتنى العلماء بهذا النوع، في القديم والحديث، وأصلوا فيه القواعد والضوابط،
стр. 3755
بل ودرسوا هذه النصوص دراسة تفصيلية ترد الإشكالات الواردة عليها، فمن ذلك:
١ - كتاب: (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) للشنقيطي، وهو من أجود وأوسع ما كتب في هذا الباب.
٢ - كتاب: (اختلاف الحديث) للإمام الشافعي، لكنه لم يقصد فيه الاستقصاء.
٣ - كتاب: (تأويل مختلف الحديث) لابن قتيبة.
٤ - كتاب: (مشكل الآثار) للطحاوي، وهو من أعظم ما صنف في هذا الباب.
٥ - كتاب: (مختلف الحديث بين الفقهاء والمحدثين) د/ نافذ حسين.
٦ - كتاب: (مختلف الحديث بين المحدثين والأصوليين) د/ أسامة خياط.
٧ - كتاب: (منهج التوفيق بين مختلف الحديث) د/ عبد الجيد السوسوة.
٨ - كتاب: (أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين) د/ سليمان الدبينحي.
٩ - ومنهم من لم يفرده بتصنيف، وإن بثوه في بطون كتبهم، ومن هؤلاء: ابن عبد البر، وابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب الحنبلي، وابن حجر العسقلاني وغيرهم.
الوجه الخامس: كثرة التعارضات في الكتاب المقدس
لوجود التناقضات في الكتاب المقدس دلالات كثيرة أهمها: أنه يثبت أن هذه الأسفار بشرية في مصدرها، فقد وقع كُتّابها فيما يقع فيه البشر الضعفاء الذين يتوقع منهم الجهل، ولو كانت هذه الأسفار ملهمة من قبل الله لا خالف كُتابها بعضَهم فيما أوردوه من معلومات تاريخية وغيرها.
ووقوع الخطأ من أحد التناقضين من كُتَّاب التوراة في قضايا بسيطة يسهل حفظها والتمكن منها يشير إلى إمكانية بل تحقق وقوع مثله في المسائل اللاهوتية والغيبية التي تحتاج إلى مزيد من العناية والتدقيق. (١)
* * *
стр. 3756
٢ - شبهة: خبر الواحد
مقدمة، ونص الشبهة:
تتابع أئمة الهدى وسلف الأمة الصالح من الصحابة ﵃ فمن بعدهم على الاحتجاج بالسنة وتوقيرها، والرجوع إليها في كل صغيرٍ وكبيرٍ، والحذر من مخالفتها أو تركها، أو التقدم عليها، من غير تفريق بين متواترها وآحادها، حتى شذت طوائف عبر التاريخ لم تقم للسنة وزنًا، ولم ترفع بها رأسًا، فمنهم من رفضها جملة وتفصيلًا، وأنكر أن تكون أصلًا من أصول التشريع؛ زاعمين أن في القرآن غنية لهم عن كل ما سواه، وأنه يتعذر الاطمئنان إلى الأحاديث من جهة الشك في طريقها، وأنه يجوز على رواتها الخطأ والنسيان والكذب، فقالوا بوجوب الاقتصار على القرآن، ومنهم من لجأ إلى التشكيك في بعض أنواعها، فرأى الحجية في نوع منها دون غيره، وقالوا: لا نقبل من السنة أخبار الخاصة التي تعرف عند المحدثين بأخبار الآحاد - وهي ما لم تجمع شروط التواتر - زعمًا منهم أنها لا تفيد اليقين، ورفضوا العمل والاحتجاج بها مهما كان رواتها من العدالة والضبط، ولم يعتمدوا إلا ما تواتر نقله عن النبي ﷺ ، فأسقطوا بذلك جملة من الأحاديث الصحيحة الثابتة التي تعارض ما ابتدعوه في أبواب الدين، وسدُّوا جميع الطرق أمام معرفة الله وأسمائه وصفاته، وفي مقابل ذلك أحالوا الناس على أمور وهمية، ومقدمات خيالية سموها - بزعمهم - قواطع عقلية، وبراهين يقينية، قدَّموها على الوحي، وحاكموا النصوص إليها.
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: حجية خبر الآحاد ووجوب العمل به، والرد على أدلة المنكرين.
الوجه الثاني: خبر الآحاد يفيد العلم لا الظن.
الوجه الثالث: الاحتجاج بخبر الآحاد في العقيدة.
وإليك التفصيل،
стр. 3757
الوجه الأول: حجية خبر الآحاد، ووجوب العمل به، والرد على أدلة المنكرين
وفي ذلك مسألتان:
الأولى: استدل الجمهور على حجية خبر الآحاد؛ بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
أولا: أدلة القرآن الصريحة:
١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢). والطائفة تقع على الواحد فما فوقه، فأخبر أن الطائفة تنذر قومهم إذا رجعوا إليهم، والإنذار: الإعلام بما يفيد العلم، وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ نظير قوله في آياته المتلوة والمشهودة: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿لعلهم يعقلون﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾، وهو سبحانه إنما يذكر ذلك فيما يحصل العلم، لا فيما لا يفيد العلم. (١)
وقال السرخسي: ولا يقال: الطائفة اسم للجماعة؛ لأن المتقدمين اختلفوا في تفسير الطائفة، فقال محمد بن كعب: اسم للواحد، وقال عطاء: اسم للاثنين، وقال الزهري: للثلاثة، وقال الحسن: للعشرة، فيكون هذا اتفاقًا منهم أن الاسم يحتمل أن يتناول كل واحد من هذه الأعداد، ولم يقل أحد بالزيادة على العشرة. (٢)
وقال أيضًا: (فلو لم يكن خبر الواحد حجة لوجوب العمل؛ لما وجب الإنذار بما سمع، ثم لما ثبت بالنص أنه مأمور بالإنذار؛ ثبت أنه يجب القبول منه؛ لأنه في هذا بمنزلة رسول الله ﷺ ، فإنه كان مأمورًا بالإنذار ثم كان قوله ملزمًا للسامعين، كيف وقد بين الله تعالى حكم القبول والعمل به في إشارة بقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ أي: لكي يحذروا عن الرد والامتناع عن العمل بعد لزوم الحجة إياهم، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ
стр. 3758
عَنْ أَمْرِهِ﴾ (النور: ٦٣) والأمر بالحذر لا يكون إلا بعد توجه الحجة. (١)
وقال الإمام البخاري: باب ما جاء في إجازة خير الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام، وقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة ١٢٢).
ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات: ٩).
فلو اقتتل رجلان دخل في معنى الآية. (٢)
٢ - ومنها قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: ٦)، وفي قراءة: ﴿فتَثبَّتُوا﴾.
وهذا يدل على الجزم بقبول خبر الواحد أنه لا يحتاج إلى التثبت، ولو كان خبره لا يفيد العلم؛ لأمر بالتثبت حتى يحصل العلم، ومما يدل عليه أيضًا: أن السلف الصالح، وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون: قال رسول الله ﷺ كذا وفعل كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وهذا معلوم في كلامهم بالضرورة.
وفي صحيح البخاري: قال رسول الله ﷺ في عدة مواضع -، وكثير من أحاديث الصحابة يقول فيها أحدهم: قال رسول الله ﷺ ، وإنما سمعه من صحابي غيره، وهذه شهادة من القائل، وجزم على رسول الله ﷺ بما نسبه إليه من قول أو فعل.
فلو كان خبر الواحد لا يفيد العلم لكان شاهدًا على رسول الله بغير علم.
٣ - وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: ٣٦). أي: لا تتبعه ولا تعمل به، ولم يزل المسلمون من عهد الصحابة يتناقلون أخبار الآحاد، ويعملون بها، ويثبتون لله تعالى بها الصفات، فلو كانت لا تفيد علمًا؛
стр. 3759
لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قفوا ما ليس لهم به علم.
٤ - ومنها قوله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣)، فأمر من لم يعلم أن يسأل أهل الذكر - وهم أولو الكتاب والعلم -، ولولا أن أخبارهم تفيد العلم لم يأمر بسؤال من لا يفيد خبره علما، وهو سبحانه لم يقل سلوا عدد التواتر، بل أمر بسؤال أهل الذكر مطلقا، فلو كان واحد لكان سؤاله وجوابه كافيًا.
٥ - وقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة: ٦٧).
وقول النبي: ﷺ "بلغوا عني" وقال لأصحابه في الجمع الأعظم يوم عرفة: "أنتم مسؤلون عني، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت" ومعلوم أن البلاغ هو الذي تقوم به الحجة على المبلغ، ويحصل به العلم، فلو كان خبر الواحد لا يحصل به العلم؛ لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجة الله على العبد، فإن الحجة إنما تقوم بما يحصل به العلم. (١)
فأمر ﷺ بتبلغ الدين للناس كافة وقام بذلك خير قيام، ولو كان خبر الواحد لا تقوم به الحجة؛ لتعذر وصول الشريعة إلى كافة الناس، ولما حصل البلاغ، ومعلوم أن التبليغ باق إلى يوم القيامة، والحجة قائمة على العباد.
٦ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ (آل عمران: ١٨٧).
ووجه الاستدلال: (أخبر الله تعالى أنه أخذ الميثاق والعهد من الذين أوتوا الكتاب ليبينوه للناس، ولا يكتموه عنهم فكان هذا أمرًا بالبيان لكل واحد منهم، ونهيًا له عن الكتمان؛ لأنهم إنما يكلفون بما في وسعهم، وليس في وسعهم أن يجتمعوا ذاهبين إلى كل
стр. 3760
واحد من الخلق شرقا وغربا بالبيان، فيتعين أن الواجب على كل واحد منهم أداء ما عنده من الأمانة والوفاء بالعهد ... ) (١)
٧ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ (البقرة: ١٥٩).
أوعد على كتمان الهدى فيجب على من سمع من النبي ﷺ إظهاره، فلو لم يجب علينا قبوله؛ لكان الإظهار كعدمه (٢).
٨ - قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: ١٤٣)، وقوله: ﴿وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (الحج: ٧٨).
وجه الاستدلال: أنه تعالى أخبر أن جعل هذه الأمة عدولًا خيارًا؛ ليشهدوا على الناس بأن رسلهم قد بلغوهم عن الله رسالته، وأدوا عليهم ذلك، وهذا يتناول شهادتهم على الأمم الماضية، وشهادتهم على أهل عصرهم ومن بعدهم أن رسول الله ﷺ أمرهم بكذا، ونهاهم عن كذا، فهم حجة الله على من خالف رسول الله ﷺ ، وزعم أنه لم يأتهم من الله ما تقوم به عليه الحجة، وتشهد هذه الأمة الوسط عليه بأن حجة الله بالرسل قامت عليه، ويشهد كل واحد بانفراده بما وصل إليه من العلم الذي كان به من أهل الشهادة، فلو كانت أحاديث رسول الله ﷺ لا تفيد؛ لم يشهد به الشاهد، ولم تقم به الحجة على المشهود عليه.
٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ (الزخرف: ٨٦) وهذه الأخبار التي رواها الثقات الحفاظ عن رسول الله ﷺ إما أن تكون حقًّا، أو باطلًا، أو مشكوكًا فيها، لا يدري هل هي حق أو باطل! فإن
стр. 3761
كانت باطلًا، أو مشكوكًا فيها؛ وجب اطراحها، وأن لا يلتفت إليها، وهذا انسلاخ من الإسلام بالكلية، وإن كانت حقًّا؛ فيجب الشهادة بها على البت أنها عن رسول الله ﷺ ، وكان الشاهد بذلك شاهدًا بالحق، وهو يعلم صحة المشهود به. (١)
١٠ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: ٢٤) ووجه الاستدلال أن هذا أمر لكل مؤمن بلغته دعوة الرسول ﷺ إلى يوم القيامة، ودعوته نوعان: مواجهة، ونوع بواسطة المبلغ، وهو مأمور بإجابة الدعوتين في الحالتين، وقد علم أن حياته في تلك الدعوة والاستجابة لها، ومن الممتنع أن يأمره الله تعالى بالإجابة لما لا يفيد علمًا، أويحييه بما لا يفيد علمًا، أو يتوعده على ترك الاستجابة لما لا يفيد علمًا بأنه إن لم يفعل؛ عاقبه وحال بينه وبين قلبه.
١١ - قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣) وهذا يعم كل مخالف بلغه أمره ﷺ إلى يوم القيامة ولو كان ما بلغه لم يفده علمًا؛ لما كان متعرضًا بمخالفة ما لا يفيد علمًا للفتنة والعذاب الأليم، فإن هذا إنما يكون بعد قيام الحجة القاطعة التي لا يبقى معها لمخالف أمره عذر.
١٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وإلى قوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (النساء: ٥٩).
ووجه الاستدلال: أنه أمر أن يرد ما تنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله، هو الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته، فلولا أن المردود إليه يفيد العلم وفصل النزاع؛ لم يكن في الرد إليه فائدة، إذ كيف يرد حكم المتنازع فيه إلى ما لا يفيد علمًا البتة ولا يدري حق هو أم باطل! وهذا برهان قاطع بحمد الله؛ فلهذا
стр. 3762
قال من زعم أن أخبار رسول الله ﷺ لا تفيد علمًا: أنا نرد ما تنازعنا فيه إلى العقول والآراء والأقيسة فإنها تفيد العلم.
١٣ - قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (المائدة: ٤٩)، ووجه الاستدلال: أن كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما أنزل الله، وهو ذكر من الله أنزله على رسوله، وقد تكفل سبحانه بحفظه، فلو جاز على حكمه الكذب والغلط والسهو من الرواة، ولم يقم دليل على غلطه وسهو ناقله؛ لسقط حكم ضمان الله وكفالته لحفظه، وهذا من أعظم الباطل، ونحن لا ندعي عصمة الرواة بل نقول: إن الراوي إذا كذب أو غلط أو سها؛ فلا بد أن يقوم دليل على ذلك، ولا بد أن يكون في الأمة من يعرف كذبه وغلطه؛ ليتم حفظه لحججه وأدلته، ولا تلتبس بما ليس منها، فإنه من حكم الجاهلية، بخلاف من زعم أنه يجوز أن تكون كل هذه الأخبار والأحكام المنقولة إلينا آحادًا كذبًا على رسول الله ﷺ ، وغايتها أن تكون كما قاله من لا علم عنده: إن نظن إلا ظنًا وما نحن بمستيقنين. (١)
١٤ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (النساء: ١٣٥).
ووجه الاستدلال: أنه أمر بالقيام بالقسط والشهادة لله، ومن أخبر عن الرسول ﷺ بما سمعه؛ فقد قام بالقسط وشهد لله، وكان ذلك واجبا عليه بالأمر، وإنما يكون واجبًا لو كان القبول واجبًا، وإلا كان وجوب الشهادة كعدمها، وهو ممتنع. (٢)
ثانيًا: مواقف الأنبياء في القرآن:
стр. 3763
كما حكى الله تعالى عن بعض أنبيائه ورسله السابقين ما يدل على قبولهم لخبر الواحد، والعمل بمضمونه:
١ - فموسى ﵇ قبل خبر الرجل الذي جاء من أقصا المدينة يسعى قائلًا له: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فجزم بخبره وخرج هاربًا، وقبل خبر بنت صاحب مدين لما قالت له: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (القصص: ٢٥). وقبل خبر أبيها في دعواه أنهما ابنتاه، فتزوج إحداهما بناء على خبره.
٢ - وقبل يوسف ﵇ خبر الرسول الذي جاءه من عند الملك وقال له: ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٠).
وثبت أن النبي ﷺ قال: "ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف؛ لأجبت الداعي". (١)
ثالثا: الأدلة من السنة:
١ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نضر الله امرأ سمع منا شيئًا فبلغه كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع." (٢)
قال الشافعي: فلما ندب رسول الله إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرأ يؤديها - والامرئ واحد (٣) - دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه؛ لأنه إنما يؤدي عنه حلال، وحرام يجتنب، وحد يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا. (٤)
٢ - وعن عبيد الله بن أبي رافع يخبر عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما نهيت عنه، أو أمرت به فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه".
стр. 3764
قال الشافعي ﵀: (وفي هذا تثبيت الخبر عن رسول الله، وإعلامهم أنه لازم لهم، وإن لم يجدوا له نص حكم في كتاب الله، وهو موضوع). (١)
٣ - وحديث مالك بن الحويرث، حين وفد مع بعض قومه إلى النبي ﷺ وفيه قال: "إذا حضرت الصلاة؛ فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم". (٢)
٤ - وحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن بليل، ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم" (٣)
وفي رواية لابن عمر: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" (٤).
ففي هذه الأحاديث: الأمر بتصديق المؤذن، والعمل بخبره في دخول وقت الصلاة، والإفطار والإمساك مع أنه واحد، ولم يزل المسلمون في كل زمان ومكان يقلدون المؤذنين، ويعملون بآذانهم في هذه العبادات، وهو من أوضح الأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد.
واشتهر بعثه ﷺ الآحاد من صحابته، واعتماده على أخبارهم وعمله بموجبها.
٦ - عن أبي هريرة، وزيد بن خالد في قصة العسيف، وفيه قال ﷺ : "واغد يا أنيس -لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها (٥) "، فاعتمد ﷺ خبره في اعترافها، مع ما فيه من إقامة حد، وقتل نفس مسلمة.
٧ - وفي يوم الأحزاب اكتفى النبي ﷺ بخبر الزبير - وهو واحد - حين قال: "من يأتيني بخبر القوم؟ (٦).
стр. 3765
٨ - وتواتر عنه ﷺ أنه كان يبعث الآحاد إلى الجهات القريبة والبعيدة، ويحملهم أمور الدعوة والتبليغ، وتعليم الناس أحكام الإسلام وشرائعه، والنيابة عنه في الفتوى والقضاء، والفصل في الخصومات.
- فمن ذلك ما رواه الشافعي بإسناد صحيح، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أمه قالت: بينما نحن بمنى إذا علي بن أبي طالب على جمل يقول: إن رسول الله ﷺ يقول: "إن هذه أيام طعام وشراب؛ فلا يصومن أحد" (١).
- وحديث يزيد بن شيبان قال: كنا وقوفًا بعرفة، مكانًا بعيدًا من الموقف الإمام، فأتانا ابن مربع الأنصاري قال: "إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم ﵇" (٢).
- وقال لأهل نجران: "لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حق أمين"، فاستشرف له الناس فبعث أبا عبيدة ﵁ (٣).
قال الشافعي: وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار، وفقه، وقد كانوا على قبلة فرض الله عليهم استقبالًا، ولم يكن لهم أن يدعوا فرض الله في القبلة إلا بما تقوم عليهم الحجة، ولم يلقوا رسول الله، ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه في تحويل القبلة؛ فيكونون مستقبلين بكتاب الله، وسنة نبيه، سماعًا من رسول الله ولا بخبر عامة، وانتقلوا بخبر واحد إذا كان عندهم من أهل الصدق عن فرض كان عليهم، فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي أنه حدث عليهم من تحويل القبلة، ولم يكونوا ليفعلوه إن شاء الله بخبر إلا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله، إذا كان من أهل الصدق.
стр. 3766
ولا ليحدثوا أيضًا مثل هذا العظيم في دينهم إلا عن علم بأن لهم إحداثه، ولا يَدَعُونَ أن يخبروا رسول الله بما صنعوا منه، ولو كان ما قبلوا من خبر الواحد عن رسول الله في تحويل القبلة - وهو فرض - مما يجوز لهم؛ لقال لهم - إن شاء الله - رسول الله قد كنتم على قبلة، ولم يكن لكم تركها إلا بعد علم تقوم عليكم به حجة من سماعكم مني، أو خبر عامة، أو أكثر من خبر واحد عني (١).
* وحديث أنس ﵁ قال: "كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة، وأبي بن كعب شرابًا من فضيخ، فجاءهم آت، فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها" (٢).
قال الشافعي: وهؤلاء في العلم والمكان من النبي، وتقدم صحبته بالموضع الذي لا ينكره عالم، وقد كان الشراب عندهم حلالًا يشربونه، فجاءهم آت وأخبرهم بتحريم الخمر؛ فأمر أبو طلحة - وهو مالك الجرار - بكسر الجرار، ولم يقل هو، ولا هم، ولا واحد منهم: نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله مع قربه منا، أو يأتينا خبر عامة، وذلك أنهم لا يهريقون حلالًا إهراقه سرف، وليسوا من أهله، والحال في أنهم لا يدعون إخبار رسول الله ما فعلوا، ولا يدع، لو كان قبلوا من خبر الواحد ليس لهم أن ينهاهم عن قبوله. (٣)
* وكذلك قضاء عمر ﵁ في الجنين حين قال لأصحابه: "أُذكر الله امرءًا سمع من النبي ﷺ في الجنين شيئًا، فقام حمل بن مالك فقال: "كنت بين جارتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنينًا ميتًا، فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرة، فقال عمر: لو لم نسمع به لقضينا بغيره.
стр. 3767
* ورجوعه بالناس حين خرج إلى الشام، فبلغه أن الوباء قد وقع بها، لما أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتم به ببلدة؛ فلا تقدموا عليه" (١).
* وقبل خبر عبد الرحمن أيضًا في أخذ الجزية من مجوس هجر، بعد أن قال: (ما أدري: كيف أصنع في أمرهم؟ (٢)
قال ابن عبد البر: وفيه إيحاب العمل بخبر الواحد العدل، وأنه حجة يلزم العمل بهما، والانقياد إليها، ألا ترى أن عمر ﵁ قد أشكل عليه أمر المجوس، فلما حدَّثه عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ ؛ لم يحتج إلى غير ذلك، وقضى به) (٣).
وأخذ عثمان ﵁ بخبر الفريعة بنت مالك في السكنى، بعد أن أرسل إليها وسألها (٤).
وعلي ﵁ كان يقول: "كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا؛ ينفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف؛ صدقته، وإن أبا بكر حدثني، وصدق أبو بكر." (٥)
ولما اختلفت الأنصار في الغسل من المجامعة من غير إنزال؛ أرسلوا أبا موسى الأشعري إلى عائشة ﵂ فروت لهم عن النبي ﷺ : "إذا مس الختان الختان؛ فقد وجب الغسل" (٦) فرجعوا إلى قولها.
وعن علي ﵁ قال: "كنت رجلًا مذاءً، فأمرت المقداد أن يسأل النبي ﷺ ؛ فسأله فقال: فيه الوضوء" (٧).
стр. 3768
وعمل الصحابة كلهم بحديث أبي بكر ﵁: "الأئمة من قريش" (١) وبحديث: "يقبر النبي حيث يموت" (٢).
وكان زيد بن ثابت ﵁ يرى: أن لا تصدر الحائض حتى تطوف بالبيت؛ فقال له ابن عباس: "سل فلانة الأنصارية: هل أمرها النبي ﷺ بذلك؟ فأخبرته؛ فرجع زيد عن رأيه" (٣).
ورجع ابن عمر- ﵄ إلى حديث رافع بن خديج في المخابرة. (٤)
وعن ابن عمر- ﵄ أن سعدًا حدثه: (أن النبي ﷺ مسح على الخفين؛ فسأل ابن عمر أباه فقال: نعم، إذا حدثك سعد عن النبي ﵁؛ فلا تسأل عنه غيره" (٥).
[رابعا] [*]: أقوال العلماء:
- ولم يزل سبيل السلف الصالح ومن بعدهم قبول خبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ والاحتجاج به، حتى جاء التكلمون فخالفوا ذلك.
١ - قال الإمام الشافعي: "وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث يكفي بعض هذا منها، ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذا السبيل، وكذلك حكي لنا عمن حكي لنا عنه من أهل العلم بالبلدان، ... ، ومحدِّثي الناس، وأعلامهم بالأمصار كلهم يحفظ عنه تثبيت خبر الواحد عن رسول الله ﷺ ، والانتهاء إليه، والإفتاء به، ويقبله كل واحد منهم عن من فوقه، ويقبله عنه من تحته، ولو جاز لأحدٍ من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون - قديمًا وحديثًا - على تثبيت خبر الواحد، والانتهاء إليه بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته؛ جاز لي" (٦).
стр. 3769
٢ - وقال أيضًا: لم أسمع أحدًا - نسبه الناس، أو نسب نفسه إلى علم - يخالف في أن فرض الله اتباع أمر رسول الله ﷺ ، والتسليم لحكمه؛ فإن الله لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض الله تعالى علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله ﷺ واحد لا يختلف؛ في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله ﷺ ، إلا فرقة سأصف قولها - إن شاء الله تعالى -" (١).
٣ - قال الإمام ابن حبان: فأما الأخبار فإنها كلها أخبار آحاد، إلى أن قال: وأن من تنكب عن قبول أخبار الآحاد؛ فقد عمد إلى ترك السنن كلها؛ لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد (٢).
٤ - وقال ابن حجر: وقد شاع فاشيًا عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد، من غير نكير؛ فاقتضى الاتفاق منهم على القبول. (٣)
٥ - وقال النووي: ولم تزل الخلفاء الراشدون، وسائر الصحابة، فمن بعدهم من السلف والخلف على امتثال خبر الواحد إذا أخبرهم بسنة، وقضائهم به، ورجوعهم إليه في القضاء والفتيا، ونقضهم به ما حكموا به على خلافه، وطلبهم خبر الواحد عند عدم الحجة ممن هو عنده، واحتجاجهم بذلك على من خالفهم، وانقياد المخالف لذلك. (٤)
وبهذا يتضح - بما لا يدع مجالًا للشك - حجية أخبار الآحاد، ولزوم العمل بها في أمور الدين كله متى ما ثبتت عن الصادق المصدوق ﷺ ، وأن القول بعدم حجيتها قول باطل لا يعرف إلا عن أهل البدع ومن تبعهم، ولو ترك الاحتجاج بها؛ لهجرت السنة، وتهاوت أركان الشريعة، واندثر الحق.
стр. 3770
المسألة الثانية: أدلة المنكرين لخبر الواحد:
وقد تعلق المنكرون لحجية خبر الواحد بعدد من الأدلة، التي زعموا أنها تؤيد ما ذهبوا إليه في ردِّهم لخبر الواحد، وعدم قبوله.
١ - من ذلك قصة ذي اليدين الثابتة في الصحيح، حين توقف النبي ﷺ في قبول خبر
ذي اليدين لما سلَّم على رأس الركعتين في صلاة العشاء فقال له ذو اليدين: (أقصرت فيلصلاة أم نسيت؟ )، قالوا: فلم يقبل خبره حتى أخبره أبو بكر، وعمر، ومن كان في الصف بصدقه، فأتمَّ ﵊ صلاته، وسجد للسهو، ولو كان خبر الواحد حجة؛ لأتمَّ ﷺ صلاته من غير توقف، ولا سؤال.
٢ - ثم قالوا: وقد روي عن عدد من الصحابة عدم العمل بخبر الآحاد، فقد ثبت أن أبا بكر ردَّ خبر المغيرة بن شعبة في ميراث الجدَّة، حتى انضم إليه خبر محمد بن مسلمة، وثبت أن عمر ردَّ خبر أبي موسى في الاستئذان، حتى انضم إليه أبو سعيد، وكان علي لا يقبل خبر أحد حتى يحُلِّفه سوى أبي بكر، وردَّت عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله، إلى غير ذلك من الروايات.
الرد على هذه الشبهات:
وكلُّ ما ذكروه من شبه في الحقيقة ليس فيها دليل على ما ذهبوا إليه من عدم الاحتجاج بخبر الواحد، والإجابة عنها في غاية الوضوح لمن كان يعقل.
أولًا: فأما توقف النبي ﷺ في خبر ذي اليدين، فلأنه توهم غلطه حيث استبعد أن ينفرد بمعرفة هذا الأمر دون من حضره من الجمع الكثير، ولذا قال له ﷺ : "لم أنس، ولم تقصر الصلاة؟ "، وكان هذا اعتقاده ﷺ ، ولا يُكَلَّف الإنسان بقبول خبرٍ مع اعتقاده خطأه، فلما وافقه غيره؛ ارتفع احتمال الوهم عنه، فَقَبِلَه ﷺ ، وعمل بموجب الخبر عندما تبين له عدم الوهم، وبعبارة أخرى: كان يقين ذي اليدين معارضًا ليقين النبي ﷺ ، ولا يمكن تقديم أحدهما إلا بمرجح خارجي، وهو شهادة الصحابة الباقين.
стр. 3771
ورد الصحابة له أسباب:
١ - إما للتثبت: كما رد عمر بن الخطاب أبا موسى، فقد أخبره أنه أراد التثبت.
٢ - وإما لأن الصحابي رأى أن الخبر يعارض دليلًا قطعيا: كما في إنكار عائشة على ابن عمر ﵁ حديثه: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فقالت: حسبكم القرآن ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: ١٦٤).
٣ - وإما أظنه عدم ضبط الراوي أو خطئه، مثل رد عمر.
ثانيًا: وأمَّا ما أوردوه من أن عددًا من الصحابة لم يعمل بخبر الآحاد، فإن الثابت الذي لا شك فيه أن الصحابة ﵁ مجمعون على العمل بحديث رسول الله ﷺ آحادًا كان أو غير آحاد -، فإذا روي عنهم التوقف في بعض الأخبار؛ فإن ذلك لا يدل على عدم الاحتجاج والعمل به، بل قد يكون لغرض آخر كطروء ريبة، أو احتمال الوهم، أو سدِّ ذريعة، أو مزيد رغبة في التثبت والاحتياط، إلى غير ذلك من الأغراض.
فردُّ أبي بكر ﵁ لخبر المغيرة في ميراث الجدَّة لم يكن ردًّا منه لخبر الآحاد، ولكنه توقف فيه إلى أن يأتي ما يؤيده ويزيده تثبتًا من وجود هذا التشريع في الإسلام، وهو إعطاء الجدَّة السدس، خصوصًا وأنه لم ينص عليه في القرآن؛ فكان لا بد للعمل به وإقراره من زيادة في التثبت والاحتياط، فلما شهد محمد بن مسلمة أنه سمع ذلك من النبي ﷺ لم يتردد أبو بكر في العمل بخبر المغيرة، ومع أن شهادة محمد بن مسلمة لم ترفع الخبر عن كونه آحادًا؛ إلا أن أبا بكر لم يتردد في قبوله، والعمل به.
- وأما ردُّ عمر ﷺ لخبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان؛ فإن أبا موسى أخبره بالحديث عقب إنكاره عليه، فأراد عمر التثبت والاحتياط في الرواية؛ سدًّا للذريعة، لئلا يفضي ذلك إلى التوسع في الحديث عن رسول الله، خصوصًا ممن نشأ حديثًا في الإسلام أو دخل فيه، ولذلك قال عمر لأبي موسى: (أما إني لم أتَّهِمك، ولكنه الحديث عن رسول الله ﷺ ).
стр. 3772
ومثل ما قيل في قصة أبي بكر يقال في قصة عمر ﵁، فلم تخرج رواية أبي موسى عن كونها آحادًا، حتى بعد أن انضم إليه أبو سعيد، إلا أن عمر ﵁ أراد أن يعطي درسًا في التثبت والاحتياط.
- وقد قبل عمر ﵁ أخبارًا أخرى وقد سبق نقلها في مبحث (فعل الصحابة).
- ومثل ذلك يقال في كل ما ورد من هذا القبيل، فالصحابة إذًا لم يتوقفوا في الاحتجاج بخبر الآحاد، والعمل به، بل أجمعوا على قبوله كما سبق، وتوقُّفِ بعضهم أحيانًا لبعض الأسباب ليس توقفًا عن العمل به، قال الآمدي: (وما ردوه من الأخبار أو توقفوا فيه إنما كان لأمور اقتضت ذلك من وجود معارض، أو فوات شرط، لا لعدم الاحتجاج بها في جنسها، مع كونهم متفقين على العمل بها) (١) والله الموفق.
الوجه الثاني: خبر الواحد يفيد العلم
تمهيد: اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في خبر الواحد العدل إذا أخبر بخبر، ماذا يفيد خبره؟ العلم أم الظن؟ على ثلاثة أقوال:
الأول: يفيد العلم مطلقًا في جميع الأخبار الثابتة الصحيحة، ولم يخصه بواحد معين.
الثاني: يفيد الظن.
الثالث: يفيد الظن، لكن قد يفيد العلم إذا احتفت به القرائن كأخبار الصحيحين.
وقبل ذكر الراجح من هذه الأقوال وأدلته، أريد أن أحرر محل النزاع.
تحرير محل النزاع:
١ - الخبر الذي تلقاه الأئمة بالقبول تصديقًا له، أو عملًا بموجبه، يفيد العلم عند جماهير الخلف والسلف، وهذا في معنى المتواتر (٢).
٢ - خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه، فإنه يفيد العمل؛ لأن الإجماع عليه قد صيره من المعلوم صدقه، وإجماع الأمة معصوم من الخطأ؛ لأنها لا تجتمع على ضلالة (٣).
стр. 3773
٣ - الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم النظري، وقد ذكر ابن حجر أنواع هذه القرائن، فقال:
أ - منها: ما أخرجه الشيخانِ في صحيحيهما، مما لم يبلغ التواتر، فإنه احتفَّتْ به قرائنُ، منها:
- جلالتهما في هذا الشأن.
- وتقدُّمهما في تمييز الصحيح على غيرهما.
- وتلقِّي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقِّي وحده أقوى في إفادة العِلْم مِن مجردِ كثرةِ الطرق القاصرة عن التواتر.
ب- ومنها: المشهور إذا كانت له طرقٌ متباينةٌ سالمةٌ مِن ضعف الرواة والعلل.
جـ - ومنها: المسَلْسَلُ بالأئمةِ الحفاظِ المتقنين، حيث لا يكونُ غريبًا، كالحديث الذي يرويه أحمدُ بن حنبل، مثلًا، ويشاركه فيه غيره عن الشافعي، ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس، فإنه يفيد العلمَ عند سامعِه بالاستدلال مِن جهةِ جَلالةِ رواتِهِ، وأنَّ فيهم مِن الصفاتِ اللائقةِ الموجِبةِ للقبولِ ما يقوم مقام العدد الكثير مِن غيرهم، ولا يتشكك مَنْ له أدنى ممارسةٍ بالعلم، وأخبار الناس أنّ مالكًا - مثلًا - لو شافهه بخبرٍ أنه صادق فيه، فإذا انضاف إليه مَن هو في تلك الدرجة ازداد قوةً، وبَعُدَ ما يُخْشَى عليه مِن السهو. (١)
محل الخلاف:
وبعد نقل ما سبق يتبين لنا محل الخلاف في إفادة خبر الواحد العلم، أو الظن إنما هو في الخبر الذي لم ينضم إليه ما يقويه من القرائنن ولم تتلقه الأمة بالقبول، ولم ينعقد الإجماع على العمل بمقتضاه.
فمثل هذه الأخبار هي التي جرى فيها الخلاف.
القول الراجح:
خبر الواحد يفيد العلم بنفسه.
стр. 3774
وهو قول أكثر المحدثين، وجمهور أهل الظاهر، ورواية عن الإمام أحمد، وحكاه ابن حزم عن داود، والحسين بن علي، والحارث المحاسبي، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك.
قال ابن القيم: (فممن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم: مالك، والشافعي، وأصحاب أبي حنيفة .. ). (١)
أدلة هذا القول:
لقد ذكر ابن القيم ما يقرب من عشرين دليلًا، وبعضها يشترك مع أدلة المسألة الأولى، فنذكر الآن بعضا منها ونضيف عليها غيرها -إن شاء الله-.
أولًا: من القرآن الكريم:
١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة: ٦٧). وقال النبي ﷺ : "بلغوا عني، ولو آية" (٢).
وجه الدلالة: أن البلاغ هو الذي تقوم به الحجة على المبلغ ويحصل به العلم، فلو كان خبر الواحد لا يحصل به العلم؛ لم يقع به التبليغ الذي تقوم به حجة الله على العبد؛ فإن الحجة إنما تقوم بما يحصل به العلم. (٣)
٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ (التوبة: ١٢٢).
وجه الدلالة: أن الطائفة تقع على الواحد فما فوقه، فأخبر أن الطائفة تنذر قومهم إذا رجعوا إليهم، والإنذار الإعلام بما يفيد العلم. (٤)
стр. 3775
٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (النجم: ٣).
وجه الدلالة: أنه نهى عن اتباع غير العلم، وذم على اتباع الظن، ولم يزل المسلمون من عهد الصحابة يقفون أخبار الآحاد، ويعملون بها ويثبتون لله تعالى بها الصفات، فلو كانت لا تفيد علمًا؛ لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قفو ما ليس لهم به علم. (١)
٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (النجم: ٣، ٤)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (الحجر: ٩).
وجه الدلالة: صح أن كلام رسول الله ﷺ كله في الدين وحي من عند الله ، لا شك في ذلك، ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة، والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه، فمضمون ألا يضيع منه، وألا يحرف منه شيء أبدًا تحريفًا لا يأتي البيان ببطلانه؛ إذ لو جاز غير ذلك لكان كلام الله تعالى كذبًا. (٢)
٥ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤).
وجه الدلالة: (فصح أنه ﷺ مأمور ببيان القرآن للناس، وفي القرآن مجمل كثير: كالصلاة، والزكاة، والحج، وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه، لكن ببيان رسول الله ﷺ ، فإذا كان بيانه ﷺ لذلك المجمل غير محفوظ ولا مضمون سلامته مما ليس منه؛ فقد بطل الانتفاع بنص القرآن، فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه، فإذا لم ندر صحيح مراد الله تعالى منها، فما أخطأ فيه المخطئ أو تعمد فيه الكذب الكاذب، ومعاذ الله من هذا) (٣).
٦ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
стр. 3776
وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ٣٣).
وجه الدلالة: أن الله تعالى افترض علينا العمل بخبر الواحد الثقة عن مثله مبلغًا إلى رسول الله ﷺ ، وأن نقول أمر رسول الله ﷺ بكذا، وقال ﷺ كذا، وفعل ﷺ كذا، وحرم القول في دينه بالظن، وحرم تعالى أن نقول عليه إلا بعلم.
فلو كان الخبر المذكور يجوز فيه الكذب أو الوهم؛ لكنا قد أمرنا الله تعالى بأن نقول عليه ما لا نعلم، ولكان تعالى قد أوجب علينا الحكم في الدين بالظن الذي لا نتيقنه، والذي هو الباطل الذي لا يغني من الحق شيئًا، والذي هو غير الهدى الذي جاءنا من عند الله تعالى، وهذا هو الكذب والإفك والباطل الذي لا يحل القول به، والذي حرم الله تعالى علينا أن نقول به، وبالتخرص المحرم فصح يقينا أن الخبر المذكور حق مقطوع على غيبه، موجب للعلم والعمل معًا، وبالله تعالى التوفيق. (١)
ثانيًا: بالإضافة إلى ما سبق من الأدلة في مسألة الاحتجاج بخبر الواحد، أضيف هنا أدلة أخرى:
- بعثه ﷺ معاذا إلى اليمن قائلًا له: "إنك تأتي قومًا أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم ... ". (٢)
ووجه الدلالة: أن رسول الله ﷺ وجَّه رجلًا واحدًا يبلغ شرائع الإسلام، وقد قامت الحجة على أهل الكتاب بهذا الرجل، فلو كان مثل هذا البلاغ لا يفيد علمًا؛ لم تكن الحجة على أي إنسان يبلغه عن الله تعالى، أو عن رسول ﷺ فيرده.
وأيضًا ما تواتر من بعث النبي ﷺ أمراءه وسعاته إلى البلاد المفتوحة؛ لتعليم أهلها الدين، وأحكام الشرع؛ ولأخذ الزكاة، ومعلوم أنه ﷺ لم يبعث إلا من تقوم به الحجة، فكانوا يقبلون من كل واحد منهم ما يعلمهم من القرآن وأحكام الدين، ولا خلاف أن
стр. 3777
رسول الله ﷺ بعث من بعث من رسله إلى الآفاق؛ لينقلوا عنه القرآن والسنة والشرائع، ومعلوم أن أهم أمور الدين هي العقائد، فهي أول شيء كان الرسل يدعون الناس إليها؛ فدل كل هذا على أن خبر الواحد من الصحابة يفيد العلم عند مستمعيه، ولم ينقل أن أحدا رد خبرهم بحجة أنه خبر آحاد. (١)
فإن خبر العدل الواحد المتلقى بالقبول لو لم يفد العلم؛ لم تجز الشهادة على الله ورسوله بمضمونه، ومن المعلوم المتيقن: أن الأمة من عهد الصحابة، إلى الآن، لم تزل تشهد على الله وعلى رسوله بمضمون هذه الأخبار، جازمين بالشهادة في تصانيفهم وخطابهم، فيقولون شرع الله كذا وكذا على لسان رسوله ﷺ ، فلو لم يكونوا عالمين بصدق تلك الأخبار، جازمين بها، لكانوا قد شهدوا بغير علم، وكانت شهادة الزور من سادات الأمة وعلمائها (٢).
إن هؤلاء المنكرين لإفادة أخبار النبي ﷺ العلم، يشهدون شهادة جازمة قاطعة على أئمتهم بمذاهبهم وأقوالهم أنهم قالوا، ولو قيل لهم: إنها لم تصح عنهم؛ لأنكروا ذلك غاية الإنكار، وتعجبوا من جهل قائله، ومعلوم أن تلك المذاهب لم يروها عنهم إلا الواحد والاثنان والثلاثة ونحوهم، لم يروها عنهم عدد التواتر، وهذا معلوم يقينًا، فكيف حصل لهم العلم الضروري، والمقارب للضروري، بأن أئمتهم ومن قلدوهم دينهم أفتوا بكذا، وذهبوا إلى كذا، ولم يحصل لهم العلم بما أخبر به أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وسائر الصحابة عن رسول الله ﷺ ، ولا بما رواه عنهم التابعون، وشاع في الأمة وذاع، وتعددت طرقه وتنوعت، وكان حرصه عليه أعظم بكثير من حرص أولئك على أقوال متبوعيهم؟ إن هذا لهو العجب العجاب!
وهذا - وإن لم يكن نفسه دليلًا - يلزمهم أحد أمرين:
١ - إما أن يقولوا أخبار رسول الله ﷺ ، وفتاواه، وأقضيته تفيد العلم.
стр. 3778
٢ - وإما أن يقولوا أنهم لا علم لهم بصحة شيء مما نقل عن أئمتهم، وأن النقول عنهم لا تفيد علمًا.
وأما أن يكون ذلك مفيدًا للعلم بصحته عن أئمتهم دون المنقول عن رسول الله ﷺ ؛ فهو من أبين الباطل (١).
الوجه الثالث: الاستدلال بخبر الواحد في العقيدة .
تمهيد:
قولهم: إنَّ أخبار الآحاد لا يحتج بها في باب العقيدة؛ لأنها لا تفيد اليقين، وإنما تفيد الظن.
كم أساءت هذه المقولة الباطلة إلى الإسلام، وكم أهانت من حديث عظيم من أحاديث رسول الله واستخفت به، وامتدت هذه القاعدة إلى جحود وإنكار قضايا عقدية تبلغ أدلتها حد التواتر، مثل: أحاديث نزول عيسى، وخروج الدجال، وطلوع الشمس من مغربها، وأحاديث المهدي، وغيرها مما يؤدي إنكاره إلى هدم عقيدة الإسلام من أساسها، بل بعضها تطابقت في الدلالة عليها نصوص الكتاب والسنّة، مثل: رؤية الله في الدار الآخرة (٢).
وقد قام الشيخ الألباني ﵀ بالرد الجيد على هذه الشبهة في رسالته القيمة: وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة، والرد على شبه المخالفين، فبالإضافة إلى ما سبق من أدلة إثبات حجية خبر الواحد، وأنه يفيد العلم لا الظن؛ سنحاول بإذن الله أن نختصر الأوجه التي ذكرها الشيخ مع تصرف يسير:
الوجه الأول: أنه قول مبتدع محدث، لا أصل له في الشريعة الإسلامية الغراء، وهو غريب عن هدي الكتاب والسنة، ولم يعرفه السلف الصالح ﵁.
стр. 3779
الوجه الثاني: أن هذا القول يتضمن عقيدة تستلزم رد مئات الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ؛ لمجرد كونها في العقيدة، وإذا كان الأمر كذلك؛ فنحن نطالبهم ونخاطبهم بما يعتقدونه، فنقول لهم: أين الدليل القاطع على صحة هذه العقيدة لديكم من آية أو حديث متواتر، قطعي الثبوت، قطعي الدلالة أيضا، بحيث إنه لا يحتمل التأويل؟
الوجه الثالث: أن هذا القول مخالف لجميع أدلة الكتاب والسنة التي نحتج نحن وإياهم جميعًا بها على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في الأحكام الشرعية، وذلك لعمومها، وشمولها لما جاء به رسول الله ﷺ عن ربه، سواء أكان عقيدة، أو حكمًا (١).
الوجه الرابع: أن هذا القول المذكور ليس فقط لم يقل به الصحابة، بل هو مخالف لما كانوا عليه ﵃، فقد كان الواحد منهم إذا حدث بحديث لا يقول لمن حدثه: خبرك خبر واحد لا يفيد العلم حتى يتواتر! .... وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثًا في الصفات مثلًا تلقاه بالقبول، واعتقد تلك الصفة على القطع واليقين، كما اعتقد رؤية الرب، وتكليمه، ونداءه يوم القيامة بالصوت الذي يسمعه البعيد كما يسمعه القريب، ونزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة، وغيرها.
الوجه الخامس: نعلم يقينًا أن النبي ﷺ كان يبعث أفرادًا من الصحابة إلى مختلف البلاد؛ ليعلموا الناس دينهم، كما أرسل عليًا، ومعاذًا، وأبا موسى في نوبات مختلفة، ونعلم يقينا أن أهم شيء في الدين إنما هو العقيدة، فهي أول شيء كان أولئك الرسل يدعون إليه، كما قال رسول الله ﷺ لمعاذ: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ﷻ (وفي رواية: فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله) فإذا عرفوا الله؛ فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات ... " (٢)
стр. 3780
فقد أمره ﷺ أن يبلغهم قبل كل شيء عقيدة التوحيد، وأن يعرفهم بالله ﷻ ، وما يجب له، وما ينزه عنه. ومن لم يسلم بما ذكرنا؛ لزمه أحد أمرين، لا ثالث لهما:
- إما القول بأن رسله ﵈ ما كانوا يعلمون الناس العقيدة؛ لأن النبي ﷺ لم يأمرهم بذلك، وإنما أمرهم بتبليغ الأحكام فقط! وهذا باطل بالبداهة، مع مخالفته لحديث معاذ المتقدم.
- وإما أنهم كانوا مأمورين بتبليغها، وأنهم فعلوا ذلك، فبلغوا الناس كل العقائد الإسلامية، ومنها هذا القول المزعوم: (لا تثبت العقيدة بخبر الآحاد)؛ فإنه في نفسه عقيدة - كما سبق -، وعليه: فقد كان هؤلاء الرسل رضوان الله عليهم يقولون للناس: آمنوا بما نبلغكم إياه من العقائد، ولكن لا يجب عليكم أن تؤمنوا بها لأنها أخبار آحاد! ! وهذا باطل أيضًا كالذي قبله، وما لزم منه باطل؛ فهو باطل.
الوجه السادس: أن هذا القول يستلزم تفاوت المسلمين فيما يجب عليهم اعتقاده، مع بلوغ الخبر إليهم جميعًا، وهذا باطل أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: ١٩). وقوله في الحديث الصحيح المستفيض: "نضر الله امرءًا سمع مقالتي، فأداها كما سمعها؛ فرب مبلغ أوعى له من سامع" (١).
وبيان ذلك: أن الصحابي الذي سمع من النبي ﷺ حديثًا في عقيدة ما: كنزوله تعالى إلى السماء الدنيا مثلًا؛ فهذا الصحابي يجب عليه اعتقاد ذلك؛ لأن هذا الخبر بالنسبة إليه يقين، وأما الذي تلقى الحديث عنه من صحابي آخر، أو تابعي؛ فهذا لا يجب عليه اعتقاد ذلك، وإن بلغته الحجة وصحت عنده؛ لأنها إنما جاءته من طريق الآحاد ... ، وفي هذا القول من الفساد ما فيه؛ فإنه بذلك يفرق بين المسلمين في عقيدتهم.
الوجه السابع: ومن لوازم هذا القول أيضا: إبطال الأخذ بالحديث مطلقًا في العقيدة من بعض الصحابة الذين سمعوه منه ﷺ مباشرة، وهذا كالذي قبله في البطلان، بل أظهر.
وبيانه: أن جماهير المسلمين - وخاصة قبل جمع الحديث وتدوينه - إنما وصلهم الحديث
стр. 3781
بطريق الآحاد، والذين وصلهم شيء منه من طريق التواتر؛ إنما هم أفراد قليلون في كل عصر.
الوجه الثامن: إذا كان من الواجب قبول قول المحدث الواحد في الحديث: إنه متواتر، وهو يستلزم الأخذ به في العقيدة؛ فكذلك يجب الأخذ بحديث كل محدث ثقة، وإثبات العقيدة به ولا فرق.
الوجه التاسع: أن تكليف المصدق بوجوب تصديق الراوي الذي يثق به في الأحكام دون العقيدة؛ هو أشبه شيء بالقول بتكليف ما لا يطاق.
ولذلك فإني أقطع بأن الذين يفرقون بين الأمرين؛ إنما يفرقون تفريقًا نظريًا ... ، وقد أشار إلى هذه الحقيقة: شريك بن عبد الله القاضي حين قيل له - وقد ذكروا له بعض أحاديث الصفات -: (إن قومًا ينكرون هذه الأحاديث! قال: فما يقولون؟ قالوا: يطعنون فيها، فقال: إن الذين جاءوا بهذه الأحاديث هم الذين جاءوا بالقرآن، وبأن الصلاة خمس، وبحج البيت، وبصوم رمضان - يعني تفاصيلهما -، فما نعرف الله إلا بهذه الأحاديث). (١)
وعن الإمام إسحاق بن راهويه - رحمه الله تعالى - قال: (دخلت على عبد الله بن طاهر فقال لي: يا أبا يعقوب، تقول: إن الله ينزل في كل ليلة! فقلت: أيها الأمير، إن الله بعث إلينا نبيا، نقل إلينا عنه أخبار، بها نحلل الدماء، وبها نحرم، وبها نحلل الفروج، وبها نحرم، فإن صح ذا صح ذاك، وإن بطل ذا بطل ذاك! قال: فأمسك عبد الله). (٢)
الوجه العاشر: أن التفريق بين العقيدة والأحكام العملية، وإيجاب الأخذ في هذه دون تلك؛ إنما بني على أساس أن العقيدة لا يقترن معها عمل، والأحكام لا يقترن معها عقيدة، وكلا الأمرين باطل! .
قال ابن القيم: المطلوب في المسائل العملية أمران: العلم، والعمل، والمطلوب في العلميات: العلم والعمل أيضا، وهو حب القلب وبغضه، وحبه للحق الذي دلت عليه وتضمنته، وبغضه الباطل الذي يخالفها، فليس العمل مقصورًا على عمل الجوارح، بل أعمال
стр. 3782
القلوب أصل لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح تبع، فكل مسألة علمية، فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه، وذلك عمل، بل هو أصل العمل، وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان، حيث ظنوا أنه مجرد التصديق دون الأعمال، وهذا من أقبح الغلط وأعظمه؛ فإن كثيرًا من الكفار كانوا جازمين بصدق النبي ﷺ غير شاكين فيه، غير أنه لم يقترن بذلك التصديق عمل القلب من حب ما جاء به، والرضا به وإرادته، والموالاة والمعاداة عليه.
فلا تهمل هذا الموضع فإنه مهم جدًّا، به تعرف حقيقة الإيمان، فالمسائل العلمية عملية، والمسائل العملية علمية؛ فإن الشارع لم يكتف من المكلفين بمجرد العمل دون العلم، ولا في العمليات بمجرد العلم دون، العمل. (١)
ومما يوضح لك أنه لابد من اقتران العقيدة في العمليات أيضًا والأحكام: أنه لو افترض أن رجلًا يغتسل أو يتوضأ للنظافة، أو يصلي تريضًا، أو يصوم تطببًا، أو يحج سياحة، لا يفعل ذلك معتقدا أن الله ﵎ أوجبه عليه وتعبده به، لما أفاده ذلك شيئا، كما لا يفيده معرفة القلب إذا لم تقترن بعمل القلب الذي هو التصديق، كما تقدم.
الوجه الحادي عشر: أن القائلين بهذه العقيدة الباطلة لو قيل لهم: إن العكس هو الصواب؛ لما استطاعوا رده؛ فإنه من الممكن أن يقال: لما كان كل من العقيدة والعمل يتضمن أحدهما الآخر، فالعقيدة يقترن معها العمل، والعمل يقترن معه عقيدة - على ما بيناه آنفا -، ولكن بينهما فرقًا واضحًا من حيث إن الأول إنما هو متعلق بشخص المؤمن، ولا ارتباط له بالمجتمع، بخلاف العمل؛ فإنه مرتبط بالمجتمع الذي يحيا فيه المؤمن ارتباطًا وثيقًا، فبه تستحل الفروج المحرمة في الأصل، وتستباح الأموال والنفوس، فالأمور العملية من هذه الوجهة أخطر من الأمور الاعتقادية.
ومثال ذلك: رجل مات وهو يعتقد بأن سؤال الملكين أو ضغطة القبر حق، بناء على حديث آحاد، وآخر يعتقد استباحة شرب قليل من النبيذ المسكر كثيره، أو يستحل نكاح
стр. 3783
التحليل - الذي يقول بإباحته بعض المذاهب؛ لدليل ظني ظهر لهم، ولكنه ظني طبعًا - ومات على هذا، والواقع أن كلا من الرجلين كان مخطئا بشهادة السنة الصحيحة، فأيهما كان حاله أخطر على المجتمع؟ الذي كان واهمًا في اعتقاده، أم الآخر الذي كان واهما في استباحته الفروج والشراب المحرمين؟
الوجه الثاني عشر: أن طرد قولهم بهذه العقيدة، وتبنيها دائمًا؛ يستلزم تعطيل العمل بحديث الآحاد في الأحكام العملية أيضًا، وهذا باطل لا يقولونه هم أيضًا به، وما لزم منه باطل؛ فهو باطل.
وبيانه: أن كثيرًا من الأحاديث العملية تتضمن أمورًا اعتقادية، فهذا رسول الله ﷺ يقول لنا: "إذا جلس أحدكم في التشهد الأخير، فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال" (١).
ومثله أحاديث كثيرة لا مجال لاستقصائها الآن، فالقائلون بهذا القول إن عملوا به هنا، وتركوا العمل بهذا الحديث؛ نقضوا أصلًا من أصولهم، وهو وجوب العمل بحديث الآحاد في الأحكام، ولا يمكنهم القول بنقضه، لأن جل الشريعة قائم على أحاديث الآحاد.
وإن عملوا بالحديث -طردا للأصل المذكور-، فقد نقضوا به ذلك القول.
فإن قالوا: نعمل بهذا الحديث، ولكننا لا نعتقد ما فيه من إثبات عذاب القبر والمسيح الدجال! ؛ قلنا: إن العمل به يستلزم الاعتقاد به، كما سبق، وإلا فليس عملًا مشروعًا، ولا عبادة، وبالتالي فلم يعملوا بأصلهم المذكور، وكفى بقول بطلانا أنه يلزم منه إبطال ما قامت الأدلة الصحيحة على إيجابه، واتفق المسلمون عليه.
الوجه الثالث عشر: ويرد عليهم أيضًا بالإجماع المعلوم المتيقن على قبول هذه الأحاديث، وإثبات صفات الرب تعالى، والأمور العلمية الغيبية بها.
قال ابن القيم: فهذا لا يشك فيه من له أقل خبرة بالمنقول؛ فإن الصحابة هم الذين
стр. 3784
رووا هذه الأحاديث، وتلقاها بعضهم عن بعض بالقبول، ولم ينكرها أحد منهم على من رواها، ثم تلقاها عنهم جميع التابعين من أولهم إلى آخرهم، ومن سمعها منهم تلقاها بالقبول والتصديق لهم، ومن لم يسمعها منهم تلقاها عن التابعين كذلك، وكذلك تابع التابعين مع التابعين، هذا أمر يعلمه ضرورة أهل الحديث، كما يعلمون عدالة الصحابة، وصدقهم، وأمانتهم، ونقلهم ذلك عن نبيهم ﷺ : كنقلهم الوضوء والغسل من الجنابة، وأعداد الصلوات وأوقاتها، ونقل الأذان والتشهد والجمعة والعيدين؛ فإن الذين نقلوا هذا هم الذين نقلوا أحاديث الصفات، فإن جاز عليهم الخطأ والكذب في نقلها؛ جاز عليهم ذلك في نقل غيرها مما ذكرناه، وحينئذ فلا وثوق لنا بشيء نقل لنا عن نبينا ﷺ البتة، وهذا انسلاخ من الدين والعقل والعلم (١).
الوجه الرابع عشر:
ثم هب أن أحاديث الآحاد لا تفيد العلم واليقين؛ فهي تفيد الظن الغالب قطعا باتفاقهم.
قال ابن القيم: ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها، كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها، فما الفرق بين باب الطلب وباب الخبر، بحيث يحتج بها في أحدهما دون الآخر؟ ! وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة؛ فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميات، كما تحتج بها في الطلبيات العمليات، ولا سيما والأحكام العملية تتضمن الخبر عن الله بأنه شرع كذا وأوجبه ورضيه دينا، فشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته، ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله وأسمائه وصفاته، فأين سلف المفرقين بين البابين؟ ! . (٢)
الوجه الخامس عشر:
стр. 3785
قال ابن القيم: إن كون الدليل من الأمور الظنية، أو القطعية أمر نسبي، يختلف باختلاف المدرك المستدل، ليس هو صفة للدليل في نفسه، فهذا أمر لا ينازع فيه عاقل - فقد يكون قطعيًا عند زيد ما هو ظني عند عمرو - فقولهم: إن أخبار رسول الله ﷺ الصحيحة المتلقاة بين الأمة لا تفيد العلم، بل هي ظنية: هو إخبار عما عندهم؛ إذ لم يحصل لهم من الطرق التي استفاد بها العلم أهل السنة ما حصل لهم، فقولهم: لم يستفد بها العلم لم يلزم منها النفي العام، وذلك بمنزلة الاستدلال على أن الواجد للشيء والعالم به غير واجد له ولا عالم به، فهو كمن يجد من نفسه وجعا أو لذة أو حبا أو بغضا، فينتصب له من يستدل على أنه غير وجيع ولا متألم ولا محب ولا مبغض، ويكثر من الشبه التي غايتها أني لم أجد ما وجدته، ولو كان حقا لاشتركنا أنا وأنت فيه! وهذا عين الباطل، وما أحسن ما قيل:
أقول للائم المهتدي ملامته ... ذق الهوى فإن استطعت الملام لم
فيقال له: اصرف عنايتك إلى ما جاء به الرسول ﷺ ، واحرص عليه وتتبعه واجمعه، وعليك بمعرفة أصول نقلته وسيرتهم، وأعرض عما سواه، واجعله غاية طلبك، ونهاية قصدك (١).
الوجه السادس عشر: إن من لوازم هذا القول الباطل: الاقتصار في العقيدة على ما جاء في القرآن وحده، وفصل الحديث عنه، وعدم الاعتداد بما فيه من العقائد والأمور الغيبية، وفقا لطائفة من الناس اليوم يعرفون (بالقرآنيين)؛ لأنهم لا يدينون بالحديث إطلاقًا، إلا ما وافق القرآن منه.
الوجه السابع عشر: أنه يستلزم من العمل بهذا القول، إنكار ما عليه المسلمون من العقائد الصحيحة، وهاك بعضا منها:
- نبوة آدم ﵇، وغيره من الأنبياء الذين لم يذكروا في القرآن.
- أفضلية نبينا محمد ﷺ على جميع الأنبياء والرسل.
- شفاعته العظمى في المحشر، وشفاعته ﷺ لأهل الكبائر من أمته.