← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

بطريق الآحاد، والذين وصلهم شيء منه من طريق التواتر؛ إنما هم أفراد قليلون في كل عصر. الوجه الثامن: إذا كان من الواجب قبول قول المحدث الواحد في الحديث: إنه متواتر، وهو يستلزم الأخذ به في العقيدة؛ فكذلك يجب الأخذ بحديث كل محدث ثقة، وإثبات العقيدة به ولا فرق. الوجه التاسع: أن تكليف المصدق بوجوب تصديق الراوي الذي يثق به في الأحكام دون العقيدة؛ هو أشبه شيء بالقول بتكليف ما لا يطاق. ولذلك فإني أقطع بأن الذين يفرقون بين الأمرين؛ إنما يفرقون تفريقًا نظريًا ... ، وقد أشار إلى هذه الحقيقة: شريك بن عبد الله القاضي حين قيل له - وقد ذكروا له بعض أحاديث الصفات -: (إن قومًا ينكرون هذه الأحاديث! قال: فما يقولون؟ قالوا: يطعنون فيها، فقال: إن الذين جاءوا بهذه الأحاديث هم الذين جاءوا بالقرآن، وبأن الصلاة خمس، وبحج البيت، وبصوم رمضان - يعني تفاصيلهما -، فما نعرف الله إلا بهذه الأحاديث). (١) وعن الإمام إسحاق بن راهويه - رحمه الله تعالى - قال: (دخلت على عبد الله بن طاهر فقال لي: يا أبا يعقوب، تقول: إن الله ينزل في كل ليلة! فقلت: أيها الأمير، إن الله بعث إلينا نبيا، نقل إلينا عنه أخبار، بها نحلل الدماء، وبها نحرم، وبها نحلل الفروج، وبها نحرم، فإن صح ذا صح ذاك، وإن بطل ذا بطل ذاك! قال: فأمسك عبد الله). (٢) الوجه العاشر: أن التفريق بين العقيدة والأحكام العملية، وإيجاب الأخذ في هذه دون تلك؛ إنما بني على أساس أن العقيدة لا يقترن معها عمل، والأحكام لا يقترن معها عقيدة، وكلا الأمرين باطل! . قال ابن القيم: المطلوب في المسائل العملية أمران: العلم، والعمل، والمطلوب في العلميات: العلم والعمل أيضا، وهو حب القلب وبغضه، وحبه للحق الذي دلت عليه وتضمنته، وبغضه الباطل الذي يخالفها، فليس العمل مقصورًا على عمل الجوارح، بل أعمال

стр. 3782

القلوب أصل لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح تبع، فكل مسألة علمية، فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه، وذلك عمل، بل هو أصل العمل، وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان، حيث ظنوا أنه مجرد التصديق دون الأعمال، وهذا من أقبح الغلط وأعظمه؛ فإن كثيرًا من الكفار كانوا جازمين بصدق النبي ﷺ غير شاكين فيه، غير أنه لم يقترن بذلك التصديق عمل القلب من حب ما جاء به، والرضا به وإرادته، والموالاة والمعاداة عليه. فلا تهمل هذا الموضع فإنه مهم جدًّا، به تعرف حقيقة الإيمان، فالمسائل العلمية عملية، والمسائل العملية علمية؛ فإن الشارع لم يكتف من المكلفين بمجرد العمل دون العلم، ولا في العمليات بمجرد العلم دون، العمل. (١) ومما يوضح لك أنه لابد من اقتران العقيدة في العمليات أيضًا والأحكام: أنه لو افترض أن رجلًا يغتسل أو يتوضأ للنظافة، أو يصلي تريضًا، أو يصوم تطببًا، أو يحج سياحة، لا يفعل ذلك معتقدا أن الله ﵎ أوجبه عليه وتعبده به، لما أفاده ذلك شيئا، كما لا يفيده معرفة القلب إذا لم تقترن بعمل القلب الذي هو التصديق، كما تقدم. الوجه الحادي عشر: أن القائلين بهذه العقيدة الباطلة لو قيل لهم: إن العكس هو الصواب؛ لما استطاعوا رده؛ فإنه من الممكن أن يقال: لما كان كل من العقيدة والعمل يتضمن أحدهما الآخر، فالعقيدة يقترن معها العمل، والعمل يقترن معه عقيدة - على ما بيناه آنفا -، ولكن بينهما فرقًا واضحًا من حيث إن الأول إنما هو متعلق بشخص المؤمن، ولا ارتباط له بالمجتمع، بخلاف العمل؛ فإنه مرتبط بالمجتمع الذي يحيا فيه المؤمن ارتباطًا وثيقًا، فبه تستحل الفروج المحرمة في الأصل، وتستباح الأموال والنفوس، فالأمور العملية من هذه الوجهة أخطر من الأمور الاعتقادية. ومثال ذلك: رجل مات وهو يعتقد بأن سؤال الملكين أو ضغطة القبر حق، بناء على حديث آحاد، وآخر يعتقد استباحة شرب قليل من النبيذ المسكر كثيره، أو يستحل نكاح

стр. 3783

التحليل - الذي يقول بإباحته بعض المذاهب؛ لدليل ظني ظهر لهم، ولكنه ظني طبعًا - ومات على هذا، والواقع أن كلا من الرجلين كان مخطئا بشهادة السنة الصحيحة، فأيهما كان حاله أخطر على المجتمع؟ الذي كان واهمًا في اعتقاده، أم الآخر الذي كان واهما في استباحته الفروج والشراب المحرمين؟ الوجه الثاني عشر: أن طرد قولهم بهذه العقيدة، وتبنيها دائمًا؛ يستلزم تعطيل العمل بحديث الآحاد في الأحكام العملية أيضًا، وهذا باطل لا يقولونه هم أيضًا به، وما لزم منه باطل؛ فهو باطل. وبيانه: أن كثيرًا من الأحاديث العملية تتضمن أمورًا اعتقادية، فهذا رسول الله ﷺ يقول لنا: "إذا جلس أحدكم في التشهد الأخير، فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال" (١). ومثله أحاديث كثيرة لا مجال لاستقصائها الآن، فالقائلون بهذا القول إن عملوا به هنا، وتركوا العمل بهذا الحديث؛ نقضوا أصلًا من أصولهم، وهو وجوب العمل بحديث الآحاد في الأحكام، ولا يمكنهم القول بنقضه، لأن جل الشريعة قائم على أحاديث الآحاد. وإن عملوا بالحديث -طردا للأصل المذكور-، فقد نقضوا به ذلك القول. فإن قالوا: نعمل بهذا الحديث، ولكننا لا نعتقد ما فيه من إثبات عذاب القبر والمسيح الدجال! ؛ قلنا: إن العمل به يستلزم الاعتقاد به، كما سبق، وإلا فليس عملًا مشروعًا، ولا عبادة، وبالتالي فلم يعملوا بأصلهم المذكور، وكفى بقول بطلانا أنه يلزم منه إبطال ما قامت الأدلة الصحيحة على إيجابه، واتفق المسلمون عليه. الوجه الثالث عشر: ويرد عليهم أيضًا بالإجماع المعلوم المتيقن على قبول هذه الأحاديث، وإثبات صفات الرب تعالى، والأمور العلمية الغيبية بها. قال ابن القيم: فهذا لا يشك فيه من له أقل خبرة بالمنقول؛ فإن الصحابة هم الذين

стр. 3784

رووا هذه الأحاديث، وتلقاها بعضهم عن بعض بالقبول، ولم ينكرها أحد منهم على من رواها، ثم تلقاها عنهم جميع التابعين من أولهم إلى آخرهم، ومن سمعها منهم تلقاها بالقبول والتصديق لهم، ومن لم يسمعها منهم تلقاها عن التابعين كذلك، وكذلك تابع التابعين مع التابعين، هذا أمر يعلمه ضرورة أهل الحديث، كما يعلمون عدالة الصحابة، وصدقهم، وأمانتهم، ونقلهم ذلك عن نبيهم ﷺ : كنقلهم الوضوء والغسل من الجنابة، وأعداد الصلوات وأوقاتها، ونقل الأذان والتشهد والجمعة والعيدين؛ فإن الذين نقلوا هذا هم الذين نقلوا أحاديث الصفات، فإن جاز عليهم الخطأ والكذب في نقلها؛ جاز عليهم ذلك في نقل غيرها مما ذكرناه، وحينئذ فلا وثوق لنا بشيء نقل لنا عن نبينا ﷺ البتة، وهذا انسلاخ من الدين والعقل والعلم (١). الوجه الرابع عشر: ثم هب أن أحاديث الآحاد لا تفيد العلم واليقين؛ فهي تفيد الظن الغالب قطعا باتفاقهم. قال ابن القيم: ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها، كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها، فما الفرق بين باب الطلب وباب الخبر، بحيث يحتج بها في أحدهما دون الآخر؟ ! وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة؛ فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميات، كما تحتج بها في الطلبيات العمليات، ولا سيما والأحكام العملية تتضمن الخبر عن الله بأنه شرع كذا وأوجبه ورضيه دينا، فشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته، ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله وأسمائه وصفاته، فأين سلف المفرقين بين البابين؟ ! . (٢) الوجه الخامس عشر:

стр. 3785

قال ابن القيم: إن كون الدليل من الأمور الظنية، أو القطعية أمر نسبي، يختلف باختلاف المدرك المستدل، ليس هو صفة للدليل في نفسه، فهذا أمر لا ينازع فيه عاقل - فقد يكون قطعيًا عند زيد ما هو ظني عند عمرو - فقولهم: إن أخبار رسول الله ﷺ الصحيحة المتلقاة بين الأمة لا تفيد العلم، بل هي ظنية: هو إخبار عما عندهم؛ إذ لم يحصل لهم من الطرق التي استفاد بها العلم أهل السنة ما حصل لهم، فقولهم: لم يستفد بها العلم لم يلزم منها النفي العام، وذلك بمنزلة الاستدلال على أن الواجد للشيء والعالم به غير واجد له ولا عالم به، فهو كمن يجد من نفسه وجعا أو لذة أو حبا أو بغضا، فينتصب له من يستدل على أنه غير وجيع ولا متألم ولا محب ولا مبغض، ويكثر من الشبه التي غايتها أني لم أجد ما وجدته، ولو كان حقا لاشتركنا أنا وأنت فيه! وهذا عين الباطل، وما أحسن ما قيل: أقول للائم المهتدي ملامته ... ذق الهوى فإن استطعت الملام لم فيقال له: اصرف عنايتك إلى ما جاء به الرسول ﷺ ، واحرص عليه وتتبعه واجمعه، وعليك بمعرفة أصول نقلته وسيرتهم، وأعرض عما سواه، واجعله غاية طلبك، ونهاية قصدك (١). الوجه السادس عشر: إن من لوازم هذا القول الباطل: الاقتصار في العقيدة على ما جاء في القرآن وحده، وفصل الحديث عنه، وعدم الاعتداد بما فيه من العقائد والأمور الغيبية، وفقا لطائفة من الناس اليوم يعرفون (بالقرآنيين)؛ لأنهم لا يدينون بالحديث إطلاقًا، إلا ما وافق القرآن منه. الوجه السابع عشر: أنه يستلزم من العمل بهذا القول، إنكار ما عليه المسلمون من العقائد الصحيحة، وهاك بعضا منها: - نبوة آدم ﵇، وغيره من الأنبياء الذين لم يذكروا في القرآن. - أفضلية نبينا محمد ﷺ على جميع الأنبياء والرسل. - شفاعته العظمى في المحشر، وشفاعته ﷺ لأهل الكبائر من أمته.

стр. 3786

- معجزاته ﷺ كلها ما عدا القرآن، ومنها: معجزة انشقاق القمر. - الأحاديث التي تتحدث عن بدء الخلق، وصفة الملائكة، والجن، والجنة، والنار، وأنهما مخلوقتان، وأن الحجر الأسود من الجنة. - خصوصياته ﷺ التي جمعها السيوطي ﵀ في كتابه (الخصائص الكبرى) مثل: دخول الجنة، ورؤية أهلها، وما أعد للمتقين فيها، وإسلام قرينه من الجن، وغير ذلك. - القطع بأن العشرة المبشرين بالجنة من أهل الجنة! - الإيمان بسؤال منكر ونكير في القبر. - الإيمان بعذاب القبر، وبضغطة القبر. - الإيمان بالميزان ذي الكفتين يوم القيامة، والإيمان بالصراط. - الإيمان بحوضه ﷺ ، وأن من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا. - دخول سبعين ألفا من أمته ﷺ الجنة بغير حساب. - سؤال الأنبياء في المحشر عن التبليغ. - الإيمان بكل ما صح في الحديث في صفة القيامة والحشر والنشر. إلى غيرها من العقائد الإسلامية الصحيحة التي وردت في الأحاديث الثابتة المتواترة أو المستفيضة، وتلقتها الأمة بالقبول، وهي تبلغ المئات. (١) * * *

стр. 3787

٣ - تدوين السنة نص الشبهة: قالوا: لم يكن للمسلمين حتى منتصف القرن الثاني كتاب مدون سوى القرآن، فلم تسلم السنة من التحريف؛ لأنها رويت شفاها من صدور الرجال حتى وصلت إلى عصر التدوين في منتصف هذا القرن. (١) والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: تعريف التدوين، وذكر الفرق بينه وبين الكتابة . الوجه الثاني: حفظ السنة على أنواع. الوجه الثالث: حفظ السنة عند الصحابة. الوجه الرابع: كتابة الصحابة للسنة. الوجه الخامس: الرد على شبهة كتابة الحديث. الوجه السادس: كتابة التابعين للسنة، وضوابط ذلك. الوجه السابع: وجود ضوابط وأسس حتى تقبل هذه الروايات. وإليك التفصيل الوجه الأول: تعريف التدوين، وذكر الفرق بينه وبين الكتابة. المراد بتدوين السنة هو: جمعها وترتيبها مكتوبة. جاء في لسان العرب: الديوان مجتمع الصحف. (٢) وقال في تاج العروس: وقد دونه تدوينًا جمعه. (٣)

стр. 3788

دون الديوان: أنشأه وجمعه والكتب، أي: دون الكتب جمعها ورتبها. والديوان: الدفتر يكتب فيه أسماء الجيش، وأهل العطاء، والكتبة ومكانهم، ومجموع شعر شاعر، والجمع دواوين. (١) هل هناك فرق بين الكتابة والتدوين ؟ قال في اللسان: كتب الشيء كتبًا، وكتابة: خطه. (٢) فالفرق واضح وهو: أن الكتابة خط الشيء وكتابته، وإن لم يكن مجموعًا. والتدوين: جمع الكتب، فالتدوين مرحلة تالية للكتابة، وعلى هذا يفهم إطلاق الأئمة قولهم: أول من دون الحديث ابن شهاب الزهري (٣)، وهو أن مرادهم: أول من جمعه مصنفًا مرتبًا ابن شهاب، وليس معناه: أول من كتبه، كما سيأتي ذلك واضحًا جليًا - بإذن الله - خلال الصفحات التالية، وبأدلة ناصعة لا تحتاج إلى تأويل، وسيتضح منها: ١ - إذن النبي ﷺ بالكتابة. ٢ - أمر النبي ﷺ بكتابة بعض مسائل العلم، وإرسالها إلى الأمصار. ٣ - أمر النبي ﷺ لبعض الصحابة بالكتابة وتقييد العلم. ٤ - كتابة عدد من الصحابة لحديث النبي ﷺ . ٥ - شيوع كتابة الحديث في التابعين.

стр. 3789

٦ - أن كتابة السنة كان لها ضوابط تقبل على أساسها الصحف المكتوبة. ٧ - أن جمع السنة اعتمد على الرواية الشفوية، والصحف المكتوبة. قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ (الجمعة: ٢ - ٤). قال ابن كثير: وذلك أن العرب كانوا قديمًا متمسكين بدين إبراهيم الخليل ﵇ فبدلوه وغيروه، وقلبوه وخالفوه، واستبدلوا بالتوحيد شركًا وباليقين شكًا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك أهل الكتابين قد بدلوا كتبهم وحرَّفوها، وغيَّروها وأوَّلوها، فبعث الله محمدًا ﷺ بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق، فيه هدايتهم، والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم، والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة، ورضا الله عنهم، والنهي عما يقربهم إلى النار وسخط الله. (١) وكان مما أعد الله لنبيه ﷺ أن عوض الله هذه الأمة الأمية عن القراءة والكتابة بالحفظ، فكان العرب حفاظًا طبعًا وسليقة، وليس تكلفًا، فكان الواحد منهم ربما سمع المائة بيت من الشعر أو أكثر فيحفظه من أول مرة، في سمعة واحدة، فلمَّا أكرم الله هذه الأمة الأمية بأن بعث فيها خاتم أنبيائه ورسله محمد بن عبد الله ﷺ وسيد ولد آدم، كان الصحابة رضوان الله عليهم - وهم الذين آمنوا به ونصروه - يحبونه أكثر من آبائهم وأمهاتهم وزوجاتهم وأبنائهم، ولئن كانوا يحفظون الأشعار الطويلة في سمعة واحدة في الجاهلية، فما بالنا بكلام رسولهم وحبيبهم محمد ﷺ ، وقد كان كلامه محما قال هو ﷺ ، فيما رواه أبو هريرة ﵁ أنه قال: "وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ". (٢) والمعنى كما قال الهروي ﵀: أن كلامه كان قليل اللفظ، كثير المعاني.

стр. 3790

وكما قالت عائشة زوجه ﵂: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحدِيثَ كَسَرْدِكُمْ، إنما كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ العاد لَأَحْصَاهُ (١). وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ : "كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ" (٢). ولذلك فقد كان الصحابة ﵁ يحفظون كلامه وأفعاله، وكان ذلك أمرًا يسيرًا عليهم، وكان من الصحابة من يكتب ما يسمعه من رسول الله ﷺ : كعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، إلا أنَّ غالب الصحابة كانوا يحفظون ولا يكتبون. الوجه الثاني: حفظ السنة على أنواع . اعلم أن حفظ السنة قام على أمرين أساسيين: الأول: حفظ الصدر. الثاني: حفظ الكتاب. وقد حث النبي ﷺ صحابته على كلا الأمرين فمن ذلك: قوله ﷺ : "نَضَّرَ الله امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ" (٣). فدعا ﷺ بالنضرة لمن سمع شيئًا - وشيئًا نكرة في سياق الإثبات فتدل على الإطلاق - فبلغه على وجهه كما سمعه من النبي ﷺ ، ثم حث السامع على تبليغه والعمل به بقوله: "فرب مبلغ أوعى من سامع" ففي هذا النص حث على حفظ الصدر، وضبطه ضبطًا صحيحًا حتى يؤديه كما سمعه، وحث على رواية الحديث؛ نشرا للعلم. ٢ - وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: "كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شيء أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُول الله ﷺ ؛ أُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شيء تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ الله ﷺ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضبِ وَالرِّضَا؛ فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ؛ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُول الله ﷺ ؛ فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: "اكتُبْ فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ: مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ". (٤)

стр. 3791

ففيه حث للصحابة على حفظ الحديث بالكتاب، وبث ذلك في الناس، وذلك في كل الأحوال، حال الرضا وحال الغضب، وفي ذلك أيضا دلالة على أن حال النبي ﷺ كله مدون معروف، بل إن الله تعالى حث أمهات المؤمنين ﵅ على بث سنته الخاصة في تعامله في بيوته ﷺ ، فهذه لا يطلع عليها إلا زوجاته، فقال : ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (الأحزاب: ٣٤). أقول: وكلا الأمرين كان معروفًا في صحابة النبي ﷺ حتى قال أبو هريرة ﵁: "ليس أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثًا مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب". (١) الوجه الثالث: حفظ السنة عند الصحابة من مظاهر حفظ السنة عند الصحابة ﵃: الحرص على سماعها، وروايتها، وكتابتها، وذلك يتجلى في أمور منها: ١ - حث النبي ﷺ أصحابه على سماع الحديث، وحفظه وتأديته كما سمعوه، فمن ذلك قوله ﷺ : "نَضَّرَ الله امْرءًا سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا، فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ؛ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ". (٢) ٢ - أمره بتبليغ العلم لمن لم يحضر مجلس السماع، ومن ذلك قوله: "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب؛ فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه". (٣) وقوله لوفد عبد قيس حين علمهم العلم "احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم" (٤). ٣ - إعادته للحديث ثلاثًا؛ حتى يحفظ عنه ويفهم، فمن ذلك قول أنس ﵁ عن النبي ﷺ : "أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم

стр. 3792

عليهم؛ سلم عليهم ثلاثًا". (١) ٤ - بيانه ﷺ أن ما بعث به هو العلم وحثه على أخذه، وبيان أن مقادير الناس عند الله تتباين بأخذهم لذلك العلم، وذلك شيء كثلإهـ في سنته، فمنه قوله ﷺ : "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم ...... الحديث" (٢). ٥ - تحذيره من الجهل، وأنه من أشراط الساعة، فمن ذلك قوله ﷺ : "من أشراط الساعة: أن يقل العلم ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء ويقل الرحال، حتى يكون لخمسين امرأة القيّم الواحد" (٣). ٦ - تخولهم بالموعظة والعلم، وتخير الأوقات المناسبة لذلك؛ حتى لا ينفروا، فمن ذلك قول عبد الله بن مسعود ﵁: كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام؛ كراهة السآمة علينا. (٤) ٧ - تفرغ الصحابة لسماع العلم من النبي ﷺ ، وهذا على ضربين: الأول: التفرغ الكامل من كل عمل أو شاغل، حتى عن طلب الرزق والأهل والولد حبًّا في سماع العلم حتى لازموه ﷺ في حله- إقامته-، وترحاله - سفره - يلحظون ما يفعل، ويحفظون عنه ما يقول، ومن هؤلاء أبو هريرة ﵁، يقول عن نفسه: "إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ يشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون" (٥). الثاني: التفرغ الجزئي، بأن يفرغ قدرًا من وقته لسماع العلم من النبي ﷺ ، ثم يسأل الصحابة الحاضرين عما فاته، وهو ما يسمى بـ (التناوب في طلب العلم)، فمن ذلك قول

стр. 3793

عمر ﵁: "كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ينزل يوما، وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك .... ) (١). ٨ - حرص الصحابة على فهم الحديث قبل بثه في الناس، فمن ذلك قول ابن أبي مليكة: أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه؛ حتى تعرفه، وأن النبي ﷺ قال: " من حوسب عذّب قالت عائشة: فقلت: أو ليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ (الانشقاق: ٨) قالت: فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك. (٢) ٩ - تثبت الصحابة عند رواية الحديث، ولذلك مظاهر منها: الإقلال من الرواية، والحرص على أداء الألفاظ دون تغيير؛ حرصًا منهم على عدم الوقوع في الإثم، فمن ذلك قول أنس: ﵁ إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا أن النبي ﷺ قال: "من تعمد عليّ كذبا؛ فليتبوأ مقعده من النار". (٣) وقول الزبير ﵁ حين سأله ابنه عبد الله: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله ﷺ كما يُحدث فلان وفلان، قال: أما إني لم أفارقه ولكن سمعته يقول: "مَن كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار". (٤) ولذلك تجد التخصص في رواية السنة محصور في عدد قليل من الصحابة، في حين أنهم عدد كبير، حتى قال أبو زرعة الرازي: شهد معه حجة الوداع أربعون ألفًا، وكان معه بتبوك سبعون ألفا، وقُبض ﷺ عن مئة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة (٥)، ومجموع

стр. 3794

تراجم الصحابة التي في الإصابة (١٢٢٧٩). في حين أن عدد مسانيد الصحابة الرواة في مسند بقي بن مخلد - وهو من أهم مصادر السنة - (١٣٠١). قال ابن حزم: مسند (بقي) روى فيه عن ألف وثلاث مئة صاحب ونيف، رواة الآلاف منهم سبعة، وهم على الترتيب: أبو هريرة، ثم عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثم أنس بن مالك، ثم عائشة أم المؤمنين، ثم عبد الله بن عباس، ثم جابر بن عبد الله، ثم أبو سعيد الخدري ﵁. (١) وقد تتبع العلماء الرواة من الصحابة، وما لكل واحد منهم، ومن ذلك: ما فعله ابن الجوزي في: (تلقيح فهوم أهل الأثر) (٢)، وابن حزم في: (الرسالة الثانية من جوامع السيرة)، تحت عنوان: أسماء الصحابة الرواة، وما لكل واحد من العدد، وقد عد ابن حزم مسانيد الصحابة فيه (١٠١٠). قال ابن حزم: هذا باب في ذكر مَن روى عن النبي ﷺ من الصحابة ﵃ حديثًا فما فوقه، ممن نُقل الحديث عنهم على مراتبهم في ذلك: أصحاب الألوف وما زاد منهم، ثم أصحاب الألفين وما زاد، ثم أصحاب المائتين وشيء، ثم أصحاب المائة وشيء، ثم أصحاب العشرات وشيء، ثم أصحاب العشرين وشيء، ثم أصحاب التسعة عشر ثم، أصحاب الثمانية عشر، ثم أصحاب السبعة عشر، ثم كذلك نقص واحد واحد إلى أصحاب الإفراد. وبهذا يتبين لك أن الصحابة الرواة على طبقات: ١ - الطبقة الأولى: رواة الآلاف إلى الألف، وعددهم سبعة أصحاب. ٢ - الطبقة الثانية: من روى أقل من الألف إلى خمس مئة حديث، وعددهم أربعة أصحاب. ٣ - الطبقة الثالثة: من روى أقل من خمس مئة حديث إلى مئة حديث، وعددهم سبع وعشرون صحابيًا.

стр. 3795

٤ - الطبقة الرابعة: من روى أقل من مئة حديث إلى عشرة أحاديث، وعددهم ستة وخمسون ومئة صاحب. ٥ - الطبقة الخامسة: من روى أقل من عشرة أحاديث إلى خمسة أحاديث، وعددهم ثماني عشرة ومئة صاحب. ٦ - الطبقة السادسة: من روى أقل من خمسة أحاديث إلى حديثين اثنين فقط، وعددهم تسعة وأربعون ومائتا صاحب. ٧ - الطبقة السابعة: من ليس له سوى حديث واحد فقط، وعددهم تسعة وأربعون وأربع مئة. فأنت ترى بوضوح من خلال هذا: أن الصحابة كانوا يتوقون الرواية، وأن الرواة منهم كانوا أهل تخصص في نشر سنة النبي ﷺ . أن الصحابة كانوا لا يروون إلا ما تثبتوا منه؛ حرصًا على أداء الألفاظ والمعاني دون تغيير. أن إقلال الصحابة من الرواية نسبي فأنس ﵁ من المكثرين ومع ذلك يقول: (إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا ..... ). أن بعض الصحابة أقل من الرواية عن رسول الله ﷺ ؛ اكتفاء بمن قام بالبلاغ كما في حديث الزبير ﵁، وخوفًا من عدم الضبط. أن الصحابة كانوا يتوقون رواية الحديث بالمعنى؛ خوفًا من عدم الإتقان، فمن ذلك: (أن مسروقًا حدّث عن رسول الله ﷺ فارتعد وارتعدت ثيابه ثم قال: أو نحو هذا .. ) (١) أن الصحابة كانوا يتذاكرون الحديث؛ خشية نسيانه، فمن ذلك: قول عبد الله بن مسعود: (تذاكروا الحديث فإن حياته مذاكرته) (٢). وما جاء عن أبي سعيد ﵁ (تذاكروا الحديث؛ فإن الحديث يهيج بعضه بعضًا). (٣)

стр. 3796

وما جاء عن علي ﵁ (تزاوروا وأكثروا ذكر الحديث، فإنكم إن لم تفعلوا يندرس). (١) تثبت الصحابة ﵃ عند سماع الحديث، حتى كان بعضهم يستحلف الراوي، أو يطلب شاهدًا آخر، أو نحو ذلك، وقد مرّ شيء من هذا. (٢) وإنما كانوا يفعلون ذلك توقيًا من الخطأ في الرواية وتثبتًا من المسموع. وخلاصة ما مرّ أن سنة النبي ﷺ سواء رواها الصحابة شفاهًا، أو دوّنوها في صحف- فإنهم كانوا يتثبتون في روايتها غاية التثبت قبل روايتها. - فلم يرو منهم غير المتقن. - ولم يرو المتقن منهم غير ما أتقنه. - وأن السامع لما رواه الأثبات من الصحابة كان يتثبت من المروي، دون تكذيب للراوي، أو اتهام له بالخطأ؛ حرصًا منهم على الإتقان. الوجه الرابع: كتابة الصحابة للسنة . أقول: قد حدثت كتابة للسنة في الجملة كما يأتي، لكن لم تشمل ولم يؤمر بها أمرًا، ومن حكمة ذلك: أن الله ﵎ كما أراد لهذه الشريعة البقاء؛ أراد سبحانه أن لا يكلف عباده من حفظها إلا بما لا يشق عليهم مشقة شديدة، ثم هو سبحانه يحوطها ويحفظها بقدرته، كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي يعجل بقراءة ما يوحى إليه قبل فراغه؛ خشية أن ينسى شيئًا منه، فأنزل الله عليه ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤)، وقوله ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ (القيامة ١٦، ١٧)، وقوله ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨)﴾ (الأعلى ٦: ٨).

стр. 3797

وكانت العرب أمة أمية يندر وجود من يقرأ أو يكتب منهم، وأدوات الكتابة عزيزة، ولا سيما ما يكتب فيه، وكان الصحابة محتاجين إلى السعي في مصالحهم، فكانوا في المدينة منهم من يعمل في حائطه، ومنهم من يبيع في الأسواق، فكان التكليف بالكتابة شاقًا، فاقتصر منه على كتابة ما ينزل من القرآن شيئًا فشيئًا، ولو مرة واحدة في قطعة من جريد النخل أو نحوه، تبقى عند الذي كتبها، وفي صحيح البخاري وغيره، من حديث زيد بن ثابت -في قصة جمعه القرآن بأمر أبي بكر- قال: (فتتبعتُ القرآن أجمعه من العُسُب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ (التوبة: ١٢٨) حتى خاتمة سورة براءة. وفي فتح الباري: أن العسب: جريد النخل، واللخاف: الحجارة الرقاق، وإنه وقع في رواية: القصب والعسب والكرانيف وجرائد النخل، ووقع في روايات أخر: ذكر الرقاع وقطع الأديم والصحف. وكان النبي ﷺ يلقن بعض أصحابه ما شاء الله من القرآن، ثم يلقن بعضهم بعضًا، فكان القرآن محفوظًا جملة في صدورهم ومحفوظًا بالكتابة في قطع مفرقة عندهم. والمقصود أنه اقتصر من كتابة القرآن على ذلك القدر؛ إذ كان أكثر منه شاقًا عليهم، وتكفل الله ﷻ بحفظه في صدورهم، وفي تلك القطع، فلم يتلف منها شيء، حتى جمعت في عهد أبي بكر، ثم لم يتلف منها شيء حتى كتبت عنها المصاحف في عهد عثمان، وقد الله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (الحجر: ٩)، وتكفله سبحانه بحفظ لا يعفي المسلمين أن يفعلوا ما يمكنهم كما فعلوا - بتوفيقه لهم - في عهد أبي بكر، ثم في عهد عثمان. وأما السنة فقد تكفل الله بحفظها أيضا؛ لأن تكفله بحفظ القرآن يستلزم تكفله بحفظ بيانه، وهو السنة، وحفظ لسانه، وهو العربية، إذ المقصود بقاء الحجة قائمة، والهداية باقية،

стр. 3798

بحيث ينالها من يطلبها؛ لأن محمدًا خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الشرائع، بل دل على ذلك قوله ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ (القيامة: ١٩). فحفظ الله السنة في صدور الصحابة والتابعين، حتى كتبت ودونت - كما يأتي - وكان التزام كتابتها في العهد النبوي شاقًا جدًّا؛ لأنها تشمل جميع أقوال النبي ﷺ وأفعاله وأحواله، وما يقوله غيره بحضرته أو يفعله، وغير ذلك. والمقصود الشرعي من السنة هو: معانيها، وليست كالقرآن، فالمقصود لفظه ومعناه؛ لأن كلام الله بلفظه ومعناه، ومعجز بلفظه ومعناه، ومتعبد بتلاوته بلفظه بدون أدنى تغيير، لا جرم خفف الله عنهم واكتفى من تبليغ السنة غالبًا بأن يطلع عليها بعض الصحابة، ويكمل الله تعالى حفظها وتبليغها بقدرته التي لا يعجزها شيء، فالشأن في هذا الأمر هو العلم بأن النبي ﷺ قد بلغ ما أمر به التبليغ الذي رضيه الله منه، وأن ذلك مظنة بلوغه إلى من يحفظه من الأمة، ويبلغه عند الحاجة ويبقى موجودًا بين الأمة، وتكفل الله تعالى بحفظ دينه يجعل تلك المظنة مئنة، فتم الحفظ كما أراد الله تعالى، وبهذا التكفل يدفع ما يتطرق إلى تبليغ القرآن، كاحتمال تلف بعض القطع التي كتبت فيها الآيات، واحتمال أن يغير فيها من كانت عنده ونحو ذلك، ومن طالع تراجم أئمة الحديث من التابعين فمن بعدهم، وتدبر ما آتاهم - الله تعالى من قوة الحفظ والفهم، والرغبة الأكيدة في الجد، والتشمير لحفظ السنة وحياطتها؛ بان له ما يحير عقله، وعلم أن ذلك ثمرة تكفل الله تعالى بحفظ دينه، وشأنهم فيها عظيم جدًّا، أو هو عبادة من أعظم العبادات وأشرفها، وبذلك يتبين أن ذلك من المصالح المترتبة على ترك كتابة الأحاديث كلها في العهد النبوي، إذ لو كتبت؛ لانسد باب تلك العبادة وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (الذاريات: ٥٦). وثم مصالح أخرى منها: تنشئة علوم تحتاج إليها الأمة، فهذه الثروة العظيمة التي بيد المسلمين من تراجم قدمائهم، إنما جاءت من احتياج المحدثين إلى معرفة أحوال الرواة،

стр. 3799

فاضطروا إلى تتبع ذلك، وجمع التواريخ والمعاجم، ثم تبعهم غيرهم، ومنها: الإسناد الذي يعرف به حال الخبر، كان بدؤه في الحديث، ثم سرى إلى التفسير والتاريخ والأدب. هذا والعالم الراسخ هو الذي إذا حصل له العلم الشافي بقضية لزمها، ولم يبال بما قد يشكك فيها، بل إما أن يعرض عن تلك المشككات، وإما أن يتأملها في ضوء ما قد ثبت، فهاهنا من تدبر كتاب الله، وتتبع هدي رسوله ﷺ ، ونظر إلى ما جرى عليه العمل العام في عهد أصحابه، وعلماء أمته، بوجوب العمل بأخبار الثقات عن النبي ﷺ ، وأنها من صلب الدين، فمن أعرض عن هذا وراح يقول: لماذا لم تكتب الأحاديث؟ بماذا، لماذا؟ ويتبع قضايا جزئية - إما أن لا تثبت، وإما أن تكون شاذة، وإما أن يكون لها محمل لا يخالف المعلوم الواضح - فمن كان ذلك شأنه؛ فلا ريب في زيغه (١). فلا يتوهم بعض الناس أن الصحابة لم يكن لهم كتاب يتضمن علمًا غير كتاب الله - وهذا خطأ بيّن - بل قد كتب الصحابة عن النبي ﷺ حديثه، ودوّنوه في كتبهم بإذنه، كما مرّ في حديث أبي شاه، وحديث عبد الله بن عمرو، وبإقراره لهم كما مرّ أيضًا في حديث عبد الله بن عمرو، بل وبأمره بتقييد العلم حتى لا يندرس. أقول: وكان هذا التقييد للعلم وتدوينه على نوعين: الأول: جمع الأحاديث مدونة في كتاب، كيفما اتفق، بلا تأليف ولا ترتيب بينها، وهذا غالب جمعهم. الثاني: جمع باب بعينه. فمن الصنف الأول: ١ - كتاب النبي ﷺ إلى أهل اليمن، وقد تضمن أحكامًا كثيرة، وكان عند عمرو بن حزم (٢). ٢ - كتاب عبد الله بن عمرو ﵁، وكان يُسمي صحيفته الصادقة، وقد مر.

стр. 3800

٣ - كتاب عند أنس بن مالك ﵁، كان يقول فيه: سمعته من النبي ﷺ ، وعرضته عليه (١). ٤ - كان لسمرة بن جندب صحيفة كتب فيها ما سمعه من النبي ﷺ ، يرويها عنه الحسن البصري (٢)، وقد أثنى عليها محمد بن سيرين فقال: في رسالة سمرة إلى ابنه علم كثير. ٥ - كان لابن عباس ﵁ صحيفة يكتب فيها أفعال النبي ﷺ ، أخذها عن أبي رافع ﵁ (٣). ٦ - وكان لجابر ﵁ مشهورة، عرفت عند الحدثين باسمه، أخرج منها مسلم نحوًا من ثلاثين حديثًا في الحج. ٧ - كانت عند علي بن أبي طالب صحيفة ذكرها البخاري وغيره، وجمع ابن حجر في فتح الباري قطعًا منها (٤). ٨ - كتب عبد الله بن أوفى ﵄ حديث رسول الله ﷺ ، وأرسله إلى بعض أصحابه (٥). ٩ - صحيفة سعد بن عبادة ﵁ وهي سنن الترمذي. ومن الصنف الثاني: ١ - كتاب أبي بكر في فريضة الله في الصدقة، الذي كتبه عنه أنس بن مالك ﵁، قال في أوله: (هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين) (٦). وفي رواية عند الحاكم (كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة، فلم يخرجه إلى عماله حتى قُبض، فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر حتى قبض ... ) (٧) وذكر الكتاب.

стр. 3801

٢ - ومن ذلك كتاب علي ﵁ فقد كان يجمع أبوابًا من العلم منها: فكاك الأسير، الديات، لا يُقتل مسلم بكافر، وقد مر. ٣ - ومن ذلك الرسالة الطويلة التي كتبها زيد بن ثابت في أحكام المواريث، وفي سنن البيهقي قطع كثيرة منها (١). الوجه الخامس: الرد على شبهة النهي عن كتابة الحديث: ورد عن النبي ﷺ ما يدل على النهي عن كتابة الحديث، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ -قَالَ هَمَّامٌ أَحْسِبُهُ قَالَ: مُتَعَمِّدًا- فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (٢). ففي النص النهي عن كتابة الحديث، والأمر بمحو ما دُوِّن منه إن كان كتب، وفيه الحث على روايته شفاهًا، وفيه الزجر عن الكذب عليه، والتوعد على ذلك بنار جهنم، فتعلق بمثل هذا من قال بكراهة كتابة العلم من الصدر الأول، وتعلق به من المستشرفين مَن قال إن الحديث النبوي لم يدون سوى في القرن الثاني الهجري. وللعلماء فما الجمع بين هذه الأحاديث أقوال: الأول: الأحاديث إما مختلف في صحتها، وإما متفق على ضعفها (٣). قال الشيخ المعلمي: أما الأحاديث إما مختلف في صحتها، وإما متفق على ضعفها. فالأول: حديث مسلم وغيره، عن أبي سعيد الخدري مرفوعا "لا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ -قَالَ هَمَّامٌ أَحْسِبُهُ قَالَ: مُتَعَمِّدًا- فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (٤).

стр. 3802

والجواب من هذه الوجوه: الوجه الأول: أنه موقوف على أبي سعيد. قال ابن حجر: ومنهم من أعل حديث أبي سعيد، وقال: الصواب وقفه على أبي سعيد، قاله البخاري وغيره (١). أي الصواب أنه من قول أبي سعيد نفسه، وغلط بعض الرواة فجعله عن أبي سعيد عن النبي ﷺ ، وقد أورد ابن عبد البر قريبًا من معناه، موقوفًا، عن أبي سعيد، من طرق لم يذكر فيها النبي ﷺ . الوجه الثاني: المراد بهذا الحديث الوارد في النهي هو: من يوثق بحفظه، ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب، وتحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه. الوجه الثالث: أن النهي خاص بوقت نزول القرآن؛ خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك. الوجه الرابع: أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، والإذن في تفريقهما. الوجه الخامس: أن النهي متقدم، والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس (٢). وممن قال بهذا القول: ابن شاهين في (الناسخ والمنسوخ)، وابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث)، والخطابي في (معالم السنن)، والنووي في (شرح مسلم)، وابن الصلاح، والبيهقي، كما حكى ذلك عنهما: ابن كثير في (اختصار علوم الحديث)، وابن القيم في (زاد المعاد)، و (تهذيب سنن أبي داود)، وابن حجر في (فتح الباري) (٣). وقال ابن القيم: قد صح عن النبي ﷺ النهي عن الكتابة والإذن فيها، والإذن متأخر، فيكون ناسخًا لحديث النهي، فإن النبي ﷺ قال في غزاة الفتح "اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ" يعني خطبته التي سأل أبو شاة كتابتها، وأَذِنَ لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن

стр. 3803

النهي، لأنه لم يزل يكتب، ومات وعنده كتابته، وهي الصحيفة التي كان يسميها (الصادقة)، ولو كان النهي عن الكتابة متأخرًا؛ لمحاها عبد الله لأمر النبي ﷺ بمحو ما كُتبَ عنه غير القرآن، فلمَّا لم يحها وأثبتها؛ دَلَّ ىلى أنَّ الإذن في الكتابة متأخر عن النهي عنها، وهذا واضح والحمد لله (١). قال القاضي: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم، فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها، وزال ذلك الخلاف (٢). قال الحافظ ابن حجر: الإجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم (٣). وقد أجمع المسلمون على جواز كتابة الحديث وتسويغه (٤). قال المعلمي: أما البخاري فقال في صحيحه: (باب كتابة العلم)، ثم ذكر قصة الصحيفة التي كانت عند علي ﵁، ثم خطبة النبي ﷺ زمن الفتح وسؤال رجل أن يكتب له، فقال النبي ﷺ : (اكتبوا لأبي فلان)، وفي غير هذه الرواية (لأبي شاه) ثم قول أبي هريرة ﵁: ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب وأنا لا أكتب (٥). ثم حديث ابن عباس في قصة مرض النبي ﷺ ، وقوله: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده"، وفي بعض روايات حديث أبي هريرة في شأن عبد الله بن عمرو:

стр. 3804

"استأذن رسول الله ﷺ أن يكتب بيده ما سمع منه فأذن له" (١). وقد اشتهرت صحيفة عبد الله بن عمرو التي كتبها عن النبي ﷺ ، وكان يغتبط بها ويسميها (الصادقة)، وبقيت عند ولده يروون منها (٢). أما ما زعمه أن صحيفة عبد الله بن عمرو إنما كانت فيها أذكار وأدعية فباطل قطعًا، وأما زيادة ما انتشر عن أبي هريرة من الحديث عما انتشر عن عبد الله بن عمرو؛ فلأن عبد الله لم يتجرد للرواية تجرد أبي هريرة، وكان أبو هريرة بالمدينة وكانت دار الحديث لعناية أهلها بالرواية، ولرحلة الناس إليها لذلك، وكان عبد الله تارة بمصر، وتارة بالشام، وتارة بالطائف، مع أنه كان يكثر من الأخبار عما وجده من كتب قديمة باليرموك، وكان الناس لذلك كأنهم قليلو الرغبة في السماع منه، ولذلك كان معاوية وابنه قد نهياه عن التحديث. فهذه الأحاديث -وغيرها مما يأتي- إن لم تدل على صحة قول البخاري وغيره: إن حديث أبي سعيد غير صحيح عن النبي ﷺ ، فإنها تقضي بتأويله، وقد ذكر في فتح الباري أوجها للجمع، والأقرب ما يأتي: قد ثبت في حديث زيد بن ثابت في جمعه القرآن (فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف) (٣)، وفي بعض رواياته ذكر القصب وقطع الأديم، وهذه كلها قطع صغيرة، وقد كانت تنزل على النبي ﷺ الآية والآيتان، فكان بعض الصحابة يكتبون في تلك القطع فتتجمع عند الواحد منهم عدة قطع، في كل منها آية أو آيتان أو نحوها، وأن هذا هو المتيسر لهم، فالغالب أنه لو كتب أحدهم حديثا؛ لكتبه في قطعة من تلك القطع، فعسى أن يختلط عند بعضهم القطع المكتوب فيها الأحاديث بالقطع المكتوب فيها الآيات، فنهوا عن كتابة الحديث سدًّا للذريعة.

стр. 3805

- أما قول بعضهم (هذا سبب لا يقتنع به عاقل عالم ... اللهم إلا إذا جعلنا الأحاديث من جنس القرآن في البلاغة، وأن أسلوبها في الإعجاز من أسلوبه). فجوابه: أن القرآن إنما تحدى أن يؤتى بسورة من مثله، والآية والآيتان دون ذلك، ولا يشكل على هذا الوجه صحيفة علي، لأنه جمع فيها عدة أحكام، وكان علي لا يخشى عليه الالتباس. ولا قصة أبي شاه، لأن أبا شاه لم يكن ممن يكتب القرآن، وإنما سأل أن تكتب له تلك الخطبة. ولا قوله ﷺ في مرض موته: ائتوني بكتاب ... الخ؛ لأنه لو كتب لكان معروفًا عند الحاضرين، وهم جمع كثير. ولا قضية عبد الله بن عمرو، فإنه فيما يظهر حصل على صحيفة فيها عدة أوراق، فاستأذن أن يكتب فيها الأحاديث فقط. وكذلك الكتب التي كتبها النبي ﷺ لعماله، وفيها أحكام الصدقات وغيرها، وكان كلها أو أكثرها مصدرًا بقوله: "من محمد رسول الله ... الخ" هذا كله على فرض صحة حديث أبي سعيد. أما على ما قاله البخاري وغيره من عدم صحته عن النبي ﷺ ؛ فالأمر أوضح، وسيأتي ما يشهد لذلك. الثاني: حديث "دخل زيد بن ثابت على معاوية، فسأله عن حديث، وأمر إنسانًا أن يكتبه فقال له زيد: إن رسول الله ﷺ أمرنا أن لا نكتب شيئا من حديثه، فمحاه (١) ".

стр. 3806

الثالث: ما روي عن عائشة قالت: "جمع أبي الحديث عن رسول الله ﷺ ، فكانت خمسمائة حديث، فبات يتقلب ... فلما أصبح قال: أي بنية، هلمي الأحاديث التي عندك، فجئته بها فأحرقها، وقال: خشيت أن أموت وهي عندك، فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني، فأكون قد تقلدت ذلك"، زاد الأحوص بن المفضل في روايته: أو يكون قد بقى حديث لم أجده فيقال: لو كان قاله رسول الله ﷺ ما خفي على أبي بكر (١). أقول: لو صح هذا لكان حجة على ما قلناه، فلو كان النبي ﷺ نهى عن كتابة الأحاديث مطلقًا لما كتب أبو بكر، وأما الإحراق فلسبب أو سببين آخرين، كما رأيت. الرابع: ما روي عن عروة: "أن عمر أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله في ذلك -ورواية البيهقي: فاستشار- فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله شهرًا، ثم أصبح يومًا، وقد عزم الله له فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبا، فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدًا- ورواية البيهقي: لا ألبس كتاب الله بشيء أبدًا" (٢). والجواب عليه من هذه الوجوه: الوجه الأول: الخبر منقطع؛ لأن عروة لم يدرك عمر. الوجه الثاني: أن هذا -إن صح- فهو حجة لما قلناه، فلو كان النبي ﷺ نهى عن كتابة الأحاديث مطلقًا؛ لما هم بها عمر ولما أشار عليه الصحابة بها، وأما عدوله عنها فلسبب آخر، كما رأيت.

стр. 3807

الوجه الثالث: أنه -إن صح- أيضًا؛ فإنما كانت تلك الخشية في عهد عمر، ثم زالت، وقد قال عروة نفسه: "وكنا نقول لا نتخذ كتابًا مع كتاب الله، فمحوت كتبي، فوالله لوددت أن كتبي عندي، وإن كتاب الله قد استمرت مريرته (١) " يعني قد استقر أمره، وعلمت مزيته، وتقرر في أذهان الناس أنه الأصل، والسنة بيان له، فزال ما كان يخشى من أن يؤدي وجود كتاب للحديث؛ إلى أن يكب الناس عليه، ويدعوا القرآن. الخامس: وما روي عن يحيى بن جعده: أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب إلى الأمصار من كان عنده شيء؛ فليمحه (٢). السادس: ما روى عن عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم بن محمد أن يملى على أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب، فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها: مثناة كمثناة أهل الكتاب، قال: فمنعني القاسم بن محمد يومئذ أن أكتب حديثًا. (٣) السابع: ما روي عن جابر بن عبد الله بن يسار قال: سمعت عليًا يخطب يقول: أعزم على كل من عنده كتاب إلا رجع فمحاه؛ فإنما هلك الناس حين تتبعوا أحاديث علمائهم، وتركوا كتاب ربهم) (٤). والجواب عليه من وجوه: الوجه الأول: الأثر لا يصح؛ فلا يحتج به.

стр. 3808

الوجه الثاني: أنه إن صحت هذه الحكاية؛ فإنما قال: (أحاديث علمائهم) ولم يقل: (أحاديث أنبيائهم)، وكلمة (حديث) بمعنى: (كلام)، واشتهارها فيما كان عن النبي ﷺ اصطلاح متأخر، وقد كان بعض الناس يثبتون كلام علي في حياته، وفي مقدمة صحيح مسلم، عن ابن عباس ما يعلم منه أنه كان عنده كتاب فيه قضاء علي، منها ما عرفه ابن عباس، ومنها ما أنكره، ولفظه: "فدعا بقضاء علي، فجعل يكتب منه أشياء، ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضل". ثم ذكر عن طاوس قال: "أتى ابن عياش بكتاب فيه قضاء علي ... ". فإن صحت هذه الحكاية؛ فكأن بعض الناس كتب شيئًا من كلام علي، أو غيره من العلماء، فتناقله الناس، فبلغ عليًا ذلك؛ فقال ما قال. الوجه السادس: كتابة التابعين للسنة وحفظها، وضوابط ذلك: وأما تدوين السنة في عصر التابعين، فكل تابعي له صحيفة، أو كتاب يرويه عن الصحابة، لكن كانت الأحاديث تجمع بلا تأليف ولا ترتيب، ومن ذلك: ١ - صحيفة همام بن منبه اليماني عن جبل السنة أبي هريرة ﵁، وقد جاء منها في مسند أحمد (١) نحوًا من أربعين ومئة حديث، وهي مفرقة في الصحيحين، وغيرهما من كتب السنة. ٢ - صحيفة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص. ٣ - صحيفة وهب بن منبه عن جابر ﵁ (٢). ٤ - صحيفة الحسن البصري عن سمرة ﵁. ٥ - ومن ذلك: كتب عروة بن الزبير التي احترقت يوم الحرة (٣)، وكان يقول: وددت لو أن عندي كتبي بأهلي ومالي (٤).

стр. 3809

٦ - ومن ذلك كتب عبد الرحمن بن الزناد كان يقول: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه؛ علمت أنه أعلم الناس (١). ٧ - ومن ذلك كتب صالح بن كيسان قال: كنت أطلب العلم أنا والزهري، فقال: نكتب السنن، قال: فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ (٢). ٨ - ومن ذلك كتب الحسن البصري يقول الحسن: إن لنا كتبًا نتعاهدها (٣). ٩ - ومن ذلك كتب الشعبي التي دوّن فيها السنن، حتى قال: الكتاب قيد العلم (٤). ١٠ - ومن ذلك كتب سعيد بن جبير، حتى بلغ من حرصه أنه كان إذا جالس ابن عمر وابن عباس ﵄ فيسمع منهما الحديث، فيكتبه في واسطة الرحل فإذا نزل نسخه (٥). - وابن عقيل، ومحمد بن الحنفية، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن يزيد الجرمي، وقتادة بن دعامة السدوسي، وخلق كثير (٦). فأنت ترى بوضوح: أن الزعم بأن السنة لم تكن مكتوبة مدونة سوى في منتصف القرن الثاني للهجرة، وأن المسلمين لم يكن لهم كتاب مكتوب سوى القرآن، دعوى عارية من الصحة، بعيدة عن الصواب "وشر المطية زعموا". قال ابن رجب: اعلم أن العلم المتلقى عن النبي ﷺ -من أقواله وأفعاله- كان الصحابة ﵃ في زمن نبيهم ﷺ يتداولونه بينهم، حفظًا له ورواية، ومنهم من كان يكتب،

стр. 3810

ثم بعد وفاة النبي ﷺ كان بعض الصحابة يرخص في كتابة العلم عنه، وبعضهم لا يرخص في ذلك، ودرج التابعون أيضًا على هذا الاختلاف، والذي كان يكتب في زمن الصحابة والتابعين لم يكن تصنيفًا مرتبًا مبوبًا، إنما كان يكتب للحفظ والمراجعة فقط، ثم إنه في عصر تابعي التابعين صنف التصانيف (١). وقد كانت تصانيفهم تجمع أحاديث الرسول ﷺ وأقوال الصحابة والتابعين، وكان من أوائل من صنف من أتباع التابعين على ما ذكر العلماء: ابن جريج بمكة، ومالك بن أنس بالمدينة، والربيع بن صبيح، وحماد بن سلمة، وسعيد بن أبي عروية بالبصرة، وسفيان الثوري بالكوفة، ومعمر باليمن، وعبد الله بن المبارك بخراسان، والأوزاعي بالشام، وهشيم بواسط، وجرير بن عبد الحميد بالرِّي (٢). قال العراقي وابن حجر: وكان هؤلاء في عصر واحد فلا ندري أيهم أسبق (٣). وقد وصل إلينا من مصنفات أتباع التابعين، كتاب (الموطأ) لإمام دار الهجرة مالك بن أنس (٩٣ - ١٧٩ هـ). قال الشافعي عنه: ما في الأرض بعد كتاب الله أكثر صوابًا من موطأ مالك بن أنس (٤). وكتاب (الموطأ) مشهور شهرة عظيمة، وقد طُبع ما لا يحصى من المرات، وقد رواه عن مالك خلق كثير، ولكن أشهر رواية له هي رواية يحيى بن يحيى الأندلسي. وكذلك وصل إلينا كتاب (الجامع) لمعمر بن راشد الصنعاني (ت ١٥٤ هـ)، وقد طُبع مع مصنف عبد الرزاق في آخر ملحق به (٥).

стр. 3811

وكذلك وصل إلينا جزء من (الجامع الصغير) للإمام العلم: سفيان بن سعيد الثوري، ولسفيان الثوري جامعان: (الجامع الصغير)، وهو آثار كله، كما قال أبو العرب القيرواني في (طبقاته)، و (الجامع الكبير في الفقه والاختلاف)، وهذا الكتاب اشتمل بالإضافة إلى الآثار على أقوال كثيرة لسفيان الثوري وفتاويه (١). ووصل إلينا أيضًا مصنفات لعبد الله بن المبارك (١١٨ - ١٨١ هـ) ككتاب (الزهد) وكتاب (الجهاد)، وكلاهما مطبوع. وقال ابن حجر: ثم تلا المذكورين -أي أتباع التابعين الذين بدأوا التصنيف- كثير من أهل عصرهم إلى أن رأى بعضُ الأئمة أن تفرد أحاديث النبي ﷺ خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسندًا، وصنف مُسَدَّد البصري مسندًا، وصنف أسد بن موسى الأموي مسندًا، ثم اقتفى الأئمة آثارهم، فقلَّ إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد، كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة (٢). والمسند هو: كتاب يجمع فيه صاحبه ما رواه كل صحابي على حدة، فيبدأ مثلًا بما رواه أبو بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ ، ثمَّ ما رواه عمر، ثم ما رواه عثمان، ثم ما رواه علي، وهكذا، ولا يكون ترتيبًا على الأبواب الفقهية. وقد صنف المسند بالإضافة إلى من ذكرهم ابن حجر: - أبو داود الطيالسي (١٣٣ - ٢٠٤ هـ)، بل قال الحاكم، والخليلي في (الإرشاد): أنَّ أولَّ من صنف المسند على ترتيب الصحابة بالبصرة: أبو داود الطيالسي، وبالكوفة عبيد الله بن موسى (٣).

стр. 3812

- وكذلك صنف الحميدي (ت ٢١٩ هـ)، وهو من شيوخ البخاري مسندًا، وكثير من هذه المسانيد مطبوعة ومتداولة. ثم دخل القرن الثالث للهجرة، وهو العصر الذهبي لتدوين السنة النبوية الشريفة، وما انخرم هذا القرن إلا والسنة النبوية قد دُونت بالكامل تقريبًا، فما من إمام من أئمة الحديث الحفاظ إلا وصنف كتابًا يجمع فيه أحاديث النبي ﷺ ، التي سمعها بالأسانيد إلى رسول الله ﷺ . وكان من أبرز وأشهر من دون السنة في هذا العصر: إمام المحدثين، وجبل الحفظ وقدوة العلماء، العالم الرباني أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (١٩٤ - ٢٥٦ هـ). ورأى أن يفرد صحيح الأحاديث بكتاب، فصنف كتابه (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه) (١)، وهو المشهور بـ (صحيح البخاري)، وكان مَمَّا قوَّى عزمه على تأليف هذا الكتاب: أنه كان يومًا عند شيخه إسحاق بن راهويه فقال إسحاق: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله ﷺ . قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع (الجامع الصحيح) (٢). قال الإمام النسائي: ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل (٣). ثم تلاه صاحبه وتلميذه: الإمام الحجة أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري (٢٠٤ - ٢٦١)، وسار على دربه، ونسج على منواله، وأفرد الأحاديث الصحيحة بكتاب، وهو المشهور بـ (صحيح مسلم)، ولكن البخاري ومسلم -كلاهما- لم يستوعبا الصحيح كله. فعن إبراهيم بن معقل قال: سمعتُ البخاري يقول: ما أدخلتُ في كتابي (الجامع) إلا ما صح، وتركتُ من الصحاح لحال الطول (٤).

стр. 3813

وكذلك مسلم لم يستوعب كل الصحيح، قال النووي: اتفق العلماء على أنَّ أصح الكتب بعد القرآن العزيز: البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما، وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صح أنَّ مسلمًا كان ممن يستفيد من البخاري، ويعترف بأنَّه ليس له نظير في علم الحديث (١). وقال ابن كثير: أول من اعتنى بجمع الصحيح: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وتلاه صاحبه وتلميذه مسلم بن الحجاج، فهما أصح كتب الحديث (٢). وصنف أيضًا -مع البخاري ومسلم في هذا العصر- أصحاب السنن الأربعة سننهم، وهي: (سنن أبي داود) لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (٢٠٢ - ٢٧٥)، و (سنن الترمذي) أو (جامع الترمذي) لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي (٢١٠ - ٢٧٩)، و (سنن ابن ماجه) لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني (٢٠٩ - ٢٧٣)، المعروف بابن ماجه، و (سنن النسائي) لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، وقد اختصره ابن السُّنِّي وهو تلميذ النسائي وسمَّاه (المجتبى) كما قال الذهبي (٣). فللنسائي كتابان: الأول، ويعرف (بالسنن الكبرى)، والثاني وهو (المجتبى)، وهو اختصار واختيار تلميذه ابن السُّنِّي. وهذه الكتب الأربعة جمعت الصحيح والضعيف، ويطلق عليها: كتب السنن، ويطلق عليها مع الصحيحين: الكتب الستة، وهي أشهر كتب السنة، بالإضافة إلى (موطأ) مالك، ومسند أحمد بن حنبل. وممن صنف أيضًا في هذا العصر الذهبي غير أصحاب الكتب الستة:

стр. 3814

- الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (١٨١ - ٢٥٥)، وكتابه معروف بـ (سنن الدارمي). - وأبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي (٢١٠ - ٣٠٧)، وكتابه معروف بـ (مسند أبي يعلى). - وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (٢٢٣ - ٣١١)، وكتابه معروف بـ (صحيح ابن خزيمة). - وتبعه تلميذه: أبو حاتم محمد بن حبان التميمي السجستاني (ت ٣٥٤ هـ)، وكتابه يُعرف بـ (صحيح ابن حبان). لكن قال العلماء: إنَّ كتابهما لا يبلغان مبلغ البخاري ومسلم، فقد اشترطا الصحة ولكنهما تساهلا في الحكم بالصحة على أحاديث كثيرة. وصنف خلق كثير غير هؤلاء في هذا العصر، ثم تبعهم أئمة حفاظ آخرون. فمنهم الطبراني (٢٦٠ هـ-٣٦٠ هـ)، فقد صنف معاجمه الثلاث: (المعجم الكبير)، و (المعجم الأوسط)، و (المعجم الصغير)، وغير ذلك من الكتب. والدارقطني (٣٠٦ - ٣٨٥ هـ)، وكتابه معروف (بسنن الدارقطني). ثم صنف أبو عبد الله محمد بن عبد الله، المعروف بالحاكم (ت ٤٠٥ هـ) (المستدرك على الصحيحين). وتبعه تلميذه: أحمد بن الحسين البيهقي (٣٨٤ - ٤٥٨ هـ)، وصنف (السنن الكبرى)، و (السنن الصغير)، وغير ذلك كثير من الكتب، وهذه هي أشهر كتب السنة التي جمعت حديث رسول الله ﷺ ، وهناك مئات أخرى من الكتب ما بين مسانيد ومعاجم، وسنن وصحاح، وجوامع وأجزاء حديثية لا يتسع المجال لذكرها، والحمد لله رب العالمين. وبهذا يتبين بجلاء من خلال هذه المراحل اتصال النقل إلى النبي ﷺ ، فلم يُنْقل كلام عنه إلا بإسناد، ووضع العلماء القواعد لتمييز الأسانيد، صحيحها من سقيمها، وبهذا اختصت هذه الأمة بأنها أمة الإسناد، فليس بينها وبين نبيها سقط أو انقطاع، والحمد لله رب العالمين. الوجه السابع: وجود ضوابط وأسس حتى تقبل بها الروايات، ومنها:

стр. 3815

١ - المعارضة: وهي مقابلة المكتوب -بالسماع من الشيخ المروي عنه- مرة أخرى مع الشيخ، بأن يقرأ عليه ما كتب؛ حتى يُجيزه الشيخ به، وتلك سنة أخذها المحدثون من النبي ﷺ حتى قال في مرض موته: "إن جبريل كان يُعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي ..... ". (١) بل إن أنس بن مالك ﵁ كان له كتاب عن النبي ﷺ كتبه عنه، وعرضه عليه، كما في مستدرك الحاكم، وقد مر منذ قليل. حتى عقد الخطيب البغدادي لذلك بابًا في كتابه: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع قال فيه (٢): باب وجوب المعارضة بالكتاب لتصحيحه، وإزالة الشك والارتياب، ثم قال: يجب على من كتب نسخة من أصل بعض الشيوخ أن يُعارض نسخته بالأصل، فإن ذلك شرط في صحة الرواية من الكتاب المسموع. ثم روى بسنده عن هشام بن عروة قال: قال لي أبي: كتبت؟ قال: قلت: نعم، قال عارضت؟ قلت: لا، قال: فلم تكتب! ٢ - حفظ الكتاب، وذلك بأمرين: الأول: صيانته ألا تصل له يد، وقد مر أن عبد الله بن عمرو كان له صندوق له حلق يحفظ فيه كتابه، وكان علي يحفظ كتابه في قراب سيفه، وكان خالد بن معدان الذي لقي سبعين صحابيًا يتخذ لكتابه عرى وأزرارًا؛ حفظًا له (٣). الثاني: حفظه حفظ الصدر، فقد كان قتادة يحفظ صحيفة جابر ﵁. أقول: ثم كان بعد ذلك أول جمع للسنة يُراد به الاستقصاء؛ خوفًا من أن يندرس العلم ويضيع، وذلك في سنة مئة أو نحوها، حيث بعث عمر بن عبد العزيز ﵀ بأمر لابن شهاب الزهري أن يدون سنة النبي ﷺ ، وبعث به إلى كل أرض له عليها سلطان. (٤)

стр. 3816

وبعثه لأبي بكر بن حزم الأنصاري: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث رسول الله ﷺ ، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا (١). خلاصة ما مر: ١ - كتابة السنة كانت موجودة في عصر الصحابة والتابعين، وقلَّ تابعي لم يكن له كتاب. ٢ - تدوين السنة بمعنى جمعها وتصنيفها بدأ في نهاية القرن الهجري الأول. ٣ - أن التدوين المعني في الفقرة السابقة هو: التأليف والترتيب، وذلك ما عناه علماء الإسلام بقولهم: أول مَن دوّن السنن ابن شهاب الزهري، ولذا قال الحافظ في الفتح: وأول مَن دوّن الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير (٢). ٤ - أن جمع عمر بن عبد العزيز ﵁ قام على أسس الرواية الشفاهية، وهذا الجمع الذي جمعه الصحابة والتابعون.

стр. 3817

٤ - رواية الحديث بالمعنى نص الشبهة: ادعاؤهم أن تأخر تدوين السنة أدى إلى روايتها بالمعنى؛ فضاع كثير من ألفاظها. والرد على ذلك من وجوه. الوجه الأول: شروط وضوابط قبول الحديث، وطرق تحمله . الوجه الثاني: أن الأصل هو المنع من رواية الحديث بالمعنى. الوجه الثالث: شروط وضوابط رواية الحديث بالمعنى عند مَنْ جوزها. الوجه الرابع: الرواية بالمعنى تمنع باتفاق في الأحاديث المتعبد بلفظها: كالأذكار. الوجه الخامس: الرواية بالمعنى على أنواع. الوجه السادس: رواية الصحابة لم تكن بالمعنى على الإطلاق. الوجه السابع: الاختلاف في التلقين يؤدي إلى الاختلاف في التعبير. الوجه الثامن: ثقة الصحابة وضبطهم وعدالتهم. الوجه التاسع: إن القواعد التي أخذ بها جامعوا الأحاديث أنفسهم عند تدوينها هي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد. الوجه العاشر: الرواية بالمعنى لا تعد كذبًا، والصحابة إنما أمروا بالتبليغ على ما جرت به العادة. الوجه الحادي عشر: الأحاديث ليست كلها قولية، بل منها ما هو إخبار عن أفعال النبي ﷺ ، وهي كثيرة. الوجه الثاني عشر: التابعون كانوا يحفظون الحديث كما يحفظون القرآن. وإليك التفصيل، الوجه الأول: شروط وضوابط قبول الحديث، وطرق تحمله. قال القاضي عياض: اعلم أن طريق النقل ووجوه الأخذ وأصول الرواية على أنواع كثيرة، ويجمعها ثمانية ضروب، وكل ضرب منها له فروع وشعوب، ومنها ما يتفق عليه في الرواية والعمل، ومنها ما يختلف فيهما جميعًا أو في أحدها، كما سنوضحه إن شاء الله تعالى:

стр. 3818

أولها: السماع من لفظ الشيخ. ثانيهما: القراءة عليه. ثالثهما: المناولة. رابعهما: الكتابة. خامسها: الإجازة. سادسها: الإعلام للطالب بأن هذه الكتب روايته. وسابعهما: وصيته بكتبه له. وثامنها: الوقوف على خط الراوي فقط (الوجادة). (١) فمصطلح الحديث: علم يعرف به حال الراوي والمروي من حيث القَبول والرد. ثم اعلم أن رواية الحديث فرع عن أصل، وهو: تحمل الحديث، ثم هي فرع عن أصل آخر وهو: شروط الراوي المحتج به الذي يتحمل أهل العلم الرواية عنه، والتي تضمن الكفاية لصدق الراوي فيما يروي، ثم لضبطه وسلامته من الغفلة والنسيان. وشروط الراوي المتحمل للحديث: - الإسلام: فإن سمع كافرًا، وأدى مسلمًا؛ قُبل منه. - التكليف: بأن يكون بالغًا عاقلًا، واشتراط البلوغ لكون الطفل لا وازع له يكفه عن الكذب، وأما العقل فحتى يُميز وَيعي ويُدرك ما يسمعه، فإن سمع الصبي، ووعى وضبط، ثم أداه بالغًا؛ قُبل. - العدالة: وهي ملكة حاملة على ملازمة التقوى يسلم بها صاحبها من أسباب الفسق وخوارم المروءة، والتقوى: امتثال المأمورات واجتناب المنهيات فلا يفعل كبيرة، ولا يصر على صغيرة. - المروءة: أدب نفس يحمل صاحبه على الوقوف على محاسن الأخلاق، وجميل العادات، ومما يُخل بها: الصغائر الدالة على الخسة، والمباحات التي تورث احتقار الناس وتذهب بكرامة العالم، كفرط مزاح يخرج به عن حد الآداب الشرعية. - الضبط: والمقصود بالضبط: ضبط رواية الحديث، وهو قسمان: ضبط صدر، وضبط كتاب. فالأول: بأن يحفظ ما سمعه من شيخه بحيث يتمكن من استحضاره، والتحديث به متى شاء، من وقت سماعه إلى وقت أدائه.

стр. 3819

والثاني: بأن يحافظ على كتابه الذي كتبه بإملاء شيخه، ثم معارضته مع الأصل، وصيانته من أن يتطرق إليه تغيير، من وقت سماعه إلى وقت أدائه، بحيث لا يُعيره إلا لمن يثق بدينه وعلمه. والعدالة والضبط يُعرفان بالاشتهار، والشهرة لها معنيان: ١ - شهرة الراوي بحيث تنتفي جهالة عينه، ويعلم صدقه وعدالته، فهذه تنفي عنه جهالة العين. ٢ - شهرته بطلب علم الحديث، بحيث يتبين ضبطه وتحريه. قال الخطيب البغدادي: ذكر صفة من يحتج بروايته إذا كان يحدث من حفظه للرواية عن الحفظ شرائط نحن نذكرها بمشيئة الله تعالى، ونشرح ما يتعلق بها، فأول شرائط الحافظ المحتج بحديثه، إذا ثبتت عدالته: أن يكون معروفًا عند أهل العلم بطلب الحديث وصرف العناية إليه. قال شعبة: خذوا العلم من المشتهرين. قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: لا يؤخذ العلم إلا عمن شهد له بطلب الحديث. قال عبد الله بن عون: لا نكتب الحديث إلا ممن كان عندنا معروفا بالطلب. قال ابن وهب وحدثني مالك، قال: أدركت بهذا البلد رجالًا من بني المائة ونحوها يحدثون الأحاديث، لا يؤخذ منهم، ليسوا بأئمة، فقلت لمالك: وغيرهم دونهم في السن يؤخذ ذلك منهم؟ قال: نعم، ويجب أن يكون حفظه مأخوذًا عن العلماء، لا عن الصحف. (١) قال سليمان بن موسى: لا تأخذوا العلم من الصحفيين. قال ثور بن يزيد: لا يفتي الناس صحفي، ولا يقرئهم مصحفي. قال أحمد بن إسحاق النهاوندي: أنشدنا الحسن بن عبد الرحمن لبعضهم يذكر قومًا لا رواية لهم، ومن بطون كراريس روايتهم، لو ناظروا باقلًا يومًا؛ لما غلبوا، والعلم إن فاته

стр. 3820

إسناد مسنده؛ كالبيت ليس له سقف ولا طنب، والتصحيف والإحالة يسبقان إلى من أخذ العلم عن الصحف. قال يحيى بن سعيد: ينبغي في هذا الحديث غير خصلة، ينبغي لصاحب الحديث أن يكون ثبت الأخذ، ويكون يفهم ما يقال له، ويبصر الرجال ثم يتعاهد ذلك. قال أبو نعيم: لا ينبغي أن يؤخذ الحديث إلا عن ثلاثة، حافظ له، أمين عليه، عارف بالرجال، ثم يأخذ نفسه بدرسه وتكريره؛ حتى يستقر له حفظه. (١) قال عبد الرحمن بن مهدي: الحفظ هو الإتقان، ويجب أن يتثبت في الرواية حال الأداء، ويروي ما لا يرتاب في حفظه، ويتوقف عما عارضه الشك فيه. قال عبد الله بن إدريس: كان أبي يقول لي: احفظ، وإياك والكتاب، فإذا حفظت فاكتب، فإن احتجت يومًا أو شغل قلبك وجدت كتابك. (٢) قال مروان: ثلاثة ليس لصاحب الحديث عنها غنى: الحفظ، والصدق، وصحة الكتب، فإن أخطأت واحدة فكانت فيه ثنتان؛ لم يضره إن أخطأ الحفظ، ورجع إلى صدق وصحة كتب لم يضره، قال: وقال مروان طال الإسناد وسيرجع الناس إلى الكتب (٣). قال جعفر الطيالسي: ينبغي للرجل أن يتزر بالصدق، ويرتدي بالكتب هكذا كان في كتاب ابن مهدي، ولم يجاوز جعفر (٤). قال الشافعي: فقال لي قائل: احْدُدْ لي أقلَّ ما تقوم به الحجة على أهل العلم؛ حتى يَثْبَتَ عليهم خبرُ الخاصَّة؛ فقلت: خبرُ الواحد عن الواحد حتى يُنْتَهَى به إلى النبي، أو مَنْ انتهى به إليه دونه. ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يَجْمَعَ أُمورًا منها:
следующие страницы →