وبعثه لأبي بكر بن حزم الأنصاري: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث رسول الله ﷺ ، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا (١).
خلاصة ما مر:
١ - كتابة السنة كانت موجودة في عصر الصحابة والتابعين، وقلَّ تابعي لم يكن له كتاب.
٢ - تدوين السنة بمعنى جمعها وتصنيفها بدأ في نهاية القرن الهجري الأول.
٣ - أن التدوين المعني في الفقرة السابقة هو: التأليف والترتيب، وذلك ما عناه علماء الإسلام بقولهم: أول مَن دوّن السنن ابن شهاب الزهري، ولذا قال الحافظ في الفتح: وأول مَن دوّن الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير (٢).
٤ - أن جمع عمر بن عبد العزيز ﵁ قام على أسس الرواية الشفاهية، وهذا الجمع الذي جمعه الصحابة والتابعون.
стр. 3817
٤ - رواية الحديث بالمعنى
نص الشبهة:
ادعاؤهم أن تأخر تدوين السنة أدى إلى روايتها بالمعنى؛ فضاع كثير من ألفاظها.
والرد على ذلك من وجوه.
الوجه الأول: شروط وضوابط قبول الحديث، وطرق تحمله .
الوجه الثاني: أن الأصل هو المنع من رواية الحديث بالمعنى.
الوجه الثالث: شروط وضوابط رواية الحديث بالمعنى عند مَنْ جوزها.
الوجه الرابع: الرواية بالمعنى تمنع باتفاق في الأحاديث المتعبد بلفظها: كالأذكار.
الوجه الخامس: الرواية بالمعنى على أنواع.
الوجه السادس: رواية الصحابة لم تكن بالمعنى على الإطلاق.
الوجه السابع: الاختلاف في التلقين يؤدي إلى الاختلاف في التعبير.
الوجه الثامن: ثقة الصحابة وضبطهم وعدالتهم.
الوجه التاسع: إن القواعد التي أخذ بها جامعوا الأحاديث أنفسهم عند تدوينها هي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد.
الوجه العاشر: الرواية بالمعنى لا تعد كذبًا، والصحابة إنما أمروا بالتبليغ على ما جرت به العادة.
الوجه الحادي عشر: الأحاديث ليست كلها قولية، بل منها ما هو إخبار عن أفعال النبي ﷺ ، وهي كثيرة.
الوجه الثاني عشر: التابعون كانوا يحفظون الحديث كما يحفظون القرآن.
وإليك التفصيل،
الوجه الأول: شروط وضوابط قبول الحديث، وطرق تحمله.
قال القاضي عياض: اعلم أن طريق النقل ووجوه الأخذ وأصول الرواية على أنواع كثيرة، ويجمعها ثمانية ضروب، وكل ضرب منها له فروع وشعوب، ومنها ما يتفق عليه في الرواية والعمل، ومنها ما يختلف فيهما جميعًا أو في أحدها، كما سنوضحه إن شاء الله تعالى:
стр. 3818
أولها: السماع من لفظ الشيخ. ثانيهما: القراءة عليه. ثالثهما: المناولة.
رابعهما: الكتابة. خامسها: الإجازة. سادسها: الإعلام للطالب بأن هذه الكتب روايته.
وسابعهما: وصيته بكتبه له. وثامنها: الوقوف على خط الراوي فقط (الوجادة). (١)
فمصطلح الحديث: علم يعرف به حال الراوي والمروي من حيث القَبول والرد.
ثم اعلم أن رواية الحديث فرع عن أصل، وهو: تحمل الحديث، ثم هي فرع عن أصل آخر وهو: شروط الراوي المحتج به الذي يتحمل أهل العلم الرواية عنه، والتي تضمن الكفاية لصدق الراوي فيما يروي، ثم لضبطه وسلامته من الغفلة والنسيان.
وشروط الراوي المتحمل للحديث:
- الإسلام: فإن سمع كافرًا، وأدى مسلمًا؛ قُبل منه.
- التكليف: بأن يكون بالغًا عاقلًا، واشتراط البلوغ لكون الطفل لا وازع له يكفه عن الكذب، وأما العقل فحتى يُميز وَيعي ويُدرك ما يسمعه، فإن سمع الصبي، ووعى وضبط، ثم أداه بالغًا؛ قُبل.
- العدالة: وهي ملكة حاملة على ملازمة التقوى يسلم بها صاحبها من أسباب الفسق وخوارم المروءة، والتقوى: امتثال المأمورات واجتناب المنهيات فلا يفعل كبيرة، ولا يصر على صغيرة.
- المروءة: أدب نفس يحمل صاحبه على الوقوف على محاسن الأخلاق، وجميل العادات، ومما يُخل بها: الصغائر الدالة على الخسة، والمباحات التي تورث احتقار الناس وتذهب بكرامة العالم، كفرط مزاح يخرج به عن حد الآداب الشرعية.
- الضبط: والمقصود بالضبط: ضبط رواية الحديث، وهو قسمان:
ضبط صدر، وضبط كتاب.
فالأول: بأن يحفظ ما سمعه من شيخه بحيث يتمكن من استحضاره، والتحديث به متى شاء، من وقت سماعه إلى وقت أدائه.
стр. 3819
والثاني: بأن يحافظ على كتابه الذي كتبه بإملاء شيخه، ثم معارضته مع الأصل، وصيانته من أن يتطرق إليه تغيير، من وقت سماعه إلى وقت أدائه، بحيث لا يُعيره إلا لمن يثق بدينه وعلمه.
والعدالة والضبط يُعرفان بالاشتهار، والشهرة لها معنيان:
١ - شهرة الراوي بحيث تنتفي جهالة عينه، ويعلم صدقه وعدالته، فهذه تنفي عنه جهالة العين.
٢ - شهرته بطلب علم الحديث، بحيث يتبين ضبطه وتحريه.
قال الخطيب البغدادي: ذكر صفة من يحتج بروايته إذا كان يحدث من حفظه للرواية عن الحفظ شرائط نحن نذكرها بمشيئة الله تعالى، ونشرح ما يتعلق بها، فأول شرائط الحافظ المحتج بحديثه، إذا ثبتت عدالته: أن يكون معروفًا عند أهل العلم بطلب الحديث وصرف العناية إليه.
قال شعبة: خذوا العلم من المشتهرين.
قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: لا يؤخذ العلم إلا عمن شهد له بطلب الحديث.
قال عبد الله بن عون: لا نكتب الحديث إلا ممن كان عندنا معروفا بالطلب.
قال ابن وهب وحدثني مالك، قال: أدركت بهذا البلد رجالًا من بني المائة ونحوها يحدثون الأحاديث، لا يؤخذ منهم، ليسوا بأئمة، فقلت لمالك: وغيرهم دونهم في السن يؤخذ ذلك منهم؟ قال: نعم، ويجب أن يكون حفظه مأخوذًا عن العلماء، لا عن الصحف. (١)
قال سليمان بن موسى: لا تأخذوا العلم من الصحفيين.
قال ثور بن يزيد: لا يفتي الناس صحفي، ولا يقرئهم مصحفي.
قال أحمد بن إسحاق النهاوندي: أنشدنا الحسن بن عبد الرحمن لبعضهم يذكر قومًا لا رواية لهم، ومن بطون كراريس روايتهم، لو ناظروا باقلًا يومًا؛ لما غلبوا، والعلم إن فاته
стр. 3820
إسناد مسنده؛ كالبيت ليس له سقف ولا طنب، والتصحيف والإحالة يسبقان إلى من أخذ العلم عن الصحف.
قال يحيى بن سعيد: ينبغي في هذا الحديث غير خصلة، ينبغي لصاحب الحديث أن يكون ثبت الأخذ، ويكون يفهم ما يقال له، ويبصر الرجال ثم يتعاهد ذلك.
قال أبو نعيم: لا ينبغي أن يؤخذ الحديث إلا عن ثلاثة، حافظ له، أمين عليه، عارف بالرجال، ثم يأخذ نفسه بدرسه وتكريره؛ حتى يستقر له حفظه. (١)
قال عبد الرحمن بن مهدي: الحفظ هو الإتقان، ويجب أن يتثبت في الرواية حال الأداء، ويروي ما لا يرتاب في حفظه، ويتوقف عما عارضه الشك فيه.
قال عبد الله بن إدريس: كان أبي يقول لي: احفظ، وإياك والكتاب، فإذا حفظت فاكتب، فإن احتجت يومًا أو شغل قلبك وجدت كتابك. (٢)
قال مروان: ثلاثة ليس لصاحب الحديث عنها غنى: الحفظ، والصدق، وصحة الكتب، فإن أخطأت واحدة فكانت فيه ثنتان؛ لم يضره إن أخطأ الحفظ، ورجع إلى صدق وصحة كتب لم يضره، قال: وقال مروان طال الإسناد وسيرجع الناس إلى الكتب (٣).
قال جعفر الطيالسي: ينبغي للرجل أن يتزر بالصدق، ويرتدي بالكتب هكذا كان في كتاب ابن مهدي، ولم يجاوز جعفر (٤).
قال الشافعي: فقال لي قائل: احْدُدْ لي أقلَّ ما تقوم به الحجة على أهل العلم؛ حتى يَثْبَتَ عليهم خبرُ الخاصَّة؛ فقلت: خبرُ الواحد عن الواحد حتى يُنْتَهَى به إلى النبي، أو مَنْ انتهى به إليه دونه.
ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يَجْمَعَ أُمورًا منها:
стр. 3821
- أن يكون مَنْ حدَّثَ به ثِقَةً في دينه، معروفًا بالصِّدق في حديثه، عاقِلًا لمَا يحدِّثُ به، عالِمًا بما يُحيل مَعَانِيَ الحديث مِنَ اللفظ، وأن يكون ممن يُؤَدِّي الحديث بحروفه -كما سَمِعَ- لا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدَّث على المعنى، وهو غيرُ عالمٍ بما يُحِيلُ به معناه: لم يَدْرِ لَعَلَّهُ يُحِيل الحَلالَ إلى الحرام، وإذا أدَّاه بحروفه، فلم يَبْقَ وجهٌ يُخاف فيه إحالتُهُ الحديثَ، حافظًا إن حدَّث به مِنْ حِفْظِه، حافظًا لكتابه إن حدَّث مِنْ كتابه، إذا شَرِكَ أهلَ الحفظ في حديث؛ وافَقَ حديثَهم، بَرِيًّا مِنْ أنْ يكونَ مُدَلِّسًا يحدِّثُ عَن من لقي ما لم يسمعْ منه، ويحدِّثَ عن النبي ما يحدث الثقات خلافَه عن النبي ﷺ ، ويكونُ هكذا مَنْ فوقَه ممَّن حدَّثه، حتى يُنْتَهَى بالحديث مَوْصُولًا إلى النبي ﷺ ، أو إلى مَنْ انْتُهِيَ به إليه دونه؛ لأنَّ كلَّ واحد منهم مثْبِتٌ لمن حدَّثه، ومثبت على من حدَّث عنه؛ فلا يُسْتَغْنَى في كل واحد منهم عمَّا وصفْتُ (١).
- ولا يكون الحديث صحيحًا عند أهل العلم (النقاد)، ولو تحقق ما مر فيه حتى يستوفي شروط الصحة وهي:
١ - اتصال السند.
٢ - برواية العدل (على ما مر وصفه).
٣ - الضابط (وقد مر وصفه قريبًا).
٤ - من غير شذوذ، (وهي مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، وسواء كانت المخالفة في السند، أو المتن).
٥ - ولا علة قادحة، (كإرسال موصول، أو إدراج في متن، أو نحو ذلك).
ولا يعرف الشذوذ والعلة إلا بجمع طرق الحديث، واعتبار حديث الراوي بحديث غيره.
وهذا هو ما عرف به العلماء الحديث الصحيح بقولهم:
الحديث الصحيح هو: الحديث الذي يكون متصل الإسناد، من أوله إلى منتهاه، بنقل العدل الضابط عن مثله، ولا يكون فيه شذوذ ولا علة.
стр. 3822
قال السيوطي: حَدُّ الصَّحِيحِ: مُسنَدٌ بِوَصْلِهِ بِنَقْلِ عَدْلٍ ضَابِطٍ عَنْ مِثْلِهِ ولَمْ يَكُنْ شَذًّا وَلا مُعَلَّلا فأنت ترى: أن المحدثين قد وضعوا الضوابط والشروط لقبول الرواية والراوي، سواء عند التلقي والتحمل، أو الرواية والأداء، أو القبول والرد -وإن تحققت فيه شروط التحمل والأداء- وهذا أرقى ما توصلت له البشرية إلى وقتنا الحاضر في نقد المرويات (١).
وهل يحكم بصحة الحديث إذا صح السند ؟
للإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن تُتَصور الشروط التي وضعها الأئمة للاحتجاج بالحديث، وقد سبق الإشارة إلى هذه الشروط بشيء من الاختصار الذي تقتضيه ضرورة البحث.
والإجابة الآن: أنه لا يحكم بصحة الحديث -وإن صح السند- حتى تتحقق فيه كامل الشروط، فإن تحققت؛ حُكِمَ له بالصحة، وإن اختل أحدها؛ لم يُحكم له بالصحة، وهذه كتب العلل والتخاريج شاهدة على ما نقول، بل هذه أحكام الأئمة المنتشرة في بعض دواوين السنة، وكتب الشروح دالة على ذلك أوضح دلالة.
فإذا أخل أحد الرواة بالحديث عند روايته بالمعنى، إما إخلالًا جزئيًا أو إخلالًا كليًا؛ لمخالفته ما مر من الشروط، إذا وقع ذلك؛ فإن أهل العلم المحققين به، وفرسان السنة ونقادها؛ لا يمرون ذلك، بل ينتقدونه ويبينونه في مصنفاتهم الكثيرة المنتشرة، ويبينون الصواب فيه.
هل رواية الحديث بالمعنى كانت جناية على السنة ترفع الاحتجاج بها ؟
أولًا: الأصل في رواية الحديث هي روايته بلفظه لا بمعناه، وإنما تجوز رواية الحديث بالمعنى، بالشروط التي يأتي ذكرها.
ثانيًا: لو سلمنا أن الأصل رواية الحديث بالمعنى؛ فإنها ليست جناية على السنة، ولا تفضي إلى نتائج خطيرة، كما زعم المستشرقون وغيرهم، ذلك أننا لسنا متعبدين بألفاظ
стр. 3823
الحديث النبوي، وإنما المقصود هو المعنى، ومع حصول المعنى فلا أثر لاختلاف اللفظ، وهذا أمر يقيني لا ريب فيه ولا نكير، وبخاصة أن الذين رووا الحديث بمعناه كانوا عربًا خُلَّصًا غالبًا، وكانوا فرسان فصاحة وبلاغة، وأنم سمعوا من الرسول ﷺ ، أو ممن سمع منه، وهم من أعلم الناس بمواقع الخطاب ومحامل الكلام، وأنهم أهل دين وتقوى وعدالة وضبط، ويعلمون أن ما يروونه أمر دين، فإذا ما أخل أحدهم بمعنى الرواية لغير قصد؛ فإن جهابذة أهل الفن ينتقدونه عليه، ويبينون وجه الصواب فيه.
الوجه الثاني: أن الأصل هو المنع من رواية الحديث بالمعنى .
قال القاضي عياض: باب تحرى الرواية والمجيء باللفظ:
لا خلاف أن على الجاهل والمبتدئ، ومن لم يمهر قي العلم، ولا تقدم في معرفة تقديم الألفاظ وترتيب الجمل وفهم المعاني؛ أن لا يكتب، ولا يروى، ولا يحكى حديثًا إلا على اللفظ الذي سمعه، وأنه حرام عليه التعبير بغير لفظه المسموع، إذ جميع ما يفعله من ذلك تحكم بالجهالة، وتصرف على غير حقيقة في أصول الشريعة، وتقول على الله ورسوله ما لم يحط به علمًا.
وقديمًا هاب الصحابة رضوان الله عليهم فمن بعدهم الحديث عن النبي ﷺ ، وتبديل اللفظ المسموع منه، وحض النبي ﷺ على ذلك، وأمر بإيراد ما سمع منه كما سمع.
فعن البراء بن عازب قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجَعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ اللهمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أمري إِلَيْكَ، وَأَلجأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللهمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الذي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الذي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتكَلَّمُ بِهِ".
قَالَ: فَرَدَّدْتها عَلَى النبي ﷺ ، فَلَما بَلَغْتُ: "اللهمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الذي أَنْزَلْتَ" قُلْتُ: وَرَسُولكَ، قَالَ: "لا، وَنَبِيِّكَ الذي أَرْسَلْتَ (١) ".
стр. 3824
وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان عبد الله بن مسعود يمكث السَّنَةَ لا يقول قال رسول الله ﷺ : فإذا قال: قال رسول الله ﷺ ؛ أخذته الرعدة ويقول: أو هكذا، أو نحوه، أو شبهه. (١)
وقال ﷺ : "نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها؛ فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه. (٢) ".
ومنعه المحدثون والفقهاء، وشددوا فيه، ولم يجيزوا ذلك لأحد، ولا سوَّغوا إلا الإتيان به على اللفظ نفسه في حديث النبي ﷺ وغيره، وروى نحوه عن مالك أيضا، وشدد مالك الكراهية فيه في حديث النبي ﷺ ، وروى عنه في سماع أشهب: أما في حديث النبي ﷺ فأحب إلى أن يؤتى به على ألفاظه، ورخص فيه في حديث غيره، وفى التقديم والتأخير، وفى الزيادة والنقص.
فكان مالك يتقى في حديث رسول الله ﷺ الباء والتاء ونحوهما، ويقول: أما حديث رسول الله ﷺ ؛ فأحب أن يؤتى به على ألفاظه.
وما قاله ﵀ الصواب، فإن نظر الناس مختلف، وأفهامهم متباينة، وفوق كل ذي علم عليم، كما قال رسول الله ﷺ : "ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" فإذا أدى اللفظ؛ أمن الغلط، واجتهد كل من بلغ إليه فيه، وبقى على حاله لمن يأتي بعدن وهو أنزه للراوي، وأخلص للمحدث. (٣)
الوجه الثالث: شروط وضوابط رواية الحديث بالمعنى -عند مَن جَوَّزها -.
اختلف السلف وأرباب الحديث والفقه والأصول: هل يسوغ ذلك لأهل العلم فيحدثون على المعنى، أولا يباح لهم ذلك؟ (٤)
قال ابن القيم: إذا أراد رواية ما سمعه على معناه دون لفظه فإن لم يكن عالمًا بالألفاظ ومقاصدها، خبيرًا بما يحيل معانيها، بصيرًا بمقادير التفاوت بينها، فلا خلاف أنه لا يجوز
стр. 3825
له ذلك، بل يتعين رواية اللفظ الذي سمعه منه، فإن كان عالمًا بذلك فأقوال:
أحدها: المنع أيضًا، وبه قالت طائفة من المحدثين والأصوليين والفقهاء.
وثانيها: لا يجوز في حديثه ﷺ ، ويجوز في غيره.
وأصحها عند جمهورهم: الجواز إذا قطع بأداء المعنى، وهو الذي يشهد به أحوال الصحابة والسلف (١).
قال الخطيب البغدادي: ورواية حديث رسول الله ﷺ ، وحديث غيره على المعنى جائزة عندنا إذا كان الراوي عالمًا بمعنى الكلام وموضوعه، بصيرًا بلغات العرب ووجوه خطابها، عارفًا بالفقه واختلاف الأحكام، مميزًا لما يحيل المعنى وما لا يحيله، وكان المعنى أيضا ظاهرًا معلومًا، وأما إذا كان غامضا محتملًا؛ فإنه لا يجوز رواية الحديث على المعنى، ويلزم إيراد اللفظ بعينه وسياقه على وجهه، وقد كان في الصحابة رضوان الله عليهم من يتبع روايته الحديث عن النبي ﷺ بأن يقول: أو نحوه، أو شكله، أو كلما قال رسول الله ﷺ ، والصحابة أرباب اللسان، وأعلم الخلق بمعاني الكلام، ولم يكونوا يقولون ذلك إلا تخوفًا من الزلل؛ لمعرفتهم بما في الرواية على المعنى من الخطر، والله أعلم (٢).
- فيتلخص من ذلك شروط رواية الحديث بالمعنى وهي:
١ - أن يكون الراوي عالمًا وفاهمًا لمعنى الحديث.
٢ - أن يكون الراوي عالمًا بلغات العرب، ومرادفات الألفاظ، وتراكيب الجُمل.
٣ - أن يكون عالمًا بالفقه، واختلاف الأحكام؛ حتى يميز بين ما تحمله الألفاظ من معانٍ.
٤ - أن يكون مميزًا لما يحيل معاني الألفاظ والتراكيب؛ فلا يبدل عامًا بخاص، ولا مطلقًا بمقيد، ولا خفيًا بجلي ...... إلخ.
стр. 3826
٥ - أن يكون المعنى ظاهرًا معلومًا.
فالذين أجازوها، على أنها رخصة تقدر بقدر الحاجة إليها، لا على أنها أصل يتبع ويلتزم في الرواية (١).
الوجه الرابع: الرواية بالمعنى تمنع باتفاق في الأحاديث المتعبد بلفظها كالأذكار .
كما اتفقوا على أن الراوي الثقة العالم باللغة العارف بما تحيله الألفاظ، ليس له أن يروي الحديث المتعبد بلفظه: (كألفاظ التشهد، والأذان ونحوها) وإن كان بمعناه قطعًا.
قلت: وإنما جازت رواية الحديث بمعناها؛ لأنه غير متعبد بألفاظه، وإنما بمعناه شرعًا؛ ولجواز شرح الشريعة للأعاجم، وترجمتها لهم، وإن كان الأصل روايته باللفظ، إذ هو عبارة أفصح الخلق الذي أوتي جوامع الكلم، فإن فات الراوي اللفظ، وأصاب المعنى؛ جاز؛ أداءً للحكم الشرعي، ونصحًا للأمة.
وهذا إنما جاز في عصر الرواية قبل تدوين الكتب والمصنفات، وأما بعد تدوينها؛ فلا يجوز إلا على سبيل الوعظ والتذكير، فأما إيراده على سبيل الاحتجاج والرواية في المؤلفات؛ فلا يجوز إلا باللفظ، كما مر في كلام ابن الملقن وغيره من أهل العلم.
فيشترط أن يكون مشتغلًا بالعلم، ناقدًا لوجوه تصرف الألفاظ، والعلم بمعانيها ومقاصدها جامعًا لمواد المعرفة بذلك. (٢)
ويدل على ذلك: حديث البراء بن عازب في تعليم النبي ﷺ له دعاء النوم.
الوجه الخامس: الرواية بالمعنى على أنواع .
والرواية بالمعنى لها صور مختلفة نذكرها -وإن كانت قليلة نادرة- وهذه الصور هي:
١ - إبدال لفظ من ألفاظ الحديث بغيره، يؤدي المعنى التام.
٢ - تقديم بعض ألفاظ الحديث على بعض.
стр. 3827
٣ - تغيير صورة المتن بالكلية، ويعبر عنه الراوي بلفظ من عنده.
٤ - اختصار الحديث، فيذكر الراوي بعض اللفظ دون بعضه.
قلت: وهذه الصور الأربعة خارجة عن الأصل، وهو رواية الحديث بلفظه الذي جاء به، والصورة الثالثة منه قليلة الوقوع، وغالبًا ما تقع في حديث فعلي للنبي ﷺ فيعبر عنه الصحابي بلفظه كقوله: (لأنا أشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ، أو بوضوئه، أو نحو ذلك، أو كإخباره في الأحاديث القولية بحكم شرعي يفيد التحريم أو الإيجاب، بنحو قوله: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا. يريد بذلك حكاية حكما، ونحو ذلك.
وهذه الصورة هي أقل صور الرواية بالمعنى وقوعًا، وأما الصورة الرابعة، وهي اختصار الحديث فهي:
أن يعمد الراوي إلى متن الحديث، فيروي بعضه دون بعض.
وأسباب اختصار الحديث مختلفة فمنها:
١ - أن يذكر الراوي جزءًا من الحديث على جهة الاستدلال على حكم معين في مسألة، فيقتصر عليه وحده.
٢ - أن بعض الأئمة يصنف كتابه على الأبواب؛ فيحتاج أن يحتج بالحديث على كل مسألة فقهية؛ فيؤدي ذلك إلى التكرار والتطويل؛ فيقتصر على بعض اللفظ الذي يناسب الترجمة.
٣ - أن يذكر المحدث، أو الناقد طرفًا من الحديث في كتب السنة، أو في تعليله.
قلت: وهذه الأسباب لا يدخل منها في باب الرواية سوى السبب الثاني من الأسباب المذكورة.
وقد اختلف أهل العلم في جواز اختصار الحديث من عدمه، والذين جوزوا اختصاره جوزوه بشروط رواية الحديث بالمعنى، بالإضافة إلى شروط أخرى وهي:
١ - أن يكون الحديث بلفظين مستقلين في معنيين مستقلين، فيقتصر على أحدهما.
٢ - ألا يكون اقتصاره على بعض اللفظ مخلًا بالمعنى.
٣ - ألا يكون ما اختصره مرتبطًا بشيء قبله، ولا بشيء بعده.
стр. 3828
قال ابن الملقن: وحرر الشيخ تقي الدين القشيري المسألة فقال: إن كان يغير المعنى لو اختصر؛ لم يجز اختصاره، وإن لم يغير مثل أن يذكر لفظين مستقلين في معنيين، فيقتصر على أحدهما، فالأقرب الجواز، لأن عهدة الرواية في التجويز هو: الصدق، وفي التحريم هو: الكذب، والصدق حاصل؛ فلا وجه للمنع، فإن احتاج ذلك إلى تغيير لا يخل بالمعنى؛ فهو خارج على جواز الرواية بالمعنى. (١)
الوجه السادس: رواية الصحابة لم تكن بالمعنى على الإطلاق .
قال القاضي عياض: لا يحتي باختلاف الصحابة في نقل الحديث الواحد بألفاظ مختلفة، فإنهم شاهدوا قرائن تلك الألفاظ، وأسباب تلك الأحاديث، وفهموا معانيها حقيقة، فعبروا عنها بما اتفق لهم من العبارات، إذ كانت محافظتهم على معانيها التي شاهدوها والألفاظ ترجمة عنها، وأما من بعدهم: فالمحافظة أولًا على الألفاظ المبلغة إليهم التي منها تستخرج المعاني، فما لم تضبط الألفاظ، وتتحرى، وتسومح في العبارات والتحدث على المعنى؛ انحل النظم، واتسع الخرق.
وجواز ذلك للعالم المتبحر معناه عندي: على طريق الاستشهاد، والمذاكرة، والحجة، وتحريه في ذلك متى أمكنه أولى، كما قال مالك: وفى الأداء والرواية آكد. (٢)
الوجه السابع: الاختلاق في التلقين يؤدي إلى الاختلاف في التعبير .
كان النبي ﷺ يلقن أصحابه؛ فيكون بين ما يلقنه ذا، وما لقنه ذاك شيء من ذاك الاختلاف في اللفظ، فحفظ أصحابه كل بما لقن، وضبطوا ذلك في صدورهم ولقنوه الناس، ورفع الحرج مع ذلك عن المسلمين، فكان بعضهم ربما تلتبس عليه كلمة مما
стр. 3829
يحفظه، أو يشق عليه النطق بها؛ فيكون له أن يقرأ بمرادفها، فمن ذلك ما كان يوافق حرفًا آخر، ومنه ما لا يوافق، ولكنه لا يخرج عن ذاك القبيل. (١)
أقول: قد يتوهم أن النبي ﷺ إنما علمهم تشهدًا واحدًا، ولكنهم -أو بعضهم- لم يحفظوه؛ فأتوا بألفاظ من عندهم، مع نسبتها إلى النبي ﷺ ، وهذا باطل قطعًا؛ فإن التشهد يكرر كل يوم بضع عشرة مرة على الأقل في الفريضة والنافلة، وكان النبي ﷺ يُحفِّظ أحدهم حتى يَحفَظ، وقد كان النبي ﷺ يقريء الرجلين السورة الواحدة هذا بحرف وهذا بآخر، فكذلك علمهم مقدمة التشهد بألفاظ متعددة، هذا بلفظ وهذا بآخر، ولهذا أجمع أهل العلم على صحة التشهد بكل ما صح عن النبي ﷺ ، وأما ذكر عمر التشهد على المنبر، وسكوت الحاضرين فإنما وجهه المعقول: تسليمهم أن التشهد الذي ذكره صحيح مجزيء.
وقد كان عمر يقرأ في الصلاة وغيرها القرآن، ولا يرد عليه أحد، مع أن كثيرًا منهم تلقوا عن النبي ﷺ بحرف غير الحرف الذي تلقى به عمر، ومثل هذا كثير.
ومن الجائز أن يكونوا -أو بعضهم- لم يعرفوا اللفظ الذي ذكره عمر، ولكنهم قد عرفوا أن النبي ﷺ علم أصحابه بألفاظ مختلفة، وعمر عندهم ثقة، وأما قول بعضهم بعد وفاة النبي ﷺ : (السلام على النبي)، بدل (السلام عليك أيها النبي) فقد يكون النبي ﷺ خيره بين اللفظين، وقد يكون فعل ذلك باجتهاد خشية أن يتوهم جاهل أن الخطاب على حقيقته، أما الصلاة على النبي ﷺ فالتحقيق أنها موجودة في التشهدات كلها بلفظ: (ورحمة الله)، والقائل بوجوبها عقب التشهد بلفظ الصلاة لم يجعلها من التشهد، بل هي عنده أمر مستقل، والكلام في ذلك معروف، لا علاقة له بالرواية بالمعنى (٢).
الوجه الثامن: ثقة الصحابة وضبطهم وعدالتهم:
стр. 3830
فإن الذين نقلوا الأحاديث من الصحابة، ومن بعدهم من ثقات الرواة؛ كان لهم من الخصائص الدينية والنفسية والخلقية ما يعصمهم من التغيير والتبديل والتساهل في الرواية، وإنكار ذلك مكابرة (١).
الوجه التاسع: إن القواعد التي أخذ جامعوا الأحاديث بها أنفسهم عند تدوينها؛ هي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد .
فهي تميز المقبول من المردود من المرويات، والحق من الباطل، والخطأ من الصواب.
هذه المقدمات والحقائق تسلمنا إلى نتيجة صادقة وهي: أن الكثير من الأحاديث النبوية وصلت إلينا بمحكم لفظها، وأن بعض الأحاديث قد رويت بالمعنى مع التحرز البالغ من التغيير المخل بالمعنى الأصلي، وأن ما عسى أن يكون قد دخل الأحاديث بسبب الرواية بالمعنى شيء يسير قد تنبه له العلماء وبيّنوه. (٢)
الوجه العاشر: الرواية بالمعنى لا تعد كذبًا والصحابة إنما أمروا بالتبليغ على ما جرت به العادة .
فقد علمنا أن عادة الناس قاطبة؛ فيمن يلقى إليه كلام المقصود منه معناه، ويؤمر بتبليغه: أنه إذا لم يحفظ لفظه على وجهه، وقد ضبط معناه؛ لزمه أن يبلغه بمعناه ولا يعد كاذبًا، ولا شبه كاذب، وعلمنا يقينًا: أن الصحابة إنما أمروا بالتبليغ على ما جرت به العادة، من بقي منهم حافظا للفظ على وجهه؛ فليؤده كذلك، ومن بقي ضابطًا للمعنى، ولم يبق ضابطًا للفظ؛ فليؤده بالمعنى، وهذا أمر يقيني لا ريب فيه، وعلى ذلك جرى عملهم في حياة النبي ﷺ ، وبعد وفاته؛ فإن الناس يبعثون رسلهم ونوابهم ويأمرونهم بالتبليغ عنهم، فإذا لم يشترط عليهم المحافظة على الألفاظ، فبلغوا المعنى؛ فقد صدقوا: ولو قلت لابنك اذهب فقل للكاتب: أبي يدعوك، فذهب وقال له: والدي -أو الوالد- يدعوك، أو يطلب مجيئك إليه، أو أمرني أن أدعوك له، لكان مطيعًا صادقًا، ولو اطلعت
стр. 3831
بعد ذلك على ما قال فزعمت أنه عصى أو كذب وأردت أن تعاقبه لأنكر العقلاء عليك ذلك، وقد قص الله في القرآن كثيرًا من أقوال خلقه بغير ألفاظهم، لأن من ذلك ما يطول فيبلغ الحد المعجز، ومنه ما يكون عن لسان أعجمي، ومنه ما يأتي في مواضع بألفاظ وفي آخر بغيرها، وقد تتعدد الصور كما في قصة موسى، ويطول في موضع ويختصر في آخر، فبالنظر إلى أداء المعنى كرر النبي ﷺ بيان شدة الكذب عليه، وبالنظر إلى أداء اللفظ اقتصر على الترغيب فقال: "نصر الله امرءًا سمع منا شيئًا، فأداه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع" جاء بهذا اللفظ، أو معناه مطولًا ومختصرًا، من حديث ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأنس، وجبير بن مطعم، وعائشة، وسعد، وابن عمر، وأبي هريرة، وعمير بن قتادة، ومعاذ بن جبل، والنعمان بن بشير، وزيد بن خالد، وعبادة بن الصامت، منها الصحيح وغيره. وكان النبي ﷺ يتحرى معونتهم على الحفظ والفهم. (١)
الوجه الحادي عشر: الأحاديث ليست كلها قولية، بل منها ما هو إخبار عن أفعال النبي ﷺ ، وهي كثيرة:
اعلم أن الأحاديث الصحيحة ليست كلها قولية، بل منها ما هو إخبار عن أفعال النبي ﷺ وهي كثيرة، ومنها ما أصله قولي، ولكن الصحابي لا يذكر القول بل يقول: أمرنا النبي ﷺ بكذا، أو نهانا عن كذا، أو قضى بكذا، أو أذن في كذا .. وأشباه هذا، وهذا كثير أيضًا، وهذان الضربان ليسا محل نزاع، والكلام في ما يقول الصحابي فيه: قال رسول الله كيت وكيت، أو نحو ذلك. (٢)
الوجه الثاني عشر: التابعون كانوا يحفظون الحديث كما يحفظون القرآن .
وأما التابعون فقد يتحفظون الحديث كما يحفظون القرآن، كما جاء عن قتادة أنه كان إذا سمع الحديث أخذه العويل والزويل، حتى يحفظه -هذا مع قوة حفظه-.
стр. 3832
ذكروا أن صحيفة جابر -على كبرها- قرئت عليه مرة واحدة، وكان أعمى؛ فحفظها بحروفها، حتى قرأ مرة سورة البقرة، فلم يخطئ حرفًا ثم قال: لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة، وكان غالبهم يكتبون ثم يتحفظون ما كتبوه، ثم منهم من يبقى كتبه، ومنهم من إذا أتقن المكتوب حفظًا محا الكتاب، وهؤلاء ونفر لم يكونوا يكتبون، غالبهم ممن رزقوا جودة الحفظ، وقوة الذاكرة كالشعبي والزهري وقتادة، وقد عرف منهم جماعة بالتزام رواية الحديث بتمام لفظه: كالقاسم بن محمد بن أبي بكر، ومحمد بن سيرين، ورجاء بن حيوة.
أما أتباع التابعين فلم يكن فيهم راوٍ مكثر إلا كان عنده كتب بمسموعاته يراجعها، ويتعاهدها، ويتحفظ حديثه منها، ثم منهم من لم يكن يحفظ، وإنما يحدث من كتابه، ومنهم من جرب عليه الأئمة أنه يحدث من حفظه فيخطئ، فاشترطوا لصحة روايته أن يكون السماع منه من كتابه، ومنهم من عرف الأئمة أنه حافظ، غير أنه قد يقدم كلمة أو يؤخرها، ونحو ذلك مما عرفوا أنه لا يغير المعنى، فيوثقونه ويبينون أن السماع منه من كتابه أثبت.
فأما من بعدهم؛ فكان المتثبتون لا يكادون يسمعون من الرجل إلا من أصل كتابه كان عبد الرزاق الصنعاني ثقة حافظًا، ومع ذلك لم يسمع منه أحد بن حنبل ويحيى بن معين إلا من أصل كتابه هذا، وكان الأئمة يعتبرون حديث كل راو فينظرون كيف حدث به في الأوقات المتفاوتة فإذا وجدوه يحدث مرة كذا ومرة كذا بخلاف لا يحتمل ضعفوه. وربما سمعوا الحديث من الرجل ثم يدعونه مدة طويلة ثم يسألونه عنه. ثم يعتبر حرف مرواياته برواية من روى عن شيوخه وعن شيوخ شيوخه، فإذا رأوا في روايته ما يخالف رواية الثقات حكموا عليه بحسبها. وليسوا يوثقون الرجل لظهور صلاحه في دينه فقط، بل معظم اعتمادهم على حاله في حديثه كما مر، وتجدهم يجرحون الرجل بأنه يخطئ ويغلط، وباضطرابه في حديثه، وبمخالفته الثقات، وبتفرده، وهلم جرا. ونظرهم عند تصحيح الحديث أدق من هذا، نعم، إن هناك من المحدثين من يسهل ويخفف، لكن العارف لا يخفى عليه هؤلاء من هؤلاء. فإذا رأيت المحققين قد وثقوا رجلًا مطلقًا فمعنى ذلك أنه
стр. 3833
يروي الحديث بلفظه الذي سمعه، أو على الأقل إذا روى المعنى لم يغير المعنى، وإذا رأيتهم قد صححوا حديثًا فمعنى ذلك أنه صحيح بلفظه أو على الأقل بنحو لفظه، مع تمام معناه، فإن بان لهم خلاف ذلك نبهوا عليه (١).
قال ابن سيرين: كنت أسمع الحديث من عشرة، المعنى واحد والألفاظ مختلفة (٢).
وكان ابن سيرين من المتشددين في أن لا يروى إلا باللفظ ومع هذا شهد للذين سمع منهم أنهم مع كثرة اختلافهم في اللفظ لم يخطئ أحد منهم المعنى -ولهذا لما ذكر له أن الحسن والشعبي والنخعي يروون بالمعنى اقتصر على قوله (إنهم لو حدثوا كما سمعوا كان أفضل) ومن تدبر ما تقدم من حال الصحابة وأنهم كانوا كلهم يراعون الرواية باللفظ، ومنهم من كان يبالغ في تحري ذلك. وكذا في التابعين وأتباعهم، وأن الحديث الواحد قد يرويه صحابيان أو أكثر، ويرويه عن الصحابي تابعيان فأكثر وهلم جرا، وأن التابعين كتبوا، وأن أتباعهم كتبوا ودونوا، وأن الأئمة اعتبروا حال كل راو في روايته لأحاديثه في الأوقات المتفاوتة، فإذا وجدوه يروي الحديث مرة بما يحيل معناه في روايته له مرة أخرى، جرحوه، ثم اعتبروا رواية كل راوٍ برواية الثقات، فإذا وجدوه يخالفهم بما يحيل المعنى؛ جرحوه، ثم بالغ محققوهم في العناية بالحديث عند التصحيح، فلا يصححون ما عرفوا له علة، نعم قد يذكرون في المتابعات والشواهد ما وقعت فيه مخالفة ما وينبهون عليه، من تدبر هذا ولم يعمه الهوى اطمأن قلبه بوفاء الله تعالى بما تكفل به من حفظ دينه، وبتوفيقه علماء الأمة للقيام بذلك، ولله الحمد، ويؤكد ذلك أن أبا رية حاول أن يقدم شواهد على اختلاف ضار وقع بسبب الرواية. (٣)
стр. 3834
ثانيًا: شبهات حول السنة
وفيها:
١ - شبهة: حديث الذبابة.
٢ - شبهة: شرب أبوال الإبل وألبانها.
٣ - شبهة: بول الصبي على النبي ﷺ .
٤ - شبهة: كلام الحيوان كالبقرة والذئب في أحاديث السنة.
٥ - شبهة: قصة الحمار يعفور.
٦ - شبهة: الكلب الأسود شيطان.
٧ - شبهة: الشيطان يبول في أذن النائم.
٨ - شبهة: الشيطان يبيت على خيشوم المرء.
٩ - شبهة: في حديث إدبار الشيطان وله ضراط.
١٠ - شبهة: العين حق.
١١ - شبهة: سجود الشمس تحت العرش.
١٢ - شبهة: الأمراء والمعراج.
١٣ - شبهة: شهادة الناس على الميت.
١٤ - شبهة: عدد من يشفع للميت عند الصلاة عليه.
١٥ - شبهة: تحول رأس المسلم إلى حمار.
١٦ - شبهة: ابتلاء أحد الأنبياء بالقمل.
١٧ - شبهة: وقت قيام الساعة.
١٨ - شبهة: الحمى من جهنم.
стр. 3835
١٩ - شبهة: الأمر بالسعي إلى الجمعة.
٢٠ - شبهة: اختلاف الأحاديث الواردة في أفضل الأعمال.
٢١ - شبهة: الاختلاف في أشد الناس عذابًا.
٢٢ - شبهة: حديث (وإن زنى وإن سرق).
٢٣ - شبهة: ادعائهم أن الإسلام يبيح الغناء
٢٤ - شبهة: حديث الماء من الماء.
٢٥ - شبهة: بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا.
٢٦ - شبهة: رزقي تحت ظل رمحي.
٢٨ - شبهة: رواية الإسرائيليات في السنة.
٢٩ - شبهة: وقوع اللعن في القرآن والسنة.
وإليك التفصيل
стр. 3836
١ - شبهة: حديث الذبابة .
نص الشبهة: وذلك في نقاط:
أولًا: إن هذا الحديث لم يروه إلا أبو هريرة ﵁، ولم يروه عن أبي هريرة إلا ابن حنين، ولم يرد إلا في البخاري.
ثانيًا: أنه خبر آحاد، وخبر الآحاد يجوز للمرء أن يعمل به أو يرده.
ثالثًا: أن الذباب ضار كما أثبت العلم ذلك، فكيف يوضع في الإناء؟ .
رابعًا: أن تناول مثل هذا الشراب قد لا يستسيغه الكثير، فكيف سيعمل بالحديث إذن؟ .
خامسًا: أن البعض قد ظنوا أن هذا الحديث هو من الأمور التي تخضع للاجتهاد قد تصيب وقد تخطئ.
سادسًا: أن موضوع متنه ليس من عقائد الإسلام، ولا من عباداته، ولا من شرائعه، ولا التزم المسلمون العمل به، بل لم يعمل به أحد منهم لأنه لا دخل له في التشريع، وإنما هو في أمور الدنيا كحديث "تأبير النخل"، وبالتالي من ارتاب فيه لم يضع من دينه شيئًا.
وللرد على هذه التساؤلات ترتيبًا كالتالي:
الأول: قدرة الله فوق كل شيء .
قال الطحاوي: فقال قائل من أهل الجهل بآثار رسول الله ﷺ وبوجوهها وهل للذباب من اختيار حتى يقدم أحد جناحيه لمعنى فيه، ويؤخر الآخر لمعنى فيه، خلاف ذلك المعنى فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه أنه لو قرأ كتاب الله قراءة متفهم لما يقرؤه منه لوجد فيه ما يدله على صدق قول رسول الله ﷺ هذا وهو قوله : ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ (النحل: ٦٨).
وكان وحي الله إليها هو إلهامه إياها، أن تفعل ما أمرها به، كمثل قوله في الأرض ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ (الزلزلة ٤: ٥)، ووحيه لها هو إلهامه إياها؛ ما شاء أن يلهمها إياه، حتى يكون منها ما أراد الله أن يكون منها، والنحل كذلك
стр. 3837
فيما يوحيه إليها؛ ليكون منها ما قد شاء الله أن يكون منها؛ حتى يمضي في ذلك بإلهامه إياها له؛ وحتى يكون منها ما أراد أن يكون منها، فمثل ذلك الذباب؛ ألهمه ما ألهمه مما يكون سببًا لإتيانه لما أراده منه من غمس أحد جناحيه فيما يقع فيه مما فيه الداء، والتوقي بجناحه الآخر الذي فيه الشفاء ومن ذلك قوله مما أخبر به عن النمل: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النمل: ١٨)، فألهمها الله ما كان منها من ذلك، مما يكون سببًا لنجاتها ونجاة أمثالها من سليمان ﵇ ومن جنوده، فمثل ذلك ما روي عن رسول الله ﷺ في الذباب مما ذكرنا، ومثل ذلك ما قد أعلمنا الله في الهدهد مع سليمان ﵇ من قوله: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ (النمل: ٢٣)، وكان ذلك لإلهام الله إياه ذلك، ولم يكن قبله من أهل الكلام حتى ألهمه ما ألهمه مما أنطقه به، فمثل ذلك: ما قد رويناه عن رسول الله ﷺ في الذباب مما ذكرنا وفيما تلونا مما في كتاب الله في النحل وفي النمل؛ ما قد دل على أن سائر الأشياء كذلك، وأن الله تعالى يلهمها ما شاء إذا شاء؛ حتى يكون بما يلهمها من ذلك لغيرها من سائر خلقه مما هو معروف قبل ذلك، بمثل ما كان من ذلك الإلهام. والله نسأله التوفيق (١).
قال ابن الجوزي: قد تعجب قوم من اجتماع الداء والدواء في شيء واحد، وليس بعجيب؛ فإن النحلة تعسل من أعلاها، وتلقي السم من أسفلها، والحية القاتل سمها يدخلون لحمها في الترياق، ويدخلون الذباب في أدوية العين، ويسحقونه مع الإثمد ليقوى البصر، ويأمرون بستر وجه الذي يعضه الكلب من الذباب، ويقولون إن وقع عليه تعجل هلاكه، وقد دل هذا الحديث على أنه إذا
مات في الماء اليسير ما ليست له نفس سائلة لم ينجس خلافًا لأحد قول الشافعي (٢).
الثاني: الرد على الطعن في أحاديث الذبابة، وإثبات صحتها .
стр. 3838
اعلم أن الأحاديث الواردة في إثبات الشفاء في أحد جناحي الذباب أحاديث صحيحة ثابتة ومنها:
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء والأخرى شفاء". (١)
٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله". (٢)
٣ - عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "في الذباب أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء، فإذا وقع في الإناء؛ فأرسبوه فيذهب شفاؤه بدائه". (٣)
الثالث [*]: عدم تفرد البخاري بالحديث .
إن الحديث لم يتفرد به البخاري في صحيحه، فقد رواه غيره من أصحاب الكتب، كما تقدم ذكرهم في التخريج. وهو أصح كتاب بعد القرآن، وقد أجمعت الأمة كلها على قبوله والعمل بما فيه، ولم يطعن أحد في صحيح البخاري إلا بعض المبتدعة كالروافض وأمثالهم.
الرابع: عدم تفرد أبي هريرة ﵁ بالرواية .
وأما دعوى تفرد أمير المؤمنين بحديث أبي هريرة ﵁ فلا تصح، لورود الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁ وقد سبق تخريجه، وكذلك علي بن أبي طالب ﵁.
стр. 3839
ولو لم يروه إلا أبو هريرة لكفى فهو أحفظ من روى أحاديث النبي ﷺ حتى روى ما يزيد عن الخمسة آلاف حديث، وقد شهد له النبي ﷺ بذلك.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لا يَسْأَلنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لمِا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحْدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا الله، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ". (١)
وأيضًا ما رُوي عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ يَقُوُلونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحدِيثَ. وَالله الْمَوْعِدُ؛ وَيَقُولُونَ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يحدِّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثهِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالهِمْ، وَكُنْتُ أمْرًا مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ، وَأَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا" لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنكمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِىَ مَقَالَتِي هَذه، ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا". فَبَسَطْتُ نَمِرَةً، لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرَهَا، حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ ﷺ مَقَالتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتها إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَالله لَوْلا آيَتَانِ في كِتَابِ الله مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ (٢).
الخامس: دعوى تفرد عبيد بن حنين عن أبي هريرة لا تصح .
فقد جاءت عن:
١ - سعيد بن أبي سعيد المقبري كما عند أبي داود وأحمد وغيرهما.
٢ - محمد بن سيرين كما عند أحمد والطبراني غيرهما.
٣ - أبي سلمة كما عند أحمد وغيره.
وهذه الطرق الثلاثة طرق صحيحة ثابتة.
стр. 3840
ثم اعلم أن عبيد بن حنين -رحمه الله تعالى- إمام ثقة ثبت روى له الإمام البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم.
وقال عنه ابن سعد: كان ثقة وليس بكثير الحديث. (١)، وقال أبو حاتم: صالح الحديث (٢)، وذكره ابن حبان في (الثقات) (٣)، قال الحافظ: ثقة قليل الحديث. (٤)
وحتى لو فرض أنه تفرد برواية الحديث عن أبي هريرة ﵁ لقبل تفرده؛ لأن تفرد مثله لا يقدح في صحة الحديث.
ثانيًا: [*] قولهم: إنه خبر آحاد وخبر الآحاد يجوز للمرء أن يعمل به أو يرده .
والرد على ذلك من وجوه:
الأول: معنى حديث الآحاد .
عرَّفه ابن حجر بأنه: ما لم يجمع شروط التواتر. (٥)
الثاني: حجية حديث الآحاد .
دلَّ على العمل بخبر الواحد: الكتاب والسنة والمعقول والإجماع.
١ - الاستدلال بالكتاب:
استدل البخاري في صحيحه بآيات من الكتاب على إجازة خبر الواحد، فقال في الباب الأول من كتاب أخبار الآحاد من صحيحه: (باب ما جاء في خبر الواحد الصدوق): في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام (٦)، فمن ذلك قول الله : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
стр. 3841
قال ابن حجر: وهذا مصير منه إلى أن لفظ طائفة يتناول الواحد فما فوقه، ولا يختص بعدد معين. (١)
وقال البخاري: ويُسمى الرجل طائفة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، فلو اقتتل رجلان دخلا في معنى الآية (٢).
قال ابن حجر: وهذا الاستدلال سبقه إلى الحجة به الشافعي، وقبله مجاهد، ووجه الدلالة منها يؤخذ من مفهومي الشرط والصفة، فإنهما يقتضيان قبول خبر الواحد (٣).
٢ - الاستدلال بالسنة: وذلك من وجوه:
الأول: قبول الرسول ﵁ خبر الواحد: فمن ذلك ما رواه البخاري عَنْ عَبْدِ الله ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ أَزِيدَ فِي الصَّلاةِ، فَقَالَ "وَمَا ذَاكَ". قَالَ صَلَّيْتَ خَمْسًا. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ (٤)، ووجه الدلالة قبول الرسول ﷺ خبر من أخبره بأنه زاد في صلاته ركعة.
الثاني: اعتماده ﷺ على الواحد في التبليغ؛ فلو كان الواحد لا تقوم به الحجة في التبليغ، لم يكن لإرساله الرسل فائدة، وقد عقد البخاري في صحيحه بابًا عنوانه: (باب ما كان يبعث النبي ﷺ من الأمراء والرسل واحدًا بعد واحد، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ بِكِتَابِهِ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَي، أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى قَيْصَرَ. (٥)
وقد كان الصحابة ﵃ يسارعون إلى قبول خبر الثقة فيما يبلغهم به، ومن ذلك أنه لما حُولت القبلة لم يعلم أهل المساجد في ضواحي المدينة بأمر تحويلها إلا من قِبل رجل واحد وهم يصلون. كما في صحيح البخاري عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي
стр. 3842
صَلاةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ. (١)
٣ - الاستدلال بالمعقول:
لقد أورد العلماء مئات الوقائع؛ ذهب فيها الصحابة فمن بعدهم من علماء التابعين ومن سار على هديهم من أهل العلم، المرضي عنهم، الموثوق بهم، إلى أن خبر الآحاد حجة يجب المصير إليها، وقبلوا رواية العدل الثقة فيما يروون، وقد قبل أبو بكر ﵁ خبر عائشة في أن النبي ﷺ مات يوم الاثنين، وقبل عمر ﵁ خبر عمرو بن حزم في أن دية الأصابع سواء، وقبل خبر الضحاك بن سفيان في توريث المرأة من دية زوجها. (٢)
قال ابن حجر: وقد شاع فاشيًا عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد من غير نكير فاقتضى الاتفاق منهم على القبول (٣).
وقال النووي: وَلَمْ تَزَلْ الْخُلَفَاء الرَّاشِدُونَ وَسَائِر الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ السَّلَف وَالْخَلَفِ عَلَى اِمْتِثَال خَبَر الْوَاحِد إِذَا أَخْبَرَهُمْ بِسُنَّةٍ، وَقَضَائِهِمْ بِهِ، وَرُجُوعِهِمْ إِلَيْهِ فِي الْقَضَاء وَالْفُتْيَا، وَنَقْضِهِمْ بِهِ مَا حَكَمُوا بِهِ خِلَافه، وَطَلَبِهِمْ خَبَرَ الْوَاحِدِ عِنْدَ عَدَمِ الْحُجَّة مِمَّنْ هُوَ عِنْده وَاحْتِجَاجِهِمْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ، وَانْقِيَادِ المُخَالِفِ لِذَلِكَ. (٤)
وبعد بيان هذه الأدلة يتضح لنا بجلاء؛ أن العمل بخبر الآحاد ثابت بنص الكتاب والسنة، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم خلافًا لمن رده؛ وقد فُصِّل الرد عليهم ودحض شبههم في محله فلتراجع (٥).
ثالثا: قولهم: إن الذباب ضار كما أثبت العلم ذلك؛ كيف يوضع في الإناء ؟
стр. 3843
وهذه شبهة مركبة، أحدها: إثبات ضرر الذباب أو نجاسته والثاني: أن الشرب من الإناء الذي يوضع فيه الذباب سيؤدي إلى الضرر حتمًا.
والجواب عن القسم الأول: وهو نجاسة الذباب فليس بصحيح، لأن أهل العلم قد ذهبوا إلى أن ما لا نفس له سائلة ليس بنجس، لذلك قال الحسن: (إن دخل حلقه الذباب فلا شيء عليه). (١)
وعن ابن عباس ﵁: (في الرجل يدخل حلقه الذباب قال لا يفطر). (٢)
وعن إبراهيم: (أنه سئل عن الذباب يقع في الماء فيموت فيه قال: لا بأس به). (٣)
وأما القسم الثاني: وهو الكلام حول إثبات الشفاء والضرر في جناحي الذباب، وكيفية وجودهما معًا في نفس الذبابة، فقد تكلم عن هذا الأمر أهل العلم، وأهل الطب قديمًا وحديثًا فمما ذكره العلماء:
١ - قال ابن عبد البر: ورُوي هذا الحديث من وجوه كثيرة عن أبي سعيد، وأبي هريرة ﵃ كلها ثابتة، ومعلوم أن الذباب إذا غمس في الطعام الحار أو البارد؛ أن الأغلب عليه مع ضعف خلقه الوت فلو كان موته في الماء والطعام يفسده، لم يأمر رسول الله ﷺ بغمسه فيه! ! وإذا لم ينجس الطعام بموته فليس بنجس على حال البتة. وقد علم أن الذباب يعيش من الدم ويتناول من الأقذار ما تتناول القملة، وفيه من الدم مثل ما في القملة أو أكثر؛ وقد حكم فيه رسول الله ﷺ بما تقدم ذِكْرِنَا له. وهذا ما لم يكن فيه دم؛ لأن الحديث إنما يدل على أن النجس من الحيوان؛ ما له دم سائل. وكذلك قال إبراهيم ما ليس له نفس سائلة فليس بنجس يعني بالنفس الدم. (٤)
стр. 3844
٢ - قال الإمام البدر والعيني: ولم يقع تعيين الجناح الذي فيه الشفاء، وذكر عن بعض العلماء: أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر؛ فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء، قوله: "داء" المراد به السم الذي فيه، ويوضحه حديث أبي سعيد، فإن فيه أنه يقدم السم ويؤخر الشفاء، ولا يحتاج فيه إلى التخريج الذي تكلفه بعض الشراح، فقال: إن في اللفظ مجازًا، وهو كون الداء في أحد الجناحين، فهو إما من مجاز الحذف والتقدير: فإن في أحد جناحيه سبب داء، وإما مبالغة، بأن يجعل كل الداء في أحد جناحيه لما كان سببًا له، وقال الخطابي: هذا مما ينكره من لم يشرح الله قلبه بنور المعرفة، ولم يتعجب من النحلة، جمع الله فيها الشفاء والسم معًا؛ فتعسل من أعلاه وتسم من أسفلها بحمتها، والحية سمها قاتل ولحمها مما يستشفى به من الترياق الأكبر من سمها، فريقها داء ولحمها دواء، ولا حاجة لنا مع قول رسول الله ﷺ الصادق الصدوق إلى النظائر، وأقوال أهل الطب الذين ما وصلوا إلى علمهم إلا بالتجربة، والتجربة خطر، والله على كل شيء قدير، وإليه التوكل والمصير. (١)
٣ - قال ابن حجر: وقال أبو محمد المالقي: ذباب الناس يتولد من الزبل، وإن أخذ الذباب الكبير فقطعت رأسها وحك بجسدها الشعرة التي في الجفن حكًا شديدًا أبرأته، وكذا داء الثعلب، وإن مسح لسعة الزنبور بالذباب سكن الوجع، واستدل بهذا الحديث على أن الماء القليل لا ينجس بوقوع ما لا نفس له سائلة فيه؛ ووجه الاستدلال: كما رواه البيهقي عن الشافعي أنه ﷺ لا يأمر بغمس ما ينجس الماء إذا مات فيه، لأن ذلك إفساد، قال الخطابي: تكلم على هذا الحديث مَنْ لا خلاق له، فقال: كيف يجتمع الشفاء والداء في جناحي الذباب؟ وكيف يعلم ذلك من نفسه حتى يقدم جناح الشفاء؟ وما ألجأه إلى ذلك؟ قال: وهذا سؤال جاهل أو متجاهل؛ فإن كثيرًا من الحيوان قد جمع الصفات المتضادة؛ وقد ألف الله بينها وقهرها على الاجتماع، وجعل منها قوي الحيوان، وإن الذي ألهم النحلة اتخاذ البيت العجيب الصنعة للتعسيل فيه، وألهم النملة أن تدخر قوتها لأوان حاجتها وأن تكسر الحبة نصفين لئلا
стр. 3845
تستنبت، لقادر على إلهام الذبابة أن تقدم جناحًا وتؤخر آخر. (١)
وقال ابن الجوزي: ما نقل عن هذا القائل ليس بعجيب؛ فإن النحلة تعسل من أعلاها وتلقي السم من أسفلها، والحية القاتل سمها تدخل لحومها في الترياق الذي يعالج به السم، والذبابة تسحق مع الإثمد لجلاء البصر، وذكر بعض حذاق الأطباء أن في الذباب قوة سمية يدل عليها الورم والحكة العارضة عن لسعه، وهي بمنزلة السلاح له؛ فإذا سقط الذباب فيما يؤذيه تلقاه بسلاحه؛ فأمر الشارع أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله تعالى في الجناح الآخر من الشفاء، فتتقابل المادتان فيزول الضرر بإذن الله تعالى (٢)، واستدل بقوله "ثم لينزعه" على أنها تنجس بالموت كما هو أصح القولين للشافعي، والقول الآخر، كقول أبي حنيفة أنها لا تنجس والله أعلم. (٣)
٤ - قال ابن قتيبة:
ونقول: إن من حمل أمر الدين على ما شاهد فجعل البهيمة لا تقول، والطائر لا يسبح، والبقعة من بقاع الأرض لا تشكو إلى أختها، والذباب لا يعلم موضع السم، وموضع الشفاء؛ واعترض على ما جاء في الحديث مما لا يفهمه، فقال: كيف يكون قيراط مثل أحد؟ وكيف يأكل الشيطان بشماله ويشرب بشماله؟ وأي شمال له؟ وكيف لقي آدم موسى صلى الله عليهما؛ حتى تنازعا في القدر وبينهما أحقاب؟ وأين تنازعا؟ فإنه منسلخ من الإسلام معطل غير أنه يستعد بمثل هذا وشبهه من القول، واللغو والجدال ودفع الأخبار والآثار مخالف لما جاء به الرسول ﷺ ، ولما درج عليه الخيار من صحابته والتابعون، ومن كذب ببعض ما جاء به رسول الله ﷺ كان كمن كذب به كله، ولو أراد أن ينتقل عن الإسلام إلى دين لا يؤمن فيه بهذا وأشباهه، لم يجد منتقلًا، لأن اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والوثنية يؤمنون بمثل ذلك، ويجدونه مكتوبًا عندهم، وما علمت أحدًا ينكر هذا إلا قومًا من الدهرية، وقد اتبعهم على ذلك قوم من أهل الكلام والجهمية.
стр. 3846
وبعد فما ينكر من أن يكون في الذباب سم وشفاء؛ إذا نحن تركنا طريق الديانة ورجعنا إلى الفلسفة، وهل الذباب في ذلك إلا بمنزلة الحية؟ فإن الأطباء يذكرون أن لحمها شفاء من سمها، إذا عمل منه الترياق الأكبر، ونافع من لدغ العقارب، وعض الكلاب، والحمى الربع، والفالج، واللقوة، والارتعاش، والصرع، وكذلك قالوا في العقرب: إنها إذا شق بطنها ثم شدت على موضع اللسعة؛ نفعت وإذا أحرقت فصارت رمادًا ثم سقي منها من به الحصاة نفعته، وربما لسعت المفلوج فأفاق، وتلقى في الدهن حينًا فيكون ذلك الدهن مفرقًا للأورام الغليظة، والأطباء القدماء يزعمون أن الذباب إذا ألقي في الإثمد وسحق معه ثم اكتحل به؛ زاد ذلك في نور البصر، وشد مراكز الشعر من الأجفان في حافات الجفون، وحكوا عن صاحب المنطق؛ أن قومًا من الأمم كانوا يأكلون الذباب فلا يرمدون، وقالوا في الذباب: إذا شدخ ووضع على موضع لسعة العقرب سكن الوجع، وقالوا: من عضه الكلب احتاج إلى أن يستر وجهه من سقوط الذباب عليه لئلا هذا يقتله وهذا يدل على طبيعة فيه شفاء أو سم. (١)
وقال ابن القيم: الحديث فيه أمران: أمر فقهي، وأمر طبي. فأما الفقهي: فهو دليل ظاهر الدلالة جدًّا على أن الذباب إذا مات في ماء أو مائع فإنه لا ينجسه؛ وهذا قول جمهور العلماء، ولا يُعرف في السلف مخالف في ذلك، ووجه الاستدلال به أن النبي ﷺ أمر بمقله؛ وهو غمسه في الطعام، ومعلوم أنه يموت من ذلك، ولا سيما إذا كان الطعام حارًا، فلو كان ينجسه لكان أمرًا بإفساد الطعام، وهو ﷺ إنما أمر بإصلاحه، ثم عدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة كالنحلة، والزنبور، والعنكبوت، وأشباه ذلك؛ إذ الحكم يعم بعموم علته، وينتفي لانتفاء سببه، فلما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودًا فيما لا دم له سائل؛ انتفى الحكم بالتنجيس لانتفاء علته.
ثم قال: من لم يحكم بنجاسة عظم الميتة؛ إذا كان هذا ثابتًا في الحيوان الكامل مع ما فيه من الرطوبات، والفضلات، وعدم الصلابة، فثبوته في العظم الذي هو أبعد عن
стр. 3847
الرطوبات والفضلات، واحتقان الدم أولى، وهذا في غاية القوة، فالمصير إليه أولى.
وأول من حفظ عنه في الإسلام أنه تكلم بهذه اللفظة فقال: ما لا نفس له سائلة إبراهيم النخعي: وعنه تلقاها الفقهاء - والنفس في اللغة: يعبر بها عن الدم، ومنه نَفَست المرأة -بفتح النون- إذا حاضت، ونُفست -بضمها- إذا ولدت.
وأما المعنى الطبي، فقال أبو عبيد: معنى امقلوه: اغمسوه، ليخرج الشفاء منه كما خرج الداء، يقال للرجلين: هما يتماقلان إذا تغاطا في الماء.
واعلم أن في الذباب عندهم قوة سمية يدل عليها الورم والحكة العارضة عن لسعه، وهي بمنزلة السلاح، فإذا سقط فيما يؤذيه اتقاه بسلاحه؛ فأمر النبي ﷺ أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله سبحانه في جناحه الآخر من الشفاء، فيغمس كله في الماء والطعام فيقابل المادة السمية المادة النافعة فيزول ضررها.
وهذا طب لا يهتدي إليه كبار الأطباء وأئمتهم، بل هو خارج من مشكاة النبوة، ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق، يخضع لهذا العلاج، ويقر لمن جاء به، بأنه أكمل الخلق على الإطلاق، وأنه مؤيد بوحي إلهي خارج عن القوى البشرية.
وقد ذكر غير واحد من الأطباء أن لسع الزنبور والعقرب إذا دلك موضعه بالذباب نفع منه نفعًا بينًا وسكّنه، وما ذاك إلا للمادة التي فيه من الشفاء، وإذا دلك به الورم الذي يخرج في شعر العين المسمى شعرة بعد قطع رؤوس الذباب أبرأه). (١)
وهذه أقوال أهل الطب: -
١ - أوضح الدكتور (معتز المرزوقي) أن حديث الذباب يتضمن معجزتين علميتين لرسول الله ﷺ ، إحداهما: وجود الميكروب في جانب من الذبابة، ووجود المضاد الحيوي (antibiotic) في الجانب الآخر؛ على اعتبار أن الجناح في اللغة يدل على الميل أو الجانب، ويؤيده قول الله تعالى: ﴿يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾ (طه: ٢٢).
стр. 3848
وأما المعجزة الثانية: فهي في كلمة (فليغمسه)، لأن الغمس يتضمن ولوج المنطقة التي بها فطريات (فطور) حاملة للمضادات الحيوية وللميكروبات؛ ولأن عملية الغمس تسمح للسائل أن ينتشر إلى الغشاء بالانتشار الغشائي؛ حتى ينفجر هذا الغشاء ويخرج السيتوبلازم الذي يحتوي مضادات الميكروبات، التي يكفي مللي جرام منها لتطهير (ألف) لتر من اللبن الملوث بجميع الميكروبات.
٢ - نشرت جريدة "الأهرام" بالقاهرة في عددها الصادر يوم ٢ يوليو ١٩٥٢ م مقالًا للأستاذ مجدي كيرلس جرجس (وهو نصراني مصري)، ورد فيها: وهناك حشرات ذات منافع طبية، ففي الحرب العالمية الأولى لاحظ الأطباء أن الجنود ذوي الجروح العميقة الذين تركوا بالميدان لمدة ما، حتى ينقلوا إلى المستشفى، قد شفيت جروحهم والتأمت بسرعة عجيبة، وفي مدة أقل من تلك التي استلزمتها جروح من نقلوا إلى المستشفى مباشرة، وقد وجد الأطباء أن جروح الجنود الذين تركوا بالميدان تحتوي على "يرقات" بعض أنواع "الذباب الأزرق" وقد وجد أن هذه "اليرقات" تأكل النسيج المتقيح في الجروح، وتقتل "البكتريا" المتسببة في القيح والصديد.
وقد استخرجت مادة (الأنثوين) من "اليرقان" السالفة الذكر، واستخدمت كمرهم رخيص، ملطف للخراريج والقروح والحروق والأورام، وأخيرًا عُرف التراكيب الكيميائي لمادة (الأنثوين) وحضرت صناعيًا، وهي الآن تباع بمخازن الأدوية.
وفي العصر الحديث جميع الجراحين الذين عاشوا في السنوات التي سبقت اكتشاف مركبات السلفا -أي في السنوات العشر الثالثة من القرن العشرين- رأوا بأعينهم علاج الكسور المضاعفة والقرحات المزمنة بالذباب، وكان الذباب يربى لذلك خصيصًا، وكان هذا العلاج مبنيًا على اكتشاف (باكتريوفاج) القاتل للجراثيم، على أساس أن الذباب يحمل في آن واحد الجراثيم التي تسبب المرض الباكتريوفاج الذي يهاجم هذه الجراثيم.
стр. 3849
٣ - قال د. محمد أبو شبهة: (وبذلك يحقق العلماء بأبحاثهم تفسير الحديث النبوي الذي يؤكد ضرورة غمس الذبابة كلها في السائل أو الطعام إذا وقعت عليه (فيه)، لإفساد أثر الميكروبات المرضية التي تنقلها بأرجلها أو يبرزها. وكذلك يؤكد الحقيقة التي أشار إليها الحديثان وهي أن في أحد جناحيها داء (أي: في أحد أجزاء جسمها الأمراض المنقولة بالميكروبات المرضية التي حملتها) وفي الآخر شفاء وهو المواد الحيوية المضادة التي تفرزها الفطور Fungi)) الموجودة على بطنها، والتي تخرج وتنطلق بوجود سائل حول خلايا الفطور المستطيلة).
٤ - قال د. غريب جمعة: (إن هذا الحديث لم يَدْعُ أحدًا إلى صيد الذباب ووضعه عنوة في الإناء، ولم يشجع على ترك الآنية مكشوفة، ولا على الإهمال في نظافة البيوت والشوارع، ولا يتعارض مع الحماية من أخطار انتشار الذباب بأية صورة، ولم يجبر مَنْ وقع الذباب في إنائه واشمأز من ذلك على تناول ما فيه، وهذا الحديث لا يمنع أحدًا من القائمين على الصحة من التصدي للذباب في مواطنه ومحاربته، ولا يدعو إلى إقامة مزارع أو مفارخ للذباب، ومن صنع هذا أو اعتقده فقد وقع في خطأ كبير).
٥ - نشر العالمان المصريان د/ محمود كامل، د/ محمد عبد المنعم حسين، مقالة في مجلة الأزهر (القاهرة) - عدد شهر رجب (١٣٧٨ هـ) تحت عنوان: "كلمة الطب في حديث الذبابة"، ضمناها كثيرًا من الأخبار والمعلومات، وذكرا أن الذباب ينقل أمراضًا كثيرة، وذلك بواسطة أطراف أرجله، أو في برازه. وإذا وقعت الذبابة على الأكل، فإنها تلمسه بأرجلها الحاملة للميكروبات الممرضة، وإذا تبرزت على طعام الإنسان، فإنها ستلوثه أيضًا بأرجلها.
أما الفطور (الفطريات) التي تفرز المواد الحيوية المضادة، فإنها توجد على بطن الذبابة، ولا تنطلق مع سوائل الخلايا المستطيلة لهذه الفطور (والتي تحتوي المواد الحيوية المضادة) إلا بعد أن يلمسها السائل الذي يزيد الضغط الداخلي لسائل الخلية، ويسبب انفجار الخلايا المستطيلة واندفاع البذور والسائل إلى خارج جسم الذبابة.
стр. 3850
٦ - نشرت جريدة التجارب الطبية في عددها ١٠٣٧/ ٤ الصادر في عام ١٩٢٧ م تحت عنوان: (الباكتريوفاج من ذباب البيوت): لقد أطعم الذباب الذي يألف البيوت من مزرعة الجراثيم الممرضة، وبعد حين اختفى أثر الجراثيم التي في الذباب وماتت كلها، وظهرت في الذباب مادة قاتلة للجراثيم تسمى (باكتريوفاج) وهي مادة ذات أثر قوي ضد أربعة أنواع من الجراثيم الممرضة.
كما ذكرت المقالة أن خلاصة من الذباب في محلول ملحي فسيولوجي وجد أنها تحتوي هذا العامل "الباكتريوفاج"، وكذلك مادة أخرى ليست من هذا النوع، ولكنها مفيدة في الدفاع العضوي ضد أربعة أنواع أخرى من الجراثيم الممرضة.
ذكر (بريفيلد) أيضًا، أن الباحث (موفيتش) نجح عام (١٩٤٧ م) في عزل مضادات حيوية من مزرعة للفطور التي تعيش على جسم الذبابة، ووجدها ذات مفعول قوي على جراثيم سلبية لصبغة جرام (مثل جراثيم الزحار والتيفود)، ووجد أن جرامًا واحدًا منها يحفظ أكثر من ألف لتر من اللبن من التلوث بالجراثيم المذكورة.
وفي سنة (١٩٤٨ م) عزل (بريان)، (كوتيس)، (هيمنج)، (جيفيريس)، (ماكجوان)، من بريطانيا، مادة مضادة للحيوية تسمى (كلوتينيزين)، وذلك من أنواع تابعة لفصيلة الفطور التي تعيش في الذبابة، ومن بينها جراثيم الدوسنتاريا والتيفود.
وفي سنة ١٩٤٩ م، عزل (كوماس)، (فارمر) - من إنجلترا- (جريان)، (روث)، (اتلنجر)، (بلانتر) - من سويسرا - مادة مضادة للحيوية تسمى (انياتين)، وذلك من فطور تعيش في الذبابة. وتؤثر هذه المادة بقوة في جراثيم سالبة وجراثيم موجبة لصبغة جرام، وفي بعض الفطور الأخرى، مثل: جراثيم الدوسنتاريا والتيفويد والكوليرا، وتكفي كمية قليلة من هذه المادة المعزولة من جسم الذبابة لقتل أو إيقاف نمو هذه الجراثيم المرضية.
كما تمكن العالمان الإنجليزيان (آينشتاين)، (كوك) والعالم السويسري (روليوس) في عام (١٩٥٠) من عزل مادة أسموها (جافاسين) وذلك من فطر ينتمي إلى نفس الفصيلة
стр. 3851
المذكورة سابقًا، وهو يعيش على الذباب، واتضح لهم أن هذه المادة تقتل جراثيم مختلفة من بينها الجراثيم السالبة لصبغة جرام والجراثيم الموجبة لصبغة جرام، مما يفيد في مكافحة الجراثيم التي تسبب أمراض الحميات التي يلزمها فترة حضانة قصيرة.
٧ - وأخيرًا: علماء أستراليون يستخرجون مضادات حيوية من الذباب
عنوان الموضوع: (The new buzz on antibiotics)
ترجمة: محمود أبو الشيخ: إن ظهر الذباب هو آخر مكان تتوقعه أن تجد فيه مضادات حيوية، ومع ذلك ذاك هو المكان بالتحديد الذي يركز عليه فريق من باحثين أستراليين؛ وذلك بناءًا علي (نظرية حتمية) امتلاك الذباب مضادات للجراثيم فعالة للحفاظ على حياتها في بيئة الروث واللحم أو الفواكه المتعفنة، والفريق من قسم (علوم الأحياء) بجامعة (ماكوري) يقوم حاليًا بدراسة للتعرف على خاصية تلك المضادات، واختلافها في المراحل المختلفة لنمو الذباب.
وقالت (جوان كلارك): إن بحثنا جزء صغير من أبحاث وجهود عالمية للحصول على مضادات حيوية جديدة ونعتقد إننا نبحث حيث لم يبحث فيه أحد من قبل.
(جوان كلارك) هي التي تولت تقديم الاكتشاف نيابة عن الباحثين في مؤتمر جمعية (علم الأحياء المجهري) عقد في (ماريون)، ويعتبر هذا الموضوع جزء من رسالة الدكتوراه التي تحضرها.
العلماء قاموا باختبار أربعة أصناف من الذباب: ذبابة (المنزل)، ذبابة (اللحم)، ذبابة (الفواكه) و (الكنترول)، والنوع الأخير من صنف ذبابة (الفاكهة) في (كوينسلاند) وتضع بيضها علي الفواكه الطازجة. احتياج هذه اليرقات للمضادات أقل من الأصناف الأخرى لقلة ملاقاتها للجراثيم.
الذبابة تمر بعدة أطوار في دورة حياتها بداية من مرحلة اليرقة، ثم مرحلة الشرنقة، إلى أن تدخل مرحلة الحشرة الكاملة أو طور البلوغ، وخلال طور الشرنقة الذباب يكون محاطًا بغلاف محمي ولا تتغذي، وأضافت (جوان كلارك) أنهم توقعوا قلة إنتاج
стр. 3852
المضادات في هذا الطور؛ ولكن خلال طور الشرنقة لم تظهر الأصناف الأربعة خصائص المضادات الحيوية سوي صنف (كنترول) التابع لصنف الفواكة في (كوينسلاند)، بينما جميع الأصناف أفرزت مضادات في طور البلوغ، لأنها في هذا الطور تكون في حاجة إلى حماية مضادات الجرثومية لكثرة تحركها وملاقاة الحشرات الأخرى.
خصائص المضادات:
وجدت في جميع الأنواع الأربع، وذكرت جوان أن المضادات تظهر أيضًا في أحشاء الذبابة، كما تظهر خارج الجسم، وسبب تركيزنا على خارج الجسم هو فقط لسهولة عملية الاستخراج، ويتم استخلاص المضادات عن طريق وضع الذبابة في الكحول (الأثيلي) ثم يتم استخلاص مادة المضاد الخام بتمرير مركب المحلول خلال مرشح (فلتر)، وعند وضع المضاد الحيوي المستخرج من الذباب في محلول ملوث بشتى أنواع البكتيريا مثل (أي كولاي)، (جولدين ستاف) معروف أيضًا: بـ (ستافلوكوكس) وخميرة (الكانديدا) ومعديات أخرى، وفي كل الحالات لوحظ فعالية المضاد الحيوي (المستخرج من الذباب).
وأضافت (جوان كلارك) قائلة: "إننا حاليًا نحاول التعرف على مكونات المضاد الحيوي لإنتاجه كيميائيًا، ولأن المركب ليس مستخرجًا من بكتيريا لن يكون سهلًا للبكتيريا أن تكون مناعة ضد المضاد الحيوي (المستخرج من الذباب)، ونأمل أن يكون لهذه المضادات فعالية علاجية لمدة طويلة. (١)
رابعًا: أن تناول مثل هذا الشراب قد لا يستسيغه الكثير فكيف سيعمل بالحديث إذن ؟
والجواب: أن المرد من الحديث هو إزالة السمية التي تسقط من أحد أجنحة الذباب عند سقوطها فيه، وذلك بغمسها كاملة حتى يخرج ذلك الإنزيم المقاوم لتلك السموم، والتي قد لا تزول ولو بغسله بالماء فيتبقى أثر ذلك السم في الإناء، فإذا استخدم من جديد
стр. 3853
قد يصاب من سيأكل أو يشرب منه ببقايا ذلك السم، أو لعل أحدًا أن يأتي وهو لا يعلم بما حدث للإناء فيشرب أو يأكل منه فيصاب بالأذى لذلك، وقد يصاب بالأمراض الكثيرة من جراء ذلك، فإذا لم يكن مستسيغًا للأكل أو للشرب من هذا الإناء فلا حرج عليه، لكن عليه أن يطبق أمر غمس الذباب حتى يَسلم من أضراره وأمراضه.
وكذلك فإن الأصل في الشراب والطعام الإباحة، فإذا كان أصل الشيء على الإباحة، فكذلك الفرع منه، فإن سقط الذباب في الإناء فليغمسه ليُطهّر من المرض، ثم أَمْر الطعام والشراب بعد ذلك لم يوجبه في نص الحديث، وليس في الحديث ما يدل على وجوب الشرب منه بعد غمسه، فرجع الأمر إلى أصل الإباحة.
خامسًا: أن البعض قد ظنوا أن هذا الحديث هو من الأمور التي تخضع للاجتهاد قد تصيب وقد تخطئ .
والجواب: أن أقواله ﷺ محكوم بعصمتها، فهو لا ينطق عن الهوى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (النجم: ٣) خاصة إذا كان هذا الأمر في شيء لا يحتمل الاجتهاد، بل هو من دلائل نبوته ﷺ ، وإلا لطعن الطاعنون في أقواله ﷺ ؛ بدعوى عدم جدواها وعدم نفعها لعدم موافقتها للواقع -كما يزعمون-؛ فإذا وافقت الواقع كان ذلك من دلائل نبوته ﷺ ؛ ودليلًا على صدق رسالته، واعلم أن علماء هذا الزمان في كل يوم يثبتون أمرًا من سننه، ودليلًا من هديه ﷺ ، بل ويرشدون الناس إليه.
واعلم أن ديننا لا يحتاج إلى تجارب أو براهين حتى نقبله بل الأصل أن تؤمن بكل ما جاء به النبي ﷺ ؛ سواء علمت حقيقة ذلك أو جهلته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦).
سادسًا: قولهم أن موضوع متنه ليس من عقائد الإسلام ولا من عباداته، ولا من شرائعه، ولا التزم المسلمون العمل به، بل لم يعمل به أحد منهم لأنه لا دخل له في التشريع، وإنما هو في أمور الدنيا كحديث "تأبير النخل ".
стр. 3854
أما الزعم بأنه ليس من عقائد الإسلام، ولا من عباداته، ولا دخل له في التشريع، وإنما هو من أمور الدنيا التي يجوز على النبي ﷺ فيها الخطأ، كحديث "تأبير النخل" (١)؛ فالغرض منه تحقير الحديث والتهوين من أمره وتنفير الناس عنه، وبالتالي فإن من ردَّه أو ارتاب فيه لم يؤثر ذلك على دينه في شيء، وهو أمر في غاية الخطورة والتلبيس، لأن أمور الدنيا منها ما هو خاضع لأحكام الشرع، فهي داخلة تحت الأمر بطاعة رسول الله ﷺ والنهي عن مخالفته، وأمره ﷺ قد يكون واجبًا وقد يكون مستحبًا، وقياس حديث الذباب وغيره من أحاديث الطب النبوي على أحاديث تأبير النخل قياس غير صحيح؛ لأن معظم أحاديث الطب - إن لم تكن كلها - ساقها النبي ﷺ مساق القطع واليقين مما يدل على أنها بوحي من الله سبحانه وداخلة في التشريع، فقال في حديث الذباب: "فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء"، فأتى بـ (إن) المفيدة للتأكيد، بخلاف أحاديث تأبير النخل التي ساقها ﷺ مساق الرجاء والظن؛ لأنها في أمور الدنيا ومعايشها فقال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا، وفي رواية "ما أظن يغني ذلك شيئًا" (٢)، وفرق كبير بين الأسلوبين.
ولذلك قال الإمام النووي عند شرحه لقول النبي ﷺ في حديث (تأبير النخل): "وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر"، قال العلماء: قوله ﷺ "من رأي" أي في أمر الدنيا ومعايشها لا على التشريع، فأما ما قاله باجتهاده ﷺ ورآه شرعًا يجب العمل به، وليس أبار النخل من هذا النوع بل من النوع المذكور قبله" (٣).
فما وقع في حديث التأبير كان ظنًا منه ﷺ ، وهو صادق في ظنه، وخطأ الظن ليس كذبًا، وقد رجع عن ظنه الذي ظنه في قوله: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه" (٤) بخلاف ما جاء في حديث الذباب، فإنه أخبر بأن في أحد جناحيه داء والآخر شفاء، وهذا لا يكون إلا بوحي من
стр. 3855
الله تعالى، وهو أمر لا يُحتمل خلاف ما أخبر به، ثم أمر بغمس الذباب بناءً على العلة السابقة، ولم يأت ما ينقض هذا الأمر ولا ذاك فوجب التسليم والإذعان وعدم الإنكار.
وادعاء أن المسلمين لم يلتزموا به ولم يعمل به أحد منهم، ادعاء كاذب يخالفه ما ثبت عن بعض الصحابة والتابعين.
١ - ففي بعض روايات الحديث أن عبد الله بن المثنى روى عن عمه ثمامة أنه حدثه قال: كنا عند أنس ﵁ فوقع ذباب في إناء، فقال أنس بأصبعه فغمسه في ذلك الإناء ثلاثًا ثم قال: بسم الله، وقال: إن رسول الله ﷺ أمرهم أن يفعلوا ذلك. (١)
٢ - روى أحمد من طريق سعيد بن خالد قال: دخلت على أبي سلمة فأتانا بزبد وكتلة فأسقط ذباب في الطعام؛ فجعل أبو سلمة يمقله بأصبعه فيه، فقلت يا خال ما تصنع؛ فقال إن أبا سعيد الخدري ﵁ حدثني عن رسول الله ﷺ قال: "إن أحد جناحي الذباب سم والآخر شفاء؛ فإذا وقع في الطعام فأمقلوه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء". (٢)
فأنس صحابي وأبو سلمة تابعي، وقد عملا بمضمون هذا الحديث، فكيف يزعم بأن أحدًا من المسلمين لم يعمل به؟ .
وأخيرًا ماذا قال الكتاب المقدس عن الذباب ؟
١ - يقول كتابهم عن الذبابة التي تصبح عطرًا عند العطار ! ! !
جامعة (١٠ عدد ١): الذُّبَابُ الميِّتُ يُنَتِّنُ وَيُخَمِّرُ طِيبَ الْعَطَّارِ. جَهَالَةٌ قَلِيلَةٌ أَثْقَلُ مِنَ الحِكْمَةِ وَمِنَ الْكَرَامَةِ.
٢ - الرب يصفر للذباب كما في قول إشعياء النبي:
وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ الرَّبَّ يَصْفِرُ لِلذُّبَابِ الَّذِي فِي أَقْصَى تُرَعِ مِصْرَ، وَلِلنَّحْلِ الَّذِي فِي أَرْضِ أَشُّورَ" (إش ٧: ١٨).
* * *