← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

المذكورة سابقًا، وهو يعيش على الذباب، واتضح لهم أن هذه المادة تقتل جراثيم مختلفة من بينها الجراثيم السالبة لصبغة جرام والجراثيم الموجبة لصبغة جرام، مما يفيد في مكافحة الجراثيم التي تسبب أمراض الحميات التي يلزمها فترة حضانة قصيرة. ٧ - وأخيرًا: علماء أستراليون يستخرجون مضادات حيوية من الذباب عنوان الموضوع: (The new buzz on antibiotics) ترجمة: محمود أبو الشيخ: إن ظهر الذباب هو آخر مكان تتوقعه أن تجد فيه مضادات حيوية، ومع ذلك ذاك هو المكان بالتحديد الذي يركز عليه فريق من باحثين أستراليين؛ وذلك بناءًا علي (نظرية حتمية) امتلاك الذباب مضادات للجراثيم فعالة للحفاظ على حياتها في بيئة الروث واللحم أو الفواكه المتعفنة، والفريق من قسم (علوم الأحياء) بجامعة (ماكوري) يقوم حاليًا بدراسة للتعرف على خاصية تلك المضادات، واختلافها في المراحل المختلفة لنمو الذباب. وقالت (جوان كلارك): إن بحثنا جزء صغير من أبحاث وجهود عالمية للحصول على مضادات حيوية جديدة ونعتقد إننا نبحث حيث لم يبحث فيه أحد من قبل. (جوان كلارك) هي التي تولت تقديم الاكتشاف نيابة عن الباحثين في مؤتمر جمعية (علم الأحياء المجهري) عقد في (ماريون)، ويعتبر هذا الموضوع جزء من رسالة الدكتوراه التي تحضرها. العلماء قاموا باختبار أربعة أصناف من الذباب: ذبابة (المنزل)، ذبابة (اللحم)، ذبابة (الفواكه) و (الكنترول)، والنوع الأخير من صنف ذبابة (الفاكهة) في (كوينسلاند) وتضع بيضها علي الفواكه الطازجة. احتياج هذه اليرقات للمضادات أقل من الأصناف الأخرى لقلة ملاقاتها للجراثيم. الذبابة تمر بعدة أطوار في دورة حياتها بداية من مرحلة اليرقة، ثم مرحلة الشرنقة، إلى أن تدخل مرحلة الحشرة الكاملة أو طور البلوغ، وخلال طور الشرنقة الذباب يكون محاطًا بغلاف محمي ولا تتغذي، وأضافت (جوان كلارك) أنهم توقعوا قلة إنتاج

стр. 3852

المضادات في هذا الطور؛ ولكن خلال طور الشرنقة لم تظهر الأصناف الأربعة خصائص المضادات الحيوية سوي صنف (كنترول) التابع لصنف الفواكة في (كوينسلاند)، بينما جميع الأصناف أفرزت مضادات في طور البلوغ، لأنها في هذا الطور تكون في حاجة إلى حماية مضادات الجرثومية لكثرة تحركها وملاقاة الحشرات الأخرى. خصائص المضادات: وجدت في جميع الأنواع الأربع، وذكرت جوان أن المضادات تظهر أيضًا في أحشاء الذبابة، كما تظهر خارج الجسم، وسبب تركيزنا على خارج الجسم هو فقط لسهولة عملية الاستخراج، ويتم استخلاص المضادات عن طريق وضع الذبابة في الكحول (الأثيلي) ثم يتم استخلاص مادة المضاد الخام بتمرير مركب المحلول خلال مرشح (فلتر)، وعند وضع المضاد الحيوي المستخرج من الذباب في محلول ملوث بشتى أنواع البكتيريا مثل (أي كولاي)، (جولدين ستاف) معروف أيضًا: بـ (ستافلوكوكس) وخميرة (الكانديدا) ومعديات أخرى، وفي كل الحالات لوحظ فعالية المضاد الحيوي (المستخرج من الذباب). وأضافت (جوان كلارك) قائلة: "إننا حاليًا نحاول التعرف على مكونات المضاد الحيوي لإنتاجه كيميائيًا، ولأن المركب ليس مستخرجًا من بكتيريا لن يكون سهلًا للبكتيريا أن تكون مناعة ضد المضاد الحيوي (المستخرج من الذباب)، ونأمل أن يكون لهذه المضادات فعالية علاجية لمدة طويلة. (١) رابعًا: أن تناول مثل هذا الشراب قد لا يستسيغه الكثير فكيف سيعمل بالحديث إذن ؟ والجواب: أن المرد من الحديث هو إزالة السمية التي تسقط من أحد أجنحة الذباب عند سقوطها فيه، وذلك بغمسها كاملة حتى يخرج ذلك الإنزيم المقاوم لتلك السموم، والتي قد لا تزول ولو بغسله بالماء فيتبقى أثر ذلك السم في الإناء، فإذا استخدم من جديد

стр. 3853

قد يصاب من سيأكل أو يشرب منه ببقايا ذلك السم، أو لعل أحدًا أن يأتي وهو لا يعلم بما حدث للإناء فيشرب أو يأكل منه فيصاب بالأذى لذلك، وقد يصاب بالأمراض الكثيرة من جراء ذلك، فإذا لم يكن مستسيغًا للأكل أو للشرب من هذا الإناء فلا حرج عليه، لكن عليه أن يطبق أمر غمس الذباب حتى يَسلم من أضراره وأمراضه. وكذلك فإن الأصل في الشراب والطعام الإباحة، فإذا كان أصل الشيء على الإباحة، فكذلك الفرع منه، فإن سقط الذباب في الإناء فليغمسه ليُطهّر من المرض، ثم أَمْر الطعام والشراب بعد ذلك لم يوجبه في نص الحديث، وليس في الحديث ما يدل على وجوب الشرب منه بعد غمسه، فرجع الأمر إلى أصل الإباحة. خامسًا: أن البعض قد ظنوا أن هذا الحديث هو من الأمور التي تخضع للاجتهاد قد تصيب وقد تخطئ . والجواب: أن أقواله ﷺ محكوم بعصمتها، فهو لا ينطق عن الهوى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (النجم: ٣) خاصة إذا كان هذا الأمر في شيء لا يحتمل الاجتهاد، بل هو من دلائل نبوته ﷺ ، وإلا لطعن الطاعنون في أقواله ﷺ ؛ بدعوى عدم جدواها وعدم نفعها لعدم موافقتها للواقع -كما يزعمون-؛ فإذا وافقت الواقع كان ذلك من دلائل نبوته ﷺ ؛ ودليلًا على صدق رسالته، واعلم أن علماء هذا الزمان في كل يوم يثبتون أمرًا من سننه، ودليلًا من هديه ﷺ ، بل ويرشدون الناس إليه. واعلم أن ديننا لا يحتاج إلى تجارب أو براهين حتى نقبله بل الأصل أن تؤمن بكل ما جاء به النبي ﷺ ؛ سواء علمت حقيقة ذلك أو جهلته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦). سادسًا: قولهم أن موضوع متنه ليس من عقائد الإسلام ولا من عباداته، ولا من شرائعه، ولا التزم المسلمون العمل به، بل لم يعمل به أحد منهم لأنه لا دخل له في التشريع، وإنما هو في أمور الدنيا كحديث "تأبير النخل ".

стр. 3854

أما الزعم بأنه ليس من عقائد الإسلام، ولا من عباداته، ولا دخل له في التشريع، وإنما هو من أمور الدنيا التي يجوز على النبي ﷺ فيها الخطأ، كحديث "تأبير النخل" (١)؛ فالغرض منه تحقير الحديث والتهوين من أمره وتنفير الناس عنه، وبالتالي فإن من ردَّه أو ارتاب فيه لم يؤثر ذلك على دينه في شيء، وهو أمر في غاية الخطورة والتلبيس، لأن أمور الدنيا منها ما هو خاضع لأحكام الشرع، فهي داخلة تحت الأمر بطاعة رسول الله ﷺ والنهي عن مخالفته، وأمره ﷺ قد يكون واجبًا وقد يكون مستحبًا، وقياس حديث الذباب وغيره من أحاديث الطب النبوي على أحاديث تأبير النخل قياس غير صحيح؛ لأن معظم أحاديث الطب - إن لم تكن كلها - ساقها النبي ﷺ مساق القطع واليقين مما يدل على أنها بوحي من الله سبحانه وداخلة في التشريع، فقال في حديث الذباب: "فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء"، فأتى بـ (إن) المفيدة للتأكيد، بخلاف أحاديث تأبير النخل التي ساقها ﷺ مساق الرجاء والظن؛ لأنها في أمور الدنيا ومعايشها فقال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا، وفي رواية "ما أظن يغني ذلك شيئًا" (٢)، وفرق كبير بين الأسلوبين. ولذلك قال الإمام النووي عند شرحه لقول النبي ﷺ في حديث (تأبير النخل): "وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر"، قال العلماء: قوله ﷺ "من رأي" أي في أمر الدنيا ومعايشها لا على التشريع، فأما ما قاله باجتهاده ﷺ ورآه شرعًا يجب العمل به، وليس أبار النخل من هذا النوع بل من النوع المذكور قبله" (٣). فما وقع في حديث التأبير كان ظنًا منه ﷺ ، وهو صادق في ظنه، وخطأ الظن ليس كذبًا، وقد رجع عن ظنه الذي ظنه في قوله: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه" (٤) بخلاف ما جاء في حديث الذباب، فإنه أخبر بأن في أحد جناحيه داء والآخر شفاء، وهذا لا يكون إلا بوحي من

стр. 3855

الله تعالى، وهو أمر لا يُحتمل خلاف ما أخبر به، ثم أمر بغمس الذباب بناءً على العلة السابقة، ولم يأت ما ينقض هذا الأمر ولا ذاك فوجب التسليم والإذعان وعدم الإنكار. وادعاء أن المسلمين لم يلتزموا به ولم يعمل به أحد منهم، ادعاء كاذب يخالفه ما ثبت عن بعض الصحابة والتابعين. ١ - ففي بعض روايات الحديث أن عبد الله بن المثنى روى عن عمه ثمامة أنه حدثه قال: كنا عند أنس ﵁ فوقع ذباب في إناء، فقال أنس بأصبعه فغمسه في ذلك الإناء ثلاثًا ثم قال: بسم الله، وقال: إن رسول الله ﷺ أمرهم أن يفعلوا ذلك. (١) ٢ - روى أحمد من طريق سعيد بن خالد قال: دخلت على أبي سلمة فأتانا بزبد وكتلة فأسقط ذباب في الطعام؛ فجعل أبو سلمة يمقله بأصبعه فيه، فقلت يا خال ما تصنع؛ فقال إن أبا سعيد الخدري ﵁ حدثني عن رسول الله ﷺ قال: "إن أحد جناحي الذباب سم والآخر شفاء؛ فإذا وقع في الطعام فأمقلوه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء". (٢) فأنس صحابي وأبو سلمة تابعي، وقد عملا بمضمون هذا الحديث، فكيف يزعم بأن أحدًا من المسلمين لم يعمل به؟ . وأخيرًا ماذا قال الكتاب المقدس عن الذباب ؟ ١ - يقول كتابهم عن الذبابة التي تصبح عطرًا عند العطار ! ! ! جامعة (١٠ عدد ١): الذُّبَابُ الميِّتُ يُنَتِّنُ وَيُخَمِّرُ طِيبَ الْعَطَّارِ. جَهَالَةٌ قَلِيلَةٌ أَثْقَلُ مِنَ الحِكْمَةِ وَمِنَ الْكَرَامَةِ. ٢ - الرب يصفر للذباب كما في قول إشعياء النبي: وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ الرَّبَّ يَصْفِرُ لِلذُّبَابِ الَّذِي فِي أَقْصَى تُرَعِ مِصْرَ، وَلِلنَّحْلِ الَّذِي فِي أَرْضِ أَشُّورَ" (إش ٧: ١٨). * * *

стр. 3856

٢ - شبهة: شرب أبوال الإبل وألبانها . نص الشبة: شرب أبوال الإبل وألبانها علاج كيف يكون ذاك؟ . والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: ذكر الأحاديث في ذلك . الوجه الثاني: طهارة أبوال الإبل. الوجه الثالث: أن هذا الشرب كان لضرورة فلا حرج في ذلك. الوجه الرابع: ذكر بعض فوائد أبوال الإبل وألبانها من السنة. الوجه الخامس: أن هذا اختيار للمريض وليس إجبارًا. الوجه السادس: أن هذا الدواء كان عند العرب. الوجه السابع: الطب يؤكد الحقيقة النبوية. الوجه الثامن: الرد على اليهود والنصارى بما عندهم. وإليك التفصيل. الوجه الأول: ذكر الأحاديث في ذلك. عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوْا المُدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بلِقَاحٍ وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَانْطَلَقُوا فَلَمّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ واسْتَاقُوا النَّعَمَ فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّل النَّهَارِ فبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ وَأُلْقُوا فِي الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَحَارَبُوا الله وَرَسُولَهُ (١). وعَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْيُنَ أُولَئِكَ، لأَنَّهمْ سَمَلُوا

стр. 3857

أَعْيُنَ الرِّعَاءِ (١). الوجه الثاني: طهارة أبوال الإبل . استدل بالحديث على طهارة أبوال الإبل للإذن في شربها. (٢) واسْتَدَلَّ أَصْحَاب مالك وأحمد بهذا الحديث أَنَّ بول ما يؤكل لحمه وَرَوْثه طَاهِرَانِ. (٣) ففي الحديث دليل على طهارة بول مأكول اللحم، فإن التداوي بالمحرمات غير جائز ولم يؤمروا مع قرب عهدهم بالإسلام بغسل أفواههم وما أصابته ثيابهم من أبوالها للصلاة، وتأخير البيان لا يجوز عن وقت الحاجة. (٤) تنبيه: قد يقول قائل لما وقع في هذا الحديث التمثيل بهم: اختلف أهل العلم في ذلك، فقال بعضهم: ١ - أن هذا قبل النهي عن التمثيل: فهو منسوخ بالحدود فعن قتادة: أنه قال: حدثني محمد بن سيرين: أن ذلك قبل أن تنزل الحدود، وقال ابن شهاب - بعد أن ذكر قصتهم - وذكروا أن رسول الله ﷺ نهى بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (المائدة: ٣٣)، والتي بعدها وروي محمد بن الفضل- بإسناد صحيح منه إلى ابن سيرين قال: كان شأن العرنيين قبل أن تنزل الحدود التي أنزل الله في المائدة من شأن المحاربين: أن يقتلوا أو يصلبوا: فكان شأن العرنيين منسوخًا بالآية التي يصف فيها إقامة حدودهم وفي حديث أبي حمزة عن عبد الكريم (٥). وسئل عن أبوال الإبل؟ - فقال: حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين - فذكر الحديث - وفي آخره

стр. 3858

فما مثَّل النبي ﷺ قبل ولا بعد ونهى عن المُثلة وقال: لا تمثلوا بشيء (١). ٢ - أو لأن الجزاء من جنس العمل: فعَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ إِنَّمَا سَمَلَ النبي ﷺ أَعْيُنَ أُولَئِكَ لأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ. (٢) وفي القصة: دليل على التداوي والتطبب، وعلى طهارة بولى مأكول اللحم، فإن التداوي بالمحرمات غير جائز ولم يؤمروا مع قرب عهدهم بالإسلام بغسل أفواههم وما أصابته ثيابهم من أبوالها للصلاة وتأخير البيان لا يجوز عن وقت الحاجة وعلى مقاتلة الجاني بمثل ما فعل فإن هؤلاء قتلوا الراعي وسملوا عينيه. ودل الحديث السابق على قتل الجماعة وأخذ أطرافهم بالواحد وعلى أنه إذا اجتمع في حق الجاني حد وقصاص استوفيا معا؛ فإن النبي ﷺ قطع أيديهم وأرجلهم حدًا لله على حرابهم وقتلهم، لقتلهم الراعي وعلى أن المحارب إذا أخذ المال وقَتَلَ، قطعت يده ورجله في مقام واحد وقُتل، وعلى أن الجنايات إذا تعددت تغلظت عقوباتها؛ فإن هؤلاء ارتدوا بعد إسلامهم، وقتلوا النفس، ومثلوا بالمقتول، وأخذوا المال، وجاهروا بالمحاربة، وعلى أن حكم ردء المحاربين حكم مباشرهم، فإنه من المعلوم أن كل واحد منهم لم يباشر القتل بنفسه، ولا سأل النبي ﷺ عن ذلك، وعلى أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا، فلا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة، وهذا مذهب أهل المدينة وأحد الوجهين في مذهب أحمد. واختاره شيخنا وأفتى به. (٣) الوجه الثالث: أن هذا الشرب كان لضرورة فلا حرج في ذلك . وَيَجُوزُ شُرْبُ أَبْوَالِ الْإِبِلِ لِلضَّرُورَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَعَبْدِ الله وَالمُيْمُونِيِّ وَالْأثرَمِ وَجَمَاعَةٍ أي مَنْ بِهِ عِلَّةٌ وَسَقَمٌ فَنَعَمْ. (٤)

стр. 3859

فشُرْبهمْ الْأَبْوَال كَانَ لِلتَّدَاوِي، فَإِنْ قِيلَ: كَيْف أَذِنَ لَهُمْ فِي شُرْب لَبَن الصَّدَقَة؟ فَالجَوَاب: أَنَّ أَلْبَانهَا لِلْمُحْتَاجِينَ مِنْ المُسْلِمِينَ وَهَؤُلَاءِ إِذْ ذَاكَ مِنْهُمْ. (١) الوجه الرابع: ذكر بعض فوائد أبوال الإبل وألبانها من السنة . عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أن في أبوال الإبل وألبانها شفاء للذرية بطونهم" (٢). وَفِي أَبْوَالِ الْإِبِلِ جَلَاءٌ، وَتَلْيِينٌ، وَإِدْرَارٌ، وَتَلْطِيفٌ، وَتَفْتِيحٌ لِلسُّدَدِ؛ إذَا كَانَ أَكْثَر رَعْيِهَا الْأَدْوِيَةَ النَّافِعَةَ للاسْتِسْقَاءِ، وَقَالَ ابْنُ جَزْلَةَ لَبَنُ اللِّقَاحِ - وَهِيَ النُّوقِ - أَقَلُّ الْأَلْبَانِ دُسُومَةً وَجُبْنِيَّةً، وَهُوَ رَقِيقٌ جدًّا، مَانِيٌّ لَا يُحْدِثُ سَوْدَاءَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْألبَانِ؛ لِقِلَّةِ جُبْنِيَّتِهِ يَنْفَعُ مِنْ الرَّبْوِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَأَمْرَاضِ الطِّحَالِ وَالْبَوَاسِيرِ، وَأَجْوَدُ مَا يُسْتَعْمَلُ لِلاسْتِسْقَاءِ مَعَ أَبْوَالِ الْإِبِلِ؛ فَإِنَّهُ يُسَهِّلُ المُاءَ الْأَصْفَرَ، وَهُوَ سَرِيعُ الانْحِدَارِ عَنْ المُعِدَةِ وَهُوَ أَقَلُّ غِذَاءً مِنْ سَائِرِ الْألبَانِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ في أَبْوَالِ الْإِبِلِ قَدْ كَانَ المُسْلِمُونَ يَتَدَاوَوْنَ بِهَا فَلَا يَرَوْنَ بِهَا بَأْسًا، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ (٣)، وَقَالَ الطَّحَاوِيَّ ثنا حُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ الْفِرْيَابِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَسْتَشْفُونَ بِأَبْوَالِ الْإِبِلِ لَا يَرَوْنَ بِهَا بَأْسًا (٤). قال ابن القيم: كان الاستسقاء لما رواه مسلم في صحيحه أنهم قالوا: (إنا اجتوينا المدينة فعظمت بطوننا وارتهشت أعضاؤنا)، وذكر تمام الحديث والجوى: داء من أدواء الجوف - والاستسقاء: مرض مادي سببه مادة غريبة باردة تتخلل الأعضاء فتربو لها، إما الأعضاء الظاهرة كلها، وإما المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط، وأقسامه ثلاثة: لحمي وهو أصعبها، وزقي، وطبلي، ولما كانت الأدوية المحتاج إليها في علاجه هي الأدوية الجالبة التي فيها إطلاق معتدل وإدرار بحسب الحاجة، وهذه الأمور موجودة في أبوال الإبل وألبانها، أمرهم النبي ﷺ بشربها فإن في لبن اللقاح جلاء

стр. 3860

وتليينا وإدرارا وتلطيفا وتفتيحا للسدد؛ إذ كان أكثر رعيها الشيح والقيصوم والبابونج والأقحوان والإذخر وغير ذلك من الأدوية النافعة للإستسقاء، وهذا المرض لا يكون إلا مع آفة في الكبد خاصة أو مع مشاركة، وأكثرها عن السدد فيها ولبن اللقاح العربية نافع من السدد لما فيه من التفتيح والمنافع المذكورة. قال الرازي: لبن اللقاح يشفي أوجاع الكبد، وفساد المزاج، وقال الإسرائيلي: لبن اللقاح أرق الألبان، وأكثرها مائية وحدة، وأقلها غذاء، فلذلك صار أقواها على تلطيف الفضول، وإطلاق البطن، وتفتيح السدد، ويدل على ذلك ملوحته اليسيرة التي فيه لإفراط حرارة حيوانية بالطبع، ولذلك صار أخص الألبان بتطرية الكبد وتفتيح سددها وتحليل صلابة الطحال إذا كان حديثا، والنفع من الاستسقاء خاصة إذا استعمل لحرارته التي يخرج بها من الضرع مع بول الفصيل وهو حار كما يخرج من الحيوان؛ فإن ذلك مما يزيد في ملوحته، وتقطيعه الفضول، وإطلاقه البطن، فإن تعذر انحداره وإطلاقه البطن وجب أن يطلق بدواء مسهل، قال صاحب القانون: ولا يلتفت إلى ما يقال: من أن طبيعة اللبن مضادة لعلاج الاستسقاء قال: واعلم أن لبن النوق دواء نافع لما فيه من الجلاء برفق، وما فيه من خاصية، وأن هذا اللبن شديد المنفعة، فلو أن إنسانا أقام عليه بدل الماء والطعام شفي به وقد جرب ذلك في قوم دفعوا إلى بلاد العرب فقادتهم الضرورة إلى ذلك فعوفوا، وأنفع الأبوال: بول الجمل الأعرابي وهو (النجيب) (١). وعن ابن عباس ﵁ قال: أقبلت يهودُ على رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: ﴿قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ (يوسف: ٦٦). قال: "هاتوا". قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ قال: "تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلا يَنَامُ قَلْبُه". قالوا: أخبرنا كيف تُؤنِّثُ المرأةُ وكيف تُذْكرُ؟ قال: "يَلْتَقِي الماءَان، فإذا علا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ المُرْأَةِ أذْكَرَتْ، وإذَا عَلا مَاءُ المُرْأَةِ آنثَتْ. قالوا: أخبرنا ما حَرَّم

стр. 3861

إسرائيل على نفسه، قال: "كَانَ يَشْتَكِي عِرْقَ النَّسَا، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُلائِمُهُ إلا ألْبَانَ كَذَا وكَذَا -قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل- فَحَرَّم لُحُومَهَا". قالوا: صدقت. قالوا: أخبرنا ما هذا الرَّعد؟ قال: "مَلَكٌ مِنْ مَلائِكَةِ الله مُوَكلٌ بِالسَّحَابِ بِيدِهِ أو فِي يَدِه - مِخْرَاقٌ مِنْ نَارٍ يَزْجُر بِهِ السّحابَ، يَسُوقُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ الله ". قالوا: فما هذا الصوت الذي يُسمع؟ قال: "صَوْتُه". قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها، فإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبُك؟ قال: "جبْرِيلُ ﵇". قالوا: جبريل ذاك يَنزل بالحَرْب والقتال والعذاب عَدُوُّنا. لو قلتَ: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقَطْر لَكَانَ، فأنزل الله : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٩٧) (١). يقول تعالى آمرًا عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾؟ فإنها خَلق عجيب، وتركيبها غريب، فإنها في غاية القوة والشدة، وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، وتؤكل، وينتفع بوبرها، ويشرب لبنها. ونبهوا بذلك لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل، وكان شريح القاضي يقول: اخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت (٢). ولبن الإبل أرطب الألبان وأقلها دسمًا (٣). الوجه الخامس: أن هذا اختيار للمريض وليس إجبارًا . فعن جابر، عن عامر قال كان حبان السرقي يصف أبوال الإبل لمن كان به بأس وإلا لم يصفها (٤). الوجه السادس: أن هذا الدواء كان عند العرب .

стр. 3862

الحُضُضُ والحُضَضُ: دواءٌ يُتَخَذُ من أبوال الإبل (١). الحضَظُ: دواء يتخذ من أبوال الإبل، قال ابن دريد: ذكروا أن الخليل كان يقوله، قال: ولم يعرفه أصحابنا. ويقال: الحَضَضُ أيضا وقد تقدمت الأخيرة في الثنائي. (٢) والحُضَضُ، كزُفَرَ وعُنُقٍ العَرَبيُّ منه عُصارةُ الخَوْلانِ، والِهنْدِيُّ عُصارَةُ الفِيْلَزَهْرَجِ، وكِلاهُما نافعٌ للأَوْرامِ الرّخْوَةِ والخَوَّارَةِ، والقُروحِ، والنُّفَّاخاتِ، والرَّمَدِ، والجُذام، والبَواسِيرِ، ولَسْعِ الهَوامِّ، والخوانيقِ، غَرْغَرَةً، وعَضَّةِ الكلْبِ الكَلِبِ، طِلاءً وشُرْبًا كلَّ يومٍ نِصْفَ مِثْقالٍ بماءٍ، ويُغَزّرُ الشَّعَرَ، ونباتٌ، ودواءٌ آخَرُ يُتَّخَذُ من أبْوالِ الإِبِلِ. (٣) مَثَلُهُم: "عَنِيَّةٌ تَشْفي الجَرَب" فالعَنِيَّةُ: ماءُ الجَرادِ المَطْبُوخ يُخْلَطُ به أبْوالُ الإِبلِ والمِلْحُ. (٤) قال الشَّعْبِي: لأَنْ أَتَعَنَّى بِعَنيَّةٍ إليَّ أَحَبُّ إليَّ أن أُقُولَ في مسألةٍ برأيي، والعنيةُ أخلاطٌ تُنْقَعُ في أبوالِ الإِبلِ ثم يُطْلَى بها الإِبِلُ من الجَرَب (٥). قال ياقوت الحموي: قال ابن الكلبي صاحب الخورنق والذي أمر ببنائه بهرام جور بن يزد جرد بن سابور ذي الأكتاف وذلك أن يزد جرد كان لا يبقى له ولد وكان قد لحق ابنه بهرام جور في صغره علة تشبه الاستسقاء فسأل عن منزل مريء صحيح من الأدواء والأسقام ليبعث بهرام إليه خوفًا عليه من العلة فأشار عليه أطباؤه أن يخرجه من بلده إلى أرض العرب ويسقى أبوال الإبل وألبانها فأنفذه إلى النعمان وأمره أن يبني له قصرًا مثله على شكل بناء الخورنق فبناه له وأنزله إياه وعالجه حتى برأ من مرضه ثم استأذن أباه في المقام عند النعمان فأذن له فلم يزل عنده نازلًا قصره الخورنق حتى صار رجلًا ومات أبوه فكان من أمره في طلب الملك حتى ظفر به ما هو متعارف مشهور (٦).

стр. 3863

وقال ابن عباس ﵁ ومجاهد وقتادة والسدي: أقبل يعقوب ﵇ من حران يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه عيصو، وكان رجلًا بطشًا قويًا، فلقيه ملك فظن يعقوب أنه لص فعالجه أن يصرعه، فغمز الملك فخذ يعقوب ﵇ ثم صعد الملك إلى السماء ويعقوب ينظر إليه فهاج عليه عرق النسا، ولقي من ذلك بلًاء شديدًا، فكان لا ينام الليل من الوجع ويبيت وله زقاء أي صياح، فحلف يعقوب ﵇ إن شفاه الله ألا يأكل عرقًا، ولا يأكل طعاما فيه عرق فحرمها على نفسه، فجعل بنوه يتبعون بعد ذلك العروق فيخرجونها من اللحم. وكان سبب غمز الملك ليعقوب أنه كان نذر إن وهب الله له اثني عشر ولدًا، وأتى بيت المقدس صحيحًا أن يذبح آخرهم (١). وعن عبد الملك بن عمير قال: قال الحجاج لطبيبه تياذوق صف لي شيئًا أعمل عليه فإني أظن أني أفارقك سريعًا، قال: احفظ عني خلالًا لا تشربن دواء من غير وجع، ولا تأكلن على شبع، ولا تأكلن بشهوة عين، ولا تأكلن فاكهة مولية، ولا تأكلن من اللحم إلا طريًا، ولا تلبس إلا نقيًا، ولا تنكحن إلا فتيًا، واشرب من ألبان الإبل فإنها تعضد القلب، وأما السويق فسمنة وأدم النظر إلى الخضرة فإن ذلك يجلو البصر وأما العسل فشفاء يجثم على فم المعدة فيقذف الداء (٢). الوجه السابع: الطب يؤكد الحقيقة النبوية . إن الطب شاهد بصحة هذا الحديث إليك الآن تجربة علمية أثبتت إمكانية علاج مرض الاستسقاء بالإفراز البولي للإبل، ففي الخرطوم قام أجرت كلية المختبرات الطبية بجامعة الجزيرة بالسودان عن استخدامات قبيلة البطانة في شرق السودان (بول الإبل) في علاج بعض الأمراض حيث إنهم يستخدمونه شرابًا لعلاج مرض (الاستسقاء) والحميات والجروح، وقد

стр. 3864

كشف البروفسور أحمد عبد الله محمداني تفاصيل تلك الدراسة العلمية التطبيقية المذهلة داخل ندوة جامعة الجزيرة حيث ذكر أن الدراسة استمرت ١٥ يومًا حيث اختير ٢٥ مريضًا مصابين بمرض الاستسقاء المعروف وكانت بطونهم منتفخة بشكل كبير قبل بداية التجربة العلاجية، وبدأت التجربة بإعطاء كل مريض يوميا جرعة محسوبة من (بول الإبل) مخلوطًا بلبن الإبل حتى يكون مستساغا وبعد ١٥ يومًا من بداية التجربة أصابنا الذهول من النتيجة اذ انخفضت بطونهم وعادت لوضعها الطبيعي وشفي جميع أفراد العينة من الاستسقاء. وتصادف وجود بروفسور إنجليزي أصابه الذهول أيضًا وأشاد بالتجربة العلاجية. وقال (البروفسور أحمد): أجرينا قبل الدراسة تشخيصًا لكبد المرضى بالموجات الصوتية فاكتشفنا أن كبد ١٥ من الـ ٢٥ مريضًا يحتوى (شمعًا) وبعضهم كان مصابًا بتليف في الكبد بسبب مرض البلهارسيا وجميعهم استجابوا للعلاج بـ (بول الإبل) وبعض أفراد العينة استمروا برغبتهم في شرب جرعات بول الإبل يوميًا لمدة شهرين آخرين، وبعد نهاية تلك الفترة أثبت التشخيص شفاءهم من تليف الكبد وسط دهشتنا جميعًا. ويقول البروفسور أحمد عبد الله عميد كلية المختبرات الطبية عن تجربة علاجية أخرى وهذه المرة عن طريق لبن الإبل وهي تجربة قامت بها طالبة ماجستير بجامعة الجزيرة لمعرفة أثر لبن الإبل على معدل السكر في الدم فاختارت عددًا من المتبرعين المصابين بمرض السكر لإجراء التجربة العلمية واستغرقت الدراسة سنة كاملة حيث قسمت المتبرعين لفئتين: كانت تقدم للفئة الأولى جرعة من لبن الإبل بمعدل نصف لتر يوميًا شراب على (الريق) وحجبته عن الفئة الثانية. وجاءت النتيجة مذهلة بكل المقاييس إذ أن نسبة السكر في الدم انخفضت بدرجة ملحوظة وسط الفئة الأولى ممن شربوا لبن الإبل عكس الفئة الثانية، وهكذا عكست التجربة العلمية لطالبة الماجستير مدى تأثير لبن الإبل في تخفيض أو علاج نسبة السكر في الدم.

стр. 3865

وأوضح د. أحمد: المكونات الموجودة في بول الإبل حيث قال: أنه يحتوي على كمية كبيرة من البوتاسيوم يمكن أن تملأ جرادل ويحتوى أيضًا على زلال بالجرامات ومغنسيوم، إذ أن الإبل لا تشرب في فصل الصيف سوى ٤ مرات فقط ومرة واحدة في الشتاء وهذا يجعلها تحتفظ بالماء في جسمها فالصوديوم يجعلها لا تدر البول كثيرًا لأنه يرجع الماء إلى الجسم، ومعروف أن مرض الاستسقاء إما نقص في الزلال أو في البوتاسيوم وبول الإبل غني بالاثنين معًا (١). وقد جاء في بحث قامت به الدكتورة "أحلام العوضي" نشر في مجلة "الدعوة" في عددها (١٩٣٨، ٢٥ صفر ١٤٢٥ هـ ١٥ أبريل ٢٠٠٤ م) حول الأمراض التي يمكن علاجها بحليب الإبل، وذلك من واقع التجربة: أن هناك فوائد جمة لحليب الإبل، وهنا بعض ما جاء في بحث الدكتورة "أحلام": "أبوال الإبل ناجعة في علاج الأمراض الجلدية كالسعفة - التينيا -، والدمامل، والجروح التي تظهر في جسم الإنسان وشعره، والقروح اليابسة والرطبة، ولأبوال الإبل فائدة ثابتة في إطالة الشعر ولمعانه وتكثيفه، كما يزيل القشرة من الرأس، وأيضًا لألبانها علاج ناجع لمرض الكبد الوبائي، حتى لو وصل إلى المراحل المتأخرة والتي يعجز الطب عن علاجها". وجاء في صحيفة "الجزيرة السعودية" العدد ١٠١٣٢، الأحد، ربيع الأول ١٤٢١، نقلًا عن كتاب "الإبل أسرار وإعجاز" تأليف: ضرمان بن عبد العزيز آل ضرمان، وسند بن مطلق السبيعي، ما يأتي: "أما أبوال الإبل فقد أشار الكتاب إلى أن لها استعمالات متعددة مفيدة للإنسان دلت على ذلك النصوص النبوية الشريفة، وأكَّدها العلم الحديث. وقد أثبتت التجارب العلمية بأن بول الإبل له تأثير قاتل على الميكروبات المسببة لكثير من الأمراض. ومن استعمالات أبوال الإبل: أن بعض النساء يستخدمنها في غسل شعورهن لإطالتها وإكسابها الشقرة واللمعان، كما أن بول الإبل ناجع في علاج ورم

стр. 3866

الكبد وبعض الأمراض، مثل الدمامل، والجروح التي تظهر في الجسم، ووجع الأسنان وغسل العيون" انتهى. وقال الدكتور عبد الفتاح محمود إدريس: وأبيِّن في هذا الصدد ما ينفع بول الإبل في علاجه من الأمراض، قال ابن سينا في "قانونه": (أنفع الأبوال بول الجمل الأعرابي وهو "النجيب")، وبول الإبل يفيد في علاج مرض "الحزاز" -الحزاز: قيل: إنه وجع في القلب من غيظ ونحوه-، وقد استخدمت أبوال الإبل وخاصة بول الناقة البكر كمادة مطهرة لغسل الجروح، والقروح، ولنمو الشعر، وتقويته، وتكاثره، ومنع تساقطه، وكذا لمعالجة مرض القرع، والقشرة، وفي رسالة الماجستير المقدمة من مهندس تكنولوجيا الكيمياء التطبيقية "محمد أوهاج محمد"، التي أجيزت من قسم الكيمياء التطبيقية بجامعة "الجزيرة" بالسودان، واعتمدت من عمادة الشئون العلمية والدراسات العليا بالجامعة في نوفمبر ١٩٩٨ م بعنوان: (دراسة في المكونات الكيميائية وبعض الاستخدامات الطبية لبول الإبل العربية)، يقول محمد أوهاج: إن التحاليل الخبرية تدل على أن بول الجمل يحتوي على تركيز عالٍ من: البوتاسيوم، والبولينا، والبروتينات الزلالية، والأزمولارتي، وكميات قليلة من حامض اليوريك، والصوديوم، والكرياتين. وأوضح في هذا البحث أن ما دعاه إلى تقصي خصائص بول الإبل العلاجية هو ما رآه من سلوك بعض أفراد قبيلة يشربون هذا البول حينما يصابون باضطرابات هضمية، واستعان ببعض الأطباء لدراسة بول الإبل؛ حيث أتوا بمجموعة من المرضى ووصفوا لهم هذا البول لمدة شهرين، فصحت أبدانهم مما كانوا يعانون منه. وهذا يثبت فائدة بول الإبل في علاج بعض أمراض الجهاز الهضمي، كما أثبت أن لهذا البول فائدة في منع تساقط الشعر، ويقول: إن بول الإبل يعمل كمدر بطئ مقارنة بمادة "الفيروسمايد"، ولكن لا يخل بملح البوتاسيوم والأملاح الأخرى التي تؤثر فيها المدرات الأخرى، إذ إن بول الإبل يحتوي على نسبة عالية من البوتاسيوم والبروتينات، كما أنه أثبت فعالية ضد بعض أنواع البكتيريا والفيروسات، وقد تحسن حال خمس وعشرين مريضًا

стр. 3867

استخدموا بول الإبل من الاستسقاء، مع عدم اضطراب نسبة البوتاسيوم، واثنان منهم شفوا من آلام الكبد، وتحسنت وظيفة الكبد إلى معدلها الطبيعي، كما تحسن الشكل النسيجي للكبد، ومن الأدوية التي تستخدم في علاج الجلطة الدموية مجموعة تسمى (FIBRINOLTICS)، تقوم آلية عمل هذه المجموعة على تحويل مادة في الجسم من صورتها غير النشطة (PLASMINOGEN)، إلى الصورة النشطة (PLASMIN)، وذلك من أجل أن تتحلل المادة المسببة للتجلط (FIBRIN) أحد أعضاء هذه المجموعة هو (UROKINASE) الذي يستخرج من خلايا الكلى أو من البول كما يدل الاسم (١٢ URO). وقد دعانا الله تعالى إلى التأمل في خلق الإبل بقوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ (الغاشية: ١٧) وهذا التأمل ليس قاصرًا على شكل الجمل الظاهري، بل ولا أجهزة جسمه الداخلية، بل يشمل أيضًا ما نحن بصدد الكلام عنه، وهو فوائد أبوال وألبان الإبل. ولا تزال الأبحاث العلمية الحديثة تبين لنا كثيرًا من عجائب هذا المخلوق. والله أعلم (١). الوجه الثامن: الرد على اليهود والنصارى بما عندهم . نقول لك ما قاله المسيح في إنجيل (لوقا ٦: ٤١): لِماذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلَا تَفْطَنُ لَهَا؟ ). وفي (سفر التثنية ١٤/ ٧) (الجَمَلُ وَالأَرْنَبُ وَالْوَبْرُ، لأَنَّهَا تَجْتَرُّ لكِنَّهَا لَا تَشُقُّ ظِلْفًا، فَهِيَ نَجِسَةٌ لَكُمْ). ألم يرد في كتابك المقدس أن الرب أمر نبيه (حزقيال) بأكل الخراء وهو البراز: (وَتَأْكُلُ كَعْكًا مِنَ الشَّعِيرِ. عَلَى الخُرْءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ تَخْبِزُهُ أَمَامَ عُيُونِهِمْ) (حزقيال ٤/ ١٣). ليس هذا فقط، بل انظر في (سفر إشعياء ٣٦/ ١٢) (فَقَالَ رَبْشَاقَى: "هَلْ إِلَى سَيِّدِكَ وَإِلَيْكَ أَرْسَلَنِي سَيِّدِي لِكَيْ أَتَكَلَّمَ بِهذَا الْكَلَام؟ أَليْسَ إِلَى الرِّجَالِ الجَالِسِينَ عَلَى السُّورِ، لِيَأْكُلُوا عَذِرَتَهُمْ وَيَشْرَبُوا بَوْلَهُمْ مَعَكُمْ؟ ". * * *

стр. 3868

٣ - شبهة: بول الصبي على النبي ﷺ -. نص الشبهة: في حديث عائشة "أُتِىَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيْه"، ينكرون ذلك، وكيف يتبول صبي عليه؟ . والرد من وجوه: الوجه الأول: الروايات الواردة والتفسير الصحيح للحديث . الوجه الثاني: تواضع النبي ﷺ . وإليك التفصيل، الوجه الأول: الروايات الواردة والتفسير الصحيح للحديث. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنِّكُهُمْ فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ (١). وعند النسائي (فأتبعه إياه) (٢)، وعند أحمد (صبوا عليه الماء صبًا) (٣). وعند الطبراني: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ "أتي بصبي، فبال عليه، فنضحه، وأتي بجارية، فبالت عليه، فغسله" (٤). وعن أَبي السَّمْحِ قَالَ: كُنْتُ أَخْدِمُ النَّبِيَّ ﷺ فَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ قَالَ وَلِّنِي قَفَاكَ، فَأُوَلِّيهِ قَفَايَ فَأَسْتُرُهُ بِهِ فَأُتِيَ بِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ ﵄ فَبَالَ عَلَى صَدْرِهِ فَجِئْتُ أَغْسِلُهُ فَقَالَ يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ. (٥)

стр. 3869

قال أَبُو الْيَمانِ المصْرِيُّ: سَألتُ الشَّافِعِيَّ عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ يرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ وَيُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجْارِيَةِ، وَالمَاءَانِ جَمِيعًا وَاحِدٌ، قَالَ: لِأَنَّ بَوْلَ الْغُلَامِ مِنْ الماءِ وَالطِّينِ وَبَوْلَ الجَارِيَةِ مِنْ اللَّحْمِ وَالدَّمِ، ثُمَّ قَالَ لِي فَهِمْتَ، أَوْ قَالَ لَقِنْتَ، قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: إِنَّ الله تَعَالَى لمَّا خَلَقَ آدَمَ خُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ ضِلْعِهِ الْقَصِيرِ، فَصَارَ بَوْلُ الْغُلَامِ مِنْ المَاءِ وَالطِّينِ، وَصَارَ بَوْلُ الجَارِيَةِ مِنْ اللَّحْمِ وَالدَّمِ، قَالَ: قَالَ لِي: فَهِمْتَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ لِي نَفَعَكَ الله بِهِ. (١) وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ الله ﷺ بِصَبِيٍّ يَرْضَعُ فَبَالَ فِي حَجْرِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ. (٢) وعَنْ أُمِّ قَيْسٍ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ الله ﷺ بِابْنٍ لَهَا يَأْكُلْ الطَّعَامَ فَوَضَعَتْهُ فِي حَجْرِهِ فَبَالَ قَالَ: "فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالماءِ". (٣) قال النووي: وفي الباب اِسْتِحْبَاب حَمْل الْأَطْفَال إِلَى أَهْل الْفَضْل لِلتَّبَرُّكِ بِهِمْ، وَفِيهِ: النَّدْب إِلَى حُسْن المُعَاشَرَة، وَاللِّين، وَالتَّوَاضُع، وَالرِّفْق بِالصِّغَارِ، وَغَيْرهمْ، وَفِيهِ: مَقْصُود الْبَاب وَهُوَ: أَنَّ بَوْل الصَّبِيّ يَكْفِي فِيهِ النَّضْح، وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي كَيْفِيَّة طَهَارَة بَوْل الصَّبِيّ وَالجارِيَة عَلَى ثَلَاثَة مَذَاهِب؛ وَهِيَ ثَلَاثَة أَوْجه لِأَصْحَابِنَا: الصَّحِيح المشْهُور المُخْتَار: أَنَّهُ يَكْفِي النَّضْح فِي بَوْل الصَّبِيّ، وَلَا يَكْفِي فِي بَوْل الجْارِيَة، بَلْ لَا بُدّ مِنْ غَسْلِهِ كَسَائِرِ النَّجَاسَات. وَمِمَّنْ قَالَ بِالْفَرْقِ عِليّ بْن أَبِي طَالِب ﵁، وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح، وَالحَسَن الْبَصْرِيّ، وَأَحْمَد بْن حَنْبَل، وَإِسْحَاق بْن رَاهَوَيْهِ، وَجَمَاعَة مِنْ السَّلَف، وَأَصْحَاب الحْدِيث، وَابْن وَهْب مِنْ أَصْحَاب مَالِك. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الخْلَاف إِنَّمَا هُوَ فِي كَيْفِيَّة تَطْهِير الشَّيْء الَّذِي بَال عَلَيْهِ الصَّبِيّ، وَلَا خِلَاف فِي نَجَاسَته، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره: وَلَيْسَ تَجْوِيز مَنْ جَوَّزَ النَّضْح فِي الصَّبِيّ مِنْ أَجْل

стр. 3870

أَنَّ بَوْله لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَلَكِنَّهُ مِنْ أَجْل التَّخْفِيف فِي إِزَالَته، فَهَذَا هوَ الصَّوَاب (١). ثُمَّ إِنَّ النَّضْح إِمَّا يَجْزِي مَا دَامَ الصَّبِيّ يَقْتَصِر بِهِ عَلَى الرَّضَاع أَمَّا إِذَا أَكَلَ الطَّعَام عَلَى جِهَة التَّغْذِيَة فَإِنَّهُ يَجِب الْغَسْل بِلَا خِلَاف. وَالله أَعْلَم (٢). الوجه الثاني: تواضع النبي ﷺ -. قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ (الشعراء: ٢١٥) وعن عياض بن حمارٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحدٍ، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ. (٣) وعن أنس ﵁ أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي ﷺ يفعله. (٤) وعنه أيضًا قال: إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي ﷺ ، فتنطلق به حيث شاءت (٥). وبالرغم من أنه خير خلق الله، إلا أنه كان ﷺ أشد الناس تواضعًا، وهذا تصديقًا لحديث النبي ﷺ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قالَ: مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ الله عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهَّ إِلَّا رَفَعَهُ الله. (٦) * * *

стр. 3871

٤ - شبهة: كلام الحيوان كالبقرة والذئب في أحاديث السنة . نص الشبهة: يتعجبون من كلام الحيوان كالبقرة والذئب، وينكرونه. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أقوال العلماء في الحديث ، ورأيهم في هذا الباب. الوجه الثاني: الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو قادر على إنطاق كل شيء. وإليك التفصيل، الوجه الأول: أقوال العلماء في الحديث. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ قَالَ: "آمَنْتُ بِهِ أَنَا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَخَذَ الذِّئْبُ شَاةً فَتَبِعَهَا الرَّاعِي فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي، قَالَ: آمَنْتُ بِهِ أَنَا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ" قَالَ أَبُو سَلَمَةَ وَمَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِي الْقَوْمِ (١). قال النووي: في الحديث جَوَاز كَرَامَات الْأَوْلِيَاء وَخَرْق الْعَوَائِد، وَهُوَ مَذْهَب أَهْل الحَقّ، وقال القاضي: قَول الذِّئْب: (مَنْ لَهَا يَوْم السَّبُع؟ )، أَيْ مَنْ لَهَا يَوْم الْقِيَامَة؟ وَقَالَ بَعْض أَهْل اللُّغَة: يُقَالُ: سَبَّعْت الْأَسَد إِذَا دَعَوْته، فَالمعْنَى عَلَى هَذَا مَنْ لَهَا يَوْم الْفَزَع؟ وَيَوْم الْقِيَامَة يَوْم الْفَزَع، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ المرَاد مَنْ لَهَا يَوْم الْإِهْمَال؟ مِنْ أَسَبَعْت الرَّجُل أَهْمَلْته، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَوْم السَّبْع بِالْإِسْكَانِ عِيد كَانَ لَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّة يَشْتَغِلُونَ فِيهِ بِلَعِبِهِمْ، فَيَأْكُلُ الذِّئْبُ غَنَمَهُمْ. وَقَالَ الدَّاوُدِيّ: يَوْم السَّبُع أَيْ يَوْمَ يَطْرُدُك عَنْهَا السَّبُع، وَبَقِيت أَنَا فِيهَا لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي لِفِرَارِك مِنْهُ، فَأَفْعَلُ فِيهَا مَا أَشَاءُ، وقال النووي: والأصح أَنَّهَا عِنْد الْفِتَن حِين تَتْرُكهَا النَّاس هَمَلًا لَا رَاعِي لَهَا نُهْبَةً لِلسِّبَاعِ فَجَعَلَ السَّبُع لَهَا رَاعِيًا أَيْ مُنْفَرِدًا بِهَا،

стр. 3872

وَتَكُونُ بِضَمِّ الْبَاء. وَالله أَعْلَمُ (١). قال ابن حجر: اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الدَّوَابّ لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِيَما جَرَتْ الْعَادَة بِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْلهَا إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ، لِلْإِشَارَةِ إِلَى مُعْظَم مَا خُلِقَتْ لَهُ، وَلَمْ تُرِدْ الحْصْر فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ غَيْر مُرَاد اِتِّفَاقًا، لِأَنَّ مِنْ أَجْل مَا خُلِقَتْ لَهُ أَنَّهَا تُذْبَح وَتُؤْكَل بِالِاتِّفَاقِ (٢). وقال أيضًا: وقد أورد البخاري الْحَدِيث فِي ذِكْر بَنِي إِسْرَائِيل، وَهُوَ مُشْعِر بِأَنَّهُ عِنْده مِمَّنْ كَانَ قَبْل الْإِسْلَام، وَقَدْ وَقَعَ كَلَام الذِّئْب لِبَعْضِ الصَّحَابَة فِي نَحْو هَذ الْقِصَّة. فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينا راع يرعى بالحرة إذ انتهز ذئب شاة من شياهه، فحال الراعي بين الذئب والشاة، فأقعى الذئب على ذنبه، ثم قال للراعي: ألا تتقي الله، تحول بيني وبين رزق ساقه الله إلي؟ فقال الراعي: العجب من ذئب مقع على ذنبه يتكلم بكلام الإنس، فقال الذئب: ألا أحدثك بأعجب مني: رسول الله ﷺ بين الحرتين يحدث الناس بأنباء ما قد سبق، فساق الراعي شاة حتى أتى المدينة، فزوي إلى زاوية من زواياها ثم دخل على النبي ﷺ ، فحدثه بحديث الذئب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الناس، فقال: للراعي: "قم فأخبرهم"، قال: فقام الراعي فحدثهم، فقال رسول الله ﷺ : "صدق الراعي ألا إنه من أشراط الساعة كلام السباع للإنس" (٣). وقَوْله ﷺ : "فَإِنِّي أُؤْمِن بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْر وَعُمَر"، أَطْلَقَ ذَلِكَ لمِا اِطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُمَا يُصَدِّقَانِ بِذَلِكَ إِذَا سَمِعَاهُ وَلَا يَتَرَدَّدَانِ (٤). الوجه الثاني: أن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو قادر على إنطاق كل شيء . إن من يتعجب أن بقرة تتكلم، أو ذئب يتكلم، لجاهل باسم الله القدير ، واسمه القادر .

стр. 3873

وإذا نظرنا إلى مثل هذه الخوارق لوجدنا أن الله سبحانه سيُنطق الجلود يوم القيامة، والسمع، والبصر، والأيدي، والأرجل، والألسن، يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾ (فصلت ٢٢: ١٩). وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ (النور ٢٥: ٢٤). قال الطبري: يقول الله: حتى إذا ما جاءوا النار، شهد عليهم سمعهم بما كانوا يصغون به في الدنيا إليه، ويسمعون له، وأبصارهم بما كانوا ينظرون إليه في الدنيا ﴿وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقد قيل: عني بالجلود في هذا الموضع: الفروج (١). وقال في آية سورة النور: وذلك حين يجحد أحدهم ما اكتسب في الدنيا من الذنوب، عند تقرير الله إياه بها فيختم الله على أفواههم، وتشهد عليهم أيديهم، وأرجلهم بما كانوا يعملون. فإن قال قائل: وكيف تشهد عليهم ألسنتهم حين يختم على أفواههم؟ قيل: عني بذلك أن ألسنة بعضهم تشهد على بعض، لا أنَّ ألسنتهم تنطق وقد ختم على الأفواه (٢). قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (يس: ٦٥). ومن هذا الباب أيضًا أن هناك بعض البشر قد تكلموا في المهد: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي المهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ عِيسَى وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، كَانَ يُصَلِّي جَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي فَقَالَتْ:

стр. 3874

اللهمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِسَاتِ، وَكَانَ جرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ، وَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتئَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ مِنْ جُرَيْجٍ فَأَتَوْهُ، فَكَسَرُوا صوْمَعَتَهُ، وَأَنْزَلُوهُ، وَسَبُّوهُ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ قَالَ الرَّاعِي، قَالُوا نَبْنِي صوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لَا إِلَّا مِنْ طِينٍ، وَكَانَتْ امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنًا لَهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ، فَقَالَتْ: اللهمَّ اجْعَلْ ابْنِي مِثْلَهُ؛ فَتَرَكَ ثَدْيَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكِبِ فَقَالَ اللهمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهَا يَمَصُّهُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: - كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَمَصُّ إِصْبَعَهُ - ثُمَّ مُرَّ بِأَمَةٍ فَقَالَتْ: اللهمَّ لَا تَجْعَلْ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ؛ فَتَرَكَ ثَدْيَهَا فَقَالَ: اللهمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فَقَالَتْ: لِمَ ذَاكَ فَقَالَ: الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنْ الجَبَابِرَةِ، وَهَذِهِ الْأَمَةُ يَقُولُونَ سَرَقْتِ زَنَيْتِ وَلَمْ تَفْعَلْ (١). وقال الله عن عيسى وهو في المهد: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم ٣٣: ٣٠). * * *

стр. 3875

٥ - شبهة: قصة الحمار يعفور . نص الشبهة: عن أبي منظور، قال: لما فتح رسول الله ﷺ يعني خيبر، أصاب أربعة أزواج ثقال، أربعة أزواج خفاف، وعشر أواقي ذهب وفضة، وحمار أسود مكبلًا، قال: فكلم رسول الله ﷺ الحمار فكلمه الحمار فقال له النبي ﷺ : "ما اسمك قال: يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدي ستين حمارًا كلهم لم يركبهم إلا نبي؛ قد كنت أتوقعك أن تركبني، لم يبق من نسل جدي غيري، ولا من الأنبياء غيرك، قد كنت قبلك لرجل يهودي وكنت أتعثر به عمدًا وكان يجيع بطني ويضرب ظهري، قال: فقال له النبي ﷺ : فأنت يعفور؛ يا يعفور قال: لبيك، قال: أتشتهي الإناث، قال: لا، قال، فكان رسول الله ﷺ يركبه في حاجته، وإذا نزل عنه بعث به إلى باب الرجل، فيأتي الباب فيقرعه برأسه، فإذا خرج إليه صاحب الدار؛ أومئ إليه أن أجب رسول الله ﷺ فلما قُبض النبي ﷺ جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التيهان فتردى فيها جزعًا على رسول الله ﷺ فصارت قبره. ففي القصة خرافات لا يقبلها عقل. والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: حديث لا يصح. الوجه الثاني: أقوال العلماء في الحديث. وإليك التفصيل، الوجه الأول: حديث لا يصح -لعن الله واضعه- كما هو موضح في الحاشية (١).

стр. 3876

الوجه الثاني: أقوال العلماء في الحديث . ١ - قال ابن حبان: وهذا حديث لا أصل له، وإسناده ليس بشيء، ولا يجوز الاحتجاج بهذا الشيخ (١). ٢ - قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع فلعن الله واضعه؛ فإنه لم يقصد إلا القدح في الإسلام، والاستهزاء به (٢).

стр. 3877

٣ - قال ابن الأثير: قال أبو موسى: هذا حديث منكر جدًّا إسنادًا ومتنًا، لا أحل لأحد أن يرويه عني إلا مع كلامي عليه (١). ٤ - قال ابن كثير: بعد ما ذكر القصة: وقد أنكره غير واحد من الحفاظ الكبار. (٢) وقال أيضًا في موضع آخر: أما ما ذكره القاضي عياض بن موسى السبتي في كتابه الشفا، وذكره قبل إمام الحرمين في كتابه الكبير في أصول الدين وغيرهما، أنه كان لرسول الله ﷺ حمار يسمى يزيد بن شهاب وأن رسول الله ﷺ كان يبعثه ليطلب له بعض أصحابه فيجيء إلى باب أحدهم فيقعقعه فيعلم أن رسول الله ﷺ يطلبه ... إلى نهاية القصة) فهو حديث لا يعرف له إسناد بالكلية، وقد أنكره غير واحد من الحفاظ؛ منهم عبد الرحمن بن أبي حاتم وأبوه رحمهما الله، وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي ﵀ ينكره غير مرة إنكارًا شديدًا. (٣) الحافظ ابن حجر: اعتمد كلام ابن حبان بأنه لا أصل له وليس سنده بشيء. (٤) السيوطي: نقل الحديث في كتابه اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة. (٥) الوجه الثالث: بعض ما ورد من خرافات النصارى في الكتاب المقدس . جاء في سفر العدد (٣٠، ٢٧: ٢٢): فَلَمَّا أَبْصَرَتِ الأَتَانُ مَلاكَ الرَّبِّ، رَبَضَتْ تَحْتَ بَلْعَامَ. فَحَمِيَ غَضَبُ بَلْعَامَ وَضَرَبَ الأَتَانَ بِالْقَضِيبِ. فَفَتَحَ الرَّبُّ فَمَ الأَتَانِ، فَقَالَتْ لِبَلْعَامَ: "مَاذَا صَنَعْتُ بِكَ حَتَى ضَرَبْتَنِي الآنَ ثَلاثَ دَفَعَاتٍ؟ ". فَقَالَ بَلْعَامُ لِلأَتَانِ: "لأَنَّكِ ازْدَريْتِ بِي. لَوْ كَانَ فِي يَدِي سَيْفٌ لَكُنْتُ الآنَ قَدْ قَتَلْتُكِ". فَقَالَتِ الأتَانُ لِبَلْعَامَ: "أَلسْتُ أَنَا أَتَانَكَ الَّتِي رَكِبْتَ عَلَيْهَا مُنْذُ وُجُودِكَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ؟ هَلْ تَعَوَّدْتُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ هكَذَا؟ " فَقَالَ: "لَا".

стр. 3878

حرب النجوم: وَظَهَرَتْ آيَةٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ: امْرَأَةٌ مُتَسَرْبِلَةٌ بِالشَّمْسِ، وَالْقَمَرُ تَحْتَ رِجْلَيْهَا، وَعَلَى رَأْسِهَا إِكْلِيلٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ كَوْكَبًا، وَهِيَ حُبْلَى تَصْرُخُ مُتَمَخِّضَةً وَمُتَوَجِّعَةً لِتَلِدَ. وَظَهَرَتْ آيَةٌ أُخْرَى فِي السَّمَاءِ: هُوَذَا تِنِّينٌ عَظِيمٌ أَحْمَرُ، لَهُ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ وَعَشَرَةُ قُرُونٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِ سَبْعَةُ تِيجَانٍ. وَذَنبُهُ يَجُرُّ ثُلْثَ نُجُومِ السَّمَاءِ فَطَرَحَهَا إِلَى الأَرْضِ. وَالتِّنِّينُ وَقَفَ أَمَامَ المُرْأَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَلِدَ، حَتَّى يَبْتَلِعَ وَلَدَهَا مَتَى وَلَدَتْ. فَوَلَدَتِ ابْنًا ذَكَرًا عَتِيدًا أَنْ يَرْعَى جَمِيعَ الأُمَمِ بِعَصًا مِنْ حَدِيدٍ. وَاخْتُطِفَ وَلَدُهَا إِلَى الله وَإِلَى عَرْشِهِ، وَالمُرْأَةُ هَرَبَتْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، حَيْثُ لَهَا مَوْضِعٌ مُعَدٌّ مِنَ الله لِكَيْ يَعُولُوهَا هُنَاكَ ألفًا وَمِئَتَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْمًا. وَحَدَثَتْ حَرْبٌ فِي السَّمَاءِ: مِيخَائِيلُ وَمَلائِكَتُهُ حَارَبُوا التِّنِّينَ، وَحَارَبَ التِّنِّينُ وَمَلائِكَتُهُ وَلَمْ يَقْوَوْا، فَلَمْ يُوجَدْ مَكَانُهُمْ بَعْدَ ذلِكَ في السَّمَاءِ. فَطُرِحَ التِّنِّينُ الْعَظِيمُ، الحَيَّةُ الْقَدِيمَةُ المُدْعُوُّ إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ، الَّذِي يُضِلُّ الْعَالَمَ كُلَّهُ، طُرِحَ إِلَى الأَرْضِ، وَطُرِحَتْ مَعَهُ مَلائِكَتُهُ. وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا قَائِلًا فِي السَّمَاءِ: "الآنَ صَارَ خَلاصُ إِلهِنَا وَقُدْرَتُهُ وَمُلْكُهُ وَسُلْطَانُ مَسِيحِهِ، لأَنَّهُ قَدْ طُرِحَ المُشْتَكِي عَلَى إِخْوَتِنَا، الَّذِي كَانَ يَشْتَكِي عَلَيْهِمْ أَمَامَ إِلهِنَا نَهَارًا وَلَيْلًا. وَهُمْ غَلَبُوهُ بِدَمِ الخْرُوفِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ، وَلَمْ يُحِبُّوا حَيَاتَهُمْ حَتَّى المُوْتِ. مِنْ أَجْلِ هذَا، افْرَحِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ وَالسَّاكِنُونَ فِيهَا، وَيْلٌ لِسَاكِنِي الأَرْضِ وَالْبَحْرِ، لأَنَّ إِبْلِيسَ نَزَلَ إِلَيْكُمْ وَبِهِ غَضَبٌ عَظِيمٌ! عَالمًا أَنَّ لَهُ زَمَانًا قَلِيلًا". وَلمَّا رَأَى التِّنِّينُ أَنَّهُ طُرِحَ إِلَى الأَرْضِ، اضْطَهَدَ المرْأَةَ الَّتِي وَلَدَتْ الابْنَ الذَّكَرَ، فَأُعْطِيَتِ المُرْأَةُ جَنَاحَيِ النَّسْرِ الْعَظِيمِ لِكَيْ تَطِيرَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ إِلَى مَوْضِعِهَا، حَيْثُ تُعَالُ زَمَانًا وَزَمَانَيْنِ وَنِصْفَ زَمَانٍ، مِنْ وَجْهِ الحْيَّةِ. فَأَلْقَتِ الحَيَّةُ مِنْ فَمِهَا وَرَاءَ المُرْأَةِ مَاءً كَنَهْرٍ لِتَجْعَلَهَا تُحْمَلُ بِالنَّهْرِ، فَأَعَانَتِ الأَرْضُ المُرْأَةَ، وَفَتَحَتِ الأَرْضُ فَمَهَا وَابْتَلَعَتِ النَّهْرَ الَّذي ألْقَاهُ التِّنِّينُ مِنْ فَمِهِ، فَغَضِبَ التِّنِّينُ عَلَى المرْأَةِ، وَذَهَبَ لِيَصْنَعَ حَرْبًا مَعَ بَاقِي نَسْلِهَا الَّذِينَ يَحْفَظُونَ وَصَايَا الله، وَعِنْدَهُمْ شَهَادَةُ يَسُوعَ المُسِيحِ. ثُمَّ وَقَفْتُ عَلَى رَمْلِ الْبَحْرِ، فَرَأَيْتُ وَحْشا طَالِعًا مِنَ الْبَحْرِ لَهُ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ وَعَشَرَةُ قُرُونٍ، وَعَلَى قُرُونِهِ عَشَرَةُ تِيجَانٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِ اسْمُ تَجْدِيفٍ، وَالْوَحْشُ الَّذِي رَأَيْتُهُ كَانَ

стр. 3879

شِبْهَ نَمِرٍ، وَقَوَائِمُهُ كَقَوَائِمِ دُبٍّ، وَفَمُهُ كَفَمِ أَسَدٍ، وَأَعْطَاهُ التِّنِّينُ قُدْرَتَهُ وَعَرْشَهُ وَسُلْطَانًا عَظِيمًا، وَرَأَيْتُ وَاحِدًا مِنْ رُؤُوسِهِ كَأَنَّهُ مَذْبُوحٌ لِلْمَوْتِ، وَجُرْحُهُ المُمِيتُ قَدْ شُفِيَ. وَتَعَجَّبَتْ كُلُّ الأَرْضِ وَرَاءَ الْوَحْشِ، وَسَجدُوا لِلتِّنِّينِ الَّذِي أَعْطَى السُّلْطَانَ لِلْوَحْشِ، وَسَجَدُوا لِلْوَحْشِ قَائِلِينَ: "مَنْ هُوَ مِثْلُ الْوَحْشِ؟ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَارِبَهُ؟ " وَأُعْطِيَ فَمًا يَتَكَلَّمُ بِعَظَائِمَ وَتَجَادِيفَ، وَأُعْطِيَ سُلْطَانًا أَنْ يَفْعَلَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ شَهْرًا، فَفَتَحَ فَمَهُ بِالتَّجْدِيفِ عَلَى الله، لِيُجَدِّفَ عَلَى اسْمِهِ، وَعَلَى مَسْكَنِهِ، وَعَلَى السَّاكِنِينَ فِي السَّمَاءِ، وَأُعْطِيَ أَنْ يَصْنَعَ حَرْبًا مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَيَغْلِبَهُمْ، وَأُعْطِيَ سُلْطَانًا عَلَى كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلسَانٍ وَأُمَّةٍ، فَسَيَسْجُدُ لَهُ جَمِيعُ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ، الَّذِينَ لَيْسَتْ أَسْمَاؤُهُمْ مَكْتُوبَةً مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ فِي سِفْرِ حَيَاةِ الْخَرُوفِ الَّذِي ذُبِحَ، مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ! إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَجْمَعُ سَبْيًا، فَإِلَى السَّبْيِ يَذْهَبُ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَقْتُلُ بِالسَّيْفِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْتَلَ بِالسَّيْفِ. هُنَا صَبْرُ الْقِدِّيسِينَ وَإِيمَانُهُمْ. ثُمَّ رَأَيْتُ وَحْشًا آخَرَ طَالِعًا مِنَ الأَرْضِ، وَكَانَ لَهُ قَرْنَانِ شِبْهُ خَرُوفٍ، وَكَانَ يَتكلَّمُ كَتِنِّينٍ، وَيَعْمَلُ بِكُلِّ سُلْطَانِ الْوَحْشِ الأَوَّلِ أَمَامَهُ، وَيَجْعَلُ الأَرْضَ وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا يَسْجُدُونَ لِلْوَحْشِ الأَوَّل الَّذِي شُفِيَ جُرْحُهُ المُمِيتُ، وَيَصْنَعُ آيَاتٍ عَظِيمَةً، حَتَّى إِنَّهُ يَجْعَلُ نَارًا تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الأَرْضِ قُدَّامَ النَّاسِ، وَيُضِلُّ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ بِالآيَاتِ الَّتِي أُعْطِيَ أَنْ يَصْنَعَهَا أَمَامَ الْوَحْشِ، قَائِلًا لِلسَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَصْنَعُوا صُورَةً لِلْوَحْشِ الَّذِي كَانَ بِهِ جُرْحُ السَّيْفِ وَعَاشَ، وَأُعْطِيَ أَنْ يُعْطِيَ رُوحًا لِصُورَةِ الْوَحْشِ، حَتَّى تَتكلَّمَ صُورَةُ الْوَحْشِ، وَيَجْعَلَ جَمِيعَ الَّذِينَ لَا يَسْجُدُونَ لِصُورَةِ الْوَحْشِ يُقْتَلُونَ. وغيرها كثير من الخرافات التي ذكرناها في مبحث تحريف الكتاب المقدس فلتراجع.

стр. 3880

٦ - شبهة: الكلب الأسود شيطان . نص الشبهة: عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الحِمَارُ، وَالمرْأَةُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ، قُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي سَأَلتُ رَسُولَ الله ﷺ كَمَا سَألتَنِي، فَقَالَ: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ". والسؤال كيف يكون الكلب الأسود شيطانًا؟ والجواب على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: معنى قول النبي ﷺ الكلب الأسود شيطان . الوجه الثاني: لما كان الكلب الأسود أشد ضررًا سُمي شيطانًا من باب التشبيه. الوجه الثالث: يحتمل أن يكون الكلب الأسود مسخ من الشيطان. الوجه الرابع: الشيطان لا يمتنع أن يختص بالدخول في الكلب الأسود لخصيصة. الوجه الخامس: الكلب وصفاته في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل، الوجه الأول: معنى قول النبي ﷺ الكلب الأسود شيطان. عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الحمَارُ، وَالمرْأَةُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ، قُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي سَألْتُ رَسُولَ الله ﷺ كَمَا سَألتَنِي، فَقَالَ: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ (١). قول النبي ﷺ : (الكَلْب الْأَسْوَد شَيْطَان) حَمَلَهُ بَعْضهمْ عَلَى ظَاهِره وَقَالَ: إِنَّ الشَّيْطَان يَتَصَوَّر بِصُورَةِ الْكِلَاب السُّود، وَقِيلَ: لمَّا كَانَ الْأَسْوَد أَشَدَّ ضَرَرًا مِنْ غَيْره، وَأَشَدَّ تَرْوِيعًا

стр. 3881

كَانَ المُصَلِّي إِذَا رَآه أُشْغِلَ عَنْ صَلَاته فَانْقَطَعَتْ عَلَيْهِ لِذَلِكَ، ولذلك سُمي شيطانًا (١). وقد ورد في الأحاديث ما يثبت أن الشياطين تتصور وتتشكل بأشكال، فلا مانع من حمل هذا النص على ظاهره. ١ - عن أبي ثعلبة الخشني، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجن على ثلاثة أصناف: صنف كلاب وحيات، وصنف يطيرون في الهواء، وصنف يحلون ويظعنون. (٢) ٢ - عن هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ ﵁ فِي بَيْتِهِ، قَالَ: فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ، فَسَمِعْتُ تَحْرِيكًا فِي عَرَاجِينَ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا حَيَّةٌ فَوَثَبْتُ لِأَقْتُلَهَا، فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنِ اجْلِسْ فَجَلَسْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ، فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ: فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ الله ﷺ بِأَنْصَافِ النَّهَارِ فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَأْذَنَهُ لهُ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ، ثُمَّ رَجَعَ فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةً فَأَهْوَى إِلَيْهَا الرُّمْحَ لِيَطْعُنَهَا بِهِ وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ، فَقَالَتْ لَهُ: اكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ وَادْخُلِ الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي، فَدَخَلَ فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ فَانْتَظَمَهَا بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ، فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الحَيَّةُ أَمِ الْفَتَى، قَالَ: فَجِئْنَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ وَقُلْنَا ادْعُ الله يُحْيِيهِ لَنَا فَقَالَ: "اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ" ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ بِالمُدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ"" (٣).

стр. 3882

فلما كان المصلي مشتغلًا بمناجاة الله، وهو في غاية القرب منه والخلوة به، أمر المصلي بالاحتراز من دخول الشيطان في هذه الخلوة الخاصة، والقرب الخاص؛ ولذلك شُرعت السترة في الصلاة خشية من دخول الشيطان، وكونه وليجة في هذه الحال فيقطع بذلك مواد الأنس والقرب، والكلب الأسود: شيطان، كما نص عليه الحديث. وكذلك الحمار؛ ولهذا يستعاذ بالله عند سماع صوته بالليل، لأنه يرى الشيطان؛ فلهذا أمر ﷺ بالدنو من السترة خشية أن يقطع الشيطان عليه صلاته. (١) قال ابن تيمية: فإن الكلب الأسود شيطان؛ الكلاب والجن تتصور بصورته كثيرا وكذلك صورة القط الأسود؛ لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره؛ وفيه قوة الحرارة (٢). الوجه الثاني: أنه لما كان الكلب الأسود أشد ضررًا وقبحًا من غيره سُمي شيطانًا من باب التشبيه لا أكثر . عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، قال: أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ حَتَّى إِنَّ المُرْأَةَ تَقْدَمُ مِنْ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا وَقَالَ عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ (٣). قال النووي: قَوْله ﷺ : "بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيم ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَان"، مَعْنَى الْبَهِيم الخَالِص السَّوَاد، وَأَمَّا النُّقْطتَانِ فُهِّمَا نُقْطتَانِ مَعْرُوفَتَانِ بَيْضَاوَانِ فَوْق عَيْنيْهِ وَهَذَا مُشَاهَد مَعْرُوف. وَقَوْله ﷺ : "فَإِنَّهُ شَيْطَان" احْتَجَّ بِهِ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَبَعْض أَصْحَابنَا فِي أَنَّهُ لَا يَجُوز صَيْد الْكَلْب الْأَسْوَد الْبَهِيم، وَلَا يَحِلّ إِذَا قَتَلَهُ لِأَنَّهُ شَيْطَان، إِنَّما حَلَّ صَيْد الْكَلْب. وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء: يَحِلّ صَيْد الْكَلْب الْأَسْوَد كَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ المَرَاد بِالحْدِيثِ إِخْرَاجه عَنْ جِنْس الْكِلَاب، وَلِهَذَا لَوْ وَلَغَ فِي إِنَاء وَغَيْره وَجَبَ غَسْله كَمَا يُغْسَل

стр. 3883

مِنْ وُلُوغ الْكَلْب الْأَبْيَض. (١) قَالَ الْقَاضِي أبو لَيْلَى: فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ فِي الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ إِنَّهُ شَيْطَانٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنْ الْكَلْبِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْإِبِل إِنَّهَا جِنٌّ وَهِيَ مَوْلُودَةٌ مِنْ النُّوقِ فَالجَوَابُ أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ لَهُمَا بِالشَّيْطًانِ وَالجنِّ؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ شَرُّ الْكِلَابِ وَأَقَلُّهَا نَفْعًا. وَالْإِبِلُ شِبْهُ الجنِّ فِي صُعُوبَتِهَا وَصَوْلَتِهَا، وَجَعَلَ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ شَيْطَانًا لِخَبَثِهِ، فَإِنَّهُ أَضَرُّ الْكِلَابِ وَأَعْقَرُهَا، وَالْكَلْبُ أَسْرَعُ إِلَيْهِ مِنْهُ إِلَى جَمِيعِهَا، وَهِيَ مَعَ هَذَا أَقَلُّهَا نَفْعًا وَأَسْوَءُهَا حِرَاسَةً وَأَبْعَدُهَا مِنْ الصَّيْدِ وَأَكْثَرُهَا نُعَاسًا. (٢) قال ابن القيم: وَأَمَّا قَوْلُهُ: "وَفَرَّقَ بَيْنَ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ وَغَيْرهِ فِي قَطْعِ الصَّلَاةِ" فَهَذَا سُؤَالٌ أَوْرَدَهُ عَبْدُ الله بْنُ الصَّامِتِ عَلَى أَبِي ذَرٍّ، وَأَوْرَدَهُ أَبُو ذَرٍّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَجَابَ عَنْهُ بِالْفَرْقِ الْبَيِّن فَقَالَ: "الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ"، وَهَذَا إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَظْهَرُ فِي صُورَةِ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ كَثِيرًا كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فَظَاهِرٌ، وَلَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَكُونَ مُرُورُ عَدُوِّ الله بَيْنَ يَدَيْ المُصَلِّي قَاطِعًا لِصَلَاتِهِ، وَيَكُونَ مُرُورُهُ قَدْ جَعَلَ تِلْكَ الصَّلَاةَ بَغِيضَةً إلَى الله مَكْرُوهَةً لَهُ، فَيَأْمُرُ المصَلِّيَ بِأَنْ يَسْتَأْنِفَهَا، وَإِنْ كَانَ المَرَادُ بِهِ أَنَّ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ شَيْطَانُ الْكِلَابِ فَإِنَّ كُلَّ جِنْسٍ مِنْ أَجْنَاسِ الحَيَوَانَاتِ فِيهَا شَيَاطِينُ، وَهِيَ مَاعَتَا مِنْهَا وَتَمَرَّدَ، كَمَا أَنَّ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ عُتَاتُهُمْ وَمُتَمَرِّدُوهُمْ، وَالْإِبِلَ شَيَاطِينُ الأَنْعَامِ، وَعَلَى ذُرْوَةِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ؛ فَيَكُونُ مُرُورُ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْكِلَابِ - وَهُوَ مِنْ أَخْبَثِهَا وَشَرِّهَا - مُبْغِضًا لِتِلْكَ الصَّلَاةِ إلَى الله تَعَالَى؛ فَيَجِبُ عَلَى المصَلِّي أَنْ يَسْتَأْنِفَهَا، وَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَقْطَعَ مُرُورُ الْعَدُوِّ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَ وَليِّهِ حُكْمَ مُنَاجَاتِهِ لَهُ، كَمَا قَطَعَهَا كَلِمَةٌ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ أَوْ قَهْقَهَةٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ ألقَى عَلَيْهِ الْغَيْرُ نَجَاسَةً أَوْ نَوَّمَهُ الشَّيْطَانُ فِيهَا (٣).

стр. 3884

الوجه الثالث: كون الكلب الأسود شيطانا يحتمل أن يكون على صفته أو مسخ من الشيطان . أي: أن الكلب كان في الأصل شيطانًا فمُسخ بتلك الصورة وهي صورة الكلب. قال ابن قتيبة: وليست تخلو الكلاب من أن تكون أمة من أمم السباع أو تكون أمة من الجن، ولا يبعد أيضًا أن تكون الكلاب كذلك. وهذه أمور لا تدرك بالنظر والقياس والعقول وإنما ينتهي فيها إلى ما قاله الرسول ﷺ أوما قاله من سمع منه وشاهده، وليس علينا وكف ولا نقص من أن تكون الكلاب من السباع أو الجن أو الممسوخ؛ فإن كانت من السباع فإنما أمر بقتل الأسود منها وقال: "هو شيطان"، لأن الأسود البهيم منها أضرها وأعقرها، والكلب إليه أسرع منه إلى جميعها، وهو مع هذا أقلها نفعًا، وأسوأها حراسة، وأبعدها من الصيد، وأكثرها نعاسًا، وقال: "هو شيطان"، يريد أنه أخبثها. وإن كانت الكلاب من الجن أو كانت ممسوخًا من الجن فإنما أراد أن الأسود منها شيطانًا فاقتلوه لضره والشيطان هو مارد الجن. والحن هم الضعفة والحن أضعف من الجن. (١) وعن ابن عباس ﵁ قال: السود من الكلاب الجن، والبقع منها الحن. (٢) والحِنُّ: بالكسر حيٌّ من الجن يقال منهم الكلابُ السود البُهْمُ يقال: كلب حِنِّيٌّ وقيل: الحِنُّ ضرب من الجن، وأَنشد: يَلْعَبْنَ أَحْواليَ مِنْ حِنٍّ وجِنٌّ والحِنُّ سَفِلَةُ الجِنِّ أَيضًا وضُعَفاؤُهم، عن ابن الأَعرابي وأَنشد لمُهاصِرِ بنِ المُحِلِّ: أَبيتُ أَهْوِي في شيَاطين تُرِنّ مُخْتلفٍ نَجْواهُمُ جِنٍّ وحِنّ. (٣)

стр. 3885

الوجه الرابع: أن الشيطان لا يُمتنع أن يختص بالدخول في الكلب الأسود لخصيصة فيه . قال ابن تيمية: عن شيخ أخبر عن نفسه أنه كان يزني بالنساء ويتلوط بالصبيان الذين يقال لهم "الحوارات" وكان يقول: يأتيني كلب أسود بين عينيه نكتتان بيضاوان فيقول لي: فلان إن فلانا نذر لك نذرا وغدا يأتيك به، وأنا قضيت حاجته لأجلك فيصبح ذلك الشخص يأتيه بذلك النذر؛ ويكاشفه هذا الشيخ الكافر. قال: وكنت إذا طلب مني تغيير مثل اللاذن، أقول حتى أغيب عن عقلي، وإذ باللاذن في يدي أو في فمي، وأنا لا أدري من وضعه قال: وكنت أمشي وبين يدي عمود أسود عليه نور. فلما تاب هذا الشيخ وصار يصلي ويصوم ويجتنب المحارم: ذهب الكلب الأسود وذهب التغيير؛ فلا يؤتي بلاذن ولا غيره (١). ثم إذا جاز في عقول النصارى أن الله خالق السموات والأرض يظهر في مخلوقاته. فكيف يمتنع ذلك في بعض مخلوقاته وهو الشيطان أن يظهر في صورة كلب أسود؟ . الوجه الخامس: الكلب وصفاته في الكتاب المقدس . يوصف الكلب في حقبات التاريخ المبكرة في الكتاب المقدس بأنه يهر ويدور في شوارع المدن (مزمور ٥٩: ٦ و ١٤) يَعُودُونَ عِنْدَ المَسَاءِ، يَهِرُّونَ مِثْلَ الْكَلْبِ، وَيَدُورُونَ فِي المدِينَةِ. يأكل ما يرمى إليه (خروج ٢٢: ٣١) وَتَكُونُونَ لِي أُنَاسًا مُقَدَّسِينَ. وَلَحْمَ فَرِيسَةٍ فِي الصَّحْرَاءِ لَا تَأْكُلُوا. لِلْكِلَابِ تَطْرَحُونَهُ. ويلحس الدم المسفوك (١ مل ٣٢: ٣٨، مز ٦٨: ٢٣) أو ينهش لحوم الأموات (١ مل ١٤: ١١ و ١٦: ٤ و ٢ مل ٩: ٣٥ و ٣٦) لِكَيْ تَصْبغَ رِجْلَكَ بِالدَّمِ. وكانت الكلاب تتجمع أحيانًا وتهاجم الناس (مز ٢٢: ١٦ و ٢٠). والكلب من الحيوانات الأولى التي روضها الإنسان باكرًا جدًّا، واستخدمها لتساعد الراعي على حماية القطعان من الوحوش المفترسة ومن اللصوص (أيوب ٣٠: ١). وقد أصبحت أخيرًا مستأنسة ترافق أسيادها من مكان إلى آخر، وتسكن معه في البيت حيث تلتقط الفتات

стр. 3886

الساقطة من مائدته (مر ٧: ٢٨). وقد لحست الكلاب قروح الفقراء الذين كانوا يقفون عند باب الرجل الغني (لو ١٦: ٢١). وكثيرًا ما استخدم القدماء الكلب للصيد. ولكن أكثر الكلاب بقيت في حالة الوحشية. وبسبب طعامها وعوائدها كانت الكلاب تعتبر نجسة وكانت تسمية أحد الناس بكلب شتيمة كبرى (١ صم ١٧: ٤٣ و ٢ مل ٨: ١٣). ويطلق اسم كلب بالمعنى المجازي على الذين لا يقدرون أن يفهموا الأمور المقدسة أو السامية (متى ٧: ٦) والذين يأتون بتعاليم كاذبة (فيل ٣: ٢). والذين، مثل الكلب العائد إلى قيئه. يرجعون إلى الخطايا التي ادعوا ظاهريًا بأنهم تركوها إلى الأبد (٢ بط ٢: ٢٢ بالمقابلة مع آم ٢٦: ١١) أو الذين انحطوا إلى درجة اتباع الشهوات بالطريقة التي يتبعها بها الكلب (تث ٢٣: ١٨). وقد تعود اليهود المتأخرون أن يطلقوا اسم كلب على الأمم بسبب عدم طهارة هؤلاء حسب الشريعة. وقد استعمل يسوع الاسم عينه مرة كي يصف بقوة عمل النعمة الذي كان مزمعًا أن يقوم به (متى ١٥: ٢٦ ومر ٧: ٢٧). فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً: "يَا سَيِّدُ، أَعِنِّي! " فَأَجَابَ وَقَالَ: "لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلَاب". فَقَالَتْ: "نَعَمْ، يَا سَيِّدُ! وَالْكِلابُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا! ". وكانت الشريعة الموسوية تعتبره نجسًا، لأنه لا يجتر ولا يشق ظلفًا (لاويين ١١: ١ - ٨) ١ وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ قَائِلًا لَهُمَا: "كَلِّمَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلَيْنِ: هذِه هِيَ الحَيَوَانَاتُ الَّتِي تَأْكُلُونَهَا مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ: كُلُّ مَا شَقَّ ظِلْفًا وَقَسَمَهُ ظِلْفَيْنِ، وَيَجْتَرُّ مِنَ الْبَهَائِمِ، فَإِيَّاهُ تَأْكُلُونَ. فهو إذًا نجس. لا تُدْخِلْ أُجْرَةَ زَانِيَةٍ، وَلا ثَمَنَ كَلْبٍ، إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ عَنْ نَذْرٍ مَّا، لأَنَّهُمَا كِلَيْهِمَا رِجْسٌ لَدَى الرَّبِّ إِلهِكَ. (التثنية ٢٣/ ١٨). * * *

стр. 3887

٧ - شبهة: الشيطان يبول في أذن النائم . نص الشبهة: يعترضون على حديث عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النبيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا نَامَ الْبَارِحَةَ عَنِ الصَّلاةِ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ذَاكَ الشَّيْطَانُ بَالَ في أُذُنِهِ أَوْ في أُذُنَيْهِ" (١). ويقولون كيف: يبول الشيطان في أذن النائم؟ والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الإسلام ينظم حياة الفرد ليجمع بين مصالح الدين والدنيا . الوجه الثاني: بيان معنى الحديث. الوجه الثالث: توجيهات الحديث. الوجه الرابع: بيان عداوة الشيطان للإنسان، وبيان عداوته في أمر الصلاة. وإليك التفصيل. الوجه الأول: الإسلام ينظم حياة الفرد ليجمع بين مصالح الدين والدنيا. إن الله له حكمة في توزيع الصلوات على الأوقات المعروفة، فلابُدَّ من المحافظة على ذلك حتى لو لم نفهم الحكمة؛ فالأمر قائم على الاتباع، ففي الحديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقد عين جبريل للرسول ﷺ مواقيت الصلاة، بعد أن فرضت عليه ليلة الإسراء، وحدد له أول الوقت وآخره، وقال له: "الوقت ما بين هذين الوقتين" (٢). ولعل الحكمة في تضييق وقت صلاة الصبح؛ هي الحرص على البكور واستئناف النشاط اليومي من أول النهار، فقد أجمع ذوو الاختصاص على أن الساعات الأولى من النهار فيها خير كبير للإنتاج الذهني والبدني، والرسول ﷺ دعا أن يبارك الله لأمته في البكور.

стр. 3888

وقال بعض المفكرين: إن صلاة الصبح تُؤدى بعد راحة طويلة بالنوم بالليل، ومع ذلك جعلها الله ركعتين ولم يجعلها أربعًا أو أكثر، وذلك للسرعة في استئناف العمل من أجل الرزق والمهمات الأخرى. وقد كره العلماء السهر الطويل بعد العشاء لغير حاجة؛ وذلك من أجل راحة الجسم بالنوم، وعدم فوات صلاة الصبح التي قال الله فيها: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: ٧٨). وإذا كان هناك قلة من الناس يعملون بالليل فيتعرضون لضياع صلاة الصبح، فإن القلة لا تحكم على الكثرة، ومع ذلك فمن الممكن أن تنظم أوقات العمل حتى لا يضيع أي فرض من فروض الصلاة ليلًا أو نهارًا. وفي الصحيحين أن رسول ﷺ قال: "يعقد الشيطانُ على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة كلها، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" (١). وفي الصحيحين أيضًا أن رجلًا ذُكِر عند النبيّ ﷺ فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح ما قام إلى الصلاة، فقال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنه" (٢). خَصَّ الْأُذُنَ لِأَنَّهَا حَاسَّةُ الِانْتِبَاهِ؛ قَالَه إبْرَاهِيمُ الحَرْبِيّ (٣): ومعناه: نام عن المكتوبة، وقيل: عن قيام الليل. الوجه الثاني: بيان معنى الحديث . البَوْل واحد الأَبْوال، بال الإِنسانُ وغيرُه يَبُول بَوْلًا، واستعاره بعض الشعراء فقال: بالَ سُهَيْلٌ في الفَضيخِ فَفَسَد، والاسم البِيلَة كالجِلْسة والرِّكْبة، وكَثْرَةُ الشَّرابِ مَبْوَلة بالفتح، والمِبْوَلة بالكسر كُوزٌ يُبال فيه، ويقال لنُبِيلَنَّ الخَيْلَ في عَرَصاتكم ... وفي الحديث:

стр. 3889

"من نام حتى أَصبح بال الشيطان في أُذُنه" قيل: معناه سَخِر منه وظَهَر عليه حتى نام عن طاعة الله. كما قال الشاعر: بالَ سُهَيْل في الفَضِيخِ فَفَسَد. أَي: لما كان الفَضِيخ يَفْسُد بطلوع سُهَيْل كان ظُهورُه عليه مُفْسِدًا له، وأضيف ذلك الفعل به إلى الشيطان؛ لأنه مما يرضاه الشيطان منه، وذكر فيه بول الشيطان في أذنه؛ أي: فعل به أقبح ما يفعل بالنوام، وليس ذلك على حقيقة البول منه في أذنه، ولكن على المثل والاستعارة في المعنى كمثل ما قال ﷺ مما قد ذكرناه فيما تقدم منا في كتابنا هذا من عقد الشيطان عند رأس من نام ثلاث عقد، لا يريد بذلك ثلاث عقد من العقد التي يعقد بها بنو آدم، ولكن مثلٌ لها واستعارة لمعناها؛ لأن العقد التي يعقدها بنو آدم تمنع من يعقدونه بها من التصرف لما يحاول التصرف فيه، فكان مثله ما يكون من الشيطان للنائم الذي لا يقوم من نومه إلى ما ينبغي أن يقوم إليه النوام من ذكر الله ومن الصلاة له، فهذا أحسن ما حضرنا مما يحتمله هذا الحديث، والله أعلم بما أراده رسوله ﷺ في ذلك، وإياه نسأل التوفيق (١). الوجه الثالث: توجيهات الحديث . لقد وجه العلماء الأفاضل معنى بول الشيطان في أذن من نام حتى فاتته الفريضة عدة توجيهات: الأول: أن يقال بأن الأمر هو على حقيقته، وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَلِهَذَا لمَّا سَمَّى ذَلِكَ الرَّجُلُ فِي أَثْنَاءِ طَعَامِهِ قَاءَ الشَّيْطَانُ كُلَّ شَيْءٍ أَكَلَهُ (٢)، فَيَكُونُ بَوْلُهُ وَقَيْؤُهُ طَاهِرًا، وَهَذَا غَرِيبٌ، قَدْ يُعَايَا بِهَا، وَالله أَعْلَمُ (٣). قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَلَا يَبْعُد أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره (٤). قال القرطبي وغيره: هو على حقيقته؛ إذ لا مانع من ذلك؛ إذ لا إحالة فيه؛ لأنه ثبت أن الشيطان يأكل ويشرب وينكح، فلا مانع من أن يبول (٥).

стр. 3890

الثاني: أن يقال بأن ذلك هو كناية عن سد الشيطان أذن الذي ينام عن الصلاة؛ حتى لا يسمع الذكر، وقَيلَ: مَجَاز عَنْ سَدَّ الشَّيْطَان أُذُنه عَنْ سَمَاع صِيَاح الدِّيك وَنَحْوه، مِمَّا يَقُوم بِسَمَاعِ أَهْل التَّوْفِيق، وَالله تَعَالَى أَعْلَمُ (١). الثالث: أن يقال بأن معناه أن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل فحجب سمعه عن الذكر. (٢) الرابع: قِيلَ: مَعْنَاهُ: اِسْتَخَفَّ بِهِ، وَاحْتَقَرَهُ، وَاسْتَعْلَى عَلَيْهِ، يُقَال لمِنْ اِسْتَخَفَّ بِإِنْسَانٍ وَخَدَعَهُ: بَالَ فِي أُذُنه، وَأَصْل ذَلِكَ فِي دَابَّة تَفْعَل ذَلِكَ بِالْأَسَدِ إِذْلَالًا لَهُ. وَقَالَ الحَرْبِيّ: مَعْنَاهُ ظَهَرَ عَلَيْهِ، وَسَخِرَ مِنْه، فالأمر كناية عن ازدراء الشيطان به (٣). الخامس: كناية عن الاستخفاف هو أن يقال بأن العنى: أن الشيطان استولى عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول؛ إذ من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه (٤). السادس: هو مثل مضروب للغافل عن القيام بثقل النوم، كمن وقع البول في إذنه، فثقل أذنه وأفسد حسه، والعرب تكني عن الفساد بالبول، قال الراجز: بال سهيل في الفضيخ ففسد، وكنى بذلك عن طلوعه؛ لأنه وقت إفساد الفضيخ فعبر عنه بالبول، ووقع في رواية الحسن عن أبي هريرة ﵁ في هذا الحديث عند أحمد (٥)، قال الحسن: إن بوله والله ثقيل، وروى محمد بن نصر، من طريق قيس بن أبي حازم، عن ابن مسعود ﵁: "حسب الرجل من الخيبه والشر أن ينام حتى يصبح وقد بال الشيطان في إذنه"، وهو موقوف صحيح الإسناد. وقال الطيبي: خص الإذن بالذكر وإن كانت العين أنسب بالنوم إشارة
следующие страницы →