← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

الساقطة من مائدته (مر ٧: ٢٨). وقد لحست الكلاب قروح الفقراء الذين كانوا يقفون عند باب الرجل الغني (لو ١٦: ٢١). وكثيرًا ما استخدم القدماء الكلب للصيد. ولكن أكثر الكلاب بقيت في حالة الوحشية. وبسبب طعامها وعوائدها كانت الكلاب تعتبر نجسة وكانت تسمية أحد الناس بكلب شتيمة كبرى (١ صم ١٧: ٤٣ و ٢ مل ٨: ١٣). ويطلق اسم كلب بالمعنى المجازي على الذين لا يقدرون أن يفهموا الأمور المقدسة أو السامية (متى ٧: ٦) والذين يأتون بتعاليم كاذبة (فيل ٣: ٢). والذين، مثل الكلب العائد إلى قيئه. يرجعون إلى الخطايا التي ادعوا ظاهريًا بأنهم تركوها إلى الأبد (٢ بط ٢: ٢٢ بالمقابلة مع آم ٢٦: ١١) أو الذين انحطوا إلى درجة اتباع الشهوات بالطريقة التي يتبعها بها الكلب (تث ٢٣: ١٨). وقد تعود اليهود المتأخرون أن يطلقوا اسم كلب على الأمم بسبب عدم طهارة هؤلاء حسب الشريعة. وقد استعمل يسوع الاسم عينه مرة كي يصف بقوة عمل النعمة الذي كان مزمعًا أن يقوم به (متى ١٥: ٢٦ ومر ٧: ٢٧). فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً: "يَا سَيِّدُ، أَعِنِّي! " فَأَجَابَ وَقَالَ: "لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلَاب". فَقَالَتْ: "نَعَمْ، يَا سَيِّدُ! وَالْكِلابُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا! ". وكانت الشريعة الموسوية تعتبره نجسًا، لأنه لا يجتر ولا يشق ظلفًا (لاويين ١١: ١ - ٨) ١ وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ قَائِلًا لَهُمَا: "كَلِّمَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلَيْنِ: هذِه هِيَ الحَيَوَانَاتُ الَّتِي تَأْكُلُونَهَا مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ: كُلُّ مَا شَقَّ ظِلْفًا وَقَسَمَهُ ظِلْفَيْنِ، وَيَجْتَرُّ مِنَ الْبَهَائِمِ، فَإِيَّاهُ تَأْكُلُونَ. فهو إذًا نجس. لا تُدْخِلْ أُجْرَةَ زَانِيَةٍ، وَلا ثَمَنَ كَلْبٍ، إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ عَنْ نَذْرٍ مَّا، لأَنَّهُمَا كِلَيْهِمَا رِجْسٌ لَدَى الرَّبِّ إِلهِكَ. (التثنية ٢٣/ ١٨). * * *

стр. 3887

٧ - شبهة: الشيطان يبول في أذن النائم . نص الشبهة: يعترضون على حديث عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النبيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا نَامَ الْبَارِحَةَ عَنِ الصَّلاةِ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ذَاكَ الشَّيْطَانُ بَالَ في أُذُنِهِ أَوْ في أُذُنَيْهِ" (١). ويقولون كيف: يبول الشيطان في أذن النائم؟ والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الإسلام ينظم حياة الفرد ليجمع بين مصالح الدين والدنيا . الوجه الثاني: بيان معنى الحديث. الوجه الثالث: توجيهات الحديث. الوجه الرابع: بيان عداوة الشيطان للإنسان، وبيان عداوته في أمر الصلاة. وإليك التفصيل. الوجه الأول: الإسلام ينظم حياة الفرد ليجمع بين مصالح الدين والدنيا. إن الله له حكمة في توزيع الصلوات على الأوقات المعروفة، فلابُدَّ من المحافظة على ذلك حتى لو لم نفهم الحكمة؛ فالأمر قائم على الاتباع، ففي الحديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقد عين جبريل للرسول ﷺ مواقيت الصلاة، بعد أن فرضت عليه ليلة الإسراء، وحدد له أول الوقت وآخره، وقال له: "الوقت ما بين هذين الوقتين" (٢). ولعل الحكمة في تضييق وقت صلاة الصبح؛ هي الحرص على البكور واستئناف النشاط اليومي من أول النهار، فقد أجمع ذوو الاختصاص على أن الساعات الأولى من النهار فيها خير كبير للإنتاج الذهني والبدني، والرسول ﷺ دعا أن يبارك الله لأمته في البكور.

стр. 3888

وقال بعض المفكرين: إن صلاة الصبح تُؤدى بعد راحة طويلة بالنوم بالليل، ومع ذلك جعلها الله ركعتين ولم يجعلها أربعًا أو أكثر، وذلك للسرعة في استئناف العمل من أجل الرزق والمهمات الأخرى. وقد كره العلماء السهر الطويل بعد العشاء لغير حاجة؛ وذلك من أجل راحة الجسم بالنوم، وعدم فوات صلاة الصبح التي قال الله فيها: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: ٧٨). وإذا كان هناك قلة من الناس يعملون بالليل فيتعرضون لضياع صلاة الصبح، فإن القلة لا تحكم على الكثرة، ومع ذلك فمن الممكن أن تنظم أوقات العمل حتى لا يضيع أي فرض من فروض الصلاة ليلًا أو نهارًا. وفي الصحيحين أن رسول ﷺ قال: "يعقد الشيطانُ على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة كلها، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" (١). وفي الصحيحين أيضًا أن رجلًا ذُكِر عند النبيّ ﷺ فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح ما قام إلى الصلاة، فقال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنه" (٢). خَصَّ الْأُذُنَ لِأَنَّهَا حَاسَّةُ الِانْتِبَاهِ؛ قَالَه إبْرَاهِيمُ الحَرْبِيّ (٣): ومعناه: نام عن المكتوبة، وقيل: عن قيام الليل. الوجه الثاني: بيان معنى الحديث . البَوْل واحد الأَبْوال، بال الإِنسانُ وغيرُه يَبُول بَوْلًا، واستعاره بعض الشعراء فقال: بالَ سُهَيْلٌ في الفَضيخِ فَفَسَد، والاسم البِيلَة كالجِلْسة والرِّكْبة، وكَثْرَةُ الشَّرابِ مَبْوَلة بالفتح، والمِبْوَلة بالكسر كُوزٌ يُبال فيه، ويقال لنُبِيلَنَّ الخَيْلَ في عَرَصاتكم ... وفي الحديث:

стр. 3889

"من نام حتى أَصبح بال الشيطان في أُذُنه" قيل: معناه سَخِر منه وظَهَر عليه حتى نام عن طاعة الله. كما قال الشاعر: بالَ سُهَيْل في الفَضِيخِ فَفَسَد. أَي: لما كان الفَضِيخ يَفْسُد بطلوع سُهَيْل كان ظُهورُه عليه مُفْسِدًا له، وأضيف ذلك الفعل به إلى الشيطان؛ لأنه مما يرضاه الشيطان منه، وذكر فيه بول الشيطان في أذنه؛ أي: فعل به أقبح ما يفعل بالنوام، وليس ذلك على حقيقة البول منه في أذنه، ولكن على المثل والاستعارة في المعنى كمثل ما قال ﷺ مما قد ذكرناه فيما تقدم منا في كتابنا هذا من عقد الشيطان عند رأس من نام ثلاث عقد، لا يريد بذلك ثلاث عقد من العقد التي يعقد بها بنو آدم، ولكن مثلٌ لها واستعارة لمعناها؛ لأن العقد التي يعقدها بنو آدم تمنع من يعقدونه بها من التصرف لما يحاول التصرف فيه، فكان مثله ما يكون من الشيطان للنائم الذي لا يقوم من نومه إلى ما ينبغي أن يقوم إليه النوام من ذكر الله ومن الصلاة له، فهذا أحسن ما حضرنا مما يحتمله هذا الحديث، والله أعلم بما أراده رسوله ﷺ في ذلك، وإياه نسأل التوفيق (١). الوجه الثالث: توجيهات الحديث . لقد وجه العلماء الأفاضل معنى بول الشيطان في أذن من نام حتى فاتته الفريضة عدة توجيهات: الأول: أن يقال بأن الأمر هو على حقيقته، وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَلِهَذَا لمَّا سَمَّى ذَلِكَ الرَّجُلُ فِي أَثْنَاءِ طَعَامِهِ قَاءَ الشَّيْطَانُ كُلَّ شَيْءٍ أَكَلَهُ (٢)، فَيَكُونُ بَوْلُهُ وَقَيْؤُهُ طَاهِرًا، وَهَذَا غَرِيبٌ، قَدْ يُعَايَا بِهَا، وَالله أَعْلَمُ (٣). قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَلَا يَبْعُد أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره (٤). قال القرطبي وغيره: هو على حقيقته؛ إذ لا مانع من ذلك؛ إذ لا إحالة فيه؛ لأنه ثبت أن الشيطان يأكل ويشرب وينكح، فلا مانع من أن يبول (٥).

стр. 3890

الثاني: أن يقال بأن ذلك هو كناية عن سد الشيطان أذن الذي ينام عن الصلاة؛ حتى لا يسمع الذكر، وقَيلَ: مَجَاز عَنْ سَدَّ الشَّيْطَان أُذُنه عَنْ سَمَاع صِيَاح الدِّيك وَنَحْوه، مِمَّا يَقُوم بِسَمَاعِ أَهْل التَّوْفِيق، وَالله تَعَالَى أَعْلَمُ (١). الثالث: أن يقال بأن معناه أن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل فحجب سمعه عن الذكر. (٢) الرابع: قِيلَ: مَعْنَاهُ: اِسْتَخَفَّ بِهِ، وَاحْتَقَرَهُ، وَاسْتَعْلَى عَلَيْهِ، يُقَال لمِنْ اِسْتَخَفَّ بِإِنْسَانٍ وَخَدَعَهُ: بَالَ فِي أُذُنه، وَأَصْل ذَلِكَ فِي دَابَّة تَفْعَل ذَلِكَ بِالْأَسَدِ إِذْلَالًا لَهُ. وَقَالَ الحَرْبِيّ: مَعْنَاهُ ظَهَرَ عَلَيْهِ، وَسَخِرَ مِنْه، فالأمر كناية عن ازدراء الشيطان به (٣). الخامس: كناية عن الاستخفاف هو أن يقال بأن العنى: أن الشيطان استولى عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول؛ إذ من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه (٤). السادس: هو مثل مضروب للغافل عن القيام بثقل النوم، كمن وقع البول في إذنه، فثقل أذنه وأفسد حسه، والعرب تكني عن الفساد بالبول، قال الراجز: بال سهيل في الفضيخ ففسد، وكنى بذلك عن طلوعه؛ لأنه وقت إفساد الفضيخ فعبر عنه بالبول، ووقع في رواية الحسن عن أبي هريرة ﵁ في هذا الحديث عند أحمد (٥)، قال الحسن: إن بوله والله ثقيل، وروى محمد بن نصر، من طريق قيس بن أبي حازم، عن ابن مسعود ﵁: "حسب الرجل من الخيبه والشر أن ينام حتى يصبح وقد بال الشيطان في إذنه"، وهو موقوف صحيح الإسناد. وقال الطيبي: خص الإذن بالذكر وإن كانت العين أنسب بالنوم إشارة

стр. 3891

إلى ثقل النوم، فإن المسامع هي موارد الانتباه وخص البول لأنه أسهل مدخلًا في التجاويف وأسرع نفوذًا في العروق فيورث الكسل في جميع الأعضاء (١). السابع: قَالَ اِبْن قُتَيْبَة: مَعْنَاهُ: أَفْسَدَهُ؛ يُقَال: بَالَ فِي كَذَا إِذَا أَفْسَدَهُ (٢). الثامن: هُوَ اِسْتِعَارَة وَإِشَارَة إِلَى اِنْقِيَاده لِلشَّيْطَانِ وَتحَكُّمه فِيهِ، وَعَقْده عَلَى قَافِيَة رَأْسه: عَلَيْك لَيْل طَوِيل وَإِذْلَاله (٣). الوجه الرابع: بيان عداوة الشيطان للإنسان، وبيان عداوته في أمر الصلاة . أولًا: عداوة الشيطان بوجه عالم: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (فاطر: ٦). ومن عداوته تزيينه أعمال الكفر والفساد والطغيان للإنسان؛ قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل: ٦٣)، وقال أيضًا: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ (النمل: ٢٤). ومن عداوته أنه يَعِدُ بالفقر واليأس، ويأمر بالفحشاء، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ (البقرة: ٢٦٨)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (المجادلة: ١٠)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِالله وَلْيَنْتَهِ" (٤). ثانيًا: بيان عداوة الشيطان للإنسان في أمر الصلاة .

стр. 3892

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ (المائدة: ٩٠)، وقال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩﴾ (المجادلة: ١٩). وعن عُثْمَانَ بْنَ أَبِى الْعَاصِ ﵁ أنه أَتَى النبيّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَي، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خِنْزِبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْته فتعَوَّذْ بِالله مِنْهُ وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلًاثًا"، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَهُ الله عَنِّي (١). ثالثا: طبيعة الشيطان وخلقته وطعامه وشرابه: قال تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (الحجر: ٢٧)، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ (الرحمن: ١٥). قال ابن كثير: وخلقُه الجان من مارج من نار، وهو: طرف لهبها. قاله الضحاك عن ابن عباس ﵁، وبه يقول عكرمة، ومجاهد، والحسن، وابن زيد. وقال العَوْفي عن ابن عباس ﵁: ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ من لهب النار، من أحسنها. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵁: ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ من خالص النار، وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك وغيرهم (٢). وعن عائشة قالت: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "خُلِقَتِ الملائِكَةُ مِنْ نُور، وَخُلِقَ الجْانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ" (٣). قال النووي: والمارج: اللهب المختلط بسواد النار (٤).

стр. 3893

وفي صفة خلقهم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (الأعراف: ١٧٩)، فقد صرح الله بأن للجن قلوبًا وأعينًا وآذانًا، وكذلك لهم صوت لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (الإسراء: ٦٤) (١). أما عن طعامهم وشرابهم: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ النبيّ ﷺ إِدَاوَةً لِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بِهَا فَقَالَ: "مَنْ هَذَا"، فَقَالَ: أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: "ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، وَلا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلا بِرَوْثَةٍ"، فَأَتيْتُهُ بِأَحْجَارٍ أَحْمِلُهَا في طَرَفِ ثَوْبِي حَتَّى وَضَعْتُ إِلَى جَنْبِهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مَشَيْتُ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ، قَالَ: "هُمَا مِنْ طَعَامِ الجِنِّ، وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصيبِينَ وَنِعْمَ الجنُّ، فَسَألُونِى الزَّادَ، فَدَعَوْتُ الله لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ إِلاَّ وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا" (٢). وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قَالَ: "أَتَانِى دَاعِي الجنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ"، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا، فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ، فَقَالَ: "لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ يَقَعُ في أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لحْمًا وَكُلُّ بَعَرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ"، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِما فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ" (٣). وعن ابن عمر ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ" (٤). قال النووي: وَفِيهِ: أَنَّهُ يَنْبَغِي اِجْتِنَاب الْأَفْعَال الَّتِي تُشْبِه أَفْعَال الشَّيَاطِين، وَأَنَّ

стр. 3894

لِلشَّيَاطِينِ يَدَيْنِ (١). ومن حديث حذيفة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لا يُذْكَرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ (٢). قال النووي: مَعْنَى: (يَسْتَحِلّ) يَتَمَكَّن مِنْ أَكْله، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَتَمَكَّن مِنْ أَكْل الطَّعَام إِذَا شَرَعَ فِيهِ إِنْسَان بِغَيْرِ ذِكْر الله تَعَالَى، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَشْرَع فِيهِ أَحَد فَلَا يَتَمَكَّن، وَإِنْ كَانَ جَمَاعَة فَذَكَرَ اِسْم الله بَعْضهمْ دُون بَعْض لَمْ يَتَمَكَّن مِنْهُ، تُمَّ الصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالخَلَف مِنْ المحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاء وَالمُتكَلِّمِينَ أَنَّ هَذَا الحدِيث وَشَبَهه مِنْ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي أَكْل الشَّيْطَان مَحْمُولَة عَلَى ظَوَاهِرهَا، وَأَنَّ الشَّيْطَان يَأْكُل حَقِيقَة؛ إِذْ الْعَقْل لَا يُحِيلهُ، وَالشَّرْع لَمْ يُنْكِرهُ؛ بَلْ أَثْبَته فَوَجَبَ قَبُوله وَاعْتِقَاده، وَالله أَعْلَم (٣). وعن جابر بنِ عَبْدِ الله ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النبيّ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ الله عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ الله عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ المْبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ الله عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمُ المُبِيتَ وَالْعَشَاءَ" (٤). * * *

стр. 3895

٨ - شبهة: الشيطان يبيت على خيشوم المرء . نص الشبهة: قول النبي ﷺ : "فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ" كيف يبيت الشيطان على خيشوم الإنسان؟ كأنهم يتعجبون من ذلك وينكرونه. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أقوال العلماء على الحديث . الوجه الثاني: خصائص الشيطان ووظائفه، فلا يُقاس بالإنسان. الوجه الثالث: ملازمة الشيطان للإنسان. الوجه الرابع: السرُّ في المبيت على الخيشوم، وأمر النبي ﷺ بغسله. الوجه الخامس: بالذكر يخنس الشيطان. الوجه السادس: عداوة الشيطان للإنسان. وإليك التفصيل، الوجه الأول: أقوال العلماء على الحديث. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أُرَاهُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ" (١). خيْشُومه: هُوَ الأَنْف، وَقِيلَ: المُنْخِر، وَقَوْله: "فَلْيَسْتَنْثِرْ" أَكْثَر فَائِدَة مِنْ قَوْله: "فَلْيَسْتَنْشِقْ"؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْثَار يَقَع عَلَى الِاسْتِنْشَاق بِغَيْرِ عَكْس، ثم قال: ثُمَّ إِنَّ ظَاهِر الحَدِيث أَنَّ هَذَا يَقَع لِكُلِّ نَائِم، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَخْصُوصًا بِمَنْ لَمْ يَحْتَرِس مِنْ الشَّيْطَان بِشَيْء مِنْ الذِّكْر؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ فَإِنَّ فِيهِ: "فَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَان" (٢). وَكَذَلِكَ آيَة الْكُرْسِيّ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ: "وَلَا يَقْرَبك شَيْطَان"، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون المُرَاد بِنَفْيِ الْقُرْب هُنَا

стр. 3896

أَنَّهُ لَا يَقْرَب مِنْ المُكَان الَّذِي يُوَسْوِس فِيهِ وَهُوَ الْقَلْب، فَيَكُون مَبِيته عَلَى الْأَنْف؛ لِيَتَوَصَّل مِنْهُ إِلَى الْقَلْب إِذَا اِسْتَيْقَظَ، فَمَنْ اِسْتَنْثَرَ مَنَعَهُ مِنْ التَّوَصُّل إِلَى مَا يَقْصِد مِنْ الْوَسْوَسَة، فَحِينَئِذٍ فَالْحَدِيث مُتَنَاوِل لِكُلِّ مُسْتَيْقِظ (١). قال ابن القيم: فَعَلَّلَ بِعَدَمِ الدِّرَايَة لِمَحَلِّ المُبِيت، وَهَذَا السَّبَب ثَابِت فِي مَبِيت الشَّيْطَان عَلَى الْخَيْشُوم، فَإِنَّ الْيَد إِذَا بَاتَتْ مُلَابِسَة لِلشَّيْطَانِ لَمْ يَدْرِ صَاحِبهَا أَيْنَ بَاتَتْ، وَفِي مَبِيت الشَّيْطَان عَلَى الْخَيْشُوم وَمُلَابَسَته لِلْيَدِ سِرُّ يَعْرِفهُ مَنْ عَرَفَ أَحْكَام الْأَرْوَاح، وَاقْتِرَان الشَّيَاطِين بِالمُحَالِّ الَّتِي تُلَابِسهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَان خَبِيث يُنَاسِبهُ الْخَبَائِث، فَإِذَا نَامَ الْعَبْد لَمْ يُرَ فِي ظَاهِر جَسَده أَوْسَخ مِنْ خَيْشُومه، فَيَسْتَوْطِنهُ فِي المُبِيت، وَأَمَّا مُلَابَسَته لِيَدِهِ فِلأَنَّهَا أَعَمّ الجْوَارِح كَسْبًا وَتَصَرُّفًا وَمُبَاشَرَة لِمَا يَأْمُر بِهِ الشَّيْطَان مِنْ المعْصِيَة، فَصاحِبهَا كَثِير التَّصَرُّف وَالْعَمَل بِهَا (٢). وَمَبِيت الشَّيْطَان إِمَّا حَقِيقَة: لِأَنَّهُ أَحَد مَنَافِذ الْجِسْم يَتَوَصَّل مِنْهَا إِلَى الْقَلْب وَالمُقْصُود مِنْ الاسْتِنْثَار إِزَالَة آثَاره. وَأَمَّا مَجَازًا: فَإِنَّ مَا يَنْعَقِد فِيهِ مِنْ الْغُبَار وَالرُّطُوبَة قَذِرَات تُوَافِق الشَّيْطَان؛ فَالمُرَاد أَنَّ الْخَيْشُوم مَحَلّ قَذِر يَصْلُح لِبَيْتُوتَةِ الشَّيْطَان؛ فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ تَنْظِيفه (٣). وقال السيوطي: قَالَ عِيَاض: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ عَلَى حَقِيقَته، وَأَنْ يَكُون عَلَى الِاسْتِعَارَة؛ فَإِنَّ مَا يَنْعَقِد مِنْ الْغُبَار وَرُطُوبَة الْخَيَاشِيم قَذَارَة تُوَافِق الشَّيْطَان (٤). وإن الله تعالى قد يسلط الشيطان علي بني آدم، فإذا نام بات الشيطان على خيشومه بإذن الله ، وهذا التسليط من الله له حكمة، لكننا لا نعلم ما هي إلا أننا نعلم أنه لم يسلط إلا لحكمة (وهو غير استنثار الوضوء) (٥).

стр. 3897

قال الملا القاري: يبيت على خيشومه: يعني: أن الشيطان إذا لم يمكنه الوسوسة عند النوم لزوال الإحساس، يبيت على أقصى أنفه؛ ليلقي في دماغه الرؤيا الفاسدة، ويمنعه عن الرؤيا الصالحة؛ لأن محله الدماغ فأمر ﷺ أن يغسلوا داخل أنوفهم لإزالة لوث الشيطان ونتنه منها. (١) قال التوربشتي والقاضي: إذا نام الإنسان تجتمع الأخلاط وييبس عليه المخاط، ويكل الحس، ويتشوش الفكر، فيرى أضغاث أحلام، فإذا قام وترك الخيشوم بحاله استمر الكسل والكلال، واستعصى عليه النظر الصحيح، وعسر الخضوع والقيام بحقوق الصلاة. ثم قال التوربشتي: ما ذكره من طريق الاحتمال وحق الأدب في الكلمات النبوية أن لا يتكلم في هذا الحديث وأمثاله بشيء؛ فإن الله سبحانه قد خصه بغرائب المعاني وحقائق الأشياء ما يقصر عنه باعُ غيره، وجاء الأمر بكظم الفم في التثاؤب من أجل دخول الشيطان في الفم، ويحتمل أن تكون على الاستعارة؛ فإنه إنما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذر يوافق الشياطين (٢). وقال ابن تيمية: لما جاءت السنة بتجنب الخبائث الجسمانية والتطهر منها كذلك، جاءت بتجنب الخبائث الروحانية والتطهر منها، حتى قال: إذا قام أحدكم من الليل فليستنشق بمنخريه من الماء فإن الشيطان يبيت على خيشومه (٣). وقال أيضًا: وأما الحكمة في غسل اليد ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه خوف نجاسة تكون على اليد مثل مرور يده موضع الاستجمار مع العرق أو على زبلة ونحو ذلك. والثاني: أنه تعبد ولا يعقل معناه. والثالث: أنه من مبيت يده ملامسة للشيطان كما في الصحيحين عن أبى هريرة؛ وذكر الحديث الذي معنا (٤). ومثل هذه الأقوال نقولها في الاستنثار بعد النوم.

стр. 3898

الوجه الثاني: للشيطان خصائص وطبائع ينفرد بها عن باقي المخلوقات، فلا يقاس الشيطان بالإنسان . الجن عالم مستقل غير عالم الإنسان وعالم الملائكة، بينهم وبين الإنسان قدر مشترك من حيث الاتصاف بصفة العقل والإدراك، ومن حيث القدرة على اختيار طريق الخير والشر، ويخالفون الإنسان في أمور أهمها: أن أصل الجان مخالف لأصل الإنسان، وسُمُّوا جنًا لاجتنانهم أي: استتارهم عن العيون، وجاء في محكم التنزيل: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (الأعراف: ٢٧). وأخبرنا الله الجن خُلقوا من النار في قوله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (الحجر: ٢٧). وفي الحديث عن عائشة- ﵂ قالت: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "خُلِقَتِ الملائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الجانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ" (١). ولا شك أن خلْق الجن متقدم على خلْق الإنسان لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ (الحجر ٢٧: ٢٦). ونحن لا نعرف مِنْ خلقتهم وصورهم وحواسهم إلا ما عرفنا الله تعالى منها، فنعلم أن لهم قلوبًا ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٩). فقد صرح ﵎ بأن للجن قلوبًا وأعينًا وآذانًا، وله أيضًا صوت لقوله تعالى ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (الإسراء: ٦٤). ومن خصائص الشيطان أنه قبيح الصورة، وقد شبَّه الله ثمار شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم برؤوس الشياطين؛ لما عُلم من قبيح صورهم وأشكالهم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ

стр. 3899

تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ (الصافات ٦٥: ٦٤)، ومنها أن له قرنين، فعن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَيْ شَيْطَانٍ" (١). ومن خصائصهم: أنهم أطول عمرًا من الإنسان، وأنهم يسكنون الخراب، والفلوات، ومواضع النجاسات، والمزابل، والمقابر. وأما عن قدرات الشياطين فقد أعطاهم ما لم يعطِ البشر من القدرات؛ من ذلك: أولًا: سرعة الحركة والتنقل: قال تعالى في قصة سليمان ﵇: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (النمل: ٤٠: ٣٩). ثانيًا: سبقهم للإنسان في مجالات الفضاء: فقد كانوا يصعدون إلى أماكن متقدمة في السماء، فيسترقون أخبار السماء ليعلموا بالحدث قبل أن يكون، فلما بُعث الرسول ﷺ زيدت الحراسة في السماء: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ (الجن ٩: ٨). ثالثا: علمهم بالإعمار والتصنيع: أخبرنا الله تعالى أنه سخَّر الجن لنبيه سلمان ﵇ فكانوا يقومون له بأعمال كثيرة تحتاج إلى قدرات وذكاء ومهارات: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ (سبأ ١٣: ١٢). رابعًا: قدرتهم على التشكيل:

стр. 3900

للجن قدرة على التشكل بأشكال الإنسان والحيوان، فقد جاء الشيطان المشركين يوم بدر في صورة سراقة بن مالك، ووعد المشركين بالنصر، وفيه أُنزل: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]. خامسًا: الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم من العروق: فعن أنس ﵁ قال: قَالَ النبي ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ" (١). فمن ذلك أن مَنْ له هذه القدرات لمن اليسير عليه أن يبيت على خيشوم الإنسان أو على منخره، فلا يُقاس الجن بالإنسان، فكلٌ له طبيعته. (٢) الوجه الثالث: ملازمة الشيطان للإنسان . قال البدر العينى: ملازمة الشيطان لابن آدم من حين خروجه من ظهر أبيه إلى رحم أمه إلى حين موته أعاذنا الله منه، فهو يجري من ابن آدم مجرى الدم، وعلى خيشومه إذا نام، وعلى قلبه إذا استيقظ، فإذا غفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس ويضرب على قافية رأسه إذا نام ثلاث عقد عليك ليل طويل (٣). ومن الأدلة على ذلك: عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ؛ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا، ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] (٤).

стр. 3901

وهذا المس أن يَطْعَن الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِين يُولَد، غَيْر عِيسَى اِبْن مَرْيَم ﵇ ذَهَبَ يَطْعَن فَطَعَنَ فِي الحجَاب" (١)، أَيْ: فِي المَشِيمَة الَّتِي فِيهَا الْوَلَد، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذَا الطَّعْن مِن الشَّيْطَان هُوَ اِبْتِدَاء التَّسْلِيط، فَحَفِظَ الله مَرْيَم وَابْنهَا مِنْهُ بِبَرَكَةِ دَعْوَة أُمّهَا (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسولَ الله ﷺ قَالَ: "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ؛ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ مَكَانَهَا، عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقدْ، فَإِن اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ" (٣). عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ قَالَ ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ أَوْ قَالَ فِي أُذُنِهِ" (٤). قالَ اِبن قُتَيبة: مَعْنَاهُ: أَفْسَدَهُ، يُقَال: بَالَ فِي كَذَا إِذَا أَفْسَدَهُ، وَقَالَ المُهَلَّب وَالطَّحَاوِيُّ وَآخَرُونَ: هُوَ اِسْتِعَارَة وَإِشَارَة إِلَى اِنْقِيَاده لِلشَّيْطَانِ وَتحَكُّمه فِيهِ وَعَقْده عَلَى قَافِيَة رَأْسه: عَلَيْك لَيْل طَوِيل وَإِذْلَاله، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اِسْتَخَفَّ بِهِ وَاحْتَقَرَهُ وَاسْتَعْلَى عَلَيْهِ، يُقَال لمِنْ اِسْتَخَفَّ بِإِنْسَانٍ وَخَدَعَهُ: بَالَ فِي أُذُنه، وَأَصْل ذَلِكَ فِي دَابَّة تَفْعَل ذَلِكَ بِالْأَسَدِ إِذْلَالًا لَهُ، وَقَالَ الحرْبِيّ: مَعْنَاهُ ظَهَرَ عَلَيْهِ، وَسَخِرَ مِنْهُ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَلَا يَبْعُد أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره، قَالَ: وَخَصَّ الْأُذُن؛ لِأَنَّهَا حَاسَّة الِانْتِبَاه (٥). عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "أَمَا إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أتَى أَهْلَهُ وَقَالَ: بِسْمِ الله اللهمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَرُزِقَا وَلَدًا لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ" (٦).

стр. 3902

قَالَ القاضي: قِيلَ: المُرَاد بِأنَّهُ لَا يَضُرّهُ أنَّهُ لَا يَصْرَعهُ شَيْطَان، وَقِيلَ: لَا يَطْعَن فِيهِ الشَّيْطَان عِنْد وِلَادَته بِخِلَافِ غَيْره، قَالَ: وَلَمْ يَحْمِلهُ أَحَد عَلَى الْعُمُوم فِي جَمِيع الضَّرَر وَالْوَسْوَسَة وَالْإِغْوَاء (١). وعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ - أَوْ قَالَ جُنْحُ اللَّيْلِ - فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ؛ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقْ بَابَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ الله، وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ الله، وَأَوْكِ سِقَاءَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ الله، وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ، الله وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئًا" (٢). قالَ اِبْن الجَوْزيّ: إِنَّما خِيفَ عَلَى الصِّبْيَان فِي تِلْكَ السَّاعَة؛ لِأَنَّ النَّجَاسَة الَّتِي تَلُوذ بِهَا الشَّيَاطِين مَوْجُودَة مَعَهُمْ غَالِبًا، وَالذِّكْر الَّذِي يُحْرَز مِنْهُمْ مَفْقُود مِنْ الصِّبْيَان غَالِبًا، وَالشَّيَاطِين عِنْد اِنْتِشَارهمْ يَتَعَلَّقُونَ بِمَا يُمْكِنهُمْ التَّعَلُّق بِهِ، فَلِذَلِكَ خِيفَ عَلَى الصِّبْيَان فِي ذَلِكَ الْوَقْت وفِي اللَّيْل؛ لِأَنَّ الظَّلَام أَجْمَع لِلْقُوَى الشَّيْطَانِيَّة مِنْ غَيْره (٣). وفي حديث صفية بنت حيي أنه ﷺ قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُما سُوءًا أَوْ قَالَ: شَيْئًا" (٤). قَالَ الْقَاضِي وَغَيْره: قِيلَ: هُوَ عَلَى ظَاهِره، وَأَنَّ الله تَعَالَى جَعَلَ لَهُ قُوَّة وَقُدْرَة عَلَى الجرْي فِي بَاطِن الْإِنْسَان، كَمَا لَا يُفَارِقهُ دَمَه، وَقِيلَ: يُلْقِي وَسْوَسَته فِي مَسَامّ لَطِيفَة مِنْ الْبَدَن، فَتَصِل الْوَسْوَسَة إِلَى الْقَلْب، وَالله أَعْلَم (٥). الوجه الرابع: السر في المبيت على الخيشوم، وأمر النبى ﷺ بغسله . قال ابن حجر: فيكون مَبِيته عَلَى الْأَنْف لِيَتَوَصَّل مِنْهُ إِلَى الْقَلْب إِذَا اِسْتَيْقَظَ، فَمَنْ

стр. 3903

اِسْتَنْثَرَ مَنَعَهُ مِن التَّوَصُّل إِلَى مَا يَقْصِد مِنْ الْوَسْوَسَة (١). والخيشوم أحد منافذ الجسم يتوصل منها إلى القلب (٢). وقال ابن القيم: وَفِي مَبِيت الشَّيْطَان عَلَى الخَيْشُوم وَمُلَابَسَته لِلْيَدِ سِرٌّ يَعْرِفهُ مَنْ عَرَفَ أَحْكَام الْأَرْوَاح، وَاقْتِرَان الشَّيَاطِين بِالمحَالِّ الَّتِي تُلَابِسهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَان خَبِيث يُنَاسِبهُ الْخَبَائِث، فَإِذَا نَامَ الْعَبْد لَمْ يرَ فِي ظَاهِر جَسَده أَوْسَخ مِنْ خَيْشومه، فَيَسْتَوْطِنهُ فِي المبِيت (٣). والخيشوم يَنْعَقِد فِيهِ مِن الْغُبَار وَالرُّطُوبَة قَذِرَات تُوَافِق الشَّيْطَان، فَالمُرَاد أَنَّ الْخَيْشُوم مَحَلّ قَذِر يَصْلُح لِبَيْتُوتَةِ الشَّيْطَان (٤). والشيطان إذا لم يمكنه الوسوسة عند النوم لزوال الإحساس، يبيت على أقصى أنفه؛ ليلقي في دماغه الرؤيا الفاسدة؛ ويمنعه عن الرؤيا الصالحة؛ لأن محله الدماغ فأمر ﷺ أن يغسلوا داخل أنوفهم لإزالة لوث الشيطان ونتنه منها (٥). ومبيت الشيطان على الخيشوم لا يكون إلا بإذن الله بتسليط منه لحكمة، لكننا لا نعلم ما هي إلا أننا نعلم أنه لم يسلط إلا لحكمة (٦). ومن الأسرار أيضًا تجَنُّبِ الْخَبَائِثِ الرُّوحَانِيَّةِ، كما أمرنا بِتَجَنُّبِ الْخَبَائِثِ الجُسْمَانِيَّةِ (٧). ومن ذلك يكون السرُّ في مبيت الشيطان على الخيشوم للآتي: ١ - لحكمة يعلمها الله ﵎، ومن الأدب ألا يتكلم فيما من لا يعلمها.

стр. 3904

٢ - يبيت الشيطان على الخيشوم ليكون قريب التوصل إلى القلب إذا استيقظ. ٣ - أن الشيطان قذر وخبيث، فلا يقع إلا على الأماكن التي توافقه، والخيشوم ينعقد فيه من الغبار والرطوبة قذرات توافق الشيطان. ٤ - لما لم يتمكن الشيطان من الوسوسة عند النوم لزوال الإحساس بات على أقصى الأنف ليلقي في دماغه الرؤيا الفاسدة. وأما السر في أمر النبي ﷺ غسل الأنف بعد النوم هو كالآتي: ١ - من استنثر منع الشيطان من التوصل إلى ما يقصد من الوسوسة. ٢ - لإزالة لوث الشيطان ونتنه من مبيته عليها. ٣ - تجنب الخبائث الروحانية كما أمرنا بتجنب الخبائث الجسمانية. ومثل هذا الكلام كله يقال في وضع اليد على الفم عند التثاؤب؛ لئلا يدخل الشيطان، ويقال في الأمر بغسل اليد بعد النوم كذلك، والله أعلى وأعلم. الوجه الخامس: بالذكر يخنس الشيطان . قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (سورة الناس). قوله: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ يعني: شر الشيطان، ﴿الْخَنَّاسِ﴾: الذي يخنس مرة ويوسوس أخرى، وإنما يخنس فيما ذُكِرَ عند ذِكْرِ العبدِ رَبَّهُ (١). قال ابن كثير: هذه ثلاث صفات من صفات الرب : الربوبية، والملك، والإلهية، فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة له مملوكة؛ عبيد له، فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات من شر الوسواس الخناس؛ وهو الشيطان

стр. 3905

الموكل بالإنسان، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزين له الفواحش، ولا يألوه جهدًا في الخيال والمعصوم من عصمه الله. وعَنْ أَبِي المَلِيحِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَعَثَرَتْ دَابَّةٌ، فَقُلْتُ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: "لَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَعَاظَمَ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْبَيْتِ؛ وَيَقُولُ: بِقُوَّتي، وَلَكِنْ قُلْ: بِسْمِ الله؛ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ" (١). قال ابن كثير: فيه دلالة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان وغُلِبَ، وإن لم يذكر الله تعاظم وغَلَبَ، وقال المعتمر بن سليمان، عن أبيه: ذُكر لي أن الشيطان أو الوسواس ينفث في قلب ابن آدم عند الحزن وعند الفرح، فإذا ذكر الله خنس (٢). الوجه السادس: عداوة الشيطان للإنسان . إن الله لما خلق آدم وأمر الملائكة بالسجود إليه وكان الشيطان معهم، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا الشيطان، فإنه تكبَّر على طاعة الله، وأنِفَ أن يسجد لآدم، فأهبطه الله إلى الأرض، وأدخل آدم وزوجته الجنة، فمن هنا بدأت العداوة بين الشيطان وبين آدم وبنيه، وأصبح يفكر في كل مدخل يدخل به عليهم، كي يُدخلهم معه النار؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. وقال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ

стр. 3906

وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٢: ١٧]، وغير ذلك من الآيات. قال ابن كثير: وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تنفير عنه وتحذير منه؛ كما قال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] (١). وقال الطبرى: يعني: أنه قد أبان لكم عداوته بِإِبائه عن السجود لأبيكم، وغروره إياه؛ حتى أخرجه من الجنة، واستزله بالخطيئة، وأكل من الشجرة؛ يقول تعالى ذكره: فلا تنتصحوه أيها الناس مع إبانته لكم العداوة ودعوا ما يأمركم به والتزموا طاعتي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه مما أحللته لكم وحرمته عليكم (٢). عن أبو هُرَيْرَةَ ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ بَني آدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا". ثُمَّ يَقُولُ أَبو هُرَيْرَةَ ﵁: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٣). وعَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبائِكَ وَآباءِ أَبِيكَ، فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بطَرِيقِ الهِجْرَةِ، فَقَالَ: تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؛ وَإِنَّما مَثَلُ المُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الجِهَادِ، فَقَالَ: تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالمالِ؛ فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ المرْأَةُ وَيُقْسَمُ المالُ، فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى الله أَنْ يُدْخِلَهُ الجنّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى الله

стр. 3907

عزَّ وجل أَنْ يُدْخِلَهُ الجنّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى الله أَنْ يُدْخِلَهُ الجنّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى الله أَنْ يُدْخِلَهُ الجنّةَ" (١). وعن جابر ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ" (٢). وعنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ، فَيَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً" (٣). وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجنِّ"، قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسولَ الله؟ ! قَالَ: "وَإِيَّاىَ؛ إِلاَّ أَنَّ الله أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلا يَأْمُرُنى إِلاَّ بِخَيْرٍ" (٤). قال النووي: في هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه، فأعلمنا بأنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان (٥). * * *

стр. 3908

٩ - شبهة: في حديث إدبار الشيطان وله ضراط . نص الشبهة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: إِذَا نُودِيَ لِلصلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى. والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: معنى قول النبي ﷺ : أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ . الوجه الثاني: الحكمة من إدبار الشيطان من الأذان. الوجه الثالث: العلة من هروب الشيطان من الأذان دون غيره من الطاعات. الوجه الرابع: الجن يأكلون ويشربون ويتغوطون. الوجه الخامس: فضل الأذان، وأنه يطرد الشياطين. الوجه السادس: حال الجن - أو الروح - كما في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل، الوجه الأول: معنى قول النبي ﷺ : أدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاط. قَالَ القاضي عِيَاض: يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِره لِأنَّهُ جِسْمٌ مُتَغَذٍّ يَصِحّ مِنْهُ خُرُوج الرِّيح، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا عِبَارَة عَنْ شِدَّة نِفَارهِ، وَيُقَوِّيهِ رِوَايَة لِمُسْلِمٍ "لَهُ حصَاصٌ"، أي شِدَّةِ الْعَدْوِ، وقَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ شُغْلَ الشَّيْطَان نَفْسه عَنْ سَمَاع الْأَذَان بِالصَّوْتِ الَّذِي يَمْلَأ السَّمْع وَيَمْنَعهُ عَنْ سَمَاع غَيْره، ثُمَّ سَمَّاهُ ضُرَاطًا تَقْبِيحًا لَهُ (١).

стр. 3909

فإن الأذان لو لم يكن له فضل عظيم يتأذى منه الشيطان، لم يهرب منه، فمن حصول هذا الفضل للتأذين يحصل أيضًا للمؤذن، فإنه لا يقوم إلا به. قوله: "أدبر الشيطان": الإدبار نقيض الإقبال يقال دبر وأدبر إذا ولى والألف، واللام في الشيطان للعهد والمراد الشيطان المعهود، قوله: "له ضراط" هذا تمثيل لحال الشيطان عند هروبه من سماع الأذان؛ بحال من خرقه أمر عظيم واعتراه خطب جسيم؛ حتى لم يزل يحصل له الضراط من شدة ما هو فيه، لأن الواقع في شدة عظيمة من خوف وغيره، تسترخي مفاصله، ولا يقدر على أن يملك نفسه، فينفتح منه مخرج البول والغائط، ولما كان الشيطان لعنه الله يعتريه شدة عظيمة وداهية جسيمة عند النداء إلى الصلاة؛ فيهرب حتى لا يسمع الأذان. شبه حاله بحال ذلك الرجل، وأثبت له على وجه الادعاء الضراط الذي ينشأ من كمال الخوف الشديد، وفي الحقيقة ما ثم ضراط ولكن يجوز أن يكون له ريح لأنه روح ولكن لم تعرف كيفيته. (١) الوجه الثاني: الحكمة من إدبار الشيطان من الأذان . والعلة والحكمة من إدبار الشيطان؛ بينها لنا الرسول ﷺ في الحديث الذي معنا وهو قوله: "حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ". قال ابن حجر: قَوْله: "حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِين" ظَاهِره أنَّهُ يَتَعَمَّد إِخْرَاجَ ذَلِكَ: ١ - إِمَّا لِيَشْتَغِلَ بِسَمَاعِ الصَّوْت الَّذِي يُخْرِجُهُ عَنْ سَمَاع المُؤَذِّن. ٢ - أَوْ يَصْنَع ذَلِكَ اِسْتِخْفَافًا كَمَا يَفْعَلهُ السُّفَهَاءُ. ٣ - وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ بَلْ يَحْصُلُ لَهُ عِنْدَ سَمَاع الْأَذَان شِدَّةُ خَوْفٍ يُحدِثُ لَهُ ذَلِكَ الصَّوْت بِسَبَبِهَا. ٤ - وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ لِيُقَابِل مَا يُنَاسِب الصَّلَاة مِن الطَّهَارَة بِالحدَثِ.

стр. 3910

وقَوْلَهُ: "حَتَّى لَا يَسْمَعَ" ظَاهِرٌ فِي أنَّهُ يَبْعُدُ إِلَى غَايَةٍ يَنْتَفِي فِيهَا سَمَاعُهُ لِلصَّوْتِ، وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ الْغَايَة فِي رِوَايَةٍ لمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث جَابِر ﵁ فَقَالَ: "حَتَّى يَكُون مَكَانَ الرَّوْحَاء وَبَيْن المَدِينَة وَالرَّوْحَاء سِتَّةً وَثَلَاثِينَ مِيلًا". (١) ٥ - وإنما كان الشيطان ينفر منه؛ لأنه جامع لعقيدة الإيمان، مشتمل على نوعيه العقليات والسمعيات؛ لأنه ابتدأ أولا بالذات وما يستحقه من الكمال بقوله الله أكبر. ثم أثبت الوحدانية، ونفى ضدها من الشرك، ثم أثبت الرسالة، ثم دعا إلى الصلاة وجعلها عقب إثبات الرسالة، إذ معرفة وجوبها من جهته لا من جهة العقل، ثم دعا إلى الفلاح وهو الفوز والبقاء في النعيم الدائم، وفيه إشعار بأمور الآخرة من بعث وجزاء. وذلك كله متضمن لتأكيد الإيمان، ومزيد الإيقان، فلذلك نفر منه الشيطان. ٦ - (حتى) أي: كي (لا يسمع صوته) أي: صوت المؤذن بالتأذين لما اشتمل عليه من قواعد الدين وإظهار شرائع الإسلام، قال أبو زرعة: والظاهر أن هربه إنما يكون من أذان شرعي مستجمع للشروط، واقع بمحله، أريد به الإعلام بالصلاة فلا أثر لمجرد صورته. (٢) الوجه الثالث: العلة من هروب الشيطان من الأذان دون غيره من الطاعات . ١ - إنما يهرب من الأذان حتى لا يشهد بما سمعه إذا استشهد يوم القيامة؛ لأنه جاء في الحديث "لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة" (٣) والشيطان أيضا شيء أو هو داخل في الجن لأنه من الجن. فإن قلت إنه يُدْبر لعظم أمر الأذان لما اشتمل عليه من قواعد الدين وإظهار شعائر الإسلام وإعلانه وقيل ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد؛ فإن قلت كيف يهرب من الأذان ويدنو من الصلاة وفيها القران ومناجاة الحق؟ قلت هروبه من الآذان ليأسه من الوسوسة كما ذكرناه

стр. 3911

وفى الصلاة يفتح له أبواب الوساوس. (١) ٢ - قَالَ اِبْن الجَوْزِيّ: عَلَى الْأَذَان هَيْبَةٌ يَشْتَدّ اِنْزِعَاجُ الشَّيْطَان بِسَبَبِهَا، لِأنَّهُ لَا يَكَاد يَقَعُ فِي الْأَذَان رِيَاء وَلَا غَفْلَةٌ عِنْدَ النُّطْق بِهِ، بِخِلَافِ الصَّلَاة، فَإِنَّ النَّفْس تَحْضُرُ فِيهَا فَيَفْتَحُ لَهَا الشَّيْطَان أَبْوَاب الْوَسْوَسَة. قَالَ اِبْن بَطَّالٍ: يُشْبِه أَنْ يَكُونَ الزَّجْرُ عَنْ خُرُوجِ المرْءِ مِنْ المسْجِد بَعْدَ أَنْ يُؤَذِّنَ المُؤَذِّنُ مِنْ هَذَا المَعْنَى، لِئَلَّا يَكُونَ مُتَشَبِّهًا بِالشَّيْطَانِ الَّذِي يَفرُّ عِنْدَ سَمَاع الْأَذَان (٢). الوجه الرابع: إثبات أن الجن يأكلون ويشربون ويتغوطون: غالب ما يسكن الجن في مواضع المعاصي، والنجاسات، كالحمامات والحشوش والمزابل، فعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ رَسُول الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ فَإِذَا أتَى أَحَدُكُمْ الخَلَاءَ فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِالله مِن الْخُبُثِ وَالخَبَائِثِ". (٣) والمحضرة: مكان حضور الجن والشياطين. وقد جاءت الآثار بالنهي عن الصلاة في هذه الأماكن، ومن أزواد الجن العظام، ففي الحديث: أن الجن سألوا رسول الله ﷺ الزاد، فقال: "كُلُّ عَظْمٍ يُذْكَرُ اسْمُ الله عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ، أَوْفَرَ مَا كَانَ لَحمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ أَوْ رَوْثَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ". (٤) وقد نهى النبي ﷺ أن يُستنجى بالعظم والروث، وقال: إنه زَادُ إِخْوَانِكُمْ الجِنِّ. (٥) إذا ثبت ذلك فلا مانع أن يدبر الشيطان حينما يسمع الأذان وله ضراط كما ثبت في الحديث. الوجه الخامس: فضل الأذان، وأنه يطرد الشياطين .

стр. 3912

إن الأذان عبادة من أعظم شعائر الإسلام وأشهر معالم الدين، وقد وقعت المواظبة عليها منذ شرعها الله سبحانه إلى أن مات رسول الله ﷺ في ليل ونهار وسفر وحضر، ولم يُسمع أنه وقع الإخلال بها أو الترخيص في تركها، والنبي ﷺ قد جعله علامة للإسلام ودلالة على التمسك فيه، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ. (١) وللأذان فضل عظيم، فمن فضله أن الشيطان ينفر ويهرب عند سماع، كلمات الأذان لما فيه من إعلان التوحيد لله رب العالمين، وإظهار شعائر الإسلام، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا، لِما لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى" (٢). وعَنْ سُهَيْلٍ قَالَ: أَرْسَلَني أَبِي إِلَى بَنِي حَارِثَةَ قَالَ وَمَعِي غُلَامٌ لَنَا أَوْ صَاحِبٌ لَنَا فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ بِاسْمِهِ قَالَ: وَأَشْرَفَ الَّذِي مَعِي عَلَى الحائِطِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي؛ فَقَالَ: لَوْ شَعَرْتُ أنَّكَ تَلْقَ هَذَا لَمْ أُرْسِلْكَ، وَلَكِنْ إِذَا سَمِعْتَ صَوْتًا فنادِ بِالصَّلَاةِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أنَّهُ قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ وَلَّى وَلَهُ حُصاصٌ". (٣) وعن أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ أنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أبا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاك تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ وَبَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ (٤).

стр. 3913

قال ابن حجر: السِّرُّ فِي هَذِهِ الشَّهَادَة مَعَ أَنَّهَا تَقَعُ عِنْدَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ؛ أَنَّ أَحْكَامَ الْآخِرَةِ جَرَتْ عَلَى نَعْتِ أَحْكَامِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا مِنْ تَوْجِيهِ الدَّعْوَى وَالجَوَابِ وَالشَّهَادَةِ، قَالَهُ الزَّيْنُ بْنُ المُنِير. وَقَالَ التوربشتي: المُرَاد مِنْ هَذِهِ الشَّهَادَة اِشْتِهَارُ المَشْهُود لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَة بِالْفَضْلِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، وَكَما أَنَّ الله يَفْضَحُ بِالشَّهَادَةِ قَوْمًا فَكَذَلِكَ يُكْرِمُ بِالشَّهَادَةِ آخَرِينَ. (١) وعن مُعَاوِيةُ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقُولُ: المُؤذِّنونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (٢) قال النووى: فَقَوْله ﷺ : "المُؤَذِّنونَ أَطْوَل النَّاس أَعْنَاقًا" هُوَ بِفَتْحِ هَمْزَة أَعْنَاقًا جَمع عُنُق، وَاخْتَلَفَ السَّلَف وَالْخَلَف فِي مَعْنَاهُ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَكْثَر النَّاس تَشَوُّفًا إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى؛ لِأَنَّ المتشَوِّف يُطِيل عُنُقه إِلَى مَا يَتَطَلَّع إِلَيْهِ. فَمَعْنَاهُ كَثْرَة مَا يَرَوْنَهُ مِن الثَّوَاب. وَقَالَ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ: إِذَا أَلجمَ النَّاسَ الْعَرَقُ يَوم الْقِيَامَة طَالَتْ أَعْنَاقهمْ لِئَلَّا يَنَالهُمْ ذَلِكَ الْكَرْب وَالْعَرَق. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ سَادَة وَرُؤَسَاء، وَالْعَرَب نِصْف السَّادَة بِطُولِ الْعُنُق. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَكْثَر أَتْبَاعًا. وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ: مَعْنَاهُ أَكْثَر النَّاس أَعْمَالًا. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره: وَرَوَاهُ بَعْضهمْ (إِعْنَاقًا) بِكَسْرِ الهَمْزَة أَيْ إِسْرَاعًا إِلَى الجْنَّة، وَهُوَ مِنْ سَيْر الْعُنُق (٣). الوجه السادس: حال الجن - أو الروح - كما في الكتاب المقدس . أرواح شريرة: (لوقا ٢١: ٧). وَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ شَفَى كَثِيرِينَ مِنْ أَمْرَاضٍ وَأَدْوَاءٍ وَأَرْوَاحٍ شِرِّيرَةٍ، وَوَهَبَ الْبَصَرَ لِعُمْيَانٍ كَثِيرِينَ. أرواح نجسة: (متى ١: ١٠). ثُمَّ دَعَا تَلامِيذَهُ الاثْنَيْ عَشَرَ وَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا عَلَى أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ حَتَّى يُخْرِجُوهَا، وَيَشْفُوا كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ. أرواح مضلة: (١ تيموثاوس ١: ٤): وَلكِنَّ الرُّوحَ يَقُولُ صَرِيحًا: إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ، (١ يوحنا ٦: ٤)

стр. 3914

روح عرافة: (أعمال ١٦: ١٦) ١٦ وَحَدَثَ بَيْنَمَا كُنَّا ذَاهِبِينَ إِلَى الصَّلاةِ، أَنَّ جَارِيَةً بِهَا رُوحُ عِرَافَةٍ اسْتَقْبَلَتْنَا. وَكَانَتْ تُكْسِبُ مَوَالِيَهَا مَكْسَبًا كَثِيرًا بِعِرَافَتِهَا. جان: (لاويين ٣١: ١٩) لا تَلْتَفِتُوا إِلَى الجَانِّ وَلا تَطْلُبُوا التَّوَابعَ، فَتَتَنَجَّسُوا بِهِمْ. أنا الرَّبُّ إِلهُكُمْ. صموئيل الأول الإصحاح ٢٨: وَلمَّا رَأَى شَاوُلُ جَيْشَ الْفِلِسْطِينيِّينَ خَافَ وَاضْطَرَبَ قَلْبُهُ جدًّا. ٦ فَسَأَلَ شَاوُلُ مِنَ الرَّبِّ، فَلَمْ يُجِبْهُ الرَّبُّ لا بِالأَحْلامِ وَلا بِالأُورِيمِ وَلا بِالأنبِيَاءِ. والعرافة: (لاويين ٢٧: ٢٠): "وَإِذَا كَانَ فِي رَجُل أَوِ امْرَأَةٍ جَانٌّ أَوْ تَابِعَةٌ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. بِالحجَارَةِ يَرْجُمُونَهُ. دَمُهُ عَلَيْهِ". (كورنثوس الثانية ١٤: ١١ - ١٥): وَلا عَجَبَ. لأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاكِ نُورٍ! ١٥ فَلَيْسَ عَظِيمًا إِنْ كَانَ خُدَّامُهُ أَيْضًا يُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ كَخُدَّامٍ لِلْبِرِّ. الَّذِينَ نِهَايَتُهُمْ تَكُونُ حَسَبَ أَعْمالهِمْ. * * *

стр. 3915

١٠ - شبهة: العين حق . نص الشبهة: في حديث عن النبي ﷺ : "الْعَيْنُ حَقٌّ" كيف يكون للعين قدرة على النفع والضرر، وهل ذلك مخالف لقدرة الله؟ . والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: إثبات أن العين حق من القرآن والسنة . الوجه الثاني: كيف يكون للعين تأثير؟ وأن هذا واقع في عالمنا. الوجه الثالث: ماذا يفعل المعيون عند إصابته بالعين؟ الوجه الرابع: العين والحسد في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: إثبات أن العين حق من القرآن والسنة. أولًا: من القرآن: قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)﴾ [القلم: ٥١]. قال الإمام الطبرى: يقول جل ثناؤه: وإن يكاد الذين كفروا يا محمد ينفذونك بأبصارهم من شدة عداوتهم لك، ويزيلونك فيرموا بك عند نظرهم إليك غيظًا عليك، وقد قيل: إنه عنى بذلك: وإن يكاد الذين كفروا مما عانوك (١) بأبصارهم ليرمون بك يا محمد ويصرعونك كما تقول العرب: كاد فلان يصرعني بشدة نظره إليَّ، قالوا: وإنما كانت قريش عاينوا رسول الله ﷺ ليصيبوه بالعين فنظروا إليه ليعينوه، وقالوا: ما رأينا رجلًا مثله أو إنه لمجنون، فقال الله لنبيه عند ذلك: وإن يكاد الذين كفروا ليرمونك بأبصارهم ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾. (٢)

стр. 3916

وقال ابن كثير: وقوله: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ لينفذونك بأبصارهم، أي: ليعينونك بأبصارهم، بمعنى: يحسدونك لبغضهم إياك لولا وقاية الله لك، وحمايته إياك منهم، وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق، بأمر الله كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة. (١) ثانيًا: من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "الْعَيْنُ حَقٌّ وَنَهَى عَن الْوَشْمِ". (٢) وعَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﷺ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا". (٣) وعَن أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يتَعَوَّذُ مِن الجانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ حَتَّى نَزَلَتْ المُعَوِّذتانِ فَلَمَّا نَزَلَتَا أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا. (٤) وعن عَبْدِ الله بْنِ عَامِرٍ قَالَ: انْطَلَقَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يُرِيدَانِ الْغُسْلَ قَالَ فَانْطَلَقَا يَلْتَمِسَانِ الْخَمَرَ قَالَ فَوَضَعَ عَامِرٌ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ صوفٍ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَأَصَبْتُهُ بِعَيْنِي، فَنزلَ الماءَ يَغْتَسِلُ، قَالَ: فَسَمِعْتُ لَهُ فِي الماءِ قَرْقَعَةً فَأتيْتُهُ فَنَادَيْتُهُ ثَلَاثًا فَلَمْ يُجِبْنِي، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَجَاءَ يَمشي فَخَاضَ الماءَ كَأنّي أنظر إِلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ، قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: اللهمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ حَرَّهَا وَبَرْدَهَا وَوَصَبَهَا، قَالَ: فَقَامَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ أَوْ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ مَالِهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيُبَرِّكْهُ فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ. (٥) الوجه الثاني: كيف يكون للعين تأثير؟ وأن هذا واقعي في عالمنا .

стр. 3917

قال ابن حجر: وَقَدْ أَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَى بَعْض النَّاس فَقَالَ: كَيْف تَعْمَل الْعَيْن مِنْ بُعْد حَتَّى يَحْصُل الضَّرَر لِلْمَعْيُون؟ وَالجَوَاب: أَنَّ طَبَائِع النَّاس تَخْتَلِف، فَقَدْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ سُمّ يَصِل مِنْ عَيْن الْعَائِن فِي الْهَوَاء إِلَى بَدَن المُعْيُون؛ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْض مَنْ كَانَ مِعْيَانًا أنَّهُ قَالَ: إِذَا رَأَيْت شَيْئًا يُعْجِبنِي وَجَدْت حَرَارَة تَخْرُج مِنْ عَيْنِي. وَيَقْرَب ذَلِكَ بِالمرْأَةِ الحائِض تَضَع يَدهَا فِي إِنَاء اللَّبَن فَيَفْسُد، وَلَوْ وَضَعَتْهَا بَعْد طُهْرهَا لَمْ يُفْسِد، وَكَذَا تَدْخُل الْبُسْتَان فَتَضُرّ بِكَثِيرٍ مِن الْغُرُوس مِنْ غَيْر أَنْ تَمَسّهَا يَدهَا، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحِيح قَدْ يَنْظُر إِلَى الْعَيْن الرَّمْدَاء فَيَرْمَد، وَيَتَثَاءَب وَاحِد بِحَضْرَتِهِ فَيَتَثَاءَب هُوَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْن بَطَّال. (١) وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي الحَدِيث أَنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا فِي النُّفوس، وَإِبْطَال قَوْل الطَّبائِعيِّينَ أنَّهُ لَا شَيْء إِلَّا مَا تُدْرِك الحوَاسّ الْخَمْس وَمَا عَدَا ذَلِكَ لَا حَقِيقَة لَهُ. وَقَالَ المازِرِيّ: زَعَمَ بَعْض الطَّبَائِعِيِّينَ أَنَّ الْعَائِن يَنْبَعِث مِنْ عَيْنه قُوَّة سمِّيَّة تَتَّصِل بِالمُعِينِ فَيَهْلِك أَوْ يَفْسُد، وَهُوَ كَإِصَابَةِ السُّمّ مَنْ نَظَر الْأَفاعِي، وَأَشَارَ إِلَى مَنْع الحصْر فِي ذَلِكَ مَعَ تَجْوِيزه، وَأَنَّ الَّذِي يَتَمَشَّى عَلَى طَرِيقَة أَهْل السُّنَّة أَنَّ الْعَيْن إِنَّمَا تَضُرّ عِنْد نَظَر الْعَائِن بِعَادَةٍ أَجْرَاهَا الله تَعَالَى أَنْ يَحْدُث الضَّرَر عِنْد مُقَابَلَة شَخْص لِآخَر، وَهَلْ ثَمَّ جَوَاهِر خَفِيَّة أَوْ لَا؟ هُوَ أَمْر محُتمَل لَا يُقْطَع بِإِثْبَاتِهِ وَلَا نَفْيِهِ، حتى إنَّ جِنْسًا مِن الْأَفاعِي اُشْتُهِرَ أَنَّهَا إِذَا وَقَعَ بَصَرهَا عَلَى الْإِنْسَان هَلَكَ فَكَذَلِكَ الْعَائِن. وَالحَاصِل أَنَّ التَّأْثِير بإِرَادَةِ الله تَعَالَى وَخَلْقه ليْسَ مَقْصُورًا عَلَى الاتِّصَال الجُسْمَانِيّ، بَلْ يَكُون تَارَة بِهِ وَتَارَة بِالمُقَابَلَةِ، وَأُخْرَى بمجرد الرُّؤْيَة وَأُخْرَى بِتَوَجُّهِ الرُّوح، كَالَّذِي يَحْدُث مِن الْأَدْعِيَة وَالرُّقَى وَالِالْتِجَاء إِلَى الله، وَتَارَة يَقَع ذَلِكَ بِالتَّوَهُّمِ وَالتَّخَيُّل، فَالَّذِي يَخْرُج مِنْ عَيْن الْعَائِن سَهْم مَعْنَوِيّ إِنْ صَادَفَ الْبَدَن لَا وِقَايَة لَهُ أثَّرَ فِيهِ، وَإِلَّا لَمْ يَنْفُذ السَّهْم، بَلْ رُبَّما رُدَّ عَلَى صَاحِبه كَالسَّهْمِ الحسِّيّ سَوَاء. (٢)

стр. 3918

قال النووى: وَمَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّ الْعَيْن إِنَّمَا تَفْسُد وَتَهْلَك عِنْد نَظَر الْعَائِن بِفِعْلِ الله تَعَالَى، أَجْرَى الله الْعَادَة أَنْ يَخْلُق الضَّرَر عِنْد مُقَابَلَة هَذَا الشَّخْص لِشَخْصٍ آخَر. (١) ويقول ابن القيم: وَلَا رَيْبَ أَنّ الله سُبْحَانَهُ خَلَقَ فِي الْأَجْسَامِ وَالْأَرْوَاحِ قُوًى وَطَبَائِع مُخُتَلِفَةً، وَجَعَلَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا خَوَاصّ وَكَيْفِيّاتٍ مُؤَثّرَةً، وَلَا يُمْكِنُ لِعَاقِلٍ إنْكَارُ تَأْثِيرِ الْأَرْوَاحِ فِي الْأَجْسَامِ فَإِنّهُ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ مَحْسُوسٌ، وَأَنْتَ تَرَى الْوَجْهَ كَيْفَ يَحْمَرّ حُمْرَةً شَدِيدَةً إذَا نَظَرَ إلَيْهِ مِنْ يَحْتَشِمُهُ وَيَسْتَحِي مِنْهُ، وَيَصْفَرّ صفرة شَدِيدَةً عِنْدَ نَظَرِ مَنْ يَخَافُهُ إلَيْهِ، وَقَدْ شَاهَدَ النّاسُ مَنْ يَسْقَمُ مِن النّظَرِ وَتَضْعُفُ قُوَاهُ وَهَذَا كُلّهُ بِوَاسِطَةِ تَأْثِيرِ الْأَرْوَاحِ وَلشِدّةِ ارْتبَاطِهَا بِالْعَيْنِ يُنْسَبُ الْفِعْلُ إلَيْهَا وَلَيْسَتْ هِيَ الْفَاعِلَةَ؛ وَإِنّمَا التّأْثِيرُ لِلرّوحِ، وَالْأَرْوَاحُ مُخْتلِفَةٌ فِي طَبَائِعِهَا وَقُوَاهَا وَكَيْفِيّاتِهَا وَخَوَاصّهَا، فَرُوحُ الحَاسِدِ مُؤْذِيَةٌ لِلْمَحْسُودِ أَذًى بَيّنًا وَلِهَذَا أَمَرَ الله - سُبْحَانَهُ - رَسُولَهُ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ مِنْ شَرِّه، وَتَأْثِيرُ الحاسِدِ فِي أَذَى المَحْسُودِ أَمْرٌ لَا يُنْكِرُهُ إلّا مَنْ هُوَ خَارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِنْسَانِيّةِ وَهُوَ أَصْلُ الْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ؛ فَإِنّ النّفْسَ الْخَبِيثَةَ الحاسِدَةَ تَتكَيّفُ بِكَيْفِيّةٍ خَبِيثَةٍ وَتُقَابِلُ المحْسُودَ فَتُؤَثّرُ فِيهِ بِتِلْكَ الخاصّيّةِ، وَأَشْبَهُ الْأَشْيَاءِ بِهَذَا الْأَفْعَى فَإِنّ السّمّ كَامِنٌ فِيهَا بِالْقُوّةِ، فَإِذَا قَابَلَتْ عَدُوّهَا انْبَعَثَتْ مِنْهَا قُوّةٌ غَضَبِيّةٌ وَتَكَيّفَتْ بِكَيْفِيّةٍ خَبِيثَةٍ مُؤْذِيَةٍ، فَمِنْهَا مَا تَشْتَدّ كَيْفِيّتُهَا وَتَقْوَى حَتّى تُؤَثّرَ فِي إسْقَاطِ الجَنِينِ، وَمنْهَا مَا تُؤَثّرُ فِي طَمْسِ الْبَصَرِ كَمَا قَالَ النّبِيِّ ﷺ في الْأَبْتَرِ وَذِي الطّفْيَتَيْنِ مِنْ الحيّاتِ إنهما يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ وَيُسْقِطَانِ الحَبَل. وَكَثيرٌ مِن الْعَائِنِينَ يُؤَثّرُ فِي المعِينِ بِالْوَصْفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِنَبِيّهِ: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم: ٥١]. (٢) وقيل: كانت العين في بني أسد، حتى إن البقرة السمينة أو الناقة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها ثم يقول: يا جارية، خذي المكتل والدرهم فأتينا بلحم هذه الناقة، فما تبرح حتى

стр. 3919

تقع للموت فتنحر، وقال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئًا يومين أو ثلاثة، ثم يرفع جانب الخباء فتمر به الإبل أو الغنم فيقول: لم أرَ كاليوم إبلًا ولا غنمًا أحسن من هذه! فما تذهب إلا قليلًا حتى تسقط منها طائفة هالكة. فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي ﷺ بالعين فأجابهم، فلما مر النبي ﷺ أنشد: قد كان قومك يحسبونك سيدًا ... وأخال أنك سيد معيون فعصم الله نبيه ﷺ ونزلت: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ﴾ وذكر نحوه الماوردي. وأن العرب كانت إذا أراد أحدهم أن يصيب أحدًا - يعني في نفسه وماله - تجوع ثلاثة أيام، ثم يتعرض لنفسه وماله فيقول: تالله ما رأيت أقوى منه، ولا أشجع، ولا أكثر منه، ولا أحسن! فيصيبه بعينه فيهلك هو وماله، فأنزل الله تعالى هذه الآية. (١) الوجه الثالث: ماذا يفعل المعيون عند إصابته بالعين ؟ ١ - الوضوء: أَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِعِلْمِ الْفِقْه فَإِنَّ الشَّرْع وَرَدَ بِالْوُضُوءِ لهذَا الْأَمْر فِي حَدِيث سَهْل بْن حُنَيْف لمَّا أُصِيب بِالْعَيْنِ عِنْد اِغْتِسَاله فَأَمَرَ النَّبِيّ ﷺ عَائِنه أَنْ يَتَوَضَّأ. وَصِفَة وُضُوء الْعَائِن عِنْد الْعُلَمَاء: أَنْ يُؤْتَى بِقَدَحِ مَاء، وَلَا يُوضَع الْقَدَح فِي الْأَرْض، فَيَأْخُذ مِنْهُ غَرْفَة فَيَتَمَضْمَض بِهَا، ثُمَّ يَمُجّهَا فِي الْقَدَح، ثُمَّ يَأْخُذ مِنْهُ مَاء يَغْسِل وَجْهه، ثُمَّ يَأْخُذ بِشِمَالِهِ مَاء يَغْسِل بِهِ كَفّه الْيُمْنَى، ثُمَّ بِيَمِينِهِ مَاء يَغْسِل بِهِ مِرْفَقه الْأَيْسَر، وَلَا يَغْسِل مَا بَيْن المرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يَغْسِل قَدَمَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ الْيُسْرَى عَلَى الصِّفَة المتقَدِّمَة، وَكُلّ ذَلِكَ فِي الْقَدَح، ثُمَّ دَاخِلَة إِزَاره، وَهُوَ الطَّرَف المُتَدَلِّي الَّذِي يلي حِقْوه الْأَيْمَن. (٢) ٢ - الرقية: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ، فَقَالَ: "اسْتَرْقُوا لها فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ". (٣)

стр. 3920

وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَأْمُرُهَا أَنْ تَسْتَرْقِيَ مِن الْعَيْنِ. (١) وعَنْ أنسٍ ﵁ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ الله ﷺ فِي الرُّقْيَةِ مِن الْعَيْنِ، وَالحُمَةِ وَالنَّمْلَةِ. (٢) ٣ - القرآن والأذكار: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ بَعْضَهُمْ يَمْسَحُهُ بِيَمِينِهِ "أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا". (٣) وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ إِذَا اشْتكَى رَسُولُ الله ﷺ رَقَاهُ جِبْرِيلُ قَالَ: "بِاسْمِ الله يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ وَشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ". (٤) وعَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُعَوِّذُ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ يَقُولُ: "أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ، وَيَقُولُ هَكَذَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يُعَوِّذُ إِسْحَقَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵈. (٥) الوجه الرابع: العين والحسد في الكتاب المقدس . ورد في رسالة تيطس (٣/ ٣): لأنَّنَا كُنَّا نَحْنُ أَيْضًا قَبْلًا أَغْبِيَاءَ، غَيْرَ طَائِعِينَ، ضَالِّينَ، مُسْتَعْبَدِينَ لِشَهَوَاتٍ وَلَذَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَائِشِينَ فِي الْخُبْثِ وَالْحَسَدِ، مَمْقُوتِينَ، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا. وفي (التثنية ١٨: ٩ - ١٣): وَلا مَنْ يَرْقِي رُقْيَةً وَلا مَنْ يَسْأل جَانًّا أَوْ تَابِعَةً وَلا مَنْ يَسْتَشِيرُ المَوْتَى؛ لأَنَّ كُل مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الرَّبِّ. وَبِسَبَبِ هَذِهِ الأَرْجَاسِ الرَّبُّ إِلهُكَ طَارِدُهُمْ مِنْ أَمَامِكَ. * * *

стр. 3921

١١ - شبهة: سجود الشمس تحت العرش . نص الشبهة: سجود الشمس تحت العرش عند كل غروب، كيف ذلك؟ . والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: نص الحديث. الوجه الثاني: أن هذا نوع من أنواع العبودية التي ذكرها العلماء وهي عبودية الكائنات. الوجه الثالث: قدرة الله فوق كل شىء. الوجه الرابع: عدم العلم ليس دليلًا على العدم. الوجه الخامس: ليس معنى سجودها في الغروب الغروب. الوجه السادس: معنى السجود. الوجه السابع: وقيل المقصود بالسجود أن الشمس إنما تسجد مرة واحدة وذلك عند محاذاتها لباطن عرش الرحمن. الوجه الثامن: أن الشمس لها سجدتان. الوجه التاسع: فائدة علمية. الوجه العاشر: وقيل المقصود بالسجود سجود الظل. الوجه الحادي عشر: لم يثبت حد لمدة وقوفها عند السجود. الوجه الثانى عشر: لا يلزم أن يكون سجودها كسجود الآدميين. الوجه الثالث عشر: الجهل بحقيقة الشمس. الوجه الرابع عشر: الجهل بكنه العرش. الوجه الخامس عشر: أن الشمس تعتبر ساجدة في كل مكان. الوجه السادس عشر: الرد على النصارى بما عندهم. وإليك التفصيل،

стр. 3922

الوجه الأول: نص الحديث . عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ: "يَا أَبا ذَرٍّ، أتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ قَالَ: قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ عِنْدَ رَبِّها، فَتَسْتَأْذِنُ فِي الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لها، فَيُوشِكُ أَنْ تَسْتَأْذِنَ فَلا يُؤذَنُ لَهَا، حَتَّى تَسْتَشْفِعَ وَتَطْلُبَ، فَإِذَا طَالَ عَلَيْهَا قِيلَ لها: اطْلُعِي مِنْ مَكَانِكِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾. وفي لفظ آخر عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال يومًا: "أتدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ". قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ تَجْرِى حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلا تَزَالُ كَذَلِكَ؛ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيثُ جِئْتِ؛ فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا؛ ثُمَّ تَجْرِى؛ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلا تَزَالُ كَذَلِكَ؛ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ؛ فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا؛ ثُمَّ تَجْرِى لا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئًا؛ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْشِ؛ فَيُقالُ لَهَا ارْتَفِعِي؛ أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ؛ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ ذَاكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا" (١). الوجه الثاني: أن هذا نوع من أنواع العبودية التي ذكرها العلماء وهي عبودية الكائنات . فالله قد خلق جميع الكائنات؛ إنسها، وجنها، وملائكتها، وحيوانها، وجمادها، ونباتها، وغيرها من الكائنات لعبادته وفطرها على توحيده، والاعتراف بإلوهيته، والإقرار بفقرها وحاجتها وخضوعها وصمودِها له . فكل هذه الكائنات تقوم بعبادة الله ، ولا يُخِلُّ بذلك إلا الإنسان المعاند الزائغ عن شرع الله المخالف لنظام هذا الكون المحكم البديع؛ الذي ما قام إلا على

стр. 3923

عبودية الله، هذا وتختلف العبوديات من مخلوق إلى مخلوق قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾ [النحل: ٤٩]. قال ابن جرير: يقول الله تعالى ذكره: ولله يخضع ويستسلم لأمره ما في السموات وما في الأرض من دابة تدبّ عليها، والملائكة التي في السموات، وهم لا يستكبرون عن التذلل له بالطاعة (١). وقال ابن كثير: يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه؛ الذي خضع له كل شيء، ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها جماداتها وحيواناتها ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨] (٢). قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ فإنه يسجد لعظمته كل شيء؛ طوعًا وكرهًا، وسجود كل شيء مما يختص به، وقال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] (٣). وقال: يقول تعالى: تقدسه السموات السبع والأرض ومن فيهن، أي: من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه وتبجله وتكبره (٤). وقال السعدي: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ من حيوان ناطق، وغير ناطق، ومن أشجار، ونبات، وجامد، وحي وميت ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ بلسان الحال ولسان المقال، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: تسبيح باقي المخلوقات، التي على غير لغتكم،

стр. 3924

بل يحيط بها علام الغيوب. وعن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لأبي ذر حين غربت الشمس: "أتدري أين تذهب"؟ ! ) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش؛ فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها؛ وتستأذن فلا يؤذن لها؛ يقال لها: ارجعي من حيث جئتِ، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ [يس: ٣٨] (١). قال ابن تيمية: فقد أخبر في هذا الحديث الصحيح بسجود الشمس إذا غربت واستئذانها، وكذلك قال أبو العالية وغيره، قال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا ويقع ساجدًا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه، ومعلوم أن الشمس لا تزال في الفلك كما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ [الأنبياء: ٣٣]، فهي لا تزال في الفلك، وهي تسجد لله وتستأذنه كل ليلة كما أخبر النبي ﷺ ، فهي تسجد سجودًا يناسبها، وتخضع له وتخشع كما يخضع ويخشع كل ساجد من الملائكة والجن والإنس. وعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولما يبن، ولا آخر قد بني بنيانًا ولما يرفع سقُفها، ولا آخر قد اشترى غنمًا أو خلفات وهو منتظر ولادها، قال: فغزا، فأَدْنى للقرية حين صلاة العصر، أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبِسْها علي شيئًا، فحبست عليه حتى فتح الله عليه" (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل (٣)).

стр. 3925

وكذلك قوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]، بكاء كل شيء بحسبه؟ قد يكون خشية لله؛ وقد يكون حزنا على فراق المؤمن، روى ابن أبي حاتم عن ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: قال عمرو يعني ابن دينار: إني ليلة أطوف بالبيت إذ سمعت حنين رجل بين الأستار والكعبة، وبكاءه وتضرعه فوقفت لأعرفه فذهب ليل وجاء ليل وهو كذلك؟ حتى كاد يسفر فانكشف الستور عنه؛ فإذا هو طاووس ﵀، فقال: من هذا عمرو؟ قلت: نعم أمتع الله بك، قال: متى وقفت هاهنا؟ قال قلت: منذ طويل، قال: ما أوقفك قلت: سمعت بكاءك، فقال: أعجبك بكائي؟ قلت: نعم، قال: وطلع القمر في حرف أبي قبيس، قال: ورب هذه البنية إن هذا القمر ليبكي من خشية الله، ولا ذنب له، ولا يُسأل عما عمل، ولا يُجازى به فعجبت أن بكيت من خشية الله، وأنا صاحب الذنوب، وهذا القمر يبكي من خشية الله، وقرأ ابن زيد: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج: ١٨]. قال: فلم يستثن من هؤلاء أحدًا؛ حتى جاء ابن آدم استثناه فقال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]، قال والذي كان هو أحق بالشكر؛ هو أكفرهم ثم قرأ ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٧: ٢٨]، قال وكذلك اختلفوا في دينهم كما اختلف الأولون، ولفظ السجود يستعمل في اللغة: لخضوع الجامدات وغيرها كالبيت المعروف: بجيش تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيه سجدًّا للحوافر قال ابن قتيبة: حجراته: جوانبه، يريد أن حوافر الخيل قد بلغت الأكم ووطئتها حتى خشعت وانخفضت، قال ابن عطية: في قوله: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨]، وقالت فرقة منهم الطبري عبر عن الخضوع والطاعة وميلان الظلال ودورانها بالسجود
следующие страницы →