١١ - شبهة: سجود الشمس تحت العرش .
نص الشبهة:
سجود الشمس تحت العرش عند كل غروب، كيف ذلك؟ .
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: نص الحديث.
الوجه الثاني: أن هذا نوع من أنواع العبودية التي ذكرها العلماء وهي عبودية الكائنات.
الوجه الثالث: قدرة الله فوق كل شىء.
الوجه الرابع: عدم العلم ليس دليلًا على العدم.
الوجه الخامس: ليس معنى سجودها في الغروب الغروب.
الوجه السادس: معنى السجود.
الوجه السابع: وقيل المقصود بالسجود أن الشمس إنما تسجد مرة واحدة وذلك عند محاذاتها لباطن عرش الرحمن.
الوجه الثامن: أن الشمس لها سجدتان.
الوجه التاسع: فائدة علمية.
الوجه العاشر: وقيل المقصود بالسجود سجود الظل.
الوجه الحادي عشر: لم يثبت حد لمدة وقوفها عند السجود.
الوجه الثانى عشر: لا يلزم أن يكون سجودها كسجود الآدميين.
الوجه الثالث عشر: الجهل بحقيقة الشمس.
الوجه الرابع عشر: الجهل بكنه العرش.
الوجه الخامس عشر: أن الشمس تعتبر ساجدة في كل مكان.
الوجه السادس عشر: الرد على النصارى بما عندهم.
وإليك التفصيل،
стр. 3922
الوجه الأول: نص الحديث .
عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ: "يَا أَبا ذَرٍّ، أتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ قَالَ: قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ عِنْدَ رَبِّها، فَتَسْتَأْذِنُ فِي الرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لها، فَيُوشِكُ أَنْ تَسْتَأْذِنَ فَلا يُؤذَنُ لَهَا، حَتَّى تَسْتَشْفِعَ وَتَطْلُبَ، فَإِذَا طَالَ عَلَيْهَا قِيلَ لها: اطْلُعِي مِنْ مَكَانِكِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾.
وفي لفظ آخر عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال يومًا: "أتدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ". قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ تَجْرِى حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلا تَزَالُ كَذَلِكَ؛ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيثُ جِئْتِ؛ فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا؛ ثُمَّ تَجْرِى؛ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلا تَزَالُ كَذَلِكَ؛ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ؛ فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا؛ ثُمَّ تَجْرِى لا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئًا؛ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْشِ؛ فَيُقالُ لَهَا ارْتَفِعِي؛ أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ؛ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ ذَاكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا" (١).
الوجه الثاني: أن هذا نوع من أنواع العبودية التي ذكرها العلماء وهي عبودية الكائنات .
فالله قد خلق جميع الكائنات؛ إنسها، وجنها، وملائكتها، وحيوانها، وجمادها، ونباتها، وغيرها من الكائنات لعبادته وفطرها على توحيده، والاعتراف بإلوهيته، والإقرار بفقرها وحاجتها وخضوعها وصمودِها له .
فكل هذه الكائنات تقوم بعبادة الله ، ولا يُخِلُّ بذلك إلا الإنسان المعاند الزائغ عن شرع الله المخالف لنظام هذا الكون المحكم البديع؛ الذي ما قام إلا على
стр. 3923
عبودية الله، هذا وتختلف العبوديات من مخلوق إلى مخلوق قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾ [النحل: ٤٩].
قال ابن جرير: يقول الله تعالى ذكره: ولله يخضع ويستسلم لأمره ما في السموات وما في الأرض من دابة تدبّ عليها، والملائكة التي في السموات، وهم لا يستكبرون عن التذلل له بالطاعة (١).
وقال ابن كثير: يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه؛ الذي خضع له كل شيء، ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها جماداتها وحيواناتها ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨] (٢).
قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ فإنه يسجد لعظمته كل شيء؛ طوعًا وكرهًا، وسجود كل شيء مما يختص به، وقال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] (٣).
وقال: يقول تعالى: تقدسه السموات السبع والأرض ومن فيهن، أي: من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه وتبجله وتكبره (٤).
وقال السعدي: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ من حيوان ناطق، وغير ناطق، ومن أشجار، ونبات، وجامد، وحي وميت ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ بلسان الحال ولسان المقال، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: تسبيح باقي المخلوقات، التي على غير لغتكم،
стр. 3924
بل يحيط بها علام الغيوب. وعن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لأبي ذر حين غربت الشمس: "أتدري أين تذهب"؟ ! ) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش؛ فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها؛ وتستأذن فلا يؤذن لها؛ يقال لها: ارجعي من حيث جئتِ، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ [يس: ٣٨] (١).
قال ابن تيمية: فقد أخبر في هذا الحديث الصحيح بسجود الشمس إذا غربت واستئذانها، وكذلك قال أبو العالية وغيره، قال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا ويقع ساجدًا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه، ومعلوم أن الشمس لا تزال في الفلك كما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ [الأنبياء: ٣٣]، فهي لا تزال في الفلك، وهي تسجد لله وتستأذنه كل ليلة كما أخبر النبي ﷺ ، فهي تسجد سجودًا يناسبها، وتخضع له وتخشع كما يخضع ويخشع كل ساجد من الملائكة والجن والإنس.
وعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولما يبن، ولا آخر قد بني بنيانًا ولما يرفع سقُفها، ولا آخر قد اشترى غنمًا أو خلفات وهو منتظر ولادها، قال: فغزا، فأَدْنى للقرية حين صلاة العصر، أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبِسْها علي شيئًا، فحبست عليه حتى فتح الله عليه" (٢).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل (٣)).
стр. 3925
وكذلك قوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]، بكاء كل شيء بحسبه؟ قد يكون خشية لله؛ وقد يكون حزنا على فراق المؤمن، روى ابن أبي حاتم عن ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: قال عمرو يعني ابن دينار: إني ليلة أطوف بالبيت إذ سمعت حنين رجل بين الأستار والكعبة، وبكاءه وتضرعه فوقفت لأعرفه فذهب ليل وجاء ليل وهو كذلك؟ حتى كاد يسفر فانكشف الستور عنه؛ فإذا هو طاووس ﵀، فقال: من هذا عمرو؟ قلت: نعم أمتع الله بك، قال: متى وقفت هاهنا؟ قال قلت: منذ طويل، قال: ما أوقفك قلت: سمعت بكاءك، فقال: أعجبك بكائي؟ قلت: نعم، قال: وطلع القمر في حرف أبي قبيس، قال: ورب هذه البنية إن هذا القمر ليبكي من خشية الله، ولا ذنب له، ولا يُسأل عما عمل، ولا يُجازى به فعجبت أن بكيت من خشية الله، وأنا صاحب الذنوب، وهذا القمر يبكي من خشية الله، وقرأ ابن زيد: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج: ١٨].
قال: فلم يستثن من هؤلاء أحدًا؛ حتى جاء ابن آدم استثناه فقال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]، قال والذي كان هو أحق بالشكر؛ هو أكفرهم ثم قرأ ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٧: ٢٨]، قال وكذلك اختلفوا في دينهم كما اختلف الأولون، ولفظ السجود يستعمل في اللغة: لخضوع الجامدات وغيرها كالبيت المعروف:
بجيش تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيه سجدًّا للحوافر
قال ابن قتيبة: حجراته: جوانبه، يريد أن حوافر الخيل قد بلغت الأكم ووطئتها حتى خشعت وانخفضت، قال ابن عطية: في قوله: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨]، وقالت فرقة منهم الطبري عبر عن الخضوع والطاعة وميلان الظلال ودورانها بالسجود
стр. 3926
كما يقال للمشير برأسه نحو الأرض على وجه الخضوع ساجد ومنه قول الشاعر:
وكلتاهما خرت وأسجد رأسها ... كما سجدت نصرانة لم تحنف
وإذا كان كذلك الله سبحانه ذكر في الرعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥]، فعم في هذه الآية ولم يستثن وقسم السجود إلى طوع وكره وقال في الحج: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨].
وفي هذا الكثير قولان أحدهما: أنه لم يسجد فلهذا حق عليه العذاب كما تقدم عن طاووس، وهو قول الفراء وغيره.
والثاني: أنه سجد وحق عليه العذاب؛ فإنه ليس هو السجود المأمور به. قال أبو الفرج: وفي قوله: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ قولان: أحدهما أنهم الكفار وهم يسجدون وسجودهم سجود ظلهم قاله مقاتل.
والثاني: أنهم لا يسجدون، والمعنى وكثير من الناس أبى السجود ويحق عليه العذاب لتركه السجود هذا قول الفراء.
قلت: هذا قول الأكثرين، وقد ذكر البغوي في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، قال: قال مجاهد سجودها تحول ظلالها وقال أبو العالية ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع ساجدًا حين يغيب؛ ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه، قال: وقيل سجودها بمعنى الطاعة؛ فإنه ما من جماد إلا وهو مطيع لله، خاشع له مسبح له، كما أخبر الله عن السماوات والأرض ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقال في وصف الحجارة ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] قال: وهذا مذهب حسن موافق لقول أهل السنة، قلت: قد تقدم قول الطبري
стр. 3927
وغيره بهذا القول؛ فإذا كان السجود في هذه الآية ليس عامًا وهو هناك عام؛ كان السجود المطلق هو سجود الطوع؛ فهذه المذكورات تسجد تطوعًا هي وكثير من الناس، والكثير الذي حق عليه العذاب إنما يسجد كرهًا، وحينئذ فالكثير الذي حق عليه العذاب لم يقل فيه إنه يسجد، ولا نفى عنه كل سجود، بل تخصيص من سواه بالذكر؛ يدل على أنه ليس مثله؛ وحينئذ فإذا لم يسجد طائعًا حصل فائدة التخصيص، وهو مع ذلك يسجد كارهًا فكلا القولين صحيح. وكذلك قال طائفة من المفسرين واللفظ للبغوي قالوا: وكثير حق عليه العذاب بكفرهم وتركهم السجود؛ وهم مع كفرهم تسجد ظلالهم لله تعالى وقال في سورة النحل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٨: ٥٠].
قال: فلفظ دابة إن لم يتناول بني آدم فالإبل تسجد طوعًا، وإن تناول بني آدم فسجودهم طوعًا وكرهًا، والذين فسروا السجود بالخضوع والانقياد، لهم في سجودها قولان، أحدهما: أنه كونها مصنوعة مخلوقة منقادة لمشيئة الله واختياره كما قالوا في تسبيحها مثل ذلك وأنه شهادتها ودلالتها على الخالق. قال أبو الفرج في قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٥]، الساجدون على ضربين أحدهما: من يعقل فسجوده عبادة والثاني: من لا يعقل فسجوده بيان أثر الصنعة فيه والخضوع الذي يدل على أنه مخلوق هذا قول جماعة من العلماء واحتجوا بالبيت المتقدم: ترى الأكم فيه سجدا للحوافر.
قال: وأما الشمس والقمر والكواكب فألحقها جماعة بمن يعقل قال أبو العالية سجودها حقيقة ما منها غارب إلا خر ساجدًا بين يدي الله ، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، قال: ويشهد لقول أبي العالية حديث أبي ذر وذكره، قال: وأما النبات والشجر فلا يخلو سجوده من أربعة أشياء: أحدها: أن يكون سجودًا لا نعلمه، وهذا إذا قلنا بردعه فيهما، والثاني: أنه تفيؤ ظلاله، والثالث: بيان الصنعة فيه، والرابع: الانقياد لما سخر له.
стр. 3928
قلت: الثالث والرابع من نمط واحد وهو كالمتقدم وأما السجود الذي لا نعلمه فهو كما ذكره البغوي، وقال البغوي أيضًا في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] فإن قيل الحجر لا يفهم فكيف يخشى؟ قيل الله يفهمها ويلهمها فتخشى بإلهامه، قال: ومذهب أهل السنة أن لله علمًا في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره، ولها صلاة وتسبيح وخشية، كما قال : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ﴾، فيجب على المرء الإيمان به ويكل علمه إلى الله تعالى، وذكر الحديث الصحيح عن جابر بن سمرة عن النبي ﷺ قال: "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن" (١)، وذكر حديث حنين الجذع وطرقه صحاح مشهورة، ورُوي عن السدي، عن أبي عباد بن أبي يزيد، عن علي ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمكة فخرجنا في نواحيها خارجًا من مكة بين الجبال والشجر، فلم يمر بشجرة ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله (٢)، وقال: قال مجاهد لا ينزل حجر من أعلى إلى أسفل إلا من خشية الله، ويشهد لما قلنا قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١].
قلت: وأما تفسير سجودها وتسبيحها، بنفوذ مشيئة الرب وقدرته فيهما، ودلالتها على الصانع فقط، فالاقتصار على هذا باطل، فإن هذا وصف لازم دائم لها، لا يكون في وقت دون وقت، وهو مثل كونها مخلوقة محتاجة فقيرة إلى الله تعالى؛ وعلى هذا فالمخلوقات كلها لا تزال ساجدة مسبحة؛ وليس المراد هذا فإنه قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨]، وقال: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٩]، وقال: ﴿قَدْ عَلِمَ
стр. 3929
صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١]، فقد أخبر عنه؛ أنه يعلم ذلك ودلالتها على الرب يعلمه عموم الناس، وأيضًا فقد أخبر الله تعالى في القرآن من كلام الهدهد والنمل وأن سليمان علم منطق الطير؛ بما يدل على الاختصاص، وهذا في الحيوان، وأيضًا فإنه جعل الجميع يسجد، ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]، وهذا المعنى يشترك فيه جميع المخلوقات دائمًا؛ وهو وصف لازم لكل مخلوق لا يزال مفتقرًا إلى الخالق، ولا يزال دالًا عليه، ولا يزال منقادًا لما يشاء الرب، وأيضًا فإنه قسم السجود إلى طوع وكره، وانفعالها لمشيئة الرب وقدرته، لا ينقسم إلى طوع وكره، ولا يوصف ذلك بطوع منها ولا كره؛ فإن دليل فعل الرب فيها ليس هو فعل منها البتة.
والقرآن يدل على أن السجود والتسبيح أفعال لهذه المخلوقات، وكون الرب خالقًا لها إنما هو كونها مخلوقة للرب، ليس فيه نسبة أمر إليها يبين ذلك أنه خص الظل بالسجود بالغدو والآصال والظل، متى كان، وحيث كان، مخلوق مربوب، والله تعالى جعل الظلمات والنور، والقول الذي ذكره البغوي أقرب من القول الذي ذكره أبو الفرج؛ وهو سبحانه تارة يجعلها آيات له، وتارة يجعلها ساجدة مسبحة وهذا نوع غير هذا. وعلى هذا القول الجميع واحد ليس في كونها ساجدة مسبحة، إلا كونها آية دالة وشاهدة للخالق تعالى بصفاته، لكونها مفعولة له، وهذا معنى ثابت في المخلوقات كلها لازم لها وهي آيات للرب بهذا الاعتبار، وهي شواهد ودلائل وآيات بهذا الاعتبار، لكن ذاك معنى آخر كما يفرق بين كون الإنسان مخلوقًا وبين كونه عابدًا لله؛ فهذا غير هذا، هذا يتعلق بربوبية الرب له، وهذا يتعلق بتألهه وعبادته للرب، والبيت الذي استشهدوا به وهو قوله:
ترى الأكم فيها سجدا للحوافر
فإنما ذكر سجود الأكم للحوافر، وذلك خضوعها وانخفاضها لها؛ فهذا خضوع جماد لجماد، ولا يلزم أن يكون سائر أنواع الخضوع مثل هذا، وإنما يشترك في نوع الخضوع وليس خضوع المخلوقات للخالق مثل هذا؛ وإن قيل هو انفعالها لمشيئته وقدرته، بل ذاك
стр. 3930
نوع أبلغ من هذا؛ فلا يجب أن يكون سجودها بغير خضوع منها وطاعة؛ ولكن هذا البيت يقتضي أنه لا يجب أن يكون سجود كل شيء وضع رأسه بالأرض، وهذا حق بل هو خضوع للرب يناسب حاله؛ وقد قيل لسهل بن عبد الله أيسجد القلب؟ قال: نعم، سجدة لا يرفع رأسه منها أبدًا، وأهل الجنة في الجنة قد أُلهموا التسبيح كما أُلهموا النفس في الدنيا، وكما يُلهم أهل الدنيا النفس وهم خاضعون للرب، مطيعون له، وليس هناك سجود بوضع رأس في الأرض، فهذا أمر به في الدنيا لحاجة النفس إليه في خضوعها لله تعالى؛ فلا تكون خاضعة إلا به بخلاف حالها في الجنة؛ فإنها قد زكت وصلحت (١).
الوجه الثالث: قدرة الله فوق كل شيء .
١ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨].
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٨ - ٥٠].
قال ابن كثير: يخبر تعالى عن عظمته وكبريائه الذي خضع له كل شيء، ودانت له الأشياء بأسرها، جماداتها، وحيواناتها، ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة؛ فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال، أي: بكرة وعشيا، فإنه ساجد بظله لله تعالى (٢).
لاحظ قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ .. ﴾ أي أنهم يسجدون سجودًا حقيقيًا نحن نراه، ويستشهدنا الخالق العظيم عليه .. كيف؟ الجواب: إنه سجودٌ نؤمن به، ولا يعلم حقيقته
стр. 3931
إلا الله الذي أعلَمَنا به؛ فليَسع الحديثَ ودلالتَه ما يسع هذه الآيةَ الجليلة. ومَن لم يستطع قبولَ الحديثِ؛ فليفسّر لنا ماهية سجود الشمس والشجر والجبال الوارد في الآية.
ولن يسعفه في الحالتين سوى التسليمُ والإيمان، فقد دل القرآن على مثل ما دل عليه حديث أبي ذر من سجود الشمس؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ كما دلت الآية على أن سجود هذه المخلوقات غير دلالتها بلسان الحال وصورة الحال على ربوبيته تعالى؛ إذ لو كان سجودها هو دلالتها على الخالق سبحانه، أو تسخيرها وانقيادها للقدرة؛ لما خص ذلك بكثير من الناس ونفاه عن كثير - وهم الذين حق عليهم العذاب - فإن الدلالة على الخالق سبحانه والانقياد لقدرته حاصلتان في جميع الناس وجميع المخلوقات؛ فالواجب إثبات سجود الشمس وما ذُكر معها في الآية، وأنه سجود حقيقي يناسب هذه المخلوقات، ولا يعلم العباد كيفيته؛ فإنكاره رد لما أخبر الله به ورسوله، وصرفه عن ظاهره لا موجب له، ولا دليل عليه، فإن هذه المخلوقات لها شعور بالعبودية لله تعالى، تسبح وتسجد وتؤوب وتخشى كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (١).
قال القاضي عياض: وهو على ظاهره عند أهل الفقه والحديث والمتكلمين من أهل السنة، خلافًا لمن تأوله من المبتدعة والباطنية، وهو أحد أشراط الساعة العظام المنتظرة. (٢)
وَذَكَرَ أبُو سُلَيْمانَ الْخَطَّابِيُّ ﵀ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أَنَّ
كَانَتْ فِي الحقِيقَةِ تَغِيبُ وَرَاءَ الْبَحْرِ، وَفِي هَاهُنَا بِمَعْنَى فَوْقَ، أَوْ بِمَعْنَى عَلَى، وَحُرُوفُ الصِّفَاتِ تُبدَّلُ بَعْضُهَا مَكَانَ بَعْضٍ. (١)
وقال الإمام النووى: وأما سجود الشمس فهو بتمييز وإدراك يخلقه الله تعالى. (٢)
قال الحافظ ابن حجر:
وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كل يوم وليلة عند سجودها ومقابل الاستقرار المسير الدائم المعبر عنه بالجري - والله أعلم (٣).
الوجه الرابع: عدم العلم ليس دليلًا على العدم .
وهي قاعدة مشهورة، وأكثر عمل الجهال على خلافها.
قال الغزالي: إن جريان الشمس من أسرتها المعروفة في فضاء الله الواسع مقرر فلكيًا، لم ينكره أحد قط، أن دوران الأرض حول الشمس لا يعنى أن الشمس ثابتة، وقوله تعالى: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ لا يعنى أن الشمس تغطس في الماء يوميًا ثم تخرج! ! لم يدركوا ما يعرفه الأطفال عندنا أن اختفاء قرص الشمس في الماء؛ إنما هو في عين الرائي لا في حقيقة الأمر.
أما أن الشمس تسجد لربها؛ فإن الجماد والنبات والحيوان والكائنات جمعاء خاضعة لله، تسبح بحمده، وتهتف بمجده، وتلبى أمره، وهي طوع مشيئته ويوم لا يأذن للشمس في الشروق، وينهى أمر الدنيا، ويفتح يوم الحساب، فمن الذي يعصيه؟ ويظهر أن المساكين فهموا من سجود الشمس أنها تصلى ركعتين كسائر البشر! ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٤).
стр. 3934
الوجه الخامس: ليس معنى سجودها في الغروب الغروب .
فلم يلزم غيبوبة الشمس عن الأرض كلها، ولا استقرارها عن الحركة كل يوم بذاك الموضع الذي كتب عليها أن تستقر فيه متى شاء ربها سبحانه (١)، فالذي يظهر أن معنى "الغروب" قد التبس على قوم فظنوا أن المراد بقوله ﷺ "أتدري أين تغرب" هو التواري التام عن نظر جميع أهل الأرض، وأن هذا من لوازم السجود المذكور، ولفظ الحديث لا يومئ إلى هذا؛ ولا يدل عليه فضلًا عن أن يكون من لوازم لفظ الغروب.
والحق أن المراد بالغروب الذهاب لا الغياب التام؛ كما فسرته لفظة الرواية الأخرى، وهو قوله ﷺ : "أتدري أين تذهب" وهذا معنى صحيح من حيث اللغة وهو مستعمل عند العرب، قال ابن منظور: غرب القوم غربًا (أي) ذهبوا، كما أن باقي الحديث في روايات فيه "إنها تذهب ... " (٢).
وفائدة لفظة الذهاب أنها تتضمن معنى الحركة، فما من ذاهب إلا وهو متحرك، صحيح أن الشمس "تغرب" عن نظر قوم ولكن هذا بالنسبة إليهم ولذلك يجب التفريق بين حقيقة "الغروب" ومجرد "رأي العين"، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ وهذا صحيح برأي البصر ولذلك نسب المرئي إلى من يراه فقال ﴿وَجَدَهَا﴾ (٣).
قال الإمام القرطبي: قال القفال: قال بعض العلماء: ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغربًا ومشرقًا وصل إلى جرمها ومسها؛ لأنها تدور مع السماء حول الأرض من غير أن تلتصق بالأرض، وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض، بل هي أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة، بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق، فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء
стр. 3935
كأنها تدخل في الأرض؛ ولهذا قال: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠)﴾،
ولم يرد أنها تطلع عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم، بل أراد أنهم أول من تطلع عليهم.
وقال القتبي: ويجوز أن تكون هذه العين من البحر، ويجوز أن تكون الشمس تغيب وراءها أو معها أو عندها، فيقام حرف الصفة مقام صاحبه، وَالله أعلم (١).
وقال ابن كثير: وقوله: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه، وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه. اهـ (٢).
قلت: ومثله قول الناس "غابت الشمس في الأفق" مع أنها لا تغيب في الأفق حقيقة؛ وإنما تتوارى عنا من وراء الأفق لا فيه؛ لأن الشمس أكبر من الأرض بمئات المرات. فكيف تغيب في أفق الأرض الصغير جدًّا؟ كما أنها خارج محيط الأرض بل تبعد عنها آلاف الكيلومترات فكيف تغيب في الأفق؟ ومع ذلك نقول غابت في الأفق من باب التجوز لا على وجه الحقيقة.
فالخلاصة أن المراد بلفظ "الغروب"، في الحديث الذهاب والسير والجريان، كما هو مفسر في الرواية الأخرى وكما هو مستعمل في لغة العرب وكما جاء في قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، فالغروب في حقيقته ليس إلا جريان الشمس، وليس للشمس مغرب حقيقي ثابت، قال الإمام ابن عاشور ﵀: والمراد بـ ﴿مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ مكان مغرب الشمس من حيث يلوح الغروب من جهات المعمور من طريق غزوته أو مملكته، وذلك حيث يلوح أنه لا أرض وراءه بحيث يبدو الأفق من جهة مستبحرة، إذ ليس للشمس مغرب حقيقي إلا فيما يلوح للتخيل.
стр. 3936
وقد بين ذلك ﷺ فقال: "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش" كما عند. ولم يقل ﷺ أنها "تغرب تحت العرش" أو يقل "حتى تغرب تحت العرش"، وهذا وهم توهمه بعض الناس الذين أُشكل عليهم معنى هذا الحديث، وهو مردود لأن ألفاظ الحديث ترده. فقوله: "تذهب" دلالة على الجريان؛ لا دلالة على مكان الغروب؛ لأن الشمس لا تغرب في موقع حسي معين؛ وإنما تغرب في جهة معينة، وهي ما اصطلح عليه الناس باسم الغرب. والغروب في اللغة: التواري والذهاب كما ذكره ابن منظور وغيره، يقال غرب الشيء أي توارى وذهب، وتقول العرب أغرب فلان أي أبعد وذهب بعيدًا عن المقصود. إذا تقرر هذا أتضح معنى آخر وهو: أن الشمس لا تسجد تحت العرش عند كل غروب تغربه عن أنظار كل بلد؛ فإن هذا هو اللبس الذي ينشأ عند من فهم أن الشمس تسجد عند كل غروب يراه أهل كل قطر، ولو كان الأمر كذلك لكانت ساجدة على الدوام ولا استنكر أهل الأرض ذلك، ولذلك جاءت فائدة الاحتراز من هذا الاحتمال في رواية مسلم "ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا" (١)(٢).
الوجه السادس: معنى السجود .
فقولهم قد سَجَدَ الرجلُ معناه: قد انحنى وتطامن ومال إلى الأرض من قول العرب قد سجدت الدابة وأسجدت إذا خفضت رأسها لتركب قال الشاعر:
وكِلتاهُما خَرَّتْ وأَسْجَدَ رأسُها ... كما سَجَدَتْ نصرانَه تحَنَّفِ
ويقال قد سجدت النخلة إذا مالت، ونخلة ساجدة ونخل سواجِد، ومن ذلك قول الله ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ [الرحمن: ٦]، قال الفراء: معناه يستقبلان الشمس ويميلان معها حتى ينكسر الفيء، ويكون السجود على جهة الخشوع والتواضع والتذلل لله كقوله ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
стр. 3937
وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج: ١٨] فسجود الشمس والقمر والنجوم والجبال على جهة التواضع والتذلل لخالقها قال الشاعر:
ساجدَ المنخر لا يرفعُهُ ... خاشعَ الطرفِ أَصمَّ المُسْتَمَعْ
أراد خاضعًا ذليلًا، وقال الآخر:
بجمْعٍ تَضِلُّ البُلْقَ في حَجَراتِهِ ... ترى الأُكْمَ منها سجدًا للحوافِرِ
أراد خاشعة ذليلة ويكون السجود على معنى التحية كقول الشاعر:
وبنيتُ عَرْصَةَ منزلٍ برباوة ... بينَ النخيلِ إلى بقيعِ الغَرْقدِ
قد كانَ ذو القرنينِ جدِّيَ مُسْلِمًا ... ملكًا تدينُ له الملوكُ وتسجدُ
ينظر الأضداد أضداد الأصمعي أراد تحييه؛ وذلك أنهم كانوا في ذلك الزمان إذا أراد الرجل منهم أن يحيي أخاه ويعظمه سجد له؛ فكان السجود لهم في ذلك الزمان بمنزلة المصافحة لنا اليوم من ذلك قول الله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدهن: أن تكون الهاء تعود على الله تعالى، فهذا القول لا نظر فيه؛ لأن المعنى خروا لله سجدًا وقال آخرون الهاء تعود على يوسف ومعنى السجود التحية؛ كأنه قال وخروا ليوسف ﵇ سجدًا سجود تحية؛ لا سجود عبادة، قال أبو بكر: سمعت أبا العباس يؤيد هذا القول ويختاره وقال الأخفش معنى الخرور في هذه الآية المرور قال وليس معناه الوقوع والسقوط (١).
الوجه السابع: وقيل المقصود بالسجود أن الشمس إنما تسجد مرة واحدة وذلك عند محاذاتها لباطن عرش الرحمن .
قال ابن حجر: وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار، وقوعه في كل يوم وليلة عند سجودها، ومقابل الاستقرار المسير الدائم المعبر عنه بالجري. وَالله أعلم.
قلت: وقول الحافظ "كل يوم وليلة" أي كل أربع وعشرين ساعة؛ وهي فترة دوران
стр. 3938
الشمس حول الأرض دورة كاملة، أو على قول من يؤول الأدلة ويرى ثبات الشمس: فترة دوران الأرض حول نفسها دورة كاملة، ولذلك قال الإمام الخطابي - كما نقله الحافظ في الفتح ﵀: يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش أنها تستقر تحته استقرارًا لا نحيط به نحن ... وليس في سجودها كل ليلة تحت العرش ما يعيق عن دورانها في سيرها. وعند محاذاتها لباطن العرش، فإنها تكون عندئذٍ مقابل سمت أو حد من الأرض يحدث عند مواجهته السجود المذكور؛ ولكن هذا السمت أو الحد أو المنتهى. (١)
وقال الحافظ في الفتح في شأن المحاذاة التحتية:
وأما قوله: "تحت العرش" فقيل هو حين محاذاتها، ولا يخالف هذا قوله:
﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ فإن المراد بها نهاية مدرك البصر إليها حال الغروب.
وقال الطيبي كما نقله صاحب تحفة الأحوذي بشأن حقيقة الاستقرار: وأما قوله مستقرها تحت العرش؛ فلا يُنكَر أن يكون لها استقرار تحت العرش، من حيث لا ندركه ولا نشاهده، وإنما أخبر عن غيب فلا نكذبه ولا نكيفه؛ لأن علمنا لا يحيط به، وهذا السمت أو الحد أو المنتهى المعبر عنه في الحديث بحرف "حتى" للدلالة على الغاية والحد فهو كالسمت، ولا أقول هو السمت الذي في الحديث الذي نصبه الجغرافيون على الخارطة الأرضية، ويسمونه خط الطول الممتد من أقصى شمال الأرض إلى أقصى جنوبها، فإذا حاذت الشمس هذا السمت الذي هو منتهى سيرها اليومي، مع محاذاتها في ذات الوقت لمركز باطن العرش؛ فإنها تسجد سجودًا على الكيفية التي لا يلزم منها أن توافق صفة سجود الآدميين، وعلى هيئة لا تستلزم استنكار الناس من أمرها شيئًا كما جاء في الحديث: "ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا" (٢).
стр. 3939
فقد أجاب ابن كثير عن سجود الشمس تحت العرش بما حاصله: أن العرش قبة ذات قوائم تحمله الملائكة، وهو فوق العالم مما يلي رؤوس الناس؛ فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون إلى العرش، فإذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام، وهو وقت نصف الليل صارت أبعد ما تكون من العرش؛ فحينئذ تسجد وتستأذن في الطلوع كما جاءت بذلك الأحاديث.
وهذا جواب من يصدق الفلكيين في ثبات الشمس في فلكها ودوران الفلك بها حول الأرض، وقد نقض ارتقاء علم الهيئة بالمناظير المقربة للأبعاد، هذا المذهب اليوناني، وأجمع علماء الفلك في هذا العصر على كروية الأرض ودورانها تحت الشمس الثابتة في مركزها؛ على أن قوله منقوض على ذلك المذهب أيضًا إذ لا خلاف عند أهله في كروية الأرض، وسكنى الناس على سطحها من كل جانب فلا يتجه القول بأن العرش فوق رءوس المقيمين في جانب منها دون آخر (١).
الوجه الثامن: أن الشمس لها سجدتان .
سجود عام مستديم وهو سجودها المذكور في آية النحل، والحج، مع سائر المخلوقات، وسجود خاص، يتحقق عند محاذاتها لباطن العرش، فتكون ساجدة تحته وهو المذكور في الحديث، وفي كلا الحالتين لا يلزم من سجودها أن يشابه سجود الآدميين لمجرد الاشتراك في لفظ الفعل الدال عليه، ومن أمثلة ذلك من واقعنا أن مشي الحيوان ليس كمشي الآدمي، وسباحة السمك والحوت ليست كسباحة الإنسان، وهكذا. مع إنهم يشتركون في مسمى الفعل وهما المشي والسباحة (٢).
الوجه التاسع: فائدة علمية
كما هو ثابت بالعقل من خلال علوم الفلك المعاصرة إذ أنها تدور حول نفسها
стр. 3940
ويسمون ذلك التفافًا؛ وهو دوران الشيء حول نفسه وذلك في خلال سبعة وعشرين يومًا أرضيًا وتدور - مع المجموعة الشمسية - حول مركز المجرة اللبنية بسرعة تقترب من ٢٢٠ كيلومترا في الثانية. ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (١).
الوجه العاشر: وقيل المقصود بالسجود سجود الظل .
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ألم تر يا محمد بقلبك فتعلم أن الله يسجد له من في السماوات من الملائكة ومن في الأرض من الخلق من الجن وغيرهم والشمس والقمر والنجوم في السماء والجبال والشجر الدواب في الأرض وسجود ذلك ظلاله حين تطلع عليه الشمس وحين تزول إذا تحول ظل كل شيء فهو سجوده، فعن مجاهد قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ قال: ظلال هذا كله (٢). وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٨ - ٥٠].
قال ابن كثير: يخبر تعالى عن عظمته وكبريائه الذي خضع له كل شيء ودانت له الأشياء بأسرها جماداتها وحيواناتها، ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة؛ فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال، أي: بكرة وعشيا؛ فإنه ساجد بظله لله تعالى. (٣)
стр. 3941
ومن ذلك قول الله ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ قال الفراء: معناه يستقبلان الشمس ويميلان معها حتى ينكسر الفيء ويكون السجود على جهة الخشوع والتواضع والتذلل لله . (١)
الوجه الحادي عشر: لم يثبت حد لمدة وقوفها عند السجود .
كما أن هناك نكتة خفية على البعض؛ وهي أن مقدار وقوفها لم ينص عليه الحديث، أو يشر إليه الرسول ﷺ ، ولذلك فلا يمنع أن يكون وقوفها للخرور والاستئذان؛ وكذلك السجود تنزلًا، حاصل في ثوانٍ أو أجزاء من الثانية؛ وهذه الثوان تضمحل في فرق الثمان دقائق الذي يفصل بيننا وبين الشمس؛ فلا يمكن ملاحظة فترة السجود حينئذٍ، هذا للشخص الملاحظ المتابع، فكيف بالبشرية المشغولة بضيعات الدنيا؟ وهذا صحيح شرعًا وعقلًا. فشرعًا: على افتراض أننا نشبه سجود الشمس بسجودنا؛ نجد أن الذي يسجد بتسبيحة واحدة قد صح منه السجود وأجزأه، كما لو سجد مصلٍ بأكثر من تسبيحة؛ والشاهد أن السجود وما يترتب عليه من خرور، ويتبعه من استئذان لا يلزم من ذلك كله مقدارًا معينًا من الوقت، نضعه من أذهاننا قياسًا على معتاد فعلنا؛ لأن الحديث أبهم وأطلق المقدار الزمني لهذه الأفعال؛ ولذلك فلا يمنع حدوثها في وقت قصير للغاية.
وعلى الذين يتوقعون من الشمس تطويلًا أو مقدارًا معينًا؛ أن يأتوا بالدليل المقيد لإطلاق الحديث، وترد حجتهم لمجرد أنهم قاسوا حال سجود الشمس على حال سجود الآدمي، هذه مسألة.
أما المسألة الثانية: فهي أنه لا يلزم من خرور الشمس؛ وذلك بالسفول والارتفاع كما في الحديث عند مسلم: "حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت" (٢)، أقول لا يلزم من خرور الشمس أن تنزل نزولًا ملحوظ المقدار أو ترتفع ارتفاعًا ملحوظ المقدار كذلك؛ فالحديث أُطْلِق ولم يَذكر مقدار مسافة الخرور سفولًا، ولم يعين مقدار مسافة الارتفاع، عندما تقضي سجودها
стр. 3942
واستئذانها؛ كما أن الحديث كما ذكرناه لم يعين مقدار زمن سجودها، وكذا استئذانها. ولنضرب على ذلك مثلًا: أليس يصح السجود بالإيماء البسيط الذي لا يكاد يُرى من المريض الذي لا يستطيع الحراك؟ فهذا الذي يومئ بالسجود إيماء حتى ولو كان يسيرًا جدًّا يصح سجوده ويقع منه، فكيف إذا علمنا أن سجود الشمس بطبعه مختلف ويرد على صفته - أي سجود الشمس - من الممكنات والاحتمالات ما لا يرد ولا ينطبق على سجود الآدمي؟ .
وعليه فالذين يتوقعون أو يتصورون من خرور الشمس واستئذانها مسافة معينة أو زمانًا مقدرًا؛ عليهم الدليل الذي بموجبه اختاروا هذا التقييد؛ ولا يصح منهم تصورهم الذي يُلْزِمُون به أنفسهم أو يُلْزِمُون به غيرهم بناء على القياس والمقارنة بين سجود الشمس وخرورها، وكذا سجود الآدمي وخروره. وبقي هنا فائدة لطيفة وهي أن الخرور قد يأتي بمعنى الركوع، وعلى هذا المعنى لا يلزم أن يكون النزول كاملًا ملحوظًا، كما لو كان في السجود الحقيقي الكامل، كما في قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤].
وقياسًا على هذا عموم هذا المعنى: لا قياسًا على فعل الآدمي، نقول أنه لا يلزم من خرور الشمس أن يكون خرورًا بالغ السفول بحيث يستنكر الناس منها ذلك، وقبل ذلك كله ذكرنا أن الحديث لم يبين مقدار مسافة السفول أو مقدار مسافة الارتفاع؛ فقد يقع منها الخرور والارتفاع بمقدار يسير لا يلحظه أحد، وذلك بسنتيمترات يسيرة مثلًا والحديث بإطلاقه لكيفية وصفة السجود لا يمنع من هذا الاحتمال (١).
الوجه الثاني عشر: لا يلزم أن يكون سجودها كسجود الآدميين .
كما أن سجودها متحقق بخضوعها لخالقها وانقيادها لأمره؛ وهذا هو السجود العام لكل شيء خلقه الله؛ كما في آية الحج السابقة؛ إذ كل شيء من خلق الله تعالى يسجد له ويسبح بحمده. قال تعالى في آية النحل: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ
стр. 3943
وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩] والشمس داخلة في دواب السماء؛ لأن معنى الدبيب السير والحركة، والشمس متحركة تجري لمستقر لها كما هو معلوم بنص القرآن (١).
الوجه الثالث عشر: الجهل بحقيقة الشمس .
فلو سألنا المعترض هل تيسرت لك آلات تستطيع بها رؤية الشمس والاقتراب منها ودراسة طبيعتها وجغرافيتها هذا ما لم يتوصل إليه أحد ولن يستطيع فلا معنى للاعتراض.
الوجه الرابع عشر: الجهل بكنه العرش .
قال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، في غير ما آية من القرآن: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، وفي دعاء الكرب المروي في الصحيح: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا هو رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم (٢).
وفي صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وفوقه عرش الرحمن" (٣).
يروى وفوقه بالنصب على الظرفية، وبالرفع على الابتداء، أي: وسقفه، وذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة، وربما سموه: الفلك الأطلس، والفلك التاسع! وهذا ليس بصحيح؛ لأنه قد ثبت في
стр. 3944
الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، كما قال ﷺ : "فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا أنا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَفاقَ قَبلي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ". (١)
والعرش في اللغة: عبارة عن السرير الذي للملك، كما قال تعالى عن بلقيس: ولها عرش عظيم. وليس هو فلكًا، ولا تفهم منه العرب ذلك، والقرآن إنما نزل بلغة العرب، فهو: سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات، فمن شعر أمية بن أبي الصلت:
مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرًا
بالناء العالي الذي بهر الناس ... وسوى فوق السماء سريرًا
شرجعًا لا يناله بصر العين ... ترى حوله الملائك صورًا
الصور هنا جمع: أصور، وهو: المائل العنق لنظره إلى العلو. والشرجع: هو العالي المنيف، والسرير: هو العرش في اللغة. ومن شعر عبد الله بن رواحة ﵁ الذي عَرَّض به عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته:
شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسومينا. (٢)
وروى أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام. (٣)
стр. 3945
ورواه ابن أبي حاتم ولفظه: تخفق الطير سبعمائة عام. وأما من حرف كلام الله وجعل العرش عبارة عن الملك، كيف يصنع بقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، أيقول: ويحمل ملكه يومئذ ثمانية؟ ! وكان ملكه على الماء! ويكون موسى ﵇ آخذًا من قوائم الملك؟ ! هل يقول هذا عاقل يدري ما يقول! (١).
الوجه الخامس عشر: أن الشمس تعتبر ساجدة في كل مكان .
فهي أينما كانت فهي تحت العرش وجميع المخلوقات؛ لأنه سقفها، وليس بكرة كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة؛ وإنما هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة، وهو فوق العالم مما يلي رؤوس الناس، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون من العرش، فإذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام، وهو وقت نصف الليل، صارت أبعد ما تكون من العرش؛ فحينئذ تسجد وتستأذن في الطلوع، كما جاءت بذلك الأحاديث (٢).
الوجه السادس عشر: الرد على النصارى بما عندهم .
ولنرى الآن ماذا يقول كتاب النصارى المقدس في سفر الجامعة (١/ ٥): وَالشَّمْسُ تُشْرِقُ، وَالشَّمْسُ تَغْرُبُ، وَتُسْرِعُ إِلَى مَوْضِعِهَا حَيْثُ تُشْرِقُ.
وفي أيوب (٩/ ١٠: ٤): هُوَ حَكِيمُ الْقَلْبِ وَشَدِيدُ الْقُوَّةِ. مَنْ تَصَلَّبَ عَلَيْهِ فَسَلِمَ؟ ٥ المُزحْزِحُ الجبَالَ وَلا تَعْلَمُ، الَّذِي يَقْلِبُهَا فِي غَضَبِهِ. ٦ المُزعْزِعُ الأَرْضَ مِنْ مَقَرِّهَا، فَتَتَزَلْزَلُ أَعْمِدَتها. ٧ الآمِرُ الشَّمْسَ فَلا تُشْرِقُ، وَيَخْتِمُ عَلَى النُّجُومِ. ٨ الْبَاسِطُ السَّمَاوَاتِ وَحْدَهُ، وَالمَاشِي عَلَى أَعَالِي الْبَحْرِ. ٩ صَانِعُ النَّعْشِ وَالجبَّارِ وَالثُّرَيَّا وَمَخَادِعِ الجَنُوبِ. ١٠ فَاعِلُ عَظَائِمَ لا تُفْحَصُ، وَعَجَائِبَ لا تُعَدُّ.
* * *
стр. 3946
١٢ - شبهة: الإسراء والمعراج .
نص الشبهة:
إنكار حادث الإسراء والمعراج إذ هو لا يخضع لقوانين الكون الثابتة فكان ذكره من قبيل الخرافات التي يذكرها الإسلام.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ثبوتها نقلًا وعقلًا .
الوجه الثاني: الله لا يخضع لقوانين الكون وهو سبحانه على كل شيء قدير.
الوجه الثالث: اعتقاد أهل السنة والجماعة في حادثة الإسراء والمعراج.
الوجه الرابع: قدرة الإنسان محدودة بالنسبة لقدرة المخلوقات الأخرى.
الوجه الخامس: ذكر بعض الأحداث التي دست في حادثة الإسراء والمعراج.
الوجه السادس: الرد من الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل،
الوجه الأول: ثبوتها نقلًا وعقلًا.
أما نقلًا: من الكتاب: قال الله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١].
قال الطبرى: إن الله أسرى بعبده محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، أن الله حمله على البراق حين أتاه به، وصلى هنالك بمن صلى من الأنبياء والرسل، فأراه ما أراه من الآيات. (١)
من السنة: عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ﵄، أَنَّ نَبِيَّ الله ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: "بَيْنَمَا أنا فِي الحَطِيمِ، - وَرُبَّما قَالَ: فِي الحِجْرِ - مُضْطَجِعًا إِذْ
التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، قَالَ: سَألتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ، قَالَ: فَلمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي" (١).
وأما عقلًا:
قال الرازى: أما المقام الأول: وهو إثبات الجواز العقلي، فنقول: الحركة الواقعة في السرعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها والله تعالى قادر على جميع الممكنات، وذلك يدل على أن حصول الحركة في هذا الحد من السرعة غير ممتنع، فنفتقر هاهنا إلى بيان مقدمتين:
المقدمة الأولى: في إثبات أن الحركة الواقعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها ويدل عليه وجوه:
الأول: أن الفلك الأعظم يتحرك من أول الليل إلى آخره ما يقرب من نصف الدور وقد ثبت في الهندسة أن نسبة القطر الواحد إلى الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع، فيلزم أن تكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور، نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع، وبتقدير أن يقال أن رسول الله ﷺ ارتفع من مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم، فهو لم يتحرك إلا بمقدار نصف القطر، فلما حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدور فكان حصول الحركة بمقدار نصف القطر أولى بالإمكان، فهذا برهان قاطع على أن الارتقاء من مكة إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث من الليل أمر ممكن في نفسه، وإذا كان كذلك كان حصوله في كل الليل أولى بالإمكان والله أعلم.
الثاني: وهو أنه ثبت في الهندسة أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة وستين وكذا مرة، ثم إنا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع، وذلك يدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه.
الثالث: أنه كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم، فإن كان القول بمعراج محمد ﷺ في الليلة الواحدة ممتنعًا في العقول، كان القول بنزول
стр. 3950
جبريل ﵇ من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعًا، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنًا في نبوة صع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والقول بثبوت المعراج فرع على تسليم جواز أصل النبوة، فثبت أن القائلين بامتناع حصول حركة سريعة إلى هذا الحد، يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل ﵇ في اللحظة من العرش إلى مكة، ولما كان ذلك باطلًا كان ما ذكروه أيضًا باطلًا.
فإن قالوا: نحن لا نقول إن جبريل ﵇ جسم ينتقل من مكان إلى مكان، وإنما نقول المراد من نزول جبريل ﵇ هو زوال الحجب الجسمانية عن روح محمد ﷺ حتى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرًا متجليًا في ذات جبريل ﵇.
قلنا: تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء، فأما جمهور المسلمين فهم مقرون بأن جبريل ﵇ جسم وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأفلاك إلى مكة، وإذا كان كذلك كان الإلزام المذكور قويًا، رُوِيَ أنه ﷺ لما ذكر قصة المعراج كذبه الكل وذهبوا إلى أبي بكر وقالوا له: إن صاحبك يقول كذا وكذا فقال أبو بكر: إن كان قد قال ذلك فهو صادق، ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر الرسول ﷺ له تلك التفاصيل، فكلما ذكر شيئًا قال أبو بكر صدقت فلما تمم الكلام قال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله حقًّا، فقال له الرسول: وأنا أشهد أنك الصديق حقًّا، وحاصل الكلام أن أبا بكر ﵁ كأنه قال لما سلمت رسالته فقد صدقته فيما هو أعظم من هذا فكيف أكذبه في هذا؟ .
الرابع: أن أكثر أرباب الملل والنحل يسلمون وجود إبليس، ويسلمون أنه هو الذي يتولى إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم، ويسلمون أنه يمكنه الانتقال من المشرق إلى المغرب لأجل إلقاء الوساوس في قلوب بني آدم، فلما سلموا جواز مثل هذه الحركة السريعة في حق إبليس، فلأن يسلموا جواز مثلها في حق أكابر الأنبياء كان أولى، وهذا الإلزام قوي على من يسلم أن إبليس جسم ينتقل من مكان إلى مكان، أما الذين يقولون
стр. 3951
إنه من الأرواح الخبيثة الشريرة وأنه ليس بجسم ولا جسماني، فهذا الإلزام غير وارد عليهم، إلا أن أكثر أرباب الملل والنحل يوافقون على أنه جسم لطيف متنقل.
فإن قالوا: هب أن الملائكة والشياطين يصح في حقهم حصول مثل هذه الحركة السريعة لأنهم أجسام لطيفة، ولا يمتنع حصول مثل هذه الحركة السريعة في ذواتها، أما الإنسان فإنه جسم كثيف فكيف يعقل حصول مثل هذه الحركة السريعة فيه؟
قلنا: نحن إنما استدللنا بأحوال الملائكة والشياطين على أن حصول حركة منتهية في السرعة إلى هذا الحد ممكن في نفس الأمر، وأما بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها كانت أيضا ممكنة الحصول في جسم البدن الإنساني.
الخامس: أنه جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان ﵇ إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة قال تعالى في صفة مسير سليمان ﵇: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] بل نقول: الحس يدل على أن الرياح تنتقل عند شدة هبوبها من مكان إلى مكان في غاية البعد في اللحظة الواحدة، وذلك أيضًا يدل على أن مثل هذه الحركة السريعة في نفسها ممكنة.
السادس: أن القرآن يدل على أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر بدليل قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠]، وإذا كان ممكنًا في حق بعض الناس، علمنا أنه في نفسه ممكن الوجود.
السابع: إن من الناس من يقول: الحيوان إنما يبصر المبصرات لأجل أن الشعاع يخرج من عينيه ويتصل بالمبصر، ثم إنا إذا فتحنا العين ونظرنا إلى رجل، رأيناه فعلى قول هؤلاء انتقل شعاع العين من أبصارنا إلى رجل في تلك اللحظة اللطيفة، وذلك يدل على أن الحركة الواقعة على هذا الحد من السريعة من الممكنات لا من الممتنعات، فثبت بهذه الوجوه أن حصول الحركة المنتهية في السرعة إلى هذا الحد أمر ممكن الوجود في نفسه.
стр. 3952
المقدمة الثانية: في بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها وجب أن لا يكون حصولها في جسد محمد ﷺ ممتنعًا، والذي يدل عليه أنَّا بينَّا بالدلائل القطعية أن الأجسام متماثلة في تمام ماهياتها، فلما صح حصول مثل هذه الحركة في حق بعض الأجسام وجب إمكان حصولها في سائر الأجسام، وذلك يوجب القطع بأن حصول مثل هذه الحركة في جسد محمد ﷺ أمر ممكن الوجود في نفسه.
وإذا ثبت هذا فنقول: ثبت بالدليل أن خالق العالم قادر على كل الممكنات، وثبت أن حصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسد محمد ﷺ ممكن، فوجب كونه تعالى قادرًا عليه وحينئذ يلزم من مجموع هذه المقدمات أن القول بثبوت هذا المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه، أقصى ما في الباب أنه يبقى التعجب، إلا أن هذا التعجب غير مخصوص بهذا المقام، بل هو حاصل في جميع المعجزات، فانقلاب العصا ثعبانًا تبلغ سبعين ألف حبل من الحبال والعصي، ثم تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت أمر عجيب، وخروج الناقة العظيمة من الجبل الأصم، وإظلال الجبل العظيم في الهواء عجيب، وكذا القول في جميع المعجزات فإن كان مجرد التعجب يوجب الإنكار والدفع، لزم الجزم بفساد القول بإثبات المعجزات وإثبات المعجزات فرع على تسليم أصل النبوة وإن كان مجرد التعجب لا يوجب الإنكار والإبطال فكذا ههنا، فهذا تمام القول في بيان أن القول بالمعراج ممكن غير ممتنع، والله أعلم. (١)
وقال رحمت الله الهندي: أما عقلًا: فلأن خالق العالم قادر على كل الممكنات، وحصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسد محمد ﷺ ممكن، فوجب كونه تعالى قادرًا عليه، وغاية ما في الباب أنه خلاف العادة والمعجزات كلها تكون كذلك. (٢)
وأما عن قولهم: لماذا قال ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾؟ لماذا ذكر كلمة (ليلًا) والإسراء لا يكون إلا بالليل؟
стр. 3953
قال الزمخشري: فإن قلت: الإسراء لا يكون إلا بالليل، فما معنى ذكر الليل؟ قلت: أراد بقوله (لَيْلًا) بلفظ التنكير: تقليل مدّة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشأم مسيرة أربعين ليلة، وذلك أنّ التنكير فيه قد دلّ على معنى البعضية. (١)
وأما قولهم ما الحكمة في لقاء النبي ﷺ الأنبياء في السموات، والأنبياء مقرهم في ساحة الجنة؟ فما وجه لقائهم في سماء سماء؟ .
قال ابن بطال: فوجهه أنهم تلقوه ﷺ كما يتلقى القادم يسابق الناس إليه على قدر سرورهم بلقائه. (٢)
وبمثل هذا القول قال ابن الملقن في شرحه لصحيح البخاري. (٣)
الوجه الثاني: الله لا يخضع لقوانين الكون وهو سبحانه على كل شيء قدير .
ذكر بعض الآيات التي تدل علي قدرة الله وأنه على كل شيء قدير، قال الله سبحانه وتعالي: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٦ - ٧].
وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ
стр. 3954
مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾ [النور: ٤٥]، وقال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ٩ - ١٣]، وقال الله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧].
قال الطبري: لا يمنعه مانع، مِنْ فِعْل أراد أن يفعله، ولا يحول بينه وبين ذلك حائل، لأن له مُلك السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم. (١)
قال الرازي: على مذهب أهل السنة والجماعة، فهو أنه تعالى فعال لما يريد: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فلا اعتراض عليه في فعله. ولا مجال لأحد في منازعته، وكل شيء صنعه ولا علة لصنعه، وإذا كان كذلك فقد صارت أبواب القيل والقال مسدودة، وطرق الاعتراضات مردودة. (٢)
الوجه الثالث: اعتقاد أهل السنة في حادثة الإسراء والمعراج .
قال الطبري: إن الله أسرى بعبده محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، أن الله حمله على البراق حين أتاه به، وصلى هنالك بمن صلى من الأنبياء والرسل، فأراه ما أراه من الآيات. (٣)
قال ابن تيمية: ونصدق بحديث المعراج. (٤)
стр. 3955
قال ابن القيم: أُسْرِيَ برسول الله ﷺ بِجَسَدِهِ على الصحيح، مِن المسجد الحرامِ إلى بيتِ المقدس، راكبًا على البُراقِ، صُحبة جبريل عليهما الصلاةُ والسَّلام، فنزل هُناكَ، وصَلَّى بالأنبياء إِمامًا، وربط البُراقَ بحَلْقَةِ بابِ المسجد. (١)
الوجه الرابع: قدرة الإنسان محدودة بالنسبة لقدرة المخلوقات الأخرى .
إن الله لم يخلق الإنس وفقط بل إن مخلوقاته لا تعد ولا تحصى، قال سبحانه: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧].
ومن مخلوقات الله الإنس والجن والملائكة وهم المكلفون بعبادة الله رب العالمين ولا شك أن التكوين الخلقي لكل منهم يختلف عن الآخر، فعن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ "خُلِقَتِ الملَائكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجانُّ مِنْ مَارجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لكُمْ". (٢)
بالنسبة للملائكة: سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ عن قول الله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]، ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٤] فقال: "إِنَّما هُوَ جِبْرِيلُ لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ التي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ المرّتَيْنِ رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ". (٣)
وأخبر النبي ﷺ عن ملك من حملة العرش. فعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "أُذِنَ لي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ الله مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمائَةِ عَامٍ". (٤)
стр. 3956
بالنسبة للجن والشياطين: قال الله في الشيطان: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧].
قال الطبري: يعني جل ثناؤه بذلك: إن الشيطان يراكم هو، و"الهاء" في "إنه" عائدة على الشيطان. و"قبيله"، يعني: وصنفه وجنسه الذي هو منه واحدٌ. (١)
قال الله : ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.
قال ابن كثير: في قوله ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾: وقوله ها هنا: ﴿وَحِفْظًا﴾ تقديره: وحفظناها حفظًا، ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ يعني: المتمرد العاتي إذا أراد أن يسترق السمع، أتاه شهاب ثاقب فأحرقه، ولهذا قال: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ أي: لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى، وهي السماوات ومن فيها من الملائكة، إذا تكلموا بما يوحيه الله مما يقوله من شرعه وقدره.
وعن أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: "إِذَا قَضَى الله الأَمْرَ في السَّمَاءِ ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ - قَالَ عَليٌّ وَقَالَ غَيْرُهُ صَفْوَانٍ - يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ، قَالُوا للذي قَالَ الْحَقَّ وَهْوَ الْعَليُّ الْكَبِيرُ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا وَاحِدٌ فَوْقَ آخَرَ- وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابعِ يَدِهِ الْيُمْنَى، نَصبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ - فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ المُسْتَمِعَ، قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَيُحْرِقَهُ وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِىَ بِهَا إِلَى الذي يَلِيهِ إِلَى الذي هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الأَرْضِ- وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ حَتَّى تنتهي إِلَى الأَرْضِ- فَتُلْقَى عَلَى فَمِ السَّاحِرِ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ فَيَصْدُقُ، فَيَقُوُلونَ أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ
стр. 3957
كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا، فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا لِلْكَلِمَةِ التي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ". (١)
وهذا فيه من الأدلة ما فيه على أن الشياطين تستطيع أن تصل إلى ما لا يمكن أن يصل إليه الإنسان من حيث الأماكن.
الوجه الخامس: ذكر بعض الأحداث التي دست في حادثة الإسراء والمعراج .
قال ابن تيمية: وفيه ما هو ضعيف وفيه ما هو من الموضوعات المختلقات مثل ما يرويه بعضهم فيه أن النبي ﷺ قال له جبرائيل هذا قبر أبيك إبراهيم انزل فصل فيه وهذا بيت لحم مولد أخيك عيسى انزل فصل فيه. وأعجب من ذلك أنه قد روي فيه أنه قيل له في المدينة انزل فصل هاهنا قبل أن يبني مسجده وإنما كان المكان مقبرة المشركين والنبي ﷺ بعد الهجرة إنما نزل هناك لما بركت ناقته هناك فهذا ونحوه من الكذب المختلق باتفاق أهل المعرفة وبيت لحم كنيسة من كنائس النصارى ليس في إتيانها فضيلة عند المسلمين. (٢)
قال ابن القيم: وقد قيل: إنه نزل ببيتِ لحمٍ، وصلَّى فيه، ولم يَصِحَّ ذَلكَ عَنْهُ البتة. (٣)
قال السيوطي: إلى القوم الذين يجتمعون على كتاب "الإسراء والعراج" الذين ينسبونه لابن عباس- ﵄ وإلى القوم الذين تركوا صحيح السنة إلى ضعيف الآثار. ومحض الصواب من الاتباع إلى محض الباطل من الرأي والظن والهوى. أهدي هذا الكتاب عسى أن تهتدي به نفس إلى أتباع الهدي النبوي الصحيح وترك احتطاب الليل، وأتباع الهوى (٤).
الوجه السادس: الرد من الكتاب المقدس .
قال رحمت الله الهندي: في إثبات معجزة الإسراء والمعراج:
وأما نقلًا فلأن صعود الجسم العنصري إلى الأفلاك ليس بممتنع عند أهل الكتاب.
١ - قال القسيس وليم اسمت في كتابه المسمى بطريق الأولياء في بيان حال أخنوخ
стр. 3958
الرسول الذي كان قبل ميلاد المسيح بثلاث آلاف سنة وثلثمائة واثنتين وثمانين سنة هكذا:
(أن الله نقله حيًا إلى السماء لئلا يرى الموت كما هو مرقوم أنه لم يوجد لأن الله نقله فترك الدنيا من غير أن يحمل المرض والوجع والألم والموت ودخل بجسده في ملكوت السماء).
وقوله كما هو مرقوم إشارة إلى الآية الرابعة والعشرين من الباب الخامس من سفر التكوين، وفي الباب الثاني من سفر الملوك الثاني هكذا: ١ (وكان لما أراد الرب أن يصعد إيليا بالعجاج إلى السماء انطلق إيليا واليسع من الجلجال ١١ وبينما هما يسيران ويتكلمان إذ بعجلة من نار وخيل من نار فاقتربت فيما بينهما وصعد إيليا بالعجاج إلى السماء).
وقال آدم كلارك المفسر في شرح هذا المقام: (لا شك أن إيليا رفع إلى السماء حيًا).
والآية التاسعة عشر من الباب السادس عشر من إنجيل مرقس هكذا: (ثُمَّ إِنَّ الرَّبَّ بَعْدَمَا كَلَّمَهُمُ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ الله) (مرقس ١٦/ ١٩).
وقال بولس في حال معراجه في الباب الثاني عشر من رسالته الثانية إلى أهل قورنيثوس هكذا: (أَعْرِفُ إِنْسَانًا فِي الْمسِيحِ قَبْلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. أَفي الجسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ، أَمْ خَارِجَ الجسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. الله يَعْلَمُ. اخْتُطِفَ هذَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ. ٣ وَأَعْرِفُ هذَا الإِنْسَانَ: أَفي الجسَدِ أَمْ خَارِجَ الجسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. الله يَعْلَمُ. أَنَّهُ اخْتُطِفَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ، وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لَا يُنْطَقُ بِهَا، وَلَا يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتكلَّمَ بِهَا).
وقال يوحنا في الباب الرابع من المكاشفات: بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ، وَالصَّوْتُ الأَوَّلُ الَّذِي سمِعْتُهُ كَبُوق يَتكلَّمُ مَعِي قَائِلًا: "اصْعَدْ إِلَى هُنَا فأُرِيَكَ مَا لَا بُدَّ أَنْ يَصِيرَ بَعْدَ هذَا". ٢ وَللْوَقْتِ صرْتُ فِي الرُّوحِ، وَإِذَا عَرْشٌ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ.
فهذه الأمور مسلمة عند المسيحيين فلا مجال للقسيسين أن يعترضوا على معراج النبي ﷺ عقلًا أو نقلًا. نعم يرد عليهم أنه لا وجود للسماوات على حكم علم الهيئة الجديد، فكيف يصدق عندهم أن أخنوخ وإيليا والمسيح ﵈ رفعوا إلى السماء وجلس المسيح على يمين الله واختطف مقدسهم إلى السماء الثالثة وإلى الفردوس. وقد
стр. 3959
عرفنا مطهر البابويين وجهنمهم كما مر في الفصل الثاني من الباب الخامس لكنا ما عرفنا فردوس المسيحيين أهو على السماء الثالثة الموهومة كأنياب الأغوال عندهم أو فوقها أو هو عبارة عن جهنم كما يفهم بملاحظة الإنجيل وكتاب عقائدهم، لأن المسيح قال للسارق المصلوب معه وقت الصلب إنك اليوم تكون معي في الفردوس.
وهم يصرخون في العقيدة الثالثة من عقائدهم أنه نزل إلى جهنم، فإذا لاحظنا الأمرين يعلم أن الفردوس عندهم جهنم.
قال جواد بن ساباط في البرهان السادس عشر من المقالة الثانية من كتابه أن القسيس كياروس سألني في حضور المترجمين: ماذا يعتقد المسلمون في معراج محمد ﷺ ؟ قلت: إنهم يعتقدون أنه من مكة إلى أورشليم ومنه إلى السماء. قال: لا يمكن صعود الجسم إلى السماء. قلت: سألت بعض المسلمين عنه فأجاب أنه يمكن كما أمكن لجسم عيسى ﵇. قال القسيس: لِمَ لَمْ تستدل بامتناع الخرق والالتئام على الأفلاك؟ قلت: استدللت به لكنه أجاب أنهما ممكنان لمحمد ﷺ كما كانا ممكنين لعيسى ﵇. قال القسيس: لمَ لَمْ تقل أن عيسى إله له أن يتصرف ما يشاء في مخلوقاته؟ قلت: قد قلت ذلك لكنه قال أن ألوهية عيسى باطلة لأنه يستحيل أن يطرأ على الله علامات العجز كالمضروبية والمصلوبية والموت والدفن. ونقل بعض الأحياء أن قسيسًا في بلد بنارس من بلاد الهند كان يقول في بعض المجامع تغليطًا لجهال المسلمين البدويين كيف تعتقدون المعراج وهو أمر مستبعد فأجابه مجوسي من مجوس الهند أن المعراج ليس بأشد استبعادًا من كون العذراء حاملة من غير زوج، فلو كان مطلق الأمر المستبعد كاذبًا فهذا أيضًا يكون كاذبًا فكيف تعتقدونه فبهت القسيس. (١)
وجاء في الكتاب المقدس: (وَعِنْدَمَا أَزْمَعَ الرَّبُّ أَنْ يَنْقُلَ إِيِلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ، ذَهَبَ إِيِليَّا وَأَليشَعُ مِنَ الجلْجَالِ. . . . وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيتَجَاذَبَانِ أَطْرَافَ الحْدِيثِ، فَصَلَتْ بَيْنَهما مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ تَجُرهَا خُيُولٌ نَارَّيةٌ، نَقَلَتْ إِيليَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ) (الملوك الثاني ٢: ١ - ١١).
стр. 3960
١٣ - شبهة: شهادة الناس على الميت .
نص الشبهة:
عن أَنَسِ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَجَبَتْ ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ: "وَجَبَتْ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ﵁ مَا وَجَبَتْ قَال: "هَذَا أثنيتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أنتُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الْأَرْضِ". يقولون: كيف يدخل أحد النار بمجرد أن يشهد عليه أحد الناس؟ .
والرد علي ذلك من وجوه:
الوجه الأول: المعنى الصحيح للحديث .
الوجه الثاني: الشهادة المقبولة من الناس على الميت خاصة بالثقات المتقين فقط.
الوجه الثالث: لا بد أن يكون لثناء الأمة على الميت فائدة، وثناء الأمة إلهام من الله تعالى.
الوجه الرابع: قد يستشكل البعض هذا الحديث مع حديث النهي عن سب الأموات، وإليك حل الإشكال.
وإليك التفصيل،
الوجه الأول: المعنى الصحيح للحديث.
وقبل أن نشرع في معنى الحديث نذكر معنى الشهادة:
قال ابن حجر: هي مصدر شهد يشهد قال الجوهري: الشهادة خبر قاطع والمشاهدة المعاينة مأخوذة من الشهود أي الحضور لأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره. (١)
وقال القاضي: والشهداء: جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة، أو الناصر، والإمام كأنه سمي به، لأنه يحضر النوادي ويبرم بحضرته الأمور، إذ التركيب للحضور إما بالذات أو التصور، ومنه قيل للمقتول في سبيل الله شهيد، لأنه حضر ما كان يرجوه أو الملائكة حضوره، والملائكة شهداء الله في السماء. (٢)