قال القرطبي ﵀: وقد جاءنا على لسان من دلت المعجزة بصدقه أن الله تعالى إذا حشر الخلائق في صعيد واحد يعني يوم القيامة فيقال للنصارى: ما كنتم تعبدون فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله فيقول لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبه ولا ولد، ثم يقال لهم: ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا. فالله الله أدرك بقية نفسك قبل حلول رمسك، واستعمل سديد عقلك، ولا تعول على تقليد فاسد نقلك، واتبع الدين القويم دين الأب إبراهيم فما كان يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولكن كان حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين فالله يعلم أني انظر إليك وإلى كافّة خلق الله بعين الرحمة، وأسأله هداية من ضل من هذة الأمة وأتأسف على الأباطيل التي ينتحلون فإنا لله وإنا إليه راجعون. (١)
وإن ما ذكر عنهم في هذا الحديث، هو حال كل صاحب باطل؛ فإنّه يخونه باطله أحوج ما كان إليه فإن الباطل لا حقيقة له وهو كاسمه باطل فإذا كان الاعتقاد غير مطابق، ولا حق كان متعلقه باطلًا، وكذلك إذا كانت غاية العمل باطلة كالعمل لغير الله، أو على غير أمره بطل العمل ببطلان غايته وتضرر عامله ببطلانه وبحصول ضد ما كان يؤمله فلم يذهب عليه عمله واعتقاده لا له ولا عليه بل صار معذبًا بفوات نفعه وبحصول ضد النفع فلهذا قال تعالى ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب فهذا مثل الضَّال الذي يحسب أنه على هدى. (٢)
الدليل التاسع: وفيه بشرى لكل مسلم بصفة عامة، ولكل نصراني دخل في الإسلام بصفة خاصة، وفيه أن عيسى عبد الله ورسوله: عن عبادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل من أي أبواب الجنة الثمانية شاء". (٣)
стр. 422
قال النووي ﵀: هذا حديث عظيم الموقع، وهو أجمع أو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد؛ فإنه ﷺ جمع فيه ما يخرج عن جميع ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدهم، فاختصر ﷺ في هذه الأحرف ما يباين به جميعهم وسمى عيسى ﵇ كلمة لأنه كان بكلمة كن فحسب من غير أب، بخلاف غيره من بني آدم. قال الهروي: سمى كلمة لأنه كان عن الكلمة فسمى بها كما يقال للمطر رحمة، قال الهروي: وقوله تعالى ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي رحمة قال: وقال ابن عرفة: أي ليس من أب إنما نفخ في أمه الروح، وقال غيره: وروح منه أي مخلوقة من عنده، وعلى هذا يكون إضافتها إليه إضافة تشريف كناقة الله، وبيت الله وإلا فالعالم له ومن عنده. (١)
وقال ابن حجر: قال القرطبي: مقصود هذا الحديث التنبيه على ما وقع للنصارى من الضلال في عيسى، وأمه ويستفاد منه ما يلقنه النصراني إذا أسلم. وقال غيره: في ذكر عيسى تعريض بالنصارى وإيذان بأن إيمانهم مع قولهم بالتثليث شرك محض، وكذا قوله: عبده، وفي ذكر رسوله تعريض باليهود في إنكارهم رسالته، وقذفه بما هو منزه عنه وكذا أمه وفي قوله وابن أمته تشريف له وكذا تسميته بالروح ووصفه بأنه منه كقوله تعالى وسخر لكم ما في الأرض جميعًا منه فالمعنى أنه كائن منه كما أن معنى الآية الأخرى أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه أي أنه مكون كل ذلك وموجده بقدرته وحكمته، وقوله: وكلمته إشارة إلى أنه حجة الله على عباده أبدعه من غير أب، وأنطقه في غير أوانه، وأحيى الموتى على يده، وقيل: سمي كلمة الله لأنه أوجده بقوله: فلما كان بكلامه سمي به كما يقال سيف الله وأسد الله وقيل لما قال في صغره إني عبد الله، وأما تسميته بالروح فلما كان أقدره عليه من إحياء الموتى، وقيل: لكونه ذا روح وجد من غير جزء من ذي روح. (٢) ومن فوائد هذا الحديث عدم الخلط بين الإسلام وغيره من الأديان، فقوله: "وأن عيسى عبد
стр. 423
الله ورسوله" تعريض باليهود في التفريق بين رسله في إنكارهم رسالته، ثم رسالة محمد ﷺ وتعريض بالنصارى- أنفسهم- في قولهم بالإيمان به مع التثليث، وهو شرك محض؛ وبه تعرف السر في تخصيص ذكر عيسى ﵇ في هذا الحديث العظيم الجامع، ألا وحدة بين مسلم يؤمن بجميع أنبياء الله ورسله، ويهودي، أو نصراني: لا يؤمن بمحمد ﷺ كما قال الله -سبحانه-: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ [البقرة: ١٣٧]. (١)
الدليل العاشر: شهادة النجاشي لما جاء في القرآن من أن عيسى عبد، وقد كان على دينهم بل كان حاكمهم:
عن أم سلمة ﵂ زوج النبيِّ ﷺ قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا على أن يبعثوا إلى النجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة المخرومي وعمرو بن العاص، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا إلى النجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. قالت فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار وعند خير جوار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعًا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق أنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤا بدين مبتدع لانعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إليك فيهم أشارف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فإذا كلما الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم؛ فإن قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا نعم، ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهم،
стр. 424
ثم كلماه فقالا له أيها لا ملك إنَّه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قوهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم، فقالت بطارقته حوله صدقوا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما ليردوهم إلا بلادهم وقومهم، قالت فغضب النجاشي، ثم قال: لا ها الله أذن لا أسلمهم إليهما ولا أكاد أقوام جاوروني ونزلوا ببلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسئلهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني، قالت ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه قالوا نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا ﷺ كائنًا في ذلك ما هو كائن، فلما جاؤه -وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله- سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الأمم، قالت وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له أيها الملك! كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام، ونسىء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة، قالت فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده ولم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا
стр. 425
قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك، قالت فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص (١)﴾ قالت فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقوا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا ولا أكاد قالت أم سلمة فلما خرجنا من عنده قال عمرو بن العاصي والله لآتينه غدًا أعيبهم عنده بما استأصل به خضراءهم، قالت فقال عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا لا تفعل فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا، قال والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد، قالت ثم غدًا عليه من الغد فقال له أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه، قالت فأرسل إليهم فسألهم عنه، قالت ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه، قالوا نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا كائنًا في ذلك ما هو كائن، فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته التي ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه، فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم، وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي- "والسيوم" الآمنون- من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبر ذهب وإني آذيت رجلًا منكم-"، وفيه أن النجاشي وافق الصحابة على اعتقاد المسلمين في عيسى ﵇. (١)
стр. 426
الدليل الحادي عشر: وفيه نهي النبي ﷺ أصحابه وأمته عن الغلو الذي وقع فيه النصارى .
فعن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله". (١)
قال ابن حجر: والإطراء المدح بالباطل، تقول أطريت فلانًا مدحته فأفرطت في مدحه.
وقوله: كما أطرت النصارى ابن مريم، أي في دعواهم فيه الإلهية، وغير ذلك. (٢)
الدليل الثاني عشر: وفيه إثبات كفر النصاري الذين لا يؤمنون برسول الله محمد ﷺ ومما جاء به نبوة عيسى لا إلاهيته: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ قَال: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدهِ؛ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ". (٣)
قال النووي: وأما الحديث ففيه نسخ الملل كلها برسالة نبينا ﷺ ، وفي مفهومه دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور، وهذا جار على ما تقدم في الأصول؛ أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح والله أعلم. وقوله ﷺ : "لا يسمع بي أحد من هذه الأمة" أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم
стр. 427
كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى. والله أعلم (١).
الدليل الثالث عشر: يثبت أن عيسى مولودًا وقاه الله شر الشيطان عند الولادة، فلو كان إلهًا لوقى نفسه، وأيضًا قد سبق أن الإله لم يلد ولم يولد:
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد؛ فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها". ثم يقول أبو هريرة واقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]. (٢)
قال القرطبي: هذا الطعن من الشيطان، هو ابتداء التسليط فحفظ الله مريم وابنها منه ببركة دعوة أمها حيث قالت: إني أعيذها بك، وذريتها من الشيطان الرجيم، ولم يكن لمريم ذرية غير عيسى (٣)، وأيضًا هذه فضيلة ظاهرة، وظاهر الحديث اختصاصها بعيسى وأمه، واختار القاضي عياض أن جميع الأنبياء يتشاركون فيها. (٤)
الدليل الرابع عشر: وفيه أن عيسى يهتم بالتبليغ عن الله تعالى:
عن الحارث الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنه كاد أن يبطئ بها فقال عيسى ﵇ إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم، وإما أنا آمرهم فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي، أو أعذب، فجمع الناس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وتعدوا على الشرف، فقال إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن أولهن أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب، أو ورق فقال: هذه داري، وهذا عملي فاعمل، وأد إلي، فكان يعمل، ويؤدي إلى غيره سيده فأيكم يرضي أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب
стр. 428
وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت وآمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك فكلهم يعجب، أو يعجبه ريحها، وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وآمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال أنا أفديه منكم بالقليل، والكثير ففدى نفسه منهم، وآمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله قال النبي ﷺ وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن السمع والطاعة والجهاد والهجرة، والجماعة فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع، ومن ادعى دعوى الجاهلية، فإنه من جثا جهنم فقال رجل يا رسول الله وإن صلى وصام؟ قال وإن صلى وصام فدعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله هذا". (١)
الدليل الخامس عشر: وفيه إثبات مرحلة المهد لعيسى ﵇ وأن الله أنطقه في المهد .
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج، كان يصلي، جاءته أمه فدعته، فقال: أجيبها أو أصلي؟ فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته؛ فتعرضت له امرأة وكلمته، فأبى فأتت راعيًا، فأمكنته من نفسها؛ فولدت غلامًا، فقالت: من جريج! فأتوه، فكسروا صومعته، وأنزلوه وسبوه، فتوضأ وصلى، ثم أتى الغلام؛ فقال: من أبوك يا غلام؟ قال الراعي. قالوا: نبني صومعتك من ذهب؟ قال لا إلا من طين، وكانت امرأة ترضع ابنا لها من بني إسرائيل، فمر بها رجل راكب ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله! فترك ثديها، وأقبل على الراكب، فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه -قال أبو هريرة كأني أنظر إلى النبي ﷺ يمص إصبعه- ثم مر بأمة، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها، فقال اللهم اجعلني مثلها، فقالت لم ذاك؟ فقال الراكب
стр. 429
جبار من الجبابرة، وهذه الأمة يقولون سرقت زنيت ولم تفعل". (١)
الدليل السادس عشر: وفيه أن عيسى ابن مريم ﵇ يحج البيت الحرام: عن أبي هريرة ﵁ يحدث عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، ليهلن ابن مريم بفج الروحاء، حاجًّا أو معتمرًا أو ليثنينهما". (٢)
فهذه جملة من الأحاديث في سنة النبي ﷺ تثبت تارة أنه عبد، وتارة أنه مخلوق، وتارة أنه نبي ... إلخ، وفي كل الأحوال هذه صفات لا تليق بالله تعالى؛ لأنها صفات المخلوقين، وقد ذكرنا في المقدمة بعض النصوص التي تدل على توحيد الله تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فهي في جملتها تضاف إلى الأدلة الدّالة من القرآن والسنة على بطلان ألوهية المسيح ﵇.
الوجه الرابع: الأدلة من العهد القديم والأناجيل الأربعة على بطلان ألوهية المسيح .
وهي على أقسام:
القسم الأول: الأدلة المؤكدة لوحدانية الله تعالى الذي في السماوات ، وأنه رب واحد، وإله واحد، لا يشاركة في ربوبيته ولا ألوهيته أحد، ولا تجوز العبادة إلا له وحده فقط:
لقد تضافرت على إثبات تلك العقيدة: أي توحيد الذّات وتوحيد الربوبية والألوهية، والتي هي أساس جميع الرسالات السماوية، نصوص العهد الجديد والعهد القديم، وفيما يلي بيان بعض هذه النصوص:
أولًا: من العهد الجديد:
١ - جاء في إنجيل مرقس (١٢/ ٣١: ٢٨): فَجَاءَ وَاحِدٌ مِنَ الْكَتبَةِ وَسَمِعَهُمْ يَتَحَاوَرُونَ، فَلَمّا رَأَى أَنَّهُ أَجَابَهُمْ حَسَنًا، سَأَلهُ: "أيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ أَوَّلُ الْكُلِّ؟ " فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: "إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: اسْمَعْ يَا إِسْرَائيلُ. الرَّبُّ إِلهنا رَبٌّ وَاحِدٌ. وَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهك مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمنْ كُلِّ قُدْرَتكَ. هذه هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى. وَثَانِيَةٌ مِثْلُهَا هِيَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. لَيْسَ وَصِيَّةٌ أُخْرَى أَعْظَمَ مِنْ
стр. 430
هَاتَيْنِ". ٣٢ فَقَال لَهُ الْكَاتِبُ: "جَيِّدًا يَا مُعَلِّمُ. بِالحقِّ قُلْتَ، لأنَّهُ الله وَاحِدٌ وَلَيْسَ آخَرُ سِوَاهُ".
قلت: هكذا جاء النص في إنجيل مرقس كما في العهد القديم، أما متى ولوقا فقد قاما بحذف عبارة: اسْمَعْ يَا إِسرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ، وجاءت العبارة هكذا في إنجيل متى، حيث سأله الغربيين قائلًا في الفقرة: يا معلم أية وصية هي العظمى في الناموس؟ فقال له يسوع: وَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمنْ كُلِّ فِكْرِكَ، هذه هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى. وَثَانِيَةٌ مِثْلُهَا هِيَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. لَيْسَ وَصِيَّةٌ أُخْرَى أَعْظَمَ مِنْ هَاتَيْنِ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأنبِيَاءُ (متى ٢٢/ ٣٦: ٤٠).
وفي إنجيل لوقا: فقال له ما هو مكتوب في الناموس كيف تقرأ؟
فأجاب وقال: وَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كلِّ قَلْبِكَ، وَمنْ كلِّ نَفْسِكَ، وَمنْ كلِّ قدرتك، مِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ (لوقا ١٠/ ٢٦، ٢٧).
وهذا يؤكد أن توحيد الربوبية والألوهية أساس الشريعة وأساس دعوة جميع الأنبياء ﵈، وهذا ما صدقه القرآن في قوله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
ومما يجدر بالذكر، أن سيدنا عيسى ﵇ بين أنه لا وصية أعظم من هاتين الوصيتين، وأنهما أساس الناموس وأساس جميع دعوات الأنبياء، وبناء عليه، فلو كانت ألوهية عيسى ﵇ ومشاركة الابن لله في ألوهيته، عقيدة حقة، والإيمان بها شرط ضروري للنجاة والخلاص الأخروي -كما نص عليه دستور الإيمان الذي تقرر بمجمع نيقية- لبيَّن عيسى ﵇ ضرورة الإيمان بذلك ولم يكتمه، خاصة في هذا المقام الذي سئل فيه عن أهم الوصايا، فلما لم يذكر ذلك في هذا المقام، علم أن ألوهية عيسى ليست من وصايا الله أصلًا. (١)
стр. 431
(٢) وجاء في إنجيل يوحنا (١٧/ ١ - ٣): "تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهذَا وَرَفَعَ عَيْنيهِ نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَال: "أَيُّهَا الآبُ، قَدْ أتتِ السَّاعَةُ. مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أيضًا، إِذْ أَعْطَيْتَهُ سُلْطَانًا عَلَى كُلِّ جَسَدٍ لِيُعْطِيَ حَيَاةً أبدِيَّةً لِكُلِّ مَنْ أَعْطَيْتَهُ. وَهذه هِيَ الحيَاةُ الأبدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أنتَ الإِلهَ الحقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ المسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ".
وطبعًا هذا الكلام معناه باللغة العربية المتداولة: (لا إله إلا الله، المسيح رسول الله). (١)
وهي ما تعني بوضوح أن الجنة وحياتها الأبدية لا تنال إلا بالشهادة لله بالتوحيد، ولنبيه وصفيه المسيح ﵇ بالرسالة، وهو ما يعتقده المسلمون فيه ﷺ (٢).
ففي هذه الآية بين عيسى ﵇ أن النجاة الأخروية تكمن في: الإيمان بأن الآب هو الإله الحقيقي وحده، فلفظة وحدك صريحة قاطعة في انفراد الآب بالألوهية، وعدم مشاركة أي أحد آخر -ومنهم المسيح الابن- له فيها. ويؤكد هذه أكثر عطف المسيح، كرسولٍ لله تعالى، فيما يجب معرفته والإيمان به. وهذا هو عين ما قاله القرآن الكريم وهو وجوب الإيمان بالله وحده لا شريك له، وبأن المسيح رسول الله، على نبينا وعليه الصلاة والسلام. ثم كيف يقول المسيح للإله هذه هي الحياة الأبدية أيها الإله أن يعرفوك أنك أنت الإله الحقيقي ولاحظ قال كلمة ﴿وحدك﴾ ثم اعترف أن الله هو من أرسله؟ أليس المسيح هو الإله؟ لو كان هو الله حقًّا كما تزعمون لقال ليعرفوك أني الإله الحقيقي وحدي أو
стр. 432
ليعرفوا أنك أنت الأب وأنا الابن وهناك الروح القدس، ونحن إله واحد؟ أليس هذا من الدجل؟ (١) وجاء في إنجيل متى (٤/ ٨ - ١٠) قصة امتحان الشيطان للمسيح: "ثُمَّ أَخَذَهُ أيضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالمِ وَمَجْدَهَا، وقال لَهُ: "أُعْطِيكَ هذه جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي". حِينَئِذٍ قَال لَهُ يَسُوعُ: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأنهُ مَكْتُوب: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" فهل كان الشيطان يعِد الرب العظيم -مالك كل شيء وواهبه- بالدنيا؟ ! ! .
وينقل القمص تادرس يعقوب ملطي في تفسيره لإنجيل متى عن القديس جيروم قوله: "يقصد إبليس بكلِّ هذه التجارب أن يعرف إن كان هو الحق ابن الله، ولكن المخلص كان موفقًا في إجاباته تاركًا إياه في شك"، فالشيطان كان وبقي جاهلًا بألوهية المسيح المدعاة. (٢)
فسيدنا المسيح ﵇ يؤكد على ما هو منصوص في التوراة بأن الرب الإله وحده فقط، الذي ينبغي ويصح السجود له وعبادته، وبالتالي فلا تجوز العبادة ولا السجود لأي شيء آخر غيره، سواء كان المسيح الابن أو العذراء الأم أو الصليب أو أي كائن آخر سوى الله تعالى.
ثم إن نفس امتحان الشيطان لعيسى ﵇ ووسوسته له ومحاولته إضلاله لأكبر دليل، في حد ذاته، على بشرية عيسى المحضة وعدم إلهيته، إذ ما معنى امتحان الشيطان لله خالقه وربه؟ ! ومتى وكيف يكون الله تعالى في حاجة للامتحان والاختبار؟ ! وفي إنجيل برنابا (الفصل الثالث والتسعون) "أَشهد أمام السماء، وأُشهد كل شيء على الأرض أني بريء من كل ما قد قلتم لأني إنسان مولود من امرأة فانية بشرية وعرضة لحكم الله، مكابد شقاء الأكل والمنام وشقاء البرد والحر كسائر البشر". (٣)(٣) وفي إنجيل متى (١٩/ ١٦ - ١٧): "وَإِذَا وَاحِدٌ تَقَدَّمَ وَقَال لَهُ: "أَيُّهَا المعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيَّ صَلَاحٍ أَعْمَلُ لِتكُونَ لِيَ الحْيَاةُ الأبدِيَّةُ؟ " ١٧ فَقَال لَهُ: "لمَاذَا تَدْعُوني صَالِحَا؟
стр. 433
لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ الله. وَلكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الحْيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا".
قلت: لقد نفى سيدنا عيسى ﵇ بكل صراحة عن نفسه الصلاح، ولعل المقصود به الصلاح الذاتي المطلق أي القداسة الذاتية المطلقة، وأثبته لله الواحد الأحد فقط. هذا القول يقلع أصل التثليث وما رضي تواضعًا أن يطلق عليه لفظ الصالح أيضًا، ولو كان إلهًا لما كان لقوله معنى، ولكان عليه أن يبين لا صالح إلا الأب وأنا وروح القدس، ولم يؤخر البيان عن وقت الحاجة، وإذا لم يرض بقوله الصالح فكيف يرضى بأقوال أهل التثليث التي يتفوهون بها في أوقات صلاتهم (يا ربنا وإلهنا يسوع لا تضيع من خلقت بيدك) حاشا جنابه أن يرضى بها. (١)(٤) وفي إنجيل متى (٢٣/ ٨ - ١٠) يقول المسيح ﵇ لأتباعه: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَا تدْعَوْا سَيِّدِي، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ المسِيحُ، وَأنتُمْ جَمِيعًا إِخْوَةٌ. وَلَا تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ، لأَنَّ أباكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.".
فالمعروف أنه في لغة الإنجيل، كثيرًا ما يعبر عن الله بالآب، وهنا كذلك، فقول عيسى ﵇" لا تدعوا لكم أبًا على الأرض لأن أباكم واحد الذي في السماوات" يعني ليس لكم إله إلا الله وحده الذي في السماوات، وهذا صريح في نفي ألوهية كل أحد ممن هو على الأرض، ويدخل في هذا النفي المسيح كذلك لكونه على الأرض.
ويؤكد ذلك أيضًا، الاقتصار على وصف المسيح بالسيد والمعلم وعدم وصفه بالإله.
هذا وفيما يلي نورد عبارتين للقديس بولس، الذي يحتل مكانة عظيمة لدى النصارى؛ حيث تعتبر رسائله من إلهام الله تعالى، وبالتالي لها منزلة الوحي المعصوم عندهم، لذا ألحقت رسائله الأربعة عشر بالأناجيل واعتبرت جزءًا من كتاب العهد الجديد:
(٥) جاء في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس (٨/ ٤ - ٦): "فَمِنْ جِهَةِ أكْلِ مَا ذُبحَ لِلأَوْثَانِ: نَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ وَثَنٌ فِي الْعَالمِ، وَأَنْ لَيْسَ إِله آخَرُ إِلَّا وَاحِدًا. لأنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ مَا يُسَمَّى
стр. 434
آلهة، سِوَاءٌ كَانَ فِي السَّمَاءِ أَوْ عَلَى الأَرْضِ، كما يُوجَدُ آلِهةٌ كَثِيرُونَ وَأَرْبَابٌ كَثِيرُونَ. ٦ لكِنْ لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ المسِيحُ، الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ بِهِ". فقوله" ليس إله آخر إلا واحدًا" هو نفس الكلمة الطيبة وشعار التوحيد الخالد الذي بعث به جميع الأنبياء: "لا إله إلا الله". وقوله "ولكن لنا إله واحد: الآب الذي منه جميع الأشياء" في غاية الصراحة والوضوح في إفراد الآب وحده بالإلهية وأن كل ما سواه -بما فيهم المسيح- مخلوق منه. ويزيد هذا الإفراد للآب بالألوهية تأكيدًا، ذكر يسوع المسيح بعده بصفة الرب فقط، ولا شك أنه لا يريد بالرب هنا الألوهية وإلا عاد مناقضا لنفسه؛ إذ يكون قد أثبت لنا إلهين اثنين بعد أن أكد أنه ليس لنا إلا إله واحد، لذلك لابد أن يكون مراده بالرب معنى غير الله، وهذا المعنى هو السيد المعلم، كما تدل عليه رسائله الأخرى وكما هو مصرح به في إنجيل يوحنا من أن لفظة الرب -عندما تطلق على المسيح- يقصد بها المعلم، ففي الإصحاح الأول من إنجيل يوحنا (٣٨): "فقالا ربي! -الذي تفسيره: يا معلم! - أين تمكث؟ "وكذلك في إنجيل يوحنا (٢٠/ ١٦): "قَال لها يَسُوعُ: "يَا مَرْيَمُ" فَالْتَفَتَتْ تِلْكَ وَقَالتْ لَهُ: "رَبُّوني! " الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ."
(٦) وفي رسالته إلى أهل أفسس (٤/ ٦): "إِلهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ". (١)
ثانيًا: من العهد القديم: (١) أول وصية من الوصايا العشر التي أوحاها الله تعالى لسيدنا موسى ﵇، وكتبها له في الألواح، كما جاءت في سفر الخروج (٢٠/ ١ - ٤) من التوراة الحالية: "أنَّا الرَّبُّ إِلهك الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لَا يَكُنْ لَكَ آلهةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لَا تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا، وَلَا صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الماءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لَا تَسْجُدْ لهنَّ وَلَا تَعْبُدْهُنَّ".
(٢) وفي سفر الخروج أيضًا (٢٣/ ١٣): "وَلَا تَذْكُرُوا اسْمَ آلهةٍ أُخْرَى، وَلَا يُسْمَعْ مِنْ فَمِكَ."
стр. 435
(٣) وفي سفر التثنية من التوراة (٦/ ٤ - ٥ ثم ١٤ - ١٦) يوحي الله تعالى إلى موسى ﵇ أن يقول لبني إسرائيل: "اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهنا رَبٌّ وَاحِدٌ. فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمنْ كُلِّ قُوتِكَ .... الرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقِي، وَإِيَّاهُ تَعْبُدُ، وَبِاسْمِهِ تَحْلِفُ. لَا تَسِيرُوا وَرَاءَ آلهةٍ أُخْرَى مِنْ آلهةِ الأُمَمِ الَّتِي حَوْلَكُمْ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهكُمْ إِله غَيُورٌ فِي وَسَطِكُمْ، لِئَلَّا يَحْمَى غَضَبُ الرَّبِّ إِلِهكُمْ عَلَيْكُمْ فَيُبِيدَكُمْ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ".
(٤) وفي سفر التثنية (٤/ ٣٩) من التوراة أيضًا: "فَاعْلَمِ الْيَوْمَ وَرَدِّدْ فِي قَلْبِكَ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الإِلهُ فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَعَلَى الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ. لَيْسَ سِوَاهُ".
(٥) وفي سفر أخبار الأيام الأول (١٧/ ٢٠) قول داود ﵇ الله : "يَا رَبُّ، لَيْسَ مِثْلُكَ وَلَا إِلهَ غَيْرُكَ حَسَبَ كُلِّ مَا سَمِعْنَاهُ بِآذَانِنَا.".
(٦) وفي سفر نحميا (٩/ ٥ - ٧) من العهد القديم: "قُومُوا بَارِكُوا الرَّبَّ إِلهكُمْ مِنَ الأَزَلِ إِلَى الأبدِ، وَلْيَتبَارَكِ اسْمُ جَلَالِكَ المتعَالِي عَلَى كُلِّ بَرَكَةٍ وَتَسْبِيحٍ. أَنْتَ هُوَ الرَّبُّ وَحْدَكَ. أَنْتَ صَنَعْتَ السَّمَاوَاتِ وَسَمَاءَ السَّمَاوَاتِ وَكُلَّ جُنْدِهَا، وَالأَرْضَ وَكُلَّ مَا عَلَيْهَا، وَالْبِحَارَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَأَنْتَ تُحْيِيهَا كُلَّهَا. وَجُنْدُ السَّمَاءِ لَكَ يَسْجُدُ.".
(٧) وفي زبور داود ﵇ المسمى بسفر المزامير (١٦/ ١ - ٢ - ٤): "اِحْفَظْنِي يَا الله لأني عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ. قُلْتُ لِلرَّبِّ: "أنتَ سَيِّدِي. خَيْرِي لَا شَيْءَ غَيْرُكَ، تكثر أَوْجَاعُهُمُ الَّذِينَ أَسْرَعُوا وَرَاءَ آخَرَ. لَا أَسْكُبُ سَكَائِبَهُمْ مِنْ دَمٍ، وَلَا أَذْكُرُ أَسْمَاءَهُمْ بِشَفَتَيَّ".
(٨) وفي المزامير لداود ﵇ أيضًا (١٨/ ٣٠ - ٣١): "الله طَرِيقُهُ كَامِل. قَوْلُ الرَّبِّ نَقِيٌّ. تُرْسٌ هُوَ لِجمِيعِ المُحْتَمِينَ بِهِ. لأنهُ مَنْ هُوَ إِله غَيْرُ الرَّبِّ؟ وَمَنْ هُوَ صَخْرَة سِوَى إِلِهنَا؟ ".
(٩) وفي سفر النبي إشعيا ﵇ (٤٤/ ٦): "هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ وَفَادِيهِ، رَبُّ الجنُودِ: "أنَّا الأَوَّلُ وَأَنا الآخِرُ، وَلَا إِلهَ غَيْري".
(١٠) وفي سفر النبي إشعيا أيضًا (٤٥/ ٧: ٥): "أنَّا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. لَا إِلهَ سِوَايَ. نَطَّقْتك وَأنتَ لَمْ تَعْرِفْني. لِكَيْ يَعْلَمُوا مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ وَمنْ مَغْرِبِهَا أَنْ لَيْسَ غَيْرِي. أنَّا الرَّبُّ وَلَيْسَ
стр. 436
آخَرُ. مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ، صَانع السَّلَامِ وَخَالِقُ الشَّرِّ. أنَّا الرَّبُّ صَانع كُلِّ هذه".
القسم الثاني: نصوص يبين فيها المسيح بكل وضوح أن الله تعالى إلهه ومعبوده .
(١) في إنجيل يوحنا (٢٠/ ١٧): "قَال لها يَسُوعُ: "لَا تَلْمِسِينِي لأنِّي لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي. وَلكِنِ اذْهَبِي إِلَى إِخْوتي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلِهكُمْ".
قلت: هذه الآية من أصرح العبارات في نفي عيسى الألوهية عن نفسه؛ إذ كيف يكون إلهًا وهو يعترف ويقر بأن الله تعالى إلهه؟ ! وهل الله يكون له إله؟ ؟ وهذا هو ما صدَّقَه القرآن الكريم حين أكد أن عيسى ﵇ كان يقول: ﴿وَقَال الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]. ومثله أيضًا ما قاله تعالى عنه ﵇ أنه سيقول يوم القيامة: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧].
(٢) وفي إنجيل متى (٢٧/ ٤٦)، وإنجيل مرقس (١٥/ ٣٤): "وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: "إِيلي، إِيلي، لِمَا شَبقْتَنِي؟ " أَيْ: إِلِهي، إِلِهي، لِماذَا ترَكْتَنِي؟ "
قلت: وهنا أيضًا يبين عيسى المسيح ﵇ أن الله تعالى إلهه، ويستغيث بإلهه هذا بتكرار وتضرع، فأين هذا ممن يدعي أن عيسى المسيح نفسه كان هو الله تعالى؟ !
(٣) وفي رسالة القديس بولس إلى أهل أفسس (١/ ٣ و ١٦ - ١٧): "مُبَارَكٌ الله أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ المُسِيحِ، ..... لَا أَزَال شَاكِرًا لأَجْلِكُمْ، ذَاكِرًا إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي، كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلهُ رَبِّنَا يَسُوعَ المُسِيحِ، أَبُو المجْدِ، رُوحَ الحِكْمَةِ وَالإِعْلَانِ فِي مَعْرِفَتِهِ، "قلت: فوصف بولسُ الله تعالى بأنه أبو المسيح، ثم وصفه بإله المسيح، مما يفيد بكل وضوح أن يسوع المسيح عبدٌ لله وليس بإله، إذ لو كان المسيح إلها لما قال بولس أن الله تعالى إلهه، لأن "الإله" أزلي واجب الوجود لا خالق ولا إله له، وهذا من أوضح الواضحات! !
(٤) ومن ذلك ما جاء في متى في وصف المسيح "هو ذا عبدي" (متى ١٢/ ١٨)، وفي سفر أعمال الرسل "قد مجد عبده يسوع .. القدوس البار" (أعمال ٣/ ١٣ - ١٤)، "فإليكم أولًا
стр. 437
أرسل الله عبده" (أعمال ٣/ ٢٦)، وفي موضع آخر: "عبدك القديس يسوع" (أعمال ٤/ ٣٠).
وقد استبدلت لفظة (عبد) في التراجم العربية الحديثة بكلمة "فتى" الموهمة للعبودية أو البنوة، وذلك في التراجم العربية المختلفة، فيما تستخدم التراجم الإنجليزية كلمة (servant)، والتي تعني خادم أو عبد.
وكتوضيح لهذا الصنيع الموهم ننقل قول متى: "لكي يتم ما قيل بإشعياء النبي القائل: هوذا فتاي الذي اخترته، حبيبي الذي سرت به نفسي، أضع روحي عليه فيخبر الأمم بالحق" (متى ١٢/ ١٧ - ١٨)، فاستخدم كلمة (فتى)، فيما استخدم سفر إشعيا الذي نقل منه متى كلمة (عبد)، فيقول: "هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرت به نفسي، وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم" (إشعيا ٤٢/ ١).
القسم الثالث: نصوص تبين عبادة المسيح لله ﷻ ، وإكثاره من الصلاة له ﵎ .
(١) في إنجيل متى (١٤/ ٢٣ - و ٢٥) "وبعد ما صفَّ الجموع، صعَد (أي المسيح) إلى الجبل منفردًا ليصلي. ولما صار المساء كان هناك وحده. وفي الهزيع الرابع من الليل مضى إليهم يسوع ماشيا على البحر! ".
قلت: من هذا النص يتبين أمران: أولًا: أن سيدنا المسيح ﵇ كان يحبِّذ الصلاة منفردًا؛ مما يفيد أن هذه الصلاة كانت فعلًا لرغبته بعبادة الله تعالى، لا لمجرد تعليم التلاميذ.
ثانيًا: أنه ﵇ كان يقضي أحيانًا أكثر النهار وأكثر الليل في الصلاة، كما يفيده قوله: "ولما صار المساء"، وقوله: "وفي الهزيع الرابع من الليل" الذي يفيد أنه إلى ذلك الوقت كان لا يزال منفردًا لوحده مستيقظًا مشغولًا بالصلاة والمناجاة والعبادة. والنصوص الأخرى التالية تؤكد هذا المعنى:
(٢) في إنجيل مرقس (١/ ٣٥): "وَفِي الصُّبْحِ بَاكِرًا جِدًّا قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَوْضِعٍ خَلَاءٍ، وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ.
(٣) وفي إنجيل لوقا (٥/ ١٦): "وأما هو (أي عيسى) فكان يعتزل في البراري ويصلي".
стр. 438
(٤) وفي إنجيل لوقا (٦/ ١٢) في تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلي وقضى الليل كله في الصلاة لله
(٥) وفي لوقا (٩/ ٢٦) أيضًا: "وبعد هذا الكلام بنحو ثمانية أيام أخذ بطرس ويوحنا ويعقوب وصعد على جبل ليصلي، وفيما هو يصلي صارت هيئة وجهه متغيرة ولباسه مبيضا لامعًا".
(٦) وفي إنجيل لوقا أيضًا (٩/ ١٨): "وَفِيمَا هُوَ يُصَلِّي عَلَى انْفِرَادٍ كَانَ التَّلَامِيذُ مَعَهُ".
(٧) وفي إنجيل لوقا كذلك (١١/ ١): "وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ، لمَّا فَرَغَ، قَال وَاحِدٌ مِنْ تَلَامِيذِهِ: "يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ كَمَا عَلَّمَ يُوحَنَّا أيضًا تَلَامِيذَهُ".
(٨) وفي إنجيل متى (٢٦/ ٣٦): "حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ يَسُوعُ إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَال بها جَثْسَيْمَانِي، فَقَال لِلتَّلَامِيذِ: "اجْلِسُوا ههُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ".
(٩) وفي إنجيل متى أيضًا (٢٦/ ٣٩ - ٤٤): "ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلًا وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلًا: "يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ". ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّلَامِيذِ فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا، فَقَال لِبُطْرُسَ: "أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدةً؟ اسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلَّا تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الجَسَدُ فَضَعِيفٌ". فَمَضَى أيضًا ثَانِيَةً وَصَلَّى قَائِلًا: "يَا أَبَتَاهُ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ إِلَّا أَنْ أَشْرَبَهَا، فَلْتكُنْ مَشِيئَتُكَ". ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهُمْ أيضًا نِيَامًا، إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ ثَقِيلَةً. فَتَرَكَهُمْ وَمَضَى أيضًا وَصَلَّى ثَالِثَةً قَائِلًا ذلِكَ الْكَلَامَ بِعَيْنِهِ."
(١٠) ويصور لوقا صلاته ﵇، فيقوله: "جثا على ركبتيه وصلى" (لوقا ٢٢/ ٤١).
وذات يوم وقبل اختياره للتلاميذ" خرج إلى الجبل ليصلي، وقضى الليل كله في الصلاة لله، ولما كان النهار دعا تلاميذه" (لوقا ٦/ ١٢) فلمن كان الإله يصلي طوال الليل منفردًا؟ وكان يصلي متواريًا، وصار عرقه كعبيط الدم، يقول لوقا: "وإذ كان في جهاد كان يصلي بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض، ثم قام من الصلاة وجاء إلى تلاميذه" (لوقا
стр. 439
٢٢/ ٤٤)، يقول يوحنا ذهبي الفم: "من ذا لا يتعجب عندما يرى الله جائيًا ومصليًا" (١).
ومن تضرعه واستغاثته بربه، ما ذكره يوحنا عن حال المسيح ﵇ عندما أحيا لعازر" ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال: أيها الآب أشكرك، لأنك سمعت لي، وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي، ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت، ليؤمنوا أنك أرسلتني" (يوحنا ١١ - ٤٠/ ٤١).
والتضرع والعبادة نوع من دلائل العبودية لا يجوز نسبته إلى الله أو للمتحد معه؛ إذ الأناجيل شهدت بعبوديته والتزامه بناموس موسى ﵇ في سائر أحواله.
ويتحدث بولس عن انتصار المسيح ﵇ على الكل بما فيهم الموت، ثم يذكر خضوعه بعد ذلك لله، فيقول: "متى أخضع له الكل، فحينئذ الابن نفسه أيضًا سيخضع للذي أخضع له الكل (لله)، كي يكون الله الكل في الكل" (كورنثوس (١) ١٥/ ٢٨). قلت: من تلك النصوص يظهر مدى اهتمام عيسى بالصلاة لله ، وأن الصلاة كانت عبادة محببة له ومفزع يلجأ إليه عند الملمات، وأنه كان في الغالب يصعد للهضاب؛ ليصلي لوحده منفردًا، يقضي بذلك أحيانًا أكثر الليل وأكثر النهار أيضًا.
ونسأل القارىء المنصف: هل الله تعالى يصلي؟ ؟ وإن صلَّى فلمن يصلي؟ ألنفسه؟ ! وهل هذا يمكن أن يقول به مجنونٌ فضلًا عن عاقل؟ ! إذن أليست تلك النصوص دلائل بينة وقاطعة على نفي إلهية عيسى وتأكيد عبوديته لله الواحد القهار؟ ؟
القسم الرابع: الله تعالى أعظم من المسيح: (١) في إنجيل يوحنا (١٤/ ٢٨) يقول السيد المسيح ﵇ لتلاميذه: "سَمِعْتُمْ أَنِّي قُلْتُ لَكُمْ: أَلا أَذْهَبُ ثُمَّ آتِي إِلَيْكُمْ. لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي لَكُنْتُمْ تَفْرَحُونَ لَأَنِّي قُلْتُ أَمْضِي إِلَى الآبِ، لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي." قلت: الجملة الأخيرة صريحة في نفي عيسى ﵇ الألوهية عن نفسه؛ لأنه لو كان إلها -كما يدعون- لكان كاملًا مطلقًا، والكامل المطلق لا يوجد من هو أعظم منه، في حين أن المسيح ﵇
стр. 440
يثبت أن الآب (أي الله تعالى) أعظم منه.
وهذا النص أيضًا يبين خطأ دستور الإيمان الذي أقره مجمع نيقية، والذي نص على التساوي بين الآب والابن. سبحان الله! رسول الله عيسى المسيح ﵇ ينفي التساوي بينه وبين الله، ويبين أن الله تعالى أعظم منه، وآباء مجمع نيقية يصرون على تساويهما، فأيهما نصدق؟
(٢) وفي رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس (١٥/ ٢٨): "وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ (أي الله) الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أيضًا سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ الله الْكُلَّ فِي الْكُلِّ."
قلت: ففي هذا النص، يبين بولس أن المسيح سيخضع في النهاية لله، وهذا بعد ذاته من أوضح الأدلة على عدم إلهية المسيح لأن الإله لا يخضع لأحد، كما أن في قوله: "سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ"، دلالة أخرى على عدم إلهية المسيح لأن مفاد هذه الجملة أن الله تعالى هو الذي كان قد أخضع للمسيح كل شيء، مما يعني أن المسيح لم يكن يستطع، بذاته ومستقلًا عن الله، أن يسخر ويخضع الأشياء. فهل مثل هذا يكون إلهًا؟ ! !
القسم الخامس: نصوص يؤكد فيها المسيح محدودية علمه: (١) بها إنجيل مرقس (١٣/ ٣٢) يقول المسيح عن يوم القيامة: "وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتلْكَ السَّاعَةُ فَلَا يَعْلَمُ بِهِما أَحَدٌ، وَلَا المَلَائِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلَا الابْنُ، إِلَّا الآبُ.".
(٢) وفي إنجيل متى (٢٤/ ٣٦)، قول عيسى أيضًا: "وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتلْكَ السَّاعَةُ فَلَا يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلَا مَلَائِكَةُ السَّمَاوَاتِ، إِلَّا أَبِي وَحْدَهُ". قلت: هذا النص من أوضح الأدلة على نفي إلهية المسيح ﵇؛ لأن المسيح حصر علم قيام الساعة بأبيه الله تعالى وحده فقط، ونفي هذا العلم عن نفسه وعن سائر عباد الله الآخرين من الملائكة وغيرهم، وسوى بين نفسه وبين سائر المخلوقات في انتفاء العلم بالساعة، وهذا ما صدقه القرآن الكريم أيضًا حين أكد انحصار علم الساعة بالله تعالى وحده كما جاء في قوله تعالى مثلًا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ... ﴾ (الأعراف: ١٨٧)، وهذا من أوضح الأدلة على بشرية عيسى ﵇ المحضة، لأنه لو كان إلها؛ لكان علمه محيطًا بكل
стр. 441
شيء ومساويًا لعلم الآب في كل شيء. هذا، ولما لم يكن العلم من صفات الجسد، فلا يجري فيه عذر أساقفة النصارى المشهور بأنه" نفى العلم باعتبار جسميته وناسوته"! لأن العلم ليس من صفات الجسد بل من صفات الروح. فظهر من ذلك بشريته المحضة عدم وجود أي طبيعة إلهية في المسيح ﵇ إذ لو وجدت لما جهل هذه الأمور.
(٣) في إنجيل متى (٢١/ ١٨ - ١٩): "وَفِي الصُّبْحِ إِذْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى المدِينَةِ جَاعَ، فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ عَلَى الطَّرِيقِ، وَجَاءَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا وَرَقًا فَقَطْ. فَقَال لَهَا: "لَا يَكُنْ مِنْكِ ثَمَر بَعْدُ إِلَى الأبدِ! ".
وفي إنجيل مرقس (١١/ ١٢ - ١٤): (وفي الغد لما خرجوا من بيت عنيا جاع، فنظر شجرة تين من بعيد عليها ورق وجاء لعله يجد فيها شيئًا فلما جاء إليها لم يجد شيئًا إلا ورقًا لأنه لم يكن وقت التين فأجاب يسوع وقال لها: لا يأكل أحد منك ثمرًا بعد إلى الأبد وكان تلاميذه يسمعون).
هذا النص يبين أن سيدنا عيسى ﵇ لما رأى الشجرة من بعيد، لم يدر ولم يعلم أنها في الواقع غير مثمرة، بل توقّع لأول وهلة أن تكون مثمرة، لذلك ذهب باتجاهها، لكن لما اقترب منها ظهر له أنها غير مثمرة فعند ذلك غضب عليها ولعنها! . وفي هذا عدة دلائل واضحة على نفي إلهية عيسى ﵇:
أولًا: عدم علمه منذ البداية بخلو الشجرة من الثمر يؤكد بشريته المحضة؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وثانيًا: كونه جاع تأكيد آخر أنه بشر محض، يحتاج للغذاء للإبقاء على حياته، فإن قالوا بأنه جاع بحسب ناسوته، قلنا أفلم يكن لاهوته قادرًا على إمداد ذلك الناسوت (أي الجسد)؟ ! خاصة أنكم تدعون أن اللاهوت طبيعة دائمة له وحاضرة لا تنفك عنه! ! .
وثالثًا: أنه لما وجد الشجرة غير مثمرة لعنها وبقي جائعًا! ولو كان إلها لكان عوضًا عن أن يلعنها ويبقى جائعًا، يأمرها أمرًا تكوينيا أن تخرج ثمرها على الفور؛ لأن الله لا
стр. 442
يعجزه شيء، بل يقول للشيء كن فيكون، فكيف يُصْرَفون عن هذه الدلائل الواضحات والآيات البينات! وهل بعد الحق إلا الضلال؟
ومنها عدم علم المسيح ﵇ بأشياء كثيرة ، أهمها جهله بيوم القيامة، فقد قال: "أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن، إلا الآب" (مرقس ١٣/ ٣٢)، فكيف تدعي النصارى بعد ذلك ألوهيته، فالجهل بالغيب مبطل لها. وليس ما يجهله المسيح هو موعد القيامة فحسب، بل كل ما غاب عنه فهو غيب يجهله إلا ما أطلعه الله عليه، ولذلك نجده عندما أراد إحياء لعازر يسأله" فانزعج بالروح واضطرب وقال: أين وضعتموه؟ " (يوحنا ١١/ ٣٣ - ٣٤). ولما جاءه رجل يريد منه شفاء ابنه من الجنون" فسأل أباه: كم من الزمان منذ أصابه هذا؟ فقال: منذ صباه" (مرقس ٩/ ١١).
القسم السادس: نصوص تفيد ابتداء بعثة المسيح بنزول الملائكة وروح القدس عليه عند اعتماده عن يد النبي يحيى (يوحنا) المعمدان ﵇ -:
(١) جاء في إنجيل متى (٣/ ١٣ - ١٧): "حِينَئِذٍ جَاءَ يَسُوعُ مِنَ الجلِيلِ إِلَى الأُرْدُنِّ إِلَى يُوحَنَّا لِيَعْتَمِدَ مِنْهُ. وَلكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلًا: "أَنا مُحتاج أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ! " فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَال لَهُ: "اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نكمِّلَ كُلَّ بِرّ". حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ. فَلَمّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ المُاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ الله نَازِلًا مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ، وَصَوْت مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلًا: "هذَا هُوَ ابْني الحبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ". وأقول: من البديهي أنه لو كان المسيح ﵇ هو الله تعالى نفسه الذي تجسد ونزل لعالم الدنيا -كما يدعون- لكانت رسالته مبتدئة منذ ولادته، ولكان روح القدس ملازمًا له باعتباره جزء اللاهوت الذي لا يتجزأ -كما يدعون-، ولما احتاج إلى من ينزل عليه بالوحي أو الرسالة، ولما كان هناك أي معنى أصلًا لابتداء بعثته بهبوط روح القدس عليه، وابتداء هبوط الملائكة صاعدين نازلين بالوحي والرسائل عندما بلغ الثلاثين من العمر، واعتمد على يد يوحنا النبي ﵇! ، فهذا النص والنصوص التالية التي تبيّن كيفية بدء البعثة النبوية للمسيح، لأكبر وأوضح دليل -عند ذوي التجرد والإنصاف- على بشرية
стр. 443
المسيح المحضة وعدم إلهيته، وأنَّه ليس الله المتجسد بل عبدٌ رسول ونبيٌّ مبعوثٌ برسالة من الله كسائر الأنبياء والرسل وحسب.
(٢) ولقد استشهد متى في إنجيله، ببشارة كانت قد وردت في سفر إشعيا من العهد القديم فاعتبرها بشارة عن المسيح، وهي تشير أيضًا لنزول روح الله (أي جبريل) على المبشَّر به، ليعلن الحق للأمم: "فَلَمَّا خَرَجَ الْفَرِّيسِيُّونَ تَشَاوَرُوا عَلَيْهِ لِكَيْ يُهْلِكُوهُ، فَعَلِمَ يَسُوعُ وَانْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ. وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ فَشَفَاهُمْ جَمِيعًا. وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لَا يُظْهِرُوهُ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: "هُوَذَا فتايَ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، حَبِيبِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. أَضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْبِرُ الأُمَمَ بِالحق .. " (متى: ١٢/ ١٧: ١٤).
والشاهد قوله: أضع روحي عليه، أي أنزل جبريل، روح الله عليه بالوحي؛ فيخبر الأمم بالحق.
(٣) وإلى هذا الشروع بالعمل الرسالي، أشار يوحنا في إنجيله فقال: "وَقَال لَهُ: "الحق الحقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَمَلَائِكَةَ الله يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ"." يوحنا: ١/ ٥١.
(٤) هذا وقد نقل يوحنا الإنجيلي أيضًا عن النبي يحيى (يوحنا) المعمدان أنه قال لليهود لما تباحثوا معه عن ذاك (أي المسيح) الذي بدأ يعمد الناس، فقال النبي يحيى ﵇ لهم: "إذا فرحي قد كمُلَ. ينبغي أن ذلك يزيد وأنا أنقص" (يوحنا: ٣/ ٢٩ - ٣). مبينًا بدء رسالة المسيح وتواتر وحي الله تعالى إليه.
(٥) ولننظر ما ذكره لوقا عن بدء بعثة المسيح بنزول روح القدس عليه: "وَلمَّا اعْتَمَدَ جَمِيعُ الشَّعبِ اعْتَمَدَ يَسُوعُ أيضًا. وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي انْفَتَحَتِ السَّمَاءُ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهَيْئَةٍ جِسْمِيَّةٍ مِثْلِ حَمَامَةٍ. وَكَانَ صَوْت مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا: "أَنْتَ ابْنِي الحبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ وَلمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، ... ورجع يسوع من الأردن وهو ممتلئ من الروح القدس" (لوقا: ٣/ ٢١ - ٢٣).
стр. 444
ونسأل أصحاب التثليث: أليس هذا النص أوضح دليل على نفي إلهية المسيح، ونفي التثليث؟
فأولًا: لو كان المسيح إلها متجسدًا؛ لما احتاج لروح القدس ليهبط عليه بالرسالة!
وثانيًا: لو كان التثليث حقًّا؛ لكان المسيح متحدًا دائمًا وأزلًا مع روح القدس، فما احتاج أن يهبط عليه كحمامة! ولما قال الله تعالى عند اعتماده وابتداء بعثته: هذا ابني الحبيب؛ لأنه من المفروض أنه كان جزء اللاهوت بزعمهم من البداية؛ ولأن الله لا يمكن أن تنفصل عنه إحدى صفاته.
القسم السابع: المسيح يُعرِّف نفسه بأنه نبيٌّ ورسولٌ لله، ويؤكد أنه عبدٌ مأمورٌ لا يفعل إلا ما يأمره به الله تعالى، ولا يتكلم إلا بما يسمعه من الله تعالى: البديهي أن المسيح ﵇ لو كان هو الله تعالى نفسه الذي تجسَّد وصار بشرًا وجاء لعالم الدنيا بنفسه -كما استقر عليه دستور الإيمان المسيحي- لما صح أن يطلق عليه لقب نبيّ؛ لأن "النَّبيّ" اسم لشخص منفصل عن الله يُنبىء عن الله تعالى، أي يخبر عنه، بما يسمعه من الله: إما بواسطة الكلام المباشر، أو الوحي الخفي، أو ملكٍ رسول، كذلك لا يصح أن يطلق عليه اسم "رسول"؛ لأن الرسول اسم لشخص منفصل عن الله، يبعثه الله تعالى لأداء مهمة ما، أما الله تعالى لو تجسد فعلًا وصار بنفسه إنسانًا ونزل لعالم الدنيا؛ ليعلن الدين الجديد بنفسه، فلا يكون عندئذٍ رسولًا، إذ ليس ثمة مرسل له، بل في هذه الحالة يكون هو نفسه، وبدون واسطة، قد أخذ على عاتقه مهمة الاتصال بمخاطبيه. وحاصله: أنه لو صح أن المسيح كان الله نفسه متجسدًا، لما صح أن يسمى رسولًا ولا نبيًّا. ولكن الحقيقة أن الأناجيل طافحة بالنصوص التي يعرِّف المسيح ﵇ فيها نفسه بأنه "نبيّ" وبأنه "رسول" أرسله الله تعالى للنَّاس، وأن ما يقوله للنَّاس ليس من عند نفسه بل من عند الله الذي أرسله، فتعليمه ليس لنفسه بل للآب الذي أرسله، فهل هناك أصرح من هذا في بيان الغيرية بين عيسى والله تعالى؟ ، وأنهما اثنان: مُنبىء ونبي، ومُرسل ورسول؟ !
وفيما يلي بعض ما جاء في هذا المعنى: (١) في إنجيل متى (١٣/ ٥٤ - ٥٨): "وَلمَّا جَاءَ إِلَى وَطَنِهِ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ فِي مَجْمَعِهِمْ حتَّى بُهِتُوا وَقَالوا: "مِنْ أَيْنَ لهِذَا هذه الحكْمَةُ
стр. 445
وَالْقُوَّاتُ؟ أَليْسَ هذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟ أَليْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ، وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَسِمْعَانَ وَيَهُوذَا؟ أَوَلَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ جَمِيعُهُنَّ عِنْدَنَا؟ فَمِنْ أَيْنَ لهِذَا هذه كُلُّهَا؟ " فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَقَال لهمْ: "لَيْسَ نَبِيٌّ بِلَا كَرَامَةٍ إِلَّا فِي وَطَنِهِ وَفِي بَيْتِهِ". وَلَمْ يَصْنَعْ هُنَاكَ قُوَّاتٍ كَثِيرَةً لِعَدَمِ إِيمَانِهِمْ" والشاهد في قوله" ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه" حيث عبر عن نفسه بأنه نبي، وهذه الجملة وردت في الأناجيل الأربعة جميعًا.
(٢) وفي إنجيل متى كذلك (١٠/ ٤٠ - ٤١) في ذكره لما قاله السيد المسيح ﵇ للحواريين الاثني عشر حين أرسلهم لدعوة بني إسرائيل وتبشيرهم بالإنجيل: "من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني ومن يقبل نبيًّا باسم نبي فأجر نبيٍ يأخذ."
(٣) في إنجيل لوقا (١٠/ ١٦) في آخر الخطبة التي قالها السيد المسيح ﵇ للتلاميذ السبعين الذي أرسلهم اثنين اثنين للوعظ والبشارة بالإنجيل في قرى فلسطين، أنه قال لهم: "الَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي، وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي، وَالَّذِي يُرْذِلُنِي يُرْذِلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي".
(٤) وفي إنجيل لوقا (٤/ ٤٢ - ٤٣): "وَلما صَارَ النَّهَارُ خَرَجَ وَذَهَبَ إِلَى مَوْضِعٍ خَلَاءٍ، وَكَانَ الجمُوعُ يُفَتِّشُونَ عَلَيْهِ. فَجَاءُوا إِلَيْهِ وَأَمْسَكُوهُ لِئَلَّا يَذْهَبَ عَنْهُمْ. فَقَال لَهُمْ: "إِنَّهُ يَنْبَغِي لِي أَنْ أُبَشِّرَ المُدُنَ الأُخَرَ أيضًا بِمَلَكُوتِ الله، لأنَي لهِذَا قَدْ أُرْسِلْتُ".
(٥) وفي إنجيل يوحنا (٧/ ٢٨ - ٢٩): "فَنَادَى يَسُوعُ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ قِائِلًا: "تَعْرِفُونَنِي وَتَعْرِفُونَ مِنْ أَيْنَ أنَّا، وَمنْ نَفْسِي لَمْ آتِ، بَلِ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَق، الَّذِي أنتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. أنَّا أَعْرِفُهُ لأنِّي مِنْهُ، وَهُوَ أَرْسَلَنِي".
(٦) وفيه أيضًا (٨/ ١٦ - ١٨): "وَإِنْ كُنْتُ أنَا أَدِينُ فَدَيْنُونَتِي حَق، لأني لَسْتُ وَحْدِي، بَلْ أنَّا وَالآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي. وَأيضًا فِي نَامُوسِكُمْ مَكْتُوبٌ أَنَّ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ حَق: أنَّا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي، وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي" وفيه كذلك (١٢/ ٤٤ - ٤٩) فنادى يسوع، وقال الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي بل بالذي أرسلني. والذي يراني يرى الذي أرسلني، أنا قد جئت نورًا إلى العالم حتى كل من يؤمن بي لا يمكث في الظلمة، وإن
стр. 446
سمع أحد كلامي ولم يؤمن فأنا لا أدينه لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم من رذلني ولم يقبل كلامي فله من يدينه الكلام الذي تكلمت به هو يدينه في اليوم الأخير؛ لأني لم أتكلم من نفسي لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول وبماذا اتكلم.
قلت: استشهاد المسيح ﵇ بحكم التوراة "شهادة رجلين حق" تصريح منه بالغيرية بينه وبين الله تعالى الذي يشهد له، فهما إذن اثنان: مرسِل ورسول، وهذا ينفي بوضوح قضية أن المسيح هو الله نفسه متجسدًا.
والآن إليكم هذه العبارة التي قد تفاجئكم بشدة وضوحها وصراحتها في نفي إلهية عيسى:
(٧) ففي إنجيل يوحنا (٨/ ٤٠): "وَلكِنَّكمُ الآنَ تَطلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي، وَأَنا إِنْسَان قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالحقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ الله" أقول: لو لم يكن في الإنجيل سوى هذه الآية لكفى بها دلالة على نفي إلهية عيسى ﵇.
(٨) وفيه أيضًا (٨/ ٢٦ - ٢٩): "لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَق. وَأَنا مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ، فَهذَا أقولُهُ لِلْعَالمِ". وَلَمْ يَفْهَمُوا إنَّهُ كَانَ يَقُولُ لهمْ عَنِ الآبِ. فَقَال لَهُمْ يَسُوعُ: "مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أنا هُوَ، وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي، بَلْ أَتكلَّمُ بِهذَا كما عَلَّمَنِي أَبِي. وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي، لأني فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ".
(٩) وفيه أيضًا: (١٠/ ٣٦): "فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالمِ، أتقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجدِّفُ، لأنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ الله؟ "
(١٠) وفيه أيضًا: (٢٠/ ٢١): "فَقَال لهمْ يَسُوعُ أيضًا: "سَلَام لَكُمْ! كما أرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أنَّا".
قلت: ففي العبارة الأخيرة يماثل سيدنا المسيح ﵇ بين إرسال الآب له وإرساله هو لتلاميذه للدعوة والتبشير، وبالتالي فكما أن تلاميذه وحوارييه ليسوا عيسى بعينه! فبمقتضي التماثل لا يكون عيسى ﵇ هو الله بعينه، بل يكون رسوله ومبعوثه.
(١١) قوله: "أنتم تدعونني معلّمًا وسيّدًا، وحسنًا تقولون، لأني أنا كذلك" (يوحنا
стр. 447
١٣/ ١٣)، فقد أكد المسيح صحة اعتقاد التلاميذ به، إنهم يرونه معلمًا وسيدًا لهم، وقد شاع تسميته عندهم بالمعلم، "وقال له: يا معلم" (مرقس ١٠/ ٢٠)، أفكان من حسن الأدب أن يترك التلاميذ نداءه بالألوهية وأن ينادوه بهذا النداء المتواضع: معلم.
(١٢) وقد بدأت نبوته، وهو في سن الثلاثين "ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة" (لوقا ٣/ ٢٣)، وقد كان ثمة وقت لم ينزل عليه الروح القدس "لأَنَّ الرّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ." (يوحنا ٧/ ٣٩).
(١٣) وشهد المسيح ﵇ لربه بالوحدانية، ولنفسه بالرسالة، فقال: "أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يوحنا ١٧/ ٣):
(١٤) ولما خوفه الفريسيون من هيرودس قال لهم: "يَنْبَغِي أَنْ أَسِيرَ الْيَوْمَ وَغَدًا وَمَا يَلِيهِ، لأنه يُمْكِنُ أَنْ يَهْلِكَ نَبِيٌّ خَارِجًا عَنْ أُورُشَلِيمَ! ٣٤ يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأنبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ المرسَلِينَ" (لوقا ١٣/ ٣٣ - ٣٤)، فشهد لنفسه بالنبوة، وخاف من مصرعه في أورشليم كما صرع فيها غيره من الأنبياء، فغادر أورشليم، وناداها: "يَا قَاتِلَةَ الأنبِيَاءِ" ولم يقل لها: يا قاتلة الإله.
ولما أظهر المعجزات لقومه قرنها بدعوى نبوته قائلًا وهو يناجي الله: "ولكن أسألك من أجل هذه الجماعة، ليؤمنوا بأنك أنت أرسلتني" (يوحنا ١١/ ٢٦).
(١٥) وهو في كل ما يقوله عن الله معصوم لأنه ينطق بالوحي، فقد قال: "وَالْكَلام الَّذِي تَسْمَعُونه لَيْسَ لِي بَلْ لِلآبِ الَّذِي أَرْسَلَني" (يوحنا ١٤/ ٢٨)، وفي موضع آخر: "تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَني. (يوحنا ٧/ ١٦). وقال: "وَلَا رَسُول أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ" (يوحنا ١٣/ ١٦).
وفيما يلي بعض النصوص التي يبين فيها المسيح ﵇ أنه لا يتكلم من نفسه بل هو حامل لرسالة من الله مأمور بتبليغها للناس، وأنَّه لا يعلم إلا ما يوحى إليه:
(١) في إنجيل يوحنا (١٤/ ٢٤): "الَّذِي لَا يحبُّنِي لَا يَحْفَظُ كَلَامِي. وَالْكَلَامُ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ لِي بَلْ لِلآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي".
(٢) وفيه أيضًا: (١٥/ ١٥) "لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتكمْ أَحِبَّاءَ لأني أَعْلَمْتكمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْته مِنْ أَبِي".
стр. 448
(٣) وفيه كذلك (١٢/ ٤٩ - ٥٠): "لأني لَمْ أَتكلَّمْ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ أَعْطَانِي وَصِيَّةً".
(١٦) ومما يبطل قول النصاري بألوهية المسيح، النصوص التي جعلته رسولًا خاصًّا إلى بني إسرائيل، والإله لا يكون خاصًّا بأمة دون أمة:
أ - ومن ذلك قوله: "لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ" (متى ١٠/ ٦).
ومثله قصة المرأة الكنعانية التي رفض شفاء ابنتها أول مرة، لأنها ليست من شعبه. (انظر متى ١٥/ ٢١ - ٢٨).
ب - ومثله الوعد الذي وعده كما جاء في لوقا" وسيعطيه الرب الإله عرش داود أبيه، ويملك على آل يعقوب إلى الأبد" (لوقا ١/ ٣٢ - ٣٣)، فهل هو إله خاص ببني إسرائيل أم رسول خاص بهم؟ فلو كان إلهًا لما صح اختصاصه بشعب دون شعب، فهذا شأن الأنبياء.
(١٧) ونبوته ﵇ هي معتقد الناس عامة فيه، وقد صرحوا بذلك أمامه فلم يخطئهم:
أ - فعندما أحيا المسيح ابن الأرملة في نابيين" فَأَخَذَ الجمِيعَ خَوْفٌ، وَمَجَّدُوا اللهَ قَائِلِينَ: "قَدْ قَامَ فِينا نبيٌّ عَظِيمٌ، وَافْتَقَدَ اللهُ شَعْبَهُ"" (لوقا ٧/ ١٦).
ب - ولما أطعم الخمسة آلاف إنسان من خمسة أرغفة قالوا: "فَلمّا رَأَى النَّاسُ الآيَةَ الَّتِي صَنعَهَا يَسُوعُ قَالوا: "إِنَّ هذَا هُوَ بِالحقِيقَةِ النَّبِيُّ الآتِي إِلَى الْعَالمِ! " (يوحنا ٦/ ١٤).
(١٨) وقد قال بولس معترفًا برسالته وبشريته: "لأنّهُ يُوجَدُ إِله وَاحِد وَوَسِيط وَاحِدٌ بَيْنَ الله وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ المسِيحُ" (تيموثاوس (١) ٢/ ٥).
(١٩) وقد صدق السير آرثر فندلاي في قوله في كتابه "الكون المنشور": "لا يعتبر عيسى إلهًا أو مخلصًا، إنما هو رسول من الله خدم في حياته القصيرة في علاج المرضى وبشر بالحياة الأخرى، وعلم بأن الحياة الدنيا ما هي إلا إعداد للملكوت الإلهي بحياة أفضل لكل من عمل صالحًا".
القسم الثامن: نصوص تؤكد أن المسيح لم يكن يمتلك بذاته أي قدرة تشريعية أو تكوينية:
فالذي أوتيه، إنما دُفع إليه من قبل الله تعالى من البديهيات التي لا نقاش فيها أن من
стр. 449
صفات الله الضرورية اللازمة: القدرة الكلية التَّامة، أي أن الله قادر على جميع الممكنات وأن قدرته نابعة من ذاته وغير مكتسبة، بمعنى أن الله تعالى قادر وفاعل بالذات وبالاستقلال المطلق، فلا يحتاج في قدرته وأفعاله لمساعدة أي قدرة أخرى ولا إلى مدد أي شيء آخر، فهل هكذا كان شأن المسيح ﵇؟ كلا، على الإطلاق.
إن الأناجيل الأربعة تنقل عن سيدنا المسيح ﵇ نفسه تصريحات متكررة يعلن فيها بكل وضوح أنه كان لا يقدر أن يفعل من نفسه شيئًا، ولا يفعل إلا ما أقدره الله تعالى عليه وأمره به، وأن ما لديه من سلطان وما أوتيه من قوة، هو مما منحه الله تعالى ودفعه إليه. وفي كل هذا نفي صريح لإلهية المسيح ﵇ وتأكيد واضح لعبوديته لله وافتقاره إليه. وفيما يلي بعض النصوص في هذا المجال:
(١) جاء في إنجيل يوحنا: (٥/ ١٩): "فأجاب يسوع وقال لهم: الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئًا إلا ما ينظر الآب يعمل".
(٢) وفيه أيضًا في نفس الإصحاح (٥/ ٣٠): "أَنا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا. كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لأني لَا أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي".
(٣) وفي نفس الإصحاح أيضًا (٥/ ٣٦): "وَأمّا أنَّا فَلي شَهَادةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَال الَّتي أَعْطَانِي الآبُ لأكُمِّلهَا، هذه الأَعمال بعَيْنهَا الَّتي أنَّا أَعْمَلها هِيَ تَشْهَدُ لي أَن الآبَ قَدْ أَرْسَلَني". ويؤكد هذا المعنى فيقول: "قال لهمْ يَسوع: مَتى رَفعتم ابنَ الإِنسَانِ، فحِينئدٍ تفهمون أني أنا هوَ، وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ نَفْسي، بَلْ أتكلَّمُ بِهذَا كَما عَلَّمَني أَبِي. ٢٩ وَالَّذِي أَرْسَلَني هُوَ مَعِي، وَلَمْ يتركني الآبُ وَحْدِي، لأني فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ" (يوحنا ٨/ ٢٨).
(٤) وفي إنجيل يوحنا (٣/ ٣٥): "الآبُ يُحِبُّ الابْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ.".
(٥) وفي إنجيل متى (٢٨/ ١٨): "فتقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: "دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ".
(٦) وفي إنجيل لوقا (١٠/ ٢١ - ٢٢): والتفت (أي المسيح) إلى تلاميذه وقال: كل
стр. 450
شيء قد دُفِعَ إليَّ من أبي. (١)
القسم التاسع: نصوص تفيد أن المعجزات التي كان يصنعها المسيح ﵇ لم يكن يفعلها بقوته الذاتية المستقلة بل كان يستمدها من الله، ويفعلها بقوة الله: أي أن الفاعل الحقيقي لها كان الله ، الذي أظهرها علي يدي المسيح ﵇ لتكون شاهدًا له على صحة نبوته.
(١) من المعروف أن معجزة إحياء الموتى، كانت أحد أعظم معجزات السيد المسيح ﵇، فهل كان يفعلها بقوته الذاتية؟ أبدًا. فها هو إنجيل يوحنا يروي لنا معجزة إحياء المسيح لشخص مضى على وفاته أربعة أيام يدعى "عازر"، فيبين بوضوح أن هذه المعجزة ما حصلت إلا بعد أن تضرع المسيح لله وطلب منه تحقيق هذه المعجزة؛ ليؤمن الناس به ويصدقوا أن الله تعالى أرسله، فسمعه الآب (الله) واستجاب له وأعطاه تلك المعجزة العظيمة. وإليك نص عبارته كما جاءت في يوحنا (١١/ ٤١ - ٤٤): "فَرَفَعُوا الحْجَرَ حَيْثُ كَانَ الميْتُ مَوْضُوعًا، وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقُ، وَقَال: "أَيُّهَا الآبُ، أَشْكُرُكَ لأنكَ سَمِعْتَ لِي، وَأَنا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا الجمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ، لِيُؤْمِنُوا أَنكَ أَرْسَلْتَنِي". وَلمَّا قَال هذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: "لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا! فَخَرَجَ الميتُ وَيَدَاهُ وَرِجْلاه مَرْبُوطَاتٌ بِأَقْمِطَةٍ، وَوَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِمِنْدِيل. فَقَال لَهُمْ يَسُوعُ: "حُلّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ"". وكذلك روى متى ولوقا في إنجيليهما عن المسيح ﵇ أنه إنما كان يخرج الشياطين من المصروعين والمجانين لا بقوته الذاتية ولكن بروح الله أو بإصبع الله. ففي إنجيل متى (١٢/ ٢٤ - ٢٨): "أَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ فَلَمّا سَمِعُوا قَالوا: "هذَا لَا يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ إِلَّا بِبَعْلزَبولَ رئيسِ الشَّيَاطِينِ". فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، وَقَال لَهُمْ: "كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تُخْرَبُ، وَكُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ بَيْتٍ مُنْقَسِمٍ عَلَى ذَاتِهِ لَا يَثْبُتُ. فَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ يُخْرِجُ الشَّيْطَانَ فَقَدِ انْقَسَمَ عَلَى ذَاتِهِ. فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَمْلَكَتُهُ؟ وَإِنْ كُنْتُ أَنا بِبَعْلزَبُولَ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ، فَأَبْنَاؤُكُمْ بِمَنْ يُخْرِجُونَ؟ لِذلِكَ هُمْ يَكُونُونَ قُضَاتكمْ! وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أنَّا بِرُوحِ الله أُخْرِجُ
стр. 451
الشَّيَاطِينَ، فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ الله".
وفي إنجيل لوقا: (١١/ ٢٥) "وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ بِأَصْبعِ الله أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ، فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ الله".
(٣) في إنجيل يوحنا (٥/ ٣٦) قول عيسى ﵇: "وَأَمَّا أَنَا فِلي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَال الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذ الأَعْمَال بِعَيْنِهَا الَّتِي أَلا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي".
قلت: والعبارة في غاية الدلالة والوضوح، ولا تحتاج لتعليق. كان هذا ما قاله المسيح عن معجزاته، وأما أصحاب عيسى فإنهم يؤكدون أن هذه المعجزات إنما هي من سلطان الله الذي أو تيه بالرسالة والوحي.
(أ) في سفر أعمال الرسل (٢/ ١٤: ٢٢): "فَوَقَفَ بُطْرُسُ مَعَ الأَحَدَ عَشَرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ وَقَال لهمْ: ". . . أَيُّهَا الرِّجَال الإِسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذ الأَقْوَال: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُل قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ الله بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا الله بِيَدِهِ فِي وَسْطكُمْ، كَمَا أنتُمْ أيضًا تَعْلَمُونَ".
(ب) وفي إنجيل متى (٩/ ٦ - ٨): "حِينَئِذٍ قَال لِلْمَفْلُوجِ: "قُمِ احْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ! " فَقَامَ وَمَضَى إِلَى بَيْتِهِ. فَلَمَّا رَأَى الجمُوعُ تَعَجَّبُوا وَمَجَّدُوا الله الَّذِي أَعْطَى النَّاسَ سُلْطَانًا مِثْلَ هذَا".
(ج) وفي إنجيل يوحنا (٣/ ١ - ٢): "كَانَ إِنْسَانٌ مِنَ الْفَرِّيسِيينَ اسْمُهُ نِيقُودِيمُوسُ، رَئِيسٌ لِلْيَهُودِ. "هذَا جَاءَ إِلَى يَسُوعَ لَيْلًا وَقَال لَهُ: "يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ الله مُعَلِّمًا، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هذ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الله مَعَهُ".
(د) وفي إنجيل يوحنا أيضًا (٩/ ٣٠ - ٣٣) يقول الأعمى من الولادة (أي الأكمه)، الذي أبرأ عيسى ﵇ عينيه، لليهود الذين جاءوا إليه يجادلونه بسبب إيمانه بنبوّة عيسى ﵇: "أَجَابَ الرَّجُلُ وَقَال لَهُمْ: "إِنَّ فِي هذَا عَجَبًا! إِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ هُوَ، وَقَدْ
стр. 452
فتحَ عَيْنَيَّ. وَنَعْلَمُ أَنَ الله لا يَسْمَعُ لِلْخُطَاةِ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَّقِي الله وَيَفْعَلُ مَشِيئَتَهُ، فَلِهذَا يَسْمَعُ". قلت: فقول هذا المؤمن: "وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَّقِي الله وَيَفْعَلُ مَشِيئَتَهُ، فَلِهذَا يَسْمَعُ" يؤكد أن عقيدته هي: أن الله تعالى هو الذي سمع لدعاء عبده المتقي عيسى؛ فأيده بهذه المعجزة وغيرها.
(هـ) وفي إنجيل يوحنا (١١/ ٢٢: ٢١) تقول مرثا (أخت لِعَازَر) للمسيح ﵇ بعد موت أخيها، وقبل أن يحييه المسيح بإذن الله: "فَقَالتْ مَرْثَا لِيَسُوعَ: "يَا سَيِّدُ، لَوْ كُنْتَ ههُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي! لكِنِّي الآنَ أيضًا أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا تَطْلُبُ مِنَ الله يُعْطِيكَ الله إِيَّاهُ". قلت: والجملة الأخيرة في غاية الوضوح في الدلالة على ما قلناه.
القسم العاشر: نصوص فيها استغاثة المسيح بالله وطلبه من الله تعالى المدد والعون:
ودعاؤه الله تعالى لنفسه ولأجل تلاميذه؛ مما يبين افتقار عيسى ﵇ لله تعالى وعدم استغنائه بنفسه.
(١) ففي إنجيل لوقا (٢٢/ ٣٩ - ٤٤): "وَخَرَجَ وَمَضَى كَالْعَادَةِ إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، وَتَبِعَهُ أيضًا تَلَامِيذُهُ. وَلمَّا صَارَ إِلَى المكَانِ قَال لَهُمْ: "صَلُّوا لِكَيْ لا تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ". وَانْفَصَلَ عَنْهُمْ نَحْوَ رَمْيَةِ حَجَرٍ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى قَائِلًا: "يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتكُنْ لا إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ". وَظَهَرَ لَهُ مَلَاكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ. وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ". ونقل مرقس في إنجيله (١٤/ ٣٣ - ٣٦)، تضرُّعَ عيسى ﵇ بصورة أشد وضوحًا في الاستمداد والاعتراف بالعجز وكون الاستطاعة بيد الله تعالى فقط، فقال: "وَابْتَدَأَ يَدْهَشُ وَيَكْتَئِبُ. فَقَال لهمْ: "نَفْسي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْموْتِ! اُمْكُثُوا هُنَا وَاسْهَرُوا". ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلًا وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ، وَكَانَ يُصَلِّي لِكَيْ تَعْبُرَ عَنْهُ السَّاعَةُ إِنْ أَمْكَنَ. وَقَال: "يَا أَبَا الآبُ، كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَكَ، فَأَجِزْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِيَكُنْ لَا مَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ".
أما يوحنا فنقل في إنجيله (١٢/ ١٧) عن عيسى ﵇ قوله هنا: "أَيُّهَا الآبُ نَجِّنِي مِنْ
стр. 453
هذِهِ السَّاعَةِ؟ ".
فأقول: هل الله يحتاج لنجدة غيره؟ أو يضطر للاستعانة بغيره والتضرع إليه؟ ؟ أو ليس الله بنفسه على كل شيء قدير؟ ! فلو كان سيدنا عيسى ﵇ إلهًا كما زُعِمَ فما معنى تضرعه إلى الله وسؤاله إياه أن يكشف عنه الكرب وينقذه من المصيبة المحيطة به؟ ! .
(٢) وفي إنجيل لوقا: (٢٣/ ٣٤): "فَقَال يَسُوعُ: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ".
(٣) وفي إنجيل متى (٢٦/ ٥٥ - ٥٤): "حِينَئِذٍ تَقَدَّمُوا وَألقَوْا الأَيَادِيَ عَلَى يَسُوعَ وَأَمْسَكُوهُ. وَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَ يَسُوعَ مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ. فَقَال لَهُ يَسُوعُ: "رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! أَتَظُنُّ أَنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ المُلَائِكَةِ؟ فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟ ".
قلت: الشاهد في قول المسيح ﵇: "أَتَظُنُّ أَنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي" الذي هو دليل واضح على نفي إلهية عيسى، لأن الإله لا يستعين بغيره ولا يطلب شيئا من سواه، ولو كان المسيح إلهًا لقال عوضًا عن ذلك: "أتظن أني لا أستطيع الآن أن أحضر أكثر من اثني عشر جيشا من الملائكة" أو قال "أتظن أنني لا أستطيع أن أقضي عليهم جميعا بأمر كن فيكون؟ ! . . ." الخ. أما قوله: أستطيع أن أطلب من أبي فيدل على أنه عبدٌ لله تعالى محتاج دائمًا لنصره ومدده.
(٤) في إنجيل يوحنا (١٤/ ١٥ - ١٦): "إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ، وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ" والشاهد هو قوله: "وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ" مما يثبت احتياج عيسى ﵇ لله تعالى، وأنه لا يقدر من نفسه على أن يفعل ما يريد بل يطلب ذلك من ربه .
(٥) يشتمل الإصحاح السابع عشر من إنجيل يوحنا على دعاء طويل لعيسى عليه السلام
لِيُؤْمِنَ الْعَالمُ أنكَ أَرْسَلْتَنِي. ٢٢ وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ المُجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُوُنوا وَاحِدًا كَمَا أنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. ٢٣ أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، وَليَعْلَمَ الْعَالمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي، وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي. ٢٤ أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالمِ. ٢٥ أَيُّهَا الآبُ الْبَارُّ، إِنَّ الْعَالمَ لَمْ يَعْرِفْكَ، أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ، وَهؤُلَاءِ عَرَفُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي. ٢٦ وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ".
قلت: وكل هذا لا يصح على القول بإلاهية عيسى ﵇ لأن الإله لا يطلب شيئًا من غيره ولا يحتاج للدعاء والسؤال، بل يفعل ما يشاء بنفسه ولقدرته الذاتية.
القسم الحادي عشر: المسيح ﵇ يصرِّح بأنه إنسان وابن إنسان، وكذلك حواريّوه الخُلْص كانوا يؤمنون بأن المسيح إنسان نبيّ ورجل مؤيدٌ من الله:
(١) في إنجيل يوحنا (٨/ ٤٠) يقول سيدنا المسيح ﵇ لليهود: "وَلكِنَّكمُ الآنَ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي، وَأَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ الله". فما أبعد النجعة بين ما عرَّف به المسيح ﵇ نفسه هنا من أنه: إنسان يتكلم بالحق الذي يسمعه من الله، وبين تعريف المسيح في دستور الإيمان النصراني الذي تقرر عقب مجمع نيقية، والذي أوردناه في بداية الكتاب! فأي القولين نختار: أقول المسيح المختار ﵇، أم قول غلاة الأحبار؟ !
(٢) أما النصوص التي يؤكد فيها المسيح أنه ابن الإنسان فهي كثيرة جدا وهذا اللقب أي: "ابن الإنسان" كان اللقب المحبب لعيسى ﵇ قد تكرر في الأناجيل والرسائل الملحقة بها ٨٥ مرة. ونكتفي هنا بذكر بعضها:
أ- "وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلًا، يَكُونُ لِلْجَمِيعِ عَبْدًا. لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أيضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَليَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (مرقس: ١٠/ ٤٤ - ٤٥).
ب- "وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الحيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الحيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنا: ٣/ ١٤ - ١٥).
(٣) وقد مرت معنا قريبًا عبارة الحواريَّيْن الاثنين اللذين كانا يتكلمان مع المسيح بعد
стр. 456
حادثة صلبه -أو بالأحرى بعد شائعة صلبه- دون أن يعرفاه، لأنه كان متنكرا، حيث لما سألهما عن سبب حزنهما؟ حدّثاه عما حدث لـ:
"يسوع الناصري الذي كان إنسانا نبيًّا مقتدرًا في القول والفعل أمام الله وجميع الشعب" (إنجيل لوقا: ٢٤/ ١٣ - ٢٠).
(٤) كذلك مرت معنا عبارة القديس بطرس التي جاءت في كلمته التي ألقاها في مجمع التلاميذ والمؤمنين بعد رفع المسيح فكان مما قاله: "أَيُّهَا الرِّجَال الإِسرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذِهِ الأَقْوَال: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ الله بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسْطِكُمْ، كَما أَنْتُمْ أيضًا تَعْلَمُونَ" (أعمال الرسَل: ٣/ ٢٢).
(٥) وفي إنجيل يوحنا قصة المرأة السامرية التي آمنت بالمسيح لما أخبرها بالغيب المتعلق بأزواجها السابقين الخمسة! فقالت مندهشةً: "قَالتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: "يَا سَيِّدُ، أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ! . . . وَقَالتْ لِلنَّاسِ: ٢٩ "هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَال لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلعَلَّ هذَا هُوَ المسِيحُ؟ " (يوحنا: ٤/ ١٩ ثم ٢٩).
والحاصل أن المسيح ﵇ نفسه كان يؤكد بشريته وإنسانيته، وأنه من نسل البشر، كما أن حوارييه والمؤمنين به من تلاميذه ومعاصريه، كانوا ينظرون إليه على أنه إنسان ابن إنسان، وما كان أحد يعتبره إلهًا ابن إله (١).
القسم الثاني عشر: الحواريين وكتاب الأناجيل يعتبرون المسيح ﵇ عبدًا لِله اجتباه الله .
واختاره ويعتبرونه بشرًا نبيًّا كموسى ﵇، يرى المسلمون -تبعًا لتعليم كلام الله تعالى في القرآن الكريم- أن عيسى المسيح ﵇ كان عبدَ الله ورسولَه، ولعل بعض عوام النصارى يمجُّ وصف المسيح بـ "العبوديّة" ويرى فيه إنقاصا لقدر المسيح ﵇، لكن الحقيقة التي قد يندهش لها المسلم قبل النصراني العامي، أن هذا الوصف بعينه، أعني وصف المسيح بالعبودية لله، جاء في متن الأناجيل، بل في متن التوراة والزبور، أي في تلك
стр. 457
البشارات التي كان كتَّاب الأناجيل والحواريون يستشهدون بها على أن المقصود بها المسيح ﵇، وفيما يلي الشواهد على ذلك:
(١) يقول متَّى -وهو أحد الحواريين الاثني عشر- في إنجيله (١٢/ ١٤ - ٢٠):
"فَلَمّا خَرَجَ الْفَرِّيسِيُّونَ تَشَاوَرُوا عَلَيْهِ لِكَيْ يُهْلِكُوهُ، فَعَلِمَ يَسُوعُ وَانْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ. وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَة فَشَفَاهُمْ جَمِيعًا. وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لَا يُظْهِرُوهُ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: "هُوَذَا فَتَايَ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، حَبِيبِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. أَضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْبِرُ الأُمَمَ بِالْحَقِّ. لَا يُخَاصِمُ وَلَا يَصِيحُ، وَلَا يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لَا يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لَا يُطْفِئُ، حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النُّصْرَةِ."
ففي هذا النص يستشهد كاتب الإنجيل الأول القديس متى الحواري، وهو من الحواريين الاثني عشر ومن أوائل المؤمنين بالمسيح ﵇، ببشارة وردت في سفر إشعيا من العهد القديم، على أنها تتكلم عن المسيح ﵇، وهذه البشارة تبتدأ بإعلان عبودية المسيح لله ، وذلك حين تقول: "هو ذا فتاي الذي اخترته"، إذ كلمة فتاي مرادف لكلمة عبدي أو غلامي، وللتأكد من ذلك ما علينا إلا أن نرجع إلى سفر إشعيا نفسه الذي وردت فيه تلك البشارة حيث نجد البشارة في الإصحاح الثاني والأربعين منه كما يلي: "هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ. ٢ لَا يَصِيحُ وَلَا يَرْفَعُ وَلَا يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ. ٣ قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لَا يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لَا يُطْفِئُ. إِلَى الأَمَانِ يُخْرِجُ الْحَقَّ. ٤ لَا يَكِلُّ وَلَا يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الْحَقَّ فِي الأَرْضِ، وَتَنتظِرُ الجْزَائِرُ شَرِيعَتَهُ" (إشعيا: ٤٢/ ١ - ٤).
ولذلك في الترجمة الأخرى الجديدة للعهد الجديد التي قامت بها الرهبانية اليسوعية (الكاثوليكية) في بيروت (١٩٨٩ م) استُخْدِمَت لفظة "عبدي" عند ذكر كلام متى واستشهاده بالبشارة المذكورة.
والحاصل أن تطبيق متى الحواري تلك البشارة على عيسى ﵇ يبين أن متى كان يرى
стр. 458
في عيسى: "عبد الله، الذي اختاره الله تعالى واجتباه وأوحى إليه بواسطة جبريل وبعثه بالحق للأمم. . ." تماما كما هو التصور الإسلامي للمسيح ﵇، أي لم يكن متى يرى في المسيح إلهًا متجسدًا ولا ربًا معبودا! .
(٢) يذكر القديس لوقا، كاتب الإنجيل الثالث ومؤلف سفر "أعمال الرسل" (١٢)، في أعمال الرسل: أن القديس فيليبس (أحد المعاونين السبعة الذين اختارهم الحواريون لمعاونتهم في خدمة المائدة وتقسيم الأرزاق اليومية، لأنهم وجدوهم مملوئين من الروح القدس والحكمة)، لما سأله العبد الحبشي الخصي عن الشخص المراد بالآيات التي كان يتلوها من سفر النبي إشعيا ﵇ والتي تقول: "كخروف سيق إلى الذبح. وكحملٍ صامتٍ بين يدي من يجزُّه. هكذا لا يفتح فاه. في ذلِّهِ ألغي الحكم عليه. ترى من يصف ذريته؟ . لأن حياته أزيلت عن الأرض"، أجابه القديس فيليبس أن هذه الآيات تشير إلى يسوع وأخذ يشرح له ذلك، فآمن الرجل وطلب من فيليبس أن يعمده فعمده. من هذه القصة يتبين أن كلًا من لوقا كاتب أعمال الرسل والقديس فيليبس كانا يريان أن تلك البشارة في كلام إشعيا إنما تنطبق على المسيح وتشير إليه، وهو أمر أصبح فيما بعد من المسلمات لدى آباء الكنيسة. فإذا رجعنا إلى أصل هذه البشارة كما جاءت في سفر النبي إشعيا ﵇ وجدناها بشارة مطولة تبدأ هكذا: "هو ذا عبدي يعقل، يتعالى، ويرتقي، ويتسامى جدا. . (إلى أن قال) ظُلِمَ أما هو فتذلل ولم يفتح فاه، كشاةٍ تُساق إلى الذبح. . . (إلى قوله) وعبدي البار بمعرفته يبرِّر كثيرين وآثامهم هو يحملها، لذلك أَقسم له بين الأعزاء، ومع العظماء يقسم غنيمة، من أجل أنه سكب للموت نفسه وأُحْصي مع أثمة وهو حَمَلَ خطيَّة كثيرين وشفع في المذنبين" (إشعيا: ٥٣/ ١ ثم ٧ ثم ١١ - ١٢). وعليه فإن لوقا وفيليبس اللذين طبقا هذه البشارة على المسيح، كانا يريان فيه: عبدًا للَّهِ تعالى تسامى وارتقى بعظيم تضحيته، وعبد الله البار، الذي ﵁ لأجل تضحيته فجعله معَ أعزائه وقسم له مقاما بين عظمائه. لذا لا نعجب إذا رأينا لوقا -في كتابه أعمال الرسل- يطلِق على المسيح مرارا لقب
стр. 459
"عبد الله" (١٤) كما نجد ذلك في أعمال الرسل: ٣/ ١٣ و ٢٦، و ٤/ ٢٧ و ٣٠. هذا ومن الجدير بالذكر أن لوقا وفيليبس ليسا الوحيدين اللذين ذكرا أن تلك البشارة تشير للمسيح، بل شاركهما في ذلك أيضًا متى في إنجيله (٨/ ١٧).
(٣) وفي سفر أعمال الرسل أيضًا (٣/ ١٢ - ٢٦) ينقل لوقا الخطبة التي ألقاها القديس والحواري بطرس أمام الشعب الإسرائيلي فيقول: "فَلَمَّا رَأَى بُطْرُسُ ذلِكَ أَجَابَ الشَّعْبَ: "أَيُّهَا الرِّجَال الإِسْرَائِيلِيُّونَ، مَا بَالكُمْ تَتَعَجَّبُونَ مِنْ هذَا؟ وَلمِاذَا تَشْخَصُونَ إِلَيْنَا، كَأنَّنَا بِقُوَّتِنَا أَوْ تَقْوَانَا قَدْ جَعَلْنَا هذَا يَمْشِي؟ إِنَّ إِلهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، إِلهَ آبَائِنَا، مَجَّدَ فَتَاهُ يَسُوعَ، الَّذِي أَسْلَمْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَأنْكَرْتُمُوهُ أَمَامَ وَجْهِ بِيلَاطُسَ، وَهُوَ حَاكِمٌ بِإِطْلَاقِهِ. وَلكِنْ أَنْتُمْ أنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ. وَرَئِيسُ الحيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ، الَّذِي أَقَامَهُ الله مِنَ الأَمْوَاتِ، وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذلِكَ. وَبِالإِيمَانِ بِاسْمِهِ، شَدَّدَ اسْمُهُ هذَا الَّذِي تَنْظُرُونَهُ وَتَعْرِفُونَهُ، وَالإِيمَانُ الَّذِي بِوَاسِطَتِهِ أَعْطَاهُ هذ الصِّحَّةَ أَمَامَ جَمِيعِكُمْ. وَالآنَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ بِجَهَالةٍ عَمِلْتُمْ، كَمَا رُؤَسَاؤُكُمْ أيضًا. وَأَمَّا الله فَمَا سَبَقَ وَأنبَأَ بِهِ بِأَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ، أَنْ يَتَأَلَّمَ الْمسِيحُ، قَدْ تمَّمَهُ هكَذَا. فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ. وَيُرْسِلَ يَسُوعَ الْمسِيحَ المُبَشَّرَ بِهِ لَكُمْ قَبْلُ. الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ السَّمَاءَ تَقْبَلُهُ، إِلَى أَزْمنَةِ رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ، الَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا الله بِفَمِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ. فَإِنَّ مُوسَى قَال لِلآبَاءِ: إِنَّ نَبِيًّا مِثلي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ فِي كُلِّ مَا يُكَلِّمُكُمْ بِهِ. وَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ لَا تَسْمَعُ لِذلِكَ النَّبِيِّ تُبَادُ مِنَ الشَّعْبِ. وَجَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ أيضًا مِنْ صَمُوئِيلَ فَمَا بَعْدَهُ، جَمِيعُ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا، سَبَقُوا وَأَنْبَأُوا بِهذ الأَيَّامِ. أَنْتُمْ أَبْنَاءُ الأَنْبِيَاءِ، وَالْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدَ بِهِ الله آبَاءَنَا قَائِلًا لإِبْراهِيمَ: وَبِنَسْلِكَ تَتبَارَكُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ. إِلَيْكُمْ أَوَّلًا، إِذْ أَقَامَ الله فتَاهُ يَسُوعَ، أَرْسَلَهُ يُبَارِكُكُمْ بِرَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَنْ شُرُورِهِ".
من هذا النص أيضًا يتبين أن عقيدة القديس بطرس -الذي كان من أقرب الحواريين
стр. 460
للمسيح- بالمسيح ﵇ لم تتجاوز كونه عبد الله، وكونه نبيا كموسى ﵇، حيث استشهد بطرس ببشارة واردة في التوراة يقول فيها الله تعالى لموسى أن يقول لبني إسرائيل: "إِنَّ نَبِيًّا مِثلي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ" فاعتبر البشارة متعلقة بالمسيح، مما يعني كون المسيح ﵇ في اعتقاده نبيًّا مثل موسى ﵇، والمثلية هذه تؤكد كون عيسى عبدًا رسولًا وبشرًا نبيًّا كما كان موسى عبدًا رسولًا وبشرًا نبيًّا.
القسم الثالث عشر وهو معضد لما سبق: نصوص تثبت أن أم عيسى وأصحابه لا يعلمون المعتقد، فكيف عرفه من لم يره ؟ !
مما يدل على أن الفكرة لا علاقة لها بالمسيح ولا أتباعه، بل هي من مخترعات لاحقة لذلك العهد، وذلك يكفي للإعلان عن بطلانها.
وفي ذلك نصوص كثيرة منها:
١ - عدم معرفة أمه العذراء البتول بألوهيته: إذ لما كان المسيح راجعا مع والدته ويوسف النجار حصل ما يدل على جهل والدته بمقامه، فإن جهلت والدته الطاهرة ألوهيته، فمن ذا الذي يعلمها، فقد جاء في لوقا: "وَبَعْدَمَا أَكْمَلُوا الأَيَّامَ بَقِيَ عِنْدَ رُجُوعِهِمَا الصَّبِيُّ يَسُوعُ فِي أُورُشَلِيمَ، وَيُوسُفُ وَأُمُّهُ لَمْ يَعْلَمَا. ٤٤ وَإِذْ ظَنَّاهُ بَيْنَ الرُّفْقَةِ، ذَهَبَا مَسِيرَةَ يَوْمٍ، وَكَانَا يَطْلُبَانِهِ بَيْنَ الأَقْرِبَاءِ وَالْمَعَارِفِ. ٤٥ وَلمَّا لَمْ يَجِدَاهُ رَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ يَطْلُبَانِهِ. ٤٦ وَبَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَجَدَاهُ فِي الهيْكَلِ، جَالِسًا فِي وَسْطِ المُعَلِّمِينَ، يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلهُمْ. . . يَا بُنَيَّ، لمِاذَا فَعَلْتَ بِنَا هكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ! " (لوقا ٢/ ٤١ - ٤٨)، فلو كانت مريم تعلم أن ابنها هو الله أو ابنه لما كان لهذا الخوف على المسيح أي معنى.
٢ - ويجيب المسيح سؤال أمه ويوسف النجار بقوله: "لِمَاذَا كُنْتُما تَطْلُبَانِنِي؟ أَلمْ تَعْلَمَا أنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي؟ "، فهل فهمت البتول وزوجها من جوابه بأنه يتحدث عن ألوهيته وبنوته الحقيقية للآب؟ بالطبع: لا فهما لا يعرفان شيئًا عن هذا المعتقد الغريب. يقول لوقا: "فَلَمْ يَفْهَمَا الْكَلَامَ الَّذِي قَالهُ لهُمَا" (لوقا ٢/ ٥٠).
٣ - وفي مرة أخرى سمعت مريم البتول ورأت فرح سمعان الأورشليمي وهو يحمل