← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

بالنسبة للجن والشياطين: قال الله في الشيطان: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]. قال الطبري: يعني جل ثناؤه بذلك: إن الشيطان يراكم هو، و"الهاء" في "إنه" عائدة على الشيطان. و"قبيله"، يعني: وصنفه وجنسه الذي هو منه واحدٌ. (١) قال الله : ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾. قال ابن كثير: في قوله ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾: وقوله ها هنا: ﴿وَحِفْظًا﴾ تقديره: وحفظناها حفظًا، ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ يعني: المتمرد العاتي إذا أراد أن يسترق السمع، أتاه شهاب ثاقب فأحرقه، ولهذا قال: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ أي: لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى، وهي السماوات ومن فيها من الملائكة، إذا تكلموا بما يوحيه الله مما يقوله من شرعه وقدره. وعن أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: "إِذَا قَضَى الله الأَمْرَ في السَّمَاءِ ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ - قَالَ عَليٌّ وَقَالَ غَيْرُهُ صَفْوَانٍ - يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ، قَالُوا للذي قَالَ الْحَقَّ وَهْوَ الْعَليُّ الْكَبِيرُ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا وَاحِدٌ فَوْقَ آخَرَ- وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابعِ يَدِهِ الْيُمْنَى، نَصبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ - فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ المُسْتَمِعَ، قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَيُحْرِقَهُ وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِىَ بِهَا إِلَى الذي يَلِيهِ إِلَى الذي هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الأَرْضِ- وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ حَتَّى تنتهي إِلَى الأَرْضِ- فَتُلْقَى عَلَى فَمِ السَّاحِرِ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ فَيَصْدُقُ، فَيَقُوُلونَ أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ

стр. 3957

كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا، فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا لِلْكَلِمَةِ التي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ". (١) وهذا فيه من الأدلة ما فيه على أن الشياطين تستطيع أن تصل إلى ما لا يمكن أن يصل إليه الإنسان من حيث الأماكن. الوجه الخامس: ذكر بعض الأحداث التي دست في حادثة الإسراء والمعراج . قال ابن تيمية: وفيه ما هو ضعيف وفيه ما هو من الموضوعات المختلقات مثل ما يرويه بعضهم فيه أن النبي ﷺ قال له جبرائيل هذا قبر أبيك إبراهيم انزل فصل فيه وهذا بيت لحم مولد أخيك عيسى انزل فصل فيه. وأعجب من ذلك أنه قد روي فيه أنه قيل له في المدينة انزل فصل هاهنا قبل أن يبني مسجده وإنما كان المكان مقبرة المشركين والنبي ﷺ بعد الهجرة إنما نزل هناك لما بركت ناقته هناك فهذا ونحوه من الكذب المختلق باتفاق أهل المعرفة وبيت لحم كنيسة من كنائس النصارى ليس في إتيانها فضيلة عند المسلمين. (٢) قال ابن القيم: وقد قيل: إنه نزل ببيتِ لحمٍ، وصلَّى فيه، ولم يَصِحَّ ذَلكَ عَنْهُ البتة. (٣) قال السيوطي: إلى القوم الذين يجتمعون على كتاب "الإسراء والعراج" الذين ينسبونه لابن عباس- ﵄ وإلى القوم الذين تركوا صحيح السنة إلى ضعيف الآثار. ومحض الصواب من الاتباع إلى محض الباطل من الرأي والظن والهوى. أهدي هذا الكتاب عسى أن تهتدي به نفس إلى أتباع الهدي النبوي الصحيح وترك احتطاب الليل، وأتباع الهوى (٤). الوجه السادس: الرد من الكتاب المقدس . قال رحمت الله الهندي: في إثبات معجزة الإسراء والمعراج: وأما نقلًا فلأن صعود الجسم العنصري إلى الأفلاك ليس بممتنع عند أهل الكتاب. ١ - قال القسيس وليم اسمت في كتابه المسمى بطريق الأولياء في بيان حال أخنوخ

стр. 3958

الرسول الذي كان قبل ميلاد المسيح بثلاث آلاف سنة وثلثمائة واثنتين وثمانين سنة هكذا: (أن الله نقله حيًا إلى السماء لئلا يرى الموت كما هو مرقوم أنه لم يوجد لأن الله نقله فترك الدنيا من غير أن يحمل المرض والوجع والألم والموت ودخل بجسده في ملكوت السماء). وقوله كما هو مرقوم إشارة إلى الآية الرابعة والعشرين من الباب الخامس من سفر التكوين، وفي الباب الثاني من سفر الملوك الثاني هكذا: ١ (وكان لما أراد الرب أن يصعد إيليا بالعجاج إلى السماء انطلق إيليا واليسع من الجلجال ١١ وبينما هما يسيران ويتكلمان إذ بعجلة من نار وخيل من نار فاقتربت فيما بينهما وصعد إيليا بالعجاج إلى السماء). وقال آدم كلارك المفسر في شرح هذا المقام: (لا شك أن إيليا رفع إلى السماء حيًا). والآية التاسعة عشر من الباب السادس عشر من إنجيل مرقس هكذا: (ثُمَّ إِنَّ الرَّبَّ بَعْدَمَا كَلَّمَهُمُ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ الله) (مرقس ١٦/ ١٩). وقال بولس في حال معراجه في الباب الثاني عشر من رسالته الثانية إلى أهل قورنيثوس هكذا: (أَعْرِفُ إِنْسَانًا فِي الْمسِيحِ قَبْلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. أَفي الجسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ، أَمْ خَارِجَ الجسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. الله يَعْلَمُ. اخْتُطِفَ هذَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ. ٣ وَأَعْرِفُ هذَا الإِنْسَانَ: أَفي الجسَدِ أَمْ خَارِجَ الجسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. الله يَعْلَمُ. أَنَّهُ اخْتُطِفَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ، وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لَا يُنْطَقُ بِهَا، وَلَا يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتكلَّمَ بِهَا). وقال يوحنا في الباب الرابع من المكاشفات: بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ، وَالصَّوْتُ الأَوَّلُ الَّذِي سمِعْتُهُ كَبُوق يَتكلَّمُ مَعِي قَائِلًا: "اصْعَدْ إِلَى هُنَا فأُرِيَكَ مَا لَا بُدَّ أَنْ يَصِيرَ بَعْدَ هذَا". ٢ وَللْوَقْتِ صرْتُ فِي الرُّوحِ، وَإِذَا عَرْشٌ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ. فهذه الأمور مسلمة عند المسيحيين فلا مجال للقسيسين أن يعترضوا على معراج النبي ﷺ عقلًا أو نقلًا. نعم يرد عليهم أنه لا وجود للسماوات على حكم علم الهيئة الجديد، فكيف يصدق عندهم أن أخنوخ وإيليا والمسيح ﵈ رفعوا إلى السماء وجلس المسيح على يمين الله واختطف مقدسهم إلى السماء الثالثة وإلى الفردوس. وقد

стр. 3959

عرفنا مطهر البابويين وجهنمهم كما مر في الفصل الثاني من الباب الخامس لكنا ما عرفنا فردوس المسيحيين أهو على السماء الثالثة الموهومة كأنياب الأغوال عندهم أو فوقها أو هو عبارة عن جهنم كما يفهم بملاحظة الإنجيل وكتاب عقائدهم، لأن المسيح قال للسارق المصلوب معه وقت الصلب إنك اليوم تكون معي في الفردوس. وهم يصرخون في العقيدة الثالثة من عقائدهم أنه نزل إلى جهنم، فإذا لاحظنا الأمرين يعلم أن الفردوس عندهم جهنم. قال جواد بن ساباط في البرهان السادس عشر من المقالة الثانية من كتابه أن القسيس كياروس سألني في حضور المترجمين: ماذا يعتقد المسلمون في معراج محمد ﷺ ؟ قلت: إنهم يعتقدون أنه من مكة إلى أورشليم ومنه إلى السماء. قال: لا يمكن صعود الجسم إلى السماء. قلت: سألت بعض المسلمين عنه فأجاب أنه يمكن كما أمكن لجسم عيسى ﵇. قال القسيس: لِمَ لَمْ تستدل بامتناع الخرق والالتئام على الأفلاك؟ قلت: استدللت به لكنه أجاب أنهما ممكنان لمحمد ﷺ كما كانا ممكنين لعيسى ﵇. قال القسيس: لمَ لَمْ تقل أن عيسى إله له أن يتصرف ما يشاء في مخلوقاته؟ قلت: قد قلت ذلك لكنه قال أن ألوهية عيسى باطلة لأنه يستحيل أن يطرأ على الله علامات العجز كالمضروبية والمصلوبية والموت والدفن. ونقل بعض الأحياء أن قسيسًا في بلد بنارس من بلاد الهند كان يقول في بعض المجامع تغليطًا لجهال المسلمين البدويين كيف تعتقدون المعراج وهو أمر مستبعد فأجابه مجوسي من مجوس الهند أن المعراج ليس بأشد استبعادًا من كون العذراء حاملة من غير زوج، فلو كان مطلق الأمر المستبعد كاذبًا فهذا أيضًا يكون كاذبًا فكيف تعتقدونه فبهت القسيس. (١) وجاء في الكتاب المقدس: (وَعِنْدَمَا أَزْمَعَ الرَّبُّ أَنْ يَنْقُلَ إِيِلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ، ذَهَبَ إِيِليَّا وَأَليشَعُ مِنَ الجلْجَالِ. . . . وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيتَجَاذَبَانِ أَطْرَافَ الحْدِيثِ، فَصَلَتْ بَيْنَهما مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ تَجُرهَا خُيُولٌ نَارَّيةٌ، نَقَلَتْ إِيليَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ) (الملوك الثاني ٢: ١ - ١١).

стр. 3960

١٣ - شبهة: شهادة الناس على الميت . نص الشبهة: عن أَنَسِ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَجَبَتْ ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ: "وَجَبَتْ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ﵁ مَا وَجَبَتْ قَال: "هَذَا أثنيتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أنتُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الْأَرْضِ". يقولون: كيف يدخل أحد النار بمجرد أن يشهد عليه أحد الناس؟ . والرد علي ذلك من وجوه: الوجه الأول: المعنى الصحيح للحديث . الوجه الثاني: الشهادة المقبولة من الناس على الميت خاصة بالثقات المتقين فقط. الوجه الثالث: لا بد أن يكون لثناء الأمة على الميت فائدة، وثناء الأمة إلهام من الله تعالى. الوجه الرابع: قد يستشكل البعض هذا الحديث مع حديث النهي عن سب الأموات، وإليك حل الإشكال. وإليك التفصيل، الوجه الأول: المعنى الصحيح للحديث. وقبل أن نشرع في معنى الحديث نذكر معنى الشهادة: قال ابن حجر: هي مصدر شهد يشهد قال الجوهري: الشهادة خبر قاطع والمشاهدة المعاينة مأخوذة من الشهود أي الحضور لأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره. (١) وقال القاضي: والشهداء: جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة، أو الناصر، والإمام كأنه سمي به، لأنه يحضر النوادي ويبرم بحضرته الأمور، إذ التركيب للحضور إما بالذات أو التصور، ومنه قيل للمقتول في سبيل الله شهيد، لأنه حضر ما كان يرجوه أو الملائكة حضوره، والملائكة شهداء الله في السماء. (٢)

стр. 3961

وعلى هذا المعنى يترتب قبول شهادة الناس الذين عاشوا مع هذا الميت وحضروا حاله ومعيشته، فهم يعلمون على أي شيء كان، فهم لا يتكلمون بغير علم أو على سبيل الظن، بل من طريق المعاينة والمشاهدة لحاله، ووجه قبول هذه الشهادة؛ أن الشهادة بالخير لمن شهد له ستر من الله سبحانه عليه في الدنيا، ومن ستر الله عليه في الدنيا لم يرفع عنه ستره في الآخرة، ومن لم يرفع الله عنه ستره في الآخرة أدخله الله الجنة، والشهادة بالشر في الدنيا: هو رفع الستر عن المشهود عليه، وهو في ذلك ضد من أثنى عليه خير في الدنيا فكذلك هو في الأخرى فيستحق النار (١). فمن هذا الكلام يكون للشهادة الأهمية البالغة في تحديد مصير الإنسان، فهم يحكمون كما قلنا على ما عاينوه وشاهدوه. ومن أهميتها أن يكون الله قد كتب لهذا الإنسان السعادة، وهو على بعض التقصير، فيقيد الله له من يشهد له عند خاتمته فيدخل الجنة بشهادة من عايشه وحاضره، وهذا من رحمة الله الواسعة. (٢) وكذلك من أهمية الشهادة أنها عاجل بشرى المؤمن. فعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ الله ﷺ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنْ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ قَالَ: "تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى المُؤْمِنِ". (٣) قال النووي: قال العلماء: معناه هذه البشرى المعجلة له بالخير، وهي دليل على رضاء الله تعالى عنه ومحبته له، فيحببه إلى الخلق كما سبق في الحديث ثم يوضع له القبول في الأرض، هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم، وإلا فالتعرض مذموم. (٤) وإليك المعنى الصحيح للحديث:

стр. 3962

عن أَنَسِ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَجَبَتْ ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ: وَجَبَتْ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ﵁ مَا وَجَبَتْ قَال: "هَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أنتُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الْأَرْضِ". (١) قال النووي: وأما معناه ففيه قولان للعلماء: أحدهما: أن هذا الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، فكان ثناؤهم مطابقًا لأفعاله فيكون من أهل الجنة، فإن لم يكن كذلك فليس هو مرادًا بالحديث. والثاني: وهو الصحيح المختار أنه على عمومه وإطلاقه وأن كل مسلم مات فألهم الله تعالى الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلًا على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضى ذلك أم لا، وإن لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تحتم عليه العقوبة، بل هو في خطر المشيئة، فإذا ألهم الله الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه قد شاء المغفرة له، وبهذا تظهر فائدة الثناء. وقوله ﷺ : "وجبت، وأنتم شهداء الله" ولو كان لا ينفعه ذلك إلا أن تكون أعماله تقتضيه لم يكن للثناء فائدة، وقد أثبت النبي ﷺ له فائدة فإن قيل: كيف مكنوا بالثناء بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري وغيره في النهي عن سب الأموات؟ . (٢) فالجواب: أن النهي عن سب الأموات هو في غير المنافق وسائر الكفار وفي غير المتظاهر بفسق أو بدعة، فأما هؤلاء فلا يحرم ذكرهم بشر للتحذير من طريقتهم ومن الاقتداء بآثارهم والتخلق بأخلاقهم، وهذا الحديث محمول على أن الذي أثنوا عليه شرًا كان مشهورًا بنفاق أو نحوه مما ذكرناه. (٣) قال ابن حجر: فيه بيان لأن المراد بقوله: "وجبت" أي الجنة لذي الخير والنار لذي الشر،

стр. 3963

والمراد بالوجوب الثبوت إذ هو في صحة الوقوع كالشيء الواجب والأصل أنه لا يجب على الله شيء، بل الثواب فضله والعقاب عدله لا يُسأل عما يفعل، وفي رواية مسلم "من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة"، وهو أبين في العموم من رواية آدم ﵇ وفيه رد على من زعم أن ذلك خاص بالميتين المذكورين لغيب أطْلَع الله نبيه عليه؛ وإنما هو خبر عن حكم أعلمه الله به. قوله: "أنتم شهداء الله في الأرض" أي: المخاطبون بذلك من الصحابة ومن كان على صفتهم من الإيمان. الوجه الثاني: الشهادة المقبولة من الناس على الميت خاصة بالثقات المتقين فقط . قال ابن حجر: حكي ابن التين: أن ذلك مخصوص بالصحابة لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم. قال: والصواب أن ذلك يختص بالثقات والمتقين. (١) قال ابن عبد البر: كان أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم لا يثنون على أحد إلا بالصدق، ولا يمدحون إلا بالحق لا لشيء من أعراض الدنيا: لشهوة أو عصبية أو تقية ومن كان ثناؤه هكذا يصح فيه هذا الحديث وما كان مثله. والله أعلم. (٢) الوجه الثالث: لا بد أن يكون لثناء الأمة على أمواتها فائدة، وثناء الأمة إلهام من الله . قال ابن حجر: ونقل الطيبي عن بعض شراح المصابيح قال: ليس معنى قوله: "أنتم شهداء الله في الأرض" أن الذي يقولونه في حق شخص يكون كذلك حتى يصير من يستحق الجنة من أهل النار بقولهم ولا العكس، بل معناه أن الذي اثنوا عليه خيرًا رأوه منه؛ كان ذلك علامة كونه من أهل الجنة وبالعكس، وتعقبه الطيبي بأن قوله: "وجبت" بعد الثناء، حكم عقب وصفًا مناسبًا فأشعر بالعلية، وكذا قوله: "أنتم شهداء الله في الأرض" لأن الإضافة فيه للتشريف لأنهم بمنزلة عالية عند الله، فهو كالتزكية للأمة بعد أداء شهادتهم؛ فينبغي أن يكون لها أثر، قال: وإلى هذا يومئ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ

стр. 3964

أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] (١). قال النووي: إذا ألهم الله الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه قد شاء المغفرة له، وبهذا تظهر فائدة الثناء، لأن شهادته كانت لا تجوز عليه في الدنيا، وإن كان عدلًا للعداوة، والبشر غير معصومين وقوله ﷺ : "أنتم شهداء الله" ولو كان لا ينفعه ذلك إلا أن تكون أعماله تقتضيه لم يكن للثناء فائدة، وقد أثبت النبي له فائدة (٢). ثم إن ثناء الناس بالخير أو الشر هو بمشيئة الله ﵎ كما ذكرنا في كلام النووي سابقًا. وكذلك جعل الله الملائكة شهداء في السماء كما جعل له شهداء في الأرض. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله ﵎ إذا أحب عبدًا نادي جبريل: إن الله قد أحب فلانًا فأحبه فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء: إن الله قد أحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في أهل الأرض". (٣) فعلى هذا الحديث تكون شهادة الناس للإنسان بالخير أو الشر بالقبول الذي يوضع له في الأرض أو بالنفرة وعدم القبول الذي يوضع له في الأرض. قال النووي: ومعنى يوضع له القبول في الأرض: أي الحب في قلوب الناس ورضاهم عنه فتميل إليه القلوب وترضى عنه. (٤) والشهادة بالخير لها أسباب: أولها: رحمة الله بالمشهود له من الناس.

стр. 3965

ثانيها: إلهام الله الناس وتقييدهم بالشهادة بالخير لهم. ثالثها: معايشة الناس للإنسان ومعاينتهم لحاله وعلمهم به. الوجه الرابع: ليس هنالك إشكال بين هذا الحديث وحديث النهي عن سب الأموات . عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : "لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا" (١). وقد حل العلماء هذا الإشكال: قال النووي: فإن قيل: كيف مكنوا بالثناء بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري وغيره في النهي عن سب الأموات؟ فالجواب: أن النهي عن سب الأموات هو في غير المنافق وسائر الكفار، وهو في غير المتظاهر بفسق أو بدعة، فأما هؤلاء فلا يحرم عليهم ذكرهم بشر للتحذير من طريقهم ومن الاقتداء بآثارهم. (٢) وقال ابن حجر: (قوله باب ما ينهى من سب الأموات) قال الزين بن المنير: لفظ الترجمة يشعر بانقسام السب إلى منهي وغير منهي، ولفظ الخبر مضمونه النهي عن السب مطلقا، والجواب أن عمومه مخصوص بحديث أنس ﵁ السابق حيث قال ﷺ عند ثنائهم بالخير وبالشر "وجبت وأنتم شهداء الله في الأرض" ولم ينكر عليهم، ويحتمل أن اللام في الأموات عهدية والمراد به المسلمون، لأن الكفار مما يتقرب إلى الله بسبهم. وقال القرطبي في الكلام على حديث وجبت يحتمل أجوبة: الأول: أن الذي كان يحدث عنه بالشر؛ كان مستظهرًا به، فيكون من باب لا غيبة لفاسق أو كان منافقًا. ثانيها: يحمل النهي على ما بعد الدفن والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه. ثالثها: يكون النهي العام متأخرًا فيكون ناسخًا وهذا ضعيف.

стр. 3966

وقال ابن رشيد: ما محصله أن السب ينقسم في حق الكفار وفي حق المسلمين. أما الكافر فيمنع إذا تأذى به الحي المسلم، وأما المسلم فحيث تدعو الضرورة إلى ذلك؛ كأن يصير من قبيل الشهادة، وقد يجب في بعض المواضع، وقد يكون فيه مصلحة للميت، كمن علم أنه أخذ ماله بشهادة زور ومات الشاهد، فإن ذكر ذلك ينفع الميت إن علم أن ذلك المال يرد إلى صاحبه. (١)

стр. 3967

١٤ - شبهة: عدد من يشفع للميت عند الصلاة عليه . نص الشبهة: وردت أحاديث مختلفة ظاهرها التناقض في العدد الذي يشفع للميت عند الصلاة عليه، رواية (أربعون)، ورواية (مائة)، ورواية (ثلاثة صفوف) فكيف التوفيق؟ ! الرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: ذكر الروايات التي وردت في هذا الباب. الوجه الثاني: التوفيق بين الروايات. وإليك التفصيل الوجه الأول: ذكر الروايات التي وودت في هذا الباب . أولًا: رواية المائة: عن عبد الله بن يزيد رضيع عائشة عن النبي ﷺ قال: "ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شُفِّعُوا فيه" (١). ثانيًا: رواية الأربعين: عن عبد الله بن عباس ﵁ أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان، فقال: يا كريب، انظر ما اجتمع له من الناس؟ قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له فأخبرته، فقال: تقول: هم أربعون؟ قال: نعم، قال: أخرجوه فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفَّعهم الله فيه". (٢) ثالثًا: رواية ثلاثة صفوف: عن مرثد بن عبد الله اليزني قال: كَانَ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَتَقَالَّ النَّاسَ عَلَيْهَا جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ أَوْجَبَ". (٣)

стр. 3968

الوجه الثاني: التوفيق بين الروايات . قال النووي: قال القاضي: قيل: هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا عن ذلك، فأجاب كلَّ واحد منهم عن سؤاله؛ هذا كلام القاضي. ويحتمل أن يكون النبي ﷺ أخبر بقبول شفاعة مائة فأخبر به، ثم بقبول شفاعة أربعين، ثم ثلاثة صفوف وإن قل عددهم فأخبر به، ويحتمل أيضًا أن يقال: هذا مفهوم عدد ولا يحتج به جماهير الأصوليين، فلا يلزم من الإخبار عن قبول شفاعة مائة منع قبول ما دون ذلك، وكذا في الأربعين مع ثلاثة صفوف، وحينئذ كل الأحاديث معمول، بها ويحصل الشفاعة بأقل الأمرين من ثلاثة صفوف وأربعين. (١) وقال المناوي: لا تعارض، إما لأنها أخبار جرت على وفق سؤال السائلين، أو لأن أقل الأعداد متأخر ومن عادة الله الزيادة في فضله الموعود، وأما قول النووي: مفهوم العدد غير حجة فرُدَّ بأن ذكر العدد حينئذ يصير عبثًا. (٢) وقال المباركفوري: وقال التوربشتي: لا تضاد بين هذه الأحاديث؛ لأن السبيل في أمثال هذا المقام أن يكون الأقل من العددين متأخرًا عن الأكثر، لأن الله تعالى إذا وعد المغفرة لمعنى لم يكن من سنته النقصان من الفضل الموعود بعد ذلك بل يزيد تفضلًا، فيدل على زيادة فضل الله وكرمه على عباده. (٣) وقال الخطيب التبريزي: عقب نقله لكلام التوربشتي السابق: فجعلنا حديث ابن عباس ﵁ في أربعين متأخرًا عن حديث عائشة ﵂ في المائة للمعنى الذي ذكرنا. (٤) وقال الطحاوي: فقال قَائِلٌ: من أَيْنَ جاء هذا الااخْتِلَافُ في هذه الرِّوَايَاتِ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا عن ذلك بِتَوْفِيقِ الله تَعَالَى: أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الله جَادَ لِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ بِالْغُفْرَانِ لمِنْ صلى عليه مِائَةٌ منهم بِشَفَاعَتِهِمْ له، ثُمَّ جَادَ له بِالْغُفْرَانِ بِشَفَاعَةِ أَرْبَعِينَ منهم؛

стр. 3969

فَكَانَ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ بِذَلِكَ هو آخِرُ ما كان منه مِمَّا جَادَ بِسَبَبِهِ بِالْغُفْرَانِ لِلْمُصَلَّى عليه من المُؤْمِنِينَ بِشَفَاعَتِهِمْ، وكان خَبَرُ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مُتَقَدِّمَيْنِ لِذَلِكَ. فقال: وَلمَ حَمَلْتَ ذلك على ما ذَكَرْت ولم تَحْمِلْهُ على أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ هُمَا المُتأَخِّرَانِ وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ هو المُتَقَدِّمُ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا له عن ذلك بِتَوْفِيقِ الله وَعَوْنِهِ: أَنَّ الله تَعَالَى ليس من صِفَتِهِ أَنْ يَجُودَ بِغُفْرَانٍ بِمَعْنًى ثُمَّ يَرْجِعَ عن الْغُفْرَانِ بِذَلِكَ الْمعْنَى، وقد يَجُوزُ أَنْ يجودَ بِالْغُفْرَانِ بِمَعْنًى، ثُمَّ يَجُودَ بِالْغُفْرَانِ بِأَقَلَّ من ذلك المعْنَى وَبِأَيْسَرِهِ على خَلْقِهِ الَّذِينَ جَادَ بِذَلِكَ عليهم، فَبَانَ بَما ذَكَرْنَا الْوَجْهُ الذي جاء منه اخْتِلَافُ الْعَدَدَيْنِ في الآثَارِ التي رَوينَاهَا، وَالله نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ (١). ومعنى ذلك: أنه ليس هناك تناقض بين الأحاديث؛ فإن العدد جاز أن يكون أولًا مائة، ثم مَنَّ الله تعالى على الأمة بفضله فجعله أربعين، وجائز أن يكون عدد الصفوف الثلاثة أربعين، وجائز أن يقل عن هذا العدد، وعندئذ تتضافر الروايات ولا تتنافر، والله أعلم.

стр. 3970

١٥ - شبهة: تحول رأس المسلم إلى حمار . نص الشبهة: من اعتقادات المسلمين أن من رفع رأسه قبل الإمام في الصلاة تتحول رأسه إلى حمار، والدليل الحديث الآتي: عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ أَوْ لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمام أَنْ يَجْعَلَ الله رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ الله صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ". قالوا: كيف تُحوّل رأس الإنسان إلى حمار؟ الجواب على ذلك في تلك الوجوه: الوجه الأول: معنى الحديث. الوجه الثاني: وقوع المسخ في الأمم السابقة والأدلة على ذلك. الوجه الثالث: وقوع المسخ في هذه الأمة والأدلة على ذلك. الوجه الرابع: آداب وأحكام الصلاة خلف الإمام. الوجه الخامس: المسخ في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل، الوجه الأول: معنى قول النبي ﷺ "أن يجعل الله رأسه رأس حمار ". عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أما يخشي أحدكم -أو لا يخشي أحدكم- إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار" (١). الحديث دليل على منع تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود هذا منصوصه: ووجه الدلالة: التوعد على الفعل، ولا يكون التوعد إلا عن ممنوع ويقاس عليه، السبق في الخفض كالهوى إلى الركوع والسجود (٢).

стр. 3971

وقال ابن تيمية: فإن الإمام إنما يجهر لمن يستمع قراءته فإذا اشتغل أحد من المصلين بالقراءة لنفسه كان كالمخاطب لمن لا يستمع إليه، كالخطيب الذي خطب الناس وكلهم يتحدثون، ومن فعل هذا فهو كما جاء في الحديث "كحمار يحمل أسفارًا"، فإنه لم يفقه معنى المتابعة، كالذي يرفع رأسه قبل الإمام فإنه كالحمار، ولهذا قال النبي ﷺ "أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمام أَنْ يَجْعَلَ الله رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ"؟ فإنه متبع الإمام فكيف يسابقه؟ ! ولهذا ضرب عمر ﵁ من فعل ذلك، وقال: لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت وأمره بالإعادة" (١) وقال النووي: هذا كله بيان لغلظ تحريم ذلك (٢). وخص الرأس بوقوع الوعيد عليها لأن بها وقعت الجناية وهي أشمل، وظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام، لكونه توعد عليه بالمسخ وهو أشد العقوبات. (٣) أما قوله ﷺ : "أن يجعل الله رأسه رأس حمار" فمن العلماء من حمله على المجاز ومنهم من حمله على الحقيقة. أما من حمله على المجاز: قال الكرماني: قيل: هذا مجاز عن البلادة لأن المسخ لا يجوز في هذه الأمة، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ليس قوله "أن يحول الله رأسه رأس حمار" في هذه الأمة بموجود، فإن المسخ فيها مأمون، وإنما المراد به معنى الحمار من قلة البصيرة، وكثرة العناد؛ فإن من شأنه إذا قيد حزن وإذا حبس طفر لا يطيع قائدًا ولا يعين حاسبًا. (٤)

стр. 3972

وقال ابن دقيق العيد: إن الحديث يقتضي تغيير الصورة الظاهرة، ويحتمل أن يرجع إلى أمر معنوي مجازي؛ فإن الحمار موصوف بالبلادة، ويستعار هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فروض الصلاة ومتابعة الإمام، وربما رجح هذا المجاز بأن التحويل في الظاهر لم يقع مع كثرة دفع المأمومين قبل الإمام، ونحن قد بينا أن الحديث لا يدل على وقوع ذلك، وإنما يدل على كون فاعله متعرض لذلك، وكون فعله صالحًا لأن يقع عنه ذلك الوعيد ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء (١). وقال ابن بزيزة: يحتمل أن يراد بالتحويل المسخ أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية أو هما معًا. (٢) ومن العلماء من حمل المسخ على الحقيقة. قال ابن حجر: وحمله آخرون على ظاهره؛ إذ لا مانع من جواز وقوع المسخ في هذه الأمة. وهو حديث أبي مالك الأشعري في المغازي، فإن فيه ذكر الخسف وفي آخره "ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة (٣) " ويقوي حمله على ظاهره أن في رواية ابن حبان من وجه آخر عن محمد بن زياد "أن الله يحول رأسه رأس كلب" (٤). فهذا يبعد المجاز لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار، ومما يبعده أيضًا إيراد الوعيد بالأمر المستقبل، وباللفظ الدال علي تغيير الهيئة الحاصلة. (٥) الوجه الثاني: المسخ في الأمم السابقة، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة: لقد وقع المسخ في الأمم السابقة والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة: فمن الكتاب: ١ - قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة: ٦٥]، يقول تعالى: لقد علمتم يا معشر اليهود ما حل من

стр. 3973

الناس بأهل القرية التي عصت أمر الله، وخالفوا عهده وميثاقه، فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره؛ إذ كان مشروعًا لهم فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت، بما وضعوه لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت. فلما فعلو ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي، في الشكل والظاهر وليست بإنسان حقيقة، وكذلك أعمال هؤلاء وحيلهم لما كانت مشبهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس أعمالهم. وعن قتادة والكلبي: في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ قالا: نهوا عن صيد الحيتان في يوم السبت، فكانت تشرع إليهم يوم السبت، بلوا بذلك فاصطادوهم فجعلهم الله قردة خاسئين (١). وهذا الفعل ليس على الله ببعيد ولا بعزيز إذ لا يعجزه شيء . قال الرازي: قوله : ﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ليس بأمر؛ لأنهم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم على صورة القردة؛ بل المراد منه سرعة التكوين كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠] وكقوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، والمعنى: أنه تعالى لم يعجزه ما أراد إنزاله من العقوبة بهؤلاء بل لما قال لهم ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ صاروا كذلك؛ أي لما أراد ذلك بهم صاروا كما أراد وهو كقوله ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧]. (٢)

стр. 3974

٢ - قال تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف: ١٦٦]، يقول تعالى ذكره: فلما تمردوا فيما نهوا عنه من اعتدائهم في السبت واستحلالهم ما حرم الله عليهم من صيد السمك وأكله وتمادوا فيه ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ أي بُعَداء من الخير (١). وقال ابن عباس ﵁: أبوا أن يرجعوا عن المعصية ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ مبعدين فمكثوا ثلاثة أيام ينظر بعضهم إلى بعض وينظر إليهم الناس ثم هلكوا. (٢) وقال قتادة: لما عتوا عما نهوا عنه مسخهم الله فصيرهم قردة تتعاوى، بعدما كانوا رجالًا ونساء، وقال ابن عباس ﵁ جعل الله منهم القردة والخنازير؛ فزعم أن شبان القوم صاروا قردة وأن المشيخة صاروا خنازير. (٣) ٣ - قال تعالى ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة: ٦٠] بقوله تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار، هل أنبئكم يا معشر أهل الكتاب بشر من ثواب ما تنقمون منا من إيماننا بالله وما أنزل إلينا من كتاب الله، وما أنزل من قبلنا من كتبه؟ ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ من أبعده الله وأسحقه من رحمته وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير، يقول: وغضب عليه وجعل منهم الممسوخ القردة والخنازير غضبًا منه عليهم وسخطًا فعجل لهم الخزي والنكال في الدنيا. (٤)

стр. 3975

وقال الشوكاني: قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ أي مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير وهم اليهود؛ فإن الله مسخ أصحاب السبت قردة، وكفار مائدة عيسي منهم خنازير، وقال ابن عباس- ﵄: (إن الممسوخين كلاهما أصحاب السبت فشبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير) (١). والأدلة على وجود ووقوع المسخ في الأمم الماضية من السنة النبوية الشريفة ما يلي: - ١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قَالَ فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ، وَإِنِّي لَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَارَ إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الْإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْ، فَحَدَّثْتُ كَعْبًا فَقَالَ أَنْتَ سَمِعْتَ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ لِي مِرَارًا فَقُلْتُ أَفَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟ " (٢). وعند مسلم من طرق أخرى عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: "الفأرة مسخ، وآية ذلك أنه يوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه ويوضع بين يديها لبن الإبل فلا تذوقه" فقال له كعب: أسمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: أفأنزلت على التوراة" (٣). معناه أي أني سمعته من رسول الله ﷺ ، وأنا لا أقرأ التوراة حتى أعرفه من غير النبي ﷺ . ٢ - وعن أبي سعيد ﵁ أن أعرابيًا أتي رسول الله ﷺ فقال: إني في غائط مضبة وإنه عامة طعام أهلي، قال: فلم يجبه فقلنا عاوده، فعاوده فلم يجبه، ثلاثًا. ثم ناداه رسول الله ﷺ في الثالثة فقال: "يا أعرابي إن الله لعن أو غضب على سبط من بني إسرائيل، فمسخهم دواب يدبون في الأرض، فلا أدري لعل هذا منها، فلست آكلها ولا أنهي عنها". (٤)

стр. 3976

قال الإمام النووي: قوله ﷺ "فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدري ما فعلت ولا أراها إلا الفأر ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربها وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته" معنى هذا أن لحوم الإبل وألبانها حرمت علي بني إسرائيل دون لحوم الغنم وألبانها، فدل بامتناع الفأرة من لبن الإبل دون الغنم على أنها مسخ من بني إسرائيل. (١) الوجه الرابع: وقوع المسخ في الأمة المحمدية الخاتمة والأدلة على ذلك . إن صحابة رسول الله ﷺ خافوا من أن يمسخهم الله قردة وخنازير فلجئوا إلى الله تعالى قائلين: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قال الطبري: وقال آخرون معنى ذلك: ولا تحمل علينا ذنوبًا وإثمًا، كما حملت ذلك على من قبلنا من الأمم فتمسخنا قردة وخنازير كما مسختهم. ونقل عن عطاء بن أبي رباح في قوله ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: لا تمسخنا قردة وخنازير. (٢) ومن الأدلة التي تبين وقوع المسخ في الأمة الخاتمة ما يلي: ١ - عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال حدثني أبو عامر- أو أبو مالك الأشعري والله ما كذبني "سمع النبي ﷺ يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحرَّ والحرير

стр. 3977

والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم -يعني الفقير- لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غدًا فيبيتهم الله، ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة". (١) قال ابن حجر: قال ابن العربي: يُحتمل الحقيقة كما وقع للأمم السالفة، ويحتمل أن يكون كناية عن تبدل أخلاقهم. قلت: والأول أليق بالسياق. (٢) ٢ - عن عبد الله عن النبي ﷺ قال "بين يدي الساعة مسخ وخسف وقذف". (٣). ٣ - وعن سهل بن سعد أنه سمع النبي ﷺ يقول "يكون في آخر أمتي خسف ومسخ وقذف". (٤) ٤ - وعن نافع، أن رجلًا أتى ابن عمر ﵁ فقال: إن فلانًا يقرؤك السلام قال: أنه بلغني أنه قد أحدث، فإن كان قد أحدث فلا تقرئه مني السلام. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "يكون في أمتي (أو في هذه الأمة) مسخ وخسف وقذف" وذلك في أهل القدر. (٥) ٥ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، قالت قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا ظهر الخبث". (٦) ٦ - وعن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال إذا ظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور". (٧)

стр. 3978

فهذه كلها أدلة ثابتة من كتاب ربنا ومن سنة نبينا محمد ﷺ على وقوع المسخ حقيقة ولا ينكر هذا الفعل إلا من لا علم له. الوجه الخامس: آداب وأحكام الصلاة خلف الإمام . عن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا (١). ففي هذا الحديث وجوب متابعة الإمام وعدم مسابقته. ومن فوائد متابعة الإمام ما يلي: ضبطُ النَّفسِ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا اعتادَ على أن يتابعَ إمامًا متابعةً دقيقةً، إذا كبَّرَ يكبِّرُ، لا يتقدَّمُ ولا يتأخَّرُ كثيرًا، ولا يوافق، بل يتابعُ، تعوَّدَ على ضَبْطِ النَّفسِ. وفيها تعويدُ الأمَّةِ الإسلاميةِ على الاجتماعِ وعدم التفرُّق؛ لأنَّ هذا الاجتماعَ يُشكِّلُ اجتماع الأمَّة عمومًا؛ إذ إن الأمَّةَ عمومًا مجتمعة على طاعةِ ولي أمرِها، وقائدِ مسيرتها حتى لا يختلفوا ويتشتَّتوا، فهذه الصَّلاةُ في الجماعة وِلاية صُغرى؛ لأنهم يقتدون بإمامٍ واحدٍ يتابعونه تمامًا، فهي تشكِّلُ النَّظرةَ العامةَ للإسلامِ. الوجه السادس: المسخ في الكتاب المقدس . يحدثنا إنجيل برنابا عن حادثة مسخ، كما في برنابا (٢٧: ٥ - ٦) مسخ المصريين حيوانات: "ألا تعلمون أن الله في زمن موسى مسخ ناسًا كثيرين في مصر حيوانات مخوفة، لأنهم ضحكوا واستهزئوا بالآخرين".

стр. 3979

١٦ - شبهة: ابتلاء أحد الأنبياء بالقمل . نص الشبهة: في بعض الأحاديث أن نبيًّا من الأنبياء ابتلي بالقمل حتى قتله. فكأنهم استنقصوا هذا الكلام، إذ كيف يحدث لنبي مثل ذلك؟ . والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: معرفة درجة الحديث . الوجه الثاني: الفهم الصحيح للحديث. الوجه الثالث: هناك إشكال أن يُبتلى نبي بمثل ذلك، فهذا قدر الله . الوجه الرابع: أن الأنبياء ﵈ قدوة لنا. الوجه الخامس: ابتلاء الأنبياء في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: معرفة درجة الحديث. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: وَضَعَ رَجُلٌ يَدَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: وَالله مَا أُطِيقُ أَنْ أَضَعَ يَدِي عَلَيْكَ مِنْ شِدَّةِ حُمَّاكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّا مَعْشَرَ الْأنْبِيَاءِ يُضَاعَفُ لنَا الْبَلَاءُ كَمَا يُضَاعَفُ لنَا الْأَجْرُ، إِنْ كَانَ النَّبِيُّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يُبْتَلَى بِالْقُمَّلِ حَتَّى يَقْتُلَهُ، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ مِنْ الْأنْبِيَاءِ يُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى يَأْخذَ الْعَبَاءَةَ فَيَجُوبَهَا، وَإِنْ كَانُوا لَيَفْرَحُونَ بِالْبَلَاءِ كَما تَفْرَحُونَ بِالرَّخَاءِ." وهذه الرواية في إسنادها رجل مبهم لم يُسم، قال الإمام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أخبرنا، معمر، عن زيد بن أسلم، عن رجل، عن أبي سعيد الخدري ﵁ به، وقد صحح الشيخ الألباني إسناده. (١)

стр. 3980

ولعل هذا الرجل هو عطاء بن يسار، كما صرح به في رواية الحاكم في المستدرك، والتي فيها أن أبا سعيد هو الذي وضع يده على قطيفة رسول الله ﷺ ، حيث قال الحاكم: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، عن الربيع بن سليمان المرادي، وبحر بن نصر بن سابق الخولاني، قال الربيع: حدثنا، وقال بحر: أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن أبا سعيد الخدري ﵁، دخل على رسول الله ﷺ وهو موعوك، عليه قطيفة، ووضع يده عليها فوجد حرارتها فوق القطيفة، فقال أبو سعيد: ما أشد حر حماك يا رسول الله؟ ، فقال رسول الله ﷺ : "إنا كذلك يشدد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر" ثم قال: يا رسول الله، من أشد الناس بلاء؟ قال: "الأنبياء" قال: ثم من؟ قال: "العلماء" قال: ثم من؟ قال: "ثم الصالحون" كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ويبتلى بالقمل حتى تقتله، ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتج بهشام بن سعد، ثم له شواهد كثيرة ولحديث عاصم بن بهدلة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه طرف يتبع ويذاكر بها، وقد تابع العلاء بن المسيب عاصم بن بهدلة على روايته عن مصعب بن سعد. (١) وللحديث شواهد: الأول: عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قَالَ: "أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ، قُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ، قَالَ: أَجَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ، مَا مِنْ مسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كَفَّرَ الله بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا". (٢)

стр. 3981

والثاني: عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: "الْأنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صَلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُليَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ". (١) الوجه الثاني: الفهم الصحيح للحديث . يبقى إشكال وهو قولهم: كيف يبتلى نبي من الأنبياء بالقمل؟ نقول: قوله: "وإن كان نبي من الأنبياء يبتلى بالقمل. ."، جاءت هذه اللفظة في حديث المسند، وفي إسناده رجل لم يُسم، وهو الراوي عن أبي سعيد، فيضعف الإسناد بذلك، وجاء في حديث المستدرك قوله: "ثم الصالحون كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ويبتلى بالقمل حتى تقتله. . ."، فلعل المقصود بذلك الصالحون فقط وليس الأنبياء. الوجه الثالث: هذا قدر الله . لو ابتلي نبي من الأنبياء بذلك، أي بالقمل فلا إشكال في ذلك، فهذا ابتلاء من الله سبحانه، وإلا كان نوع الابتلاء، فإن الله يبتلي من شاء من خلقه بما شاء من ابتلاءاته، ليختبرهم وليرفع بها درجاتهم، ولحكمة يعلمها رب الأرض والسماء، فلا يجوز لنا أن نعترض على حكم الله وقدره، ولا ينقص هذا من قدر الأنبياء، بل كما وضحنا في حديث الترمذي أن الابتلاء يأتي على قدر الإيمان، وأنه يبتلى الرء على قدر دينه. وحكمة هذه الابتلاءات وضحها النبي ﷺ في الحديث حيث قال: "يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر"، وفي الحديث الآخر، "إني أوعك كما يوعك رجلان منكم. . .، ثم قال: ذلك أن لنا أجرين. ."، فكلما اشتد البلاء ارتفعت الأجور، وكلما اشتد البلاء دل على قوة الإيمان ورفعته.

стр. 3982

الوجه الرابع: أن الأنبياء قدوة لنا . قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾ [الممتحنة: ٦] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]، فلما يرى ويعلم المبتلى ما وقع بالأنبياء من بلاء تهون عليه مصيبته، ويهون عليه بلاءه بإذن الله تعالى، ومن أمثلة ذلك: عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قَالَ: "أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجلَانِ مِنْكُمْ، قُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ، قَالَ: أَجَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كَفَّرَ الله بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا". (١) وعن عَائِشَةَ ﵂ قالت: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسولِ الله ﷺ (٢). وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: "الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ فيبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِيْنهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِيْنهِ رِقَّةٌ ابْتُليَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَما يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئةٌ". (٣) قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: وَالحكْمَة فِي كَوْن الْأَنْبِيَاء أَشَدَّ بَلَاء ثُمَّ الْأَمْثَل فَالْأَمْثَل أَنَّهُمْ مَخْصُوصُونَ بِكَمَالِ الصَّبْر، وَصِحَّة الِاحْتِسَاب، وَمَعْرِفَة أَنَّ ذَلِكَ نِعْمَة مِنْ الله تَعَالَى لِيَتِمّ لَهُمْ الْخَيْر، وَيُضَاعَف لَهُمْ الْأَجْر، وَيَظْهَر صَبْرهمْ وَرِضَاهُمْ. (٤) وقال تعالى عن أيوب ﵇: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١].

стр. 3983

قال الطبري: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : واذكر أيوب يا محمد، إذ نادي ربه وقد مسه الضرّ والبلاء: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤]، يقول تعالى ذكره: فاستجبنا لأيوب دعاءه إذ نادانا، فكشفنا ما كان به من ضرّ وبلاء وجهد، وكان الضر الذي أصابه والبلاء الذي نزل به امتحانًا من الله له واختبارًا. (١) ومن بشرية الرسول أن يجرى عليه ما يجرى على الناس من البلاء والموت ومن الصحة والمرض وغيرها من الصفات البشرية فيكون ذلك أدعى لنجاح البلاغ عن الله. (٢) وبهذا الكلام يتقرر أن البلاء في باطنه نعمة من الله تعالى، وقد أُوذي الأنبياء كثيرًا، ولا إشكال أن يبتلى نبي من الأنبياء بالقمل، فهذه حكمة الله جل في علاه. الوجه الخامس: ابتلاء الأنبياء في الكتاب المقدس . لقد ذكر الكتاب المقدس الابتلاءات، وأنها عذاب للمؤمن والعاصي، وكلاهما لم يصبرا عليها ١ - عقاب المنافق نار ودود (سفر أستير: ٢٠). (لكِنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا لمُوسَى، بَلْ أَبْقى مِنْهُ أُنَاسٌ إِلَى الصَّبَاحِ، فَتَوَلَّدَ فِيهِ دُودٌ وَأَنْتَنَ. فَسَخَطَ عَلَيْهِمْ مُوسَى) (الخروج ١٦/ ٠٥). ٢ - ماذا فعل أيوب بعد إصابته بعدة ابتلاءات: (فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ، وَقَالَ: عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا) (سفر أيوب ١/ ٢١: ٢٠). (فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ الرَّبِّ، وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى هَامَتِهِ. فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ شَقْفَةً لِيَحْتَكَّ بِهَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ الرَّمَادِ) (٢/ ٨: ٧).

стр. 3984

فلما أتى إليه ثلاثة ليعزوه فيما أصيب به: (وَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ مِنْ بَعِيدٍ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتهمْ وَبَكَوْا، وَمَزَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ جُبَّتَهُ، وَذَرَّوْا تُرَابًا فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَقَعَدُوا مَعَهُ عَلَى الأَرْضِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَ لَيَال، وَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ بِكَلِمَةٍ، لأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ كَآبَتَهُ كَانَتْ عَظِيمَةً جدًّا) (سفر أيوب ٢/ ١٣: ١٢). ٣ - أيوب يلعن اليوم الذي وُلد فيه: (بَعْدَ هذَا فتَحَ أَيُّوبُ فَاهُ وَسَبَّ يَوْمَهُ. . لَيْتَهُ هَلَكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلدْتُ فِيهِ. . لِيَلْعَنْهُ لَاعِنُو الْيَوْمِ. . . لِمَ لَمْ أَمُتْ مِنَ الرَّحِمِ؟ عِنْدَمَا خَرَجْتُ مِنَ الْبَطْنِ، لِمَ لَمْ أُسْلِمِ الرُّوحَ) (سفر أيوب ٣/ ١١: ١). ٤ - فقالوا له ليتقلل من جزعه وغضبه على القدر مع أنه من قبل كان يصبرهم ليتحملوا المرض والآلام: (وَالآنَ إِذْ جَاءَ عَلَيْكَ ضَجِرْتَ، إِذْ مَسَّكَ ارْتَعْتَ) (سفر أيوب ٤/ ٥). ٥ - نجد في الكتاب المقدس نظرة بائسة للحياة: (وَلكِنَّ الإِنْسَانَ مَوْلُودٌ لِلْمَشَقَّةِ كَمَا أَنَّ الجوَارِحَ لارْتفَاعِ الجنَاحِ) (سفر أيوب ٥/ ٧). ٦ - أيوب انهار صبره، ويظن أن الله عاقبه عقابًا لا يتحمله بشر: (مَا هِيَ قُوَّتِي حَتَّى أَنْتَظِرَ؟ وَمَا هِيَ نِهَايَتِي حَتَّى أُصَبِّرَ نَفْسِي؟ هَلْ قُوَّتي قُوَّةُ الحجَارَةِ؟ هَلْ لَحْمِي نُحَاسٌ؟ ) (سفر أيوب ٦/ ١٢: ١١). ٧ - أيوب يشتكي إلى الله من الله: (حَتَّى مَتَى لَا تَلْتَفِتُ عَنِّي وَلَا تُرْخِينِي رَيْثَمَا أَبْلَعُ رِيقِي؟ أَأَخْطَأْتُ؟ مَاذَا أَفْعَلُ لَكَ يَا رَقِيبَ النَّاسِ؟ لمِاذَا جَعَلْتَنِي عَاثُورًا لِنَفْسِكَ حَتَّى أَكُونَ عَلَى نَفْسِي حِمْلًا؟ ) (سفر أيوب ٧/ ٢٠: ١٩).

стр. 3985

١٧ - شبهة: وقت قيام الساعة . نص الشبهة: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَعْرَابِ جُفَاةً يَأْتُونَ النبي ﷺ فَيَسْألُونَهُ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ: "إِنْ يَعِشْ هَذَا لَا يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتكُمْ"، قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِى: مَوْتهمْ (١). وعند مسلم: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ الأَعْرَابُ إِذَا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فنظَرَ إِلَى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ فَقَالَ: "إِنْ يَعِشْ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ قَامَتْ عَلَيكمْ سَاعَتْكُمْ"، وفي رواية: "إِنْ يَعِشْ هَذَا الْغُلَامُ فَعَسَى أَنْ لَا يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" (٢). وعَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ غُلَامٌ لِلْمُغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ وَكَانَ مِنْ أقراني فَقَالَ النبي ﷺ : "إِنْ يُؤَخَّرْ هَذَا فَلَنْ يُدْرِكَهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ". (٣) وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النبي ﷺ قَالَ: "مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ الله ﷺ هُنَيْهَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى غُلَامٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ فَقَالَ: "إِنْ عُمِّرَ هَذَا لَمْ يُدْرِكهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ"، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: ذَاكَ الْغُلَامُ مِنْ أَتْرَابِي يَوْمَئِذٍ (٤). أثار المعترضون شبهتهم حول زمن القيامة، وقالوا: إن هذا الحديث يخالف الواقع، وقد مات الغلام ومرت مئات السنين ولم تقم الساعة حتى الآن؟ والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: معنى الساعة في اللغة. الوجه الثاني: قد تُطلق الساعة ويُراد بها موت الإنسان. الوجه الثالث: العلة من تخصيص النبي ﷺ (الساعة) بالموت.

стр. 3986

الوجه الرابع: تقييد النبي ﷺ لبعض علامات الساعة على قيامها لا يدل على تقييدها بهذه العلامات. الوجه الخامس: أدلة أن ميعاد الساعة موكول إلى الله تعالى. الوجه السادس: النبي ﷺ يختلف عن سائر البشر، إذ أن الله يوحي إليه ببعض الغيب. الوجه الأول: يوم القيامة في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل، الوجه الأول: معنى الساعة في اللغة . والساعةُ الوقت الحاضر، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾ يعني بالساعة: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، فلذلك تُرِكَ أَن يُعَرَّف أَيُّ ساعةٍ هي، فإِن سميت القيامة ساعة فعَلى هذا، والساعة: القيامة، وقال الزجاج: الساعة اسم للوقت الذي تَصْعَقُ فيه العِبادُ، والوقتِ الذي يبعثون فيه، وتقوم فيه القيامة، سميت ساعة لأَنها تَفْجَأُ الناس في ساعة فيموت الخلق كلهم عند الصيحة الأُولى التي ذكرها الله فقال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾. (١) الوجه الثاني: قد تطلق الساعة ويراد بها موت الإنسان . قال ابن حجر: قال الراغب: الساعة جزء من الزمان، ويعبر بها عن القيامة تشبيهًا بذلك لسرعة الحساب، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾، أو لما نبه عليه بقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾، وأُطلقت الساعة على ثلاثة أشياء: ١ - الساعة الكبرى: وهي بعث الناس للمحاسبة. ٢ - والوسطى: وهي موت أهل القرن الواحد. ٣ - الصغرى: موت الإنسان، فساعة كل إنسان موته. ومنه قوله ﷺ عند هبوب الريح تخوفت الساعة يعني: موته.

стр. 3987

وقال الكرماني: هذا الجواب من الأسلوب الحكيم؛ أي: دعوا السؤال عن وقت القيامة الكبرى فإنها لا يعلمها إلا الله، واسألوا عن الوقت الذي يقع فيه انقراض عصركم فهو أولى لكم؛ لأن معرفتكم به تبعثكم على ملازمة العمل الصالح قبل فواته؛ لأن أحدكم لا يدري من الذي يسبق الآخر. (١) قال النووي: قَالَ الْقَاضِي عياض: هَذ الرِّوَايَات كُلّهَا مَحْمُولَة عَلَى مَعْنَى الْأَوَّل، وَالمُرَاد "بِسَاعَتِكُمْ": مَوْتهمْ، وَمَعْنَاهُ: يَمُوت ذَلِكَ الْقَرْن، أَوْ أُولَئِكَ المُخَاطَبُونَ، قُلْت: وَيُحْتَمَل أَنَّهُ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْغُلَام لَا يَبْلُغ الْهَرَم، وَلَا يُعَمَّر، وَلَا يُؤَخَّر. (٢) وفي حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: "تسألوني عَنِ السَّاعَةِ وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ الله، وَأُقْسِمُ بِالله مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ تَأْتِى عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ". (٣) وعن ابن عمر ﵁ مثله؛ قال: وإنما أراد ﷺ : "ينخرم هذا القرن" أي: ينقطع وينقضي. (٤) قال ابن حجر: وكان جماعة من أهل ذلك العصر يظنون أن المراد أن الدنيا تنقضي بعد مائة سنة؛ فلذلك قال الصحابي: فوهل الناس فيما يتحدثون من مائة سنة وإنما أراد ﷺ بذلك انخرام قرنه، فلم يبق ممن كان موجودًا عند مقالته تلك عند استكمال مائة سنة من سنة موته أحد. (٥) الوجه الثالث: العلة من تخصيص النبي ﷺ (الساعة) بالموت . قال ابن حجر: قال الداودي: هذا الجواب من معاريض الكلام، فإنه لو قال لهم: لا أدري ابتداءً مع ما هم فيه من الجفاء، وقبل تمكن الإيمان في قلوبهم لارتابوا، فعدل إلى إعلامهم بالوقت الذي ينقرضون هم فيه، ولو كان تمكن الإيمان في قلوبهم لأفصح لهم بالمراد. (٦)

стр. 3988

الوجه الرابع: تقييد النبي ﷺ لبعض علامات الساعة على قيامها لا يدل على تقييدها بهذه العلامات قال النبي ﷺ : "فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ"، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: "إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". (١) فهذه العلامات ذكرها النبي ﷺ ، وقد حدثت وبعضها لم يقع، وإنما هي بمثابة نذير للقوم حتى يستعدوا للقاء الله ، ولذلك يأتي الأمر في نهايته أن الساعة من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله، قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، وقال النبي ﷺ : "مَا الْمسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ". (٢) الوجه الخامس: أدلة أن ميعاد الساعة موكول إلى الله تعالى . أولًا: من القرآن: قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤] وقال أيضًا: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣]، وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤]. ثانيًا: السنة: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ. . . وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا الله". (٣) وفي سؤال جبريل ﵇: متى الساعة؟ قال: مَا الْمسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ. (٤)

стр. 3989

الوجه السادس: النبي ﷺ يختلف عن سائر البشر، إذ أن الله يوحي إليه ببعض الغيب . فمن حديث زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ ﵂ أَنَّهَا قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النبي ﷺ مِنَ النَّوْمِ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يأجوج ومأجوج مِثْلُ هَذِهِ". (١) وعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبي ﷺ قَالَ: "يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَيُّمَ هُوَ؟ قَالَ: "الْقَتْلُ الْقَتْلُ". (٢) وعنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الذي أَنْجُو". (٣) الوجه السابع: يوم القيامة في الكتاب المقدس . " وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتلْكَ السَّاعَةُ فَلَا يَعْلَمُ بِهِما أَحَدٌ، وَلَا مَلَائِكَةُ السَّمَاوَاتِ، إِلَّا أَبِي وَحْدَهُ. (متى ٣٦/ ٢٤) وَقَالَ لَهُمُ: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لَا يَذُوقُونَ المُوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ الله قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ" (مرقس ٩/ ١).

стр. 3990

١٨ - شبهة: الحمى من جهنم . نص الشبهة: عن رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ الْحُمَّى مِنْ فَوْرِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا عَنكمْ بِالمُاءِ (١). والجواب عن ذلك من وجوه: الوجه الأول: معنى (فيح جهنم ، وفور جهنم). الوجه الثاني: معنى الحديث (الْحُمَّى مِنْ فَوْرِ جَهَنَّمَ). الوجه الثالث: فوائد النار في الدنيا التي تنفع في الآخرة. الوجه الرابع: فوائد الحمى. وإليك التفصيل، الوجه الأول: معنى (فيح جهنم). قال ابن منظور: (فيح): فاحَ الحرُّ يَفِيحُ فَيْحًا سَطَعَ وهاجَ وفي الحديث شدّة القَيْظ من فَيْح جهنم الفَيْح سُطُوع الحرّ وفَوَرانُه ويقال بالواو فوح الحر شدة سطوعه، وفاض القِدْرُ تَفِيحُ وتَفُوحُ إِذا غَلَتْ وقد أَخرجه مَخْرَجَ التشبيه أَي كأَنه نار جهنم في حرِّها. وفَوْرُ الحرّ شدته وفي الحديث "كلا بل هي حُمَّى تَثُور أَو تَفُور" أَي يظهر حرها وفي الحديث "إِن شدة الحرّ من فَوْرِ جهنم" أَي وَهَجِها وغليانها، وفار الشيء فورًا: جاش (٢). قال ابن حجر: (بَاب الْحُمَّى مِنْ فَيْح جَهَنَّم)، وفي لَفْظِ "فَوْر" بِالرَّاءَ بَدَل الْحَاء وَكُلّهَا بِمَعْنًى وَالْمرَاد سُطُوع حَرّهَا وَوَهَجه (٣). ويُقصد به أيضًا شِدَّة حَرّهَا وَلَهَبهَا وَانْتِشَارهَا (٤). الوجه الثاني: معنى قول النبي ﷺ : الْحُمَّى مِنْ فَوْر جَهَنم . إن خِطَابُ النّبِيّ ﷺ نَوْعَانِ: عَامّ لِأَهْلِ الْأَرْضِ، وَخَاصّ بِبَعْضِهِمْ، فَالْأَوّلُ كَعَامّةِ

стр. 3991

خِطَابِهِ، وَالثّانِي: كَقَوْلِهِ: "لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرّقُوا أَوْ غَرُّبوا" (١)، فَهَذَا لَيْسَ بِخِطَابٍ لِأَهْلِ الْمشْرِقِ وَالْمغْرِبِ وَلَا الْعِرَاقِ لِأَهْلِ الْمدِينَةِ وَمَا عَلَى سَمْتِهَا كَالشّامِ وَغَرهَا، وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَخِطَاُبهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَاصّ بِأَهْلِ الحجَازِ مَا وَالَاهُمْ؛ إذْ كَانَ أَكْثَرُ الحمِيّاتِ الّتِي تَعْرِضُ لَهُمْ مِنْ نَوْعِ الْحُمّى الْيَوْمِيّةِ الْعَرَضِيّةِ الْحَادِثَةِ عَنْ شِدّةِ حَرَارَةِ الشّمْسِ؛ وَهَذِهِ يَنْفَعُهَا الماءُ الْبَارِدُ شُرْبًا وَاغْتِسَالًا (٢). قال ابن حجر: وَاخْتُلِفَ فِي نِسْبة الحمى إِلَى جَهَنَّم فَقِيلَ حَقِيقَة، وَاللهب الْحَاصِل فِي جِسْم الْمَحْمُوم قِطْعَة مِنْ جَهَنَّم، وَقَدَّرَ الله ظُهُورهَا بِأَسْبَابٍ تَقْتَضِيهَا لِيَعْتَبِر الْعِبَاد بِذَلِكَ، كَمَا أَنَّ أَنْوَاع الْفَرَح وَاللَّذَّة مِنْ نَعِيم الجنَّة، أَظْهَرهَا فِي هَذ الدَّار عِبْرَة وَدَلَالَة. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ حَدِيث عَائِشَة بِسَنَدٍ حَسَن، وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْد أَحْمَد، وَعَنْ أَبِي رَيْحَانَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَعَنْ ابْن مَسْعُود فِي مُسْنَد الشِّهَاب "الحمَّى حَظّ المُؤْمِن مِنْ النَّار". وَقِيلَ: بَلْ الْخَبَر وَرَدَ مَوْرِد التَّشْبِيه، وَالمعْنَى أَنَّ حَرّ الْحُمَّى شَبِيه بَحْر جَهَنَّم تَنْبِيهًا لِلنّفوسِ عَلَى شِدَّة حَرّ النَّار، وَأَنَّ هَذ الحْرَارَة الشَّدِيدَة شَبِيهَة بِفَيْحِهَا وَهُوَ مَا يُصِيب مَنْ قَرُبَ مِنْهَا مِنْ حَرّهَا كَمَا قِيلَ بِذَلِكَ فِي حَدِيث الْإِبْرَاد، وَالْأَوَّل أَوْلَى وَالله أَعْلَم. وَيُؤَيِّد هذا القَوْل إِبْن عُمَر ﵁: (اكشف عنا الرجز) أي: العذاب، وهذا موصول بالسند الذي قبله، وكأن ابن عمر فهم من كون أصل الحمى من جهنم، أن من أصابته عذب بها، وهذا التعذيب يختلف باختلاف محله: فيكون للمؤمن تكفيرا لذنوبه وزيادة في أجوره كما سبق، وللكافر عقوبة وانتقامًا. وإنما طلب ابن عمر كشفه مع ما فيه من الثواب لمشروعية طلب العافية من الله سبحانه؛ إذ هو قادر على أن يكفر سيئات عبده ويعظم ثوابه، من غير أن يصيبه شيء يشق عليه. (٣)

стр. 3992

الوجه الثالث: فوائد النار في الدنيا التي تنفع في الآخرة . لقد بين لنا رب العزة فوائد النار التي ينتفع بها الإنسان في حياته الدنيوية في كتابه العزيز، والتي تنفع في الآخرة، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾، يقول تعالى ذكره: أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زَنْدكم ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ يقول: أأنتم أحدثتم شجرتها واخترعتم أصلها ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ يقول: أَمْ نحن اخترعنا ذلك وأحدثناه؟ (١). ثم بين منافع هذه النار فقال: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾. في قوله: ﴿تَذْكِرَةً﴾ وجهان أحدهما: تذكرة لنار القيامة فيجب على العاقل أن يخشى الله تعالى وعذابه إذا رأى النار الموقدة. وثانيهما: تذكرة بصحة البعث، لأن من قدر على إيداع النار في الشجر الأخضر لا يعجز عن إيداع الحرارة الغريزية في بدن الميت، أي نحن جعلنا النار تبصرة في أمر البعث؛ حيث علقنا بها أسباب المعاش لينظروا إليها، ويذكروا بها ما أوعدوا به. وقال مجاهد وقتادة: أي تذكر النار الكبرى (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ" قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيةً. قَالَ: "فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا" (٣). وقال الشنقيطي: وقوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ أي تذكر الناس بها في دار الدنيا إذا أحسوا شدة حرارتها. نار الآخرة التي هي أشد منها حرًّا لينزجروا عن الأعمال المقتضية لدخول النار، وقوله تعالى ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ أي منفعة للنازلين بالقواء من الأرض، وهو الخلاء والفلاة التي ليس بها أحد، وهم المسافرون، لأنهم ينتفعون بالنار انتفاعًا عظيمًا في

стр. 3993

الاستدفاء بها والاستضاءة وإصلاح الزاد (١). الوجه الرابع: فوائد الحمى . يقول ابن القيم: وَقَدْ يَنْتَفِعُ الْبَدَنُ بِالْحُمّى انْتِفَاعًا عَظِيمًا لَا يَبْلُغُهُ الدّوَاءُ، وَكَثِيرًا مَا يَكُونُ حُمّى يَوْمٍ وَحُمّى الْعَفَنِ سَبَبًا لإِنْضَاجِ مَوَادّ غَلِيظَةٍ لَمْ تَكُنْ تَنْضَجُ بِدُونِهَا، وَسَبَبًا لِتَفَتّحَ سُدَدٍ لَمْ يَكُنْ تَصِلُ إلَيْهَا الْأَدْوِيَةُ المُفَتّحَةُ. وَأَمّا الرّمَدُ الحدِيثُ وَالمُتقَادِمُ فَإِنّهَا تُبْرِئُ أَكْثَرَ أَنْوَاعِهِ بُرْءًا عَجِيبًا سَرِيعًا، وتنفع من الفالج واللقوة- داء يكون في الوجه يعوج منه الشدق- والتشنج الامْتِلَائِيّ وَكَثِيرًا مِنْ الْأَمْرَاضِ الْحَادِثَةِ عَنْ الْفُضُولِ الْغَلِيظَةِ (٢). ومن فوائدها أنها تذهب خطايا بني آدم: فعن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ المسَيَّبِ فَقَالَ: "مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ المسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ قَالَتْ: الْحُمَّى لَا بَارَكَ الله فِيهَا، فَقَالَ لَا تَسُبِّي: الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَني آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الحدِيدِ. (٣) قال ابن القيم: لما كَانَتْ الْحُمّى يَتْبَعُهَا حَمِيّة عَنْ الْأَغْذِيَةِ الرّدِيئَةِ، وَتَنَاوُلِ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ النّافِعَةِ، وَفِي ذَلِكَ إعَانَةٌ عَلَى تَنْقِيَةِ الْبَدَنِ، وَنَفْيُ أَخْبَاثِهِ وَفُضُولِهِ وَتَصْفِيَتِهِ مِنْ مَوَادّهِ الرّدِيئَةِ، وَتَفْعَلُ فِيهِ كَمَا تَفْعَلُ النّارُ فِي الحدِيدِ فِي نَفْيِ خَبَثِهِ وَتَصْفِيَةِ جَوْهَرِهِ كَانَتْ أَشْبَهَ الْأَشْيَاءِ بِنَارِ الْكِيرِ الّتِي تُصَفّي جَوْهَرَ الحدِيدِ وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ المُعْلُومُ عِنْدَ أَطِبّاءِ الْأَبْدَانِ. وَأَمّا تَصْفِيَتُهَا الْقَلْبَ مِنْ وَسخِهِ وَدَرَنهِ وَإِخْرَاجَهَا خَبَائِثَهُ، فَأَمْر يَعْلَمُهُ أَطِبّاءُ الْقُلُوبِ وَيَجِدُونَهُ كَمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ نَبِيّهُمْ رَسُولُ الله ﷺ . فَالْحُمّى تَنْفَعُ الْبَدَنَ وَالْقَلْبَ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ المُثَابَةِ فَسَبّهُ ظُلْمٌ وَعُدْوَانٌ. (٤)

стр. 3994

١٩ - شبهة: الأمر بالسعي إلى الجمعة . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩]. وعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلَا تَأتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" (١). فإن قيل: كيف جاء الأمر بالسعي في الآية والنهي عنه في الحديث. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: بيان المقصود بالسعي في الآية . الوجه الثاني: أقوال الفقهاء على استحباب المشي وعدم الإسراع. الوجه الثالث: الجمع بين الآية والحديث، وأنهما متفقتان في المعنى. الوجه الرابع: وجود قراءات أخرى للآية تبين المقصود بالسعي. وإليك التفصيل، الوجه الأول: بيان المقصود بالسعي في الآية. ذكر المفسرون عدة أقوال في معنى السعي في الآية وهي: أولًا: القصد والنية: قال الحسن: والله ما هو بسعي على الأقدام، ولكنه سعي بالقلوب والنية. (٢) قال ابن كثير: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: اقصدوا واعمدوا واهتموا في مَسيركم إليها، وليس المراد بالسعي هاهنا المشي السريع، وإنما هو الاهتمام بها، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ

стр. 3995

أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. (١) ثانيًا: العمل: وليس المراد من السعي الإسراع إنما المراد منه العمل والفعل، كما قال: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ وقال: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ (٢) قال القرطبي: وهذا قول الجمهور، وقال زهير: سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم. وقال أيضًا: سعى ساعيًا غيظ بن مرة بعد ما تبزل ما بين العشيرة بالدم. أي: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله، واشتغلوا بأسبابه من الغسل والتطهير والتوجه إليه (٣). واستدلوا لذلك بأن السعي يطلق في القرآن على العمل، قاله الفخر الرازي. وقال: هو مذهب مالك والشافعي. (٤) ثالثًا: المضي: عن قتادة، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والسعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضيّ إليها (٥). ومما يؤكد هذا المعنى ما ورد في القراءة الأخرى للآية حيث كان عمر ﵁ يقرؤها (فامضوا) (٦). رابعًا: معناها (أجيبوا): قال أبو عبيدة: ﴿فَاسْعَوْا﴾: أجيبوا وليس من العدو. (٧) وقال السدي: إجابة الداعي. (٨) خامسًا: التصرف في كل أمر والجد فيه:
следующие страницы →