← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

خِطَابِهِ، وَالثّانِي: كَقَوْلِهِ: "لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرّقُوا أَوْ غَرُّبوا" (١)، فَهَذَا لَيْسَ بِخِطَابٍ لِأَهْلِ الْمشْرِقِ وَالْمغْرِبِ وَلَا الْعِرَاقِ لِأَهْلِ الْمدِينَةِ وَمَا عَلَى سَمْتِهَا كَالشّامِ وَغَرهَا، وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَخِطَاُبهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَاصّ بِأَهْلِ الحجَازِ مَا وَالَاهُمْ؛ إذْ كَانَ أَكْثَرُ الحمِيّاتِ الّتِي تَعْرِضُ لَهُمْ مِنْ نَوْعِ الْحُمّى الْيَوْمِيّةِ الْعَرَضِيّةِ الْحَادِثَةِ عَنْ شِدّةِ حَرَارَةِ الشّمْسِ؛ وَهَذِهِ يَنْفَعُهَا الماءُ الْبَارِدُ شُرْبًا وَاغْتِسَالًا (٢). قال ابن حجر: وَاخْتُلِفَ فِي نِسْبة الحمى إِلَى جَهَنَّم فَقِيلَ حَقِيقَة، وَاللهب الْحَاصِل فِي جِسْم الْمَحْمُوم قِطْعَة مِنْ جَهَنَّم، وَقَدَّرَ الله ظُهُورهَا بِأَسْبَابٍ تَقْتَضِيهَا لِيَعْتَبِر الْعِبَاد بِذَلِكَ، كَمَا أَنَّ أَنْوَاع الْفَرَح وَاللَّذَّة مِنْ نَعِيم الجنَّة، أَظْهَرهَا فِي هَذ الدَّار عِبْرَة وَدَلَالَة. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث أَخْرَجَهُ الْبَزَّار مِنْ حَدِيث عَائِشَة بِسَنَدٍ حَسَن، وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْد أَحْمَد، وَعَنْ أَبِي رَيْحَانَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَعَنْ ابْن مَسْعُود فِي مُسْنَد الشِّهَاب "الحمَّى حَظّ المُؤْمِن مِنْ النَّار". وَقِيلَ: بَلْ الْخَبَر وَرَدَ مَوْرِد التَّشْبِيه، وَالمعْنَى أَنَّ حَرّ الْحُمَّى شَبِيه بَحْر جَهَنَّم تَنْبِيهًا لِلنّفوسِ عَلَى شِدَّة حَرّ النَّار، وَأَنَّ هَذ الحْرَارَة الشَّدِيدَة شَبِيهَة بِفَيْحِهَا وَهُوَ مَا يُصِيب مَنْ قَرُبَ مِنْهَا مِنْ حَرّهَا كَمَا قِيلَ بِذَلِكَ فِي حَدِيث الْإِبْرَاد، وَالْأَوَّل أَوْلَى وَالله أَعْلَم. وَيُؤَيِّد هذا القَوْل إِبْن عُمَر ﵁: (اكشف عنا الرجز) أي: العذاب، وهذا موصول بالسند الذي قبله، وكأن ابن عمر فهم من كون أصل الحمى من جهنم، أن من أصابته عذب بها، وهذا التعذيب يختلف باختلاف محله: فيكون للمؤمن تكفيرا لذنوبه وزيادة في أجوره كما سبق، وللكافر عقوبة وانتقامًا. وإنما طلب ابن عمر كشفه مع ما فيه من الثواب لمشروعية طلب العافية من الله سبحانه؛ إذ هو قادر على أن يكفر سيئات عبده ويعظم ثوابه، من غير أن يصيبه شيء يشق عليه. (٣)

стр. 3992

الوجه الثالث: فوائد النار في الدنيا التي تنفع في الآخرة . لقد بين لنا رب العزة فوائد النار التي ينتفع بها الإنسان في حياته الدنيوية في كتابه العزيز، والتي تنفع في الآخرة، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾، يقول تعالى ذكره: أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زَنْدكم ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ يقول: أأنتم أحدثتم شجرتها واخترعتم أصلها ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ يقول: أَمْ نحن اخترعنا ذلك وأحدثناه؟ (١). ثم بين منافع هذه النار فقال: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾. في قوله: ﴿تَذْكِرَةً﴾ وجهان أحدهما: تذكرة لنار القيامة فيجب على العاقل أن يخشى الله تعالى وعذابه إذا رأى النار الموقدة. وثانيهما: تذكرة بصحة البعث، لأن من قدر على إيداع النار في الشجر الأخضر لا يعجز عن إيداع الحرارة الغريزية في بدن الميت، أي نحن جعلنا النار تبصرة في أمر البعث؛ حيث علقنا بها أسباب المعاش لينظروا إليها، ويذكروا بها ما أوعدوا به. وقال مجاهد وقتادة: أي تذكر النار الكبرى (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ" قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيةً. قَالَ: "فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا" (٣). وقال الشنقيطي: وقوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ أي تذكر الناس بها في دار الدنيا إذا أحسوا شدة حرارتها. نار الآخرة التي هي أشد منها حرًّا لينزجروا عن الأعمال المقتضية لدخول النار، وقوله تعالى ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ أي منفعة للنازلين بالقواء من الأرض، وهو الخلاء والفلاة التي ليس بها أحد، وهم المسافرون، لأنهم ينتفعون بالنار انتفاعًا عظيمًا في

стр. 3993

الاستدفاء بها والاستضاءة وإصلاح الزاد (١). الوجه الرابع: فوائد الحمى . يقول ابن القيم: وَقَدْ يَنْتَفِعُ الْبَدَنُ بِالْحُمّى انْتِفَاعًا عَظِيمًا لَا يَبْلُغُهُ الدّوَاءُ، وَكَثِيرًا مَا يَكُونُ حُمّى يَوْمٍ وَحُمّى الْعَفَنِ سَبَبًا لإِنْضَاجِ مَوَادّ غَلِيظَةٍ لَمْ تَكُنْ تَنْضَجُ بِدُونِهَا، وَسَبَبًا لِتَفَتّحَ سُدَدٍ لَمْ يَكُنْ تَصِلُ إلَيْهَا الْأَدْوِيَةُ المُفَتّحَةُ. وَأَمّا الرّمَدُ الحدِيثُ وَالمُتقَادِمُ فَإِنّهَا تُبْرِئُ أَكْثَرَ أَنْوَاعِهِ بُرْءًا عَجِيبًا سَرِيعًا، وتنفع من الفالج واللقوة- داء يكون في الوجه يعوج منه الشدق- والتشنج الامْتِلَائِيّ وَكَثِيرًا مِنْ الْأَمْرَاضِ الْحَادِثَةِ عَنْ الْفُضُولِ الْغَلِيظَةِ (٢). ومن فوائدها أنها تذهب خطايا بني آدم: فعن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ المسَيَّبِ فَقَالَ: "مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ المسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ قَالَتْ: الْحُمَّى لَا بَارَكَ الله فِيهَا، فَقَالَ لَا تَسُبِّي: الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَني آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الحدِيدِ. (٣) قال ابن القيم: لما كَانَتْ الْحُمّى يَتْبَعُهَا حَمِيّة عَنْ الْأَغْذِيَةِ الرّدِيئَةِ، وَتَنَاوُلِ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ النّافِعَةِ، وَفِي ذَلِكَ إعَانَةٌ عَلَى تَنْقِيَةِ الْبَدَنِ، وَنَفْيُ أَخْبَاثِهِ وَفُضُولِهِ وَتَصْفِيَتِهِ مِنْ مَوَادّهِ الرّدِيئَةِ، وَتَفْعَلُ فِيهِ كَمَا تَفْعَلُ النّارُ فِي الحدِيدِ فِي نَفْيِ خَبَثِهِ وَتَصْفِيَةِ جَوْهَرِهِ كَانَتْ أَشْبَهَ الْأَشْيَاءِ بِنَارِ الْكِيرِ الّتِي تُصَفّي جَوْهَرَ الحدِيدِ وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ المُعْلُومُ عِنْدَ أَطِبّاءِ الْأَبْدَانِ. وَأَمّا تَصْفِيَتُهَا الْقَلْبَ مِنْ وَسخِهِ وَدَرَنهِ وَإِخْرَاجَهَا خَبَائِثَهُ، فَأَمْر يَعْلَمُهُ أَطِبّاءُ الْقُلُوبِ وَيَجِدُونَهُ كَمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ نَبِيّهُمْ رَسُولُ الله ﷺ . فَالْحُمّى تَنْفَعُ الْبَدَنَ وَالْقَلْبَ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ المُثَابَةِ فَسَبّهُ ظُلْمٌ وَعُدْوَانٌ. (٤)

стр. 3994

١٩ - شبهة: الأمر بالسعي إلى الجمعة . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩]. وعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلَا تَأتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" (١). فإن قيل: كيف جاء الأمر بالسعي في الآية والنهي عنه في الحديث. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: بيان المقصود بالسعي في الآية . الوجه الثاني: أقوال الفقهاء على استحباب المشي وعدم الإسراع. الوجه الثالث: الجمع بين الآية والحديث، وأنهما متفقتان في المعنى. الوجه الرابع: وجود قراءات أخرى للآية تبين المقصود بالسعي. وإليك التفصيل، الوجه الأول: بيان المقصود بالسعي في الآية. ذكر المفسرون عدة أقوال في معنى السعي في الآية وهي: أولًا: القصد والنية: قال الحسن: والله ما هو بسعي على الأقدام، ولكنه سعي بالقلوب والنية. (٢) قال ابن كثير: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: اقصدوا واعمدوا واهتموا في مَسيركم إليها، وليس المراد بالسعي هاهنا المشي السريع، وإنما هو الاهتمام بها، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ

стр. 3995

أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. (١) ثانيًا: العمل: وليس المراد من السعي الإسراع إنما المراد منه العمل والفعل، كما قال: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ وقال: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ (٢) قال القرطبي: وهذا قول الجمهور، وقال زهير: سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم. وقال أيضًا: سعى ساعيًا غيظ بن مرة بعد ما تبزل ما بين العشيرة بالدم. أي: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله، واشتغلوا بأسبابه من الغسل والتطهير والتوجه إليه (٣). واستدلوا لذلك بأن السعي يطلق في القرآن على العمل، قاله الفخر الرازي. وقال: هو مذهب مالك والشافعي. (٤) ثالثًا: المضي: عن قتادة، قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والسعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضيّ إليها (٥). ومما يؤكد هذا المعنى ما ورد في القراءة الأخرى للآية حيث كان عمر ﵁ يقرؤها (فامضوا) (٦). رابعًا: معناها (أجيبوا): قال أبو عبيدة: ﴿فَاسْعَوْا﴾: أجيبوا وليس من العدو. (٧) وقال السدي: إجابة الداعي. (٨) خامسًا: التصرف في كل أمر والجد فيه:

стр. 3996

قال الراغب الأصفهاني: السعي المشي السريع، وهو دون العدو، ويستعمل للجد في الأمر خيرًا كان أو شرًا، قال تعالى: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤]. ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]، وجمع الأمرين الخير والشر ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠)﴾ [النجم: ٣٩ - ٤٠] وهو ما تشهد له اللغة، كما في قول زهير بن أبي سلمى: سعى ساعيًا غيظ ابن مرة بعدما تبزل ما بين العشيرة بالدم. (١) قال الزجاج: أَصلُ السَّعْيِ في كلام العرب: التصرُّف في كل عَمَلٍ. . . ومعنى قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فاقْصِدُوا، والسَّعْيُ الكَسْبُ وكلُّ عملٍ من خير أَو شرٍّ سَعْي. (٢) وبالنظر إلى هذه الأقوال نجد أنها متقاربة ومتلازمة، وأنها تفصِّل لنا المقصود بالسعي في الآية الكريمة؛ فالعمل يشمل العمل القلبي -وهو القصد والنية- والعمل بالجوارح -وهو الإجابة للداعي- والذهاب والمضي إلى ذكر الله تعالى، ويؤيد ذلك كله اتساع معنى السعي في لغة العرب ليشمل التصرف في كل عمل والجد في طلبه. وقد اتفق المفسرون قديمًا وحديثًا على هذه الآراء، ولم يقل أحد بأن المراد بالسعي هو الإسراع والجري، بل إن كل هذه الآراء لا تخرج عن معنى السكينة والوقار، كما أن جمهور فقهاء الأمصار على أن يمشي إلى الجمعة على هينة. (٣) الوجه الثاني: أقوال الفقهاء على استحباب المشي وعدم الإسراع . قال النووي: أن السنة أن يمشي إلى الجمعة بسكينة ووقار وبه قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم (٤)

стр. 3997

والقول الآخر: ويستحب أن يأتيها ماشيا ليكون أعظم للأجر وعليه سكينة ووقار لقول النبي ﷺ : "لا تأتوا الصلاة وأنتم تسعون" (١)، ويقارب بين خطاه لتكثر حسناته. (٢) وهذا القول يبين علة استحباب المشي بسكينة ووقار، وقد ذكر العلماء علة أخرى وهي: أَنَّ الذَّاهِب إِلَى صَلَاة عَامِد فِي تَحْصِيلهَا وَمُتَوَصِّل إِلَيْهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون مُتَأَدَبًا بِآدَابِهَا، وَعَلَى أَكمَل الْأَحْوَال. وَهَذَا مَعْنَى الرِّوَايَة الثَّانِيَة؛ فَإِنَّ أَحَدكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِد إِلَى الصَّلَاة فَهُوَ فِي صَلَاة، وَهَذَا يَتَنَاوَل جَمِيع أَوْقَات الْإِتْيَان إِلَى الصَّلَاة، وَأكًّدَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا آخَر قَالَ: "فَما أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" فَحَصَلَ فِيهِ تَنْبِيه وَتَأْكِيد لِئَلَّا يَتَوَهَّم مُتَوَهِّم أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا هُوَ لمِنْ لَمْ يَخَفْ فَوْت بَعْض الصَّلَاة؛ فَصرَّحَ بِالنَّهْيِ وَإِنْ فَاتَ مِنْ الصَّلَاة مَا فَاتَ، وَبَيَّنَ مَا يُفْعَل فِيمَا فَاتَ. (٣) قال الشافعي: ومما علمت أحدًا روى عن رسول الله ﷺ في الجمعة أنه زاد فيها على مشيه إلى سائر الصلوات، ولا عن أحد من أصحابه، . . ولا تؤتَى الجمعة إلا ماشيًا كما تؤتى سائر الصلوات وإن سعى إليها ساع أو إلى غيرها من الصلوات لم تفسد عليه صلاته، ولم أحب ذلك له. (٤) الوجه الثالث: الجمع بين الآية والحديث، وأنهما متفقتان في المعنى . فقد استدل العلماء على أن السعي المأمور به في الآية غير السعي المنهي عنه في الحديث، والحجة فيه أن السعي في الآية فُسر بالمضي، والسعي في الحديث فُسر بالعدو لمقابلته بالمشي. (٥) أما في الآية فسر لنا معنى السعي في قَوْله تَعَالَى ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾: أَيْ اشْتَغِلُوا بِأَمْرِ الْمعَاد وَاتْرُكُوا أَمْر الْمعَاش، ومعلوم أن الأمر بترك البيع لا يعني الإسراع والجري إلى الصلاة، ولكن لما قابل الله بين الأمر بالسعي والنهي عن البيع دل على أن المراد بالسعي: العمل الذي هو الطاعة (٦).

стр. 3998

الوجه الرابع: وجود قراءات أخرى للآية تبين المقصود بالسعي . فقد قيل لعمر ﵁: إن أبيًّا يقرؤها ﴿فَاسْعَوْا﴾ قال: أما إنه أقرؤنا وأعلمنا بالمنسوخ وإنما هي فامضوا، وورد عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يقرؤها أيضًا كذلك (١). وهو كله تفسير منهم، لا قراءة قرآن منزل، وجائز قراءة القرآن بالتفسير في معرض التفسير (٢). وعلى هذا فإن ما جاء في قراءة عمر ﵁ الصحيحة: (فامضوا) فهي بمنزلة التفسير للسعي. (٣) وإن كانت هذه الروايات غير متواترة، لكن قال العلماء: أن بعض القراءات يبين ما لعله مجمل في القراءات الأخرى، فقراءة (يطَّهرن) بالتشديد مبينة لمعنى قراءة التخفيف، وقراءة فامضوا إلى ذكر الله تبين أن المراد بقراءة اسعوا الذهاب لا المشي السريع. وقال أبو عبيد في فضائل القرآن: المقصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة وتبيين معانيها، كقراءة عائشة وحفصة: والصلاة الوسطى صلاة العصر (٤). قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يجوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ التَّفْسِيرَ لَا نَصَّ الْقِرَاءَةِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِلْأَعْجَمِيِّ الَّذِي كَانَ يُلَقِّنه: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ فَكَانَ يَقُولُ طَعَامُ الْيَتِيمِ"، فَلَمّا أَعْيَاهُ قَالَ لَهُ طَعَامُ الْفَاجِرِ"، وَإِنَّمَا أَرَادَ إظهار الْمعْنَى. (٥)

стр. 3999

٢٠ - شبهة: اختلاف الأحاديث الواردة في أفضل الأعمال . نص الشبهة: هناك تعارض بين بعض النصوص التي وقع فيها اختلاف في ذكر أي الأعمال أفضل، وهذه أمثلة لبعض الأحاديث: الحديث الأول: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "إِيمَانٌ بِالله وَرَسُولِهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الجهَادُ فِي سَبِيلِ الله، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ". (١) الحديث الثاني: عَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ سَأَل النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى الله؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الجهَادُ فِي سَبِيلِ الله، قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي" (٢). الحديث الثالث: عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِالله وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِه. (٣) بيان وجه الاختلاف: بالنظر في هذه الأحاديث نلاحظ أنه ﷺ في الحديث الأول ذكر الإيمان بالله ورسوله، ثم الجهاد، ثم الحج، وفي حديث ابن مسعود بدأ بالصلاة لميقاتها، ثم بر الوالدين، ثم الحج، وفي حديث أبي ذر لم يذكر الحج. (٤) فإن قيل: لماذا اختلف الجواب من حديث لآخر؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: اختلاف أحو ال السائلين. الوجه الثاني: اختلاف أفضلية العمل من وقت لآخر. الوجه الثالث: أن المراد (من) أفضل الأعمال، فحذفت (من) وهي مرادة.

стр. 4000

الوجه الرابع: إن الأعمال المذكورة منها ما هو قلبي متعلق بعمل آخر بدني لا ينفك أحدهما عن الآخر. الوجه الخامس: بيان المقصود بالحرف (ثم). الوجه السادس: فقه السؤال والجواب، وبه نعرف لماذا وقع التغاير. وإليك التفصيل، الوجه الأول: اختلاف أحوال السائلين . إن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين، بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة (١). قال العلماء: اختلاف الأجوبة في ذلك باختلاف الأحوال، واحتياج المخاطبين، وذكر ما لم يعلمه السائل والسامعون، وترك ما علموه (٢). فمعلوم أن الناس ليسوا سواء في قدراتهم (العقلية والبدنية)، فهم متفاوتون من شخص لآخر، ولكل واحد منهم الجواب الذي يصلح له (فقدم في كل مقام ما يليق به أو بهم). (٣) وهذا يدل على فصاحته وبلاغته ﷺ حيث أنه يجيب السائل بما يفيده، وبما يصلح له، وبما يستطيعه وما يتناسب معه، ليكون ذلك تشريعًا لصحابته الكرام، وللأمة الإسلامية جميعها (٤). الوجه الثاني: اختلاق أفضلية العمل من وقت لآخر . ففي الحديث الأول: ذكر الإيمان ثم الجهاد ثم الحج ولم يذكر: "الصلاة على وقتها" فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال؛ لأنه الوسيلة إلي القيام بها -أي: الصلاة- والتمكن من أدائها، وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل. (٥)

стр. 4001

فإن قيل: كيف قَدَّمَ بِرَّ الوالدين على الجهاد في الحديث الثاني قال العلماء: المراد بالجهاد هنا ما ليس بفرض عين؛ لأنه يتوقف على إذن الوالدين فيكون برهما مقدما عليه (١). وأما تقديم الجهاد وهو ليس بركن على الحج وهو ركن فذلك لأن نفع الحج قاصر غالبًا، ونفع الجهاد متعد غالبًا، أو كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين، ووقوعه فرض عين إذ ذاك متكرر فكان أهم منه فقدم. قال ابن الملقن: قدم الجهاد في هذا الحديث على الحج مع أن الحج أحد الأركان والجهاد فرض كفاية؛ لأنه قد يتعين كما في سائر فروض الكفايات، وإذا لم يتعين لا يقع إلا فرض كفاية، وأما الحج فالواجب منه مدة واحدة فقط، فإن قابلت واجب الحج بتعيين الجهاد وكان الجهاد أفضل لهذا الحديث، ولأنه شارك الحج في الفرضية، وزاد عنه بتعدي نفعه إلى سائر الأمة، ولكونه ذبًا عن بيضة الإسلام، لكونه بذلًا للنفس والمال وغير ذلك، وإن قابلت نفل الحج، بغير متعين كان الجهاد أفضل لا ذكرناه، ولأنه يقع فرض كفاية وهو أفضل بلا شك (٢). بل قال إمام الحرمين: فرض الكفاية عندي أفضل من فرض العين؛ من حيث أن يقع فعله مسقطًا للحرج عن الأمة بأسرها، وبتركه يعصي المتمكنون منه كلهم، ولا شك في عظم موقع ما هذه صفته (٣). ومن هنا يتبين لنا لماذا يذكر النبي ﷺ بر الوالدين أحيانًا ويقدمه على الجهاد، ولماذا يذكر الجهاد ويقدمه على الحج. يقول القرطبي: تفضيل الجهاد في حال تعيينه، وفضل بر الوالدين لمن يكون له أبوان فلا يجاهد إلا بإذنهما. (٤)

стр. 4002

ومن اسباب تقديم بر الوالدين أيضًا: أن الفاعل له لا يرى أنه إنما يفعله مكافأة لفعلهما له، فكأنه لا يرى فيه كبير عمل، والجهاد يرى لنفسه فيه كبير عمل (١). ومما سبق يتضح أن سبب تقديم بعض الأعمال على الآخر في وقت من الأوقات وعدم تقديمه في وقت آخر أن أفضلية العمل تتراوح من وقت لآخر، فتارة يكون الجهاد فرض عين، وتارة يكون فرض كفاية حسب حالة الأمة، والحج يكون فرضًا على من لم يحج، ونفلًا لمن حج قبل ذلك، وكذلك بر الوالدين فتارة يكونان (أي الوالدين) على قيد الحياة، وبعد فترة يتوفاهما الله ﵁، فلكي تحكم على عمل أنه هو (الأفضل) لابد من مراعاة هذه الأمور. الوجه الثالث: أن المراد (من) أفضل الأعمال، فحذفت (من) وهي مرادة . يجوز أن يكون المراد: (من أفضل الأعمال) كذا أو (من خيرها) أو (من خيركم من فعل كذا)، فحذفت (من) وهي مرادة كما يقال: فلان أعقل الناس وأفضلهم ويراد أنه من أعقلهم وأفضلهم، ومن ذلك قول رسول الله ﷺ : خيركم خيركم لأهله، ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس مطلقًا. (٢) الوجه الرابع: إن الأعمال المذكورة منها ما هو قلبي متعلق بعمل آخر بدني لا ينفك أحدهما عن الآخر . فإذا نظرنا في الحديث الثاني حديث (ابن مسعود) نجد أن النبي ﷺ ذكر "الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا" بدلًا من "الإِيمَان بِالله" في الحديث الأول والثالث، ومن المعلوم أن الصلاة لا تصح بدون الإيمان بالله، لا في وقتها ولا غير وقتها، وفي حديث (ابن مسعود) نجد أن النبي ﷺ قد ربط بين العمل البدني والعمل القلبي؛ فلا ينفك أحدهما عن الآخر، وذلك رابط بين الإيمان بالله ورسوله، والصلاة، وبر الوالدين، والجهاد، والحج. وقال ابن دقيق العيد: الأعمال في هذا الحديث محمولة على البدنية، وأراد بذلك

стр. 4003

الاحتراز عن الإيمان؛ لأنه من أعمال القلوب فلا تعارض حينئذ بينة وبين حديث أبي هريرة ﵁ أفضل الأعمال إيمان بالله. (١) ومما يزيد ذلك وضوحًا أن النبي ﷺ ذكر هذا الشرط وهو الإيمان في موضع آخر، وذلك في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ النَّاسِ أَفْضلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مُؤْمِن يجاهِدُ فِي سَبِيلِ الله بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ يَتَّقِي الله وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ" (٢)، فذكر في هذا الحديث شرط الإيمان قبل كل عمل، ومعلوم أن الجهاد يستلزم الصلاة، وإلا لا فضيلة له. الوجه الخامس: بيان المقصود بالحرف (ثم) . قال النووي: فإن قيل: قد جاء في بعض هنه الروايات: أفضلها كذا ثم كذا بحرف (ثم) وهي موضوعة للترتيب فالجواب أن (ثم) هنا للترتيب في الذكر كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ (البلد ١٢: ١٧)، ومعلوم أنه ليس المراد هنا الترتيب في الفعل، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا. .﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ (الأنعام ١٥١: ١٥٤)، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ (الأعراف: ١١)، ونظائر ذلك كثيرة وأنشدوا فيه: قل لمن ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده (٣). الوجه السادس: فقه السؤال والجواب، وبه نعرف لماذا وقع التغاير . إن التغاير في هذه الأحاديث إنما وقع إتماما للفائدة، وإتحافا للسائل بالجواب الشافي، فإن من سئل عن شيء ليفتى فيه وجب عليه أن يراعى حالة السائل؛ ليعطيه الجواب الذي يصلح

стр. 4004

له، ويتناسب معه فإن (المستفتى عليل، والمفتى طبيب، فإن لم يكن ماهرا بطبه وإلا قتله). (١) (وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين، وإمام المتقين وخاتم النبيين، عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، فكان يفتى عن الله بوحيه المبين، وكان كما قال له أحكم الحاكمين ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦] فكانت فتاويه ﷺ جوامع الأحكام ومشتملة على فصل الخطاب. (٢) وأمثلة ذلك كثيرة جدًّا، وكلها تدل على فصاحته ﷺ ، وبلاغته، ومنها على سبيل المثال: عندما سئل ﷺ عن طهارة ماء البحر فقال ﷺ : "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" (٣). فمن فوائد هذا الحديث: أن المفتى إذا سئل عن شيء وعلم أن بالسائل حاجة إلى أمر آخر متعلق بالمسألة، يستحب له أن يذكره له ويعلمه إياه، لأنه -أي السائل- سأل عن ماء البحر فأجيب بمائه وحكم ميتته؛ لأنهم يحتاجون إلى الطعام كالماء، وإذا جهلوا كونه مطهرا فجهالتهم حل ميتته أولى" (٤). وهذا يدل على سعة الفهم، وبعد النظر، وإدراكه ﷺ لما يحتاج إليه السائل، وليكون ذلك تشريعا للأمة على مر العصور. كما أن كثرة تكرار هذا السؤال الوارد في الأحاديث -وهو السؤال عن أفضل الأعمال- يبين حرص الصحابة الكرام على معرفة أفضل الأعمال، ليتقربوا بها إلى الله- ، ولقد كان الصحابة ﵁-أصحاب همم عالية تجعلهم جديرين بأن يقوموا بما يدلهم عليه النبي ﷺ من الأعمال الفاضلة.

стр. 4005

وكذلك من فضل الصحابة الكرام على هذه الأمة، أنهم سألوا النبي ﷺ عن مثل هذه الأشياء التي هي من الأهمية بمكان، فيكون ذلك سببا في إخبار النبي ﷺ ، بل نستطيع أن نقول أن هذا تعليم من الصحابة الكرام لهذه الأمة، فإن السؤال الحسن يسمى علمًا قال ابن المنير: في قوله ﷺ "يعلمكم دينكم" (١)، دلالة على أن السؤال الحسن يسمى علمًا وتعليمًا؛ لأن جبريل ﵇ لم يصدر منه سوى السؤال، ومع ذلك فقد سماه معلمًا، وقد اشتهر قولهم: حسن السؤال نصف العلم. (٢) * * *

стр. 4006

٢١ - شبهة: الاختلاف في أشد الناس عذابًا . نص الشبهة: عن عَبْدَ الله بن مسعود ﵁ قَالَ سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ المصَوِّرُونَ". (١)، وفي رواية: "إِنَّ مِنْ أَشَدِّ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابًا المُصَوِّرُونَ". (٢) وعن عائشة- ﵂ أن النبي ﷺ قَالَ: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ الله". (٣) ويقول الله- : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. والاعتراض هو: كيف يكون المصور أشد عذابًا من فرعون وآله وهم كفار، أما المصور فقد قال العلماء أنه إن يقصد بما يصوره المضاهاة لخلق الله أو أن يُعبد من دون الله فهو فاسق صاحب ذنب كبير، ولا يكفر كسائر المعاصي. (٤) والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: التفريق بين أن يَرِدَ هذا الوعيد في حق كافر وأن يَرِدَ في حق عاصٍ . الوجه الثاني: إن أشد العذاب لمن قصد مضاهاة خلق الله واعتقد ذلك. الوجه الثالث: أن الرواية الثانية للحديث جاء فيها: "من أشد الناس ... " بإثبات (من). وإليك التفصيل، الوجه الأول: التفريق بين أن يَرِدَ هذا الوعيد في حق كافر وأن يَرِدَ في حق عاصٍ. قال ابن حجر: قال ابن رشد: إن الوعيد بهذه الصيغة إن ورد في حق كافر فلا إشكال فيه؛ لأنه يكون مشتركًا في ذلك مع آل فرعون ويكون فيه دلالة على عظم كفر المذكور، وإن ورد في حق عاص فيكون أشد عذابًا من غيره من العصاة ويكون ذلك دالًا على عظم

стр. 4007

المعصية المذكورة. (١) قال القرطبي: إن الناس الذين أضيف إليهم أشد لا يراد بهم كل الناس، بل بعضهم، وهم من يشارك في المعنى المتوعد عليه بالعذاب، ففرعون أشد الناس الذين ادعوا الإلهية عذابًا، ومن يقتدي به في ضلالة كفره أشد عذابًا ممن يقتدي به في ضلالة فسقه، ومن صور صورة ذات روح للعبادة أشد عذابًا ممن يصورها لا للعبادة. (٢) الوجه الثاني: إن أشد العذاب لمن قصد مضاهاة خلق الله واعتقد ذلك . ويؤيد هذا القول حديث: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ الله" (٣). قال النووي: قَوْله: "أَشَدّ النَّاس عَذَابًا" قِيلَ: هِيَ مَحْمُولَة عَلَى مَنْ فَعَلَ الصُّورَة لِتُعْبَد، وَهُوَ صَانِع الْأَصْنَام وَنَحْوهَا، فَهَذَا كَافِر، وَهُوَ أَشَدّ عَذَابًا، وَقِيلَ: هِيَ فِيمَنْ قَصَدَ المُعْنَى الَّذِي فِي الحدِيث مِنْ مُضَاهَاة خَلْق الله تَعَالَى وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ، فَهَذَا كَافِر لَهُ مِنْ أَشَدّ الْعَذَاب مَا لِلْكُفَّارِ، وَيَزِيد عَذَابه بِزِيَادَةِ قُبْح كُفْره، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِد بِهَا الْعِبَادَة وَلَا المضَاهَاة فَهُوَ فَاسِق صَاحِب ذَنْب كَبِير، وَلَا يَكْفُر كَسَائِرِ المُعَاصِي. (٤) فما دام لا يكفر إن لم يقصد ذلك -كما بينَّا في الوجه الأول- يكون أشد من غيره من العصاة، ولا يقارَن بعذاب الكفار. قال ابن الملقن: في حديث النبي ﷺ : "أشد الناس عذابًا" يدل أن الوعيد الشديد إنما جاء لمن صور صورة مضاهاة لخلق الله. (٥) وقال أيضًا: فأما من صوَّر صورة غير مضاهاة ما خلق ربه، وإن كان يفعله مخطئًا فغير داخل في معنى من ضاهى ربه بتصويره، فإن قلت: ما الوجه الذي جعلته به مخطئًا إذا لم

стр. 4008

يكن بتصويره لربه مضاهيًا؟ قيل: لاتهامه نفسه عند من عاين تصويره أنه ممن قصد بذلك المضاهاة لربه إذا كان الفعل الذي هو دليل على المضاهاة منه ظاهرًا، والاعتقاد الذي هو خلاف اعتقاد المضاهي باطن لا يصل إلى علمه راءوه. (١) الوجه الثالث: أن الرواية الثانية للحديث جاء فيها: "من أشد الناس. ." بإثبات (من) . قال ابن حجر: أن الرواية بإثبات (من) ثابتة وبحذفها محمولة عليها، وإذا كان من يفعل التصوير من أشد الناس عذابًا كان مشتركًا مع غيره، وليس في الآية ما يقتضي اختصاص آل فرعون بأشد العذاب بل هم في العذاب الأشد. (٢) فإن قال قائل: أيهم يدخل أشد العذاب آل فرعون أم من يضاهي بتصويره خلق الله؟ فهذه الرواية التي أثبتت (من) ترد عليه، فهي تفيد تعدد أجناس من يدخلون أشد العذاب. وقد بينَّا في الوجه الأول ضرورة التفريق بين الكافر وبين العاصي في إطلاق لفظة أشد العذاب، وكذلك التفريق بين من صوَّر شيئًا ليُعبد أو ليضاهي به خلق الله، وبين من لم يقصد ذلك كما تبين في الوجه الثاني. (٣) وبهذا فلا تعارض بين الآية وبين الأحاديث الواردة في: (أشد العذاب). * * *

стр. 4009

٢٢ - شبهة: حديد (وإن زنى وإن سرق) . نص الشبهة: عن أبي ذر ﵁ قَالَ: أتيْتُ النبي ﷺ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهْوَ نَائِم، ثُمَّ أتيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ "مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لا إِلَهَ إِلاَّ الله، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، إِلاَّ دَخَلَ الجْنّةَ ". قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ". قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ" وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ". قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِى ذَرٍّ". وَكَانَ أبو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ وَإِنْ رَغِمَ أنفُ أَبِي ذَرٍّ. قَالَ أَبو عَبْدِ الله هَذَا عِنْدَ المُوْتِ أَوْ قَبْلَهُ، إِذَا تَابَ وَنَدِمَ وَقَالَ لا إِلَهَ إِلاَّ الله. (١) قالوا: ظاهر الحديث يدل على أن الزاني والسارق يدخلون الجنة لأول وهلة إن قال: لا إله إلا الله، سواءً تابا أم لم يتوبا. والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: اشتراط التوبة . الوجه الثاني: من مات من غير توبة فهو في مشيئة الله. الوجه الثالث: الحديث يرد على من يقولون بخلود أهل المعاصي في النار. وإليك التفصيل، الوجه الأول: اشتراط التوبة. هذا عند الموت أو قبله إذا تاب، أي: من الكفر وندم، قال: وحاصل ما أشار إليه أن الحديث محمول على من وحد ربه ومات على ذلك تائبًا من الذنوب التي أشير إليها في الحديث فإنه موعود بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداءً، وهذا في حقوق الله باتفاق أهل السنة. (٢)

стр. 4010

فيتبين من ذلك أنه لا بد من التوبة من هذه الذنوب قبل الموت، وذهب الجمهور إلى أن من تاب لا يبقى عليه مؤاخذة ومع ذلك فلا يأمن مكر الله لأنه لا اطلاع له هل قبلت توبته أو لا. (١) الوجه الثاني: من مات من غير توبة فهو في مشيئة الله . من تلبس بالذنوب المذكورة ومات من غير توبة فظاهر الحديث أنه أيضًا داخل في ذلك لكن مذهب أهل السنة أنه في مشيئة الله تعالى، ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت فإن فيه (ومن أتى شيئًا من ذلك فلم يعاقب به فأمره إلى الله تعالى أن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه) (٢)، وهذا المفسر مقدم على المبهم. (٣) ومعلوم أن طائفة من الموحدين يدخلون النار ثم يخرجون منها بعد ذلك، ففي حديث: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلاَّ الله، وَفِى قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ ... وفي قَلْبِهِ وَرْدُ ذَرَّهٍ مِن خَيْرٍ (٤). فهذا الحديث فيه دليل على دخول طائفة من عصاة الموحدين النار. (٥) قال النووي: وَأَمَّا دُخُول مَنْ مَاتَ غَيْر مُشْرِك الجنَّة فَهُوَ مَقْطُوع لَهُ بِهِ لَكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِب كَبِيرَة مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا دَخَلَ الجنَّة أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَ صَاحِب كَبِيرَة مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا فَهُوَ تَحْت المُشِيئة، فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ دَخَلَ أَوَّلًا وَإِلَّا عُذِّبَ، ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْ النَّار، وَخُلِّدَ فِي الجنَّة. وَالله أَعْلَم. (٦) كما يجب أن نأخذ في الاعتبار مسألة الحدود وأنها كفارات، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت ﵁: "ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة" (٧).

стр. 4011

قال ابن حجر: قوله: "ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو -أي العقاب- كفارة". قال النووي: عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به، فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل له كفارة ... فالصواب ما قال النووي. (١) وقال ابن عبد البر: وقد جعل الله في ارتكاب الكبائر حدودًا جعلها كفارة وتطهيرًا كما جاء في حديث عبادة عن النبي ﷺ فمن واقع منها شيئًا يعني من الكبائر وأقيم عليه الحد فهو له كفارة ومن لا فأمره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه وليس هذا حكم الكافر لأن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك. (٢) الوجه الثالث: الحديث يرد على من يقولون بخلود أهل المعاصي في النار . هذا الحديث فيه رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة؛ لأن النبي ﷺ أخبر بأنه تحت المشيئة. (٣) قال النووي: قَوْله ﷺ : "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ"، فَهُوَ حُجَّة لمِذْهَبِ أَهْل السَّنَة أَنَ أَصْحَاب الْكَبَائر لَا يُقْطَع لَهُمْ بِالنَّارِ، وَأَنَّهُمْ إِنْ دَخَلُوهَا أُخْرِجُوا مِنْهَا وَخُتِمَ لَهُمْ بِالْخُلُودِ فِي الجنَّة. (٤) فَلَا يَخْلُد فِي النَّار أَحَد مَاتَ عَلَى التَّوْحِيد وَلَوْ عَمِلَ مِنْ المعَاصِي مَا عَمِلَ. كما أَنَّهُ لَا يَدْخُل الجنَّة أَحَد مَاتَ عَلَى الْكُفْر وَلَوْ عَمِلَ مِنْ أَعْمَال الْبِرّ مَا عَمِلَ، وهَذَاُ مختصَر جَامِع لمَذْهَبِ أَهْل الحقّ فِي هَذه المسْأَلة. وَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَدِلَّة الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَإِجْمَاع مَنْ يُعْتَدّ بِهِ مِنْ الْأُمَّة عَلَى هَذ الْقَاعِدَة. (٥) فمن هذه الوجوه التي ذكرنا يتبين المقصود من الحديث، وأنه لا يُفهم منه عدم محاسبة الزاني والسارق، وإنما يُشترط التوبة وإلا فحسابهم على الله علمًا بأنهم لا يخلدون في النار كما وضحنا. * * *

стр. 4012

٢٣ - شبهة: ادعائهم أن الإسلام يبيح الغناء . نص الشبهة: جاريتان تغنيان وترقصان لرسول الإسلام ﷺ . فعن عائشة ﵂: قالت: دخل عليّ رسولُ الله ﷺ وعندي جاريتان تُغنِّيان بغِناءِ بُعَاث، فاضطجع على الفراش، وحوَّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مِزْمَارَةُ الشيطان عند النبيِّ ﷺ فأقبل عليه رسولُ الله ﷺ فقال: دَعهما، فلما غَفَل غَمَزْتُهما فخرجتا، وكان يومَ عيد، يلعبُ السُّودان بالدَّرَق والحِرَاب، فإما سألتُ رسولَ الله ﷺ وإِما قال: تَشْتَهين تنظرين؟ قلتُ: نعم، فأقامني وراءه، خَدِّي على خَدِّه، وهو يقول: دُونَكم يا بني أَرْفِدةَ، حتى إِذا مَلِلْتُ قال: حَسْبُكِ؟ قلتُ: نعم، قال: فاذهبي. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: المتن والتخريج . الوجه الثانى: بيان كذب من ادعي أن الجاريتين ترقصان لرسول الإسلام ﷺ . الوجه الثالث: صفة الجاريتين، وبما تغنيان. الوجه الرابع: يومها كان يوم عيد. الوجه الخامس: الحديث فيه دليل على إعراض النبي ﷺ عن الاستماع. الوجه السادس: صفة الغناء المحرم في دين الله. الوجه السابع: آلات الغناء المحرمة. وإليك التفصيل، الوجه الأول: المتن والتخريج. عن عائشة ﵂: قالت: دخل عليّ رسولُ الله ﷺ وعندي جاريتان تُغنِّيان بغِناءِ بُعَاث، فاضطجع على الفراش، وحوَّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مِزْمَارَةُ الشيطان عند النبيِّ ﷺ ؟ فأقبل عليه رسولُ الله ﷺ فقال: دَعهما، فلما غَفَل غَمَزْتُهما فخرجتا، وكان يومَ عيد، يلعبُ السُّودان بالدَّرَق والحِرَاب، فإما سألتُ رسولَ

стр. 4013

الله ﷺ وإِما قال: تَشْتَهين تنظرين؟ قلتُ: نعم، فأقامني وراءه، خَدِّي على خَدِّه، وهو يقول: دُونكم يا بني أَرْفِدةَ، حتى إِذا مَلِلْتُ قال: حَسْبُكِ؟ قلتُ: نعم، قال: فاذهبي. (١) الوجه الثاني: بيان كذب من ادعي أن الجاريتين ترقصان لرسول الإسلام- ﷺ -. لا يوجد ذلك في شيء من متون الحديث. الوجه الثالث: صفة الجاريتين، وبما تغنيان. فعند البخاري: جاريتان من جواري الأَنصار تُغَنِّيان بما تَقَاوَلَتْ به الأنصار يوم بُعَاث، قالت: ولَيْسَتا بمُغَنّيَتَين. (٢) "وعند مسلم بلفظ "تلعبان بدف" (٣). قال أحمد: المراد بالدف هنا دف العرب؛ وهو مدور على شكل الغربال خلا أنه لا خروق في جلده، ولا جلاجل فيه، وأما دف الملاهي فهو مدور جلده من رِق أبيض ناعم فيه جلاجل يسمى بالطار له صوت يطرب لحلاوة نغمته، وقال: (ولَيْسَتا بمُغَنّيَتَين) يعني لم تتخذا الغناء صناعة وعادة، ولم يكن معهما مزمور غير أصواتهما (٤). وقال أبو الحسن السندي: قوله: (جاريتان) الجارية في النساء كالغلام في الرجال يقعان على من دون البلوغ فيهما. (٥) وقال الإمام النووي: هَذَا الْغِنَاء إِنَّمَا كَانَ فِي الشَّجَاعَة، وَالْقَتْل، وَالحذْق فِي الْقِتَال وَنَحْو ذَلِكَ، مِمَّا لَا مَفْسَدَة فِيهِ، بِخِلَافِ الْغِنَاء المشْتَمِل عَلَى مَا يَهِيج النُّفُوس عَلَى الشَّرّ، وَيَحْمِلهَا عَلَى الْبَطَالَة وَالْقَبِيح. قَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا كَانَ غِنَاؤُهُمَا بِما هُوَ مِنْ أَشْعَار الحرْب، وَالمُفَاخَرَة بِالشَّجَاعَةِ، وَالظُّهُور وَالْغَلَبَة، وَهَذَا لَا يُهَيِّج الجوَارِي عَلَى شَرٍّ، وَلَا إِنْشَادهمَا لِذَلِكَ مِنْ الْغِنَاء المخْتَلِف فِيهِ، وإِنَّمَا هُوَ رَفْع الصَّوْت بِالْإِنْشَادِ، وَلهذَا قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنّيَتَيْنِ؛ أَيْ

стр. 4014

لَيْسَتَا مِمَّنْ يَتَغَنَّى بِعَادَةِ المُغَنِّيَات مِنْ التَّشْوِيق، وَالْهَوَى وَالتَّعْرِيض بِالْفَوَاحِشِ، وَالتَّشْبِيب بِأَهْلِ الْجَمال، وَمَا يحرِّك النّفوس، وَيَبْعَث الْهَوَى وَالْغَزْل، كَمَا قِيلَ (الْغِنَاء فِيهِ الزِّنَا) (١)، وَلَيْسَتَا أَيْضًا مِمَّنْ اِشْتُهِرَ وَعُرِفَ بِإِحْسَانِ الْغِنَاء الَّذِي فِيهِ تَمْطِيط، وَيمْسِير، وَعَمَل يحرِّك السَّاكِن، وَيَبْعَث الْكَامِن، وَلَا مِمَّنْ اِتَّخَذَ ذَلِكَ صَنْعَة وَكَسْبًا. وَالْعَرَب تُسَمِّي الْإِنْشَاد غِنَاء، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْغِنَاء المخْتَلَف فِيهِ بَلْ هُوَ مُبَاح، وَقَدْ اِسْتَجَازَتْ الصَّحَابَة غِنَاء الْعَرَب الَّذِي هُوَ مجُرد الْإِنْشَاد وَالتَّرَنُّم، وَأَجَازُوا الحُدَا، وَفَعَلُوهُ بِحَضْرَةِ النَّبِيّ ﷺ وَفِي هَذَا كُلّه إِبَاحَة مِثْل هَذَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَهَذَا وَمِثْله لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا يَخْرُج الشَّاهِد". (٢) وقال ابن الأثير: (وعندي جاريتان تُغَنِّيان بِغِناء بُعاث) أي: تُنْشِدان الأشْعار التي قِيلت يوم بُعَاث وهو حَرْب كانت بين الأنصار ولم تُرِد الغِنَاء المعروف بين أهْل اللهو واللَّعِب. وقد رخَّص عمر في غِناء الأعراب وهو صَوْتٌ كالحُداء. (٣) وقد ذكر الإمام ابن حبان هذا الحديث في عدة مواضع من (صحيحه) قال: ذكر إباحة القول إذا لم يكن بغزل في أيام العيد. (٤) وقال: ذكر البيان بأن الغناء الذي وصفناه، إنما كان ذلك أشعارًا؛ قيلت في أيام الجاهلية؛ فكانوا ينشدونها ويذكرون تلك الأيام دون الغناء الذي يكون بغزل يقرب سخط الله من قائله. وكرر ذكر الحديث تحت هذه العناوين (٥). وقال ابن رجب الحنبلي: وكان الشِعْرُ الذي تغنيان به في وصف الشجاعة والحرب؛ وهو إذا صرف إلى جهاد الكفار كان معونة في أمر الدين، فأما الغناء بذكر الفواحش

стр. 4015

والابتهار للحرم، فهو المحظور من الغناء، حاشاه أن يجري بحضرته شيء من ذلك فيرضاه، أو يترك النكير لهُ، وكل من جهر بشيء بصوته وصرح به فقد غنى به. وقالَ أيضًا: وقول عائشة: (ليستا بمغنيتين)، إنما بينت ذلك، لأن المغنية التي اتخذت الغناء صناعة وعادة، وذلك لا يليق بحضرته، فأما الترنم بالبيت والتطريب للصوت إذا لم يكن فيهِ فحش، فهوَ غير محظور ولا قادح في الشهادة. وكان عمر بن الخطاب ﵁ لا ينكر من الغناء النصب والحداء ونحوهما، وقد رخص فيه غير واحد من السلف. (١) الوجه الرابع: كان يوم عيد . (٢) قال الإمام النووي: "هَذَا عِيدنَا": أَنَّ ضَرْب دُفّ الْعَرَب مُبَاح فِي يَوْم السُّرُور الظَّاهِر، وَهُوَ الْعِيد وَالعرْس وَالختَان. (٣) ونقل الحافظ قول ابن المنير: العيد يغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره. وقال: اللعب لا يوصف بالندبية؛ لكن يقربه أن المباح قد يرتفع بالنية إلى درجة ما يثاب عليه، ويحتمل أن يكون المراد أن تقديم العبادة على اللعب سنة أهل الإسلام. (٤) وقال الإمام النسائي: ضرب الدف يوم العيد. (٥) وقال: الرخصة في الاستماع إلى الغناء وضرب الدف يوم العيد. (٦) وقال أبو عوانة: (باب بيان إباحة اللعب في يوم العيد والضرب بالدف في أيام

стр. 4016

التشريق)، والدليل على أنها في أيام غير العيد مكروه. (١) وقال أبو الحسن السندي: وفي الحديث دلالة على إباحة الغناء أيام السرور. (٢) قال أبو بكر بن العربي: وَأَمَّا سَمَاعُ الْقَيْنَاتِ فَقَدْ بَيَّنَّا أنَهُ يجوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْمَعَ غِنَاءَ جَارِيَتهِ، إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَيْهِ حَرَامًا، لَا مِنْ ظَاهِرِهَا وَلَا مِنْ بَاطِنِهَا، فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنْ التَّلَذُّذِ بِصَوْتها وَلَمْ يجزْ الدُّفُّ فِي الْعُرْسِ لِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا جَازَ؛ لأنَّهُ يُشْهِرُهُ، فَكُلُّ مَا أَشْهَرَهُ جَازَ. وَقَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ الزَّمْرِ فِي الْعُرْسِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أَمِزْمَارُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ الله ﷺ ؟ فَقَالَ: "دَعْهُمَا يَا أبا بَكْرٍ فَإِنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ"، وَلَكِنْ لَا يجوزُ انْكِشَافُ النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ وَلَا هَتْكُ الْأَسْتَار، وَلَا سَمَاعُ الرَّفَثِ، فَإِذَا خَرَجَ ذَلِكَ إلَى مَا لَا يجوزُ مُنِعَ مِنْ أَوَّلهِ، وَاجْتُنِبَ مِنْ أَصْلِهِ. (٣) وقال ابن رجب الحنبلي: نقلًا عن الخطابي: وقوله: (هذا عيدنا) يريد أن إظهار السرور في العيد من شعار الدين، وحكم اليسير من الغناء خلاف الكثير. انتهى. وفي الحديث ما يدل على تحريصه في غير أيام العيد؛ لأن النَّبيّ ﷺ علل بأنها أيام عيد فدل على أن المقتضي للمنع قائم، لكن عارضه معارض وهو الفرح والسرور العارض بأيام العيد. وقد أقر أبا بكر ﵁ على تسمية الدف مزمور الشيطان، وهذا يدل على وجود المقتضي للتحريم لولا وجود المانع. وقد قال كثير من السلف، منهم قتادة: الشيطان قرآنه الشعر، ومؤذنه المزمار، ومصايده النساء. (٤) وقد وردت الشريعة بالرخصة للنساء لضعف عقولهن بما حرم على الرجال من التحلي

стр. 4017

والتزين بالحرير والذهب، وإنما أبيح للرجال منهم اليسير دون الكثير، فكذلك الغناء يرخص فيه للنساء في أيام السرور، وإن سمع ذلك الرجال تبعًا. ولهذا كان جمهور العلماء على أن الضرب بالدف للغناء لا يباح فعله للرجال؛ فإنه من التشبه بالنساء، وهو ممنوع منه، هذا قول الأوزاعي وأحمد، وكذا ذكر الحليمي وغيره من الشافعية. (١) وإنما كان يضرب بالدفوف في عهد النبي ﷺ النساء، أو من يشبه بهن من المخنثين، وقد أمر النبي ﷺ بنفي المخنثين وإخراجهم من البيوت. (٢) وقد نص على نفيهم أحمد وإسحاق، عملا بهذه السنة الصحيحة. وسُئل أحمد عن مخنث مات ووصى أن يحج عنه، فقال: كسب المخنث خبيث، كسبه بالغناء، نقله عنه المروزي. (٣) فأما تغني المؤمن فإنما ينبغي أن يكون بالقرآن، كما قال النبي ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن (٤)، والمرادة أنه يجعله عوضًا عن الغناء فيطرب به ويلتذ، ويجد فيه راحة قلبه وغذاء روحه، كما يجد غيره ذلك في الغناء بالشعر. وقد رُوي هذا العنى عن ابن مسعود ﵁-أيضًا" (٥). ومما يدخل في هذا الباب: ما روى حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "ما هذان اليومان؟ " قالوا: نلعبهما في الجاهلية. فقالَ رسول الله ﷺ "إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى" (٦) وقال ابن رجب: فكان النبي ﷺ يرخص لهم في أوقات الأفراح، كالأعياد، والنكاح، وقدوم الغياب في الضرب للجواري بالدفوف، والتغني مع ذلك بهذه الأشعار، وما كان

стр. 4018

في معناها، فلما فتحت بلاد فارس والروم ظهر للصحابة ما كان أهل فارس والروم قد اعتادوه؛ من الغناء الملحن بالإيقاعات الموزونة، على طريقة الموسيقى بالأشعار التي توصف فيها الحرمات من الخمور والصور الجميلة المثيرة للهوى الكامن في النفوس، المجبول محبته فيها، بآلات اللهو المطربة، المخرج سماعها عن الاعتدال، فحينئذ أنكر الصحابة الغناء واستماعه، ونهوا عنه وغلظوا فيه حتى قال ابن مسعود ﵁: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل. وروي عنه مرفوعًا. (١) وهذا يدل على أنهم فهموا أن الغناء الذي رخص فيه النبي ﷺ لأصحابه لم يكن هذا الغناء، ولا آلاته هي هذه الآلات، وأنه إنما رخص فيما كان في عهده، مما يتعارفه العرب بآلاتهم. فأما غناء الأعاجم بآلاتهم فلم تتناوله الرخصة، وإن سمي غناءً، وسميت آلاته دفوفًا، لكن بينهما من التباين ما لا يخفى على عاقل؛ فإن غناء الأعاجم بآلاتها يثير الهوى، ويغير الطباع، ويدعو إلى المعاصي، فهو رقية الزنا، وغناء الأعراب المرخص به، ليس فيه شيء من هذه المفاسد بالكلية البتة، فلا يدخل غناء الأعاجم في الرخصة لفظًا ولا معنى؛ فإنه ليس هنالك نص عن الشارع بإباحة ما يسمى غناءً ولا دفًا، وإنما هي قضايا أعيان، وقع الإقرار عليها، وليس لها من عموم، وليس الغناء والدف المرخص فيهما في معنى ما في غناء الأعاجم ودفوفها المصلصلة، لأن غناءهم ودفوفهم تحرك الطباع وتهيجها إلى المحرمات، بخلاف غناء الأعراب، فمن قاس أحدهما على الآخر فقد أخطأ أقبح الخطأ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل فقياسه من أفسد القياس وأبعده عن الصواب. وقد صحت الأخبار عن النبي ﷺ بذم من يستمع القينات في آخر الزمان، وهو إشارة إلى تحريم سماع آلات الملاهي المأخوذة عن الأعاجم. (٢) وقال الألباني: إن هذا الذي أنكره يجوز في يوم عيد، فتنبه له النبي ﷺ بقوله: "دعهما

стр. 4019

يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا"، فبقي إنكار أبي بكر العام مُسَلمًا فيه لإقراره ﷺ -إياه؛ ولكنه استثنى منه الغناء في العيد، فهو مباح بالمواصفات الواردة في الحديث، ولمّا أمر أبا بكر بأن لا ينكر عليهما بقوله: "دعهما" أتبع ذلك بقوله: "فإن لكل قوم عيدًا ... "، فهذه جملة تعليلية تدل على إن علة الإباحة هي العيدية -إذا صح التعبير- ومن المعلوم أن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا. (١) وقال: وذلك لأن هذا إنما يدل علي إباحة مقيدة بيوم عيد كما تقدم، وبالدف، وليس بكل آلات الطرب، وبالصغار من الإناث كما صرح به العلماء. (٢) الوجه الخامس: الحديث فيه دليل على إعراض النبي ﷺ عن الاستماع . فعند الإمام مسلم: "وَرَسولُ الله ﷺ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ". (٣) ولفظ هارون "فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ". (٤) وكذا عند البخاري (٥). وعند النسائي: "وَرَسُولُ الله ﷺ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ، وَقَالَ مَرَّة أُخْرَى: مُتَسَجٍّ ثَوْبَهُ " (٦). وكذا اللفظة الأولي عند ابن حبان (٧)، وهي "وَرَسُولُ الله ﷺ مستتر بثوبه". وعند الطبراني: "والنبي ﷺ مضطجع مسجي بثوبه علي وجهه" (٨). وعند البيهقي: "وَرَسُولُ الله ﷺ مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ" (٩).

стр. 4020

وقال: (باب الرَّجُلِ لا يَنْسِبُ نَفْسَهُ إِلَى الْغِنَاءِ وَلا يُؤْتَى لِذَلِكَ وَلا يَأْتِي عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِأنّهُ يَطْرِبُ فِي الحالِ فَيَتَرَّنَمُ فِيهَا) (١). قال ابن تيمية: وليس في حديث الجاريتين أن النبي ﷺ استمع إلى ذلك والأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع ولا بمجرد السماع. (٢) فالاستماع هو السمع والإصغاء والسامع هو: الذي يصل الصوت إلى مسامعه من دون قصد إليه، والمستمع المصغي بسمعه إليه، والأول غير مذموم فيما يذم استماعه، ولا ممدوح فيما يمدح استماعه. فالنبي ﷺ سمع (ولا يقال استمع) إلى الغناء المباح الذي كان يصدر من الجواري ولم يقترن هذا الغناء بآلة موسيقية غير الدف، وهو المشروع من بين جميع الملاهي والآلات بثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ . الوجه السادس: صفة الغناء المحرم فما دين الله . وقد سبق بيانه في كلام الإمام النووي ﵀ تعالي في الوجه الثالث. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: أما سماع القنيات فيجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته؛ إذ ليس شيء منها عليه حرامًا، لا من ظاهرها ولا من باطنها، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها؟ إما أنه لا يجوز انكشاف النساء للرجال، ولا هتك الأستار، ولا سماع الرفث؛ فإذا خرج ذلك إلى ما لا يجوز منع من أوله، واجتث من أصله. (٣) وقال أبو بكر الخلال: الغناء والنوح واحد، مباح ما لم يكن معهما منكر، ولا فيه طعن، وفي الجملة، من اتخذه صناعة يؤتى له، أو اتخذ غلامًا أو جارية مغنيين يجمع عليهما الناس، فلا شهادة له لأنه سفه، وسقوط مروءة. (٤)

стр. 4021

وقال ابن رجب الحنبلي (١): وأما الغناء المهيج للطباع، المثير للهوى، فلا يباح لرجل ولا لامرأة فعله ولا استماعه؛ فإنه داع إلى الفسق، والفتنة في الدين، والفجور؛ فيحرم كما يحرم النظر بشهوة إلى الصور الجميلة، فإن الفتنة تحصل بالنظر وبالسماع؛ ولهذا جعل النبي ﷺ زنا العينين النظر، وزنا الأذن الاستماع. (٢) ولا خلاف بين العلماء المعتبرين في كراهة الغناء وذمه وذم استماعه، ولم يرخص فيه أحد يعتد به. وقد حكيت الرخصة فيه على بعض المدنيين. وقد روى أحمد، عن إسحاق الطباع، أنه سأل مالكًا عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقالَ: إنما يفعله عندنا الفساق (٣). وكذا قالَ إبراهيم بن المنذر الحزامي. (٤) وهو من علماء أهل المدينة- أيضًا. وقد نص أحمد على مخالفة ما حكي عن المدنيين في ذَلِكَ. قال الإمام الذهبي: أهل المدينة يترخصون في الغناء، هم معروفون بالتسامح فيه. (٥) وكذا نص هو وإسحاق على كراهة الشعر الرقيق الذي يشبب به النساء. (٦) وقال أحمد: الغناء الذي وردت فيه الرخصة هو غناء الراكب: أتيناكم أتيناكم. وفي المبدع شرح المقنع: يحرم استماع صوت كل ملهاة مع غناء وغيره؛ في سرور وغيره، وفيه "التغيير يتبع الغِنَاء الذي معَهُ إن حرمَ حَرُمَ، وإن كره كره، وقيل يحرم مطلقًا. قال أحمد: "أكره التغيير لأنه يلذ ويطرب. وقال: لا يسمع التغيير فقيل: هو بدعة. فقال: حسبك (٧).

стр. 4022

الوجه السابع: آلات الغناء المحرمة . قال رسول الله ﷺ : "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمّتي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحرِيرَ وَالخمْرَ وَالمعَازِفَ". (١) وقال أحمد البنا: (باب إعلان النكاح واللهو فيه والضرب بالدف) في شرح فصل ما بين الحلال والحرام: أي فرق ما بين الحلال والحرام الصوت؛ وفسره الراوي بأنه الضرب بالدف. وقال: المراد بالصوت هنا: الغناء بالكلام المباح. (٢) وكتب عمر بن عبد العزيز إلي عمر بن الوليد كتابا فيه: وإظهارك المعازف والمزمار بدعة في الإسلام. (٣) والمعازف هي: ١ - الطبل ٢ - الأوتار ٣ - الطنبور ٤ - العود. ويضاف إلى ما تقدم الآلات الحديثة. وجاء في رد المحتار: وَضَرْبِ الْأَوْتَارِ مِنْ الطُّنْبُورِ وَالْبَرْبَطِ وَالرَّبَابِ وَالْقَانُونِ وَالمزْمَارِ وَالضَنْجِ وَالْبُوقِ، فَإِنَّهَا كُلَّهَا مَكْرُوهَةٌ لِأَنَّهَا زِيُّ الْكُفَّارِ (٤). وفي مواهب الجليل: عَنْ مَالِكٍ وَسئِلَ عَنْ ضَرْبِ الْكَبَرِ وَالمزْمَارِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اللهوِ يَنَالُكَ سَمَاعَهُ وَتَجِدُ لَذَّتَهُ وَأَنْتَ فِي طَرِيقٍ أَوْ مَجْلِسٍ أَوْ غَيره، قَالَ مَالكٌ: أَرَى أَنْ يَقُومَ مِنْ ذَلِكَ المُجْلِسِ، قَالَ أَصْبَغُ: مَا جَازَ لِلنِّسَاءِ مِمَّا جُوِّزَ لهنَّ مِنْ الدُّفِّ وَالْكَبَرِ فِي الْعُرْسِ؛ فَلَا يجوزُ لِلرِّجَالِ عَمَلُهُ، وَمَا لَا يجوزُ لَهُمْ عَمَلُهُ؛ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ حُضُورُهُ، وَلَا يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ غَيْرُ الْكَبَرِ وَالدُّفِّ، وَلَا غِنَاءَ مَعَهَا، وَلَا ضَرْبَ، وَلَا بَرَابِطَ، وَلَا مِزْمَارَ، وَذَلِكَ حَرَامٌ محُرَّمٌ فِي

стр. 4023

الْفَرَحِ وَغَيْرِه إلَّا ضرْبًا بِالدُّفِّ وَالْكَبَرِ هَمَلًا، وَبِذِكْرِ الله وَتَسْبِيحًا وَحَمْدًا عَلَى مَا هَدَى، أَوْ بِرَجَزٍ خَفِيفٍ لَا بِمنْكَسِرٍ، وَلَا طَوِيلٍ، مِثْلُ الَّذِي جَاءَ فِي جِوَارِي الْأَنْصَارِ أتيْنَاكُمْ أتيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ؛ وَلَوْلَا الحْبَّةُ السَّمْرَا لَمْ نُحْلِلْ بِوَادِيكُمْ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَا يُعْجِبُنِي مَعَ ذَلِكَ الصَّفْقُ بِالْأَيْدِي، وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ غَيْرِه. (١) وقال النووي: أن يغني ببعض آلات الغناء مما هو من شعار شاربي الخمر وهو مطرب كالطنبور والعود والصنج وسائر المعازف والأوتار يحرم استعماله واستماعه (٢). جاء في الشرح الكبير للدردير المالكي: والراجح أن الدف والكبر جائزان لعرس مع كراهة الكراء وأن المعازف حرام" (٣). قال ابن قدامة المقدسي: (فصل في الملاهي): وهي على ثلاثة أضرب: محرم وهو ضرب الأوتار، والنايات، والمزامير كلها، والعود، والطنبور، والمعزفة، والرباب، ونحوها فمن أدام استماعها ردت شهادته (٤). وقال: فأما الضرب به -يعني الدف- للرجال فهو مكروه على كل حال؛ لأنه إنما يضرب به النساء والمخنثون، والمشبهون بهن؛ ففي ضرب الرجال به تشبه بالنساء. فأما الضرب بالقضيب فيكره؛ إذا انضم إليه مكروه أو محرم كالتصفيق والغناء والرقص؛ وإن خلا عن ذلك كله؛ لم يكره لأنه ليس بآلة لهو، ولا بطرب، ولا يسمع منفردًا بخلاف الملاهي. (٥) وفي الإنصاف: يَحْرُمُ كُلُّ مَلْهَاةٍ، سِوَى الدُّفِّ كَمِزْمَارٍ، وَطُنْبُورٍ، وَرَبَابٍ، وَجُنْكٍ وَنَايٍ، وَمعْزَفَةٍ، وَسِرْنَايٌ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ. وَكَذَا الجفَانَةُ، وَالْعُودُ.

стр. 4024

قَالَ فِي (المسْتَوْعِبِ)، و (التَّرْغِيبِ): سَوَاءٌ اُسْتُعْمِلَتْ لحِزْنٍ، أَوْ سُرُورٍ، وَسَأَلهُ ابْنُ الحكَمِ: عَنْ النَّفْخِ فِي الْقَصَبَةِ كَالمزْمَارِ؟ فَقَالَ: أَكْرَهُهُ (١). وجاء في (الفروع): في مسألة النهي عن الملاهي؛ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا بَأْسَ بِالصَّوْتِ وَالدُّفِّ فِيهِ وَأنَّهُ قَالَ: أَكْرَهُ الطَّبْلَ -وَهُوَ الْكُوبَةُ- نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ . (٢)، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: الطَّبْلُ لَيْسَ فِيهِ رُخْصَةٌ. وَفِي عُيُونِ ائسَائِلِ وَغَيْرهَا فِي مَنْ أَتْلَفَ آلَةَ لَهْوٍ: الدُّفُّ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فِي النكِّاح، لأَمْرِ الشَّارعِ، بِخِلَافِ الْعُودِ وَالطَّبْلِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ اسْتِعْمَالُهُ وَالتَّلَهِّي بِهِ بِحَالٍ (٣). قال ابن الجوزي: فالمحرم الزمر، والناي، والسرنا، والطنبور، والمعزفة، والرباب، وما ماثلها. نص الإمام أحمد بن حنبل على تحريم ذلك. ويلحق به الجرافة، والجنك -وهي آلَةٌ يُضْرَبُ بها كالعُودِ- لأن هذه تطرب فتخرج عن حد الاعتدال، وتفعل في طباع الغالب من الناس ما يفعله المسكر، وسواء استعمل على حزن يهيجه، أو سرور؛ لأن النبي ﷺ نهى عن صوتين أحمقين صوت عند نعمة، وصوت عند مصيبة، والمكروه القضيب؛ لكنه ليس بمطرب في نفسه، وإنما يطرب بما يتبعه (٤). وقال ابن رجب الحنبلي: وأما استماع آلات الملاهي المطربة المتلقاة من وضح الأعاجم، فمحرم مجمع على تحريمه، ولا يعلم عن أحد منه الرخصة في شيء من ذَلِكَ، ومن نقل الرخصة فيه عن إمام يعتد به، فقد كذب وافترى، وأما دف الأعراب الخالي من الجلاجل المصوتة ونحوها؛ فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه يرخص فيه مطلقا للنساء؛ وقد روي عن أحمد ما يشهد له (٥)، واختاره

стр. 4025

طائفة من المتأخرين من أصحابنا، كصاحب (المغني) وغيره. (١) والثاني: إنما يرخص فيه في الأعراس ونحوها، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، وهو قول كثير من أصحابنا أو أكثرهم. والثالث: أنه لا يرخص فيه بحال، وهو قول النخعي وأبي عبيد. وجماعة من أصحاب ابن مسعود ﵁ كانوا يتبعون الدفوف مع الجواري في الأزقة فيحرقونها. وقال الحسن: ليس الدف من أمر المسلمين في شيء. ولعله أراد بذلك دفوف الأعاجم المصلصلة المطربة. وقد سُئل أحمد على ذلك فتوقف، وكأنه حصل عنده تردد: هل كانت كراهة من كره الدفوف لدفوف الأعراب، أو لدفوف الأعاجم الصلصلة؟ وقد قيل لأحمد: الدف فيهِ جرس؟ قال: لا. وقد نص على منع الدف المصلصل (٢). وقال مالك في الدف: هو من اللهو الخفيف، فإذا دعي إلى وليمة، فوجد فيها دفًا فلا أرى أن يرجع. (٣)، وقاله القاسم من أصحابه. وقال أصبغ -منهم-: يرجع لذلك (٤). وقال ﵀: في هذا الحديث: الرخصة للجواري في يوم العيد في اللعب، والغناء بغناء الأعراب. وإن سمع ذلك النساء والرجال، وإن كان معه دف مثل دف العرب، وهو يشبه الغربال. وقد أخرجه البخاري في آخر (كتاب العيدين) (٥)، من رواية الزهري، عن عروة عن عائشة، أن أبا بكر ﵁ دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى، تدففان وتضربان والنبي ﷺ متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي ﷺ عن وجهه، فقال: "دعهما يا

стр. 4026

أبا بكر؛ فإنها أيام عيد"، وتلك (الأيام) أيام منى. ولا ريب أن العرب كانَ لهم غناء يتغنون به، وكان طم دفوف يضربون بها، وكان غناؤهم بأشعار أهل الجاهلية من ذكر الحروب وندب من قتل فيها، وكانت دفوفهم مثل الغرابيل، ليس فيها جلاجل، كما في حديث عائشة- ﵂، عن النَّبيّ ﷺ : "أعلنوا النكاح واضربوا عليهِ بالغربال"، وخرجه وابن ماجه بإسناد فيه ضعفٌ" (١). قال الإمام الغزالي: الرخصة في الغناء والضرب بالدف من الجاريتين، مع أنه شبه ذلك بمزمار الشيطان وفيه بيان أن المزمار المحرم غير ذلك. (٢) فالأحاديث فقط تحلل الدف من بين الآلات الموسيقية وهو الدف الذي لا يحتوي على الجلاجل. وقال ابن القيم: بعد ما ذكر كلامًا في ذلك أنه لا يجوز للرجل بذل ماله للمغني؛ ويحرم عليه ذلك؛ فإنه بذل ماله في مقابلة محرم؛ وأن بذله في ذلك كبذله في مقابلة الدم واليتة. الخامس: أن الزمر حرام وإذا كان الزمر الذي هو أخف آلات اللهو حراما فكيف بما هو أشد منه كالعود، والطنبور، واليراع، ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك؛ فأقل ما فيه: أنه من شعار الفساق وشاربي الخمور. وفي حاشية رد المحتار (٣): اسم مغنية ومغن: إنما هو في العرف لمن كان الغناء حرفته التي يكتسب بها المال وهو حرام، ونصوا على أن التغني للهو أو لجمع المال حرام بلا خلاف. وقال موفق الدين ابن قدامة المقدسي: ومن أدمن على شيء من ذلك، ردت شهادته، لأنه إما معصية، وإما دناءة وسقوط مروءة (٤). الوجه [الثامن] [*]: الغناء والرقص في الكتاب المقدس . ففي سفر أخبار الأيام الثاني (٥/ ١٣): وَكَانَ لمَّا صَوَّتَ المبَوِّقُونَ وَالمُغَنُّونَ كَوَاحِدٍ

стр. 4027

صَوْتًا وَاحِدًا لِتَسْبِيحِ الرَّبِّ وَحَمْدِهِ، وَرَفَعُوا صَوْتًا بِالأَبْوَاقِ وَالصُّنُوجِ، وآلاتِ الْغِنَاءِ، وَالتَّسْبِيحِ لِلرَّبِّ: "لأنَّهُ صَالِحٌ لأَنَّ إِلَى الأَبدِ رَحْمَتَهُ". أَنَّ البَيْتَ، بَيْتَ الرَّبِّ، امْتَلأَ سَحَابًا. وفي (الأيام الثاني ٢٠/ ٢٢): وَلمَّا ابْتَدَأُوا فِي الْغِنَاءِ وَالتَّسْبِيحِ جَعَلَ الرَّبُّ أَكْمِنَةً عَلَى بَنِي عَمُّونَ وَمُوآبَ وَجَبَلِ سِعِير الآتِينَ عَلَى يَهُوذَا فَانْكَسَرُوا. وفي (الأيام الثاني ٢٣/ ١٣): وَنَظَرَتْ وَإِذَا الملِكُ وَاقِفٌ عَلَى مِنْبر فِي المدْخَلِ، وَالرُّؤَسَاءُ وَالأَبْوَاقُ عِنْدَ الملِكِ، وَكُلُّ شَعْبِ الأَرْضِ يَفْرَحُونَ وَيَنْفُخُونَ بِالأَبْوَاقِ، وَالمغَنُّونَ بِآلاتِ الْغِنَاءِ، وَالمُعَلِّمُونَ التَّسْبِيحَ. فَشَقَّتْ عَثَلْيَا ثِيَابَهَا وَقَالَتْ: "خِيَانَةٌ، خِيَانَةٌ! ". وفي (الأيام الثاني ٢٣/ ١٨) وَجَعَلَ يَهُويَادَاعُ مُنَاظِرِينَ عَلَى بَيْتِ الرَّبِّ عَنْ يَدِ الْكَهَنَةِ اللاَّوِيِّينَ الَّذِينَ قَسَمَهُمْ دَاوُدُ عَلَى بَيْتِ الرَّبِّ، لإِصْعَادِ مُحْرَقَاتِ الرَّبِّ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى، بِالْفَرَحِ وَالْغِنَاءِ حَسَبَ أَمْرِ دَاوُدَ. وفي سفر الخروج (٣٢/ ١٩): وَكَانَ عِنْدَمَا اقْتَرَبَ إِلَى المحَلَّةِ أنَّهُ أَبْصَرَ الْعِجْلَ وَالرَّقْصَ، فَحَمِيَ غَضَبُ مُوسَى، وَطَرَحَ اللَّوْحَيْنِ مِنْ يَدَيْهِ وَكَسَّرَهُمَا فِي أَسْفَلِ الجبَلِ. وفي سفر القضاة (٢١/ ٢١): وَانْظروا. فَإِذَا خَرَجَتْ بَنَاتُ شِيلُوهَ، ليَدُرْن فِي الرَّقْصِ، فَاخْرُجُوا أنتُمْ مِنَ الْكُرُومِ وَاخْطِفُوا لانفُسِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ امْرَأتهُ مِنْ بَنَاتِ شِيلُوهَ، وَاذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ بَنْيَامِينَ. وفي سفر صموئيل الأول (٦/ ١٨): وَكَانَ عِنْدَ مجَيئهِمْ حِينَ رَجَعَ دَاوُدُ مِنْ قَتْلِ الْفِلِسْطِينِيِّ، أَنَّ النِّسَاءَ خَرَجَتْ مِنْ جَمِيعِ مُدُنِ إِسْرَائِيلَ بِالْغِنَاءِ وَالرَّقْصِ لِلِقَاءِ شَاوُلَ الملِكِ بِدُفُوفٍ وَبِفَرَحٍ وَبِمُثَلَّثَاتٍ. وفي صموئيل الأول (١١/ ٢١): فَقَالَ عَبِيدُ أَخِيشَ لَهُ: "أَليْسَ هذَا دَاوُدَ مَلِكَ الأَرْضِ؟ أَليْسَ لهِذَا كُنَّ يُغَنِّينَ فِي الرَّقْصِ قَائِلاتٍ: ضَرَبَ شَاوُلُ أُلُوفَهُ وَدَاوُدُ رِبْوَاتِهِ؟ . * * *

стр. 4028

٢٤ - شبهة: حديث الماء من الماء . نص الشبهة: اعترضوا بسوء فهم على حديث النبي ﷺ : "إنما الماء من الماء"، فقالوا: كيف يفسر ماء الشرب بالماء المعروف، وأما عن المعرضة من الناحية الأخرى كما جاء في قوله ﷺ : "إِذَا مَسَّ الختَانُ الختَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ"، ففي هذا الحديث يبين أن إيجاب الغسل لا يكون إلا من التقاء الختانين، وفي الحديث الآخر أن إيجاب الغسل لا يكون إلا بالإنزال، فأيهما صحيح؟ . والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: بيان صحة قوله ﷺ : إِنَّمَا الماء مِنَ المَاءِ ". الوجه الثاني: بيان معنى قوله ﷺ : " إِنَّمَا الماء مِنَ المَاءِ". الوجه الثالث: بيان معنى قوله ﷺ : "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ -ثم جهدها- وَمَسَّ الختَانُ الختَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ". الوجه الرابع: الجمع بين قوله ﷺ : "إِنَّمَا الماء مِنَ المَاءِ" وقوله ﷺ : "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الختَانُ الختَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ". الوجه الخامس: بيان الحكم الفقهي من الحديثين. الوجه السادس: الاغتسال ونجاسة البدن في الكتاب المقدس. وإليك الرد بالتفصيل، الوجه الأول: بيان صحة قوله ﷺ : "إِنمَا الْمَاء مِنَ الْمَاء" ١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁: قَالَ خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَ الاثْنَيْنِ إِلَى قُبَاءٍ؛ حَتَّى إِذَا كُنَّا في بني سالِمٍ وَقَفَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى بَابِ عِتْبَانَ؛ فَصَرَخَ بِهِ؛ فَخَرَجَ يَجُرُّ إِزَارَهُ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَعْجَلْنَا الرَّجُلَ". فَقَالَ عِتْبَانُ: يَا رَسُولَ الله! أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعْجَلُ عَنِ امْرَأَتِهِ، وَلَمْ يُمْنِ مَاذَا عَلَيْهِ؟

стр. 4029

قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّمَا الماءُ مِنَ الماءِ" (١). ٢ - حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁: عَنْ أَبِي أيوبَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الماءُ مِنَ الماءِ" (٢). الوجه الثاني: بيان معنى قوله ﷺ : "إِنمَا الْمَاء مِنَ الْمَاءِ ". والمراد بالماء الأول: ماء الغسل، وبالثاني: المني. والمعنى أن وجوب الاغتسال بالماء من أجل خروج الماء الدافق (٣). الوجه الثالث: بيان معنى قوله ﷺ : "إِذا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأرْبَعِ -ثم جهدها- وَمَسَّ الْخِتان الْخِتانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغسْل " قَوْله (بَيْنَ شُعَبهَا): والشعب: جمع شعبة وهي القطعة من الشيء، قيل المراد هنا: يداها ورجلاها، وقيل: رجلاها وفخذاها، وقيل: ساقاها وفخذاها، وقيل: فخذاها وإسكتاها، وقيل: فخذاها وشفراها، وقيل: نواحي فرجها الأربع، قال الأزهري: الإسكتان ناحيتا الفرج، والشفران طرف الناحيتين، ورجح القاضي عياض الأخير، واختار ابن دقيق العيد الأول، قال: لأنه أقرب إلى الحقيقة، أو هو حقيقة في الجلوس، وهو كناية عن الجماع فاكتفى به عن التصريح (٤).

стр. 4030

قوله (ثمَّ جَهَدها): أَيْ جَامَعَهَا وَوَطِئَهَا وَفَعَلَ بِهَا الْفِعْل المُقْصُود بِهَا" فَلِذَلِكَ قِيلَ جَهَدهَا. وهوَ عبارة عَن الاجتهاد في إيلاج الحشفة في الفرج، وَهوَ المراد -أيضًا- مِن التقاء الختانين. (١) وَمسّ الختانُ الختانَ: أَيْ خِتَان الرَّجُل بِخِتَانِ المُرْأَة، وَالمُرَاد تَلَاقِي مَوْضِع الْقَطْع مِنْ الذَّكَر مَعَ مَوْضِعه مِنْ فَرْج الْأُنثَى. قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ إِذَا غَابَ الذَّكَر فِي الْفَرْج وَلَيْسَ المُرَاد حَقِيقَة المسّ وَالْإِلْصَاق بِغَيْرِ غَيْبُوبَة، وَذَلِكَ أَنَّ خِتَان المُرْأَة فِي أَعْلَى الْفَرْج وَلَا يَمَسّهُ الذكَر فِي الجَماع. وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ ذَكَرَهُ عَلَى خِتَانها وَلَمْ يُولجِهُ لَمْ يَجِب الْغُسْل لَا عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهَا (٢). وَمَعْنَى الحدِيث أَنَّ إِيجَاب الْغُسْل لَا يَتَوَقَّف عَلَى نُزُول المُنِيّ، بَلْ مَتَى غَابَتْ الحشَفَة فِي الْفَرْج وَجَبَ الْغُسْل عَلَى الرَّجُل وَالمُرْأَة، وَهَذَا لَا خِلَاف فِيهِ الْيَوْم، وَقَدْ كَانَ فِيهِ خِلَاف لِبَعْضِ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدهمْ، ثُمَّ اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. (٣) الوجه الرابع: الجمع بين قوله ﷺ : "إِنَّما الْمَاء، مِنَ الْمَاء، " وقوله ﷺ : "إِذا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبهَا الأربَعِ وَمَسَّ الْخِتَان الْختانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْل " فقد سلك العلماء في الجمع بين الحديثين بهذه المسالك. المسلك الأول: مسلك الفسخ . قال الترمذي: وَإِنَّمَا كَانَ المَاءُ مِنَ المَاءِ في أَوَّلِ الإِسْلامِ " ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ" وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النبي ﷺ مِنْهُمْ أُبي بْنُ كَعْبٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ -الجمهور- عَلَى أَنَّهُ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرأتهُ في الْفَرْجِ وَجَبَ عَلَيْهِما الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلا. (٤)
следующие страницы →