← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

أبا بكر؛ فإنها أيام عيد"، وتلك (الأيام) أيام منى. ولا ريب أن العرب كانَ لهم غناء يتغنون به، وكان طم دفوف يضربون بها، وكان غناؤهم بأشعار أهل الجاهلية من ذكر الحروب وندب من قتل فيها، وكانت دفوفهم مثل الغرابيل، ليس فيها جلاجل، كما في حديث عائشة- ﵂، عن النَّبيّ ﷺ : "أعلنوا النكاح واضربوا عليهِ بالغربال"، وخرجه وابن ماجه بإسناد فيه ضعفٌ" (١). قال الإمام الغزالي: الرخصة في الغناء والضرب بالدف من الجاريتين، مع أنه شبه ذلك بمزمار الشيطان وفيه بيان أن المزمار المحرم غير ذلك. (٢) فالأحاديث فقط تحلل الدف من بين الآلات الموسيقية وهو الدف الذي لا يحتوي على الجلاجل. وقال ابن القيم: بعد ما ذكر كلامًا في ذلك أنه لا يجوز للرجل بذل ماله للمغني؛ ويحرم عليه ذلك؛ فإنه بذل ماله في مقابلة محرم؛ وأن بذله في ذلك كبذله في مقابلة الدم واليتة. الخامس: أن الزمر حرام وإذا كان الزمر الذي هو أخف آلات اللهو حراما فكيف بما هو أشد منه كالعود، والطنبور، واليراع، ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك؛ فأقل ما فيه: أنه من شعار الفساق وشاربي الخمور. وفي حاشية رد المحتار (٣): اسم مغنية ومغن: إنما هو في العرف لمن كان الغناء حرفته التي يكتسب بها المال وهو حرام، ونصوا على أن التغني للهو أو لجمع المال حرام بلا خلاف. وقال موفق الدين ابن قدامة المقدسي: ومن أدمن على شيء من ذلك، ردت شهادته، لأنه إما معصية، وإما دناءة وسقوط مروءة (٤). الوجه [الثامن] [*]: الغناء والرقص في الكتاب المقدس . ففي سفر أخبار الأيام الثاني (٥/ ١٣): وَكَانَ لمَّا صَوَّتَ المبَوِّقُونَ وَالمُغَنُّونَ كَوَاحِدٍ

стр. 4027

صَوْتًا وَاحِدًا لِتَسْبِيحِ الرَّبِّ وَحَمْدِهِ، وَرَفَعُوا صَوْتًا بِالأَبْوَاقِ وَالصُّنُوجِ، وآلاتِ الْغِنَاءِ، وَالتَّسْبِيحِ لِلرَّبِّ: "لأنَّهُ صَالِحٌ لأَنَّ إِلَى الأَبدِ رَحْمَتَهُ". أَنَّ البَيْتَ، بَيْتَ الرَّبِّ، امْتَلأَ سَحَابًا. وفي (الأيام الثاني ٢٠/ ٢٢): وَلمَّا ابْتَدَأُوا فِي الْغِنَاءِ وَالتَّسْبِيحِ جَعَلَ الرَّبُّ أَكْمِنَةً عَلَى بَنِي عَمُّونَ وَمُوآبَ وَجَبَلِ سِعِير الآتِينَ عَلَى يَهُوذَا فَانْكَسَرُوا. وفي (الأيام الثاني ٢٣/ ١٣): وَنَظَرَتْ وَإِذَا الملِكُ وَاقِفٌ عَلَى مِنْبر فِي المدْخَلِ، وَالرُّؤَسَاءُ وَالأَبْوَاقُ عِنْدَ الملِكِ، وَكُلُّ شَعْبِ الأَرْضِ يَفْرَحُونَ وَيَنْفُخُونَ بِالأَبْوَاقِ، وَالمغَنُّونَ بِآلاتِ الْغِنَاءِ، وَالمُعَلِّمُونَ التَّسْبِيحَ. فَشَقَّتْ عَثَلْيَا ثِيَابَهَا وَقَالَتْ: "خِيَانَةٌ، خِيَانَةٌ! ". وفي (الأيام الثاني ٢٣/ ١٨) وَجَعَلَ يَهُويَادَاعُ مُنَاظِرِينَ عَلَى بَيْتِ الرَّبِّ عَنْ يَدِ الْكَهَنَةِ اللاَّوِيِّينَ الَّذِينَ قَسَمَهُمْ دَاوُدُ عَلَى بَيْتِ الرَّبِّ، لإِصْعَادِ مُحْرَقَاتِ الرَّبِّ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى، بِالْفَرَحِ وَالْغِنَاءِ حَسَبَ أَمْرِ دَاوُدَ. وفي سفر الخروج (٣٢/ ١٩): وَكَانَ عِنْدَمَا اقْتَرَبَ إِلَى المحَلَّةِ أنَّهُ أَبْصَرَ الْعِجْلَ وَالرَّقْصَ، فَحَمِيَ غَضَبُ مُوسَى، وَطَرَحَ اللَّوْحَيْنِ مِنْ يَدَيْهِ وَكَسَّرَهُمَا فِي أَسْفَلِ الجبَلِ. وفي سفر القضاة (٢١/ ٢١): وَانْظروا. فَإِذَا خَرَجَتْ بَنَاتُ شِيلُوهَ، ليَدُرْن فِي الرَّقْصِ، فَاخْرُجُوا أنتُمْ مِنَ الْكُرُومِ وَاخْطِفُوا لانفُسِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ امْرَأتهُ مِنْ بَنَاتِ شِيلُوهَ، وَاذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ بَنْيَامِينَ. وفي سفر صموئيل الأول (٦/ ١٨): وَكَانَ عِنْدَ مجَيئهِمْ حِينَ رَجَعَ دَاوُدُ مِنْ قَتْلِ الْفِلِسْطِينِيِّ، أَنَّ النِّسَاءَ خَرَجَتْ مِنْ جَمِيعِ مُدُنِ إِسْرَائِيلَ بِالْغِنَاءِ وَالرَّقْصِ لِلِقَاءِ شَاوُلَ الملِكِ بِدُفُوفٍ وَبِفَرَحٍ وَبِمُثَلَّثَاتٍ. وفي صموئيل الأول (١١/ ٢١): فَقَالَ عَبِيدُ أَخِيشَ لَهُ: "أَليْسَ هذَا دَاوُدَ مَلِكَ الأَرْضِ؟ أَليْسَ لهِذَا كُنَّ يُغَنِّينَ فِي الرَّقْصِ قَائِلاتٍ: ضَرَبَ شَاوُلُ أُلُوفَهُ وَدَاوُدُ رِبْوَاتِهِ؟ . * * *

стр. 4028

٢٤ - شبهة: حديث الماء من الماء . نص الشبهة: اعترضوا بسوء فهم على حديث النبي ﷺ : "إنما الماء من الماء"، فقالوا: كيف يفسر ماء الشرب بالماء المعروف، وأما عن المعرضة من الناحية الأخرى كما جاء في قوله ﷺ : "إِذَا مَسَّ الختَانُ الختَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ"، ففي هذا الحديث يبين أن إيجاب الغسل لا يكون إلا من التقاء الختانين، وفي الحديث الآخر أن إيجاب الغسل لا يكون إلا بالإنزال، فأيهما صحيح؟ . والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: بيان صحة قوله ﷺ : إِنَّمَا الماء مِنَ المَاءِ ". الوجه الثاني: بيان معنى قوله ﷺ : " إِنَّمَا الماء مِنَ المَاءِ". الوجه الثالث: بيان معنى قوله ﷺ : "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ -ثم جهدها- وَمَسَّ الختَانُ الختَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ". الوجه الرابع: الجمع بين قوله ﷺ : "إِنَّمَا الماء مِنَ المَاءِ" وقوله ﷺ : "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الختَانُ الختَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ". الوجه الخامس: بيان الحكم الفقهي من الحديثين. الوجه السادس: الاغتسال ونجاسة البدن في الكتاب المقدس. وإليك الرد بالتفصيل، الوجه الأول: بيان صحة قوله ﷺ : "إِنمَا الْمَاء مِنَ الْمَاء" ١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁: قَالَ خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَ الاثْنَيْنِ إِلَى قُبَاءٍ؛ حَتَّى إِذَا كُنَّا في بني سالِمٍ وَقَفَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى بَابِ عِتْبَانَ؛ فَصَرَخَ بِهِ؛ فَخَرَجَ يَجُرُّ إِزَارَهُ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَعْجَلْنَا الرَّجُلَ". فَقَالَ عِتْبَانُ: يَا رَسُولَ الله! أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعْجَلُ عَنِ امْرَأَتِهِ، وَلَمْ يُمْنِ مَاذَا عَلَيْهِ؟

стр. 4029

قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّمَا الماءُ مِنَ الماءِ" (١). ٢ - حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁: عَنْ أَبِي أيوبَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الماءُ مِنَ الماءِ" (٢). الوجه الثاني: بيان معنى قوله ﷺ : "إِنمَا الْمَاء مِنَ الْمَاءِ ". والمراد بالماء الأول: ماء الغسل، وبالثاني: المني. والمعنى أن وجوب الاغتسال بالماء من أجل خروج الماء الدافق (٣). الوجه الثالث: بيان معنى قوله ﷺ : "إِذا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأرْبَعِ -ثم جهدها- وَمَسَّ الْخِتان الْخِتانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغسْل " قَوْله (بَيْنَ شُعَبهَا): والشعب: جمع شعبة وهي القطعة من الشيء، قيل المراد هنا: يداها ورجلاها، وقيل: رجلاها وفخذاها، وقيل: ساقاها وفخذاها، وقيل: فخذاها وإسكتاها، وقيل: فخذاها وشفراها، وقيل: نواحي فرجها الأربع، قال الأزهري: الإسكتان ناحيتا الفرج، والشفران طرف الناحيتين، ورجح القاضي عياض الأخير، واختار ابن دقيق العيد الأول، قال: لأنه أقرب إلى الحقيقة، أو هو حقيقة في الجلوس، وهو كناية عن الجماع فاكتفى به عن التصريح (٤).

стр. 4030

قوله (ثمَّ جَهَدها): أَيْ جَامَعَهَا وَوَطِئَهَا وَفَعَلَ بِهَا الْفِعْل المُقْصُود بِهَا" فَلِذَلِكَ قِيلَ جَهَدهَا. وهوَ عبارة عَن الاجتهاد في إيلاج الحشفة في الفرج، وَهوَ المراد -أيضًا- مِن التقاء الختانين. (١) وَمسّ الختانُ الختانَ: أَيْ خِتَان الرَّجُل بِخِتَانِ المُرْأَة، وَالمُرَاد تَلَاقِي مَوْضِع الْقَطْع مِنْ الذَّكَر مَعَ مَوْضِعه مِنْ فَرْج الْأُنثَى. قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ إِذَا غَابَ الذَّكَر فِي الْفَرْج وَلَيْسَ المُرَاد حَقِيقَة المسّ وَالْإِلْصَاق بِغَيْرِ غَيْبُوبَة، وَذَلِكَ أَنَّ خِتَان المُرْأَة فِي أَعْلَى الْفَرْج وَلَا يَمَسّهُ الذكَر فِي الجَماع. وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ ذَكَرَهُ عَلَى خِتَانها وَلَمْ يُولجِهُ لَمْ يَجِب الْغُسْل لَا عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهَا (٢). وَمَعْنَى الحدِيث أَنَّ إِيجَاب الْغُسْل لَا يَتَوَقَّف عَلَى نُزُول المُنِيّ، بَلْ مَتَى غَابَتْ الحشَفَة فِي الْفَرْج وَجَبَ الْغُسْل عَلَى الرَّجُل وَالمُرْأَة، وَهَذَا لَا خِلَاف فِيهِ الْيَوْم، وَقَدْ كَانَ فِيهِ خِلَاف لِبَعْضِ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدهمْ، ثُمَّ اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. (٣) الوجه الرابع: الجمع بين قوله ﷺ : "إِنَّما الْمَاء، مِنَ الْمَاء، " وقوله ﷺ : "إِذا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبهَا الأربَعِ وَمَسَّ الْخِتَان الْختانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْل " فقد سلك العلماء في الجمع بين الحديثين بهذه المسالك. المسلك الأول: مسلك الفسخ . قال الترمذي: وَإِنَّمَا كَانَ المَاءُ مِنَ المَاءِ في أَوَّلِ الإِسْلامِ " ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ" وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النبي ﷺ مِنْهُمْ أُبي بْنُ كَعْبٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ -الجمهور- عَلَى أَنَّهُ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرأتهُ في الْفَرْجِ وَجَبَ عَلَيْهِما الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلا. (٤)

стр. 4031

ومما يدل على نسخه: حديث أبي بن كعب: أَنَّ الْفُتْيَا التي كَانُوا يُفْتُونَ أَنَّ الماءَ مِنَ الماءَ كَانَتْ رُخْصةً رَخَّصَهَا رَسُولُ الله ﷺ في بَدْءِ الإِسْلامِ ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ. وفي لفظ أنه قَالَ: إِنَّمَا كَانَ الماءُ مِنَ الماءِ رُخْصَةً في أَوَّلِ الإِسْلامِ ثُمَّ نُهِىَ عَنْهَا. (١) المسلك الثاني: مسلك الجمع: وهو حمل حديث "إنما الماء من الماء" على حالة مخصوصة وهي: في الذي يحتلم ليلًا، فيستيقظ من منامه، ولا يجد بللًا. قال ابن عبد البر: وقد قيل معنى "الماء من الماء"في الاحتلام لا في اليقظة؛ لأنه لا يجب في الاحتلام إلا مع إنزال الماء، وهذا مجتمع عليه فيمن رأى أنه يجامع ولا ينزل، أنه لا غسل عليه؟ وإنما الغسل في الاحتلام على من أنزل الماء، هذا ما لم يختلف فيه العلماء. (٢) ويستدلون بما روى عن ابن عباس ﵁ أنه قال: قَالَ إِنَّمَا الماءُ مِنَ الماءِ في الاحْتِلامِ. (٣) وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي: يمكن أن يقال: إن قول ابن عباس ﵁ هذا ليس تأويلًا للحديث، وإخراجًا له بهذا التأويل من كونه منسوخًا، بل غرضه بيان حكم المسألة بعد العلم بكونه منسوخًا، وحاصله أن عمومه منسوخ، فبقي الحكم في الاحتلام. (٤) المسلك الثالث: مسلك الترجيح .

стр. 4032

قال الْصنعاني: حَدِيث الْغُسْل وَإنْ لَمْ يُنْزِل أَرْجَح لَوْ لَمْ يَثْبُت النَّسْخ، لِأنَّهُ مَنْطُوق فِي إِيجَاب الْغُسْل وَذَلِكَ -حديث الماء من الماء- مَفْهُوم، وَالمنْطُوق مُقَدَّم عَلَى الْعَمَل بِالمُفْهُومِ. (١) الوجه الخامس: بيان الحكم الفقهي من الحديثين . أولًا: ذهب قليل من الصحابة وبه أخذ داود الظاهري. إلى أن الغسل لا يكون إلا من إنزال . ويستدلون بالآتي: ١ - حديث "إِنَّمَا المُاءُ مِنَ الماءِ" حديث زيد بن خالد الجهني: أنَّهُ سَأَل عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ. قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّاُ لِلصَّلاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُول- ﷺ فَسَألتُ عَنْ ذَلِكَ عَليَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ الله، وَأُبيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ. قَالَ يَحْيَى: وأخبرني أبو سَلَمَةَ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبا أيُّوبَ أَخْبَرَهُ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُول الله ﷺ (٢). حديث أبي بن كعب: قَالَ: سَألتُ رَسُولَ الله ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُصيبُ مِنَ المُرْأَةِ ثُمَّ يُكْسِلُ. فَقَالَ: "يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنَ المرْأَةِ ثُمَّ يَتَوَضَّاُ وَيُصَلِّي". وفي لفظ. أنَّهُ قَالَ في الرَّجُلِ يأتي أَهْلَهُ ثُمَّ لا يُنْزِلُ قَالَ: "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ. (٣) حديث أبي سعيد الخدري: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ النبي ﷺ : "لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ". فَقَالَ نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله- ﷺ : "إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ، فَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ". وفي لفظ مسلم أنه ﷺ قَالَ: "إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ أَقْحَطْتَ فَلا غُسْلَ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ". (٤)

стр. 4033

ثانيًا: ذهب جمهور أهل العلم بوجوب الغسل بالتقاء الختانين أنزل أو لم ينزل . قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ؛ منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعائشة، والفقهاء من التابعين ومن بعدهم مثل سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحق قالوا: إذا التقى الختانان وجب الغسل. (١) قال ابن عبد البر: على هذا القول جمهور أهل الفتوى بالحجاز، والعراق، والشام، ومصر، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابهم، والليث بن سعد، والأوزاعي، والثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، والطبري (٢). ويستدلون بالآتي: ١ - من القرآن: قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (المائدة: ٦)، فالآية بينت أن الجنب وجب عليه التطهير، ولم تفرق بين الجماع بإنزال أو بدونه. والطهارة هنا لا تكون إلا بالغسل. قال الشافعي: وذكر الشافعي: أن كلام العرب يقتضى أن الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع، وأن لم يكن معه إنزال؛ فإن كل من خوطب بأن فلانا أجنب من فلانة، عقل أنه أصابها وأن لم ينزل (٣). قال ابن رجب: إن المجامع وإن لَم ينزل يسمى جنبًا ومجامعًا وواطئًا، ويترتب جميع أحكام الوطء عليهِ، والغسل مِن جملة الأحكام. وهذا معنى قول مِن قالَ مِن السلف: أنوجب المهر والحد ولا نوجب الغسل؟ ، وهذا القول هوَ الذِي استقر عليهِ عمل المسلمين. (٤) ٢ - من السنة: عن أبى مُوسَى الأشعري: قَالَ اخْتَلَفَ في ذَلِكَ رَهْطٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ. فَقَالَ

стр. 4034

الأَنْصَارِيُّونَ: لا يَجِبُ الْغُسْلُ إِلاَّ مِنَ الدَّفْقِ أَوْ مِنَ الماءِ. وَقَالَ المُهَاجِرُونَ: بَلْ إِذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ. قَالَ: قَالَ أَبو مُوسَى: فَأنا أَشْفِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ. فَقُمْتُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ. فَأُذِنَ لي. فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّاهْ -أَوْ يَا أُمَّ المؤْمِنِينَ- إني أُرِيدُ أَنْ أَسْألَكِ عَنْ شيء وإني أَسْتَحْيِيكِ. فَقَالَتْ: لا تَسْتَحْىِ أَنْ تسألني عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أُمَّكَ التي وَلَدَتْكَ فَإِنَّمَا أنا أُمُّكَ. قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ. قَالَتْ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ. قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الختَانُ الختَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ". (١) حديث أبي هريرة ﵁: عَنِ النبي ﷺ قَالَ: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ"، وعند مسلم: "وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ". (٢) حديث عائشة: قَالَتْ: إِنَّ رَجُلًا سَأَل رَسُولَ الله ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يجامِعُ أَهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ. هَلْ عَليْهِمَا الْغُسْلُ؟ وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إني لأفعَلُ ذَلِكَ أنا وَهَذ ثُمَّ نَغْتَسِلُ". (٣) ٣ - من الإجماع. قال النووي: اعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع، وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال؛ وكمان جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلا بالإنزال؛ ثم رجع بعضهم. وانتقد الإجماع بعد الآخرين، وقال أيضًا: أن إيجاب الغسل لا يتوقف على نزول المني؛ بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة؛ وهذا لا خلاف فيه اليوم؛ وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة ومن بعدهم؛ ثم انعقد الإجماع على ما ذكرناه، وهذا الإجماع انعقد في عصر عمر ﵁، وليس فيه خلاف إلى يومنا هذا. (٤) قال ابن بطال: وإذا كان في المسألة قولان بعد انقراض الصحابة، ثم أجمع العصر

стр. 4035

الثاني عدهم على أحد القولين، كان ذلك مسقطًا للخلاف قبله ويصير ذلك إجماعًا، وإجماع الأعصار عندنا حجة كإجماع الصحابة. (١) ٤ - من النظر. قال ابن عبد البر: ولهذه المسألة أيضًا حظ من النظر، وذلك أن الصلاة لا تجب أن تؤدي إلا بطهارة متيقنة، وقد أجمعوا على أنه من اغتسل من الإكسال فقد أدى صلاته بطهارة مجتمع عليها والصلاة يجب أن يحتاط لها وكيف وفي ثبوت السنة بصحيح الأثر ما يغني عن كل نظر. (٢) قال الطحاوي: قَالَ أَبو جَعْفَرٍ: فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا صِحَّةَ قَوْلِ مَنْ ذَهَبَ إلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الختَانَيْنِ. فَهَذَا وَجْهُ هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ الآثَارِ. وَأَمَّا وَجْهُهُ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ فَإِنَّا رَأَيْنَاهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الجمَاعَ فِي الْفَرْجِ الَّذِي لا إنْزَالَ مَعَهُ- حَدَثٌ. فَقَالَ قَوْم: هُوَ أَغْلَظُ الأَحْدَاثِ فَأَوْجَبُوا فِيهِ أَغْلَظَ الطَّهَارَاتِ؛ وَهُوَ الْغُسْلُ. وَقَالَ قَوْم: هُوَ كَأَخَفِّ الأَحْدَاثِ فَأَوْجَبُوا فِيهِ أَخَفَّ الطَّهَارَاتِ، وَهُوَ الْوُضُوءُ. فَأَرَدْنَا أَنْ نَنْظُرَ إلَى الْتِقَاءِ الختَانَيْنِ: هَلْ هُوَ أَغْلَظُ الأَشْيَاءِ فَنُوجِبُ فِيهِ أَغْلَظَ مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ؟ فَوَجَدْنَا أَشْيَاءَ يُوجِبُهَا الجِماعُ، وَهُوَ فَسَادُ الصِّيَامِ وَالحجِّ، فَكَانَ ذَلِكَ بِالْتِقَاءِ الختَانَيْنِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إنْزَالٌ، ويُوجِبُ ذَلِكَ فِي الحجِّ الدَّمَ، وَقَضَاءَ الحجِّ، وُيوجِبُ فِي الصِّيَامِ الْقَضَاءَ وَالْكَفارَةَ، فِي قَوْلِ مَنْ يُوجِبُهَا. وَلَوْ كَانَ جَامَعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي الحجِّ دَمٌ فَقَطْ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي الصِّيَامِ شَيْءٌ، إلَّا أَنْ يُنْزِلَ، وَكُلُّ ذَلِكَ محُرَّمٌ عَلَيْهِ فِي حَجِّهِ وَصِيَامِهِ، وَكَانَ مَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ حُدَّ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ شُبْهَةٍ فَسَقَطَ بِهَا الحدُّ عَنْهُ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ المهْرُ، وَكَانَ لَوْ جَامَعَهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَدٌّ وَلا مَهْرٌ، وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ؛ إذَا لَمْ يمُنْ هُنَاكَ شُبْهَةٌ. وَكَانَ الرَّجُلُ إذَا تَزَوَّجَ المرْأَةَ فَجَامَعَهَا جِمَاعًا لا خَلْوَةَ مَعَهُ فِي الْفَرْجِ ثُمَّ طَلَّقَهَا، كَانَ عَلَيْهِ المَهْرُ أنزَلَ أَوْ لم يُنْزِلْ؛ وَوَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَأَحَلَّهَا ذَلِكَ لِزَوْجِهَا الأوَّلِ. وَلَوْ جَامَعَهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لَمْ يَجِبْ فِي ذَلِكَ

стр. 4036

عَلَيْهِ شَيْء، وَكَانَ عَلَيْهِ فِي الطَّلاقِ نِصْفُ المَهْرِ؛ إنْ كَانَ سَمَّى لَها مَهْرًا، أَوْ المُتعَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ سَمَّى لها مَهْرًا. فَكَانَ يَجِبُ فِي هَذ الأَشْيَاءِ الَّتِي وَصَفْنَا؛ الَّتِي لا إنْزَالَ مَعَهَا أَغْلَظُ مَا يَجِبُ فِي الجمَاعِ الَّذِي مَعَهُ الإِنْزَالُ مِنْ الحدُودِ وَالمُهُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَالنَّظَرُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ هُوَ فِي حُكْمِ الأَحْدَاثِ أَغْلَظُ الأَحْدَاثِ وَيَجِبُ فِيهِ أَغْلَظُ مَا يَجِبُ فِي الأَحْدَاثِ وَهُوَ الْغُسْلُ. وَحُجَّةٌ أُخْرَى فِي ذَلِكَ؛ أنَّا رَأَيْنَا هَذ الأَشْيَاءَ الَّتِي وَجَبَتْ بِالْتِقَاءِ الختَانَيْنِ فَإِذَا كَانَ بَعْدَهَا الإِنْزَالُ لَمْ يَجِبْ بِالإِنْزَال حُكْمٌ ثَانٍ؛ وَإِنَّمَا الحكْمُ لِالْتِقَاءِ الختَانَيْنِ. أَلا ترَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ جَامَعَ امْرَأ جِماعً زِنَاءٍ؛ فَالْتَقَى خِتَانَاهُمَا وَجَبَ الحدُّ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ وَلَوْ أَقامَ عَلَيْهِمَا حَتَّى ألزَلَ لَمْ يَجِبْ بِذَلِكَ عَلَيْه عُقُوبَةٌ غَيْرُ الحدِّ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ بِالْتِقَاءِ الختَانَيْنِ؛ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الجمَاعُ عَلَى وَجْهِ شُبْهَةٍ؛ فَوَجَبَ عَلَيْهِ المهْرُ بِالْتِقَاءِ الختَانَيْنِ؛ ثُمَّ عَلَيْهَا حَتَّى أنزَلَ؛ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِي ذَلِكَ الإِنْزَال شَيْءٌ لا بَعْدَمَا وَجَبَ بِالْتِقَاءِ الختَانَيْنِ، وَكَانَ مَا يُحْكَمُ بِهِ فِي هَذ الأَشْيَاءِ عَلَى مَنْ جَامَعَ، فَأنزَلَ هُوَ مَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ إذَا جَامَعَ وَلَمْ يُنْزِلْ، وَكَانَ الحُكمُ فِي ذَلِكَ هُوَ لِالْتِقَاءِ الختَانَيْنِ، لا لِلإِنْزَال الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ. فَالنَّظَرُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْغُسْلُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى مَنْ جَامَعَ وَأنزَلَ؛ هُوَ بِالْتِقَاءِ الختَانَيْنِ لا بِالإِنْزَال الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ. فَثَبَتَ بِذَلِكَ قَوْلُ الَّذِينَ قَالُوا: إنَّ الجمَاعَ يُوجِبُ الْغُسْلَ كَانَ مَعَهُ إنْزَالٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمْ الله تَعَالَى. (١) الوجه السادس: الاغتسال ونجاسة البدن في الكتاب المقدس . جاء في سفر اللاويين (١٥/ ١٨: ١٦) "وَإِذَا حَدَثَ مِنْ رَجُل اضْطِجَاعُ زَرْعٍ، يَرْحَضُ كُلَّ جَسَدِهِ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى المسَاءِ. وَكُلُّ ثَوْبٍ وَكُلُّ جِلْدٍ يَكُونُ عَلَيْهِ اضْطِجَاعُ زَرْعٍ يُغْسَلُ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى المسَاءِ. وَالمرْأَةُ الَّتِي يَضْطَجِعُ مَعَهَا رَجُل اضْطِجَاعَ زَرْعٍ، يَسْتَحِمَّانِ بِمَاءٍ، وَيَكُونَانِ نَجِسَيْنِ إِلَى المسَاءِ.

стр. 4037

فها هو الكتاب عندهم يثبت النجاسة، إذا وقع الجماع بين الذكر والأنثى، وتظل النجاسة تلاحقهما حتى المساء، ولنا تساؤلات: ١ - هل الجماع بالزواج وزر حتى يلحق صاحبه نجاسة؟ ٢ - وهل التمتع بما أباحه الله تعالى يعد من أعمال النجاسة؟ ٣ - وهل إتيان المرأة يعني تلبسه بالنجاسة حتى المساء؟ ٤ - وهل النجاسة حلَّت في بدنه وجسمه كله لوقوعه في هذا العمل العظيم؟ أسئلة لا أجوبة لها عندهم، وعندنا الجواب: فماء المني ليس بنجس حتى يقال تلبَّس بنجاسة، وإتيان الزوجة عمل مشروع يثاب عليه صاحبه، ولا تلحقه نجاسة، فقد سأل الصحابة ﵁ رسول الله ﷺ ، يا رسول الله ﷺ أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعهما في الحلال كان لي أجرًا". (١) والجنب ليس بنجس، فعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ "لقيه في بعض طريق المدينة وهو جنب فانخنست منه فذهب فاغتسل ثم جاء فقال: أين كنت يا أبا هريرة، قال: كنت جنبا؛ فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: سبحان الله إن المسلم لا ينجس". (٢) وبمجرد الغسل يحل له كل شيء كان ممنوعًا منه بعد الجنابة من الصلاة ومس المصحف، فلم تلحقه نجاسة عند جماعه ولا بعد جماعه ولا قبل اغتساله، فهذه شريعتنا بسماحتها وطهارتها ويسرها؛ تضيء لمعتنقيها الطريق وتذلل لهم الصعاب، وتضع عنهم الإصر والأغلال التي وضعها الرهبان والأحبار من عند أنفسهم، وصدق الله حين قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. * * *

стр. 4038

٢٥ - شبهة: بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا . نص الشبهة: يقولون: في قوله ﷺ : "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا" إن الإسلام بدأ ضعيفًا وسيعود ضعيفًا كما بدأ. والرد من وجوه: الوجه الأول: معنى الغربة لغةً، واستعمالاتها في السنة النبوية. الوجه الثاني: ذكر الحديث، وبيان معناه. الوجه الثالث: أقسام الغربة، وبيان أن كل قسم يعقبه تمكين. الوجه الرابع: مبشرات بالنصر والتمكين للإسلام، وأن الدائرة على الكافرين. وإليك التفصيل، الوجه الأول: المعنى اللغوي . مادة (غرب) مادة واسعة جدًّا، ذكر صاحب القاموس لأحد تصريفاتها (وهو الغَرْبُ) أربعة وعشرين معنى (١)، واستدرك عليه شارح القاموس محمد مرتضى الزبيدي عشرة معان لم يذكرها، فصار مجموعها أربعة وثلاثين معنى. (٢) وإذا كانت هذه المعاني لتصريف واحد، فما بالك بسائر ما يتفرع عن المادة؟ ! أما كلمة "الغربة" فتطلق على معانٍ عدة: أ- منها النوى والبعد، يقال: اغترب غربة إذا بعد، ونوى غربة بعيدة. (٣) ب- ومما يقرب من هذا المعنى النزوح عن الوطن والاغتراب، يقال: رجل غُرُب -بضم الغين والراء- وغريب: أي بعيد عن وطنه، والجمع: غرباء. (٤)

стр. 4039

ج- ويقرب منهما: الغريب بمعنى أنه ليس من القوم. (١) د- وتطلق على الغموض والخفاء وعدم الشهرة، ومنه غريب الحديث: أي خفيه الذي لا يظهر معناه (٢)، وأغرب: أتى بالغريب. (٣) هـ- وتطلق على الذهاب والتنحي عن الناس، يقال: غرب عنا يغرب غربًا. (٤) قال سلمان بن فهد العودة: والذي جمع هذه المعاني أن غربة الشيء تعني أنه غير موافق كليًا أو جزئيًا للأشياء التي حوله، وقد تكون دلالة هذه الكلمة على مدلولها بالمطابقة؛ كتسمية المقيم بين قومٍ سوى قومه غريبًا، وقد تكون بالالتزام؛ كتسمية النازح عن وطنه غريبًا؛ لأن نزوحه يقتضي أن يقيم بين ظهراني قوم آخرين فيكون غريبًا بينهم. فإذا صح هذا، فإننا نكون قد جمعنا معظم معاني هذه الكلمة في معنىً واحد عام مشترك. (٥) الغربة والغرب: النوى والبعد، وهي التروح عن الوطن والاغتراب، وفي الحديث أَن النبي ﷺ سُئِلَ عن الغُرباء فقال: "الذين يُحْيُونَ ما أَماتَ الناسُ من سُنَّتِي" وفي حديث آخر: "إِنّ الإِسلامَ بَدأَ غريبًا وسيعود غريبًا كما بَدأَ فطوبَى للغُرباءِ" أَي: أنه كان في أَوّلِ أَمْرِه كالغريبِ الوحيدِ الذي لا أَهل له عنده لقلة المسلمين يومئذ، وسيعودُ غريبًا كما كان أَي يَقِلُّ المسلمون في آخر الزمان فيصيرون كالغُرباء، فطُوبى للغُرَباء، أَي: الجنةُ لأُولئك المسلمين الذين كانوا في أَوّل الإِسلام ويكونون في آخره؛ وإِنما خَصَّهم بها لصبْرهم على أَذى الكفار أَوَّلًا وآخرًا، ولُزومهم دينَ الإِسلام؛ وإِنما أَراد أَن أَهلَ الإِسلام حين بَدأَ كانوا

стр. 4040

قليلًا وهم في آخر الزمان يَقِلُّون إِلاَّ أَنهم خيارٌ. (١) فمن ذلك تكون الغربة بمعنى: القلة، ولا يكون المقصود من القلة الضعف. والله قد مدح القلة دائمًا طالما هم على الخير، وأثبت أن القلة دائمًا هم الذين يثبتون ويتميزون بالخير عن الكثرة، وبالعكس أخبر أن الكثرة مذمومة طالما على الشر؛ قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: ١٣)، وقال سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ (ص: ٢٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: ٤٠)، وقال عن الكثرة: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: ١٦)، وقال: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف: ١٧)، وقال عز مِنْ قائل: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وقال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا﴾ (البقرة: ١٥٠)، وقال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١] (الأنعام ١١١)، وغيرها من الآيات الكثير؛ فالقلة لا تعني ذمًا، بل إن الأقلاء أقوياء بالإسلام وباليقين. ثانيًا: استعمالاتها في السنة النبوية: وقد جاء استعمال الغربة في السنة النبوية على معانٍ عدة، يجمعها المعنى المشترك العام منها: أ- بمعنى المقيم في غير وطنه وبين قوم غير قومه، فعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". (٢) الوجه الثاني: ذكر الحديث، وبيان معناه . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ". (٣)، وفي رواية أنه ﷺ سئل: من الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: "الَّذِينَ يُصلِحُونَ إذا فسد النَّاسِ". (٤)، وفي رواية: "حين يفسد الناس" (٥).

стр. 4041

وعن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولُ الله ﷺ : "ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ: طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، قِيلَ: مَنْ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: أُناسٌ صَالِحُونَ فِي أُناسِ سُوءٍ كَثِيرٍ مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ" (١). وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ المسْجِدَيْنِ كَما تَأْرِزُ الحيَّةُ فِي جُحْرِهَا" (٢). قَالَ الْقَاضِي عِيَاض ﵀: فِي قَوْله: (غَرِيبًا) رَوَى اِبْن أَبِي أُويس عَنْ مَالِك ﵀ أَنَّ مَعْنَاهُ فِي المَدِينَة، وَأَنَّ الْإِسْلَام بَدَأَ بها غريبًا وسيعود إليها. قال القاضي: وظاهر الحديث العموم، وأن الإسلام بدأ فِي آحَاد مِنْ النَّاس، وَقِلَّة ثُمَّ اِنْتَشَرَ وَظَهَرَ، ثُمَّ سَيَلْحَقُهُ النَّقْص وَالْإِخْلَال، حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا فِي آحَاد وَقِلَّة أَيْضًا كَمَا بَدَأَ (٣). وعَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ الله ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْني ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " ... " (٤). قال ابن عبد البر: وقد قيل في توجيه أحاديث هذا الباب: إن قرنه إنما فضل لأنهم كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم، وإن أواخر هذه الأمة إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفسق والهرج والمعاصي والكبائر، كانوا عند ذلك أيضًا غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك الزمن، كما زكت أعمال أوائلهم (٥) (٦).

стр. 4042

ثم قال: وهذا من الإيمان والعمل الصالح في الزمن الفاسد الذي يرفع فيه العلم والدين من أهله، ويكثر الفسق، والهرج، ويذل المؤمن، ويعز الفاجر، ويعود الدين غريبًا كما بدأ، ويكون القائم فيه بدينه كالقابض على الجمر، فيتسوي حينئذ أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية، والله أعلم (١). قال الملا علي القاري: "فطوبى للغرباء" المتشبثين بذيله، يعني: المسلمين الذين في أوله وآخره لصبرهم على الأذى، وقيل: المراد بالغرباء: المهاجرون الذي هاجروا إلى الله. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِهِ (٢)، وقال: وهذا إخبار عن آخر الزمان حين يقل الإسلام (٣). وقال ابن قتيبة: أراد بقوله: "إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا" أن أهل الإسلام حين بدأ قليل، وهم في آخر الزمان قليل إلا أنهم خيار (٤). وقال ابن رجب: يريد به أن الناس كانوا قبل مبعثه على ضلالة عامة كما قال النبي ﷺ في حديث عياض بن حمار ﵁ الذي أخرجه مسلم: "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم؛ عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب" (٥) (٦). ومعنى ذلك كما لا يخفى أنه بدأ غريبًا لا يعرفه إلا القلائل، ثم انتشر وعز بحمد الله على الأديان كلها، ثم عاد غريبًا بسبب اختلاف الناس واتباع الأهواء وقلة العلم. (٧) وفحوى هذه الأحاديث أن دين الإسلام الذي خرج من مهده الحجاز وانبسط في الأرض

стр. 4043

فاتحًا مصلحًا- سوف يغلب على أمره ويضطهد أهله بتداعي الأمم عليهم؛ حتى يضطر إلى الانقباض والأُرُوز إلى وطنه الأصلي به وهو الحجاز، فيعتصم فيه ويكون معقلًا وملجأً، وهذا النبأ النبوي الذي يعد من أظهر أنباء الغيب يصدق بدين الإسلام نفسه وبرجاله وأنصاره. (١) وفي الحديث بيان مبدأ الإسلام وأنه بدأ غريبًا بين الأديان، وكان أهله غرباء بين الناس، وكان المستجيب له غريبًا بين أهله وعشيرته يؤذى بسبب ذلك، ويفتن في دينه ويعادى على ذلك، وكان المسلمون صابرين راضين بقضاء الله، مطيعين لأوامر رسوله ﷺ ، حتى قوي الإسلام واشتد عوده في المدينة؛ فزالت غربته عندما انتشر في أرض العرب، وكان أهله هم الظاهرين على من ناوأهم، وسيعود الإسلام غريبًا كما بدأ (كما هو حال زماننا هذا) لقلة المتمسكين به، وهذه الغربة تزداد شيئًا فشيئًا بسبب دخول فتنة الشبهات والشهوات على الناس (٢). قال ابن القيم: فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون؛ ولقلتهم في الناس جدًّا سموا غرباء؛ فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات، فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فهم غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقًّا؛ فلا غربة عليهم وإنما غربتهم بين الأكثرين (٣). وقال أيضًا: ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي ﷺ ؛ التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس، وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله؛ لا شيخ ولا طريقة ولا مذهب ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده؛ وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقًّا، وأكثر الناس بل كلهم

стр. 4044

لائم لهم، فلغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم (١). قال ابن القيم: فالغربة ثلاثة أنواع: الغربة الأولى: غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق؛ وهي الغربة التي مدح رسول الله ﷺ أهلها، وأخبر عن الدين الذي جاء به أنه بدأ غريبًا وأنه سيعود غريبًا كما بدأ، وأن أهله يصيرون غرباء، وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان ووقت دون وقت وبين قوم دون قوم (٢). ومن هؤلاء الغرباء من ذكرهم أنس ﵁ في حديثه عن النبي ﷺ : رُبَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لَأَبرَّهُ (٣). والغربة الثانية: غربة مذمومة، وهي غربة أهل الباطل وأهل الفجور بين أهل الحق، فهي غربة بين حزب الله المفلحين، وإن كثر أهلها فهم غرباء على كثرة أصحابهم وأشياعهم أهل وحشة على كثرة مؤنسهم يعرفون في أهل الأرض ويخفون على أهل السماء. والنوع الثالث: غربة مشتركة لا تحمد ولا تذم، وهي الغربة عن الوطن فإن الناس كلهم في هذه الدار غرباء؛ فإنها ليست لهم بدار مقام ولا هي الدار التي خلقوا لها، وقد قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمر ﵁: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" (٤) (٥). قال ابن باز: معناه أن الإسلام بدأ غريبًا كما كان الحال في مكة وفي المدينة في أولى الهجرة لا يعرف؛ غريبًا في آخر الزمان كما بدأ لا يعرفه حق المعرفة إلا القليل من الناس، ولا يعمل به على الوجه المشروع إلا القليل من الناس وهم الغرباء (٦).

стр. 4045

وتلك الغربة قد زالت بفضل الله تعالى ثم بفضل جهود رسوله ﷺ في نشر الدعوة الإسلامية في مراحلها الخمسة وتحمله المشاق في سبيل إنجاحها، وهذه المراحل هي: النبوة، إنذار عشيرته الأقربين، وإنذار قومه، وإنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله وهم العرب قاطبةً، وإنذار جميع من بلغته الدعوة من الجن والإنس إلى آخر الدهر. (١) قال الأوزاعي قولًا يبين أن معنى الغربة ليست أن الإسلام سيذهب ويزول؛ قال: أما إنه ما يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السنة؛ حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد، ولهذا المعنى يوجد في كلام السلف كثيرًا مدح السنة ووصفها بالغربة ووصف أهلها بالقلة، فكان الحسن ﵀ يقول لأصحابه: يا أهل السنة، ترفقوا -رحمكم الله- فإنكم من أقل الناس، وقال يونس بن عبيد: ليس شيء أغرب من السنة وأغرب منها من يعرفها. وعن سفيان الثوري قال: استوصوا بأهل السنة فإنهم غرباء، ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة: طريقة النبي ﷺ التي كان عليها هو وأصحابه السالمة من الشبهات والشهوات، ولهذا جاء في الحديث مدح المتمسك بدينه في آخر الزمان وأنه كالقابض على الجمر، فعَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَان الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الجمْرِ" (٢) (٣). الوجه الثالث: أقسام الغربة، وبيان أن كل قسم يعقبه نصر وتمكين . الغربة الأولى: قال الشاطبي: وجملة العنى فيه من جهة وصف الغربة ما ظهر بالعيان والمشاهدة في أول الإسلام وآخره؛ وذلك أن رسول الله ﷺ بعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل، وفي جاهلية جهلاء، لا تعرف من الحق رسمًا، ولا تقيم به في مقاطع الحقوق حكمًا، بل كانت تنتحل ما وجدت عليه آباءها، وما استحسنه أسلافها من الآراء المنحرفة والنحل المخترعة

стр. 4046

والمذاهب المبتدعة، فحين قام فيهم ﷺ بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا؛ فسرعان ما عارضوا معروفه بالنكر، وغيروا في وجه صوابه بالإفك، ونسبوا إليه إذ خالفهم في الشرعة ونابذهم في النحلة كل محال، ورموه بأنواع البهتان؛ فتارة يرمونه بالكذب وهو الصادق المصدوق ﷺ ، وكرة يقولون: إنه مجنون مع تحققهم بكمال عقله ﷺ ، وإذا دعاهم إلى عبادة المعبود بحق وحده لا شريك له قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥]، مع الإقرار بمقتضى هذه الدعوة الصادقة: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. وإذا أنذرهم بطشة يوم القيامة أنكروا ما يشاهدون من الأدلة على إمكانه وقالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦)﴾ [الصافات: ١٦]، وإذا خوفهم نقمة الله قالوا: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] (١). فكذلك كانوا مع النبي ﷺ فأنكروا ما توقعوا معه زوال ما بأيديهم؛ لأنه خرج عن معتادهم، أرادوا أن يستنزلوه على وجه السياسة في زعمهم ليوقعوا بينهم ويين المؤالفة والموافقة، ولو في بعض الأوقات أو في بعض الأحوال أو على بعض الوجوه ويقنعوا منه بذلك ليقف لهم بتلك الموافقة واهٍ بناؤه فأبى ﷺ إلا الثبوت على محض الحق والمحافظة على خالص الصواب، وأنزل الله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ إلى آخر السورة، فنصبوا له عند ذلك حرب العدواة ورموه بسهام القطيعة وصار أهل السلم كلهم حربًا عليه، فأقربهم إليه نسبًا كان أبعد الناس عن موالاته كأبي جهل وغيره، وألصقهم به رحمًا كانوا أقسى قلوبًا عليه؛ فأي غربة توازي هذه الغربة؟ ! ومع ذلك فلم يكله الله إلى نفسه، ولا سلطهم على النيل من أذاه إلا نيل المصلوفين، بل حفظه وعصمه وتولاه بالرعاية والكلاء حتى بلغ رسالة ربه.

стр. 4047

الغربة الثانية: ثم ما زال ﷺ يدعو لها فيؤوب إليه الواحد بعد الواحد على حكم الاختفاء خوفًا من عادية الكفار زمان ظهورهم على دعوة الإسلام، فلما اطلعوا على المخالفة أنفوا وقاموا وقعدوا، فمن أهل الإسلام من لجأ إلى قبيلة فحموه على إغماض، أو على دفع العار في الإخفار، ومنهم من فَرَّ من الإذاية وخوف الغرة هجرة إلى الله وحبًا في الإسلام، ومنهم من لم يكن له وزر يحميه، ولا ملجأ يركن إليه؛ فلقي منهم من الشدة والغلطة والعذاب أو القتل، ما هو معلوم؛ حتى زل منهم من زل؛ فرجع أمره بسبب الرجوع إلى الموافقة، وبقي منهم من بقي محتسبًا صابرًا، إلى أن أنزل الله تعالى الرخصة في النطق بكلمة الكفر على حكم الموافقة ظاهرًا ليحصل بينهم وبين الناطق الموافقة وتزول المخالفة، فنزل إليها من نزل على حكم التقية ريثما يتنفس من كربه ويتروح من خناقه وقلبه مطمئن بالإيمان؛ وهذه غربة أيضًا ظاهرة وإنما كان هذا جهلًا منهم بمواقع الحكمة، وأن ما جاءهم به نبيهم هو الحق ضد ما هم عليه. الغربة الثالثة: ثم استمر تزايد الإسلام واستقام طريقه على مدة حياة النبي ﷺ ومن بعد موته وأكثر قرن الصحابة ﵃، إلى أن نبغت فيهم نوابغ الخروج عن السنة وأصغوا إلى البدع المضلة؛ كبدعة القدر، وبدعة الخوارج؛ وهي التي نبه عليها الحديث بقوله: "يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم" (١)، يعني: لا يتفقهون فيه بل يأخذونه على الظاهر: وهذا كله في آخر عهد الصحابة. ثم لم تزل الفرق تكثر حسبما وعد به الصادق ﷺ في قوله: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" (٢)، وفي الحديث

стр. 4048

الآخر: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله ﷺ ، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ! " (١)، وهذا أعم من الأول فإن الأول عند كثير من أهل العلم خاص بأهل الأهواء، وهذا الثاني عام في المخالفات ويدل على ذلك من الحديث قوله: "حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم". الغربة الرابعة: كان الإسلام في أول وجدته مقاومًا، بل ظاهرًا وأهله غالبون وسوادهم أعظم الأسودة؛ فخلا من وصف الغربة بكثرة الأهل والأولياء الناصرين، فلم يكن لغيرهم ممن لم يسلك سبيلهم أو سلكه، ولكنه ابتدع فيه صولة يعظم موقعها ولا قوة يضعف دونها حزب الله المفلحون، فصار على استقامة، وجرى على اجتماع واتساق، فالشاذ مقهور مضطهد إلى أن أخذ اجتماعه في الافتراق الموعود وقوته إلى الضعف المنتظر، والشاذ عنه تقوى صولته ويكثر سواده، واقتضى سر التأسي المطالبة بالموافقة، ولا شك أن الغالب أغلب؛ فتكالبت على سواد السنة البدع والأهواء، فتفرق أكثرهم شيعًا، وهذه سنة الله في الخلق أن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: ١٣). ولينجز الله ما وعد به نبيه ﷺ من عود وصف الغربة إليه؛ فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل أو قلتهم، وذلك حين يصير المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وتصير السنة بدعة والبدعة سنة؛ فيقام على أهل السنة بالتثريب والتعنيف، كما كان أولًا يقام على أهل البدعة طمعًا من المبتدع أن تجتمع كلمة الضلال، ويأبى الله أن تجتمع حتى تقوم الساعة، فلا تجتمع الفرق كلها على كثرتها على مخالفة السنة عادة وسمعًا، بل لا بد أن تثبت جماعة أهل السنة حتى يأتي أمر الله، غير أنهم لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناصبهم العداوة

стр. 4049

والبغضاء استدعاء إلى موافقتهم- لا يزالون في جهاد ونزاع ومدافعة وقراع آناء الليل والنهار وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل ويثيبهم الثواب العظيم. (١) غربة الإسلام في أول الأمر: قال ابن رجب الحنبلي: لما بعث النبي ﷺ ودعا إلى الإسلام لم يستجب له في أول الأمر إلا الواحد بعد الواحد من كل قبيلة، وكان المستجيب له خائفًا من عشيرته وقبيلته، يؤذى غاية الأذى، وينال منه وهو صابر على ذلك في الله ، وكان المسلمون إذ ذاك مستضعفين يشردون كل مشرد، ويهربون بدينهم إلى البلاد النائية كما هاجروا إلى الحبشة مرتين؛ ثم هاجروا إلى المدينة، وكان منهم من يعذب في الله ومنهم من يقتل، فكان الداخلون في الإسلام حينئذ غرباء، ثم ظهر الإسلام بعد الهجرة إلى المدينة وعز وصار أهله ظاهرين كل الظهور، ودخل الناس بعد ذلك في دين الله أفواجًا، وأكمل الله لهم الدين وأتم عليهم النعمة. وتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، وأهل الإسلام على غاية من الاستقامة في دينهم، وهم متعاضدون متناصرون، وكانوا على ذلك في زمن أبي بكر وعمر ﵃. (٢) ومن أكبر الأدلة على غربة هذا الدين في أول أمره؛ حال المسلمين في أول الأمر من تعذيب واضطهاد وقتل وتشريد وخوف، فإن النبي ﷺ بدأ هذه الدعوة وحده وكان غريبًا لأنه جاء بشيء غريب، ثم آمن معه قلة قلائل مَنْ قذف الله الإيمان في قلوبهم. فانظر لغربة النبي ﷺ في الحديث الذي روته عائشة ﵂ حيث قَالَتْ لِلنَّبِي ﷺ : هَلْ أتى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ، قَالَ: "لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ؛ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أنا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ؛ فَنَادَانِي فَقَالَ:

стр. 4050

إِنَّ الله قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الجبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بَلْ أَرْجو أَنْ يخرج الله مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا" (١). فهذا حديث يلخص ما لاقاه النبي ﷺ من أذىً وغربة عن وطنه وتشريد، وإحساس بالغربة وهو بين أهله وعشيرته، إذ كلهم رفضوه وطردوه إلا من رحم الله، حيث يقول: "لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ ... "، وَفِي هَذَا الحدِيث بَيَان شَفَقَة النَّبِيّ ﷺ عَلَى قَوْمه، وَمَزِيد صَبْره وَحلمه (٢). ومن أمثلة ما كان يحدث لبعض الصحابة من قلتهم وضعفهم ما حدث لخباب وبلال وغيرهما، فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ سَبْعَةٌ رَسُولُ الله ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَمارٌ، وَأُمُّهُ سمَيَّةُ، وَصهَيْبٌ، وَبِلَالٌ، وَالمقْدَادُ، فَأَمَّا رَسُولُ الله ﷺ فَمَنَعَهُ الله بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ الله بِقَوْمِهِ، وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فَأَخَذَهُمْ المُشْرِكُونَ وَألبَسُوهُمْ أَدْرَاعَ الحدِيدِ وَصَهَرُوهُمْ فِي الشَّمْسِ، فَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وَاتَاهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوا، إِلَّا بِلَالًا فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي الله، وَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ فَأَخَذُوهُ فَأَعْطَوْهُ الْوِلْدَانَ، فَجَعَلوا يَطُوفُونَ بِهِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهوَ يَقولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ (٣). وهذه إشارة فقط لبيان ضعف المسلمين في بادئ الأمر وقلتهم؛ لكن بعد ذلك انتشر الإسلام وعلت كلمته واتسعت الفتوحات في عهد الخلفاء الراشدين.

стр. 4051

ومن غربة الإسلام في أول الأمر؛ قلة المسلمين؛ فعَنْ سَعْدٍ بن أبي وقاص قَالَ: رَأَيْتُنِي سَابعَ سَبْعَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الحبْلَةِ أَوْ الحبَلَةِ حَتَّى يَضَعَ أَحَدُنَا مَا تَضَعُ الشَّاةُ ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الْإِسْلَامِ خَسِرْتُ إِذًا وَضَلَّ سَعْيِي (١). وعن عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَاجَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ مَا طَعَامُنَا إِلَّا وَرَقُ الحبْلَةِ حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا. (٢) قال ابن حجر: وَوَقَعَ عِنْد اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ أَنَّ السَّبْعَة المذْكُورِينَ: أَبُو بَكْر، وَعُثْمَان، وَعَليّ، وَزَيْد بْنُ حَارِثَة، وَالزُّبَيْر، وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف، وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص، وَكَانَ إِسْلَام الْأَرْبَعَة بِدُعَاءِ أَبِي بَكْر لهمْ إِلَى الْإِسْلَام فِي أَوَائِل الْبَعْثَة، وَأَمَّا عَليّ وَزَيْد بْن حَارِثَة فَأَسْلما مَعَ النَّبِيّ ﷺ أَوَّل مَا بُعِثَ. (٣). وقوله: (سابع سبعة) دليل على قلة من كان ينتسب إلى الإسلام في أول أمره، وهكذا كل دعوة تبدأ بصغيرة ثم تنتشر آفاقها ويزيد ناصروها شيئًا فشيئًا. وبعد هذه الغربة ظهر الإسلام بعد الهجرة إلى المدينة، وعز وصار أهله ظاهرين كل الظهور، ودخل الناس بعد ذلك في دين الله أفواجًا، وأكمل الله لهم الدين وأتم عليهم النعمة، وتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، وأهل الإسلام على غاية من الاستقامة في دينهم، وهم متعاضدون متناصرون، وكانوا على ذلك في زمن أبي بكر وعمر ﵃ (٤). وزادت الفتوحات بعد ذلك؛ حيث فتح كثير من البلاد، ودخلها الإسلام، وزالت الغربة والضعف. غربة الإسلام في آخر الأمر التي يعقبها قوة ونصر للإسلام بإذن الله:

стр. 4052

وبعد ما ذكرنا أن الإسلام بدأ غريبًا ثم انتشر وقوي وأصبح له التمكين والعزة، بدأت تظهر علامات الغربة الثانية، حيث أعمل الشيطان مكائده على المسلمين وألقى بأسهم بينهم، وأفشى بينهم فتنة الشبهات والشهوات، ولم تزل هاتان الفتنتان تتزايدان شيئًا فشيئًا؛ حتى استحكمت مكيدة الشيطان وأطاعه أكثر الخلق (١). وقد أخبر النبي ﷺ عن هذه الغربة وهذه الفتن، حيث قال أبو هريرة ﵁: (في فتنة الشبهات) قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "افْتَرَقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتْ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً" (٢). وجاء عند الترمذي: "كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي" (٣). وأما فتنة الشهوات. فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ عَنْ رَسُول الله ﷺ قَالَ: "إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ أَيُّ قَوْمٍ أَنْتُمْ؟ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا الله، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ ! تَتَنَافَسُونَ ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ" (٤). قوله: (نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا الله) أي: نحمده ونشكره ونسأله المزيد من فضله (٥). فلما دخل أكثر الناس في هاتين الفتنتين أو إحداهما أصبحوا متقاطعين متباغضين بعد أن كانوا إخوانًا متحابين متواصلين، فإن فتنة الشهوات عمت غالب الخلق، ففتنوا بالدنيا وزهرتها وصارت غاية قصدهم؛ لها يطلبون وبها يرضون، ولها يبغضون، ولها يوالون، وعليها يعادون، فقطعوا بذلك أرحامهم، وسفكوا دماءهم، وارتكبوا معاصي الله بسبب ذلك.

стр. 4053

وأما فتنة الشبهات والأهواء المضلة؛ فبسببها تفرق أهل القبلة وصاروا شيعًا وكفَّر بعضُهم بعضًا، وأصبحوا أعداءً وفرقًا وأحزابًا بعد أن كانوا إخوانًا، فلم ينجُ من هذه الفرق إلا الفرقة الواحدة الناجية، وهم الذكورون في قوله ﷺ : "لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ الله لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ الله وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ" (١). وهم في آخر الزمان الغرباء الذكورون في هذه الأحاديث "الذين يصلحون إذا فسد الناس"، وهم الذين يفرون بدينهم من الفتن، وقال ابن مسعود ﵁: يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من الأمَة (٢). وإنما ذلَّ المؤمن آخر الزمان لغربته بين أهل الفساد من أهل الشبهات والشهوات، فكلهم يكرهه ويؤذيه لمخالفة طريقته لطريقتهم، ومقصوده لمقصودهم، ومباينته لما هم عليه، ثم بحمد الله يعقب هذه الغربة نصر وتمكين للإسلام (٣). الوجه الرابع: مبشرات بالنصر والتمكين للإسلام، وأن الدائرة ستكون على الكافرين . لا شك أن النصر والتمكين لهذه الأمة دائمًا، وسوف تنتهي هذه الأمة بالنصر المبين وتكون العزة والغلبة لها، وما هي فيه الآن ما هو إلا آلام ما قبل الولادة، نعم ولادة التمكين، وعن أبي بن كعب ﵁: يقول النبي ﷺ : "بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب" (٤). وهذه الأشياء التي يبشر بها الرسول ﷺ لا بد أن تحصل لأنه لا ينطق عن الهوى، وكما تحقق ما قاله في الماضي من أشياء كثيرة، فلا بد أن يتحقق ما يخبر عنه ﷺ في المستقبل (٥).

стр. 4054

عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله زَوى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أنفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ ..... " (١). وَهَذَا الحْدِيث فِيهِ مُعْجِزَات ظَاهِرَة، وَقَدْ وَقَعَتْ كُلّهَا بِحَمْدِ الله كَمَا أَخْبَرَ بِهِ ﷺ . قَالَ الْعُلَمَاء: المُرَاد بِالْكَنْزَيْنِ: الذَّهَب وَالْفِضَّة؛ وَالمُرَاد كَنْزَيْ كِسْرَى وَقَيْصَر مَلِكَيْ الْعِرَاق وَالشَّام. فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ مُلْك هَذِهِ الْأُمَّة يَكُون مُعْظَم اِمْتِدَاده فِي جِهَتَيْ المُشْرِق وَالمُغْرِب، وَهَكَذَا وَقَعَ. وَأَمَّا فِي جِهَتَيْ الجنُوب وَالشِّمَال فَقَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى المُشْرِق وَالمُغْرِب، وَصَلَوَات الله وَسَلَامه عَلَى رَسُوله الصَّادِق الَّذِي لَا يَنْطِق عَنْ الَهْوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْي يُوحَى (٢). وعَنْ تمَيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ الله بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ الله هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ، أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ؛ عِزًّا يُعِزُّ الله بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ الله بِهِ الْكُفْرَ". وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يَقُولُ قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ الْخَيْرُ وَالشَّرَفُ وَالْعِزُّ، وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا الذُّلُّ وَالصَّغَارُ وَالجزْيَةُ (٣). قال الألباني: ولا شك أن دائرة الظهور اتسعت بعد وفاته ﷺ في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، ولا يكون التمام إلا بسيطرة الإسلام على جميع الكرة الأرضية؛ وسيتحقق هذا قطعًا لإخبار الرسول ﷺ بذلك (٤).

стр. 4055

وعَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ﵁ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ وهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلا تَدْعُو الله لَنَا، قَالَ: "كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالمنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحْدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَالله لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَ مَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا الله أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" (١). مبشرات ببلوغ الإسلام أماكن لم يبلغها: وهذه بشارات أخرى توضح ما سبق أن ذكرناه آنفًا، ففي الحديث الصحيح يقول عَبْدَ الله بْنَ عَمْرٍ وبن العاص ﵁: بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ الله ﷺ نَكْتُبُ إِذْ سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ : أَيُّ المدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُوميَّةُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لا، بَلْ مَدِينَةُ هِرَقْلَ أَوَّلًا" (٢). يعني: القسطنطينية. وقد فتحت القسطنطينية في عهد السلطان محمد الفاتح، ونحن ننتظر تحقيق وعد النبي ﷺ في فتح روما بإذن الله تعالى. ومن الأدلة على أن النهاية للإسلام: ما رواه يُسَيْرُ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: هَاجَتْ رِيحٌ حَمْرَاءُ بِالْكُوفَةِ، فَجَاءَ رَجلٌ لَيْسَ لَهُ هِجِّيرَى إِلَّا: يَا عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ جَاءَتْ السَّاعَةُ. قَالَ: فَقَعَدَ وَكَانَ مُتَكئًا، فَقَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى لَا يُقْسَمَ مِيرَاثٌ، وَلَا يُفْرَحَ بِغَنِيمَةٍ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَنَحَّاهَا نَحْوَ الشَّأْمِ. فَقَالَ: عَدُوٌّ يَجْمَعُونَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ وَيَجْمَعُ لَهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، قُلْتُ: الرُّومَ تَعْنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَتَكُونُ عِنْدَ ذَاكُمْ الْقِتَالِ رَدَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَيَشْتَرِطُ المُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجُزَ بَيْنَهُمْ اللَّيْلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ وَتَفْنَى

стр. 4056

الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَشْتَرِطُ المُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجُزَ بَيْنَهُمْ اللَّيْلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَشْتَرِطُ المُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يُمْسُوا، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الرَّابعِ نَهَدَ إِلَيْهِمْ بَقِيَّةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَيَجْعَلُ الله الدَّبْرَةَ عَلَيْهِمْ فَيَقْتُلُونَ مَقْتَلَةً - إِمَّا قَالَ: لَا يُرَى مِثْلُهَا، وَإِمَّا قَالَ: لَمْ يُرَ مِثْلُهَا - حَتَّى إِنَّ الطَّائِرَ لَيَمُرُّ بِجَنبَاتِهِمْ فَمَا يُخَلِّفُهُمْ حَتَّى يَخِرَّ مَيْتًا، فَيَتَعَادُّ بَنُو الْأَبِ كَانُوا مِائَةً فَلَا يَجِدُونَهُ بَقِيَ مِنْهُمْ إِلَّا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ، فَبِأَيِّ غَنِيمَةٍ يُفْرَحُ، أَوْ أَيُّ مِيرَاثٍ يُقَاسَمُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعُوا بِبَأْسٍ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ فَجَاءَهُمْ الصَّرِيخُ: إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَلَفَهُمْ فِي ذَرَارِيِّهِمْ، فَيَرْفُضُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وُيقْبِلُونَ، فَيَبْعَثُونَ عَشَرَةَ فَوَارِسَ طَلِيعَةً؛ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنِّي لَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ وَألوَانَ خُيُولهِمْ، هُمْ خَيْرُ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، أَوْ مِنْ خَيْرِ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ" (١). (شرطة للموت) أي: طائفة من الجيش تقدم للقتال، وقوله: (فيجعل الله الديرة عليهم) أي: الهزيمة (٢). ومن البشريات: عَنْ نَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي غَزْوَةٍ قَالَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَوْمٌ مِنْ قِبَلِ المُغْرِبِ، عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الصُّوفِ، فَوَافَقُوهُ عِنْدَ أَكَمَةٍ، فَإِنَّهُمْ لَقِيَامٌ وَرَسُولُ الله ﷺ قَاعِدٌ. قَالَ: فَقَالَتْ لِي نَفْسِي: ائْتِهِمْ فَقُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ لَا يَغْتَالُونَهُ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: لَعَلَّهُ نَجِيٌّ مَعَهُمْ، فَأَتَيْتُهُمْ فَقُمْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، قَالَ: فَحَفِظْتُ مِنْهُ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ أَعُدُّهُنَّ فِي يَدِي؛ قَالَ: "تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا الله، ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا الله، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا الله، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ الله" (٣).

стр. 4057

قال النووي: هذا الحديث فيه معجزات لرسول الله ﷺ (١). ومن المبشرات: نزول المسيح ﵇ -: عن أبي هريرة ﵁: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي، بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجزْيَةَ، وَيَفِيضَ المُالُ؛ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (النساء: ١٥٩) (٢). قَوْله: (حَكَمًا) أَيْ: يَنْزِل حَاكِمًا بِهَذ الشَّرِيعَة لَا يَنْزِل بِرِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّة وَشَرِيعَة نَاسِخَة، بَلْ هُوَ حَاكِم مِنْ حُكَّام هَذه الْأُمَّة (٣). وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ الله هَذه الْأُمَّةَ" (٤). * * *

стр. 4058

٢٦ - شبهة: رزقي تحت ظل رمحي . نص الشبهة: في قول النبي ﷺ "رزقي تحت ظل رمحي"، يقولون: أن رزقه مبني على الحرب والعدوان، وأن الإسلام لم ينشر إلا بذلك. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: تخريج الحديث، وبيان درجته . الوجه الثاني: بيان معنى الحديث. الوجه الثالث: الأمر بالجهاد في الكتاب والسنة، والهدف منه. الوجه الرابع: بيان أن الإسلام لم يكره أحدًا للدخول فيه. الوجه الخامس: فضل الجهاد في سبيل الله. الوجه السادس: السيف والقتل والتخويف في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل، الوجه الأول: تخريج الحديث، وبيان درجته. عَنِ عبد الله بْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ الله لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمحي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" (١). ومدار حديث ابن عمر على عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان. قال أحمد: أحاديثه مناكير، قال ابن معين: صالح، وقال في موضع آخر: ضعيف. وقال: ليس به بأس، قال أبو حاتم: ثقة، وقال في موضع: تغير عقله في آخر حياته، وهو مستقيم الحديث، وضعفه النسائي، قال ابن حجر: صدوق يخطئ، ورمي بالقدر تغير بآخره.

стр. 4059

وسُئل الدارقطني عن حديث أبي سلمة عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "بعثت بين يدي الساعة وجعل رزقي في ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالفني ومن تشبه بقوم فهو منهم"، فقال: يرويه الأوزاعي واختلف عنه فرواه صدقة بن عبد الله بن السمين وهو ضعيف عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ وخالفه الوليد بن مسلم، رواه عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر وهو الصحيح (١). قال الألباني: وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات غير ابن ثوبان هذا، ففيه خلاف، وقال الحافظ: (صدوق يخطئ وتغير بآخره) (٢)، وقد علق البخاري في "صحيحه" الجملة التي قبل الأخيرة والتي قبلها، ولأبي داود منه الجملة الأخيرة، ولم يتفرد به ابن ثوبان فقال الطحاوي: حدثنا أبو أمية، حدثنا محمد بن وهب بن عطية، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية به. (٣) قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات، غير أبي أمية واسمه محمد بن إبراهيم الطرسوسي، قال الحافظ: (صدوق صاحب حديث يهم). (٤)، والوليد بن مسلم ثقة محتج به في الصحيحين، ولكنه كان يدلس ويسوى؛ فإن كان محفوظًا عنه فيخشى أن يكون سواه! وقد خالفه في إسناده صدقة فقال: عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ به. والحديث صححه الألباني في الإرواء، وانظر طرقه هناك. الوجه الثاني: بيان معنى الحديث . قال ابن حجر: وَفِي قَوْلِهِ: "تَحْتَ ظِلّ رُمحي" إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ظِلَّهُ مَمْدُودٌ إِلَى أَبَدِ الْآبَادِ وَالحكْمَةِ فِي الاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِ الرُّمْحِ دُونَ غَير مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ كَالسَّيْفِ، أَنَّ عَادَتهُمْ

стр. 4060

جَرَتْ بِجَعْلِ الرَّايَاتِ فِي أَطْرَافِ الرُّمْحِ؛ فَلَمَّا كَانَ ظِلّ الرُّمْح أَسْبَغَ كَانَ نِسْبَةُ الرِّزْقِ إِلَيْهِ أليَقَ؛ وَقَدْ تَعَرَّضَ فِي الحدِيثِ الْآخَرِ لِظِلِّ السَّيْفِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ "الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ" (١)، فَنُسِبَ الرِّزْقُ إِلَى ظِلّ الرُّمْح لمِا ذَكَرْتُهُ؛ أَنَّ المقْصُودَ بِذِكْرِ الرُّمْحِ الرَّايَةُ وَنُسِبَتْ الجنَّة إِلَى ظِلِّ السَّيْفِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَقَعُ بِهِ غَالِبًا؛ وَلأَنَّ ظِلّ السَّيْفِ يَكْثر ظُهُورُهُ بِكَثْرَة حَرَكَة السَّيْفِ فِي يَدِ المُقَاتِلِ؛ وَلأَنَّ ظِلّ السَّيْف لَا يَظْهَرُ إِلَّا بَعْدَ الضَّرْبِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ يَكُونُ مَغْمُودًا مُعَلَّقًا (٢). قال ابن بطال: قال المهلب: وفيه أن الرسول ﷺ خص بإحلال الغنائم، وأن رزقه منها بخلاف ما كانت الأنبياء قبله عليه، وخص بالنصر على من خالفه، ونُصر بالرعب، وجعلت كلمة الله العليا هي (٣). قال المناوي: وأطيب كسب المسلم سهمه في سبيل الله: أي ما يكسبه من غنيمة وفيء وسلب قتيل ونحوها، لأن ما حصل بسبب الحرص على نصرة دين الله، ونيل درجة الشهادة، لا شيء أطيب منه، فهو أفضل من البيع وغيره مما مر، لأنه كسب المصطفى ﷺ وحرفته؟ ألا ترى إلى قوله: "جعل رزقي تحت ظل رمحي"، فأفضل الكسب مطلقًا؛ سهم الغازي لما ذكر ثم ما حصل بالاحتراف من عمل اليد لأنه كسب كثير من الأنبياء (٤). وقوله: "بالسيف" خص نفسه به، وإن كان غيره من الأنبياء بعث بقتال أعدائه أيضًا، لأنه لا يبلغ مبلغه فيه أقول، ويحتمل أنه إنما خص نفسه به، لأنه موصوف بذلك في الكتب، فأراد أن يقرع أهل الكتابين ويذكرهم بما عندهم. وقوله: "وجعل رزقي تحت ظل رمحي" قال الديلمي: يعني الغنائم وكان سهم منها له خاصة: يعني أن الرمح سبب تحصيل رزقي، قال العامري: يعني أن معظم رزقه كان

стр. 4061

من ذلك، وإلا فقد كان يأكل من جهات أخرى غير الرمح، كالهدية والهبة وغيرهما، وحكمة ذلك أنه قدوة للخاص والعام؛ فجعل بعض رزقه من جهة الاكتساب وتعاطي الأسباب، وبعضه من غيرها قدوة للخواص من المتوكلين؛ وإنما قال تحت ظل رمحي ولم يقل في سنان رمحي ولا في غيره من السلاح؛ لأن رايات العرب كانت في أطراف الرماح، (وجعل الذل) أي الهوان والخسران (والصغار) بالفتح أي الضيم (١). قال ابن رجب الحنبلي: فالله بعثه داعيًا إلى توحيده بالسيف بعد دعائه بالحجة، فمن لم يستجب إلى التوحيد بالقرآن والحجة والبيان دعي بالسيف، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد: ٢٥). وفي الكتب السالفة وُصف النبي ﷺ بأنه يبعث بقضيب الأدب، وهو السيف. ووصى بعض أحبار اليهود عند موته باتباعه وقال: إنه يسفك الدماء، ويسبي الذراري والنساء، فلا يمنعهم ذلك منه. وروي أن المسيح ﵇ قال لبني إسرائيل في وصف النبي ﷺ : "إنه يسل السيف فيدخلون في دينه طوعًا وكرهًا، فقول المسيح ﵇ ذلك عنه ﷺ منقبة للنبي ﷺ ، لأن الوصف هنا في مقام الوصية لا يكون إلا بالخير، وبما هو من الفضائل، والله أعلم (٢). الوجه الثالث: الأمر بالقتال في الكتاب والسنة، والهدف منه . إن الله هو الذي أمر بالقتال وأمر نبيه ﷺ به، الغرض منه توحيد الله وإعلاء كلمته ، وأن ما يحصلون عليه من غنائم الحرب ليست هي المقصودة من الجهاد، وإنما تأتي تبعًا للهدف الأسمى، وهو الدعوة إلى الله، وفيه أن المسلمون لا يلجأون إلى السيف إلا بعد رفض الإسلام، ثم رفض الجزية.

стр. 4062

وفيه أن الله كفل لنبيه قوته من هذا الطريق حتى لا يشغله عن الدعوة إليه بالسعي في طلب القوت، فأحل له الغنائم ولم تحل لنبي قبله، وفيه أن الجهاد لم يكن المصدر الوحيد للرزق، وإنما يقبل الهدية والهبة. قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (التوبة: ٥) وقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (محمد: ٤). وقد قال النبي ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله" (١). فالغرض من القتال؛ أن يدخل الناس في دين الله ، وقبل القتال يعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا فلا إكراه في الدين، ولكن عليهم الجزية، لأن القوة والمنعة للإسلام، وجزاءً لحماية المسلمين إياهم، فإن أبوا فالقتال؛ حتى لا يكون لأحد على الإسلام والمسلمين شوكة ومنعة، وإنما يفرض عليهم الذل والصغار إلى أن يسلموا. وقد أمر النبي ﷺ بعد الهجرة لما صار له دار وأتباع وقوة ومنعة، وقد كان يتهدد أعداءه بالسيف قبل الهجرة، وكان ﷺ يطوف بالبيت وأشراف قريش قد اجتمعوا بالحجر وَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الرَّجلِ قَطُّ؛ سَفَّهَ أَحْلَامَنَا وَشَتَمَ آبَاءَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَسَبَّ آلِهَتَنَا، لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، فلما مَرَّ بِهِمْ النبي ﷺ غَمَزُوهُ بِبَعْضِ مَا يَقُولُ، قَالَ: فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ مَضَى فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ الثَّانِيَةَ غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ مَضَى ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ الثَّالِثَةَ فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَقَالَ: "تَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ، فَأَخَذَتْ الْقَوْمَ كَلِمَتُهُ؛ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا كَأَنَّمَا عَلَى

стр. 4063

رَأْسِهِ طَائِرٌ وَاقِعٌ؛ حَتَّى إِنَّ أَشَدَّهُمْ فِيهِ وَصَاةً قَبْلَ ذَلِكَ لَيَرْفَؤُهُ بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنْ الْقَوْلِ؛ حَتَّى إِنَّهُ لَيقُولُ انْصَرِفْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ انْصَرِفْ رَاشِدًا فَوَالله مَا كُنْتَ جَهُولًا (١). وقد قال في هذا الحديث الذي معنا: "حتَّى يعبدَ الله وحدَه لا شريكَ لهُ"، وهذا هو المقصود الأعظم من بعثته ﷺ ، بل من بعثة الرسل من قبله كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (الأنبياء: ٢٥)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل ٣٦)، بل هذا هو المقصود من خلق الخلق وإيجادهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (الذاريات: ٥٦) فما خلقهم إلا ليأمرهم بعبادته، وأخذ عليهم العهد لما استخرجهم من صلب آدم ﵇ على ذلك كما قال تعالى: ﴿أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾. (الأعراف: ١٧٢)، وقد تكاثرت الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة في تفسير الآية أنه تعالى استنطقهم حينئذ، فأقروا كلهم بوحدانيته، وأشهدهم على أنفسهم، وأشهد عليهم أباهم آدم والملائكة. وبعث الله الرسل تجدد ذلك العهد الأول، وتدعوا إلى تجديد الإقرار بالوحدانية، ولقد بعث الله نبيه محمدًا ﷺ بالحنفية المحضة، والتوحيد الخالص، دين إبراهيم ﵇، وأمره أن يدعو الخلق كلهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فكان يدعو الناس سرًّا إلى ذلك نحوًا من ثلاث سنين، فاستجاب له طائفة من الناس، ثم أمر بإعلان الدعوة وإظهارها، وقيل له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (الحجر: ٩٤). فدعا إلى الله جهرًا، وأعلن الدعوة، وذم الآلهة التي تُعبد من دون الله، فثار عليه المشركون، واجتهدوا في إيذائه، وفي إطفاء نور الله الذي بعثه به، وهو لا يزداد إلا إعلانًا بالدعوة، وتصميمًا على إظهارها، وإشهارها والنداء بها في مجامع الناس، وقال ﷺ : "لقد

стр. 4064

أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذَى أحد، ولقد أتت علي ثلاثون - من بين يوم وليلة - وما لي طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال (١). فلم يزل ﷺ يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ حتى ظهر دين الله، وأعلن ذكره وتوحيده في المشارق والمغارب، وصارت كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، وتوحيده هو الشائع، وصار الدين كله لله. قال ابن رجب الحنبلي: قوله ﷺ : "وجعل رزقي تحت ظل رمحي": إشارة إلى أن الله لم يبعثه بالسعي في طلب الدنيا، ولا بجمعها واكتنازها، ولا الاجتهاد في السعي في أسبابها، وإنما بعثه داعيًا إلى توحيده بالسيف، ومن لازم ذلك أن يقتل أعداءه الممتنعين عن قبول التوحيد، ويستبيح دماءهم وأموالهم، ويسبي نساءهم وذراريهم، فيكون رزقه مما أفاء الله من أموال أعدائه؛ فإن المال إنما خلقه الله لبني آدم ليستعينوا به على طاعته وعبادته، فمن استعان به على الكفر بالله والشرك به سلط الله عليه رسوله وأتباعه فانتزعوه منه وأعادوه إلى من هو أولى به من أجل عبادة الله وتوحيده وطاعته، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (الأنفال: ٦٩). وقال أيضًا: وكان ﷺ إنما كان يجاهد لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، لا لأجل الغنيمة؛ فيحصل له الرزق تبعًا لعبادته وجهاده في الله، فلا يكون فرغ وقتًا من أوقاته لطلب الرزق محضًا، وإنما عبد الله في جميع أوقاته وحده فيها وأخلص له، فجعل الله له رزقه ميسرًا في ضمن ذلك من غير أن يقصده ولا يسعى إليه. وقال عمر بن عبد العزيز: إن الله تعالى بعث محمدًا هاديًا ولم يبعثه جابيًا، فكان ﷺ شغله بطاعة الله والدعوة إلى التوحيد، وما يحصل في خلال ذلك من الأموال من الفيء والغنائم يحصل تبعًا لا قصدًا أصليًا، ولهذا ذم من ترك الجهاد، واشتغل عنه باكتساب الأموال (٢). الوجه الرابع: بيان أن الإسلام لم يكره أحدًا للدخول فيه (٣).

стр. 4065

يقول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ (البقرة ٢٥٦). يقول ابن كثير: أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورًا (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ ، فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فترك حتى كان الغد، ثم قال له: "ما عندك يا ثمامة؟ " قال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي ما قلت لك، فقال: "أطلقوا ثمامة" فانطلق إلى نجل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت، قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله ﷺ ، ولا والله، لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن فيها النبي ﷺ (٢).
следующие страницы →