من ذلك، وإلا فقد كان يأكل من جهات أخرى غير الرمح، كالهدية والهبة وغيرهما، وحكمة ذلك أنه قدوة للخاص والعام؛ فجعل بعض رزقه من جهة الاكتساب وتعاطي الأسباب، وبعضه من غيرها قدوة للخواص من المتوكلين؛ وإنما قال تحت ظل رمحي ولم يقل في سنان رمحي ولا في غيره من السلاح؛ لأن رايات العرب كانت في أطراف الرماح، (وجعل الذل) أي الهوان والخسران (والصغار) بالفتح أي الضيم (١).
قال ابن رجب الحنبلي: فالله بعثه داعيًا إلى توحيده بالسيف بعد دعائه بالحجة، فمن لم يستجب إلى التوحيد بالقرآن والحجة والبيان دعي بالسيف، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد: ٢٥).
وفي الكتب السالفة وُصف النبي ﷺ بأنه يبعث بقضيب الأدب، وهو السيف. ووصى بعض أحبار اليهود عند موته باتباعه وقال: إنه يسفك الدماء، ويسبي الذراري والنساء، فلا يمنعهم ذلك منه. وروي أن المسيح ﵇ قال لبني إسرائيل في وصف النبي ﷺ : "إنه يسل السيف فيدخلون في دينه طوعًا وكرهًا، فقول المسيح ﵇ ذلك عنه ﷺ منقبة للنبي ﷺ ، لأن الوصف هنا في مقام الوصية لا يكون إلا بالخير، وبما هو من الفضائل، والله أعلم (٢).
الوجه الثالث: الأمر بالقتال في الكتاب والسنة، والهدف منه .
إن الله هو الذي أمر بالقتال وأمر نبيه ﷺ به، الغرض منه توحيد الله وإعلاء كلمته ، وأن ما يحصلون عليه من غنائم الحرب ليست هي المقصودة من الجهاد، وإنما تأتي تبعًا للهدف الأسمى، وهو الدعوة إلى الله، وفيه أن المسلمون لا يلجأون إلى السيف إلا بعد رفض الإسلام، ثم رفض الجزية.
стр. 4062
وفيه أن الله كفل لنبيه قوته من هذا الطريق حتى لا يشغله عن الدعوة إليه بالسعي في طلب القوت، فأحل له الغنائم ولم تحل لنبي قبله، وفيه أن الجهاد لم يكن المصدر الوحيد للرزق، وإنما يقبل الهدية والهبة.
قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (التوبة: ٥) وقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (محمد: ٤).
وقد قال النبي ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله" (١).
فالغرض من القتال؛ أن يدخل الناس في دين الله ، وقبل القتال يعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا فلا إكراه في الدين، ولكن عليهم الجزية، لأن القوة والمنعة للإسلام، وجزاءً لحماية المسلمين إياهم، فإن أبوا فالقتال؛ حتى لا يكون لأحد على الإسلام والمسلمين شوكة ومنعة، وإنما يفرض عليهم الذل والصغار إلى أن يسلموا.
وقد أمر النبي ﷺ بعد الهجرة لما صار له دار وأتباع وقوة ومنعة، وقد كان يتهدد أعداءه بالسيف قبل الهجرة، وكان ﷺ يطوف بالبيت وأشراف قريش قد اجتمعوا بالحجر وَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الرَّجلِ قَطُّ؛ سَفَّهَ أَحْلَامَنَا وَشَتَمَ آبَاءَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَسَبَّ آلِهَتَنَا، لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، فلما مَرَّ بِهِمْ النبي ﷺ غَمَزُوهُ بِبَعْضِ مَا يَقُولُ، قَالَ: فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ مَضَى فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ الثَّانِيَةَ غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ مَضَى ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ الثَّالِثَةَ فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَقَالَ: "تَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ، فَأَخَذَتْ الْقَوْمَ كَلِمَتُهُ؛ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا كَأَنَّمَا عَلَى
стр. 4063
رَأْسِهِ طَائِرٌ وَاقِعٌ؛ حَتَّى إِنَّ أَشَدَّهُمْ فِيهِ وَصَاةً قَبْلَ ذَلِكَ لَيَرْفَؤُهُ بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنْ الْقَوْلِ؛ حَتَّى إِنَّهُ لَيقُولُ انْصَرِفْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ انْصَرِفْ رَاشِدًا فَوَالله مَا كُنْتَ جَهُولًا (١).
وقد قال في هذا الحديث الذي معنا: "حتَّى يعبدَ الله وحدَه لا شريكَ لهُ"، وهذا هو المقصود الأعظم من بعثته ﷺ ، بل من بعثة الرسل من قبله كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (الأنبياء: ٢٥)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل ٣٦)، بل هذا هو المقصود من خلق الخلق وإيجادهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (الذاريات: ٥٦) فما خلقهم إلا ليأمرهم بعبادته، وأخذ عليهم العهد لما استخرجهم من صلب آدم ﵇ على ذلك كما قال تعالى: ﴿أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾. (الأعراف: ١٧٢)، وقد تكاثرت الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة في تفسير الآية أنه تعالى استنطقهم حينئذ، فأقروا كلهم بوحدانيته، وأشهدهم على أنفسهم، وأشهد عليهم أباهم آدم والملائكة.
وبعث الله الرسل تجدد ذلك العهد الأول، وتدعوا إلى تجديد الإقرار بالوحدانية، ولقد بعث الله نبيه محمدًا ﷺ بالحنفية المحضة، والتوحيد الخالص، دين إبراهيم ﵇، وأمره أن يدعو الخلق كلهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فكان يدعو الناس سرًّا إلى ذلك نحوًا من ثلاث سنين، فاستجاب له طائفة من الناس، ثم أمر بإعلان الدعوة وإظهارها، وقيل له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (الحجر: ٩٤).
فدعا إلى الله جهرًا، وأعلن الدعوة، وذم الآلهة التي تُعبد من دون الله، فثار عليه المشركون، واجتهدوا في إيذائه، وفي إطفاء نور الله الذي بعثه به، وهو لا يزداد إلا إعلانًا بالدعوة، وتصميمًا على إظهارها، وإشهارها والنداء بها في مجامع الناس، وقال ﷺ : "لقد
стр. 4064
أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذَى أحد، ولقد أتت علي ثلاثون - من بين يوم وليلة - وما لي طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال (١).
فلم يزل ﷺ يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ حتى ظهر دين الله، وأعلن ذكره وتوحيده في المشارق والمغارب، وصارت كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، وتوحيده هو الشائع، وصار الدين كله لله.
قال ابن رجب الحنبلي: قوله ﷺ : "وجعل رزقي تحت ظل رمحي": إشارة إلى أن الله لم يبعثه بالسعي في طلب الدنيا، ولا بجمعها واكتنازها، ولا الاجتهاد في السعي في أسبابها، وإنما بعثه داعيًا إلى توحيده بالسيف، ومن لازم ذلك أن يقتل أعداءه الممتنعين عن قبول التوحيد، ويستبيح دماءهم وأموالهم، ويسبي نساءهم وذراريهم، فيكون رزقه مما أفاء الله من أموال أعدائه؛ فإن المال إنما خلقه الله لبني آدم ليستعينوا به على طاعته وعبادته، فمن استعان به على الكفر بالله والشرك به سلط الله عليه رسوله وأتباعه فانتزعوه منه وأعادوه إلى من هو أولى به من أجل عبادة الله وتوحيده وطاعته، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (الأنفال: ٦٩).
وقال أيضًا: وكان ﷺ إنما كان يجاهد لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، لا لأجل الغنيمة؛ فيحصل له الرزق تبعًا لعبادته وجهاده في الله، فلا يكون فرغ وقتًا من أوقاته لطلب الرزق محضًا، وإنما عبد الله في جميع أوقاته وحده فيها وأخلص له، فجعل الله له رزقه ميسرًا في ضمن ذلك من غير أن يقصده ولا يسعى إليه.
وقال عمر بن عبد العزيز: إن الله تعالى بعث محمدًا هاديًا ولم يبعثه جابيًا، فكان ﷺ شغله بطاعة الله والدعوة إلى التوحيد، وما يحصل في خلال ذلك من الأموال من الفيء والغنائم يحصل تبعًا لا قصدًا أصليًا، ولهذا ذم من ترك الجهاد، واشتغل عنه باكتساب الأموال (٢).
الوجه الرابع: بيان أن الإسلام لم يكره أحدًا للدخول فيه (٣).
стр. 4065
يقول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ (البقرة ٢٥٦).
يقول ابن كثير: أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورًا (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ ، فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فترك حتى كان الغد، ثم قال له: "ما عندك يا ثمامة؟ " قال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي ما قلت لك، فقال: "أطلقوا ثمامة" فانطلق إلى نجل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت، قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله ﷺ ، ولا والله، لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن فيها النبي ﷺ (٢).
стр. 4066
وفي هذا الحديث بيان حسن خلقه ﷺ ، ولو كان سفكًا للدماء كما يُقال ما كلمه، ولا أمهله، فاقْتَصَرَ فِي الْيَوْم الثَّالِث عَلَى الْإِجْمَال تَفْوِيضًا إِلَى جَمِيل خُلُقه ﷺ .
وفي الحديث تعْظِيم أَمْر الْعَفْو عَنْ المُسِيء؛ لِأَنَّ ثمامَة أَقْسَمَ أَنَّ بُغْضه اِنْقَلَبَ حُبًّا فِي سَاعَة وَاحِدَة لمِا أَسَدَاهُ النَّبِيّ ﷺ إِلَيْهِ مِنْ الْعَفْو وَالمُنّ بِغَيْرِ مُقَابِل (١).
وقد كان النبي ﷺ كما قال أبو مُوسَى: كَانَ رَسولُ الله ﷺ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا. (٢)
فأين ذكر السيف والكلام؟ .
وفي هذا الحديث الأمر بالتبشير بفضل الله وعظيم ثوابه، والنهي عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد لحظة من غير ضمها إلى التبشير (٣).
ولكن هناك حديث قد يتوهم البعض أن فيه غدرًا.
فعن ابْنِ عَوْنٍ قَالَ كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلهُ عَنْ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ؟ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَدْ أَغَارَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى بَنِي المُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى المَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى سَبْيَهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ قَالَ يَحْيَى أَحْسِبُهُ قَالَ جُوَيْرِيَةَ ابْنَةَ الحارِثِ. وَحَدَّثَنِي هَذَا الحدِيثَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ وَكَانَ فِي ذَاكَ الجيْشِ (٤).
قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث: جَوَاز الْإِغَارَة عَلَى الْكُفَّار الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَة مِنْ غَيْر إِنْذَار بِالْإِغَارَةِ. ويَجِب الإنذار إِنْ لَمْ تَبْلُغهُمْ الدَّعْوَة، وَلَا يَجِب إِنْ بَلَغَتْهُمْ، لَكِنْ يُسْتَحَبّ.
وقد كان ﷺ يأمر الأمراء على البعوث ويوصيهم بأشياء تدل على أن هذا الدين لم ينتشر بالحدة مطلقًا، فعن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسولُ الله ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ؛ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى الله وَمَنْ مَعَهُ مِنْ المُسْلِمِينَ خَيْرًا؛ ثُمَّ قَالَ: "اغْزُوا بِاسْمِ الله فِي سَبِيلِ
وَمَعْنَى الْحَدِيث: أَنَّ الله تَعَالَى ضَمِنَ أَنَّ الخارِج لِلْجِهَادِ يَنَال خَيْرًا بِكُلِّ حَال، فَإِمَّا أَنْ يُسْتَشْهَد فَيَدْخُل الْجَنَّة، وَإِمَّا أَنْ يَرْجِع بِأَجْرٍ، وَإِمَّا أَنْ يَرْجِع بِأَجْرٍ وَغَنِيمَة (١).
الوجه السادس: السيف والقتل والتخويف في الكتاب المقدس .
للسيف في اللغة العربية سبعة أسماء؛ ومع ذلك لم يذكر ولا مرة في القرآن الكريم أما في الكتاب المقدس فله اسم واحد ومع ذلك ذكر ٣٩٠ مرة، فنجد كثيرًا من الأسفار في الكتاب المقدس أنه يتحدث عن السيف والقتل والتخويف؛ فقد جاء في سفر صموئيل الأول (٢٥/ ١٣: ١٠): فَأَجَابَ نَابَالُ عَبِيدَ دَاوُدَ وَقَالَ: "مَنْ هُوَ دَاوُدُ؟ وَمَنْ هُوَ ابْنُ يَسَّى؟ قَدْ كَثُرَ الْيَوْمَ العَبِيدُ الَّذِينَ يَقْحَصُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَمَامِ سَيِّدِهِ. أَآخُذُ خُبْزِي وَمَائِي وَذَبِيحِيَ الَّذِي ذَبَحْتُ لِجَازِّيَّ وَأُعْطِيهِ لِقَوْمٍ لا أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُمْ؟ ". فَتَحَوَّلَ غِلْمَانُ دَاوُدَ إِلَى طَرِيقِهِمْ رَرَجَعُوا وَجَاءُوا وَأَخْبَرُوهُ حَسَبَ كُلِّ هذَا الْكَلامِ. فَقَالَ دَاوُدُ لِرِجَالِهِ: "لِيَتَقَلَّدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ سَيْفَهُ". فَتَقَلَّدَ كُلُّ وَاحِدٍ سَيْفَهُ، وَتَقَلَّدَ دَاوُدُ أَيْضًا سَيْفَهُ. وَصَعِدَ وَرَاءَ دَاوُدَ نَحْوُ أَرْبَعِ مِئَةِ رَجُل، وَمَكَثَ مِئَتَانِ مَعَ الأَمْتِعَةِ.
وفي سفر القضاة (١٨/ ٢٨: ٢٧): وَأَمَّا هُمْ فَأَخَذُوا مَا صَنَعَ مِيخَا، وَالْكَاهِنَ الَّذِي كَانَ لَهُ، وَجَاءُوا إِلَى لايِشَ إِلَى شَعْبٍ مُسْتَرِيحٍ مُطْمَئِنٍّ، وَضَرَبُوهُمْ بِحَدِّ السَّيْفِ وَأَحْرَقُوا المدِينَةَ بِالنَّارِ. وَلَمْ يَكُنْ مَنْ يُنْقِذُ لأَنَّهَا بَعِيدَةٌ عَنْ صِيْدُونَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمْرٌ مَعَ إِنْسَانٍ، وَهِيَ فِي الْوَادِي الَّذِي لِبَيْتِ رَحُوبَ. فَبَنَوْا المُدِينَةَ وَسَكَنُوا بِهَا. (٢)
* * *
стр. 4071
٢٧ - شبهة: رواية الإسرائيليات في السنة .
نص الشبهة:
دارت الشبهة في هذا الموضوع على بعض المحاور:
١ - رواية كثير من المسلمين عن اليهود والنصارى.
٢ - رواية الصحابة والتابعين عن أهل الكتاب.
٣ - اتهامهم بالأخص من الصحابة: عبد الله بن سلام، كعب الأحبار، وهب بن منبه.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: تمهيد، وفيه بيان منشأ رواية الإسرائيليات .
الوجه الثاني: بيان المراد بالإسرائيليات ومدى الصلة بينها وبين القرآن والسنة، وأقسامها.
الوجه الثالث: موقف العلماء من الإسرائيليات.
الوجه الرابع: مبدأ دخول الإسرائيليات على المسلمين.
الوجه الخامس: ضعف السند إلى الصحابي أو التابعي.
الوجه السادس: رواية الكذب ليس معناها أن الراوي هو الذي اختلقه وبيان صدق من روى، أو روى عنه الإسرائيليات.
وإليك بالتفصيل،
الوجه الأول: تمهيد، وفيه بيان منشأ رواية الإسرائيليات.
من المعلوم أن الله جل وعلا أرسل الرسل وأنزل الكتب لتوحيده وعبادته، وأن هناك أصولًا مشتركة اتفقت عليها جميع الأديان والرسالات، فالعقائد وأصول الفضائل والأخلاق والآداب، والضرورات التي جاءت جميع الشرائع بحفظها، هذه أمور مقررة في كل دين، ولا تختلف باختلاف الأزمان، ولا باختلاف الرسالات، قال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: ١٣)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ
стр. 4072
رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (الأنبياء: ٢٥).
وأما تفصيلات الشرائع العملية، فهي تختلف من دين لآخر، فما يصلح لزمان قد لا يصلح لزمان آخر، وما يلائم طبيعة قوم قد لا يلائم آخرين، ولذا قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤٨)، ثم إن الكتب السماوية السابقة قد طواها الزمن، ولم يصل إلينا منها غير التوراة والإنجيل، ولم يسلما مع ذلك من التحريف والتبديل، وأما القرآن فقد كتب الله له الخلود، وحفظه من الضياع والتحريف والتبديل، فجاء مصدِّقًا لما سبقه من الكتب، مؤكدًا على الجانب الذي دعا إليه كل الأنبياء، وقامت عليه جميع الرسالات، وفي الوقت نفسه جاء مهيمنًا وحاكمًا وشاهدًا عليها، يبين ما طرأ عليها من تحريف وتغيير وتبديل، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه فهو باطل، وقد وصفه الله بهذين الوصفين بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (المائدة: ٤٨).
وقد كان لاختلاط المسلمين بأهل الكتاب ومجاورتهم لهم، ودخول كثير منهم في الإسلام، أثره في نقل كثير من أخباره وإلا فإنه يشمل أخبار أهل الكتابين معًا اليهود والنصارى على حد سواء، ولعل مما أسهم في انتقال تلك الأخبار أن من منهج القرآن في سرد القصص والحوادث الاقتصار على مواضع العظة والعبرة، وعدم التعرض للتفاصيل والجزئيات، والنفوس تتشوف لمعرفة جزئيات الحوادث، وتفصيل مجملات القصص، وأخبار بدء الخلق والتكوين وما أشبه ذلك، أضف إلى ذلك وجود الإذن النبوي في التحديث عن بني إسرائيل من غير حرج، فكان بعض الصحابة ﵃ يسألون عن ذلك بالقدر الذي يرون أنه موضح للقصة، ومبين لما أجمل في القرآن، من غير أن يخرجوا عن دائرة الجواز والإذن النبوي.
ولكن الناس بعد ذلك توسعوا في رواية هذه الأخبار فدخلت كثير من أباطيل أهل الكتاب وخرافاتهم وترهاتهم على المسلمين، ونسب الكثير منها إلى الرسول ﷺ ، وإلى صحابته - رضوان الله عليهم - وإلى أئمة الإسلام، حتى اتخذها بعض المتأخرين مادة
стр. 4073
يشرحون بها نصوص القرآن، ومُلئت بها كتب التفسير، مما شكل خطرًا بالغًا على عقائد المسلمين بما تضمنته من تشبيه لله تعالى، ووصفه بما لا يليق بجلاله وكماله، وبما يتنافى مع عصمة الأنبياء والمرسلين، إضافة إلى تشويهها لصورة الإسلام، وتصويره في صورة دين خرافي يستخف بالعقول، ويعنى بالترهات والأباطيل.
وقد دخل في الحديث من ذلك ما دخل في التفسير، وكان الذين دسوا مثل هذه الأخبار ونسبوها إلى الرسول ﷺ في الأعم الأغلب طائفتان هما: الزنادقة الذين أظهروا الإسلام ودخلوا فيه عن خبث طوية بغرض الطعن والافتراء، والقُصاص الذي روجوا لتلك الأخبار ليستميلوا وجوه العوام إليهم، ويستدروا ما عندهم عن طريق التحديث بالمناكير والغرائب والأكاذيب، وقد وجدت هاتان الطائفتان في مرويات أهل الكتاب وأساطير القدماء مادة خصبة لتحقيق أغراضهم.
ولم يكن أمرهم ليخفى على المحدِّثين الذين تصدوا لهذه الظاهرة، وكشفوا حقيقة هذه الأخبار وبينوا زيفها وكذبها، ووزنوا الروايات بميزان دقيق، وطبقوا عليها منهجهم الفريد في النقد وسبر المرويات، شأنها شأن غيرها من الأخبار المختلقة الموضوعة، كما يظهر ذلك من خلال ما كتبوه في علوم الحديث، وتراجم الرجال، والأحاديث الموضوعة، والمشتهرة على الألسنة، إلى غير ذلك، ومع ذلك اتخذت هذه الإسرائيليات - مع الأسف الشديد - مدخلًا للطعن في أئمة الإسلام وعلمائه ممن كان لهم في الإسلام قدم راسخة، حتى كادت تذهب بالثقة في بعض الصحابة والتابعين، الذي عرفوا بالثقة والديانة، واشتهروا بين المسلمين بالتفسير والحديث، وذلك بسبب ما أسند إليهم من هذه الإسرائيليات، حيث اتهموا بأبشع الاتهامات من قبل بعض المستشرقين ومن مشى في ركابهم، وعدُّوهم مضللين مدسوسين على الإسلام وأهله. (١)
الوجه الثاني: بيان المراد بالإسرائيليات ومدى الصلة بينها وبين القرآن والسنة، وأقسامها .
стр. 4074
الإسرائيليات جمع مفرده إسرائيلية، وهي قصة أو حادثة تُروى عن مصدر إسرائيلي والنسبة فيها إلى إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم أبو الأسباط الإثنى عشر، وإليه يُنسب اليهود.
وهي: الأخبار المنقولة عن بني إسرائيل من اليهود وهو الأكثر، أو من النصارى.
ولفظ الإسرائيليات وإن كان يدل بظاهره على اللون اليهودى للتفسير، وما كان للثقافة اليهودية من أثر ظاهر فيه، إلا أنَّا نريد به ما هو أوسع من ذلك وأشمل، فنريد به ما يعم اللون اليهودي واللون النصراني للتفسير، وما تأثر به التفسير من الثقافتين اليهودية والنصرانية. فهو في الاصطلاح يدل على كل ما تطرق إلى التفسير والحديث من أساطير قديمة منسوبة في أصل روايتها إلى مصدر يهودي أو نصراني أو غيرهما، بل توسع بعض المفسرين والمحدثين فعدوا من الإسرائيليات ما دسه أعداء الإسلام من اليهود وغيرهم على التفسير والحديث من أخبار لا أصل لها في مصدر قديم، وإنما هي أخبار من صنع أعداء الإسلام صنعوها بخبث نية وسوء طوية، ثم دسوها على التفسير والحديث ليفسدوا بها عقائد المسلمين.
وإنما أطلقنا على جميع ذلك لفظ "الإسرائيليات"، من باب التغليب للجانب اليهودي على الجانب النصراني، فإن الجانب اليهودي هو الذي اشتهر أمره فكثر النقل عنه، وذلك لكثرة أهله، وظهور أمرهم، وشدة اختلاطهم بالمسلمين من مبدأ ظهور الإسلام إلى أن بسط رواقه على كثير من بلاد العالم ودخل الناس في دين الله أفواجًا. (١)
أقسام الإسرائيليات:
وتنقسم هذه الأخبار إلى ثلاثة أنواع:
الأول: ما أقره الإسلام، وشهد بصدقه فهو حق وما علمنا صحته مما بأيدينا من القرآن والسنة، والقرآن هو الكتاب المهيمن والشاهد على الكتب السماوية قبله فما وافقه فهو حق وصدق وما خالفه فهو باطل وكذب، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
стр. 4075
الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة ٥٠: ٤٧) وماعلم صحته بأن نُقِل عن النبي ﷺ نقلًا صحيحًا، مثاله: ما رواه البخاري وغيره عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع فيقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ (الزمر: ٦٧)، وذلك كتعيين اسم صاحب موسى ﵇ بأنه الخضر، فقد جاء هذا الاسم صريحًا على لسان رسول الله ﷺ كما عند البخاري، أو كان له شاهد من الشرع يؤيده. وهذا القسم صحيح مقبول.
الثاني: ما أنكره الإسلام وشهد بكذبه فهو باطل وعلم كذبه بأن يناقض ما عرفناه من شرعنا، أو كان لا يتفق مع العقل، وهذا القسم لا يصح قبوله ولا روايته. مثاله ما رواه البخاري عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها، جاء الولد أحول؛ فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (البقرة: ٢٢٣)، ومثل ما ذكروه في قصص الأنبياء من أخبار تطعن في عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كقصة يوسف وداود وسليمان، ومثل ما ذكروه في توراتهم من أن الذبيح إسحاق لا إسماعيل، فهذا لا تجوز روايته وذكره إلا مقترن ببيان كذبه، وأنه مما حرفوه وبدلوه قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (المائدة: ١٣)، وفي هذا القسم ورد النهي عن النبي ﷺ للصحابة عن روايته، والزجر عن أخذه عنهم وسؤالهم عنه.
стр. 4076
قال الإمام مالك: في حديث: "حدثو اعن بني إسرائيل ولا حرج" المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن، أما ما علم كذبه فلا، ولعل هذا هو المراد من قوله ﷺ : "يَا مَعْشَرَ المسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْألونَ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِالله، تَقْرَءُونَهُ لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّكُمُ الله أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ الله وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمُ الْكِتَابَ، فَقَالُوا هُوَ مِنْ عِنْدِ الله، لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أَفَلا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ، وَلا وَالله مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْألُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ" (١)
الثالث: ما لم يقره الإسلام، ولم ينكره، وهو مسكوت عنه، فيجب التوقف فيه، فلا نؤمن به ولا نُكذِّبه، وتجوز حكايته لما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ (العنكبوت: ٤٦)، ولكن التحدث بهذا النوع جائز، إذا لم يخش محذور؛ لقول النبي ﷺ : "بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". (٢)
وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني؛ كتعيين لون كلب أصحاب الكهف ونحوه. ثم إذا جاء شيء من هذا القبيل - أعنى ما سكت عنه الشرع ولم يكن فيه ما يؤيده أو يفنده - عن أحد من الصحابة بطريق صحيح، فإن كان قد جزم به فهو كالْقِسم الأول، يُقبل ولا يُرد، لأنه لا يعقل أن يكون قد أخذه عن أهل الكتاب بعد ما علم من نهى رسول الله ﷺ عن تصديقهم. وإن كان لم يجزم به فالنفس أسكن إلى قبوله، لأن احتمال أن يكون الصحابي قد سمعه من النبي ﷺ ، أو ظن سمعه منه، أقوى من احتمال السماع من أهل الكتاب، ولا سيما بعد ما تقرر من أن أخذ الصحابة عن أهل الكتاب كان قليلًا بالنسبة لغيرهم من التابعين ومَن
стр. 4077
يليهم. أما إن جاء شيء من هذا عن بعض التابعين، فهو مما يُتوقف فيه ولا يُحكم عليه بصدق ولا بكذب، وذلك لقوة احتمال السماع من أهل الكتاب، لما عُرفوا به من كثرة الأخذ عنهم، وبُعد احتمال كونه مما سُمع من رسول الله ﷺ ، وهذا إذا لم يتفق أهل الرواية من علماء التفسير على ذلك، أما إن اتفقوا عليه. فإنه يكون أبعد من أن يكون مسموعًا من أهل الكتاب، وحينئذ تسكن النفس إلى قبوله والأخذ به، والله أعلم.
ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدتهم، وعصا موسي من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ (الكهف: ٢٢).
فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا؛ فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته؛ إذ لو كان باطلًا لرده كما ردهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فيقال في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه، فلهذا قال: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي: لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك؛ فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجْم الغيب فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف، أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن ينبه على الصحيح منها، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيشتغل به عن الأهم. فأما من حكي خلافًا في مسألة ولم يستوعب
стр. 4078
أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه أو يحكى الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضًا. فإن صحح غير الصحيح عامدًا فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكي أقوالًا متعددة لفظًا، ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان، وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبي زور. والله الموفق للصواب (١).
فائدة: حكم سؤال أهل الكتاب عن شيء من أمور الدين:
أما سؤال أهل الكتاب عن شيء من أمور الدين فإنه حرام لما رواه الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء؛ فإنهم لن يهدوكم، وقد ضلوا، فإنكم إما أن تصدقوا بباطل، أو تكذبوا بحق، وإنه لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني" (٢).
والإسرائيليات مرفوضة عن العلماء على البتات فأعرض عن سطورها بصرك وأصمم عن سماعها أذنيك فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالًا ولا تزيد فؤادك إلا خبالًا.
قَالَ اِبْن بَطَّال عَنْ المهَلَّب: هَذَا النَّهْي إِنَّمَا هُوَ فِي سُؤَالهمْ عَمَّا لَا نَصَّ فِيهِ، لِأَنَّ شَرَعْنَا مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ فَإِذَا لَمْ يُوجَد فِيهِ نَصّ فَفِي النَّظَر وَالاسْتِدْلَال غِنًى عَنْ سُؤَالهمْ، وَلَا يَدْخُل فِي النَّهْي سُؤَالهمْ عَنْ الْأَخْبَار المصَدِّقَة لِشَرْعِنَا وَالْأَخْبَار عَنْ الْأُمَم السَّالِفَة، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فَائرَاد بِهِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ، وَالنَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ عَنْ سُؤَال مَنْ لَمْ يُؤْمِن مِنْهُمْ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْأَمْر يَخْتَصّ بِمَا يَتَعَلَّق بِالتَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَة.
стр. 4079
المحَمَّدِيَّة وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَالنَهْي عَمَّا سِوَى ذَلِكَ. (١)
الوجه الثالث: موقف العلماء من الإسرائيليات .
اختلفت مواقف العلماء، ولا سيما المفسرون من هذه الإسرائيليات على ثلاثة أنحاء:
أ - فمنهم من أكثر منها مقرونة بأسانيدها، ورأي أنه بذكر أسانيدها خرج من عهدتها، مثل ابن جرير الطبري ﵀.
ب - ومنهم من أكثر منها، وجردها من الأسانيد غالبا، فكان حاطب ليل مثل البغوي الذي قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن تفسيره: إنه مختصر من الثعلبي، لكنه صانه عن الأحاديث الموضوعية والآراء المبتدعة، وقال عن الثعلبي: إنه حاطب ليل ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع.
ج - ومنهم من ذكر كثيرًا منها، وتعقب البعض مما ذكره بالتضعيف أو الإنكار مثل ابن كثير.
د - ومنهم من بالغ في ردها ولم يذكر منها شيئا يجعله تفسيرًا للقرآن كمحمد رشيد رضا (٢).
الواقع أنّ إيراد المفسّرين لأخبار أهل الكتاب - وهي المسمّاة بالإسرائيليّات - لم يكن يومًا لأخذ ما فيها من مفاهيم وأحكام ووجهات نظر. وإنّما كانت محاولة لسدّ الفجوات التاريخيّة الّتي كان يشعر المسلمون بوجودها. فالقرآن الكريم، وكذلك السنّة النبويّة لم يفصِّلا في تاريخ بدء الخليقة وأخبار الأمم السابقة، وإنّما اقتصرا على ما يحقّق غاية الهداية والتشريع، فكان لدى بعض المسلمين فضول في معرفة هذه التفاصيل، فلجئوا إلى أهل الكتاب يسمعون ما عندهم من أخبار، قد تكون صحيحة وقد تكون كاذبة، إلاّ أنّها في كلّ الأحوال ليست من الدين في شيء، وإنّما هي أخبار تاريخيّة فقط، ولا يضرّ المسلمين في شيء أن يصدّقوها أو يكذّبوها ما دامت لا تمسّ شيئًا من العقائد والأحكام الشرعيّة،
стр. 4080
وهذا هو مفهوم حديث رسول الله ﷺ روى عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانيّة، ويفسّرونها بالعربيّة لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنّا بالله وما أُنزل إلينا وما أُنْزل إليكم" (١).
وقد عبّر "ابن خلدون" عن هذه النظرة تعبيرًا واضحًا إذ قال: "والسبب في ذلك أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنّما غلبت عليهم البداوة والأميّة، وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوّق إليه النفوس البشريّة في أسباب المكوّنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الّذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلاّ ما تعرفه العامّة من أهل الكتاب ومعظمهم من حِمير الّذين أخذوا بدين اليهوديّة، فلمّا أسلموا بقوا على ما كان عندهم ممّا لا تعلّق له بالأحكام الشرعيّة الّتي يحتاطون لها، مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحِدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبّه وعبد الله بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم، وفي أمثال هذه الأغراض أخبارًا موقوفة عليهم، وليست ممّا يَرجع إلى الأحكام فتُتحرّى فيها الصحّة الّتي يجب بها العمل هذا في التفسير من حيث هو تفسير. إلاّ أنّ هذا الفرع من المعارف الإسلاميّة - وإن عدّه العلماء المسلمون علمًا قائمًا بذاته - قد حوي أنواعًا من العلوم الإسلاميّة. فالمفسّر حين يكون بصدد تفسير آية تشريعيّة يكون بحثه "فقهيًّا". وحين يكون بصدد تفسير آيات العقائد، يكون بحثه ملحقًا بعلم التوحيد وأصول الدين. وحين يتعرّض للآيات الّتي تتكلّم عن بدء الخليقة والأمم السالفة، فإنّ بحثه سيكون على صلة بالتاريخ، وهكذا. لذلك فإنّ ما يقال في هذه العلوم بوصفها مستقلّة يقال عنها أيضًا بوصفها جزءًا من كتب التفسير، من حيث إنّ الموضوع هو واحد. ولن تتغيّر عقليّة الكاتب بين أن يكون مصنِّفًا لكتاب في التوحيد - مثلًا - وأن يكون
стр. 4081
مصنِّفًا لكتاب في التفسير (١).
الاختلاف في التفسير على نوعين: منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك؛ إذ العلم إما نقل مصدق وإما استدلال محقق، والمنقول إما عن المعصوم وإما عن غير المعصوم، والمقصود بأن جنس المنقول سواء كان عن المعصوم أو غير المعصوم، وهذا هو النوع الأول منه ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف، ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه. وهذا القسم الثاني من المنقول؛ وهوما لا طريق لنا إلى الجزم بالصدق منه عامته مما لا فائدة فيه، فالكلام فيه من فضول الكلام.
وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته، فإن الله نصب على الحق فيه دليلًا، فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه: اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف، وفي البعض الذي ضرب به موسى من البقرة، وفي مقدار سفينة نوح وما كان خشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك. فهذه الأمور طريق العلم بها النقل، فما كان من هذا منقولًا نقلًا صحيحًا عن النبي ﷺ كاسم صاحب موسى أنه الخضر - فهذا معلوم، وما لم يكن كذلك بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب - كالمنقول عن كعب ووهب ومحمد بن إسحاق وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب - فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه".
وكذلك ما نقل عن بعض التابعين، وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض، وما نقل في ذلك عن بعض الصحابة نقلًا صحيحًا فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين؛ لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي ﷺ أو من بعض من سمعه منه أقوى؛ ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين، ومع جزم الصاحب فيما يقوله، فكيف يقال: إنه أخذه عن
стр. 4082
أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم؟ والمقصود أن مثل هذا الاختلاف الذي لا يعلم صحيحه، ولا تفيد حكاية الأقوال فيه، هو كالمعرفة لما يروى من الحديث الذي لا دليل على صحته وأمثال ذلك.
وأما القسم الأول، الذي يمكن معرفة الصحيح منه، فهذا موجود فيما يحتاج إليه ولله الحمد (١).
الوجه الرابع: مبدأ دخول الإسرائيليات على المسلمين .
نستطيع أن نقول: إن دخول الإسرائيليات على المسلمين، أمر يرجع إلى عهد الصحابة ﵃، وذلك نظرًا لاتفاق القرآن مع التوراة والإنجيل في ذكر بعض المسائل كما تقدَّم، مع فارق واحد، هو الإيجاز في القرآن، والبسط والإطناب في التوراة والإنجيل. وأن الرجوع إلى أهل الكتاب، كان مصدرًا من مصادر التفسير عند الصحابة، فكان الصحابي إذا مَرَّ على قصة من قصص القرآن يجد من نفسه ميلًا إلى أن يسأل عن بعض ما طواه القرآن منها ولم يتعرض له، فلا يجد مَن يجيبه على سؤاله سوى هؤلاء النفر الذين دخلوا في الإسلام، وحملوا إلى أهله ما معهم من ثقافة دينية، فألقوا إليهم ما ألقوا من الأخبار والقصص الديني (٢).
شبهة أخرى: الرد على قولهم أن الصحابة والتابعين ﵃ رووا كثيرًا عن أهل الكتاب:
أولًا: جواز الرواية عن بني إسرائيل مالا يخالف شريعتنا:
قال ﷺ : "بلِّغُوا عنِّي ولو آيةً، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَجَ، ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأْ مقعده من النار".
هذه الأحاديث الإسرائيلية تُذكر للاستشهاد، لا للاعتضاد. فإنها على ثلاث: أحدها: ما علمنا صحتَه مما بأيدينا مما نشهدُ له بالصدق، فذاك صحيح. والثاني: ما علمنا كذبَه بما عندنا مما يخالفه. والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا
стр. 4083
نؤمِنُ به ولا نكذّبه، وتجوزُ حكايتُه لا تقدّم (١).
وقد تقدم بيان اختلاف العلماء وأقسام الإسرائيليات في صدر الكلام.
ثانيًا: أن الصحابة ﵃ كانوا أعلم الناس بأمور دينهم .
وقد خصهم الله بالعلم والفهم، والورع والتقى، وسبق لهم من الفضل على لسان نبيهم ما ليس لأحدٍ بعدهم، ومن شكَّ في ذلك فعليه أن يراجع دينه وإيمانه قال الإمام الشافعي، بعد أن ذكرهم وذكر من تعظيمهم وفضلهم: وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمرٍ استُدْرِك به عليهم، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا. وما ثبت من أن بعض الصحابة كأبي هريرة وابن عباس ﵃ وغيرهما كانوا يرجعون إلى بعض من أسلم من أهل الكتاب، فهو أمر لا يعيبهم ولا ينقص من قدرهم وعلمهم.
ثالثا: أن الصحابة ﵃ لم يسألوا أهل الكتاب عن كل شيء .
بل كانوا يسألون عن أشياء لا تعدو أن تكون توضيحًا للقصة وبيانًا لما أجمله القرآن منها، مع توقفهم فيما يُلقى إليهم، فلا يحكمون عليه بصدق أو بكذب ما دام يحتمل كلا الأمرين، امتثالًا لقول الرسول ﷺ : "لا تُصَدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾.
كما أنهم لم يسألوهم عن شيء مما يتعلق بالعقيدة أو يتصل بالأحكام، اللهم إلا إذا كان على جهة الاستشهاد والتقوية لما جاء به القرآن. كذلك كانوا لا يعدلون عما ثبت عن الرسول ﷺ ومن ذلك إلى سؤال أهل الكتاب، لأنه إذا ثبت الشئ عن الرسول ﷺ فليس لهم أن يعدلوا عنه إلى غيره.
رابعًا: كما كانوا لا يسألون عن الأشياء التي يُشبه أن يكون السؤال عنها نوعًا من اللهو والعبث .
كالسؤال عن لون كلب أهل الكهف، والبعض الذي ضُرِب به القتيل من البقرة، ومقدار سفينة نوح، ونوع خشبها، واسم الغلام الذي قتله الخضر .. وغير ذلك، ولهذا
стр. 4084
قال الدهلوي بعد أن بيّن السؤال عن هذا تكلف ما لا يعنى: "وكانت الصحابة ﵃ يعدون مثل ذلك قبيحًا من قبيل تضييع الأوقات". أنهم لم يخرجوا عن دائرة الجواز التي حدّها لهم رسول الله ﷺ وأذن لهم فيها بقوله: "بلغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
وفي الوقت نفسه لم يخالفوا النهي الوارد في قوله ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ..... ولا تعارض بين هذين الحديثين، فإن الأول أباح لهم أن يحدِّثوا عما وقع لبني إسرائيل من الأعاجيب لما في أخبارهم من العبرة والعظة، بشرط أن يعلموا أنه ليس مكذوبًا، لأنه ﷺ لا يجيز التحدث بالكذب. وأما الحديث الثاني فالمراد منه التوقف فيما يحدّث به أهل الكتاب إذا كان محتملًا للصدق والكذب، لأنه ربما كان صدْقًا في واقع الأمر فيكذبونه، أو كذبًا فيصدقونه فيقعون بذلك في الحرج. فهذا النوع من الأخبار المحتملة للصدق والكذب هو الذي نهينا عن تصديقه أو تكذيبه، وليس المراد منه ما جاء شرعنا بموافقته أو مخالفته، فإن الموقف منه واضح ومعروف.
ومن هنا يتبين لنا أنه لا تعارض بين إذنه ﷺ بالتحديث عن بني إسرائيل، وبين نهيه عن تصديقهم أو تكذيبهم، كما يتبين لنا القدر الذي أباحه الشارع من الرواية عن أهل الكتاب.
إذًا فالصحابة ﵃ كان لديهم منهج سديد، ومعيار دقيق في قبول ما يلقى إليهم من الإسرائيليات، فما وافق شرعنا قبلوه، وما خالفه كذبوه، وما كان مسكوتًا عنه توقفوا فيه. ثم إنهم لم يكونوا يرجعون إليهم في كل أمر، وإنما كانوا يرجعون إليهم لمعرفة بعض جزئيات الحوادث والأخبار، ولم يُعرف عنهم أبدًا أنهم رجعوا إليهم في العقائد ولا في الأحكام، ولو ثبت أنهم سألوا أهل الكتاب عن شيء يتعلق بالمعتقد فلم يكن ذلك عن تهوك منهم وارتياب، وإنما كان لإقامة الحجة عليهم، بالاستشهاد والتأييد لما جاء في شريعتنا، عن طريق الاحتجاج عليهم بما يعتقدون.
стр. 4085
أما إنكار الرسول ﷺ كما في حديث جابر أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب فقرأه النبي ﷺ فغضب وقال: "أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الخطَّاب وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَا تَسْألوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى ﷺ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي" (١).
وإنكار بعض الصحابة - كابن عباس نفسه - على من كانوا يرجعون إلى أهل الكتاب بقوله - كما في البخاري: يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه ﷺ أحدث الأخبار بالله، تقرؤونه لم يشمب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب، فقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، ولا والله ما رأينا منهم رجلًا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم.
هذا الإنكار لا يعارض الجواز والإذن الثابت في نصوص أخرى، لأنه كان في مبدأ الإسلام، وقبل استقرار الأحكام، وأما الإباحة فجاءت بعد أن عرفت الأحكام واستقرت، وذهب خوف الاختلاط والتشويش.
قال الحافظ حجر: وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية، والقواعد الدينية، خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار (٢).
خامسًا: ومما يدل أيضًا على أن الصحابة لم يكونوا يتلقفون كل ما يصدر عن أهل الكتاب دون نقد وتمحيص تلك المراجعات العديدة .
والردود العلمية على بعض أهل الكتاب، في أمور أنكروها، وردوا عليهم خطأهم فيها. ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: "فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه الله
стр. 4086
إياه"، فقد اختلف السلف في تعيين هذه الساعة، وهل هي باقية أم رفعت؟ وإذا كانت باقية فهل هي في جمعة واحدة من السنة، أو في كل جمعة منها؟ .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ فَلَقِيتُ كَعْبَ الأَحْبَارِ فَجَلَسْتُ مَعَهُ فَحَدَّثَنِي عَنِ التَّوْرَاةِ وَحَدَّثْتُهُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فكَانَ فِيمَا حَدَّثْته أَنْ قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ أُهْبِطَ مِنَ الجنَّةِ وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَاتَ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ وَهِىَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجمُعَةِ مِنْ حِينِ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلاَّ الْجِنَّ وَالإِنْسَ وَفِيهِ سَاعَةٌ لا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّى يَسْأَلُ الله شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ". قَالَ كَعْبٌ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ. فَقُلْتُ بَلْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ صَدَقَ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ فَلَقِيتُ بَصرَةَ بْنَ أَبِي بَصرَةَ الْغِفَارِيَّ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ فَقُلْتُ مِنَ الطُّورِ. فَقَالَ لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ مَا خَرَجْتَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لا تُعْمَلُ المُطِيُّ إِلاَّ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ إِلَى المُسْجِدِ الحرَامِ وَإِلَى مَسْجِدِي هَذَا وَإِلَى مَسْجِدِ إِيلْيَاءَ أَوْ بَيْتِ المُقْدِسِ". يَشُكُّ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ الله بْنَ سَلامٍ فَحَدَّثْته بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبِ الأَحْبَارِ وَمَا حَدَّثْتُهُ بِهِ فِي يَوْمِ الجمُعَةِ فَقُلْتُ قَالَ كَعْبٌ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ. قَالَ، قَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلامٍ كَذَبَ كَعْبٌ. فَقُلْتُ ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلامٍ صَدَقَ كَعْبٌ. ثُمَّ قَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلامٍ قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ سَاعَةٍ هِيَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ أَخْبِرْنِي بِهَا وَلا تَضِنَّ عَلَيَّ. فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلامٍ هِيً آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الجمُعَةِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ وَكَيْفَ تَكُونُ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الجمُعَةِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي". وَتلْكَ السَّاعَةُ سَاعَةٌ لا يُصَلَّى فِيهَا فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلامٍ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ فَهُوَ فِي صَلاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ بَلَى. قَالَ فَهُوَ ذَلِكَ. (١)
ومن ذلك أيضًا ما رواه ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس ﵁ أنه قال: "المفدي إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحق وكذبت اليهود. ولما بلغه أن نوفًا البكالي - وهو ربيب
стр. 4087
كعب الأحبار -، يزعم أن موسى بني إسرائيل ليس بموسى الخضر: قال: كذب، حدثنا أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ وساق الحديث الذي عند البخاري في قصة موسى مع الخضر.
وذكر ابن كثير في تفسيره أن معاوية بن أبي سفيان ﵁، قال لكعب منكِرًا: أنت تقول: إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟ فقال له كعب: إن كنت قلت ذلك، فإن الله تعالى قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ (الكهف ٨٤)، قال ابن كثير معلقًا: وهذا الذي أنكره معاوية ﵁ على كعب هو الصواب، والحق مع معاوية في ذلك الإنكار فهذا كله وغيره يؤكد على أن الصحابة ﵁ لم يكونوا مغفلين مخدوعين يصدقون كل ما يلقى إليهم، بل كانوا يتحرون الصواب، ويردون على أهل الكتاب أقوالهم التي تستحق الرد والمراجعة. فهل يعقل بعد هذا، وبعد ما عرفناه من عدالة الصحابة وحرصهم على امتثال أوامر الله ورسوله، وعدم تسليمهم لأهل الكتاب كل ما يروونه من إسرائيليات، أن نقول بتهاونهم، ومخالفتهم لتعاليم رسول الله ﷺ فضلًا عن رميهم بالغفلة وعدم الفطنة، اللهم إنا نبرأ إليك من ذلك.
سادسًا: تشديد عمر ﵁ على من كان يكتب شيئا من كتب اليهود .
لقد كانت مقالة النبي ﷺ لعمر وغضبه لكتابته شيئًا من التوراة درسًا تعلم منه سيدنا عمر ومنهجًا أخذ الناس به روى الحافظ أبو يعلى بسنده عن خالد بن عرفطة قال: (كنت جالسًا عند عمر إذ أتى برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس فقال له عمر: أنت فلان ابن فلان العبدي؟ قال: نعم فضربه بعصًا معه فقال الرجل: مالي يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: اجلس فجلس فقرأ عليه ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (يوسف ٣: ١)، فقرأها عليها ثلاثًا وضربه ثلاثًا فقال الرجل: مالي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أنت الذي نسخت كتب دانيال؟ قال: مرني بأمرك أتبعه قال: انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض ثم لا تقرأه أنت ولا تقرئه أحدًا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحدًا من الناس لأنهكنك عقوبة، ثم قال له: اجلس فجلس بين يديه قال: انطلقت أنا فانتسخت كتابًا من أهل
стр. 4088
الكتاب ثم جئت به في أديم فقال لي رسول الله ﷺ : "ما هذا الذي في يدك يا عمر؟ " فقلت: يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد علمًا إلى علمنا، فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه ثم نودي بالصلاة جامعة فقالت الأنصار: أغضب نبيكم ﷺ ؟ السلاح السلاح فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتمه واختصر لي اختصارًا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون" قال عمر: فقصت فقلت: رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبك رسولًا ثم نزل رسول الله ﷺ (١).
الوجه الخامس: ضعف السند إلى الصحابي أو التابعي .
فقد يكون ما روي عن الصحابة مدسوسًا عليهم وضعه عليهم الزنادقة والملحدون كي يظهروا الإسلام وحملته بهذا المظهر المنتقد المشين، ويجوز أن يكون بعضها مما ألصق بالتابعين ونسب إليهم زورًا، ولاسيما أن أسانيد معظمها لا تخلو من ضعيف أو مجهول أو متهم بالكذب أو الوضع أو معروف بالزندقة أو مغمور في دينه وعقيدته، وبعض الإسرائيليات قد يصح السند إليها.
الوجه السادس: رواية الكذب ليس معناها أن الراوي هو الذي اختلقه بيان صدق من روى، أو روى عنه الإسرائيليات .
بعض الإسرائيليات قد يصح السند إليها، ولعل قائلًا يقول: أما ما ذكرت من احتمال أن تكون هذه الروايات الإسرائيلية مختلقة موضوعة على بعض الصحابة والتابعين فهو إنما يتجه في الروايات التي في سندها ضعف أو مجهول أو وضاع أو متهم بالكذب، أو سيء الحفظ، يخلط بين المرويات، ولا يميز، أو نحو ذلك، ولكن بعض هذه الروايات حَكَم عليها بعض حفاظ الحديث بأنها صحيحة السند أو حسنة السند أو إسنادها جيد أو ثابت ونحو ذلك فماذا تقول فيها؟ .
والجواب: أنه لا منافاة بين كونها صحيحة السند، أو حسنة السند أو ثابتة السند وبين كونها من إسرائيليات بني إسرائيل، وخرافاتهم وأكاذيبهم فهي صحيحة السند إلى ابن
стр. 4089
عباس، أو عبد الله بن عمرو بن العاص أو إلى مجاهد، أو عكرمة، أو سعيد بن جبير وغيرهم ولكنها ليست متلقاة عن النبي ﷺ لا بالذات، ولا بالواسطة ولكنها متلقاة عن أهل الكتاب الذين أسلموا فثبوتها إلى من رويت عنه شيء وكونها مكذوبة في نفسها، أو باطلة أو خرافة شيء آخر، ومثل ذلك: الآراء والمذاهب الفاسدة اليوم فهي ثابتة عن أصحابها وعن آرائهم ولاشك ولكنها في نفسها فكرة باطلة أو مذهب فاسد.
فقد اختلق الوضاعون عليهم أشياء كثيرة، فاتخذوهم مطية لترويج الكذب وإذاعته بين الناس، مستغلين شهرتهم العلمية الواسعة بما في كتب أهل الكتاب، ثم تناقل هذه الأخبار بعض القصاص والمؤرخين والأدباء، وبعض المفسرين على أنها حقائق، من غير أن يتثبتوا من صحة نسبتها إلى من عزيت له.
يقول الشيخ أحمد شاكر ﵀: وبعض أهل عصرنا تكلم فيه - يقصد وهب بن منبه - عن جهل، ينكرون أنه يروي الغرائب عن الكتب القديمة، وما في هذا بأس، إذ لم يكن دينًا، ثم أنى لنا أن نوقن بصحة ما روي عنه من ذلك وأنه هو الذي رواه وحدَّث به".
فهل بعد هذا كله نقبل كلام جولد زيهر ومن مشى في ركابه، ونعرض عن كلام أئمة الإسلام، وجهابذة المحدثين والنقاد، الذين وثقوا هؤلاء الرواة، وخرجوا أحاديثهم في كتبهم التي تلقتها الأمة بالقبول جيلًا بعد جيل، فضلًا عن أن نتهمهم بالمكر والدهاء والكيد للإسلام وأهله، اللهم إنا نبرأ إليك من ذلك (١).
وأحب أن أنبه هنا إلى حقيقة وهي: أنه ليس معنى أن هذه الإسرائيليات المكذوبات والباطلات مروية عن كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام وأمثالهم أنها من وضعهم، واختلاقهم كما زعم ذلك بعض الناس اليوم وإنما معنى ذلك أنهم هم الذين رووها ونقلوها لبعض الصحابة والتابعين من كتب أهل الكتاب ومعارفهم وليسوا هم الذين اختلقوها وإنما اختلقها، وافتجرها أسلافهم القدماء.
стр. 4090
ولم يقل أحد من أئمة الجرح والتعديل على حصافتهم، وبعد نظرهم: أن كعبًا، ووهبًا، وعبد الله بن سلام، وتميمًا الداري، وأمثالهم كانوا وضاعين، ويتعمدون الكذب، والاختلاق من عند أنفسهم، وإنما الذي قالوه عنهم: أنهم كانوا هم الواسطة في حمل ونقل معارف أهل الكتاب إلى المسلمين، وأن البعض رواها عنهم فليس الذنب ذنبهم، وإنما الذنب ذنب من نقلها، ورواها عنهم، من غير بيان لكذبها وبطلانها.
ولما كانت رواية الإسرائيليات تدور غالبًا على كعب، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وأنهم هم الذي كان الاتهام منصبًا عليهم أكثر من غيرهم، فسأذكر لكل منهم ترجمة كي يتبين للمنصف آراء أئمة الجرح والتعديل فيهم.
شبهة أخرى: الرد على اتهامهم عبد الله في سلام .
عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي، ثم الأنصاري. كان حليفًا لهم من بني قينقاع، وهو من ولد يوسف بن يعقوب ﵉، وكان اسمه في الجاهلية الحصين، فسماه رسول الله ﷺ حين أسلم عبد الله. وكان إسلامه لما قدم النبي ﷺ المدينة مهاجرًا. روى عنه ابناه: يوسف ومحمد، وأنس بن مالك وزرارة بن أوفى.
أوجه الرد على اتهامهم عبد الله بن سلام بالكذب في الإسلام ما ليس منه.
أولًا: صدقه وتكذيبه لليهود:
عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ بَلَغَ عَبْدَ الله بْنَ سَلامٍ مَقْدَمُ رَسُولِ الله ﷺ المدِينَةَ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ نَبِيٌّ، قَالَ مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الجنَّةِ وَمنْ أَي شَيءٍ يَنْزعُ الْوَلَدُ إلى أَبِيهِ وَمنْ أَيّ شَيْءٍ يَنْزِع إلى أَخْوَالِهِ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "خَبَّرَنِي بِهِنَّ آنِفًا جِبْرِيلُ". قَالَ فَقَالَ عَبْدُ الله ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الملائِكَةِ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المشْرِقِ إلى المغْرِبِ. وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الجنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ. وَأَمَّا الشَّبَهُ فِي الْوَلَدِ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَشِيَ المرْأَةَ فَسَبَقَهَا مَاؤُهُ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ، وَإِذَا سَبَقَ مَاؤُهَا كَانَ الشَّبَهُ لَهَا". قَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الله. ثُمَّ قَالَ يَا
стр. 4091
رَسُولَ الله إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ، إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلهمْ بَهَتُونِي عِنْدَكَ، فَجَاءَتِ الْيَهُودُ وَدَخَلَ عَبْدُ الله الْبَيْتَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ الله بْنُ سَلامٍ"؟ قَالُوا: أَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا وَأَخْبَرُنَا وَابْنُ أَخْيَرِنَا. فَقَالَ رَسولُ الله ﷺ : "أَفَرَأَيْتُئم إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الله". قَالُوا أَعَاذَهُ الله مِنْ ذَلِكَ. فَخَرَجَ عَبْدُ الله إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله. فقَالُوا شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، وَوَقَعوا فِيهِ (١).
ثانيًا: شهد له رسول الله ﷺ بالجنة:
عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ. إِلاَّ لِعَبْدِ الله بْنِ سَلامٍ قَالَ وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآيَةَ. قَالَ لا أَدْرِى قَالَ مَالِكٌ الآيَةَ أَوْ فِي الحدِيث (٢).
ثالثا: شهادة الصحابة له بالعلم .
عن يزيد بن عميرة قال: لما حضر معاذ بن جبل الموت قيل له: يا أبا عبد الرحمن، أوصنا. فقال: أجلسوني، قال: إن العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، فالتمسوا العلم عند أربعة رهط: عند عويمر أبي الدرداء، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن مسعود، وعند عبد الله بن سلام الذي كان يهوديًا فأسلم، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه عاشر عشرة في الجنة" (٣).
رابعًا: حفظه ﵁ وفطنته .
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلى رَسُول الله ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا فَقَالَ لهمْ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ ". فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلامٍ كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ
سابعًا: توثيق العلماء له .
وقد روى الحديث عن النبي ﷺ وروى عنه ابناه: يوسف ومحمد، وأبو هريرة وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وعطاء بن يسار وغيرهم، وشهد مع عمر ﵁ فتح بيت المقدس، والجابية وقد عده بعضهم من البدريين، وأما ابن سعد: فذكره في الطبقة الثالثة ممن شهد الخندق وما بعدها وكانت وفاته سنة ثلاث وأربعين من الهجرة.
فها نحن نرى: أنه كان من أعلم اليهود بشهادتهم، وأنه كان من علماء الصحابة بعد إسلامه وبحسبه فضلًا: شهادة النبي ﷺ بأنه من أهل الجنة وشهادة أصحاب رسول الله له كما سمعت، فهل يجوز في العقل أن يشهد النبي بالجنة لرجل يصدر منه الكذب، وفى أي شيء؟ في الحديث ثم هو صحابي والصحابة كلهم عدول، فمن المستبعد جدًّا أن يكذب في الرواية، ولم أر أحدًا من علماء الجرح والتعديل، وأئمة العلم والدين تناوله، أو ذكر فيه ما يخدش عدالته إلا ما كان من الكتاب المتأخرين الذين تأثروا بكلام المستشرقين، وأتباعهم، ونوايا المستشرقين ولاسيما اليهود منهم نحو (الإسلام، والنبي ﷺ ، والصحابة) موسومة بالخبث والعداوة وسوء الظن، ولا أدرى كيف نعدل عن كلام الأئمة الأثبات ونأخذ بكلام المستشرقين؟ .
وأحب أن أقرر هنا: أن حفاظ الحديث، ونقاده البصيرين به قد تعرضوا لكل المرويات عن عبد الله بن سلام وغيره، وبينوا الصحيح من الضعيف، والمقبول من المردود.
ونحن لا ننفي أن عبد الله بن سلام، روى بعض ما علمه من معارف أهل الكتاب وثقافتهم، ورُويت عنه ولكن الذي ننفيه: أن يكون ألصق هذه المرويات بالنبي ونسبها إليه زورًا وأنه كان وضاعًا كذابًا، ومن يرى خلاف هذا فنحن نطالبه بالحجة والبرهان، وكانت وفاته سنة ثلاث وأربعين للهجرة (١).
شبهة أخرى: الرد على اتهامهم كعب الأحبار
أولًا: التعريف بكعب الأحبار .
стр. 4094
هو: كعب بن ماتع بن عمرو بن قيس من آل ذي رعين، وقيل ذي الكلاع الحميري، وقيل: غير ذلك في اسم جده، ونسبه يكنى: أبا إسحق، كان في حياة النبي ﷺ رجلًا وكان يهوديًا عالمًا بكتبهم، حتى كان يقال له: كعب الحبر، وكعب الأحبار.
وكان إسلامه في خلافة سيدنا عمر، وقيل: في خلافة الصديق، وقيل: إنه أسلم في عهد النبي ﷺ ، ولكن تأخرت هجرته، فمن ثم لم يره، والأول هو الأصح والأشهر، وقد سكن المدينة وغزا الروم في خلافة عمر، ثم تحول في عهد سيدنا عثمان إلى الشام، فسكنها، إلى أن مات بحمص، في خلافة عثمان سنة اثنتين أو ثلاث، أو أربع وثلاثين والأول هو الأكثر، وقد كان عنده علم بكتب أهل الكتاب، والثقافة اليهودية، كما كان له حظ من الثقافة الإسلامية ورواية الأحاديث.
روى عن النبي ﷺ ، ولكنه مرسل، لأنه لم يلق النبي ﷺ ، ولم يسمع منه، وعن عمر، وصهيب، والسيدة عائشة، وروى عنه من الصحابة معاوية، وأبو هريرة، وابن عباس، وبقية العبادلة، وعطاء بن أبي رباح، وغيره من التابعين.
ثانيًا: توضيح مقالة معاوية ﵁ في كعب:
ولكن قد يعكر على ما ذكرنا: ما ورد في حقه في الصحيح: روى البخاري في صحيحه بسنده، عن حميد بن عبد الرحمن: أنه سمع معاوية وهو يحدث رهطًا من قريش بالمدينة - يعنى لما حج في خلافته وذكر كعب الأحبار، فقال "إن كان من أصدق - وفى رواية لمن أصدق - هؤلاء الذين يتحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلوا عليه الكذب".
وظاهر كلام معاوية، يخدش كعبًا في بعض مروياته كما يدل أيضًا على أن الذين كانوا يحدثون بمعارف أهل الكتاب، كان فيهم صادقون، وأن كعبًا كان من أصدق هؤلاء، ولكنها لا تدل على أنه وضاع أو كذاب فهذا الكلام لا يخدش في ثقة كعب وعدالته، بل إن في ذلك تزكية من معاوية وثناء عليه بأنه أصدق المحدثين عن أهل الكتاب، وقول معاوية: "وإن كنا مع ذلك لنبلوا عليه الكذب"، لا يراد منها اتههامه بالكذب، وإنما المقصود أن في بعض الأخبار
стр. 4095
التي ينقلها بأمانة ما لا يطابق الواقع، فالكذب حينئذ مضاف إلى تلك الكتب التي ينقل عنها لا إلى كعب، وهو نحو قول ابن عباس في حقه (بدل من قبله فوقع في الكذب) (١).
وقد حسن العلماء الظن بكعب، فحملوا هذه الكلمة على محمل حسن.
قال ابن التين: وهدا: نحو قول ابن عباس في حق كعب الذكور: "بدل من قبله فوقع في الكذب"، قال: والمراد بالمحدثين أنداد كعب ممن كانوا من أهل الكتاب، وأسلموا فكان يحدث عنهم، وكذا من نظر في كتبهم، فحدث عما فيها، قال: ولعلهم كانوا مثل كعب إلا أن كعبًا كان أشد منهم بصيرة، وأعرف بما يتوقاه، وقال ابن حبان في "الثقات": أراد معاوية أنه يخطئ أحيانًا فيما يخبر به ولم يرد أنه كان كذابًا، وقال ابن الجوزى: المعنى: أن بعض الذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذبًا لا أنه يتعمد الكذب.
والظاهر: أن معاوية ﵁ لم يقل مقالته هذه في كعب الأحبار إلا بعد أن أختبره في مروياته، وآرائه، فوجد بعضها لا يوافق الحق والصدق، وأنه كان يذكر آراءً، وأقوالًا ليست صحيحة، وتحتاج إلى المراجعة والتثبت، وليس أدل على هذا: من هذه الحادثة التي كانت بين معاوية، وكعب، فقد روى ابن لهيعة قال: حدثني سالم بن غيلان، عن سعيد ابن أبى هلال: أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار: أنت تقول إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟ فقالى له كعب: إن كنت قلت ذلك فإن الله قال: "وآتيناه من كل شيء سببًا" وهذا إن صح: يدل على أنه كان يذكر آراءَ من عند نفسه، وباجتهاده في بعض الآيات، وهي غير صحيحة، وإلا فلو كان موجودًا في التوراة أو في غيرها لكان الأقرب في الرد أن يقول في الرد: وجدت ذلك في كتب الأولين وقد علق على هذه الحادثة الحافظ ابن كثير، فقال: وهذا الذي أنكره معاوية ﵁ على كعب الأحبار هو الصواب، والخق مع معاوية في هذا الإنكار، فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلوا عليه الكذب، يعنى فيما ينقله لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحفه، ولكن الشأن في صحفه: أنها من
стр. 4096
الإسرائيليات التي غالبها مبدل، مصحف، محرف، مختلق، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله ﷺ إلى شيء منها بالكلية فإنه دخل منها على الناس شر كثير، وفساد عريض، وتفسير كعب قول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾، بأنه يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابق للواقع، فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك ولا إلى الترقي في أسباب السماوات، وإنما التفسير الصحيح: أن الله يسر الأسباب أي الطرق، والوسائل إلى فتح الأقاليم والبلاد، وكسر الأعداء، وكبت الملوك، وإذلال أهل الشرك، فقد أوتى من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببًا وكذلك: نجد أبا هريرة ﵁ أيضًا يراجع كعبًا في بعض أقواله، فقد سأله: "عن الساعة التي في يوم الجمعة، ولا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى، يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه"، فيجيبه كعب: بأنها في جمعة واحدة من السنة، فيرد عليه أبو هريرة ﵁ قوله هذا، ويبين له أنها في كل جمعة، فيرجع كعب إلى التوراة، فيرى الصواب مع أبى هريرة ﵁، فيرجع إليه، وكذلك: نجد أبا هريرة ﵁ يسأل عبد الله بن سلام عن تحديد هذه الساعة، ويقول له: أخبرني ولا تضن على فيجيبه ابن سلام: بأنها آخر ساعة في يوم الجمعة فيرد عليه أبو هريرة ﵁ بقوله: كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال الرسول: "لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى"؟ وتلك الساعة لا يصلى فيها، فيجيبه بقوله: ألم يقل رسول الله ﷺ من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلى "؟ ولو أن الصحابة راجعوا أهل الكتاب في كل مروياتهم التي أخذوها عنهم، لكان من وراء ذلك خير كثير، ولخلت كتب التفسير من هذا الركام من الإسرائيليات، التي تصادم العقل السليم والنقل الصحيح ولكن هذا ما كان ومع هذا: لم نعلم أحدًا طعن فيه، ورماه بالكذب والاختلاق إلا ما كان من بعض المتأخرين ومهما يكن من شيء فقد تبين لنا: أنه ما كان وضاعًا يتعمد الكذب، وأن الإسرائيليات التي رواها إن كان وقع فيها كذب وأباطيل فذلك يرجع إلى من نقل عنهم من أسلافه الذين حرفوا وبدلوا وإلى بعض كتب اليهود التي حشيت بالأكاذيب والخرافات وإما إلى خطئه في التأويل كما في قصة كعب ومع
стр. 4097
هذا: ترى أنه كان أولى به وأجمل وهو عالم مسلم، لو أنه تحرى الحق والصدق وميز في مروياته بين الغث والسمين، وما يجوز نقله وما لا يجوز فإن ناشر مثل هذا لا يخلو من مؤاخذة وإثم وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول: "من حدث بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (١)، وكنا نحب: لو أنه أراحنا من كل هذا الركام المتهافت، الذي سمم العقول والأفكار وجر على المسلمين البلاء. (٢)
ثالثا: ثقته وأمانته:
فهو من التابعين الأخيار، وقد أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، واتفقت كلمة نقاد الحديث على توثيقه، فترجم له النووي في تهذيبه بقوله: "اتفقوا على كثرة علمه وتوثيقه"، ولذا لا تجد له ذكرًا في كتب الضعفاء والمتروكين.
والمتتبع لحياة كعب في الإسلام، ومقالات أعلام الصحابة فيه، ومن تحمل منهم عنه وروى له، ومن أخرج له من شيوخ الحديث في مصنفاخهم، يجد ما يدحض هذه الفرية ويرد هذه التهمة، ويشهد للرجل بقوة دينه، وصدق يقينه، وأنه طوي قلبه على الإسلام المحض، والدين الخالص، لا على أنه دسيسة يهودية تستر بالإسلام - كما زعم الزاعمون -، وقد أثنى عليه العلماء، قال ابن سعد: ذكروه لأبى الدرداء فقال: "إن عند ابن الحميرية لعلمًا كثيرًا" والظاهر أنه أراد مما يتعلق بكتب أهل الكتاب، وأخرج ابن سعد من طريق عبد الرحمن بن جبير بن نفير، قال: قال معاوية: ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عند العلم كالبحار، وإن كنا فيه لمفرطين، وقال فيه الحافظ ابن حجر في (الفتح): كان من أخيار الأحبار.
رأي علماء التجريح والتعديل فيه:
وعلماء الجرح والتعديل، وهم: الذين لا تخفى عليهم حقيقة أي راو، مهما تستّر، لم يتهموه بالوضع والاختلاق، والجمهور على توثيقه، ولم نجد له ذكرًا في كتب الضعفاء
стр. 4098
والمتروكين، وقد ترجم له الإمام الذهبي ترجمة قصيرة في (تذكرة الحفاظ)، وتوسع ابن عساكر في ترجمته في (تاريخ دمشق)، وأطال أبو نعيم في (حلية الأولياء) في أخباره، وعظاته وتخويفه لعمر، وترجم له الحافظ ابن حجر في (الإصابة) و (تهذيب التهذيب)، وتكاد تتفق كلمة النقاد على توثيقه. (١)
رابعًا: بيان غرض البخاري .
(وقد احتج البخاري بكعب الأحبار احتجاجًا مهمًّا نافعًا).
أما من جهة بيان غرض البخاري من ذكر عبارة سيدنا معاوية في صحيحه فيؤخذ من قول الإمام العيني في شرحها ما نصه (مطابقته للترجمة في ذكر كعب الأحبار الذي كان يتحدث من الكتب القديمة ويسأل عنها أحبارهم) ومنه يعلم أن غرض البخاري هو الاحتجاج بكعب الأحبار في دفع التعارض بين النهي في الترجمة بقول النبي ﷺ : "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء" وبين الأمر في قول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (يونس: ٩٤) بأن كعبًا كان ممن يسألون؛ لأنه قرأ الكتاب من قبل ثم أسلم وشهد له سيدنا معاوية بأنه من أصدق المحدثين عن أهل الكتاب، والنهي هو عن سؤال من لم يسلم كما نص عليه في الفتح في آخر شرح هذه الترجمة، وهذا يدل على عظيم ثقة الإمام البخاري بكعب الأحبار؛ لأن احتجاجه به في أمر الدين كما أن ذكره أبلغ في الدلالة على ثقته به من الرواية عنه وعلى أنه لم يمنعه من الرواية عنه إلا عدم وفرة السند الصحيح له إليه على شرطه المعروف ومثل كعب في ذلك كمثل الإمام أبي حنيفة، وكثير من أوثق المحدثين الذين لم تذكر لهم رواية في البخاري للسبب المذكور والإمام الشافعي لم يكن له رواية في البخاري وإنما له شيء يسير في التعليقات فقط فلا يقال: إن البخاري امتنع عن الرواية عن هؤلاء الأئمة لعدم ثقته بهم فلا عجب حينئذ ممن عد كعبًا من رجال البخاري؛ لأنه متى علم السبب بطل العجب واتضح أن صاحب التهذيب مصيب في عد كعب الأحبار من رجال البخاري وأن ذكر حرف (خ) رقمًا على أخذ
стр. 4099
البخاري عن كعب صحيح لا (غلط) لأنه اعتمد عليه في شيء من كتابه - على أنه لا غرض للحافظ ابن حجر من ذلك التعجب إلا طلب النظر في الموضوع شأن أكابر المحققين إذا اختلفت وجهة نظرهم مع من سبقهم يطلبون النظر في الأمر ليتبين الحق فيه وجل المنزه عن الخطأ والنسيان وعلى ذلك أدلة منها أنه صرح بطلب النظر عقب عبارته هذه مباشرة بقوله: وكذا رقم في الرواة عنه (كعب على معاوية ابن أبي سفيان رقم البخاري معتمدًا على هذه القصة وفي ذلك نظر). يريد أن عبارة سيدنا معاوية قصها على الرهط من قريش ثناء على كعب لا رواية عنه، ولكن قول سيدنا معاوية (عنده علم كالثمار أو البحار) يدل على أخذه عن كعب وإلا فمن أين علم ثمار علمه، ومنها أن ابن حجر أبقى حرف (خ) في كتابه تهذيب التهذيب فلو كان جازمًا بغلط صاحب التهذيب في ذكر هذا الحرف لحذفه هو من كتابه: ومنها أنه لم يجرح كعبًا بشيء ما في مؤلفاته بل ترجم له ونقل توثيقه عن كثيرين تأييدًا لتوثيقه له (١).
خامسًا: على فرض ضعفه فهذا لا يقدح في دين الله شيئًا .
فدين الله ثابت لا تبديل ولا تحريف فيه كما عندكم، ولا يملك أحد أن يدخل فيه شيئًا؛ لأنه في عصمة الله .
سادسًا: الكذب في النسبة إليه .
فكثير من الرواة ينقلون عن الصحابي أو التابعي ما مصدره هذه الإسرائيليات من غير بيان فيغتر به بعض الناس، فيظنون أنه لابد أن يكون له أصل مرفوع إلى النبي ﷺ لأنه لا يعرف بالرأي فيعدونه من الذي له حكم المرفوع (٢).
شبهة أخرى: الرد على اتهامهم وهب بن منبه
أولًا: التعريف بوهب بن منبه الصنعاني اليمني:
стр. 4100
وهو: من خيار التابعين، ولد في آخر خلافة عثمان ﵁، عنده من علم أهل الكتاب شيء كثير فإنه صرف عنايته إلى ذلك وبالغ، وحديثه في الصحيحين عن أخيه همام، ولهمام عن أبي هريرة نسخة مشهورة أكثرها في الصحاح رواها عنه معمر، وطال عمر همام وعاش إلى سنة نيف وثلاثين ومائة.
ثانيًا: توثيق العلماء له:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه كان من أبناء فارس كان على قضاء صنعاء وقال أبو زرعة والنسائي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أحمد بن محمد بن الأزهر سمعت مسلمة بن همام بن مسلمة بن همام بن منبه يذكر عن آبائه قال أصل منبه من خراسان من أهل هراة أخرجه كسرى من هراة يعني إلى اليمن فأسلم في عهد النبي ﷺ فحسن إسلامه فسكن ولده باليمن وكان وهب بن منبه يختلف إلى هراة ويتفقد أمرها وجاء من وجهين ضعيفين عن عبادة بن الصامت مرفوعًا: سيكون رجلان في أمتي أحدهما يقال له وهب يؤتيه الله تعالى الحكمة، والآخر يقال له غيلان هو أضر على أمتي من إبليس، وكان ثقة واسمع العلم ينظر بكعب الأحبار في زمانه. قال العجلي: كان ثقة تابعيًا على قضاء صنعاء وقيل: كان والده منبه من أهل هراة ممن بعثهم كسرى لأخذ اليمن فأسلم في حياة النبي ﷺ . وعن وهب قال: يقولون عبد الله بن سلام أعلم أهل زمانه، وكعب أعلم أهل زمانه، أفرأيت من جمع علمهما؟ يعنى نفسه قال الذهبي كان ثقة صادقا كثير النقل من كتب الإسرائيليات (١).
أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وكانت وفاته بصنعاء سنة عشر ومائة وثقه الجمهور، وخالف الفلاس، فقال: كان ضعيفًا وكان شبهته في هذا: أنه كان يتهم بالقول بالقدر وصنف فيه كتابًا ثم صح عنه أنه رجع عنه قال حماد بن سلمة: عن أبى سنان سمعت وهب بن منبه يقول: كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين