الإسرائيليات التي غالبها مبدل، مصحف، محرف، مختلق، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله ﷺ إلى شيء منها بالكلية فإنه دخل منها على الناس شر كثير، وفساد عريض، وتفسير كعب قول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾، بأنه يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابق للواقع، فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك ولا إلى الترقي في أسباب السماوات، وإنما التفسير الصحيح: أن الله يسر الأسباب أي الطرق، والوسائل إلى فتح الأقاليم والبلاد، وكسر الأعداء، وكبت الملوك، وإذلال أهل الشرك، فقد أوتى من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببًا وكذلك: نجد أبا هريرة ﵁ أيضًا يراجع كعبًا في بعض أقواله، فقد سأله: "عن الساعة التي في يوم الجمعة، ولا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى، يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه"، فيجيبه كعب: بأنها في جمعة واحدة من السنة، فيرد عليه أبو هريرة ﵁ قوله هذا، ويبين له أنها في كل جمعة، فيرجع كعب إلى التوراة، فيرى الصواب مع أبى هريرة ﵁، فيرجع إليه، وكذلك: نجد أبا هريرة ﵁ يسأل عبد الله بن سلام عن تحديد هذه الساعة، ويقول له: أخبرني ولا تضن على فيجيبه ابن سلام: بأنها آخر ساعة في يوم الجمعة فيرد عليه أبو هريرة ﵁ بقوله: كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال الرسول: "لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى"؟ وتلك الساعة لا يصلى فيها، فيجيبه بقوله: ألم يقل رسول الله ﷺ من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلى "؟ ولو أن الصحابة راجعوا أهل الكتاب في كل مروياتهم التي أخذوها عنهم، لكان من وراء ذلك خير كثير، ولخلت كتب التفسير من هذا الركام من الإسرائيليات، التي تصادم العقل السليم والنقل الصحيح ولكن هذا ما كان ومع هذا: لم نعلم أحدًا طعن فيه، ورماه بالكذب والاختلاق إلا ما كان من بعض المتأخرين ومهما يكن من شيء فقد تبين لنا: أنه ما كان وضاعًا يتعمد الكذب، وأن الإسرائيليات التي رواها إن كان وقع فيها كذب وأباطيل فذلك يرجع إلى من نقل عنهم من أسلافه الذين حرفوا وبدلوا وإلى بعض كتب اليهود التي حشيت بالأكاذيب والخرافات وإما إلى خطئه في التأويل كما في قصة كعب ومع
стр. 4097
هذا: ترى أنه كان أولى به وأجمل وهو عالم مسلم، لو أنه تحرى الحق والصدق وميز في مروياته بين الغث والسمين، وما يجوز نقله وما لا يجوز فإن ناشر مثل هذا لا يخلو من مؤاخذة وإثم وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول: "من حدث بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (١)، وكنا نحب: لو أنه أراحنا من كل هذا الركام المتهافت، الذي سمم العقول والأفكار وجر على المسلمين البلاء. (٢)
ثالثا: ثقته وأمانته:
فهو من التابعين الأخيار، وقد أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، واتفقت كلمة نقاد الحديث على توثيقه، فترجم له النووي في تهذيبه بقوله: "اتفقوا على كثرة علمه وتوثيقه"، ولذا لا تجد له ذكرًا في كتب الضعفاء والمتروكين.
والمتتبع لحياة كعب في الإسلام، ومقالات أعلام الصحابة فيه، ومن تحمل منهم عنه وروى له، ومن أخرج له من شيوخ الحديث في مصنفاخهم، يجد ما يدحض هذه الفرية ويرد هذه التهمة، ويشهد للرجل بقوة دينه، وصدق يقينه، وأنه طوي قلبه على الإسلام المحض، والدين الخالص، لا على أنه دسيسة يهودية تستر بالإسلام - كما زعم الزاعمون -، وقد أثنى عليه العلماء، قال ابن سعد: ذكروه لأبى الدرداء فقال: "إن عند ابن الحميرية لعلمًا كثيرًا" والظاهر أنه أراد مما يتعلق بكتب أهل الكتاب، وأخرج ابن سعد من طريق عبد الرحمن بن جبير بن نفير، قال: قال معاوية: ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عند العلم كالبحار، وإن كنا فيه لمفرطين، وقال فيه الحافظ ابن حجر في (الفتح): كان من أخيار الأحبار.
رأي علماء التجريح والتعديل فيه:
وعلماء الجرح والتعديل، وهم: الذين لا تخفى عليهم حقيقة أي راو، مهما تستّر، لم يتهموه بالوضع والاختلاق، والجمهور على توثيقه، ولم نجد له ذكرًا في كتب الضعفاء
стр. 4098
والمتروكين، وقد ترجم له الإمام الذهبي ترجمة قصيرة في (تذكرة الحفاظ)، وتوسع ابن عساكر في ترجمته في (تاريخ دمشق)، وأطال أبو نعيم في (حلية الأولياء) في أخباره، وعظاته وتخويفه لعمر، وترجم له الحافظ ابن حجر في (الإصابة) و (تهذيب التهذيب)، وتكاد تتفق كلمة النقاد على توثيقه. (١)
رابعًا: بيان غرض البخاري .
(وقد احتج البخاري بكعب الأحبار احتجاجًا مهمًّا نافعًا).
أما من جهة بيان غرض البخاري من ذكر عبارة سيدنا معاوية في صحيحه فيؤخذ من قول الإمام العيني في شرحها ما نصه (مطابقته للترجمة في ذكر كعب الأحبار الذي كان يتحدث من الكتب القديمة ويسأل عنها أحبارهم) ومنه يعلم أن غرض البخاري هو الاحتجاج بكعب الأحبار في دفع التعارض بين النهي في الترجمة بقول النبي ﷺ : "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء" وبين الأمر في قول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (يونس: ٩٤) بأن كعبًا كان ممن يسألون؛ لأنه قرأ الكتاب من قبل ثم أسلم وشهد له سيدنا معاوية بأنه من أصدق المحدثين عن أهل الكتاب، والنهي هو عن سؤال من لم يسلم كما نص عليه في الفتح في آخر شرح هذه الترجمة، وهذا يدل على عظيم ثقة الإمام البخاري بكعب الأحبار؛ لأن احتجاجه به في أمر الدين كما أن ذكره أبلغ في الدلالة على ثقته به من الرواية عنه وعلى أنه لم يمنعه من الرواية عنه إلا عدم وفرة السند الصحيح له إليه على شرطه المعروف ومثل كعب في ذلك كمثل الإمام أبي حنيفة، وكثير من أوثق المحدثين الذين لم تذكر لهم رواية في البخاري للسبب المذكور والإمام الشافعي لم يكن له رواية في البخاري وإنما له شيء يسير في التعليقات فقط فلا يقال: إن البخاري امتنع عن الرواية عن هؤلاء الأئمة لعدم ثقته بهم فلا عجب حينئذ ممن عد كعبًا من رجال البخاري؛ لأنه متى علم السبب بطل العجب واتضح أن صاحب التهذيب مصيب في عد كعب الأحبار من رجال البخاري وأن ذكر حرف (خ) رقمًا على أخذ
стр. 4099
البخاري عن كعب صحيح لا (غلط) لأنه اعتمد عليه في شيء من كتابه - على أنه لا غرض للحافظ ابن حجر من ذلك التعجب إلا طلب النظر في الموضوع شأن أكابر المحققين إذا اختلفت وجهة نظرهم مع من سبقهم يطلبون النظر في الأمر ليتبين الحق فيه وجل المنزه عن الخطأ والنسيان وعلى ذلك أدلة منها أنه صرح بطلب النظر عقب عبارته هذه مباشرة بقوله: وكذا رقم في الرواة عنه (كعب على معاوية ابن أبي سفيان رقم البخاري معتمدًا على هذه القصة وفي ذلك نظر). يريد أن عبارة سيدنا معاوية قصها على الرهط من قريش ثناء على كعب لا رواية عنه، ولكن قول سيدنا معاوية (عنده علم كالثمار أو البحار) يدل على أخذه عن كعب وإلا فمن أين علم ثمار علمه، ومنها أن ابن حجر أبقى حرف (خ) في كتابه تهذيب التهذيب فلو كان جازمًا بغلط صاحب التهذيب في ذكر هذا الحرف لحذفه هو من كتابه: ومنها أنه لم يجرح كعبًا بشيء ما في مؤلفاته بل ترجم له ونقل توثيقه عن كثيرين تأييدًا لتوثيقه له (١).
خامسًا: على فرض ضعفه فهذا لا يقدح في دين الله شيئًا .
فدين الله ثابت لا تبديل ولا تحريف فيه كما عندكم، ولا يملك أحد أن يدخل فيه شيئًا؛ لأنه في عصمة الله .
سادسًا: الكذب في النسبة إليه .
فكثير من الرواة ينقلون عن الصحابي أو التابعي ما مصدره هذه الإسرائيليات من غير بيان فيغتر به بعض الناس، فيظنون أنه لابد أن يكون له أصل مرفوع إلى النبي ﷺ لأنه لا يعرف بالرأي فيعدونه من الذي له حكم المرفوع (٢).
شبهة أخرى: الرد على اتهامهم وهب بن منبه
أولًا: التعريف بوهب بن منبه الصنعاني اليمني:
стр. 4100
وهو: من خيار التابعين، ولد في آخر خلافة عثمان ﵁، عنده من علم أهل الكتاب شيء كثير فإنه صرف عنايته إلى ذلك وبالغ، وحديثه في الصحيحين عن أخيه همام، ولهمام عن أبي هريرة نسخة مشهورة أكثرها في الصحاح رواها عنه معمر، وطال عمر همام وعاش إلى سنة نيف وثلاثين ومائة.
ثانيًا: توثيق العلماء له:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه كان من أبناء فارس كان على قضاء صنعاء وقال أبو زرعة والنسائي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أحمد بن محمد بن الأزهر سمعت مسلمة بن همام بن مسلمة بن همام بن منبه يذكر عن آبائه قال أصل منبه من خراسان من أهل هراة أخرجه كسرى من هراة يعني إلى اليمن فأسلم في عهد النبي ﷺ فحسن إسلامه فسكن ولده باليمن وكان وهب بن منبه يختلف إلى هراة ويتفقد أمرها وجاء من وجهين ضعيفين عن عبادة بن الصامت مرفوعًا: سيكون رجلان في أمتي أحدهما يقال له وهب يؤتيه الله تعالى الحكمة، والآخر يقال له غيلان هو أضر على أمتي من إبليس، وكان ثقة واسمع العلم ينظر بكعب الأحبار في زمانه. قال العجلي: كان ثقة تابعيًا على قضاء صنعاء وقيل: كان والده منبه من أهل هراة ممن بعثهم كسرى لأخذ اليمن فأسلم في حياة النبي ﷺ . وعن وهب قال: يقولون عبد الله بن سلام أعلم أهل زمانه، وكعب أعلم أهل زمانه، أفرأيت من جمع علمهما؟ يعنى نفسه قال الذهبي كان ثقة صادقا كثير النقل من كتب الإسرائيليات (١).
أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وكانت وفاته بصنعاء سنة عشر ومائة وثقه الجمهور، وخالف الفلاس، فقال: كان ضعيفًا وكان شبهته في هذا: أنه كان يتهم بالقول بالقدر وصنف فيه كتابًا ثم صح عنه أنه رجع عنه قال حماد بن سلمة: عن أبى سنان سمعت وهب بن منبه يقول: كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين
стр. 4101
كتابًا من كتب الأنبياء "من جعل إلى نفسه شيئًا من المشيئة فقد كفر "فتركت قولي، وحينئذ لا يلتفت لتضعيف ابن الفلاس لسيدنا وهب خصوصًا وأنه لم يبين وجه التضعيف.
وكان كثير النقل عن كتب أهل الكتاب ويظهر أنه كانت له ثقافة واسعة بكتب الأولين وحكمهم وأخبارهم.
وقد ذكر عنه ابن كثير في بدايته حِكمًا صائبة ومواعظ كثيرة وقصصًا استغرقت بضعًا وعشرين صحيفة وليس فيها ما يستنكر إلا القليل وكذلك: نقل عنه في التفسير روايات كثيرة جدًّا وجلها من الإسرائيليات ونحن لا ننكر أن بسببه دخل في كتب التفسير إسرائيليات وقصص بواطل ولكن الذي ننكره: أن يكون هو الذي وضع ذلك واختلقه من عند نفسه ولكنا مع هذا: لا نخليه من التبعة والمؤاخذة أن كان واسطة من الوسائط التي نقلت هذا إلى المسلمين، وأُلصقت بالتفسير إلصاقًا والقرآن منها بريء ويا ليته ما فعل. (١)
رابعًا [*]: عبادته ﵀:
قال مثنى بن الصباح: لبث وهب عشرين سنة ولم يجعل بين العشاء والصبح وضوءًا (٢).
وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار دخلت على وهب داره بصنعاء فأطعمني جوزًا من جوزة في داره، فقلت له: وددت أنك لم تكن كتبت في القدر، فقال: أنا والله وددت ذلك. (٣)
خامسًا: على فرض ضعفه فهذا لا يقدح في دين الله شيئًا ، فدين الله ثابت لا تبديل ولا تحريف فيه كما عنكم ولا يملك أحد أن يُدخل فيه شيء لأنه في عصمة الله ، ونحن أمام توثيق الجمهور له واعتماد البخاري وغيره لحديثه، وما ثبت عنه من الورع والصلاح لا نقول إلا أنه رجل مظلوم من متهميه ومظلوم هو وكعب من أولئك الذين استغلوا شهرة
стр. 4102
الرجلين ومنزلتهما العلمية، فنسبوا إليهما ما لا يصح عنهما وشوهوا سمعتهما وعرضوهما للنقد اللاذع والطعن المرير.
سادسًا: الكذب في النسبة إليه .
فكثير من الرواة ينقلون عن الصحابي أو التابعي ما مصدره هذه الإسرائيليات من غير بيان فيغتر به بعض الناس فيظنون أنه لابد أن يكون له أصل مرفوع إلى النبي ﷺ ، لأنه لا يعرف بالرأي فيعدونه من الذي له حكم المرفوع (١).
الرد على قولهم أن كعبًا ووهبًا شاركا في قتل الخليفتين .
أولًا: الوجهة التاريخية .
فإن الخليفة الثاني قُتل سنة ٢٣ هـ، وسيدنا وهب قتل ظلمًا أيضًا سنة ١١٠ هـ أو سنة ١١٤ هـ فيكون بينهما تسعون عامًا (كذا) تقريبًا فلا يبعد أن يكون لم يولد وقت قتله وسيدنا كعب كان مقيمًا بالشام بعيدًا عن الفرس وجمعية السبئيين لم تؤلف بعد، لأن عبد ألله بن سبأ رئيسها لم يظهر إلا في خلافة سيدنا عثمان، وأكثر المؤرخين على أن قتل الخليفة الثاني فردي (كذا) وأن الذي قتله هو أبو لؤلؤة غلام سيدنا المغيرة بن شعبة الذي بعثه وهو عامل على الكوفة ليقوم بالصنائع التي تنفع المسلمين وكان ضاربًا عليه مائة درهم في الشهر فتظلم منها إلى الخليفة فلم يرها كثيرة فحنق عليه وقتله بعد أيام وحينئذ لم يكن مرسلًا من جمعية سرية.
والخليفة الثالث قُتل سنة ٣٥ هـ، فبينه وبين سيدنا وهب نحو الثمانين عامًا، فإن كان وُجد فالأقرب أنه كان حينئذ في سن الطفولة، وإقامته كانت بصنعاء بعيدًا عن مراكز الجمعيات التي حكي عنها تدبير قتل الخليفة، أما سيدنا كعب فقد تُوفي سنة ٣٢ هـ أي قبل قتل الخليفة بثلاثة أعوام كما ذكره صاحب الخلاصة المذكورة على أن الحالة تشهد ببُعدهما عن مثل هذه الأحوال لأمور كما هو مبين في الوجه القادم:
ثانيًا: لو نسب إليهما ذلك لشاع واشتهر .
стр. 4103
فلم يأخذ عنهما أحد من المحدثين وخصوصًا البخاري الذي كان يمتنع عن الأخذ عن الراوي لأدنى شبهة قيلت فيه، وأيضًا لحكى عنهما ذلك أحد المترجمين لهم الذكورين ومع أن الحافظ الذهبي التزم في كتابه (تذكرة الحفاظ) أن يذكر فيه المحدثين الموثقين فقط، وقد ذكرهما (كذا) بترجمتين مستفيضتين عن علمهما وورعهما وكفى بذلك توثيقًا. (١)
ثالثًا: أما استدلالهم بما جاء في تاريخ ابن جرير الطبري، عن سليمان بن عبد العزيز عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة، من أن كعب الأحبار قال له: يا أمير المؤمنين أعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام فقال وما يدريك؟ قال أجده في كتاب الله التوراة ... الخ (٢).
فالجواب عنه من وجوه:
الوجه الأول: أن ابن جرير وغيره من المؤرخين لم يلتزموا الصحة فيما ينقلون ويحكون، ولذا تجد في كتبهم الضعيف والموضوع. والباحث المنصف إذا نقل خبرًا من هذه الكتب ينبغي أن يمحصه سندًا ومتنًا.
الوجه الثاني: إذا نظرنا إلى سند هذه القصة ومتنها لا نشك في أنها تنادى على نفسها بالكذب والاختلاق وذلك: لسقوط سندها فإن سليمان مجهول لم نجد له ترجمة، وأبوه ساقط الحديث كما بينه جمع من الأئمة وعبد الله بن جعفر لا بأس به، فأما أبوه جعفر فلا يعرف برواية أصلًا.
الوجه الثالث: ولأنها لو كانت في التوراة لما اختص بعلمها كعب الأحبار وحده، ولكن كان يشاركه العلم بها أمثال عبد الله بن سلام وعبد الله بن عمرو ممن لهم علم بالتوراة.
الوجه الرابع: ولأنها لو صحت لكان المنتظر من عمر حينئذ أن لا يكتفي بقول كعب، ولكن يجمع طائفة ممن أسلم من أهل الكتاب ولهم إحاطة بالتوراة ويسألهم عن هذه القصة، وهو لو فعل لافتضح أمر كعب وظهر للناس كذبه ولتبين لعمر أنه شريك في
стр. 4104
مؤامرة دبرت لقتله، أو أنه على علم بها وحينئذ يعمل عمر على الكشف عنها بشتى الوسائل وينكل بمدبريها ومنهم كعب، هذا هو المنتظر من أي حاكم عادى يقال له مثل ذلك، فضلًا عن عمر ﵁ المعروف بكمال الفطنة وحدة الذهن وتمحيص الأخبار، ولكن شيئًا من ذلك لم يحصل فكان ذلك دليلًا على اختلاقها.
د- وأيضًا فإنها لو صحت لكان معناها أن كعبًا له يد في المؤامرة وأنه يكشف عن نفسه بنفسه وذلك باطل لمخالفة طباع الناس، إذ المعروف أن من اشترك في مؤامرة يبالغ في كتمانها حرصًا على نجاحها وتفاديًا من تحمل تبعتها بعد وقوعها.
وبذلك تبين لنا أن هذه القصة مفتراة بدون أدنى اشتباه، وأن رمى كعب بالكيد للإسلام في شخص عمر ﵁ والكذب في النقل عن التوراة اتهام باطل لا يستند إلى دليل أو برهان، ولقد كان عمر والصحابة ﵃ أعلم بحال كعب منا لأنه صحبهم وجالسهم. ولو كان هناك ما يوجب اتهامه لاتهموه، وقد علمنا أنهم لم يتهموه لا قبل انكشاف المؤامرة ولا بعده، فوجب الجزم بأنه لم يقع منه ما يقتضى اتهامه.
ومن عجيب أمر هؤلاء الطاعنين أنهم يجعلون روايات المؤرخين حجة لا يأتيها الباطل بحال إذا كان لهم غرض في إثبات مضمونها، ويتشككون في روايات البخاري ومسلم إذا جاءت على غير ما يشتهون (١).
* * *
стр. 4105
٢٨ - شبهة: وقوع اللعن في القرآن والسنة .
نص الشبهة:
وقوع اللعن في القرآن والسنة مع نهيهم عن ذلك.
والرد على ذلك من وجوه.
الوجه الأول: معنى اللعن .
الوجه الثاني: ورود النهي في الإسلام عن السب واللعن.
الوجه الثالث: بيان مراتب اللعن ومن يجوز لعنه ومن لا يجوز لعنه.
الوجه الرابع: من لُعن من الله أو رسوله فهو حقًّا قد استحق اللعن.
الوجه الخامس: اللعن في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل،
الوجه الأول: معنى اللعن.
لعن واللَّعْنةُ الاسم والجمع: لِعانٌ ولَعَناتٌ، ولَعَنه يَلْعَنه لَعْنًا؛ طَرَدَه وأَبعده ورجل لَعِينٌ ومَلْعُونٌ. والجمع مَلاعِين. واللّعن: التّعذيب، والمُلَعّنُ: المعذّب، واللَّعِينُ المشتوم المسبوب. لَعَنْتُه: سَبَبْتُه. ولَعَنَهُ الله: باعده. واللَّعِينُ ما يُتّخذ في المزارع كهيئة رجل. واللَّعْنَةُ في القرآن: العذابُ. وقولهم: أبيت اللَّعْنَ، أي: لا تأتي أمرًا تُلْحَي عليه وتُلْعَنُ. واللّعنة: الدّعاء عليه. واللُّعَنَةُ: الكثيرُ اللّعن، واللُّعْنَةُ: الذي يلعنه النّاس. والْتَعَنَ الرّجُل، أي: أنصف في الدّعاء على نفسِه وخَصْمِه، فيقول: على الكاذب منّي ومنك اللَّعْنة. وتلاعَنوا: لَعَنَ بعضُهم بعضًا، واشتاق مُلاعَنة الرّجل امرأته منه في الحكم. والحاكم يُلاعِنُ بينهما ثم يُفَرِّق. قال جميل:
إذا ما ابنُ ملعونٍ تَحدَّر رشْحُه ... عليكِ فموتي بعد ذلك أو ذري
стр. 4106
والتلاعُنُ كالتَّشاتُم في اللفظ، وكلّ فعل على تفاعل فإن الفعل يكون منها، غير أن التّلاعُنَ ربّما استعمل في فعل أحدهما، والتَّلاعُنُ يقع فعل كلّ واحدٍ منهما بنفسه ويجوز أن يقع كلُّ واحدٍ بصاحبه فهو على معنيين (١).
اللعن من الله: هو إبعاد العبد بسخطه، أبْعَدَهُ الله نَحَّاهُ عنِ الخَيْرِ، ولَعَنَهُ. وباعَدَهُ مُباعَدَةً وبِعادًا، وبَعَّدَهُ أَبْعَدَهُ. ومن الإنسان: الدعاء بسخطه (٢).
واللَّعْن أصله الإبعاد والطرد، ومنه قيل: ذئب لعين، أي طريد. قال الشمّاخ:
ذَعَرْتُ به القَطا ونفيتُ عنه ... مَقامَ الذئب كالرَّجُلِ اللّعينِ
ووجه الكلام: مَقامَ الذئب اللعين كالرجل. ثم صارت اللعنة من الله تعالى إبعادًا. ورجل لُعْنة، بتسكين العين: يلعنه الناس، ورجل لُعَنَة: يلعن الناس، وهذا باب يطّرد (٣).
الوجه الثاني: ورود النهى في الإسلام عن السب واللعن .
عَنْ ثَابتِ بْنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَعْنُ المْؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قتلَ نَفْسَهُ بِشَيءٍ فِي الدُّنْيَا، عُذِّبَ بِهِ فِي الآخِرَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ نَذْرٌ فِيمَا لا يَمْلِكُ، وَمَن رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ، فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ" (٤).
وعن ابن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولُ الله ﷺ : "سِبَابُ المْسْلِمِ فُسوقٌ، وَقِتَالهُ كُفْرٌ. (٥)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: قِيلَ يَا رَسُولَ الله ادْعُ عَلَى المُشْرِكِينَ قَالَ: "إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً" (٦).
عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لا يَرْمِي رَجُلٌ رَجلًا بِالْفُسوقِ، وَلا يَرْمِيهِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا" (١).
بل نهى ﷺ عَنْ لَعْنِ الدَّوَابِّ وَغَيْرِهَا، فعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ بَيْنَمَا رَسولُ الله ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَاره وَامْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ "خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ" قَالَ عِمْرَانُ فَكَأَنِّي أَرَاهَا الآنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ وفي رواية "لا أيْمُ الله لا تُصَاحِبُنَا رَاحِلَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ مِنَ الله" (٢).
وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عَبْدَ المُلِكِ بْنَ مَرْوَانَ بَعَثَ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ بِأَنْجَادٍ مِنْ عِنْدِهِ فَلَمّا أَنْ كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ قَامَ عَبْدُ المُلِكِ مِنَ اللَّيْلِ فَدَعَا خَادِمَهُ فَكَأنّهُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ فَلَعَنَهُ فَلَمّا أَصْبَحَ قَالَتْ لَهُ أُمُّ الدَّرْدَاءِ سَمِعْتُكَ اللَّيْلَةَ لَعَنْتَ خَادِمَكَ حِينَ دَعَوْتَهُ. فَقَالَتْ سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٣).
الوجه الثالث: بيان مراتب اللعن ومن يجوز لعنه ومن لا يجوز لعنه .
اللعن إما لحيوان أو جماد أو إنسان وكل ذلك مذموم: واللعن عبارة عن الطرد والإبعاد من الله تعالى، وذلك غير جائز إلا على من اتصف بصفة تبعده من الله وهو الكفر والظلم، بأن يقول لعنة الله على الظالمين وعلى الكافرين، وينبغي أن يتبع فيه لفظ الشرع؛ فإن في اللعنة خطرًا، لأنه حكم على الله بأنه قد أبعد الملعون وذلك غيب لا يطلع عليه غير الله تعالى، ويطلع عليه رسول الله ﷺ إذا أطلعه الله عليه.
والصفات المقتضية للعن ثلاثة: الكفر، والبدعة، والفسق. وللعن في كل واحد ثلاث مراتب.
الأولى: اللعن بالوصف الأعم كقولك لعنة الله على الكافرين والمبتدعين والفسقة.
الثانية: المن بأوصاف أخص منه كقولك: لعنة الله على اليهود والنصارى والمجوس وعلى القدرية والخوارج والروافض، أو على الزناة والظلمة وآكلي الربا، وكل ذلك جائز.
стр. 4110
ولكن في لعن أوصاف المبتدعة خطر؛ لأن معرفة البدعة غامضة، ولم يرد لفظ مأثور؛ فينبغي أن يُمنع منه العوام؛ لأن ذلك يستدعي المعارضة بمثله، ويثير نزاعًا بين الناس وفسادًا.
الثالثة: اللعن للسثخص المعين وهذا فيه خطر كقولك: زيد لعنه الله، وهو كافر أو فاسق أو مبتدع، والتفصيل فيه أن كل شخص ثبتت لعنته شرعًا فتجوز لعنته كقولك. فرعون لعنه الله، وأبو جهل لعنه الله؛ لأنه قد ثبت أن هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعًا. وأما شخص بعينه في زماننا كقولك زيد لعنه الله، وهو يهودي مثلًا فهذا فيه خطر؛ فإنه ربما يسلم فيموت مقربًا عند الله فكيف يحكم بكونه ملعونًا؛ فإن قلت: يلعن لكونه كافرًا في الحال كما يقال للمسلم: ﵀، لكونه مسلمًا في الحال، وإن كان يتصور أن يرتد؟ فاعلم أن معنى قولنا ﵀: أي ثبته الله على الإسلام الذي هو سبب الرحمة وعلى الطاعة، ولا يمكن أن يقال ثبت الله الكافر على ما هو سبب اللعنة، فإن هذا سؤال للكفر وهو في نفسه كفر، بل الجائز أن يقال: لعنه الله إن مات على الكفر، ولا لعنه الله إن مات على الإسلام. وذلك غيب لا يدرى، والمطلق متردد بين الجهتين ففيه خطر، وليس في ترك اللعن خطر.
وإذا عرفت هذا في الكافر فهو في زيد الفاسق أو زيد المبتدع أولى، فلعن الأعيان فيه خطر، لأن الأعيان تتقلب في الأحوال إلا من أعلم به رسول الله ﷺ ، فإنه يجوز أن يعلم من يموت على الكفر، ولذلك عين قومًا باللعن فكان يقول في دعائه على قريش "اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وذكر جماعة قتلوا على الكفر، حتى إن من لم يعلم عاقبته كان يلعنه فنهى عنه إذ روي: أنه كان يلعن الذي قتلوا أصحاب بئر معونة في قنوته شهرًا فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، يعني أنهم ربما يسلمون فمن أين تعلم أنهم ملعونون؟ وكذلك من بان لنا موته على الكفر جاز لعنه، وجاز ذمه إن لم يكن فيه أذى على مسلم، فإن كان لم يجز.
علم مما تقدم أنه لا يجوز لعن كافر، ولا فاسق حي، وأن هذا خطر لما يتضمن من الرضا بموته على كفره أو فسوقه، ولا لعن ميت، لأن الخاتمة مجهولة لا تعرف إلا بوحي
стр. 4111
من الله، وأن لعن الفساق والكفار عامة، أو لعن صِنْف معين منهم في الجملة جائز، ولكنه غير محمود شرعًا، والأولى أن يستبدل الإنسان بذلك اللعن ذكر الله، أو الكلام في الخير.
إن جواز لعن الصنف أو النوع بمعنى عدم تحريمه مقيد بما إذا لم يكن سبًّا لهم في وجوههم؛ لأن السب محرم في ذاته؛ لأنه بذاء مذموم وسبب للشحناء والعدوان، وقد خهى الله تعالى عن سب معبودات المشركين، لئلا يسبوا معبود المؤمنين، فقال في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام: ١٥٨) ولا يخفى أن حرمة الكتابي أعظم من حرمة المشرك واتقاء تنفيره أهم، وأن إيذاءه إذا كان ذميًّا أو معاهدًا أو مستأمنًا محرم بالإجماع، وأنه لا يصح أن يجعل لعن الفاسقين ذريعة إلى تنفيرهم عن فسقهم، كأن يحضر مجلس السكارى ويلعن شاربي الخمر على مسمع منهم؛ لأن الإرشاد يجب أن يكون بالمعروث واللين؛ هذا وإن لعن صنف من الكفار أو الفساق في حضرة أفراد من الصنف هو بمثابة لعن الأشخاص، فهو معصيتان؛ لأنه سب علني من جهة، ولعن لأشخاص معينين من جهة أخرى (١).
الوجه الرابع: من لعن من الله أو رسوله فهو حقًّا قد استحق اللعن .
إن اللعن ما وقع في القرآن والسنة إلا لحكمة بالغة لا يعلمها إلا رب العزة ، ومن نظر في من لعنه الله ومن لعنه النبي ﷺ ، وفهم معنى اللعن في كل أمر على حده؛ علم حقًّا ويقينًا أن كل من لعنه الله أو رسوله ﷺ فهو حقًّا ملعون.
أولًا: من الذين لعنوا في القرآن ؟
١ - إبليس: لرفضه -وتحديه للأمر الرباني أمر رب العالمين بالسجود لآدم- وتكبره -وغروره- وحسده لآدم قال الله إخبارًا عن إبليس: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ١١٨]، لعنه الله"، أخزاه وأقصاه وأبعده وذلك لقوله: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ
٦ - ولتطاولهم على مقام الله رب العالمين ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة: ٦٤].
٧ - ولعصيانهم أنبيائهم فحلت عليهم دعوة ولعنة أنبيائهم وقد لعنهم داوود في مزاميره وعيسى في إنجيله ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾ [المائدة: ٧٨] ولقد لخص القرآن في سورة النساء سبب لعنهم ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾. (النساء ١٥٥: ١٦١).
والآية الأخيرة جاءت بخبر أن الربا والكسب الغير مشروع سببًا للعنة فاحذروا يا عباد الله ولم يعلن الله الحرب على أحد في قرآنه إلا على آكل الربا ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩].
ومن الذين لعنوا في السنة:
١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَى رَسول الله ﷺ رَجُلانِ فَكَلَّمَاهُ بِشَيءٍ لا أَدْرِي مَا هُوَ فَأَغْضَبَاهُ فَلَعَنَهُمَا وَسَبَّهُمَا فَلَمّا خَرَجَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَصَابَ مِنَ الخْيرِ شَيْئًا مَا
стр. 4115
أَصَابَهُ هَذَانِ، قَالَ: "وَمَا ذَاكِ". قَالَتْ قُلْتُ لَعَنْتَهُمَا وَسَبَبْتَهُما قَالَ: "أَوَ مَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي، قُلْتُ: اللهمَّ إِنَّمَا أَنَابَشَرٌ فَأَيُّ المسْلِمِينَ لَعَتتهُ أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا" (١).
وفي هذا الحديث تلفظ النبي ﷺ باللعن، وذلك لوجوه:
١ - أن هذا التلفظ مما جرت به العادات: أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ سَبّه وَدُعَائِهِ وَنَحْوه لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، بَلْ هُوَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَة الْعَرَب فِي وَصْل كَلَامهَا بِلَا نِيَّة، كَقَوْلِهِ: تَرِبَتْ يَمِينك، عَقْرَي حَلْقَي وَفِي هَذَا الحدِيث "لَا كَبِرَتْ سِنّك" وَفِي حَدِيث مُعَاوِيَة "لَا أَشْبَعَ الله بَطْنك" وَنَحْو ذَلِكَ لَا يَقْصِدُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَقِيقَة الدُّعَاء (٢).
٢ - أن هذا حكم بالظاهر، وإن لم يكن صاحبه يستحق ذلك في الباطن.
فقد يكون الملعون لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ عِنْد الله تَعَالَى، وَفِي بَاطِن الْأَمْر، وَلَكِنَّهُ فِي الظَّاهِر مُسْتَوْجِب لَهُ، فَيَظْهَر لَهُ ﷺ اِسْتِحْقَاقه لِذَلِكَ بِأَمَارَةٍ شَرْعِيَّة، وَيَكُون فِي بَاطِن الْأَمْر لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَهُوَ ﷺ مَأْمُور بِالحكْمِ بِالظَّاهِرِ، وَالله يَتَوَلَّى السَّرَائِر (٣).
والأحاديث في الدلالة على ذلك كثيرة، اكتفى منها بما روى عن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهيبة فقسمها بين أربعة، فقال رجل يا رسول الله، اتق الله. فقال: ويلك! أو لست أحق أهل الأرض أن يتقى الله. ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد، يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا لعله أن يكون يصلى، فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال ﷺ : "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم " (٤).
ففي قوله: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم" دلالة على ما
стр. 4116
أجمع عليه العلماء في حقه ﷺ من الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر (١).
٣ - أن النبي ﷺ اشترط على ربه أن من دعي عليه أن يجعلها له طهور وزكاة وقربة إذا لم يكن المدعو عليه، أهلًا للدعاء عليه: قال ﷺ إِنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي أَيُّ عَبْدٍ مِنَ المسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ شَتَمْتُهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا" (٢).
وعن أنس بْن مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتيمَةٌ وَهِىَ أُمُّ أَنَسٍ فَرَأَى رَسُولُ الله ﷺ الْيَتيمَةَ فَقَالَ: "آنتِ هِيَهْ لَقَدْ كَبِرْتِ لا كَبِرَ سِنُّكِ" فَرَجَعَتِ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَبْكِي فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مَا لَكِ يَا بُنيَةُ قَالَتِ الجارِيةُ دَعَا عَلَيَّ نَبِي الله ﷺ أَنْ لا يَكْبَرَ سِنِّي فَالآنَ لا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَدًا -أَوْ قَالَتْ قَرْنِي- فَخَرَجَتْ أُمُّ سلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ لَها رَسُولُ الله ﷺ : "مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ". فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ الله أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي قَالَ: "وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سلَيْمٍ". قَالَتْ زَعَمَتْ أنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لا يَكْبَرَ سِنُّهَا وَلا يَكْبَرَ قَرْنُهَا -قَالَ- فَضَحِكَ رَسُولُ الله ﷺ ثُمَّ قَالَ: "يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي فَقُلْتُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فأيُّما أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ تَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً يُقَربُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٣).
قال ابن القاص: كان يجوز له ﷺ أن يلعن شيئا من غير سبب يقتضيه لأن لعنته رحمة ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم إني اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه؛ فإنما أنا بشر؛ فأي المؤمنين آذيته أو شتمته أو لعنته؛ فاجعلها له زكاة وصلاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة "وفي رواية لهما" إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة واجعل ذلك كفارة له إلى يوم القيامة".
стр. 4117
قال الرافعي: وهذا قريب من جعل الحدود كفارات لأهلها؛ قال العلماء وذلك في حق المسلمين، كما نطق به الخبر؛ فإنه ﷺ دعا على الكفار والمنافقين ولم يكن لهم رحمة (١).
٤ - أن النبي ﷺ بشر كباقي البشر: "إِنَّمَا أنا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ وَأَغْضبُ كَمَا يَغْضبُ الْبَشَرُ" (٢).
فهو ﷺ إنما يغضب لمخالفة الشرع فغضبه ﷺ لله ، وله أن يؤدب على ذلك بما يرى من سب أو لعن أو جلد أو دعاء (٣).
فغضبه ﷺ لله يحمله على تعجيل معاقبة مخالفه وتر الإغضاء والصفح ويؤيده حديث عائشة ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله (٤).
قال الماوردي: يحتمل أنه ﷺ أراد أن دعاءه وسبه وجلده كان مما خير فيه بين أمرين.
أحدهما: هذا والثاني: زجره بأمر آخر يحمله الغضب لله تعالى على أحد الأمرين المخير فيهما وهو السب واللعن والجلد، فليس ذلك خارجًا عن حكم الشرع، ومعنى: "اجعلها صلاة" أي رحمة كما في الرواية الأخرى ولا يفهم من قوله: "وأغضب كما يغضب البشر" أن الغضب حمله على ما لا يجب؛ بل يجوز أن يكون المراد بهذا: أن الغضب لله حمله على معاقبته بلعنه أو سبه، وأنه مما كان يحتمل، ويجوز عفوه عنه، أو كان مما خير بين المعاقبة فيه والعفو عنه وليس في ذلك الغضب خروج عن شرعه، وعصمته في سلوكه وخلقه، بل في ذلك كمال خلقه، ودلالة على بشريته، كما صرح بذلك في رواية مسلم عن أنس ﵁ قال: "إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر" (٥).
стр. 4118
٥ - أن هذا من باب سب أصحاب المعاصي:
يجوز لعن أصحاب المعاصي بالعنوان العام؛ كما لعن الرسول ﷺ آكل الربا والواصلة والنامصة والسارق ومن يلعن والديه، ومن اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد أما لعن إنسان بعينه ممن اتصف بشيء من المعاصي؛ كزانٍ وسارق وآكل ربا؛ فظواهر الأحاديث أنه ليس بحرام، وأشار الغزالي إلى تحريمه إلا في حق من علمنا أنه مات على الكفر كأبي لهب وأبى جهل وفرعون وهامان وأشباههم؛ قال: لأن اللعن هو الإبعاد عن رحمة الله تعالى وما ندرى ما يختم به لهذا الفاسق أو الكافر، وأما الذين لعنهم رسول الله ﷺ بأعيانهم فيجوز إنه علم موتهم على الكفر.
واللعن يقع على وجهين: الأول: أن يلعن الكفار وأصحاب المعاصي على سبيل العموم، كما لو قال: لعن الله اليهود والنصارى. أو: لعنة الله على الكافرين والفاسقين والظالمين. أو: لعن الله شارب الخمر والسارق. فهذا اللعن جائز ولا بأس به.
قال ابن مفلح: ويجوز لعن الكفار عامة. الثاني: أن يكون اللعن على سبيل تعيين الشخص الملعون سواء كان كافرًا أو فاسقًا، كما لو قال: لعنة الله على فلان ويذكره بعينه، فهذا على حالين:
١ - أن يكون النص قد ورد بلعنه مثل إبليس، أو يكون النص قد ورد بموته على الكفر كفرعون وأبي لهب، وأبي جهل، فلعن هذا جائز.
وقال أيضًا: ويجوز لعن من ورد النص بلعنه، ولا إثم عليه في تركه.
٢ - لعن الكافر أو الفاسق على سبيل التعيين ممن لم يرد النص بلعنه بعينه مثل: بائع الخمر -من ذبح لغير الله- من لعن والديه -من آوى محدثا- من غير منار الأرض- وغير ذلك؛ فهذا قد اختلف العلماء في جواز لعنه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجوز بحال. الثاني: يجوز في الكافر دون الفاسق. الثالث: يجوز مطلقًا (١).
واستدل من قال بعدم جواز لعنه بعدة أدلة، منها:
стр. 4119
١ - ما رواه البخاري: عن عبد الله بن عمر ﵁ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ الْفَجْرِ يَقُولُ: اللهمَّ الْعَنْ فُلانًا وَفُلانًا وَفُلانًا بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ الله لمِنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحمْدُ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨] (١).
٢ - ما رواه البخاري: عن عمر أن رجلًا على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارًا، وكان يضحك رسول الله ﷺ وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب؛ فأتي به يومًا فأمر به فجلد، قال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : "لا تلعنوه، فوالله ما علمت، إلا أنه يحب الله ورسوله" (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: واللعنة تجوز مطلقًا لمن لعنه الله ورسوله، وأما لعنة العين؛ فإن علم أنه مات كافرًا جازت لعنته، وأما الفاسق العين؛ فلا تنبغي لعنته لنهي النبي ﷺ أن يلعن عبد الله بن حمار الذي كان يشرب الخمر، مع أنه قد لعن شارب الخمر عمومًا، مع أن في لعنة العين إذا كان فاسقًا أو داعيًا إلى بدعة نزاعًا" (٣).
وقال الشيخ ابن عثيمين: الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم؛ فالأول (العن المعين) ممنوع، والثاني: (العن أهل المعاصي على سبيل العموم) جائز؛ فإذا رأيت محدثًا، فلا تقل لعنك الله، بل قل: لعنة الله على من آوى محدثًا، على سبيل العموم، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ لما صار يلعن أناسًا من المشركين من أهل الجاهلية بقوله: " اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا" نهي عن ذلك بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وليس في الآية الكريمة نهى عن اللعن، وإنما النهي
стр. 4120
حسب سبب النزول؛ عن تعيين أسماء من يلعنهم؛ لعل الله أن يتوب عليهم أو يعذبهم في الدنيا بقتلهم، وفي الآخرة بالعذاب الأليم، فإنهم ظالمون وهو ما حدث فعلًا (١).
فعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ يوم أحد: "اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام. اللهم العن صفوان بن أمية، قال: فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران: ١٢٨) فتاب الله عليهم، فأسلموا فحسن إسلامهم (٢).
وتأمل ختام الآية: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ والظالمون لعنهم رب العزة بصفتهم دون أسمائهم في أكثر من آية منها: قوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (الأعراف: ٤٤)، وقوله : ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (هود: ١٨)، هذا فضلًا عن الآيات التى تلعن اليهود، وتلعن الكاذبين والكافرين، وتلعن بعض عصاة المؤمنين كالذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات وغيرهم. كقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ (المائدة: ٦٤)، وقوله سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾، (المائدة: ٧٨) وقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾ [البقرة: ١٦١].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (النور: ٢٣)، وقوله سبحانه: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (النور: ٧) (٣).
ومن الذين لُعنوا في السنة:
إتيان المرأة في دبرها ملعون من فعله لوجوه منها:
стр. 4121
١ - أن الدبر لم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء ومن نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة في دبرها؛ فقد غلط عليه، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ملعون من أتى المرأة في دبرها" (١)، وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من ذبح لغير الله، ملعون من أتى شيئًا من البهائم، ملعون من عق والديه، ملعون من جمع ضعيفة، ملعون من غير حدود الأرض، ملعون من ادعى إلى غير مواليه (٢).
وعن عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: هي اللوطية الصغرى يعني الرجل يأتي امرأته في دبرها (٣)، وقال ﷺ : من نكح امرأة في دبرها أو رجلًا أو صبيًا حشر يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة يتأذى به الناس حتى يدخل النار وأحبط الله أجره ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا ويدخل في تابوت من نار ويشد عليه مسامير من نار، قال أبو هريرة: هذا لمن لم يتب وقد قال تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ـ قال مجاهد: سألت ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فقال: تأتيها من حيث أمرت أن تعتزلها -يعني في الحيض- وقال علي بن أبي طلحة عنه يقول: في الفرج ولا تعده إلى غيره وقد دلت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين: أحدهما: أنه أباح إتيانها في الحرث وهو موضع الولد لا في الحش الذي هو موضع الأذى، وموضع الحرث هو المراد من قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ الآية قال: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ وإتيانها في قبلها من دبرها مستفاد من الآية أيضا لأنه قال: أنى شئتم أي: من أين شئتم من أمام أو من خلف قال ابن عباس: فأتوا حرثكم يعني: الفرج.
الوجه الخامس: اللعن في الكتاب المقدس .
стр. 4122
من هذا اعتقاد المبشرين أن المسيح إلههم صار لعنة والعياذ بالله تعالى: قال مقدسهم بولس في رسالته إلى أهل غلاطية الإصحاح الثالث العدد (٣/ ١٣): (المِسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنهُ مَكْتُوب: (مَلْعُون كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ).
يعلم الناس أن النصارى يعتقدون أن السيح هو إلههم وربهم وخالقهم ومخلصهم، وكتابهم المقدس يلقنهم أنه (صار لعنة)، واللعنة غاية البالغة في الشتم والازدراء وليس بعدها زيادة لمستزيد، وأي شيء يمكن أن يؤتى به ويكون أشد قبحًا من قول مقدسهم: إنه (صار لعنة)؛ أي أنه نفس اللعنة؟ فما هذا الحب الذي قادهم إلى القول بألوهيته من جهة ثم قادهم إلى القول بأنه (صار لعنة) من جهة أخرى؟ .
دع اعتقادهم بأنه من سلالة زناء مثلث كما بيناه سابقًا، فهم -والحالة هذه- أسوأ حالًا من أشد أعدائه؛ لأن مقام العداوة لا يطلب إلا أقبح الأوصاف، ومقام المحبة لا يطلب إلا أحسنها وأكملها؛ فهم يدّعون محبته ﵇ ويعتقدون أنه خالقهم ورازقهم وفاديهم ونحلصهم، ثم يصفونه بهذا الوصف فما بالهم لا يتدبرون ما يعتقدون. وبما أنه إله على حسب اعتقادهم -والعياذ بالله تعالى- فمَنْ ذا الذي صيّره لعنةً؟ هذا ما نود إيضاحه منهم! وأغرب من ذلك اعتقادهم أن الإله ذو ثلاثة أقانيم (أي أشخاص) وهي الآب والابن والروح القدس، وإن هذه الأقانيم الثلاثة هي إله وأحد. فكيف صار الابن الذي هو ثلث إلههم (العنة) دون الثلثين الآخرين، أي الأب والروح القدس؟ وما داموا يقولون بأن الثلاثة واحد حقيقة فلا بد من دخولهم جميعًا تحت اللعن بهذا الاتحاد! ! فتدبر هذا وسلهم: من اللاعن؟ ومن هو يا ترى؟ (١).
أليس الكتاب المقدس هو الذي حكم على الجنس الأسود كله باللعنة، لأنهم أولاد حام ؟
يقول الكتاب المقدس: "وَكَانَ بَنُو نُوحٍ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الْفُلْكِ سَامًا وَحَامًا وَيَافَثَ. وَحَامٌ هُوَ أَبُو كَنْعَانَ. هؤُلاءِ الثَّلاثَةُ هُمْ بَنُو نُوحٍ. وَمِنْ هؤُلاءِ تَشَعَّبَتْ كُلُّ الأَرْضِ. وَابْتَدَأَ
стр. 4123
نُوحٌ يَكُونُ فَلَّاحًا وَغَرَسَ كَرْمًا. وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ. فَأَبْصَرَ حَامٌ أبو كَنْعَانَ عَوْرَةَ أَبِيهِ، وَأَخْبَرَ أَخَوَيْهِ خَارِجًا. فَأَخَذَ سَامٌ وَيَافَثُ الرِّدَاءَ وَوَضَعَاهُ عَلَى أَكْتَافِهِمَا وَمَشَيَا إِلَى الْوَرَاءِ، وَسَتَرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا وَوَجْهَاهُمَا إِلَى الْوَرَاءِ. فَلَمْ يُبْصِرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا. فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ مِنْ خَمْرِهِ، عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ابْنُهُ الصَّغِيرُ، فَقَالَ: "مَلْعُون كَنْعَانُ! عَبْدَ الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ". وَقَالَ: "مُبَارَك الرَّبُّ إِلهُ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ. لِيَفْتَحِ الله لِيَافَثَ فَيَسْكُنَ فِي مَسَاكِنِ سَامٍ، وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لهمْ (التكوين ٩: ١٨ - ٢٧)
ويمتد اللعن والقذف في النصوص المقدسة! ! عند النصارى ليحدثنا كيف يقذف الله -تعالى عن ذلك- الروث الحيواني في وجوه عصاة بني إسرائيل: قَالَ رَبُّ الجنُودِ. فَإِنِّي أُرْسِلُ عَلَيْكُمُ اللَّعْنَ، وَألعَنُ بَرَكَاتِكُمْ، بَلْ قَدْ لَعَنْتُهَا، لأَنَكُمْ لَسْتُمْ جَاعِلِينَ فِي الْقَلْبِ. ها أنذا أَنْتَهِرُ لَكُمُ الزَّرْعَ، وَأَمُدُّ الْفَرْثَ عَلَى وُجُوهِكُمْ، فَرْثَ أَعْيَادِكُمْ، فَتُنْزَعُونَ مَعَهُ. فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ هذ الْوَصِيَّةَ (ملاخي ٢/ ٢ - ٤).
ويتحدث سفر العدد عن شريعة غريبة يكتشف الرجل بموجبها خيانة زوجته أو براءتها، ألا وهو شرب ماء اللعنة المر الممزوج بغبار البيت؛ فإن ورمت بطنها وسقطت فخذها، فهي مذنبة؛ وإن قدر لها النجاة من هذا الماء الغريب، فإنها تكون بريئة.
ودعونا نتأمل طقوس هذا الاختبار الغريب، يقول سفر العدد: يَأْتِي الرَّجُلُ بَامْرَأَتِهِ إِلَى الْكَاهِنِ، ويأْتِي بِقُرْبَانِهَا مَعَهَا: عُشْرِ الإِيفَةِ مِنْ طَحِينِ شَعِيرٍ، لا يَصُبُّ عَلَيْهِ زيتًا وَلا يَجْعَلُ عَلَيْهِ لُبَانًا، لأَنَّهُ تَقْدِمَةُ غَيْرَهٍ، تَقْدِمَةُ تَذْكَارٍ تُذَكِّرُ ذَنْبًا. فَيُقدِّمُهَا الْكَاهِنُ ويُوقِفُهَا أَمَامَ الرَّبِّ، وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ مَاءً مُقَدَّسًا فِي إِنَاءِ خَزَفٍ، ويأْخُذُ الْكَاهِنُ مِنَ الْغُبَارِ الَّذِي فِي أَرْضِ المَسْكَنِ وَيَجْعَلُ فِي المَاءِ، ويُوقِفُ الْكَاهِنُ المُرْأَةَ أَمَامَ الرَّبِّ، ويَكْشِفُ رَأْسَ المُرْأَةِ، وَيَجْعَلُ فِي يَدَيْهَا تَقْدِمَةَ التَّذْكَارِ الَّتِي هِيَ تَقْدِمَةُ الْغَيرة، وَفِي يَدِ الْكَاهِنِ يَكُونُ مَاءُ اللَّعْنَةِ المُرُّ. وَيَسْتَحْلِفُ الْكَاهِنُ المُرْأَةَ ويقُوُل لَهَا: إِنْ كَانَ لَمْ يَضْطَجعْ مَعَكِ رَجُلٌ، وَإِنْ كُنْتِ لَمْ تَزِيغِي إِلَى نَجَاسَةٍ مِنْ تَحْتِ رَجُلِكِ، فَكُونِي بَرِيئَةً مِنْ مَاءِ اللَّعْنَةِ هذَا المُرِّ. وَلكِنْ إِنْ كُنْتِ قَدْ زُغْتِ مِنْ تَحْتِ رَجُلِكِ وَتَنَجَّسْتِ، وَجَعَلَ
стр. 4124
مَعَكِ رَجُلٌ غَيْرُ رَجُلِكِ مَضْجَعَهُ. يَسْتَحْلِفُ الْكَاهِنُ المُرْأَةَ بِحَلْفِ اللَّعْنَةِ، ويقُولُ الْكَاهِنُ لِلْمَرْأَةِ: يَجْعَلُكِ الرَّبُّ لَعْنَةً وَحَلْفًا بَيْنَ شَعْبِكِ، بِأَنْ يَجْعَلَ الرَّبُّ فَخْذَكِ سَاقِطَةً وَبَطْنَكِ وَارِمًا. ويدْخُلُ مَاءُ اللَّعْنَةِ هذَا فِي أَحْشَائِكِ لِوَرَمِ الْبَطْنِ، وَلإِسْقَاطِ الْفَخْذِ. فتَقُولُ المُرْأَةُ: آمِينَ، آمِينَ. ويكْتُبُ الْكَاهِنُ هذِهِ اللَّعْنَاتِ فِي الْكِتَابِ ثُمَّ يَمْحُوهَا فِي المُاءِ المُرِّ، ويسْقِي المُرْأَةَ مَاءَ اللَّعْنَةِ المُرِّ، فَيَدْخُلُ فِيهَا مَاءُ اللَّعْنَةِ لِلْمَرَارر. ويأْخُذُ الْكَاهِنُ مِنْ يَدِ المُرْأَةِ تَقْدِمَةَ الْغَيْرةِ، ويُرَدِّدُ التَّقْدِمَةَ أَمَامَ الرَّبِّ وُيقَدِّمُهَا إِلَى المُذْبَحِ. ويقْبِضُ الْكَاهِنُ مِنَ التَّقْدِمَةِ تَذْكَارَهَا ويُوقِدُهُ عَلَى المُذْبَحِ، وَبَعْدَ ذلِكَ يَسْقِي المُرْأَةَ المُاءَ. وَمَتَى سَقَاهَا المُاءَ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَنَجَّسَتْ وَخَانَتْ رَجُلَهَا، يَدْخُلُ فِيهَا مَاءُ اللَّعْنَةِ لِلْمَرَارَةِ، فَيَرِمُ بَطْنها وَتَسْقُطُ فَخْذُهَا، فتَصِيرُ المُرْأَةُ لَعْنَةً فِي وَسَطِ شَعْبِهَا. وَإِنْ لَمْ تَكُنِ المُرْأَةُ قَدْ تَنَجَّسَتْ بَلْ كَانَتْ طَاهِرَةً، تَتبرأُ وَتَحْبَلُ بِزَرْعٍ. هذِهِ شَرِيعَةُ الْغَيْرَةِ، إِذَا زَاغَتِ امْرَأَةٌ مِنْ تَحْتِ رَجُلِهَا وَتَنَجَّسَتْ. (العدد ٥/ ١٦ - ٢٩).
فهل يأمر الرب العليم بمثل هذا؟ وهل هذه طريقة منصفة أو كافية في إثبات طهارة أو تلاعب النساء؟ وماذا لو مرضت المرأة وانتفخت بطنها بسبب هذا الماء الغريب وما ألقي فيه، لا بسبب لعناته، هل نعتبر ها آثمة مذنبة، فتخرج للحرق أو الجلد أو الرجم؟ . (١)
كما قد توعدت التوراة باللعن أولئك الذين يصنعون التماثيل "فَيُصَرِّحُ اللاَّوِيُّونَ وَيَقُولُونَ لِجمِيعِ قَوْمِ إِسْرَائِيلَ بِصَوْتٍ عَال: مَلْعُونٌ الإِنْسَانُ الَّذِي يَصْنَعُ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا أَوْ مَسْبُوكًا، رِجْسًا لَدَى الرَّبِّ عَمَلَ يَدَيْ نَحَّاتٍ، وَيَضَعُهُ فِي الْخَفَاءِ. وَيُجِيبُ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَيَقُولُونَ: آمِينَ. (التثنية ٢٧/ ١٤ - ١٥).
ويتحدث المزمور عن ثوب اللعنة الذي لبسه يهوذا على الصليب ولبس اللعنة مثل ثوبه فدخلت، كمياه في حشاه، وكزيت في عظامه. لتكن له كثوب يتعطف به، وكمنطقة يتمنطق بها دائمًا، هذه أجرة مبغضيّ من عند الرب، وأجرة المتكلمين شرًا على نفسي، لقد كانت اللعنة أجرته على عمله، فقد علق على الصليب، وكل معلق ملعون، كما في (سفر
شبهات عن الأنبياء ﵈
وفيها:
١ - عصمة الأنبياء.
٢ - شبهة: حول تعيين الذبيح، وعلاقته بالصلب والفداء.
٣ - شبهة: حول نظر إبراهيم ﵇ في النجوم.
٤ - شبهة: حول لوط ﵇ وتوكله على الله.
٥ - شبهة: قتل موسى ﵇ للقبطي.
٦ - شبهة: حول لطم موسى ملك الموت.
٧ - شبهة: ادعاؤهم عصيان يونس ﵇.
стр. 4128
١ - عصمة الأنبياء
مقدمة:
إن الله أكرم الإنسان وتفضَّل عليه بنعم لا يحصيها العد، ولا يقف بها الحساب عند حد، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨]، ولقد امتحن الله الإنسان في هذه الحياة الدنيا بأنواع الفتن من مال وبنين ونساء وإخوان وأصدقاء وغيرها، وإنما كان الافتتان بتلك الشواغل وهذه الفتن ليعلم الله الذين صدقوا وليعلم الكاذبين.
فإن العدو الذي انتصب في الميدان خصمًا قد أعلن عن خصومته وعداوته وحربه وسلاحه، إذ قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (النساء: ١١٩)، وقال تعالى: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ الأعراف: ١٦ - ١٧)، وكل ذلك لا سبيل للإنسان إلى معرفته من قِبل نفسه، ولا وصول له إليه بعقله مستقلًا، فإنها أمور خارجة عن حسه، وعالية عن متناول تفكيره وذهنه، وجماع ما يكيد به العدو للإنسان ويجلب عليه به بخيله ورجله: الشبهات والشهوات يقذف بها على القلوب والنفوس، ويوالي ذلك متابعًا حتى يصيب القلوب بالأمراض الفتاكة والعلل القتالة فتعرض عن ربها وبارئها.
ووقاية القلوب من تلك الأمراض وهذه العلل إنما يكون بإرسال الرسل، فإن صلاح القلوب لا يكون إلا بمعرفتها بربها وفاطرها، ولا سبيل إلى ذلك إلا من جهة الرسل المبلغين عن الله، ومن هنا نعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به وتصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا ينال رضا الله إلا على أيديهم، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأعمال والأخلاق،
стр. 4129
وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها.
وما ظنك بمن غاب عنه هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك وحلَّ به من الآلام والعذاب ما يكون به مثل الحوت إذا فارق الماء ووُضع في الفلا.
وإذا كان هذا عمل الأنبياء ﵈ وتلك وظيفتهم، فإنه لا يتم الغرض منها ولا تتحقق على تمام وجهها إلا إذا كانوا من الكمال وعلو المنزلة وسمو المقام في نفوس الناس بالدرجة التي تجعلهم أهلًا لأن يُقتدى بهم في أعمالهم وسيرتهم، ويلتزم ما يبلغون عن الله تعالى من الشرائع والأحكام، فقد اصطفاهم الله تعالى ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾، واجتباهم إلى صراطه المستقيم ﴿ولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
ومما لا يشك فيه عاقل أن الله العليم الخبير محال أن يتخذ رسولًا رجلًا تزدريه الأعين وتحتقره القلوب، أو رجلًا متهمًا في نسبه أو ناقصًا أو مشوهًا في خلقه وجسمه يجعل منه داعيًا إليه بإذنه، ومن أجل هذا بعث الله أنبياءه من أوسط قومهم نسبًا، وبرأهم من العيوب الجسيمة، وأعطاهم من صفات الرجولة من الشجاعة وصدق العزيمة وقوة الإرادة وشدة البأس وسعة الصدر وحدة الذهن وذكاء القلب وطلاقة اللسان وحلاوة النطق، ولذلك قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، وقال لموسى ﵇: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾، وقال له: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.
كل هذا ما يوضح بأتم أنواع الإيضاح عن شدة عناية الله تعالى بمن سبق في علمه أنه سيتخذه رسولًا لخلقه، وليس ذلك خاصًا بمحمد ﷺ ، وإنما هو لكل واحد من أنبيائه، فإذا رجعت إلى القرآن الكريم رأيت هذا في قصص الأنبياء بيِّنًا واضحًا ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
стр. 4130
وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾، وعلى الأخص من هذا صفوة الأنبياء وأفضل المرسلين سيدنا محمد ﷺ الذي نشَّأه الله أطيب نشأة وأزكاها وأبرأها وأبعدها من كل نقيصة أو دنية، حتى كان زينة المجالس في قومه ومرجع الأحكام وموئل الكرام، ومثال عزة النفس، فكان سرهم وحلَّال مشكلاتهم، وحرز أماناتهم.
قال ابن العربي: قَدْ بَيَّنَّا فِي السَّالِفِ فِي كِتَابِنَا هَذَا -أحكام القرآن- وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عِصمَةَ الْأَنْبِيَاءِ -صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ- مِنْ الذُّنُوبِ، وَحَقَّقْنَا الْقَوْلَ فِيمَا نُسِبَ إلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَعَهِدْنَا إلَيْكُمْ عَهْدًا لَنْ تَجِدُوا لَهُ رَدًّا أَنَّ أَحَدًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ نَبِيًّا إلَّا بِمَا ذَكَرَهُ الله، لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ أَخْبَارَهُمْ مَرْوِيَّةٌ، وَأَحَادِيثَهُمْ مَنْقُولَةٌ بِزِيَادَاتٍ تَوَلَّاهَا أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إمَّا غَبِيّ عَنْ مِقْدَارِهِمْ، وَإِمَّا بِدْعِيّ لَا رَأْيَ لَهُ فِي بِرِّهِمْ وَوَقَارِهِمْ، فَيَدُسُّ تَحْتَ المُقَالِ المطْلَقِ الدَّوَاهِي، وَلَا يُرَاعِي الْأَدِلَّةَ وَلَا النَّوَاهِيَ (١).
أولًا: تعريف العصمة .
العصمة لغة:
العصمة وردت في اللغة لعدة معان منها:
١ - المنع:
قال ابن منظور: العصمة في كلام العرب: المنع، وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه. عَصمه، يَعْصِمه، عَصْما: منعه ووقاه (٢).
٢ - الحفظ:
قال ابن منظور: والعصمة الحفظ. يقال: عصمته فانعصم، واعتصمت بالله إذا امتنعت بلطفه من المعصية (٣).
стр. 4131
٣ - القلادة:
قال ابن منظور: العصمة القلادة (١).
٤ - الحبل:
قال الزجّاج: أصل العصمة: الحبل وكل ما أمسك شيئا فقد عصمه (٢).
٥ - السبب:
قال الطبري: وللسبب الذي يتسبب به الرجل إلى حاجته: عاصم ومنه قول الأعشى:
إلى المرء قيس أطيل السرى ... وآخذ من كل حي عصم
يعني بالعصم: الأسباب، أسباب الذمة والأمان. (٣)
وبهذا المعنى جاءت الكلمة في القرآن الكريم والسنة المطهرة.
قال تعالى على لسان سيدنا نوح ﵇ وابنه: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (هود: ٤٢ - ٤٣)، وقال تعالى على لسان امرأة العزيز: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (يوسف: ٣٢)، وقال سبحانه في حق سيدنا محمد ﷺ ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ وفي الحديث قال رسول الله ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَّ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله" (٤).
стр. 4132
وإذا أمعنت النظر في هذه المعاني وجدتها جميعًا ترجع إلى المعنى الأول الذي هو "المنع" فالحفظ منع للشيء من الوقوع في المكروه أو المحظور، والقلادة تمنع سقوط الخرز منها، والحبل يمنع من السقوط والتردي، والسبب يمنع صاحبه عما يكره (١).
قال ابن الأثير: العصمة: المنعة، والعاصم: المانع الحامي، والاعتصام الامتساك بالشيء افتعال منه. ومنه شعر أبى طالب يمدح النبي ﷺ :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
أي: يمنعهم من الضياع والحاجة (٢).
تعريف العصمة شرعًا:
عرَّف المتكلمون والمحدثون من أهل السنة العصمة في الشرع بتعريفات بعضها يختلف عن بعض لفظًا إلا أن المعنى واحد، وقد يختلف بعضها لفظًا ومعنى، والاختلاف في المعنى يعود إلى من سلب اختيار المعصوم في أفعاله، ومن أوجبه.
وهذه التعريفات وإن اختلفت مناحيها في التعبير، وتنوعت جواذب تناولها لمعنى عصمة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، فإنها جميعها تنتهي إلى حفظ الله تعالى إياهم من مواقعة الذنوب والمخالفات بعد البعثة باتفاق المحققين المحقين، وقبل البعثة على التحقيق.
ولعل من أحسن التعريفات للعصمة وأسلمها ما ذكره صاحب كتاب نسيم الرياض: لطف من الله تعالى يحمل النبي على فعل الخير، ويزجره عن الشر مع بقاء الاختيار تحقيقًا للابتلاء (٣).
стр. 4133
وخلاصتها: حفظهم من النقائص وتخصيصهم بالكمالات النفيسة والنصرة والثبات في الأمور وإنزال السكينة (١).
وكذلك حفظ الله للأنبياء بواطنهم وظواهرهم من التلبس بمنهي عنه، ولو نهى كراهة ولو في حال الصغر مع بقاء الاختيار تحقيقًا للابتلاء (٢).
ثانيًا: أهمية القول بعصمة الأنبياء .
١ - العصمة سبيل حجية القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة:
إن عصمة رسول الله ﷺ في التبليغ لها دلالتها وأهميتها في حجية كل ما يبلغ عن ربه من الوحي سواء كان متلوًا من القرآن الكريم، أو غير متلوًا من السنة النبوية المطهرة، ومن هنا ترى علماء الأصول تناولوا العصمة في مباحث السنة الشريفة، نظرًا لشدة التصاقها بها، حيث تتوقف حجية السنة المطهرة، بل والقرآن الكريم أيضًا على عصمة رسول الله ﷺ لأن القرآن الكريم والسنة الشريفة، كليهما دليل شرعي يجب العمل به، ولا شك أن وجوب العمل به ناتج عن وجوب طاعة الرسول ﷺ الذي صدر عنه ذلك الوحي بنوعيه (القرآن الكريم، والسنة النبوية) ووجوب طاعته ﷺ متوقف على صدقه، وعصمته ﷺ من الكذب وهذا ما أجمعت عليه الأمة، فقد أجمعوا على عصمته عن أي شيء يخل بالتبليغ، فلا يجوز عليه كتمان الرسالة، والكذب في دعواها لا بالعمد ولا بالسهو، وإلا لم يبق الاعتماد على شيء من الشرائع، إذ عمدة النبوة البلاغ والإعلام والتبيين، وتصديق ما جاء به النبي ﷺ ، وتجويز شيء من الكذب قادح في ذلك، ومشكك فيه، ومناقض للمعجزة التي أيد الله بها رسله تصديقًا له في رسالته، وفى كل ما يبلغه عنه سبحانه، تلك المعجزة القائمة مقام قول الله : صدق رسولي فيما يذكر عنى، وهو يقول: إني رسول الله إليكم لأبلغكم ما أرسلت به إليكم، وأبين لكم ما نزل عليكم. وذلك يستلزم أن كل خبر بلاغي عن رسول الله ﷺ صادق مطابق لما عند الله إجماعًا: فيجب التمسك به.
стр. 4134
٢ - العصمة سبيل الاقتداء بالنبي ﷺ -:
إذا كانت العصمة في التبليغ للنبي ﷺ لها دلالتها على حجية كل ما يبلغ من الوحي سواء كان متلوًا من القرآن الكريم، أو غير متلوٍ من السنة المطهرة، فالعصمة لرسول الله ﷺ في أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وأوامره ونواهيه، مما هو ليس من باب البلاغ، مما كان في أمور الدنيا، وأحوال نفسه الشريفة، لها أيضًا دلالتها على الاقتداء به ﷺ .
ومن هنا جرت عادة علماء الأصول قبل كلامهم عن أفعاله ﷺ أن يقدموا عليها الكلام على العصمة؛ لأجل أنه ينبني عليها وجوب التأسي بأفعاله ﷺ (١).
٣ - القول بعصمة الأنبياء يحفظ العبد من الوقوع في الباطل .
قال القاضي عياض: قد استبان لك أيها الناظر مما قررناه ما هو الحق من عصمته ﷺ عن الجهل بالله وصفاته أو كونه على حالة تنافي العلم شيء من ذلك كله جملة بعد النبوة عقلًا وإجماعًا وقبلها سماعًا ونقلًا ولا بشيء مما قررناه من أمور الشرع وأداه عن ربه من الوحي قطعًا وعقلًا وشرعًا وعصمته عن الكذب وخلف القول منذ نبأه الله وأرسله قصدًا أو غير قصد واستحالة ذلك عليه شرعًا وإجماعًا ونظرًا وبرهانًا وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعا وتنزيهه عن الكبائر إجماعًا وعن الصغائر تحقيقًا وعن استدامة السهو والغفلة واستمرار الغلط والنسيان عليه فيما شرعه للأمة وعصمته في كل حالاته من رضي وغضب وجد ومزح فيجب عليك أن تتلقاه باليمين وتشد عليه يد الضنين وتقدر هذه الفصول حق قدرها وتعلم عظيم قائدتها وخطرها فإن من يجهل ما يجب للنبي ﷺ أو يجوز أو يستحيل عليه ولا يعرف صور أحكامه لا يأمن أن يعتقد في بعضها خلاف ما هي عليه ولا ينزهه عما لا يجب أن يضاف إليه فيهلك من حيث لا يدرى ويسقط في هوة الدرك الأسفل من النار إذ ظن الباطل به اعتقاد ما لا يجوز عليه يحل بصاحبه دار البوار ولهذا ما احتاط ﷺ على الرجلين اللذين رأياه ليلًا وهو معتكف في المسجد مع صفية فقال لهما:
стр. 4135
"إنها صفية"، ثم قال لهما: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وإني خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَيْئًا" (١).
هذه أكرمك الله إحدى فوائد ما تكلمنا عليه في هذه الفصول ولعل جاهلًا لا يعلم بجهله إذا سمع شيئًا منها يرى أن الكلام فيها جملة من فضول العلم وأن السكوت أولى وقد استبان لك أنه متعين للفائدة التي ذكرناها (٢).
٤ - القول بالعصمة يفيد في أصول الفقه في مسألة أقوال النبى ﷺ وأفعاله .
قال القاضي عياض: وفائدة ثانية يُنظر إليها في أصول الفقه ويبتنى عليها مسائل لا تتعد من الفقه ويتخلص بها من تشعيب مختلفي الفقهاء في عدة منها وهي الحكم في أقوال النبي ﷺ وأفعاله وهو باب عظيم وأصل كبير من أصول الفقه ولا بد من بنائه على صدق النبي ﷺ في أخباره وبلاغه، وأنه لا يجوز عليه السهو فيه وعصمته من المخالفة في أفعاله عمدًا وبحسب اختلافهم في وقوع الصغائر وقع خلاف في امتثال الفعل (٣).
٥ - القول بالعصمة يحتاج إليها الحاكم والمفتي
قال القاضي عياض: وفائدة ثالثة يحتاج إليها الحاكم والمفتى فيمن أضاف إلى النبي ﷺ شيئًا من هذه الأمور ووصفه بها فمن لم يعرف ما يجوز وما يمتنع عليه وما وقع الإجماع فيه والخلاف كيف يصمم في الفتيا في ذلك ومن أين يدري هل ما قاله في نقص أو مدح فإما أن يجترئ على سفك دم مسلم حرام أو يسقط حقًّا ويضيع حرمة للنبي ﷺ (٤).
ثالثا: عصمة الأنبياء قبل البعثة .
أولًا: بالنسبة إلى الاعتقاد .