← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

٣ - القلادة: قال ابن منظور: العصمة القلادة (١). ٤ - الحبل: قال الزجّاج: أصل العصمة: الحبل وكل ما أمسك شيئا فقد عصمه (٢). ٥ - السبب: قال الطبري: وللسبب الذي يتسبب به الرجل إلى حاجته: عاصم ومنه قول الأعشى: إلى المرء قيس أطيل السرى ... وآخذ من كل حي عصم يعني بالعصم: الأسباب، أسباب الذمة والأمان. (٣) وبهذا المعنى جاءت الكلمة في القرآن الكريم والسنة المطهرة. قال تعالى على لسان سيدنا نوح ﵇ وابنه: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (هود: ٤٢ - ٤٣)، وقال تعالى على لسان امرأة العزيز: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (يوسف: ٣٢)، وقال سبحانه في حق سيدنا محمد ﷺ ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ وفي الحديث قال رسول الله ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَّ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله" (٤).

стр. 4132

وإذا أمعنت النظر في هذه المعاني وجدتها جميعًا ترجع إلى المعنى الأول الذي هو "المنع" فالحفظ منع للشيء من الوقوع في المكروه أو المحظور، والقلادة تمنع سقوط الخرز منها، والحبل يمنع من السقوط والتردي، والسبب يمنع صاحبه عما يكره (١). قال ابن الأثير: العصمة: المنعة، والعاصم: المانع الحامي، والاعتصام الامتساك بالشيء افتعال منه. ومنه شعر أبى طالب يمدح النبي ﷺ : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل أي: يمنعهم من الضياع والحاجة (٢). تعريف العصمة شرعًا: عرَّف المتكلمون والمحدثون من أهل السنة العصمة في الشرع بتعريفات بعضها يختلف عن بعض لفظًا إلا أن المعنى واحد، وقد يختلف بعضها لفظًا ومعنى، والاختلاف في المعنى يعود إلى من سلب اختيار المعصوم في أفعاله، ومن أوجبه. وهذه التعريفات وإن اختلفت مناحيها في التعبير، وتنوعت جواذب تناولها لمعنى عصمة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، فإنها جميعها تنتهي إلى حفظ الله تعالى إياهم من مواقعة الذنوب والمخالفات بعد البعثة باتفاق المحققين المحقين، وقبل البعثة على التحقيق. ولعل من أحسن التعريفات للعصمة وأسلمها ما ذكره صاحب كتاب نسيم الرياض: لطف من الله تعالى يحمل النبي على فعل الخير، ويزجره عن الشر مع بقاء الاختيار تحقيقًا للابتلاء (٣).

стр. 4133

وخلاصتها: حفظهم من النقائص وتخصيصهم بالكمالات النفيسة والنصرة والثبات في الأمور وإنزال السكينة (١). وكذلك حفظ الله للأنبياء بواطنهم وظواهرهم من التلبس بمنهي عنه، ولو نهى كراهة ولو في حال الصغر مع بقاء الاختيار تحقيقًا للابتلاء (٢). ثانيًا: أهمية القول بعصمة الأنبياء . ١ - العصمة سبيل حجية القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة: إن عصمة رسول الله ﷺ في التبليغ لها دلالتها وأهميتها في حجية كل ما يبلغ عن ربه من الوحي سواء كان متلوًا من القرآن الكريم، أو غير متلوًا من السنة النبوية المطهرة، ومن هنا ترى علماء الأصول تناولوا العصمة في مباحث السنة الشريفة، نظرًا لشدة التصاقها بها، حيث تتوقف حجية السنة المطهرة، بل والقرآن الكريم أيضًا على عصمة رسول الله ﷺ لأن القرآن الكريم والسنة الشريفة، كليهما دليل شرعي يجب العمل به، ولا شك أن وجوب العمل به ناتج عن وجوب طاعة الرسول ﷺ الذي صدر عنه ذلك الوحي بنوعيه (القرآن الكريم، والسنة النبوية) ووجوب طاعته ﷺ متوقف على صدقه، وعصمته ﷺ من الكذب وهذا ما أجمعت عليه الأمة، فقد أجمعوا على عصمته عن أي شيء يخل بالتبليغ، فلا يجوز عليه كتمان الرسالة، والكذب في دعواها لا بالعمد ولا بالسهو، وإلا لم يبق الاعتماد على شيء من الشرائع، إذ عمدة النبوة البلاغ والإعلام والتبيين، وتصديق ما جاء به النبي ﷺ ، وتجويز شيء من الكذب قادح في ذلك، ومشكك فيه، ومناقض للمعجزة التي أيد الله بها رسله تصديقًا له في رسالته، وفى كل ما يبلغه عنه سبحانه، تلك المعجزة القائمة مقام قول الله : صدق رسولي فيما يذكر عنى، وهو يقول: إني رسول الله إليكم لأبلغكم ما أرسلت به إليكم، وأبين لكم ما نزل عليكم. وذلك يستلزم أن كل خبر بلاغي عن رسول الله ﷺ صادق مطابق لما عند الله إجماعًا: فيجب التمسك به.

стр. 4134

٢ - العصمة سبيل الاقتداء بالنبي ﷺ -: إذا كانت العصمة في التبليغ للنبي ﷺ لها دلالتها على حجية كل ما يبلغ من الوحي سواء كان متلوًا من القرآن الكريم، أو غير متلوٍ من السنة المطهرة، فالعصمة لرسول الله ﷺ في أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وأوامره ونواهيه، مما هو ليس من باب البلاغ، مما كان في أمور الدنيا، وأحوال نفسه الشريفة، لها أيضًا دلالتها على الاقتداء به ﷺ . ومن هنا جرت عادة علماء الأصول قبل كلامهم عن أفعاله ﷺ أن يقدموا عليها الكلام على العصمة؛ لأجل أنه ينبني عليها وجوب التأسي بأفعاله ﷺ (١). ٣ - القول بعصمة الأنبياء يحفظ العبد من الوقوع في الباطل . قال القاضي عياض: قد استبان لك أيها الناظر مما قررناه ما هو الحق من عصمته ﷺ عن الجهل بالله وصفاته أو كونه على حالة تنافي العلم شيء من ذلك كله جملة بعد النبوة عقلًا وإجماعًا وقبلها سماعًا ونقلًا ولا بشيء مما قررناه من أمور الشرع وأداه عن ربه من الوحي قطعًا وعقلًا وشرعًا وعصمته عن الكذب وخلف القول منذ نبأه الله وأرسله قصدًا أو غير قصد واستحالة ذلك عليه شرعًا وإجماعًا ونظرًا وبرهانًا وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعا وتنزيهه عن الكبائر إجماعًا وعن الصغائر تحقيقًا وعن استدامة السهو والغفلة واستمرار الغلط والنسيان عليه فيما شرعه للأمة وعصمته في كل حالاته من رضي وغضب وجد ومزح فيجب عليك أن تتلقاه باليمين وتشد عليه يد الضنين وتقدر هذه الفصول حق قدرها وتعلم عظيم قائدتها وخطرها فإن من يجهل ما يجب للنبي ﷺ أو يجوز أو يستحيل عليه ولا يعرف صور أحكامه لا يأمن أن يعتقد في بعضها خلاف ما هي عليه ولا ينزهه عما لا يجب أن يضاف إليه فيهلك من حيث لا يدرى ويسقط في هوة الدرك الأسفل من النار إذ ظن الباطل به اعتقاد ما لا يجوز عليه يحل بصاحبه دار البوار ولهذا ما احتاط ﷺ على الرجلين اللذين رأياه ليلًا وهو معتكف في المسجد مع صفية فقال لهما:

стр. 4135

"إنها صفية"، ثم قال لهما: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وإني خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَيْئًا" (١). هذه أكرمك الله إحدى فوائد ما تكلمنا عليه في هذه الفصول ولعل جاهلًا لا يعلم بجهله إذا سمع شيئًا منها يرى أن الكلام فيها جملة من فضول العلم وأن السكوت أولى وقد استبان لك أنه متعين للفائدة التي ذكرناها (٢). ٤ - القول بالعصمة يفيد في أصول الفقه في مسألة أقوال النبى ﷺ وأفعاله . قال القاضي عياض: وفائدة ثانية يُنظر إليها في أصول الفقه ويبتنى عليها مسائل لا تتعد من الفقه ويتخلص بها من تشعيب مختلفي الفقهاء في عدة منها وهي الحكم في أقوال النبي ﷺ وأفعاله وهو باب عظيم وأصل كبير من أصول الفقه ولا بد من بنائه على صدق النبي ﷺ في أخباره وبلاغه، وأنه لا يجوز عليه السهو فيه وعصمته من المخالفة في أفعاله عمدًا وبحسب اختلافهم في وقوع الصغائر وقع خلاف في امتثال الفعل (٣). ٥ - القول بالعصمة يحتاج إليها الحاكم والمفتي قال القاضي عياض: وفائدة ثالثة يحتاج إليها الحاكم والمفتى فيمن أضاف إلى النبي ﷺ شيئًا من هذه الأمور ووصفه بها فمن لم يعرف ما يجوز وما يمتنع عليه وما وقع الإجماع فيه والخلاف كيف يصمم في الفتيا في ذلك ومن أين يدري هل ما قاله في نقص أو مدح فإما أن يجترئ على سفك دم مسلم حرام أو يسقط حقًّا ويضيع حرمة للنبي ﷺ (٤). ثالثا: عصمة الأنبياء قبل البعثة . أولًا: بالنسبة إلى الاعتقاد .

стр. 4136

وأما الكفر والبدعة فأجمعت الأمة على عصمتهم منهما قبل النبوة وبعدها. ولم يخالف هذا الإجماع إلا من لا يعتد بخلافهم (١). قال القاضي عياض: والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شيء من ذلك وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا ونشأتهم على التوحيد والإيمان بل على إشراق أنوار المعارف نفحات ألطاف السعادة ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحد النبي واصطفى ممن عرف بكفر وإشراك قبل ذلك ومستند هذا الباب النقل وقد استدل بعضهم بأن القلوب تنفر عمن كانت هذه سبيله. وأنا أقول: إن قريشًا قد رمت نبينا ﷺ بكل ما افترته، وغير كفار الأمم أنبياءها بكل ما أمكنها واختلقته مما نص الله تعالى عليه أو نقلته إلينا الرواة ولم نجد في شيء من ذلك تعييرًا لواحد منهم برفضه آلهته وتقريعه بذمه بترك ما كان قد جامعهم عليه،

стр. 4137

ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين وبتلونه في معبوده محتجين ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم من قبل ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلًا إليه إذ لو كان لنقل وما سكتوا عنه كما لم يسكتوا عند تحويل القبلة وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها كما حكاه الله عنهم (١). ثانيًا: بالنسبة للكبائر . ١ - من قال بعدم وقوع الكبائر منهم . قال ابن حزم: فبيقين ندري أن الله تعالى صان أنبياءه عن أن يكونوا لبغيّة أو من أولاد بَغِيِّ أو من بغايا، بل بعثهم الله تعالى في حسب قومهم فإذًا لا شك في هذا، فبيقين ندري أن الله تعالى عصمهم قبل النبوة من كل ما يؤذون به بعد النبوة فدخل في ذلك السرقة والعدوان والقسوة والزنا واللياطة والبغي وأذى الناس في حريمهم وأموالهم وأنفسهم وكل ما يعاب به المرء ويتشكى منه ويؤذى بذكره (٢). وذهبت الروافض ووافقهم على ذلك أكثر المعتزلة إلا في الصغائر إلى امتناع ذلك كله منهم قبل النبوة لأن ذلك مما يوجب هضمهم في النفوس واحتقارهم والنفرة عن اتباعهم وهو خلاف مقتضى الحكمة من بعثة الرسل (٣). وزاد نسبته إلى قولى الجمهور ابن عاشور (٤). واستدل هؤلاء بالآتي:

стр. 4138

١ - قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ (البقرة: ١٢٤). ففيها دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل البعثة (١). ٢ - لأن ذلك مما يوجب هضمهم في النفوس واحتقارهم والنفرة عن اتباعهم وهو خلاف مقتضى الحكمة من بعثة الرسل (٢). ٣ - قال القاضي عياض: وقد اختلف في عصمتهم من المعاصي قبل النبوة فمنعها قوم وجوزها آخرون والصحيح إن شاء الله تنزيههم من كل عيب وعصمتهم من كل ما يوجب الريب فكيف والمسألة تصورها كالممتنع فإن المعاصي والنواهي إنما تكون بعد تقرر الشرع (٣). ٤ - قال د/عماد الشربيني: صفوة القول أنه يمتنع وقوع صورة المعصية من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل بعثتهم، لا لكونها معصية حقيقية تترتب عليها المؤاخذة والعقاب، بل لأن الله تعالى خلقهم مجبولين على مجانبتها والمنافرة لها، لما علمه جل شأنه من أنهم سيكونون مصابيح الظلام، وهداة الأنام، يخرجونهم من الظلمات إلى النور، ويرشدونهم إلى صراط العزيز الحميد. فلا تمر بهم طرفة عين إلا وهم مراقبون لحضرته، مشاهدون لعظمته كما تشهد بذلك سوابقهم الحميدة، وتواريخهم المجيدة. (٤) وهذا القول هو الراجح. ثالثًا: بالنسبة للصغائر ١ - من قال بوقوع الصغائر منهم . قال الشوكاني: وقالت المعتزلة: يمتنع الكبائر دون الصغائر (٥). ٢ - من قال بعدم وقوع الصغائر منهم .

стр. 4139

قال إسحاق بن عقيل: وذهب كثير من العلماء منهم ابن حزم، والقاضي عياض، والقسطلاني، والزرقاني، وكثير من المحققين -وهو الذي نختاره- إلى أن الأنبياء معصومون قبل النبوة من الكبائر والصغائر مطلقًا. قالوا: لأن مقترف الذنوب ممقوت عند الناس ويلازمهم عارها وعيبها بها (١). وإنما بعث من نشأ على التوحيد، والأمانة والصدق، والأخلاق الكاملة، والصفات الفاضلة، وعلى إشراق أنوار المعارف، ونفحات ألطاف السعادة. بهذا تواترت الأخبار، وتعاضدت الآثار، عن الأنبياء جميعهم -صلوات الله وسلامه عليهم-. ولو وقع شيء من هذه المستحقرات قبل النبوة: لنقل ذلك لاعتناء النفوس، وتوافر الدواعي على البحث عن جميع أحوالهم ونقلها، من حين تخرجوا إلى الدنيا، إلى أن فارقوا الممات (٢). وهذا القول هو الراجح. رابعًا: عصمة الأنبياء بعد البعثة . أولًا: بالنسبة إلى الكبائر . فأجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات. وعصمتهم أيضا عما يصغر أقدارهم من القاذورات كالزنا والسرقة واللواط. وكذلك الاتفاق من أهل الشرائع قاطبة على عصمتهم عن تعمد كل ما يخل بصدقهم فيما دلت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه من دعوى الرسالة والتبليغ عن الله تعالى (٣). ثانيًا: بالنسبة إلى الصغائر . ١ - من قال تقع منهم الصغائر .

стр. 4140

قال القاضي: وأما الصغائر فجوزها جماعة من السلف وغيرهم على الأنبياء وهو مذهب أبي جعفر الطبري وغيره من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين (١). قال ابن حزم: وذهبت طائفة إلى أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يجوز عليهم كبيرة من الكبائر أصلا وجوزوا عليهم الصغائر بالعمد وهو قول ابن فورك الأشعري (٢). قال الزركشي: وقال في الْإِكْمَالِ إنَّهُ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ (٣). وهذه الصغائر تنقسم إلى قسمين: ١ - صغيرة خسيسة وهي: ما توجب الحكم على فاعلها بالخسة ودناءة الهمة، وسقوط المروءة. كسرقة حبة أو كسرة. ٢ - صغيرة غير خسيسة وهي: ما لا توجب الحكم بذلك كنظرة. أولًا: صغيرة خسيسة . قال الشوكاني: وكذا حكوا الإجماع على عصمتهم بعد النبوة مما يزري بمناصبهم، كرذائل الأخلاق والدناءات وسائر ما ينفر عنهم، وهي التي يقال لها صغائر الخسة، كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة (٤). لأن مثل هذا يحط منصسب المتسم به ويزري بصاحبه وينفر القلوب عنه والأنبياء منزهون عن ذلك، بل يلحق بهذا ما كان من قبيل المباح فأدى إلى مثله لخروجه بما أدى إليه عن اسم المباح إلى الحظر (٥). ثانيًا: صغيرة غير خسيسة من قال تقع:

стр. 4141

وَنَقَلَ إمَامُ الحرَمَيْنِ والكيا عن الْأَكْثَرِينَ الجوَازَ عَقْلًا. وكذا نقل ذلك عن الأكثرين ابن الحاجب (١). وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَالأَشْعَرِيَّةِ، وَالمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ (٢). وأن أكثر أهل الأصول على جواز وقوع الصغائر غير الصغائر الخسة منهم. ولكن جماعة كثيرة مِن متأخِّري الأصوليِّين اختاروا أن ذلك وإن جاز عقلًا لم يَقع فعلًا، وقالوا: إنما جاء في الكتاب والسنَّة مِن ذلك أن ما فعلوه بتأويل، أو نسيانًا، أو سهوًا، أو نحو ذلك (٣). وهو اختيار الزركشي، حيث قا ل: وَالصَّحِيحُ صِحَّةُ وُقُوعِهَا منهم وَتُتَدَارَكُ بِالتَّوْبَة (٤). من قال لا تقع. فَمَنْ نَفَاهَا كَالْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ من حَيْثُ النَّظَرُ إلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ الْآمِرِ فَلَا تَجُوزُ عِنْدَهُ عليهم. وَنَقَلَ إمَامُ الحرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ عن الْأَكْثَرِينَ عَدَمَ الْوُقُوعِ قال: وَأَوَّلُوا تِلْكَ الْآيَاتِ وَحَمَلُوهَا على ما قبل النُّبُوَّةِ وَعَلَى تَرْكِ الأَوْلَى (٥). وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى .... وَقَالَ: يَجُوزُ الْهَمُّ لا الْفِعْلُ، وهو اختيار ابن النجار (٦). ٢ - من قال لا تقع منهم الصغائر (خسيسة أو غير خسيسة) . قال القرطبي: وقال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي: إنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر أجمعها، لأنا أمرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرًا مطلقًا من غير التزام قرينة، فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم، إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة، والإباحة، أو الحظر، أو المعصية، ولا يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعله معصية، لا سيما على من يرى تقديم الفعل على القول إذا تعارضا من الأصوليين. قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني:

стр. 4142

واختلفوا في الصغائر، والذي عليه الأكثر أن ذلك غير جائز عليهم، وصار بعضهم إلى تجويزها، ولا أصل لهذه المقالة (١). قال ابن حزم: وذهبت جميع أهل الإسلام من أهل السنة والمعتزلة والنجارية والخوارج والشيعة إلى أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبي أصلًا معصية بعمد لا صغيرة ولا كبيرة وهو قول ابن مجاهد الأشعري شيخ ابن فورك، والباقلاني. قال أبو محمد: وهذا القول الذي ندين الله تعالى به ولا يحل لأحد أن يدين بسواه (٢). والأدلة على ذلك. قال الرازي: ويدل على وجوب العصمة خمسة عشر وجهًا. الحجة الأولى: لو صدر الذنب عنهم لكان حالهم في استحقاق الذم عاجلًا والعقاب آجلًا أشد من حال عصاة الأمة، وهذا باطل، فصدور الذنمب أيضًا باطل وبيان الملازمة: أن أعظم نعم الله على العباد هي نعمة الرسالة والنبوة وكل من كانت نعم الله تعالى عليه أكثر كان صدور الذنب عنه أفحش، وصريح العقل يدل عليه ثم يؤكده النقل من ثلاثة وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (الأحزاب: ٣٢). وقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ (الأحزاب: ٣٠). الثاني: أن المحصن يرجم وغيره يجلد. الثالث: أن العبد يُحد نصف حد الحر. الحجة الثانية: لو صدر الذنب عنهم لما كانوا مقبولي الشهادة، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (الحجرات: ٦).

стр. 4143

فقد أمر بالتثبت والتوقف في قبول شهادة الفاسق، إلا أن هذا باطل فإن من لم تقبل شهادته في حال الدنيا فكيف تقبل شهادته في الأديان الباقية إلى يوم القيامة. الحجة الثالثة: لو صدر الذنب عنهم لوجب زجرهم، لأن الدلائل دالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن زجر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير جائز، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧] فكان صدور الذنب عنهم ممتنعًا. الحجة الرابعة: لو صدر الفسق عن محمد ﷺ لكنا إما أن نكون مأمورين بالاقتداء به وهذا لا يجوز، أو لا نكون مأمورين بالاقتداء به وهذا أيضًا باطل، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران: ٣١). ولقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ (الأنعام: ١٥٣)، ولما كان صدور الفسق يفضي إلى هذين القسمين الباطلين كان صدور الفسق عنه محالًا. الحجة الخامسة: لو صدرت المعصية عن الأنبياء ﵈ لوجب أن يكونوا موعودين بعذاب الله بعذاب جهنم؟ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]. ولكانوا ملعونين؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (هود: ١٨). وبإجماع الأمة هذا باطل فكان صدور المعصية عنهم باطلًا. الحجة السادسة: أنهم كانوا يأمرون بالطاعات وترك المعاصي ولو تركوا الطاعة وفعلوا المعصية لدخلوا تحت قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ (الصف: ٢ - ٣). وتحت قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (البقرة: ٤٤). ومعلوم أن هذا في غاية القبح.

стр. 4144

الحجة السبعة: قال الله تعالى في صفة إبراهيم وإسحاق ويعقوب: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (الأنبياء: ٩٠). فدخل تحت لفظ ﴿الْخَيْرَاتِ﴾ فعل كل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي، وذلك يدل على أنهم كانوا فاعلين لكل الطاعات وتاركين لكل المعاصي. الحجة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾ [ص: ٤٧]. وهو أن اللفظين أعنى قوله تعالى: ﴿الْمُصْطَفَيْنَ﴾ وقوله: ﴿الْأَخْيَارِ﴾ يتناولان جملة الأفعال والتروك، بدليل جواز الاستثناء، يقال: فلان من المصطفين الأخيار إلا في كذا، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فدلت هذه الآية على أنهم كانوا من المصطفين الأخيار في كل الأمور، وهذا ينافي صدور الذنب عنهم. الحجة التاسعة: قوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ (ص: ٨٣). استثنى المخلصين من إغوائه وإضلاله، ثم إنه تعالى شهد على إبراهيم وإسحاق ويعقوب -عليهم الصلاة والسلام- أنهم من المخلصين، حيث قال: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾ (ص: ٤٦). وقال في حق يوسف ﷺ : ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: ٢٤)، فثبت أن إغواء إبليس لم يصل إليهم، وذلك يوجب القطع بعدم صدور المعصية عنهم. الحجة العاشرة: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠]. فهؤلاء الذين لم يتبعوا إبليس إما أن يقال: إنهم الأنبياء أو غيرهم، فإن كانوا غيرهم لزم أن يكونوا أفضل منهم، لقو له تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣).

стр. 4145

وتفضيل غير النبي على النبي باطل بالإجماع، فوجب القطع بأن أولئك الذين لم يتبعوا إبليس هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكل من أذنب فقد اتبع إبليس، فدل هذا على أن الأنبياء صلوات الله عليهم ما أذنبوا. الحجة الحادية عشرة: أنه تعالى قسم المكلفين إلى قسمين: حزب الشيطان كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ المجادلة: ١٩). وحزب الله كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الجادلة: ٢٢). ولا شك أن حزب الشيطان هو الذي يفعل ما يريد الشيطان ويأمره به فلو صدرت الذنوب عن الأنبياء لصدق عليهم أنهم حزب الشيطان. الحجة الثانية عشر: إن العلماء -رحمهم الله تعالى- بينوا أن الأنبياء أفضل من الملائكة وثابت بالدلالة على أن الملائكة ما أقدموا على شيء من الذنوب، فلو صدرت الذنوب عن الأنبياء لامتنع أن يكونوا زائدين في الفضل على الملائكة لقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص: ٢٨]. الحجة الثالثة عشر: قال الله تعالى في حق إبراهيم ﷺ : ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (البقرة: ١٢٤). والإمام هو الذي يُقتدى به، فلو صدر الذنب عن إبراهيم، لكان اقتداء الخلق به في ذلك الذنب واجبًا وإنه باطل. الحجة الرابعة عشر: قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٢٤). فكل من أقدم على الذنب كان ظالمًا لنفسه لقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ (فاطر: ٣٢). إذا عرفت هذا فنقول: ذلك العهد الذي حكم الله تعالى بأنه لا يصل إلى الظالمين، إما أن يكون هو عهد النبوة أو عهد الإمامة، فإن كان الأول فهو المقصود، وإن كان الثاني

стр. 4146

فالمقصود أشهر، لأن عهد الإمامة أقل درجة من عهد النبوة، فإذا لم يصل عهد الإمامة إلى المذنب العاصي، فبأن لا يصل عهد النبوة إليه أولى. الحجة الخامسة عشر: صح أن خزيمة بن ثابت الأنصاري ﵁ شهد على وفق دعوى النبي ﷺ مع أنه ما كان عالمًا بتلك الواقعة فقال خزيمة: (إني أصدقك فيما تخبر عنه من أحوال السماء، أفلا أصدقك في هذا القدر؟ ! ) (١)، فلما ذكر ذلك صدقه النبي ﷺ فيه ولقبه بذي الشهادتين، ولو كان الذنب جائزًا على الأنبياء لكانت شهادة خزيمة غير جائزة (٢). ومن الأدلة أيضًا: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فما كان أن يحث نبيه ﷺ على الاقتداء والأسوة بأنبيائه ورسله إلا وهم معصومون من الصغائر (٣). من قال بعصمة الأنبياء من الكبيرة والصغيرة مطلقًا: قال ابن النجار: وَمَنَعَ الأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الإسْفَرايِينِيّ وَجَمع مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ الذَّنْبِ مُطْلَقًا، كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا، عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، أَخَلَّ بِصِدْقِهِ أَوْ لا، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي المُعَالِي فِي "الإِرْشَادِ" وَالْقَاضِي عِيَاضٍ وَأَبِي بَكْرٍ وابْنِ مُجَاهِدٍ وَابْنِ فُورَكٍ. نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي "الملَلِ وَالنِّحَلِ" (٤)، وَابْنِ حَزْمٍ، وَابْنِ بُرْهَانٍ فِي "الأَوْسَطِ". وَنَقَلَهُ فِي "الْوَجِيزِ" عَنْ اتِّفَاقِ المُحَقِّقِينَ. وَحَكَاهُ فِي "زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ" عَنْ المُحَقِّقِينَ. وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ - هو الحسين بن محمد بن أحمد المروذي، أبو علي الفقيه الشافعي-: هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ

стр. 4147

أَصْحَابِنَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْفَتْحِ الشِّهْرِسْتَانِيّ، وَابْنِ عَطِيَّةَ المفَسِّرِ، وَشَيْخِ الإِسْلامِ الْبُلْقِينِيِّ، وَالسُّبْكِي وَوَلَدِهِ التَّاجِ. فَالْعِصْمَةُ ثَابِتَةٌ لَهُ ﷺ وَلسَائِرِ الأنبِيَاءِ -عَلَيْهِمْ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ- مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ. عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا فِي الأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا لأَنَّا أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِمْ فِي أَفْعَالهِمْ وَآثَارِهِمْ وَسِيَرِهِمْ عَلَى الإِطْلاقِ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِ قَرِينَةٍ. وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، تَعَاضَدَتْ الأَخْبَارُ بِتَنْزِيهِهِمْ عَنْ النّقَائِصِ مُنْذُ وُلدُوا، وَنَشْأَتهمْ عَلَى كَمَالِ أَوْصَافِهِمْ فِي تَوْحِيدِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا، عَلَى الخلافِ فِي ذَلِكَ، وَلا سِيما فِيمَا بَعْدَ الْبَعْثَةِ فِيمَا يُنَافِي المُعْجِزَةَ (١). ضوابط من قال بوقوع الصغائر ١ - الذين قالوا بوقوعها إنما هو عقلًا فقط، لكن جماعة كثيرة مِن متأخري الأصوليِّين اختاروا أن ذلك وإن جاز عقلًا لم يَقع فعلًا (٢). ٢ - أنها إن وقعت فعلى سبيل التأويل والنسيان والخطأ (٣). ٣ - أنها إن وقعت فعلى سبيل السهو (٤). ٤ - أنها إن وقعت فلا يقرون عليها بل ينبهون عليها. والتَّأَسِّي إنَّمَا هُوَ فِيمَا أُقِرُّوا عَلَيْهِ كَمَا أَنَّ النَّسْخَ جَائِزٌ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَلَيْسَ تَجْوِيزُ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الطَّاعَةِ لِأَنَّ الطَّاعَةَ تَجِبُ فِيمَا لَمْ يُنْسَخْ فَعَدَمُ النَّسْخِ يُقَرِّرُ الحكْمَ وَعَدَمُ الْإِنْكَارِ يُقَرِّرُ الْفِعْلَ وَالْأَصْلُ عَدَمُ كُلِّ مِنْهُمَا (٥).

стр. 4148

٥ - أنها إن وقعت فلا تتكرر بل هي على سبيل الندرة لأن كثرتها تلحقها بالكبائر. وَهُمْ مَعْصُومُونَ عن دَوَامِ الخطَأ (١). ٦ - أنها إن وقعت فتتدارك بالتوبة (٢). ٧ - أنها إن وقعت فلا تقدح في مناصبهم. قال القرطبي: الذي ينبغي أن يقال إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها وأشفقوا منها وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها وإن قبل ذلك آحادها، وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات وفي حقهم سيئات، بالنسبة إلى مناصبهم وعلو أقدارهم، إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة. قال: وهذا هو الحق. ولقد أحسن الجنيد حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين. فهم -صلوات الله وسلامه عليهم- وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبهم، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم، صلوات الله عليهم وسلامه (٣). حكم من قال بجواز وقوع الصغائر على الأنبياء بهذه الضوابط . قال ابن تيمية: واتفق علماء المسلمين على أنه لا يكفر أحد من علماء المسلمين المنازعين في عصمة الأنبياء والذين قالوا: إنه يجوز عليهم الصغائر والخطأ ولا يقرون على ذلك لم يكفر أحد منهم باتفاق المسلمين فإن هؤلاء يقولون: إنهم معصومون من الإقرار على ذلك ولو كفر هؤلاء لزم تكفير كثير من الشافعية والمالكية والحنفية والحنبلية

стр. 4149

والأشعرية وأهل الحديث والتفسير والصوفية: الذين ليسوا كفارا باتفاق المسلمين بل أئمة هؤلاء يقولون بذلك. فالذي حكاه عن الشيخ أبي حامد الغزالي قد قال مثله أئمة أصحاب الشافعي أصحاب الوجوه الذين هم أعظم في مذهب الشافعي من أبي حامد كما قال الشيخ أبو حامد الأسفرائيني الذي هو إمام المذهب بعد الشافعي وابن سريج في تعليقه: وذلك أن عندنا أن النبي ﷺ يجوز عليه الخطأ كما يجوز علينا ولكن الفرق بيننا أنا نقر على الخطأ والنبي ﷺ لا يقر عليه. وهذه المسألة قد ذكرها في أصول الفقه الشيخ أبو حامد، وأبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وكذلك ذكرها بقية طوائف أهل العلم: من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، ومنهم من ادعى إجماع السلف على هذا القول، كما ذكر ذلك عن أبي سليمان الخطابي ونحوه، ومع هذا فقد اتفق المسلمون على أنه لا يكفر أحد من هؤلاء الأئمة ومن كفرهم بذلك استحق العقوبة الغليظة التي تزجره وأمثاله عن تكفير المسلمين وإنما يقال في مثال ذلك: قولهم صواب أو خطأ فمن وافقهم قال: إن قولهم الصواب ومن نازعهم قال: إن قولهم خطأ والصواب قول مخالفهم (١). خامسًا: العصمة في التبليغ . أجمعت الأمة على عصمة الأنبياء في معنى التبليغ، فهم متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى، وهذا هو مقصود الرسالة فإن الرسول هو الذي يبلغ عن الله أمره ونهيه وخبره وهم معصومون في تبليغ الرسالة باتفاق المسلمين بحيث لا يجوز أن يستقر في ذلك شيء من الخطأ (٢). ١ - العصمة في الأحكام والفتوى .

стр. 4150

قال الزركشي: وَالْإِجْمَاعُ على عِصْمَتِهِمْ فيها وَلَوْ في حَالِ الْغَضَبِ بَلْ يُسْتَدَلُّ بِشِدَّةِ غَضبِهِ ﷺ على تَحْرِيمِ ذلك الشَّيْءِ (١). قال الشوكاني: وقع الإجماع على عصمتهم بعد النبوة من تعمد الكذب في الأحكام الشرعية، لدلالة المعجزة على صدقهم، وأما الكذب غلطًا فمنعه الجمهور وجوزه القاضي أبو بكر. واستدل الجمهور: بأن المعجزة تدل على امتناعه، واستدل القاضي بأن المعجزة إنما تدل على امتناعه عمدًا لا خطأ، وقول الجمهور أولى (٢). ٢ - بالنسبة للنسيان والسهو والغلط . فهذا ينقسم إلى الآتي: ١ - النسيان والسهو والغلط في القول فيما يتعلق بالتبليغ والرسالة. ٢ - النسيان والسهو والغلط في القول فيما لا يتعلق بالتبليغ والرسالة. ٣ - النسيان والسهو والغلط في الأفعال فيما يتعلق بالتبليغ والرسالة. ٤ - النسيان والسهو والغلط في الأفعال فيما لا يتعلق بالتبليغ والرسالة. أولًا: النسيان والسهو والغلط في القول فيما يتعلق بالتبليغ والرسالة فقد نقل غير واحد الإجماع على عصمتهم من ذلك (٣). ثانيًا: النسيان والسهو والغلط في القول فيما لا يتعلق بالتبليغ والرسالة قال القاضي عياض: وأما ما ليس سبيله سبيل البلاغ من الأخبار التي لا مستند لها إلى الأحكام ولا أخبار المعاد ولا تضاف إلى وحى بل في أمور الدنيا وأحوال نفسه فالذي يجب تنزيه النبي ﷺ عن أن يقع خبره في شيء من ذلك بخلاف مخبره لا عمدًا ولا سهوًا ولا غلطًا وأنه معصوم من

стр. 4151

ذلك في حال رضاه وفي حال سخطه وجده ومزحه وصحته ومرضه ودليل ذلك اتفاق السلف وإجماعهم عليه وذلك أنا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله وللثقة بجميع أخباره في أي باب كانت وعن أي شيء وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف ولا تردد في شيء منها استثبات ولا عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهو أم لا. (١) ثالثًا: النسيان والسهو والغلط في الأفعال فيما يتعلق بالتبليغ والرسالة . قال القاضي عياض: فحكمه عند جماعة من العلماء حكم السهو في القول في هذا الباب، وقد ذكرنا الاتفاق على امتناع ذلك في حق النبي ﷺ وعصمته من جوازه عليه قصدًا أو سهوًا، فكذلك قالوا: الأفعال في هذا الباب لا يجوز طرو المخالفة فيها لا عمدًا ولا سهوًا لأنها بمعنى القول من جهة التبليغ والأداء وطرو هذه العوارض عليها يوجب التشكيك ويسبب المطاعن، واعتذروا عن أحاديث السهو بتوجيهات نذكرها بعد هذا وإلى هذا مال أبو إسحاق، (وغيره من المشايخ المتصوفة). وذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلمين (ومعظم المحققين) إلى أن المخالفة في الأفعال البلاغية والأحكام الشرعية سهوًا وعن غير قصد منه جائز عليه كما تقرر من أحاديث السهو في الصلاة وترقوا بين ذلك وبين الأقوال البلاغية لقيام المعجزة على الصدق في القول ومخالفة ذلك تناقضها وأما السهو في الأفعال فغير مناقض لها ولا قادح في النبوة بل غلطات الفعل وغفلات القلب من سمات البشر كما قال ﷺ : "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي" (٢)، نعم بل حالة النسيان والسهو هنا في حقه ﷺ سبب إفادة علم وتقرير شرع ... وهذه الحالة زيادة له في التبليغ وتمام عليه في النعمة بعيدة عن سمات النقص وأغراض الطعن (٣).

стр. 4152

رابعًا: النسيان والسهو والغلط في الأفعال فيما لا يتعلق بالتبليغ والرسالة . فقد نقل غير واحد الإجماع على وقوعه منهم وهو بضوابط. (١) قال القاضي عياض: وأما ما ليس طريقه البلاع ولا بيان الأحكام من أفعاله ﷺ وما يختص به من أمور دينه وأذكار قلبه مما لم يفعله ليتبع فيه فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط عليه فيها ولحوق الفترات والغفلات بقلبه وذلك بما كلفه من مقاساة الخلق وسياسات الأمة ومعاناة الأهلي وملاحظة الأعداء ولكن ليس على سبيل التكرار ولا الاتصال بل على سبيل الندور .... وليس في هذا شيء يحط من رتبته ويناقض معجزته. (٢) وأما عن ضوابط وقوع النسيان والسهو والغلط لمن قال بوقوعه فهي: ١ - أن الرسل لا تقر على السهو والغلط بل ينبهون عليه ويعرفون حكمه بالفور على قول بعضهم وهو الصحيح وقبل انقراضهم على قول الآخرين. أي: يمنع استدامة السهو لا ابتداءه. (٣) ٢ - أَنَّ هَذَا النِّسْيَانَ فِيمَا أَرَادَ الله من نَبِيِّهِ نِسْيَانَهُ ولم يُرِدْ أَنْ يُكْتَبَ قُرآَنا. أي: الذي يمنع هو السهو الشيطاني لا الرحماني. (٤) ٣ - أن الذي ينساه الرسول ﷺ إنما يكون فيما سمعه من القصص والأخبار وكلام الناس فيما لا يتعلق بالبلاع وبالتكليف. (٥) ٤ - أنه لو وقع في الأفعال فيما لا يتعلق بالتبليغ والرسالة فليس على سبيل التكرار ولا الاتصال بل على سبيل الندور. (٦) ٣ - بالنسبة للأعراض البشرية .

стр. 4153

قال القاضي عياض: قد قدمنا أنه ﷺ وسائر الأنبياء والرسل من البشر وأن جسمه وظاهره خالص للبشر يجوز عليه من الآفات والتغييرات والآلام والأسقام وتجرع كأس الحمام ما يجوز على البشر وهذا كله ليس بنقيصة فيه لأن الشيء إنما يسمى ناقصا بالإضافة إلى ما هو أتم منه وأكمل من نوعه وقد كتب الله تعالى على أهل هذه الدار فيها يحيون وفيها يموتون ومنها يخرجون وخلق جميع البشر بمدرجة الغير فقد مرض ﷺ واشتكى وأصابه الحر والقر، وأدركه الجوع والعطش، ولحقه الغضب والضجر، وناله الإعياء والتعب، ومسه الضعف والكبر، وسقط فجُحش شقه، وشجَّه الكفار، وكسروا رباعيته، وسقي السم، وسحر، وتداوى، واحتجم، وتنشر وتعوذ، ثم قضى نحبه فتوفى ﷺ ولحق بالرفيق الأعلى وتخلص من دار الامتحان والبلوى وهذه سمات البشر التي لا محيص عنها، وأصاب غيره من الأنبياء ما هو أعظم منه فقتلوا قتلًا، ورموا في النار، ونشروا بالمناشير، ومنهم من وقاه الله ذلك في بعض الأوقات، ومنهم من عصمه كما عصم بعد نبينا من الناس فلئن لم يكف نبينا ربه يدَ ابن قميئة يوم أحد ولا حجبه عن عيون عداه عند دعوته أهل الطائف فلقد أخذ على عيون قريش عند خروجه إلى ثور وأمسك عنه سيف غورث، وحجر أبى جهل، وفرس سراقة، ولئن لم يقه من سحر ابن الأعصم فلقد وقاه ما هو أعظم من سم اليهودية، وهكذا سائر أنبيائه مبتلى ومعافى، وذلك من تمام حكمته ليظهر شرفهم في هذه المقامات ويبين أمرهم ويتم كلمته فيهم وليحقق بامتحانهم بشريتهم ويرتفع الالتباس عن أهل الضعف فيهم لئلا يضلوا بما يظهر من العجائب على أيديهم ضلال النصارى بعيسى ابن مريم وليكون في محنهم تسلية لأممهم ووفور لأجورهم عند ربهم تمامًا على الذي أحسن إليهم، قال بعض المحققين وهذه الطوارئ والتغييرات المذكورة إنما تختص بأجسامهم البشرية المقصود بها مقاومة البشر ومعناة بنى آدم لمشاكلة الجنس وأما بواطنهم فمنزهة غالبًا عن ذلك معصومة منه متعلقة بالملأ الأعلى والملائكة لأخذها عنهم وتلقيها الوحى منهم قال

стр. 4154

وقد قال ﷺ : "إِنَّ عيني تَنَامَانِ وَلا يَنَامُ قلبي" (١)، وقال: "إني لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إني أَبِيتُ يطعمني رَبِّي ويسقيني" (٢)، فأخبر أن سره وباطنه وروحه خلاف جسمه وظاهره، وأن الآفات التي تحل ظاهره من ضعف، وجوع، وسهر ونوم، لا يحل منها شيء باطنه بخلاف غيره من البشر في حكم الباطن لأن غيره إذا نام استغرق النوم جسمه وقلبه، وهو ﷺ في نومه حاضر القلب كما هو في يقظته حتى قد جاء في بعض الآثار أنه كان محروسًا من الحدث في نومه لكون قلبه يقظان كما ذكرناه وكذلك غيره إذا جاع ضعف لذلك جسمه وخارت قوته فبطلت بالكلية جملته وهو ﷺ قد أخبر أنه لا يعتريه ذلك، وأنه بخلافهم لقوله: "إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي" (٣). وكذلك أقول: إنه في هذه الأحوال كلها من وصب ومرض وسحر وغضب لم يجر على باطنه ما يخل به ولا فاض منه على لسانه وجوارحه ما لا يليق به كما يعتري غيره من البشر (٤). عصمة النبي ﷺ -. أولًا: عصمة النبي ﷺ في التبليغ وتحمل الرسالة . إن مهمة الرسل الأولى التي كلفهم الله بها إلى الأمم ليخرجوهم من الظلمات إلى النور، هي التبليغ الذي أوجبه الله تعالى عليهم بمقتضى اصطفائهم للرسالة التي حملهم إياها، فيجب عليهم التبليغ، ويستحيل عليهم أي شيء يخل به ككتمان الرسالة، والكذب في دعواها، وتصور الشيطان لهم في صورة الملك وتلبيسه عليهم في أول الرسالة وفيما بعدها، وسلطه على خواطرهم بالوساوس، لا على وجه العمد، ولا على وجه السهو، ولا في حال الرضى أو السخط، والصحة أو المرض، ويجب على المسلمين اعتقاد ذلك فيهم. وهذه العصمة هي التي عليها المناط، فبها يحصل المقصود من البعثة فتبليغ شرع الله إلى

стр. 4155

الخلق هي مهمة الرسل من أولهم إلى آخرهم فهم الواسطة بين الله وبين خلقه الذين أرسلوا إليهم، فبطريقهم يهتدي البشر ويرشدون إلى دين الله إذ هم المبلغون عن الله أمره ونهيه وشرعه. ولذلك فقد أوجب الله العصمة لأنبيائه ورسله في هذا الجانب حتى تصل الرسالة إلى العباد كاملة تامة غير منقوصة ولا محرفة، وبذلك تقوم الحجة على العباد. ولقد دلت نصوص القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة على عصمة نبينا محمد ﷺ في هذا الجانب، وانعقد إجماع الأمة على ذلك. أولًا: من القرآن الكريم: جاءت آيات في القرآن الكريم تثبت عصمته ﷺ وصدقه في كل ما يبلغ عن الله تعالى، وهذه الآيات تتضمن أيضًا أدلة عقلية على صدقه ﷺ من هذه الآيات ما يلى: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ والذي جاء بالصدق كما يدل عليه سياق هذه الآية هو نبينا محمد ﷺ ، وقد شهد لما جاء به من عنده سبحانه (قرآنًا وسنة) سماه صدقًا، ويلزم من صدق ما أتى به، صدقه هو في نفسه، إذ لا يأتي بالصدق إلا كامل الصدق، وذلك مما لا جدال فيه حيث كان صدقه معلومًا منذ حداثة سنه، وشهد له بذلك أعداؤه قبل أصدقائه، فإن الأعداء من الكفرة والمشركين لم يكونوا يشكون يومًا في صدقه، كما قال : ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ وكما كانوا يشهدون له بذلك في مواقف مختلفة. وإذا كانت الآيات السابقة شهادات حسية على صدقه في كل ما يبلغ عن ربه، فهناك شهادات معنوية على صدقه ﷺ تتمثل في تأييد الله له ﷺ بالمعجزات المنزلة منزلة قوله : "صدق عبدي فيما يبلغ عني" ومن هذه المعجزات: القرآن الكريم، وانشقاق القمر، وتسبيح الحصى، وحنين الجذع، وتكثير الطعام، والإخبار بمغيبات كثيرة، وتأييده له

стр. 4156

بالنصر على الأعداء، على قلة جنده وضعف عدته في معركة إثر معركة، ولقاء بعد لقاء، وكل ذلك منزل منزلة قول مرسله ﵎: "صدق عبدي فيما يبلغ عني". إذ أن تأييده بذلك كله، وهو يدعى أنه مرسل من عند ربه، وهو على مسمع من ربه سبحانه ومرأى، وهو جل شأنه لا يزال يؤيده بكل ذلك: دليل على كمال صدقه، وعصمته في كل ما يبلغه من قرآن وسنة، إذ لو كان بخلاف ذلك لما أيده، ولفضح أمره للملأ، كما هي سنته سبحانه فيمن حاولوا الكذب عليه. الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾. فالآيات نصت على أن الله لا يؤيد من يكذب عليه بل لابد أن يظهر كذبه وأن ينتقم منه. ولو كان محمد ﷺ من هذا الجنس كما يزعم الكافرون فيما حكاه الله عنهم ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ - وحاشاه ﷺ من ذلك - لأنزل الله به من العقوبة ما ذكره في هذه الآيات، وحيث إن الرسول ﷺ لم يقع له شيء من ذلك فلم يهلكه الله ولم يعذبه، فهو على هذا لم يتقول على الله ما لم يقله ولم يفتر شيئا من عند نفسه، وبهذا تثبت عصمته في كل ما بلغه عن ربه . فهذه الآيات دليل صدقه وعصمته في تبليغه الوحي (قرآنًا وسنة) بدليل التمانع، فقد امتنع أخذه سبحانه لنبيه ﷺ بتلك الصفة، لامتناع تقوله عليه، وامتناع التقول عليه يعنى الصدق والعصمة فيما يقول ويبلغ عن ربه. أي: لو لم يكن القرآن والسنة منزلين من عندنا، ومحمد ادعى أنهما منا، لما أقررناه على ذلك، ولعجلنا بإهلاكه. فعدم هلاكه ﷺ دال على أنه لم يقل على الله ما لم يقله ، لأن "لو" حرف امتناع لامتناع، فامتنع ذلك من الله ، لامتناع سيدنا محمد ﷺ عن هذه الأشياء.

стр. 4157

قال ابن كثير: بعد أن فسر هذه الآيات: والمعنى في هذا بل هو صادق بار راشد، لأن الله مقرر له ما يبلغه عنه، ومؤيد له بالمعجزات الباهرات، والدلالات القاطعات. (١) وبالجملة: فالآيات من جملة مدحه، ودليل عصمته في البلاغ لوحي الله تعالى، إذ فيها القسم على تصديقه بجميع الموجودات، وأنه لا يمكنه الافتراء عليه قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾ (الحاقة: ٣٨ - ٤٣). الدليل الثالث: قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (النجم: ٣ - ٤)، فكلمة "ينطق" في لسان العرب، تشمل كل ما يخرج من الشفتين قول أو لفظ أي: ما يخرج نطقه ﷺ عن رأيه، إنما هو بوحي من الله . ولقد جاءت الآيتان بأسلوب القصر عن طريق النفي والاستثناء، والفعل إذا وقع في سياق النفي دل على العموم، وهذا واضح في إثبات أن كلامه ﷺ محصور في كونه وحيًا لا يتكلم إلا به وليس بغيره وفى هذا دليل واضح على عصمته ﷺ ، في كل أمر بلغه عن ربه من كتاب وسنة، فهو لا ينطق إلا بما يوحى إليه من ربه، ولا يقول إلا ما أمر به فبلغه إلى الناس كاملًا من غير زيادة ولا نقصان، وهذه شهادة وتزكية من الله ورسوله ﷺ في كل ما بلغه للناس من شرعه تعالى. الدليل الرابع: قال : ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾ (الإسراء: ٧٣ - ٧٥). وهذه الآيات دالة على عصمة الله وتثبيته لنبيه ﷺ في تبليغ ما أوحى إليه، ومعناها مقارب لمعنى الآيات التي ذكرناها قبلها "فقد أخبر تعالى عن تأييده لرسوله ﷺ وتثبيته

стр. 4158

وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه بل هو وليه وحافظه وناصره ومؤيده ومظفره ومظهر دينه على من عاداه وخالفه في مشارق الأرض ومغاربها. فهذه الآيات من جملة الآيات المادحة للمصطفى ﷺ ، والشهادة بعصمته في كل ما يبلغ عن ربه وحكم "كاد" في الآيات حكم سائر الأفعال، فمعناها: منفي إذا صحبها حرف نفي، وثابت إذا لم يصحبها، فإذا قيل: كاد زيد يبكي، فمعناه: قارب البكاء، فمقاربة البكاء ثابتة، وإذا قيل: لم يكد يبكي، فمعناه: لم يقارب البكاء، فمقاربته منفية، ونفسه منتف انتفاء أبعد من انتفائه عند ثبوت المقاربة"، والشرط في الآيات على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع، والمعنى: لولا ثبوت تثبيتنا إياك، لقد قاربت أن تميل إليهم شيئًا يسيرًا من أدنى الميل، لكن امتنع قرب ميلك وهواك لوجود تثبيتنا إياك. فتأمل كيف بدأ بثباته وسلامته بالعصمة، قبل ذكر ما عتبه عليه، وخيف أن يركن إليهم، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع. وتأمل كيف جاء في أثناء عتبه - إن كان ثم عتب - براءته، وفى طي تخويفه تأمينه وكرامته. وبالجملة: فسياق الآيات بيِّن واضح في أن رسول الله ﷺ لم يركن إليهم أبدًا، وإلا لأنزل الله به من العقوبة ما ذكره في هذه الآيات، وحيث إن رسول الله لم يقع له شيء من ذلك، فلم يعذبه ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات، ولم يتخلى عنه طرفة عين، كما تشهد بذلك سيرته العطرة، دل ذلك على أنه ﷺ لم يتقوَّل على ربه ما لم يقله، ولم يفتر شيئًا من عند نفسه، وبهذا تثبت عصمته في كل ما بلغه عن ربه من وحى الله تعالى قرآنًا وسنة. قال القاضي عياض: في الآية دليل على أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته وتثبيته مما كاده به الكفار، وراموه من فتنته، ومرادنا من ذلك تنزيهه وعصمته ﷺ وهو مفهوم الآية. (١)

стр. 4159

الدليل الخامس: ليس أدل على عصمة رسول الله ﷺ في تبليغ وحي ربه، من تبليغه حتى ما يمس جنابه العظيم، من العتاب الذي كان يوجهه الله تعالى إليه، وذلك كما في قوله جل شأنه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ إلى غير ذلك من آيات. فآيات العتاب في القرآن الكريم ما كان ليتفوه النبي ﷺ بها لولا كمال عصمته في البلاع وكمال أمانته فيه، لأن كتمان ذلك في نظر العقول البشرية ستر على النفس الشريفة، واستيفاء لحرمة آرائه، ولكنه الوحي لا يستطيع كتمانه. فعن أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو فَجَعَلَ النبي ﷺ يَقُولُ: "اتَّقِ الله، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ". قَالَتْ عَائِشَةُ: "لَوْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذه" (١). وعن عائشة ﵂ قالت: "وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ الله فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى الله الْفِرْيَةَ وَالله يَقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢). ولقد صدق أنس، وصدقت عائشة ﵄، وبرا، فما أدق استنباطهما في الدلالة على عصمة رسول الله ﷺ في بلاغه وحي الله إلى الناس! . وبعد: فهذه شهادات من الله لرسوله ﷺ بعصمته في أداء واجب البلاع على أكمل وجه ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ولم يكتف لحبيبه محمد ﷺ بهذه الشهادات، بل لقد أضاف إليها شهادة أخرى بأسلوب آخر، حيث قال جل شأنه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ

стр. 4160

وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فإن كمال الدين لا يكون إلا بالتبليغ لجميع أحكامه، وما أوحى الله إليه من كتاب وسنة، وعصمته في هذا البلاغ. (١) ثانيًا: من السنة . (٢) الدلائل على صدق رسول الله ﷺ في كل ما يخبر به عن الله تعالى من الوحي وعصمته فيه من خلال السنة والسيرة كثيرة منها: الدليل الأول: حاله ﷺ قبل النبوة، فصدقه ﷺ مع الناس دليل على صدقه فيما يخبر به عن ربه؛ إذ لا يترك إنسان الكذب على الناس ثم يكذب على الله تعالى. وهذا القياس العقلي قد استخدمه هرقل، وهو يسأل أبا سفيان بن حرب أثناء رحلة تجارية بالشام، عن أحوال النبي ﷺ وصفاته فكان مما سأل عنه: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان، قلت: لا (٣). فاستخلص هرقل النتيجة المنطقية لهذا، وهي أن محمدًا ﷺ صادق في دعواه الرسالة، وفى كل ما يخبر به عن الله تعالى قائلًا: إنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله. وقد شهد له ﷺ بالصدق، الأعداء والأصدقاء على السواء. فمن شهادات الأعداء ما يلي: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: لمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ المخْلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ "يَا صَبَاحَاهْ". فَقَالُوا: مَنْ هَذَا، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ. فَقَالَ: "أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الجبَلِ أَكُنْتُمْ

стр. 4161

مصدقي". قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ: "فإني نَذِير لَكُمْ بَيْنَ يدي عَذَابٍ شَدِيدٍ". قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، مَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا؟ ! ثُمَّ قَامَ، فَنزلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ (١). هكذا يعترف له قومه أجمعون بالصدق، وعدم عثورهم على ما يناقض هذا الخلق منه، وهم وإن لم يكونوا قد ناصبوه العداء آنذاك، إلا أن هذه الشهادة وغيرها ظلت قائمة لا ينازعون فيها، ولم يسحبوها حينما جاهرهم بالدعوة وناصبوه العداء، وقد حرصوا بعد ذلك على صد الناس عن الإيمان كل الحرص، وبذلوا كل جهد، غير أنهم لم يقدروا أن ينالوا من صدقه وأمانته وعفافه. الدليل الثاني: من دلائل عصمته ﷺ في نقل الوحي، ما ثبت من أخباره وآثاره، وسيره وشمائله، المعتنى بها، المستوفاة تفاصيلها، ولم يردفي شيء منها تداركه ﷺ لخبر صدر عنه، رجوعًا عن كذبة كذبها أو اعترافًا بخلف في خبر أخبر به، ولو وقع منه شيء من ذلك لنقل إلينا. وإن الصحابة - رضوان الله عليهم - قد اتفقوا على أنه لم يصدر عن النبي ﷺ خبر بخلاف الواقع في أي أمر من الأمور، ولم يتثبتوا عن حاله عند ذلك، هل وقع فيها سهوًا أم لا، ولم يتوقفوا حتى يتأكدوا إن كان ذلك جدًا أو هزلًا، لأنه ﷺ صادق معصوم في كل ذلك عندهم، كل الصدق، وكل العصمة. قال القاضي عياض: ودليل ذلك اتفاق السلف، وإجماعهم عليه، وذلك أنا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أقواله، والثقة بجميع أخباره في أي باب كانت، وعن أي شيء وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف، ولا تردد في شيء منها ولا استثبات عن حاله عند ذلك، هل وقع فيها سهو أم لا. (٢) الدليل الثالث: وفي يشهد بعصمته ﷺ في بلاع الوحي، وأنه لا يقول إلا حقًّا سواء في الرضى والغضب، والصحة والمرض "فترة الوحي في قصة الإفك" لقد كانت تنزل

стр. 4162

برسول الله ﷺ نوازل من شأنها أن تحفزه إلى القول، وكانت حاجته القصوى تلح عليه أن يتكلم بحيث لو كان الأمر إليه، لوجد له مقالًا ومجالًا، ولكنه كانت تمضي الليالي والأيام تتبعها الليالي والأيام، ولا يجد في شأنها وحيًا من قرآن أو سنة يقرؤه على الناس. ألم يرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة ﵂، وأبطأ الوحي، وطال الأمر والناس يخوضون، حتى بلغت القلوب الحناجر، وهو لا يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ واحتراس: "إني لا أعلم عنها إلا خيرًا" ثم إنه بعد أن بذل جهده في التحري والسؤال، واستشارة الأصحاب، ومضى شهرًا بأكمله، والكل يقولون: ما علمنا عليها من سوء، لم يزد على أن قال آخر الأمر: "يا عَائِشَةُ إِنَّهُ بلغني عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئةً، فَسَيُبرِّئُكِ الله، وَإِنْ كُنْتِ أَلُممْتِ بِذَنْبٍ، فاستغفري الله وتوبي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ، ثُمَّ تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ". (١) الدليل الرابع: هذا حاله ﷺ في أفعاله يشهد بصدقه وعصمته في كل ما يبلغ عن ربه ، ومن أقواله ﷺ على عصمته في بلاغ وحى الله من كتاب وسنة ما يلي: ١ - حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ وجاء فيه قوله ﷺ : "وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتكُمْ عَنِ الله شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى الله " (٢). والحديث نص على عصمته ﷺ من الكذب فيما يخبر به عن الله تعالى. ٢ - حديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: "كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ أُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ الله ﷺ بَشَرٌ يَتكلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ فَأَمْسَكْتُ عَنْ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ". (٣).

стр. 4163

٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا: "يَا رَسُولَ الله إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا. قَالَ "إني لا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا". (١) ثالثا: من الإجماع . أجمع أهل الملل والشرائع كلها على عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من أي شيء يخل بالتبليغ، فلا يجوز عليهم التحريف، ولا الكذب قليله وكثيره، سهوه وعمده، فكل هذا مما ينزه عنه منصب النبوة، وإلا لم يبق الاعتماد على شيء من الشرائع، ولما تميز لنا الغلط والسهو من غيره، ولاختلط الحق بالباطل، واستدلوا لذلك بأنه لو جاز عليهم التقول والافتراء في ذلك عقلًا، لأدى إلى إبطال المعجزة القاطعة بصدقهم؛ وإبطال المعجزة محال، فالكذب في التبليغ وعدم العصمة فيه، محال أيضًا. قال القاضي عياض: قامت الدلائل الواضحة بصح المعجزة على صدقه ﷺ وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار بشيء منها بخلاف ما هو به. (٢) قال ابن تيمية: إن الأنبياء - صلوات الله عليهم - معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفى تبليغ رسالاته باتفاق الأمة ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه ..... والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين. (٣) والكلام هنا ليس خاصًّا بالنبي ﷺ ، بل وغيره من الأنبياء كذلك، إذ لا فرق بينهم في واجب التبليغ. (٤) ثانيًا: عصمة النبي ﷺ من الشيطان وجنوده . وقد دل على هذا القرآن والسنة والإجماع.

стр. 4164

أولًا: من القرآن: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ حفظ الله عباده المخلصين من كيد إبليس وجنوده فلا سبيل له عليهم كما قال ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾، واعترف إبليس بعجزه عن الكيد لهم فحكى عنه رب العزة قوله: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾. ولا شك أن أنبياء الله ورسله، وعلى رأسهم خاتمهم ﷺ على قمة عباد الله المخلصين الذين عصمهم رب العزة من كيد إبليس وجنوده. ثانيًا: من السنة . فقد ورد فيها ما يؤكد ما ورد في القرآن الكريم من تعرض الشياطين لرسول الله ﷺ في غير موطن رغبة في إطفاء نوره، وإماتة نفسه، وإدخال شغل عليه، ولكن كانت عصمة الله له حائلة دون تمكن الشياطين من إغوائه، أو إلحاق ضرر به. ومن هذه الأحاديث. ١ - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجنِّ ". قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "وإياي، إِلَّا أَنَّ الله أعانني عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلا يأمرني إِلَّا بِخَيْرٍ". (١) فأسلم برفع الميم وفتحها وهما روايتان مشهورتان فمن رفع قال: معناه أسلمُ أنا من شره وفتنته. ومن فتح قال: أن القرين أسلمَ من الإسلام وصار مؤمنًا لا يأمرني إلا بخير واختلفوا في الأرجح منهما. فقال الخطابي الصحيح المختار الرفع، ورجح القاضي عياض الفتح. وهو المختار لقوله ﷺ فلا يأمرني إلا بخير. واختلفوا على رواية الفتح قيل: أسلم بمعنى استسلم وانقاد وقد جاء هكذا في غير صحيح مسلم فاستسلم، وقيل معناه صار مسلمًا مؤمنًا وهذا هو الظاهر. (٢)

стр. 4165

قال القاضي عياض: وفقه الله فإذا كان هذا حكم شيطانه وقرينه المسلط على بني آدم فكيف بمن بعد منه ولم يلزم صحبته ولا أقدر على الدنو منه؟ ! (١). ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبي ﷺ : "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ ليقْطَعَ عَلَيَّ صلاتي، فأمكنني الله مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سواري المُسْجِدِ حَتَّى تَنْظروا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أخي سُلَيْمَانَ رَبِّ هَبْ لي مُلْكًا لا ينبغي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِى. فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا" (٢). ٣ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ الله ﷺ فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِالله مِنْكَ". ثُمَّ قَالَ: "ألعَنُكَ بِلَعْنَةِ الله" ثَلاثًا. وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ في الصَّلاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُوُلهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ. قَالَ: "إِنَّ عَدُوَّ الله إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ في وجهي فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِالله مِنْكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلْتُ: ألعَنُكَ بِلَعْنَةِ الله التَّامَّةِ فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَالله لَوْلا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيمانَ لأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ المُدِينَةِ" (٣). ٤ - عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﷺ وهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ. ثُمَّ غَسَلَهُ في طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ في مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي ظِئْرَهُ - فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ. قَالَ أَنسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أثَرَ ذَلِكَ المخْيَطِ في صَدْرِهِ. (٤) وإخراج جبريل لحظ الشيطان منه، وتطهير لقلبه، فلا يقدر الشيطان على إغوائه إذ لا سبيل له عليه، وهذا دليل على عصمته من كل ما يمس قلبه، وعقيدته، وخلقه، منذ صغره ﷺ ، فقد أُفرغ في صدره الشريف طست ممتلئ حكمة وإيمانًا؛ وتجسيد المعنويات في قدرة الله

стр. 4166

عز وجل هين ... وهذا يوضح عصمته، إنه الذي نزعت علقة من صدره، هي حظ الشيطان منه، وأفرغ في صدره طست الإيمان والحكمة، فكيف يكون عقل هذا شأنه؟ إنه يكون عقله أسمى من كل عقل، وأزكى من كل فهم، ولم لا؟ وقد نزع منه حظ الشيطان، وملئ قلبه بالحكمة والإيمان والحكمة جامعة لعموم العلوم والمعارف، والإيمان كلمة جامعة لكل ما يرضى الله. ثالثا من الإجماع: قال القاضي عياض: واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان وكفايته منه لا في جسمه بأنواع الأذى ولا على خاطره بالوساوس. (١) ثالثا: عصمة النبي ﷺ في بدنه من القتل . (٢) قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فاقترن تعهد الله بعصمة رسوله من قتل الناس وإيذائهم له مع الأمر للنبي ﷺ بتبليغ ما أنزل إليه، وفى هذا الاقتران دليل جلي على أن عصمة الله تعالى وحفظه ونصره وتأييده على أعدائه قد صاحبت النبي ﷺ حتى تم له إبلاغ هذا الدين ونشره بين الناس. وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾. قيل: بكاف محمدًا ﷺ أعداءه المشركين وقيل: غير هذا وقال: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ وقال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ: أَبُو جَهْلٍ هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قَالَ: فَقِيلَ: نَعَمْ. فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ لأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ في التُّرَابِ، قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ يُصَلي زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكِصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بيني وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ

стр. 4167

نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : - "لَوْ دَنَا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا". قَالَ: فَأَنْزَلَ الله لا نَدْرِى في حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ شيء بَلَغَهُ ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣)﴾ - يَعْنِى أَبَا جَهْلٍ - ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾. (١) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ لأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقِهِ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فقَالَ: "لَوْ فَعَلَهُ لأَخَذَتْهُ المُلائِكَةُ" (٢). وتمتد عناية الله وعصمته لنبيه ﷺ من محاولة سراقة بن مالك النيل من رسول الله ﷺ ، بالقتل أو الأسر للحصول على الدية التي رصدها كفار قريش (مائة ناقة لمن يأتي برسول الله ﷺ ) قتيلًا أو أسيرًا، وكما جاء على لسان سراقة بعد أن تتبع أثرهم قال: حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ (أى: اقترب من رَكْبِه ﷺ )، فَعَثَرَتْ بِي فرسي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا فَقُمْتُ، فَأَهْوَيْتُ يدي إِلَى كنانتي فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَ الأَزلامَ (٣)، فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لا فَخَرَجَ الذي أَكْرَهُ، فَرَكِبْتُ فرسي، وَعَصَيْتُ الأَزْلامَ، تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ الله ﷺ وَهْوَ لا يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ سَاخَتْ يَدَا فرسي في الأَرْضِ حَتَّى بَلَغَتَ الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا ثُمَّ زَجَرْتها فَنَهَضَتْ، فَلَمْ يمَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فَلَمّ اسْتَوَتْ قَائِمَةً، إِذَا لأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ سَاطِع في السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِالأَزْلامِ، فَخَرَجَ الذي أَكْرَهُ، فَنَادَيْتُهُمْ بِالأَمَانِ فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فرسي حَتَّى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ في نفسي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ

стр. 4168

الحْبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ الله ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ. وَأَخْبَرْتهمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمِ الزَّادَ وَالمتاعَ، فَلَمْ يرزآني (١)، وَلَمْ يسألاني إِلَّا أَنْ قَالَ: أَخْفِ عَنَّا. فَسَألتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِى كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ، فَكَتَبَ في رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ الله ﷺ . (٢) فتأمل كيف عصم رب العزة رسوله ﷺ من محاولة سراقة قتله أو أسره، ليفوز بالدية التي رصدت من كفار قريش، إذ ما اقترب من ركب رسول الله ﷺ حتى عثرت به فرسه، مرة تلو الأخرى بعد إصراره على تتبع ركبه ﷺ ، حتى إذا ما سمع دعاءه ﷺ بأن يصرعه، أو يكفيه إياه بما شاء، إلا وتتعثر به فرسه للمرة الثالثة، حتى أن يدا فرسه في هذه المرة غاصت في الأرض حتى بلغتا الركبتين، وبعد محاولات منه لاستنهاضها، إذ به يرى على يديها أثر دخان من غير نار ساطع في السماء، وهنا أيقن سراقة بأن رسول الله ﷺ محفوظ، ومعصوم منه، كما أيقن في نفس الوقت، أنه نبي الله حقًّا، وأن دينه سيظهر، فما كان منه إلا أن سأل رسول الله ﷺ أن يكتب له كتاب أمان، فأعطاه إياه، ولم يسأله رسول الله ﷺ سوى أن يقف في مكانه، ولا يترك أحدًا يلحق برَكْبِهِ ﷺ ، ففعل سراقة، وهنا تتجلى إرادة المولى ومشيئته في عصمة رسول الله ﷺ بتغير حال سراقة "إذ كان في أول النهار جاهدًا على رسول الله ﷺ ، وكان آخر النهار مسلحة له" أي حارسًا له بسلاحه، بل وبلسانه أيضًا كما جاء في رواية ابن سعد: "أنه لما رجع، قال لقريش: قد عرفتم بصري بالطريق وبالأثر، وقد استبرأت لكم، فلم أر شيئًا، فرجعوا" وقال أيضًا ﵁ ردًا على أبى جهل لما بلغه موقفه هذا، ولامه في تركهم أنشده: أبا حكم والله لو كنت شاهدًا ... لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه عجبت ولم تشكك بأن محمدًا ... نبي وبرهان فمن ذا يقاومه؟ ! عليك بكف الناس عنه فإنني ... أرى أمره يومًا ستبدو معالمه

стр. 4169

وبعد: فهل في كل ما سبق من دلائل حفظ الله وعصمته لرسوله ﷺ من محاولات كفار قريش قتله، شك في عصمته ﷺ من القتل. (١) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ الله ﷺ في وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنزلَ رَسُولُ الله ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ في الوادي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ رَجُلًا أتاني وَأَنَا نَائِمٌ فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِم عَلَى رأسي فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَالسَّيْفُ صَلْتًا في يَدِهِ، فَقَالَ لي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: الله. ثُمَّ قَالَ في الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّى؟ قَالَ: قُلْتُ: الله. قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ". ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ . (٢) عَنْ أَنَسٍ أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً آتَتْ رَسُولَ الله ﷺ بشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِىءَ بِهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لأَقْتُلَكَ. قَالَ: "مَا كَانَ الله لِيُسَلِّطَكِ عَلَي ذَاكَ" قَالَ: أَوْ قَالَ "عَلَيَّ". قَالَ: قَالُوا: أَلا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: "لا". قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا في لَهَوَاتِ رَسُول الله ﷺ . (٣) وقوله ﷺ : "مَا كَانَ الله لِيُسَلِّطَكِ عَلَي ذَاكِ أَوْ قَالَ: عَلَيَّ" فيه بيان عصمته ﷺ من الناس كلهم كما قال الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وهي معجزة لرسول الله ﷺ في سلامته من السم المهلك لغيره، وفى إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة وكلام عضو منه له، فقد جاء في غير مسلم أنه قال: (إن الذراع تخبرني أنها مسمومة) اهـ. (٤) رابعًا: عصمة النبي ﷺ في جانب الاعتقاد . (٥)

стр. 4170

عصمته من الشرك والكفر كلها فقد دلت النصوص الثابتة على أن النبي ﷺ معصوم منذ نشأته من الكفر والشرك فلم يعهد عنه ﷺ أنه سجد لصنم أو استلمه أو إلى غير ذلك من أمور الشرك التي كان يفعلها قومه. فقد فطره الله على معرفته والاتجاه إليه وحده وهذا هو المعلوم من سيرته. فمن النصوص التي يستدل بها على هذا الأمر ما يلي: الدليل الأول: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﷺ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ هَذَا حَظّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ. ثُمَّ غَسَلَهُ في طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ لأَمَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ في مَكَانِهِ وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي ظِئْرَهُ - فَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ. قَالَ أَنَسٌ وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أثَرَ ذَلِكَ المخْيَطِ في صَدْرِهِ. (١) فالحديث نص على إخراج جبريل لحظ الشيطان منه ﷺ وتطهيره لقلبه فلا يقدر الشيطان على إغوائه إذ لا سبيل له عليه. وهذا دليل على تنزيهه من الشرك منذ صغره ﷺ . الدليل الثاني: عن زيد بن حارثة قال: كان صنم من نحاس يقال له: إساف، أو نائلة، يتمسح به المشركون إذا طافوا فطاف رسول الله ﷺ ، فطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال: رسول الله ﷺ : "لا تمسه" فقال زيد: فطفت، فقلت في نفسي: لأمسنه حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال رسول الله ﷺ : "ألم تنه؟ " قلت: زاد فيه غيره، عن محمد بن عمرو بإسناده: قال زيد: فوالذي هو أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنمًا حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه. (٢)
следующие страницы →