عز وجل هين ... وهذا يوضح عصمته، إنه الذي نزعت علقة من صدره، هي حظ الشيطان منه، وأفرغ في صدره طست الإيمان والحكمة، فكيف يكون عقل هذا شأنه؟ إنه يكون عقله أسمى من كل عقل، وأزكى من كل فهم، ولم لا؟ وقد نزع منه حظ الشيطان، وملئ قلبه بالحكمة والإيمان والحكمة جامعة لعموم العلوم والمعارف، والإيمان كلمة جامعة لكل ما يرضى الله.
ثالثا من الإجماع:
قال القاضي عياض: واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان وكفايته منه لا في جسمه بأنواع الأذى ولا على خاطره بالوساوس. (١)
ثالثا: عصمة النبي ﷺ في بدنه من القتل . (٢)
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فاقترن تعهد الله بعصمة رسوله من قتل الناس وإيذائهم له مع الأمر للنبي ﷺ بتبليغ ما أنزل إليه، وفى هذا الاقتران دليل جلي على أن عصمة الله تعالى وحفظه ونصره وتأييده على أعدائه قد صاحبت النبي ﷺ حتى تم له إبلاغ هذا الدين ونشره بين الناس.
وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾.
قيل: بكاف محمدًا ﷺ أعداءه المشركين وقيل: غير هذا وقال: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ وقال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ: أَبُو جَهْلٍ هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قَالَ: فَقِيلَ: نَعَمْ. فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ لأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ في التُّرَابِ، قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ يُصَلي زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكِصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بيني وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ
стр. 4167
نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : - "لَوْ دَنَا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا". قَالَ: فَأَنْزَلَ الله لا نَدْرِى في حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ شيء بَلَغَهُ ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣)﴾ - يَعْنِى أَبَا جَهْلٍ - ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾. (١)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ لأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقِهِ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فقَالَ: "لَوْ فَعَلَهُ لأَخَذَتْهُ المُلائِكَةُ" (٢).
وتمتد عناية الله وعصمته لنبيه ﷺ من محاولة سراقة بن مالك النيل من رسول الله ﷺ ، بالقتل أو الأسر للحصول على الدية التي رصدها كفار قريش (مائة ناقة لمن يأتي برسول الله ﷺ ) قتيلًا أو أسيرًا، وكما جاء على لسان سراقة بعد أن تتبع أثرهم قال: حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ (أى: اقترب من رَكْبِه ﷺ )، فَعَثَرَتْ بِي فرسي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا فَقُمْتُ، فَأَهْوَيْتُ يدي إِلَى كنانتي فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَ الأَزلامَ (٣)، فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لا فَخَرَجَ الذي أَكْرَهُ، فَرَكِبْتُ فرسي، وَعَصَيْتُ الأَزْلامَ، تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ الله ﷺ وَهْوَ لا يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ سَاخَتْ يَدَا فرسي في الأَرْضِ حَتَّى بَلَغَتَ الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا ثُمَّ زَجَرْتها فَنَهَضَتْ، فَلَمْ يمَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فَلَمّ اسْتَوَتْ قَائِمَةً، إِذَا لأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ سَاطِع في السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِالأَزْلامِ، فَخَرَجَ الذي أَكْرَهُ، فَنَادَيْتُهُمْ بِالأَمَانِ فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فرسي حَتَّى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ في نفسي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ
стр. 4168
الحْبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ الله ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ. وَأَخْبَرْتهمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمِ الزَّادَ وَالمتاعَ، فَلَمْ يرزآني (١)، وَلَمْ يسألاني إِلَّا أَنْ قَالَ: أَخْفِ عَنَّا. فَسَألتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِى كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ، فَكَتَبَ في رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ الله ﷺ . (٢)
فتأمل كيف عصم رب العزة رسوله ﷺ من محاولة سراقة قتله أو أسره، ليفوز بالدية التي رصدت من كفار قريش، إذ ما اقترب من ركب رسول الله ﷺ حتى عثرت به فرسه، مرة تلو الأخرى بعد إصراره على تتبع ركبه ﷺ ، حتى إذا ما سمع دعاءه ﷺ بأن يصرعه، أو يكفيه إياه بما شاء، إلا وتتعثر به فرسه للمرة الثالثة، حتى أن يدا فرسه في هذه المرة غاصت في الأرض حتى بلغتا الركبتين، وبعد محاولات منه لاستنهاضها، إذ به يرى على يديها أثر دخان من غير نار ساطع في السماء، وهنا أيقن سراقة بأن رسول الله ﷺ محفوظ، ومعصوم منه، كما أيقن في نفس الوقت، أنه نبي الله حقًّا، وأن دينه سيظهر، فما كان منه إلا أن سأل رسول الله ﷺ أن يكتب له كتاب أمان، فأعطاه إياه، ولم يسأله رسول الله ﷺ سوى أن يقف في مكانه، ولا يترك أحدًا يلحق برَكْبِهِ ﷺ ، ففعل سراقة، وهنا تتجلى إرادة المولى ومشيئته في عصمة رسول الله ﷺ بتغير حال سراقة "إذ كان في أول النهار جاهدًا على رسول الله ﷺ ، وكان آخر النهار مسلحة له" أي حارسًا له بسلاحه، بل وبلسانه أيضًا كما جاء في رواية ابن سعد: "أنه لما رجع، قال لقريش: قد عرفتم بصري بالطريق وبالأثر، وقد استبرأت لكم، فلم أر شيئًا، فرجعوا" وقال أيضًا ﵁ ردًا على أبى جهل لما بلغه موقفه هذا، ولامه في تركهم أنشده:
أبا حكم والله لو كنت شاهدًا ... لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه
عجبت ولم تشكك بأن محمدًا ... نبي وبرهان فمن ذا يقاومه؟ !
عليك بكف الناس عنه فإنني ... أرى أمره يومًا ستبدو معالمه
стр. 4169
وبعد: فهل في كل ما سبق من دلائل حفظ الله وعصمته لرسوله ﷺ من محاولات كفار قريش قتله، شك في عصمته ﷺ من القتل. (١)
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ الله ﷺ في وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنزلَ رَسُولُ الله ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ في الوادي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ رَجُلًا أتاني وَأَنَا نَائِمٌ فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِم عَلَى رأسي فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَالسَّيْفُ صَلْتًا في يَدِهِ، فَقَالَ لي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: الله. ثُمَّ قَالَ في الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّى؟ قَالَ: قُلْتُ: الله. قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ". ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ . (٢)
عَنْ أَنَسٍ أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً آتَتْ رَسُولَ الله ﷺ بشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِىءَ بِهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لأَقْتُلَكَ. قَالَ: "مَا كَانَ الله لِيُسَلِّطَكِ عَلَي ذَاكَ" قَالَ: أَوْ قَالَ "عَلَيَّ". قَالَ: قَالُوا: أَلا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: "لا". قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا في لَهَوَاتِ رَسُول الله ﷺ . (٣)
وقوله ﷺ : "مَا كَانَ الله لِيُسَلِّطَكِ عَلَي ذَاكِ أَوْ قَالَ: عَلَيَّ" فيه بيان عصمته ﷺ من الناس كلهم كما قال الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وهي معجزة لرسول الله ﷺ في سلامته من السم المهلك لغيره، وفى إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة وكلام عضو منه له، فقد جاء في غير مسلم أنه قال: (إن الذراع تخبرني أنها مسمومة) اهـ. (٤)
رابعًا: عصمة النبي ﷺ في جانب الاعتقاد . (٥)
стр. 4170
عصمته من الشرك والكفر كلها فقد دلت النصوص الثابتة على أن النبي ﷺ معصوم منذ نشأته من الكفر والشرك فلم يعهد عنه ﷺ أنه سجد لصنم أو استلمه أو إلى غير ذلك من أمور الشرك التي كان يفعلها قومه. فقد فطره الله على معرفته والاتجاه إليه وحده وهذا هو المعلوم من سيرته. فمن النصوص التي يستدل بها على هذا الأمر ما يلي:
الدليل الأول: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﷺ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ هَذَا حَظّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ. ثُمَّ غَسَلَهُ في طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ لأَمَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ في مَكَانِهِ وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي ظِئْرَهُ - فَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ. قَالَ أَنَسٌ وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أثَرَ ذَلِكَ المخْيَطِ في صَدْرِهِ. (١)
فالحديث نص على إخراج جبريل لحظ الشيطان منه ﷺ وتطهيره لقلبه فلا يقدر الشيطان على إغوائه إذ لا سبيل له عليه. وهذا دليل على تنزيهه من الشرك منذ صغره ﷺ .
الدليل الثاني: عن زيد بن حارثة قال: كان صنم من نحاس يقال له: إساف، أو نائلة، يتمسح به المشركون إذا طافوا فطاف رسول الله ﷺ ، فطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال: رسول الله ﷺ : "لا تمسه" فقال زيد: فطفت، فقلت في نفسي: لأمسنه حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال رسول الله ﷺ : "ألم تنه؟ " قلت: زاد فيه غيره، عن محمد بن عمرو بإسناده: قال زيد: فوالذي هو أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنمًا حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه. (٢)
стр. 4171
قال القاضي عياض:
والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شيء من ذلك وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا ونشأتهم على التوحيد والإيمان بل على إشراق أنوار المعارف نفحات ألطاف السعادة، ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحد النبي واصطفى ممن عرف بكفر وإشراك قبل ذلك ومستند هذا الباب النقل وقد استدل بعضهم بأن القلوب تنفر عمن كانت هذه سبيله.
وأنا أقول إن قريشًا قد رمت نبينا بكل ما افترته، وغير كفار الأمم أنبياءها بكل ما أمكنها واختلقته مما نص الله تعالى عليه أو نقلته إلينا الرواة ولم نجد في شيء من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه آلهته وتقريعه بذمه بترك ما كان قد جامعهم عليه ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين وبتلونه في معبوده محتجين ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم من قبل ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلًا إليه إذ لو كان لنقل وما سكتوا عنه كما لم يسكتوا عند تحويل القبلة وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها كما حكاه الله عنهم.
وقد استدل القاضي القشيري على تنزيههم عن هذا بقوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ﴾ الآية.
وبقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ قال: وطهره الله في الميثاق وبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه، ثم يأخذ ميثاق النبيين بالإيمان به ونصره قبل مولده بدهور ويجوز عليه الشرك أو غيره من الذنوب، بهذا ما لا يجوزه إلا ملحد، هذا معنى كلامه، وكيف يكون ذلك وقد أتاه جبريل ﵇ وشق قلبه صغيرًا واستخرج منه علقة وقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله، وملأه حكمة وإيمانا كما تظاهرت به أخبار المبدأ. (١)
стр. 4172
وأما الكفر والبدعة فأجمعت الأمة على عصمتهم منهما قبل النبوة وبعدها. ولم يخالف هذا الإجماع إلا من لا يعتد بخلافهم. (١)
خامسًا: عصمة النبي ﷺ من الكبائر:
جبل الله نبيه محمدًا ﷺ على كل خلق فاضل كريم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، فخلقه بأكرم السجايا، وجميل الأخلاق، وحسن الطوية وصفات الخير جميعها، كما نزهه عن كل ما يحط من قدره وينقص من منزلته، قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾، فهو ﷺ منزه من كل ضلال وغواية، وقد كان من صيانة الله وحفظه له أن حماه من أقذار الجاهلية قبل مبعثه ونزول الوحي إليه، فهو معصوم عن كل ما يحط من قدره ويدق في شخصه ومما ورد في هذا الشأن من الأحاديث ما يلي:
عن جابر بن عبد الله: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الحجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أخي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الحجَارَةِ. قَالَ: فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا ﷺ . (٢)
أما في خصوصه ﷺ فإنا نورد الآتي: إنه مهما يكن من شيء فإن عصمته ﷺ من الكبائر والصغائر بعد البعثة يجب القطع بها لنص القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: ٢١)، لوجوب التأسي به وامتناع أن يكون فيه شيء من ذلك قطعًا.
أما قبل البعثة فالعصمة من الكبائر أيضًا يجب الجزم بها لأنه ﷺ كان في مقام التهيؤ للنبوة من صغره وقد شق صدره في سن الرضاع وأخرج منه حظ الشيطان، ثم إنه لو كان قد وقع منه شيء لأخذوه عليه حين عارضوه في دعوته ولم يذكر من ذلك ولا شيء. (٣)
стр. 4173
سادسًا: عصمة النبي ﷺ من الصغائر .
الدليل الأول: قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾، ففي تلك الآية الكريمة جعل المولى التأسي بنبيه ﷺ من لوازم رجائه تعالى واليوم الآخر، وما كان سبحانه يجعل الاقتداء بنبيه ﷺ من لوازم رجائه تعالى واليوم الآخر، إلا وهو ﷺ معصوم في سلوكه من الصغائر. (١)
الدليل الثاني: وقال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
الدليل الثالث: وقال سبحانه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ فقوله: "فَاتَّبِعُونِي"، "واتبعوه" أي: اسلكوا مسلكه، واحذوا حذره ﷺ في جميع أموره من قول وفعل.
ووجه الاستدلال في الآيتين أنه تعالى جعل الاقتداء والمتابعة لرسوله ﷺ لازمة من محبته الواجبة، ولازمة للهداية والفلاح في الدنيا والآخرة. وما تلك الملازمة وسابقتها إلا شهادة من رب العزة لرسوله ﷺ على عصمته من الصغائر في كل أقواله وأفعاله.
الدليل الرابع: السيرة العطرة فتشهد أيضًا بعصمته ﷺ من الصغائر في أحواه كلها حيث لم يعلم عنه ﷺ الوقوع في صغيرة ولا الدنو من شيء منها، مع أن سبل النقل عنه ﷺ أحصت كل حركة من حركاته، وكل قول من أقواله، فما ترك الصحابة ﵃ فعلًا من أفعاله، ولا قولًا من أقواله، دق أو جلَّ إلا نقلوه إلينا عنه، حتى أنهم وصفوا يقظته، ونومه، كما وصفوا حديثه وصمته، وقيامه وجلوسه، وسيره وركوبه وترجله وجميع شمائله، إلى غير ذلك مما هو مدون في كتب الحديث والشمائل والمغازي والسير، لأنهم كانوا يرون ذلك تبليغًا عنه، وقد أمرهم ﷺ بالتبليغ عنه بقوله ﷺ في حجة الوداع: "أَلا لِيُبَلِّغِ
стр. 4174
الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَل بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ". (١)
فلو رأى الصحابة ﵃ أو سمعوا منه شيئًا مما أجازه عليه بعض أهل العلم من قربه الصغائر - وحاشاه من ذلك - لما فاتهم نقل ذلك عنه ضمن ما نقلوه من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته.
ولكنهم ﵃ لم ينقلوا عنه شيئًا من ذلك - فيما علمنا - ولو رأوا منه شيئًا من ذلك أو علموه عنه لنقلوه إلينا، وعُلم عنهم لتوافر دواعي النقل عنه.
فالقول بعصمة رسول الله ﷺ من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها، سرها، وجهرها، عمدها وسهوها هوما ندين لله تعالى به؛ فقد كانت أقواله وأفعاله ﷺ وأحواله كلها تشريعًا تقتضى المتابعة والاقتداء، إلا ما ورد الدليل فيها على أنه من خصائصه ﷺ أوما ورد الدليل فيه أنه ليس من جنس ما يشرع لهم التأسي به فيه إلا عند وجود السبب. (٢)
ولا يكون لأقواله وأفعاله ﷺ ذلك الوصف التشريعي إلا بالقول بوجوب العصمة لرسول الله ﷺ من الصغائر خلافًا لمن أجازها من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين. (٣) تمسكًا منهم بظواهر من القرآن الكريم، وبعض الأحاديث الصحاح التي ذكر فيها ما يشعر بوقوع الخطيئة من بعضهم، وسيأتي الجواب عن ذلك تفصيلًا ويكفي في الرد عليهم هنا إجمالًا ما سبق من شهادة القرآن الكريم والسيرة العطرة على عصمته ﷺ من الصغائر.
سابعًا: بالنسبة لأحوال النبي ﷺ في أمور الدنيا .
فقد قسمها القاضي عياض إلى ثلاثة أنواع:
стр. 4175
فقال: فأما أحواله في أمور الدنيا فنحن نسبرها على أسلوبها المتقدم بالعقد والقول والفعل.
أما العقد منها فقد يعتقد في أمور الدنيا الشيء على وجه ويظهر خلافه أو يكون منه على شك أو ظن بخلاف أمور الشرع.
وذكر حديث رافع بن خديج قَالَ: قَدِمَ نَبِيُّ الله ﷺ المُدِينَةَ وَهُمْ يَأبْرونَ النَّخْلَ يَقُولُونَ: يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ: "مَا تَصْنَعُونَ؟ . قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: "لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا". فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ، قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَر إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ رَأْىٍ فَإِنَّما أنا بَشَرٌ". (١)
وفي حديث عائشة وأنس قَالَ ﷺ : "أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ". (٢)
وهذا على ما قررناه فيما قاله من قبل نفسه في أمور الدنيا وظنه من أحوالها لا ما قاله من قبل نفسه واجتهاده في شرع شرعه وسنة سنها.
وقد قال الله تعالى للنبي ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وأراد مصالحة بعض عدوه على ثلث تمر المدينة فاستشار الأنصار فلما أخبروه برأيهم رجع عنه، فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها يجوز عليه فيها ما ذكرناه، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جربها وجعلها همه وشغل نفسه بها والنبي ﷺ مشحون القلب بمعرفة الربوبية ملآن الجوانح بعلوم الشريعة مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية ولكن هذا إنما يكون في بعض الأمور ويجوز في النادر وفيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا واستثمارها لا في الكثير المؤذن بالبله والغفلة وقد تواتر بالنقل عنه ﷺ من المعرفة بأمور الدنيا ودقائق مصالحها وسياسة فرق أهلها ما هو معجز في البشر.
وأما ما يعتقده في أمور أحكام البشر الجارية على يديه وقضاياهم ومعرفة المحق من المبطل وعلم المصلح من المفسد فبهذه السبيل لقول النبي ﷺ : "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ
стр. 4176
تَخْتَصِمُونَ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلحْنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِىَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلا يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ". (١).
ويجري أحكامه ﷺ على الظاهر وموجب غلبات الظن بشهادة الشاهد ويمين الحالف ومراعاة الأشبه ومعرفة العفاص والوكاء مع مقتضى حكمة الله في ذلك فإنه تعالى لو شاء لأطلعه على سرائر عباده ومخبآت ضمائر أمته فتولى الحكم بينهم بمجرد يقينه وعلمه دون حاجة إلى اعتراف أو بينة أو يمين أو شبهة ولكن لما أمر الله أمته باتباعه والاقتداء به في أفعاله وأحواله وقضاياه وسيره وكان هذا لو كان مما يختص بعلمه ويؤثره الله به لم يكن للأمة سبيل إلى الاقتداء به في شيء من ذلك ولا قامت حجة بقضية من قضاياه لأحد في شريعته لأنا لا نعلم ما أطلع عليه هو في تلك القضية بحكمه هو إذا في ذلك المكنون من إعلام الله له بما أطلعه عليه من سرائرهم وهذا ما لا تعلمه الأمة فأجرى الله تعالى أحكامه على ظواهرهم التي يستوي في ذلك هو وغيره من البشر ليتم اقتداء أمته به في تعيين قضاياه وتنزيل أحكامه ويأتون ما أتوا من ذلك على علم ويقين من سنته، إذ البيان بالفعل أوقع منه بالقول وأرفع الاحتمال اللفظ وتأويل المتأول وكان حكمه على الظاهر أجلى في البيان وأوضح في وجوه الأحكام وأكثر فائدة لموجبات التشاجر والخصام وليقتدي بذلك كله حكام أمته ويستوثق بما يؤثر عنه وينضبط قانون شريعته وطي ذلك عنه من علم الغيب الذي استأثر به عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فيعلمه منه بما شاء ويستأثر بما شاء ولا يقدح هذا في نبوته ولا يفصم عروة من عصمته.
وأما أقواله الدنيوية من أخباره عن أحواله وأحوال غيره وما يفعله أو فعله فقد قدمنا أن الخلف فيها ممتنع عليه في كل حال، وعلى أي وجه، من عمد أو سهو، أو صحة أو مرض، أو رضا أو غضب، وأنه معصوم منه ﷺ .
стр. 4177
هذا فيما طريقه الخبر المحض مما يدخله الصدق والكذب، فأما المعاريض الموهم ظاهرها خلاف باطنها فجائز ورودها منه في الأمور الدنيوية لا سيما لقصد المصلحة كتوريته عن وجه مغازيه لئلا يأخذ العدو حذره، إلى غير ذلك. هذا كله فيما بابه الخبر.
فأما ما بابه غير الخبر مما صورته صورة الأمر والنهى في الأمور الدنيوية فلا يصح منه أيضًا ولا يجوز عليه أن يأمر أحدًا بشيء أو ينهى أحدًا بشيء وهو يبطن خلافه.
وقال القاضي من قبل: وأما ما ليس سبيله سبيل البلاغ من الأخبار التي لا مستند لها إلى الأحكام ولا أخبار المعاد ولا تضاف إلى وحى بل في أمور الدنيا وأحوال نفسه فالذي يجب تنزيه النبي ﷺ عن أن يقع خبره في شيء من ذلك بخلاف مخبره لا عمدًا ولا سهوًا ولا غلطًا وأنه معصوم من ذلك في حال رضاه وفى حال سخطه وجده ومزحه وصحته ومرضه ودليل ذلك اتفاق السلف وإجماعهم عليه وذلك أنا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله وللثقة بجميع أخباره في أي باب كانت وعن أي شيء وقعت وأنه لم يكن لهم توقف ولا تردد في شيء منها ولا استثبات عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهو أم لا.
وأيضًا فإن أخباره وآثاره وسيره وشمائله معتنى بها مستقصى تفاصيلها ولم يرد في شيء منها استدراكه ﷺ لغلط في قول قاله أو اعترافه بوهم في شيء أخبر به ولو كان ذلك لنقل كما نقل من قصته ﵇ رجوعه ﷺ عما أشار به على الأنصار في تلقيح النحل وكان ذلك رأيا لا خبرًا.
وأيضًا فإن الكذب متى عرف من أحد في شيء من الأخبار بخلاف ما هو على أي وجه كان، استريب بخبره واتهم في حديثه ولم يقع قوله في النفوس موقعا ولهذا ترك المحدثون والعلماء الحديث عمن عرف بالوهم والغفلة وسوء الحفظ وكثرة الغلط مع ثقته وأيضا فإن تعمد الكذب في أمور الدنيا معصية والإكثار منه كبيرة بإجماع مسقط للمروءة وكل هذا مما ينزه عنه منصب النبوة والمرة الواحدة منه فيما يستبشع ويستشنع مما يخل بصاحبها ويزري بقائلها لا حقة بذلك وأما فيما لا يقع هذا الموقع فإن عددناها من
стр. 4178
الصغائر فهل تجري على حكمها في الخلاف فيها مختلف فيه والصواب تنزيه النبوة عن قليله وكثيره وسهوه وعمده إذ عمدة النبوة البلاغ والإعلام والتبيين وتصديق ما جاء به النبي ﷺ وتجويز شيء من هذا قادح في ذلك ومشكك فيه مناقض للمعجزة فلنقطع عن يقين بأنه لا يجوز على الأنبياء خلف في القول في وجه من الوجوه لا بقصد ولا بغير قصد ولا نتسامح مع من تسامح في تجوز ذلك عليهم حال السهو فيما ليس طريقه البلاغ، نعم وبأنه لا يجوز عليهم الكذب قبل النبوة ولا الاتسام به في أمورهم وأحوال دنياهم لأن ذلك كان يزري ويريب بهم وينفر القلوب عن تصديقهم بعد وانظر أحوال عصر النبي ﷺ من قريش وغيرها من الأمم وسؤالهم عن حاله في صدق لسانه وما عرفوا به من ذلك واعترفوا به مما عرف واتفق النقل على عصمة نبينا ﷺ منه قبل وبعد. (١)
وأما أفعاله ﷺ الدنيوية كما في مسألة الغسل من الجنابة بعد ما أقيمت الصلاة. فحكمه فيها من ترقى المعاصي والمكروهات ما قدمناه ومن جواز السهو والغلط في بعضها ما ذكرناه وكله غير قادح في النبوة بل إن هذا فيها على الندور إذ عامة أفعاله على السداد والصواب بل أكثرها أو كلها جارية مجرى العبادات والقرب على ما بينا إذ كان ﷺ لا يأخذ منها لنفسه إلا ضرورته وما يقيم رمق جسمه وفيه مصلحة ذاته التي بها يعبد ربه ويقيم شريعته ويسوس أمته، وما كان فيما بينه وبين الناس من ذلك فبين معروف يصنعه أو بر يوسعه أو كلام حسن يقوله أو يسمعه أو تألف شارد أو قهر معاند، أو مداراة حاسد وكل هذا لاحق بصالح أعماله منتظم في زاكي وظائف عباداته وقد كان يخالف في أفعاله الدنيوية بحسب اختلاف الأحوال ويعد للأمور أشباهها فيركب - في تصرفه لما قرب - الحمار، وفى أسفاره الراحلة، ويركب البغلة في معارك الحرب دليلا على الثبات، ويركب الخيل ويعدها ليوم الفزع وإجابة الصارخ.
وكذلك في لباسه وسائر أحواله بحسب اعتبار مصالحه ومصالح أمته وكذلك يفعل الفعل من أمور الدنيا مساعدة لأمته وسياسة وكراهية لخلافها وإن كان قد يرى غيره خيرًا
стр. 4179
منه كما يترك الفعل لهذا وقد يرى فعله خيرًا منه وقد يفعل هذا في الأمور الدينية مما له الخيرة في أحد وجهيه كخروجه من المدينة لأحد وكان مذهبه التحصن بها وتركه قتل المنافقين وهو على يقين من أمرهم مؤالفة لغيرهم ورعاية للمؤمنين من قرابتهم وكراهة لأن يقول الناس: "أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ". (١)
كما جاء في الحديث وتركه بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مراعاة لقلوب قريش وتعظيمهم لتغيرها وحذرا من نفار قلوبهم لذلك، وتحريك متقدم عداوتهم للدين وأهله، فقال لعائشة في الحديث الصحيح: "أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لمَّا بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَلا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ . قَالَ: "لَوْلا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ". (٢)
ويفعل الفعل ثم يتركه لكون، ويبسط وجهه للكافر والعدو رجاء استئلافه، ويصبر للجاهل ويبذل له الرغائب ليحبب إليه شريعته ودين ربه، ويتولى في منزله ما يتولى الخادم من مهنته، ويتسمت في ملاءته حتى لا يبدو منه شيء من أطرافه وحتى كأن على رؤوس جلسائه الطير ويتحدث مع جلسائه بحدث أولهم، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويضحك مما يضحكون منه، وقد وسع الناس بشره وعدله لا يستفزه الغضب ولا يقصر عن الحق ولا يبطن على جلسائه. (٣)
* * *
стр. 4180
٢ - شبهة: حول تعيين الذبيح، وعلاقته بالصلب والفداء .
قال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (الصافات: ١٥٧). اعترض المعترضون وقالوا: ماذا يعني بالذبح العظيم؟ هل هو الخروف البديل عن إسحاق؟ أم ماذا يشير إليه الخروف؟ وقاسوا مسألة الذبيح على مسألة الصلب، حيث قالوا: إن الخروف يرمز إلى المسيح الذي فدى البشرية بموته على الصليب، كما أن الخروف بديلًا عن إسحاق.
فوقعوا في خطأين: الأول: هو اعتقادهم في الذبيح هو إسحاق.
الثاني: وضع مبررات لمسألة الصلب والفداء، قياسًا على فداء إسحاق بذبح عظيم. ثم إنهم قالوا: إن قصة الذبيح عندنا أمر من الله، وعندكم رؤيا نوم.
والجواب على ذلك في بابين:
الباب الأول: تعيين الذبيح من ولدي إبراهيم ﵇ في هذه الوجوه:
الوجه الأول: أهمية هذا الموضوع.
الوجه الثاني: اختلاف المسلمين في تعيين الذبيح ومنشأ الخلاف، والجمهور على أنه إسماعيل.
الوجه الثالث: ذكر الأدلة المرفوعة والموقوفة على أن الذبيح إسحاق.
الوجه الرابع: ذكر الحجج العقلية على أن الذبيح إسحاق، والرد عليها.
الوجه الخامس: ذكر الأدلة المرفوعة والموقوفة على أن الذبيح إسماعيل.
الوجه السادس: ذكر الحجج العقلية على أن الذبيح إسماعيل.
الوجه السابع: قصة الذبيح كما جاءت في الكتاب المقدس، ونقضها.
الوجه الثامن: بيان الحكمة من عدم ذكر اسم الذبيح في القرآن.
الوجه التاسع: نوعية المذبوح، ولماذا وصف بوصفه عظيم؟
الوجه العاشر: قصة الذبيح رؤيا نوم، وبيان الحكمة من ذلك.
الباب الثاني: بطلان العلاقة بين الذبيح والصلب والفداء على زعمهم. وذلك في وجهين:
الوجه الأول: بطلان العلاقة بين الذبيح والصلب.
الوجه الثاني: بطلان العلاقة بين الذبيح والفداء.
وإليك التفصيل،
стр. 4181
الباب الأول: تعيين الذبيح من ولدي إبراهيم ﵇ .
الوجه الأول: أهمية هذا الموضوع .
١ - مكانتها العظمى في ملتنا:
وبيان ذلك أن الله تعالى إنما اصطفي إبراهيم ﵇، وجعله إمامًا للناس بعد ما ابتلاه في إسلامه، ووجده كاملًا فيه، والقرآن قد دل على ذلك تصريحًا وتلويحًا في مواضع:
فمنها: قوله سبحانه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (البقرة: ١٢٤)، وبقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة ١٣١: ١٣٠)، ثم دل على حقيقة هذا الإسلام وتمام هذا الامتحان بقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (الصافات: ١٠٣).
وقد دعا إبراهيم ﵇ ربه حين بناء الكعبة أن يبعث من ذريته التي أسكنها بهذا البلد أمة تحمل هذه الشريعة التي هي حقيقة الإسلام وكماله، وكذلك دعا أن يبعث منهم رسولًا يعلمهم، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ (البقرة: ١٢٧)، وقد استجاب الله دعاءه فأخرج هذه الأمة، وبعث هذا الرسول ﷺ ، وعلى هذا فقد تبين أن هذا الإسلام التام هو حقيقة ملة إبراهيم ﵇ التي بعث الله نبينا لتكميلها وتفصيل شرائعها، وسماها الإسلام، وحامليها المسلمين الذين بعثهم من ذرية إسماعيل ﵇ التي أسكنها عند بيته المحرم الذي جعله مركزًا للدين الحنيفي الفطري القيم.
فمن زعم أن هذا الابتلاء وقع على جبل أورشليم، وقرب عليه إسحاق ﵇ كان في غطاء كثيف عن حقيقة هذه البعثة العظمي، وحقيقة هذا الذبح ومكانته في ملتنا.
٢ - أن اليهود يتعالون على غيرهم متكبرين ومتفاخرين، معلنين أنهم شعب الله المختار:
اعتقادًا منهم أنهم قد تميزوا دون غيرهم واختصوا وحدهم بميراث الخليل إبراهيم ﵇، زاعمين أنهم ينتسبون إليه، ويرجعون إلى دينه في كل أمورهم، وقد بين القرآن الكريم بطلان ذلك، وأعلن عدم استحقاق شرف الانتماء إليه، ومن زعم زعمهم
стр. 4182
من النصارى والمشركين، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ (آل عمران: ٦٧)، وبين سبحانه أن أولى النالس به هم المسلمون، ونبيهم سيدنا محمد ﷺ ، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ (آل عمران: ٦٨).
ومن باب تعلق اليهود بالخليل ﵇ وزعمهم الاستئثار بميراثه الروحي دون غيرهم من ذريته، أنهم اعتقدوا أن إسحاق ﵇ هو الوريث الوحيد الذي لا ينازع ولا يشاركه أحد في ميراث أبيه الديني، فأسقطوا عن إسماعيل ﵇ البكورية ثم طعنوا فيه وفي أمه.
وانطلاقًا من هذا المبدأ، زعموا أن إسحاق هو المأمور بذبحه من الله، فاستحق الشرف ونال الفضل هو وذريته من بني إسرائيل، ونزعوا هذا الفضل وهذا الشرف من إسماعيل ﵇ وذريته من العرب والمسلمين الذين هم أولى الناس بها.
٣ - أن اليهود لم يبالغوا في كتمان أمر مثل مبالغتهم في ذلك:
فإنهم قد ارتكبوا تحريفات وأكاذيب صريحة في أمر إسماعيل ﵇ والكعبة، وقد بين الله قصة هذا الذبح في التوراة، ولكن اليهود قد دسوا فيها أهواءهم، فأصلحها القرآن.
ومن ذلك أمران مهمان:
الأول: أن صحفهم التي بأيديهم تقول: إن الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ بصريح القول أن يذبح ولده، وإنما رأى إبراهيم ﵇ في الرؤيا أنه يذبح ولده. وذلك مما يدل على أن القرآن أرفع من أن يأخذ من اليهود وكتبهم المحرفة، بل هو المهيمن عليها، والمصلح لما أفسدوا فيها.
الثاني: أنهم في ذكر الذبيح أقحموا اسم إسحاق ﵇، وهذا من أشنع تحريفاتهم.
٤ - أنه قد درج الكثيرون من الباحثين على أن يشيروا إلى الخلاف في قصة الذبيح بين اليهود والمسلمين فقط، متغافلين عن موقف النصارى من هذه القصة .
فالنصارى - كما سيتبين لنا من خلال البحث إن شاء الله - قد تابعوا اليهود على أن الذبيح هو إسحاق، حيث اعتبروا ذلك فرصة سانحة لهم تصيدوها للربط بين حادث الذبيح وحادث الصلب والفداء، هذه القصة التي أبطلها القرآن، ونفاها نفيًا قاطعًا. فلو
стр. 4183
كان الذبيح إسماعيل ﵇، لما استطاعوا أن يربطوا بين الحادثين، ولما تمكن بولس اليهودي ذو الثقافات الوثنية تدعيم عقيدة الصلب والفداء التي استقاها من الديانات الوثنية، فليس هناك اتصال بين إسماعيل وبين المسيح ﵇ من النسب، من أجل ذلك تمسك النصارى بما نادى به اليهود وتابعوهم في ادعائهم بأن الذبيح إسحاق ﵇.
وأخيرًا:
فإننا كمسلمين نؤمن بنبوة كل من سيدنا إسماعيل ﵇ وسيدنا إسحاق ﵇، ونوقن بأنهما نبيان من كرام الأنبياء، ورسولان من خيار الرسل الذين اصطفاهم الله سبحانه من خلقه، وفضلهم على كثير من عباده، وهما ابنان باران، وولدان عزيزان على أبيهما وأبي الأنبياء إبراهيم عليهم جميعًا وعلى نبينا سيدنا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين أفضل الصلوات وأزكى التسليمات ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾.
الوجه الثاني: اختلاف المسلمين في تعيين الذبيح، وبيان سبب منشأ الخلاف:
إذا كان أهل الكتاب من اليهود والنصارى قد أجمعوا على أن الذبيح هو إسحاق، وسوف يتبين لنا فساد قولهم وتناقضه من خلال نصوصهم، فإن علماء المسلمين قد اختلفوا في تعيين الذبيح من ولدى الخليل إبراهيم ﵇، أهو إسماعيل أو هو إسحاق؟ عليهم جميعا وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
فذهب فريق منهم إلى أنه إسحاق ﵇، ومن أبرز هؤلاء: الطبري (١)، والقرطبي (٢).
وذهب فريق آخر إلى أنه إسماعيل ﵇، ومن أبرز هؤلاء: ابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤)، وابن كثير (٥)، وهو قول الجمهور.
стр. 4184
وذهب فريق ثالث إلى التوقف في المسألة، ومن أبرز هؤلاء: الزجاج (١)، والجمل (٢)، والسيوطي (٣).
منشأ الخلاف:
١ - عدم ورود نص صريح في القرآن الكريم يثبت من خلاله اسم الذبيح، وكذلك لا يوجد حديث صريح صحيح معتمد ومجمع عليه يرفع إلى النبي ﷺ في المسألة.
٢ - أن هذه الروايات مأخذُها أهل الكتاب.
٣ - أن المسلمين بريئون من التعصب، فلم ينكروا ما روي لهم من كون إسحاق ﵇ هو المفدي. وعند ذكر الأدلة والحجج لكل فريق سوف يتبين لك أيها القارئ المنصف أن الذبيح هو إسماعيل ﵇، كما هو رأى الجمهور من أهل العلم.
الوجه الثالث: ذكر الأدلة المرفوعة والموقوفة من الصحابة والتابعين على أن الذبيح إسحاق ﵇ .
اولًا: المرفوع:
١ - حديث العباس بن عبد المطلب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: الذبيح إسحاق (٤).
стр. 4185
٢ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁: قال رسول الله ﷺ : "إن داود سأل ربه مسألة فقال: اجعلني مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأوحي الله إليه إني ابتليت إبراهيم بالنار فصبر، وابتليت إسحاق بالذبح فصبر، وابتليت يعقوب فصبر (١).
٣ - ابن مسعود ﵁: عن النبي ﷺ أنه سُئل: من أكرم الناس؟ قال: يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله (٢).
٤ - حديث كتاب يعقوب، وهو حديث ابن عمر ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "أوحي الله إلى ملك الموت: إن رأيت يعقوب بن إسرائيل فسلم عليه، فأتاه فسلم عليه وقال: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا ملك الموت، قال: مرحبًا بمن
стр. 4186
كنت أتمني لقياه ولو بعد حين، أسألك يا ملك الموت بالذي ملكك قبض روح ابن آدم، هل قبضت روح يوسف؟ قال: لا، وإنه لحي على الأرض، قال: فدعا بنيه وبني بنيه فقال: ائتوني بدواة وقرطاس فاكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم، من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر، أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا أسباب البلاء، أما جدي إبراهيم فأبلاه الله بالنار حتى فداه، وأما إسحاق فأبلاه الله بالذبح حتى فداه، وأما أنا فكان لي ولد قرة عيني ... (١).
٥ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي أو شفاعتي، فاخترت شفاعتي، ورجوت أن تكون أعم لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لعجلت دعوتي، إن الله لما فرج عن إسحاق كرب الذبح، قيل له: يا إسحاق، سل تعطه قال: أما والله لأتعجلنها قبل نزعات الشيطان، اللهم من مات لا يشرك بك شيئًا وأحسن فاغفر له، وأدخله الجنة" (٢).
٦ - حديث ابن عباس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ جِبْرِيلَ ذَهَبَ بِإِبْرَاهِيمَ إِلَى جَمْرَةِ العقبة فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ فَرَمَاهُ بِسَبع حَصَيَاتٍ فَسَاخَ، ثُمَّ أَتَى الجمْرَةَ الْوُسْطَى فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ فَرَمَاهُ
ثانيًا الموقوف:
١ - ابن مسعود ﵁: عن أبي الأحوص قال: "افتخر رجل عند ابن مسعود فقال: أنا فلان بن فلان بن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله" (١).
٢ - جابر بن عبد الله ﵁: لمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ فِي الْمَنَامِ أَنْ يَذْبَحَ إِسْحَاقَ أَخَذَ بِيَدِهِ (٢).
٣ - على ﵁ (٣): قال في تفسيره لقوله سبحانه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: هو إسحاق.
٤ - حديث كعب الأحبار: قال: "لما رأى إبراهيم ذبح إسحاق، قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن أحدًا منهم أبدًا، فتمثل الشيطان لهم رجلا يعرفونه، فأقبل حتى إذا خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه دخل على سارَة امرأة إبراهيم ... " (٤).
стр. 4190
٥ - أبو الهذيل (من كبار التابعين). قال: "قال يوسف للملِك في وجهه: ترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب نبيّ الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله". (١)
٦ - أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل: (قال يوسف للملك ... ) (٢). وذكر نحوما قال أبو الهذيل.
٧ - عبد الله بن عمير: قال: "قال موسي: يا رب يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم قالوا ذلك؟ قال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قطّ إلا اختارني عليه، وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاءً زادني حسن ظنّ" (٣).
٨ - السدي: قال: "قال جبريل لسارَة: أبشري بولد اسمه إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فضربت جبهتها عَجَبا، فذلك قوله: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾، و ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ إلى قوله: ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ قالت سارَة لجبريل: ما آية ذلك؟ فأخذ بيده عودًا يابسًا، فلواه بين أصابعه، فاهتز أخضر، فقال إبراهيم: هو لله إذن ذَبيح؛ فلما كبر إسحاق أُتِيَ إبراهيمُ في النوم، فقيل له: أوف بنذرك الذي نَذَرْت). (٤)
стр. 4191
١٠ - وهب في منبه: وذكر قصة طويلة في ذبح إسحاق. (١)
١١ - مسروق: قال: هو إسحاق (٢).
الوجه الرابع: الحجح العقلية في أن الذبيح إسحاق ﵇ .
استدل القائلون بأن الذبيح إسحاق ﵇ بحجج عقلية استنبطوها من آيات القرآن الكريم، وتأولوا معانيها حتى توافق مذهبهم، ومن هذه الحجج:
الحجة الأولى: ذكر الإمام الرازي أن من الحجج العقلية التي استدل بها هؤلاء أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم ﵇ قبل هذه الآية أنه قال: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وأجمعوا على أن المراد منه مهاجرته إلى الشام ثم قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ فوجب أن يكون هذا الغلام ليس إلا إسحاق، ثم قال بعده: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ وذلك يقتضي أن يكون المراد من هذا الغلام الذي بلغ معه السعي هو ذلك الغلام الذي حصل في الشام، فثبت أن مقدمة هذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسحاق (٣).
وهذا ما أشار إليه الطبري بقوله:
وأولى القولين بالصواب في المَفْديّ من ابني إبراهيم خليل الرحمن على ظاهر التنزيل قول من قال: هو إسحاق، لأن الله قال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ فذكر أنه فدَى الغلامَ
стр. 4192
الحليمَ الذي بُشِّر به إبراهيم حين سأله أن يهب له ولدًا صالحًا من الصالحين، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ فإذا كان المفدِيّ بالذبح من ابنيه هو المبشر به، وكان الله - تبارك اسمه - قد بين في كتابه أن الذي بُشِّر به هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فقال جل ثناؤه: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ (هود: ٧١)، وكان في كل موضع من القرآن ذكر تبشيره إياه بولد، فإنما هو معنيّ به إسحاق، كان بيّنا أن تبشيره إياه بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ في هذا الموضع نحو سائر أخباره في غيره من آيات القرآن (١).
وبنفس الحجة قاله القرطبي بشيء من التصرف (٢).
فهم يرون أن الخليل ﵇ قد بشر بالغلام بعد اعتزاله لقومه، وأن هذا الغلام هو إسحاق وليس إسماعيل حسب ما ورد في سورة مريم، وأن هذا الغلام المبشر به هو الذبيح لقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، وأن إسحاق فقط هو الذي بشر به دون إسماعيل.
وللرد عليهم وبيان بطلان ما ذهبوا إليه نقول:
فيما يتعلق بتبشير الله سبحانه لإبراهيم بإسحاق عقب الاعتزال كما يزعمون فإن ذلك غير صحيح، حيث إنهم اعتمدوا على ما ورد في سورة مريم ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ .. ﴾ (مريم: ٤٩). فلو كان هذا صحيحًا لكان إسحاق أكبر من إسماعيل، وهذا لم يقل به أحد من اليهود والنصارى ولا من المسلمين، اللهم ما ذكره القرطبي فشذ فيه عن الجميع حين قال في تفسيره لقصة الذبيح: قد ذكرنا أولًا ما يدل على أن إسحاق أكبر من إسماعيل (٣).
ولو كان الأمر كما يدعي لأصبح إسحاق هو البكر وأراح اليهود من محاولات التحريف والتبرير التي أحدثوها حتى ينفوا عن إسماعيل أنه بكر، ويسقطوا عنه البكورية.
стр. 4193
والعجيب أنني وجدت القرطبي يذكر أن إسماعيل هو أكبر ولد إبراهيم، وأن أباه قد نقله إلى مكة وكان له سنتان، وأنه ولد قبل أخيه إسحاق (١).
بل والأعجب من ذلك أنني وجدته في تفسير سورة مريم يقول بالنص في قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾: والجمهور أنه إسماعيل الذبيح أبو العرب ابن إبراهيم. وقد قيل: إن الذبيح إسحاق، والأول أظهر على ما تقدم ويأتي في "وَالصَّافَّاتِ" إن شاء الله تعالى (٢).
فالإجماع قائم من أهل الكتاب والمسلمين على أن إسماعيل أكبر من إسحاق، وبناءً على ذلك فإن أول غلام بشر به إبراهيم بعد اعتزاله لقومه أو هجرته لربه هو إسماعيل وليس إسحاق، وأن قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ ينطبق على إسماعيل.
ونكتفي بالإشارة هنا إلى أن الفاء في ﴿فَبَشَّرْنَاهُ﴾ للتعقيب، والبشارة: الإِخبار بخير وارد عن قرب أو على بعد؛ فإن كان الله بشّر إبراهيم بأنه يولد له ولد أو يوجد له نسل عقب دعائه كما هو الظاهر وهو صريح في سفر التكوين في الإصحاح الخامس عشر فقد أخبره بأنه استجاب له وأنه يهبه ولدًا بعد زمان، فالتعقيب على ظاهره؛ وإن كان الله بشره بغلام بعد ذلك حين حملت منه هاجر جاريته بعد خروجه بمدة طويلة، فالتعقيب نسبي، أي بشرناه حين قدّرنا ذلك أول بشارة بغلام فصار التعقيب آئلًا إلى المبادرة كما يقال: تزوج فولد له؛ وعلى الاحتمالين فالغلام الذي بُشر به هو الولد الأول الذي ولد له وهو إسماعيل لا محالة. وهذا الغلام الذي بشر به إبراهيم هو إسماعيل ابنه البكر وهذا غير الغلام الذي بشره به الملائكة (٣).
والرد على قولهم أن إسحاق وحده هو المبشر به دون إسماعيل:
فإنه يكفي أن تكون هذه الآية ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ كما يقول الآلوسي دليلًا على أنه مبشر به أيضًا لأن قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ بعد استيفاء هذه القصة في
стр. 4194
سورة الصافات وتذييلها بما ذيل ظاهر الدلالة على أن هنالك بشارتين متغايرتين. (١)
الحجة الثانية:
كما استدلوا بأول الآيات في سورة الصافات، استدلوا بآخر الآيات كما قال الرازي في (سياق حجج من قال بأنه إسحاق) لأنه تعالى لما أتم قصة الذبيح قال بعده: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ (الصافات: ١١٢) ومعناه أنه بشره بكونه نبيًا من الصالحين، وذكر هذه البشارة عقيب حكاية تلك القصة يدل على أنه تعالى إنما بشره بهذه النبوة لأجل أنه تحمل هذه الشدائد في قصة الذبيح، فثبت بما ذكرنا أن أول الآية وآخرها يدل على أن الذبيح هو إسحاق ﵇ (٢).
وعلى هذا قال القرطبي:
فالبشارة كانت مرتين، الأولى بولادته، والثانية بنبوته جزاءً على صبره ورضاه بأمر ربه واستسلامه له. ومعنى قوله تعالى ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ (الصافات: ١١٣) أي ثنينا عليهما النعمة، وقيل: كثرنا ولدهما، أي باركنا على إبراهيم وعلى أولاده، وعلى إسحاق حين أخرج أنبياء بني إسرائيل من صلبه (٣).
ويجيب الآلوسي: بأن حمل قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ وعلى البشارة بالنبوة خلاف الظاهر إذ كان الظاهر أن يقال: لو أريد ذلك بشرناه بنبوته ونحوه. وتقدير أن يوجد نبيًا لا يدفعه كما لا يخفي وكذا وصفه بالصلاح الذي طلبه. (٤)
قال ابن القيم: فَإِنْ قِيلَ: فَالْبِشَارَةُ وَقَعَتْ عَلَى نُبُوّتِهِ أَيْ لمّا صَبَرَ الْأَبُ عَلَى مَا أُمِرَ بِهِ وَأَسْلَمَ الْوَلَدُ لِأَمْرِ الله جَازَاهُ الله عَلَى ذَلِكَ. قلنا: الْبِشَارَةُ وَقَعَتْ عَلَى المُجْمُوعِ عَلَى ذَاتِهِ وَوُجُودِهِ وَأَنْ يَكُونَ نَبِيّا وَلهِذَا نُصبَ "نَبِيّا" عَلَى الحالِ المقَدّرِ أَيْ مُقَدّرًا نبوّتَهُ فَلَا يُمْكِنُ
стр. 4195
إخْرَاجُ الْبِشَارَةِ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَصْلِ ثُمّ تُخَصّ بِالحْالِ التّابِعَةِ الجْارِيَةِ مَجْرَى الفضيلة هَذَا مُحَالٌ مِنْ الْكَلَامِ بَلْ إذَا وَقَعَتْ الْبِشَارَةُ عَلَى نبوّتِهِ فَوُقُوعُهَا عَلَى وُجُوبٍ أَوْلَى وَأَحْرَى. (١)
الوجه الخامس: الأدلة المرفوعة والموقوفة عن الصحابة والتابعين على أن الذبيح إسماعيل ﵇ .
أولًا: المرفوع .
١ - حديث الذبيحين:
قلت: جاء من طريقين، طريق مصرح ومختصر، وطريق فيه قصة.
الأول المختصر (مرفوعًا): أن النبي ﷺ قال: ((أنا ابن الذبيحين)). (٢)
الثاني المطول فيه قصة: من حديث عبد الله بن سعيد، عن الصنابحي قال: "كنا عند معاوية بن أبي سفيان، فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق، فقال: على الخبير سقطتم: (كنا عند رسول الله ﷺ فجاءه رجل، فقال: يا رسول الله عُدّ على مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين؛ فضحك عليه ﷺ فقلنا له: يا أمير المؤمنين، وما الذبيحان؟ فقال: إن عبد المطلب لما أُمِر بحفْر زمزم، نذر لله أخواله، وقالوا: افْدِ ابنك بمائة من الإبل، ففداه بمائة من الإبل، والثاني إسماعيل" (٣).
ثانيًا: الموقوف .
الآثار عن الصحابة:
١ - ابن عمر ﵁ -: قال: الذبيح إسماعيل. (٤)
стр. 4196
٢ - ابن عباس ﵁ -: قال في الذي فداه الله بذبح عظيم: هو إسماعيل. (١)
٣ - عبد الله بن سلام ﵁ -: قال: الذبيح إسماعيل. (٢)
٤ - خوات بن جبير الأنصاري: فقال: إسماعيل (٣)، وفيه قصة.
٥ - الشعبي: قال: الذبيح إسماعيل، وقال: رأيت قرني الكبش في الكعبة. (٤)
٦ - مجاهد: قال: هو إسماعيل. (٥)
стр. 4197
٧ - الحسن: قال: هو إسماعيل (١).
٨ - محمد بن كعب القرظي:
قال: إن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه من بنيه إسماعيل، وإنا لنجد ذلك في كتاب الله في قصة الخبر عن إبراهيم وما أُمر به من ذبح ابنه إسماعيل، وذلك أن الله يقول، حين فرغ من قصة المذبوح من إبراهيم، قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ يقول: بشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، يقول: بابن وابن ابن، فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من الله الموعود ما وعده الله، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل. (٢)
الوجه السادس: ذكر الحجج على أن الذبيح إسماعيل ﵇ .
١ - الحجة الأولى: العطف في البشارتين في سورة الصافات يقتضي المغايرة .
استدل القائلون بأن الذبيح إسماعيل بما ورد في قصة الذبيح المذكورة في سورة الصافات، ففي هذه القصة بشر الله سبحانه خليله إبراهيم بالذبيح، فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ وذكر قصته أولًا، فلما استوفى ذلك قال: ﴿بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾، فبين تعالى أنهما بشارتان: بشارة الذبيح، وبشارة ثانية بإسحاق. فالله سبحانه لم يذكر قصة الذبيح في القرآن إلا في هذا الموضع، أما في سائر المواضع فإنه يذكر البشارة بإسحاق خاصة، ثم إنه تعالى لما ذكر البشارتين جميعًا والبشارة بالذبيح وبإسحاق بعده، كان هذا من الأدلة على أن إسحاق ليس هو الذبيح، وأن الذكور في قصة الذبيح هو
стр. 4198
إسماعيل، فدل على أنه هو الذبيح. (١)
قال الشنقيطي: اعلم وفقني الله وإياك، أن القرآن العظيم قد دل في موضعين على أن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق، أحدهما في الصافات والثاني في هود، أما دلالة آيات الصافات على ذلك فهي واضحة جدًّا من سياق الآيات، وإيضاح ذلك على أنه تعالى قال عن نبيه إبراهيم ﵇: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ (الصافات: ٩٩ - ١١١)، قال بعد ذلك عاطفًا على البشارة الأولى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ (الصافات: ١١٢) فدل ذلك على أن البشارة الأولى شيء غير المبشر به في الثانية، لأنه لا يجوز حمل كتاب الله على أن معناه ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ ثم بعد انتهاء قصة ذبحه يقول أيضًا: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ فهو تكرار لا فائدة فيه ينزه عنه كلام الله، وهو واضح في أن الغلام المبشر به أولًا فدي بالذبح العظيم هو إسماعيل، وأن البشارة بإسحاق نص الله عليها مستقلة بعد ذلك ... ومعلوم أن في اللغة العربية أن العطف يقتضي المغايرة، فآية الصافات هذه دليل واضح للمنصف على أن الذبيح إسماعيل ﵇ لا إسحاق. ﵇ (٢).
٢ - الحجة الثانية: اقتران البشارة بإسحاق ﵇ البشارة بابنه يعقوب ﵇ .
حيث قال الله : ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (هود: ٧١).
قال الرازي: فنقول لو كان الذبيح إسحاق لكان الأمر بذبحه إما أن يقع قبل ظهور يعقوب منه أو بعد ذلك فالأول: باطل لأنه تعالى لما بشرها بإسحاق، وبشرها معه بأنه يحصل منه يعقوب فقبل ظهور يعقوب منه لم يجز الأمر بذبحه، وإلا حصل الخلف في قوله ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾، والثاني: باطل لأن قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي
стр. 4199
أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ يدل على أن ذلك الابن لما قدر على السعي ووصل إلى حد القدرة على الفعل أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه، وذلك ينافي وقوع هذه القصة في زمان آخر، فثبت أنه لا يجوز أن يكون الذبيح هو إسحاق. (١)
ولهذا قال ابن تيمية: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ لَيْسَ هُوَ إسحاق أَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ فَكَيْفَ يَأْمُرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِذَبْحِهِ؟ وَالْبِشَارَةُ بِيَعْقُوبَ تَقْتَضِي أَنَّ إسحاق يَعِيشُ ويُولَدُ لَهُ يَعْقُوبُ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ قِصَّةَ الذَّبِيحِ كَانَتْ قَبْلَ وِلَادَةِ يَعْقُوبَ بَلْ يَعْقُوبُ إنَّمَا وُلدَ بَعْدَ مَوْتِ إبْرَاهِيمَ ﵇ وَقِصَّةُ الذَّبِيحِ كَانَتْ فِي حَيَاةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ بِلَا رَيْبٍ. (٢)
ولهذا قال ابن كثير: وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه، ولله الحمد (٣).
قال ابن عاشور: تحت الاستدلال بهذه الآية: وكان ذلك بمحضر إبراهيم فلو ابتلاه الله بذبح إسحاق لكان الابتلاء صوريًا لأنه واثق بأن إسحاق يعيش حتى يولد له يعقوب لأن الله لا يخلف الميعاد. ولمّا بشره بإسماعيل لم يَعِدْه بأنه سيُولد له وما ذلك إلا توطئة لابتلائه بذبحه فقد كان إبراهيم يدعو لحياة ابنه إسماعيل (٤).
٣ - الحجة الثالثة: الاستدلال بكون ذكر الذبيح موصولًا بالدعاء وكانت إجابة لدعاء الخليل والبشارة بإسحاق كانت له ولزوجته تعجبًا .
استدل القائلون بأن الذبيح إسماعيل أيضًا بما حكى الله تعالى عن الخليل إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الصافات: ٩٩) ثم طلب من الله تعالى ولدًا يستأنس به في غربته فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (الصافات: ١٠٠)، وهذا الدعاء بصيغة السؤال
стр. 4200
إنما كان حين لم يكن له ولد، وإلا لقيل له قد وهبنا لك من الصالحين، فههنا ذكر الله سبحانه الإجابة في عقب الدعاء ووصلهما بالفاء، فقال سبحانه: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾.
وقد أجمع الناس على أن إسماعيل متقدم في الوجود على إسحاق، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء وهو إسماعيل، ثم إن الله تعالى ذكر عقيبه قصة الذبيح فوجب أن يكون الذبيح هو إسماعيل (١).
قال ابن تيمية: والْبشارَةَ بِإسحاق كَانَتْ مُعْجِزَةً، لِأَنَّ الْعَجُوزَ عَقِيمٌ؛ وَلهذَا قَالَ الْخَلِيلُ ﵇ ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، وَقَالَتْ امْرَأتُهُ ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ (هود: ٧٢)، والْبِشَارَةَ بِإسحاق فِي حَالِ الْكِبَرِ وَكَانَتْ الْبِشَارَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ إبْرَاهِيمَ وامرأته. وَأَمَّا الْبِشَارَةُ بِالذَّبِيحِ فَكَانَتْ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ وَامْتُحِنَ بِذَبْحِهِ دُونَ الْأُمِّ المبَشَّرَةِ بِهِ وَهَذَا مِمَّا يُوَافِقُ مَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فِي الصَّحِيحِ وَغَيرهِ: مِنْ أَنَّ إسْمَاعِيلَ لمَّا وَلَدَتْهُ هَاجَرُ غَارَتْ سارة فَذَهَبَ إبْرَاهِيمُ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ إلَى مَكَّةَ وَهُنَاكَ أَمْرٌ بِالذَّبْحِ (٢). وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ هَذَا الذَّبِيحَ دُونَ ذَلِكَ. (٣)
وبنحو هذا الكلام قال ابن القيم: وينتهي الإمام إلى القول بأن من يتأمل سياق هذه البشارة وتلك تجدهما بشارتين متفاوتتين مخرج إحداهما غير مخرج الأخرى، والبشارة الأولى كانت له والثانية كانت لها، والبشارة الأولى هي التي أمر بذبح من بشر فيها دون الثانية (٤).
وهذا وقد قال ابن عاشور: بأن البشارة بإسحاق كانت بمحضر سَارَة أمِّه وقد جُعلت هي المبشرة في قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (هود: ٧٢)، فتلك بشارة كرامة والأولى بشارة استجابة دعائه، فلما ولد له إسماعيل تحقق أمل إبراهيم أن يكون له وارث من صلبه، فالبشارة بإسماعيل لما كانت عقب دعاء إبراهيم أن يهب الله له
стр. 4201
من الصالحين عطفت هنا بفاء التعقيب، وبشارته بإسحاق ذكرت في هذه السورة معطوفة بالواو عطف القصة على القصة (١).
٤ - الحجة الرابعة: الاستدلال بما فرق الله به بين الذبيح وإسحاق، فوصف الذبيح بأنه غلام حليم، ووصف إسحاق بأنه غلام عليم، وبما وصف الله به إسماعيل من صفة الصبر وصادق الوعد .
فقد وصف الله سبحانه الذبيح في سورة الصافات بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، وأما إسحاق فجميع الآيات التي جاءت في البشرى به وصفه رب العزة بقوله: ﴿عَلِيمٍ﴾، كما في سورة الحجر: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ (الحجر: ٥٣)، وكما في الذاريات ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ (الذاريات: ٢٨)، وهذا التخصيص لا بد له من حكمة، والحلم هنا مناسب للصبر الذي هو خلق الذبيح، وكذلك فإن إسماعيل قد وصف بالصبر في قوله تعالى ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] (الأنبياء: ٨٥)، وهذا مناسب لقول الله سبحانه: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢].
وكذلك وصف الله إسماعيل بصدق الوعد في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفي به، وإذا كان الله سبحانه قد وصف إسماعيل بهذه الصفات ولم يصف إسحاق بشيء منها، فهذا يدل على أن إسماعيل هو الأنسب دون غيره بأن يكون هو الذبيح (٢).
٥ - الحجة الخامسة: الاستدلال بوجود قرنا الكبش في الكعبة .
وهذا مما استدل به من قال بأن الذبيح إسماعيل بأن قرني الكبش الذي فدى به الذبيح كان بالكعبة إلى أن احترق البيت واحترق االقربان أيام ابن الزبير والحجاج، فمعني ذلك أن مكان الذبح بمكة، ولو كان الذبيح إسحاق الكان الذبح قد تم بالشام، ولم ينقل عن
стр. 4202
أحد أن إسحاق ذهب إلى مكة لا من أهل الكتاب ولا غيرهم (١).
قال الآلوسي: وكان قد توارثهما قريش خلفًا عن سلف، والظاهر أن ذاك لم يكن منهم إلا للفخر ولا يتم لهم إذا كان الكبش فدًى لإسحاق دون أبيهم إسماعيل (٢).
حديث قرن الكبش
من حديث صفية بنت شيبة أُمِّ مَنْصُورٍ قَالَتْ: "أَخْبَرَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَلَدَتْ عَامَّةَ أَهْلِ دَارِنَا (أَرْسَلَ رَسُولُ الله ﷺ وإِلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، وَقَالَ مَرَّةً: إِنَّهَا سَالَتْ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ لِمَ دَعَاكَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ رَأَيْتُ قَرْنَيْ الْكَبْشِ حِينَ دَخَلْتُ الْبَيْتَ فَنَسِيتُ أَنْ آمُرَكَ أَنْ تُخَمِّرَهُمَا فَخَمِّرْهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ يَشْغَلُ المصَلِّيَ" (٣).
стр. 4203
قَالَ سُفْيَانُ: لَمْ تَزَلْ قَرْنَا الْكَبْشِ فِي الْبَيْتِ حَتَّى احْتَرَقَ الْبَيْتُ فَاحْتَرَقَا.
اعتراض على مسألة قرن الكبش:
قال الطبري معترضًا على من استدل بوجود قرن الكبش في مكة (في الكعبة):
وذلك أنه غير مستحيل أن يكون حُمل من الشام إلى الكعبة فعلق هناك (١).
فرد ابن تيمية قائلًا: فبعد أن استدل بقصة قرن الكبش قال: وَلهذَا جُعِلَتْ مِنًى مَحَلًّا لِلنُّسُكِ مِنْ عَهْدِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ وَهُمَا اللَّذَانِ بَنيَا الْبَيْتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ. وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّ إسحاق ذَهَبَ إلَى مَكَّةَ لَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا غَيْرِهِمْ، لَكِنَّ بَعْضَ المؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَزْعُمُونَ أَنَّ قِصَّةَ الذَّبْحِ كَانَتْ بِالشَّامِ فَهَذَا افْتِرَاءٌ. فَإِنَّ هَذَا لَوْ كَانَ بِبَعْض جِبَالِ الشَّامِ لَعُرِفَ ذَلِكَ الجبَلُ وَرُبَّما جُعِلَ مَنْسَكًا كَمَا جُعِلَ المُسْجِدُ الَّذِي بَنَاهُ إبْرَاهِيمُ وَمَا حَوْلَهُ مِنْ المُشَاعِرِ (٢).
٦ - الحجة السادسة: الاستدلال بما فرق الله بين الذبيح وإسحاق بذكرهما ذكرًا مستقلًا .
بعد ذكر الله تعالى المبشر به الذي صار ذبيحًا، والمبشر به الذي هو إسحاق، ذكر أحوالهما بقوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]، فجعلهما اثنين مرتين، وإذ ثبت أن المبشر به أولًا غير المبشر به ثانيًا، والذبيح هو الأول، وإسحاق هو الثاني، ثبت ما ادعيناه. وأما القول بأن المراد ههنا بالاثنين هو إبراهيم وإسحاق ﵉ فهو تأويل ضعيف لوجوه:
١ - قد فرغ عن ذكر بركة إبراهيم ﵇ بما سبق من قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)﴾ [الصافات: ١٠٩ - ١١١).
ألا ترى فيما تقدم وتأخر من ذكر المرسلين كيف ختم ذكرهم بمثل هذه الجملة؟ .
стр. 4204
وذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ (الصافات: ٧٨ - ٨٣)، وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: ١٢٠ - ١٢٣)، وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: ١٣٠ - ١٣٣)، وختم السورة بقوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨١ - ١٨٢).
فالظاهر أنه بعد الفراغ عن قصة إبراهيم ختمها بالسلام عليه، ثم ذكر ما خص به ذريته، وإذ قد اشتمل قصته ذكر بشارة ابنه الأول أعقبه ذكر بشارة ابنه الثاني، ثم ختم ذكرهما ببركتهما كذكر سائر الأنبياء.
٢ - قد جعل الله البركة لإسماعيل وإسحاق، وأعطى ذريتهما موضعين مباركين، وقد دعا إبراهيم ﵇ لبركة مسكن إسماعيل، وقد صرحت التوراة بأن الله تعالى بارك إسماعيل-﵇.
فهذه الوجوه تستدعي ذكر بركتهما، فلا يصرف عنه إلا دليل يلجئ إلى التخصيص.
وإذ لا وجه للتخصيص فلا بد أن يؤخذ بما هو أوسع وأحسن تأويلًا، وهو ذكر إسماعيل وإسحاق، ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين.
٣ - كما أن الله تعالى ذكر بركته على عباده الصالحين في مواضع من القرآن، واعتنى بذكر بركته على خواصهم، فذكر بركته على إسماعيل وإسحاق في التوراة والقرآن ليعلم ذريتهما من العرب واليهود ما يجب عليهم من الشكر، فكذلك كان حريًا بالذكر أنهم صاروا قسمين: فمنهم من أحسن، ومنهم من ظلم نفسه، لكي يتذكروا. وهذا كثير في التوراة والقرآن مثلًا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ
стр. 4205
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]، أيضًا: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ... ﴾ [فاطر: ٣٢].
فهكذا ههنا نبه العرب واليهود كليهما على ما دخل فيهما من الفساد، وسيأتيك بعض بيانه في أواخر هذا القسط.
فقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾، يدل بظاهره على أن المراد به ذكر ذرية إسماعيل وإسحاق ﵉، فإن الأخبار بكون بعضها محسنًا وبعضها ظالمًا لنفسه كما يطابق بذرية إسحاق، فهكذا يطابق بذرية إسماعيل، والقرآن أحسن جوامع الكلم. وهذا المعني الحري بالذكر لا يظهر بصرف الضمير إلى إبراهيم وإسحاق ﵉، وذلك بأنك حينئذ إما أن تريد ذرية واحدة أي الذرية الشتركة بين إبراهيم وإسحاق ﵉، كما جاء في دعاء إبراهيم ﵇ في بني إسماعيل ﵇: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، فأراد بـ (ذريتنا) ذرية إسماعيل التي هي ذرية إبراهيم ﵇ أيضًا، فعلى هذا يصير الخبر مختصًا بذرية إسحاق ﵇ فقط، فلم يحصل المعنى المقصود، وصار ذكر ما هو الأهم متروكًا.
وإما أن تريد ذريتين: الأولى ذرية إسحاق الخاصة وهم يعقوب ونسله، وعيص ونسله، والثانية ذرية إبراهيم الخاصة به قبل ذلك، وهم إسماعيل وإسحاق ﵉ أنفسهما، فذلك لا يصح، فإن ذرية إبراهيم المخصوصة به ليس فيها ظالم لنفسه.
فالآن لم يبق لك إلا القول بأن المراد ههنا ذرية إسماعيل وذرية إسحاق، ولكن عبر عن ذرية إسماعيل بذرية إبراهيم، فنقول: هذا المعنى أظهر إذا صرف الضمير إلى إسماعيل ﵇ الذي سبق ذكره، وإلى إسحاق ﵇ الذي يتلوه، ثم قد سبق ذكرهما في قوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ (الصافات: ١١٣) حسبما بينا آنفًا، ثم لا داعية ههنا للتعبير عن ذرية إسماعيل ﵇ بذرية إبراهيم ﵇، ولجعلها في مقابلة ذرية إسحاق ﵇.