← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

من الصالحين عطفت هنا بفاء التعقيب، وبشارته بإسحاق ذكرت في هذه السورة معطوفة بالواو عطف القصة على القصة (١). ٤ - الحجة الرابعة: الاستدلال بما فرق الله به بين الذبيح وإسحاق، فوصف الذبيح بأنه غلام حليم، ووصف إسحاق بأنه غلام عليم، وبما وصف الله به إسماعيل من صفة الصبر وصادق الوعد . فقد وصف الله سبحانه الذبيح في سورة الصافات بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، وأما إسحاق فجميع الآيات التي جاءت في البشرى به وصفه رب العزة بقوله: ﴿عَلِيمٍ﴾، كما في سورة الحجر: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ (الحجر: ٥٣)، وكما في الذاريات ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ (الذاريات: ٢٨)، وهذا التخصيص لا بد له من حكمة، والحلم هنا مناسب للصبر الذي هو خلق الذبيح، وكذلك فإن إسماعيل قد وصف بالصبر في قوله تعالى ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] (الأنبياء: ٨٥)، وهذا مناسب لقول الله سبحانه: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. وكذلك وصف الله إسماعيل بصدق الوعد في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفي به، وإذا كان الله سبحانه قد وصف إسماعيل بهذه الصفات ولم يصف إسحاق بشيء منها، فهذا يدل على أن إسماعيل هو الأنسب دون غيره بأن يكون هو الذبيح (٢). ٥ - الحجة الخامسة: الاستدلال بوجود قرنا الكبش في الكعبة . وهذا مما استدل به من قال بأن الذبيح إسماعيل بأن قرني الكبش الذي فدى به الذبيح كان بالكعبة إلى أن احترق البيت واحترق االقربان أيام ابن الزبير والحجاج، فمعني ذلك أن مكان الذبح بمكة، ولو كان الذبيح إسحاق الكان الذبح قد تم بالشام، ولم ينقل عن

стр. 4202

أحد أن إسحاق ذهب إلى مكة لا من أهل الكتاب ولا غيرهم (١). قال الآلوسي: وكان قد توارثهما قريش خلفًا عن سلف، والظاهر أن ذاك لم يكن منهم إلا للفخر ولا يتم لهم إذا كان الكبش فدًى لإسحاق دون أبيهم إسماعيل (٢). حديث قرن الكبش من حديث صفية بنت شيبة أُمِّ مَنْصُورٍ قَالَتْ: "أَخْبَرَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَلَدَتْ عَامَّةَ أَهْلِ دَارِنَا (أَرْسَلَ رَسُولُ الله ﷺ وإِلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، وَقَالَ مَرَّةً: إِنَّهَا سَالَتْ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ لِمَ دَعَاكَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ رَأَيْتُ قَرْنَيْ الْكَبْشِ حِينَ دَخَلْتُ الْبَيْتَ فَنَسِيتُ أَنْ آمُرَكَ أَنْ تُخَمِّرَهُمَا فَخَمِّرْهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ يَشْغَلُ المصَلِّيَ" (٣).

стр. 4203

قَالَ سُفْيَانُ: لَمْ تَزَلْ قَرْنَا الْكَبْشِ فِي الْبَيْتِ حَتَّى احْتَرَقَ الْبَيْتُ فَاحْتَرَقَا. اعتراض على مسألة قرن الكبش: قال الطبري معترضًا على من استدل بوجود قرن الكبش في مكة (في الكعبة): وذلك أنه غير مستحيل أن يكون حُمل من الشام إلى الكعبة فعلق هناك (١). فرد ابن تيمية قائلًا: فبعد أن استدل بقصة قرن الكبش قال: وَلهذَا جُعِلَتْ مِنًى مَحَلًّا لِلنُّسُكِ مِنْ عَهْدِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ وَهُمَا اللَّذَانِ بَنيَا الْبَيْتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ. وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّ إسحاق ذَهَبَ إلَى مَكَّةَ لَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا غَيْرِهِمْ، لَكِنَّ بَعْضَ المؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَزْعُمُونَ أَنَّ قِصَّةَ الذَّبْحِ كَانَتْ بِالشَّامِ فَهَذَا افْتِرَاءٌ. فَإِنَّ هَذَا لَوْ كَانَ بِبَعْض جِبَالِ الشَّامِ لَعُرِفَ ذَلِكَ الجبَلُ وَرُبَّما جُعِلَ مَنْسَكًا كَمَا جُعِلَ المُسْجِدُ الَّذِي بَنَاهُ إبْرَاهِيمُ وَمَا حَوْلَهُ مِنْ المُشَاعِرِ (٢). ٦ - الحجة السادسة: الاستدلال بما فرق الله بين الذبيح وإسحاق بذكرهما ذكرًا مستقلًا . بعد ذكر الله تعالى المبشر به الذي صار ذبيحًا، والمبشر به الذي هو إسحاق، ذكر أحوالهما بقوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]، فجعلهما اثنين مرتين، وإذ ثبت أن المبشر به أولًا غير المبشر به ثانيًا، والذبيح هو الأول، وإسحاق هو الثاني، ثبت ما ادعيناه. وأما القول بأن المراد ههنا بالاثنين هو إبراهيم وإسحاق ﵉ فهو تأويل ضعيف لوجوه: ١ - قد فرغ عن ذكر بركة إبراهيم ﵇ بما سبق من قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)﴾ [الصافات: ١٠٩ - ١١١). ألا ترى فيما تقدم وتأخر من ذكر المرسلين كيف ختم ذكرهم بمثل هذه الجملة؟ .

стр. 4204

وذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ (الصافات: ٧٨ - ٨٣)، وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: ١٢٠ - ١٢٣)، وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: ١٣٠ - ١٣٣)، وختم السورة بقوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨١ - ١٨٢). فالظاهر أنه بعد الفراغ عن قصة إبراهيم ختمها بالسلام عليه، ثم ذكر ما خص به ذريته، وإذ قد اشتمل قصته ذكر بشارة ابنه الأول أعقبه ذكر بشارة ابنه الثاني، ثم ختم ذكرهما ببركتهما كذكر سائر الأنبياء. ٢ - قد جعل الله البركة لإسماعيل وإسحاق، وأعطى ذريتهما موضعين مباركين، وقد دعا إبراهيم ﵇ لبركة مسكن إسماعيل، وقد صرحت التوراة بأن الله تعالى بارك إسماعيل-﵇. فهذه الوجوه تستدعي ذكر بركتهما، فلا يصرف عنه إلا دليل يلجئ إلى التخصيص. وإذ لا وجه للتخصيص فلا بد أن يؤخذ بما هو أوسع وأحسن تأويلًا، وهو ذكر إسماعيل وإسحاق، ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين. ٣ - كما أن الله تعالى ذكر بركته على عباده الصالحين في مواضع من القرآن، واعتنى بذكر بركته على خواصهم، فذكر بركته على إسماعيل وإسحاق في التوراة والقرآن ليعلم ذريتهما من العرب واليهود ما يجب عليهم من الشكر، فكذلك كان حريًا بالذكر أنهم صاروا قسمين: فمنهم من أحسن، ومنهم من ظلم نفسه، لكي يتذكروا. وهذا كثير في التوراة والقرآن مثلًا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ

стр. 4205

وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]، أيضًا: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ... ﴾ [فاطر: ٣٢]. فهكذا ههنا نبه العرب واليهود كليهما على ما دخل فيهما من الفساد، وسيأتيك بعض بيانه في أواخر هذا القسط. فقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾، يدل بظاهره على أن المراد به ذكر ذرية إسماعيل وإسحاق ﵉، فإن الأخبار بكون بعضها محسنًا وبعضها ظالمًا لنفسه كما يطابق بذرية إسحاق، فهكذا يطابق بذرية إسماعيل، والقرآن أحسن جوامع الكلم. وهذا المعني الحري بالذكر لا يظهر بصرف الضمير إلى إبراهيم وإسحاق ﵉، وذلك بأنك حينئذ إما أن تريد ذرية واحدة أي الذرية الشتركة بين إبراهيم وإسحاق ﵉، كما جاء في دعاء إبراهيم ﵇ في بني إسماعيل ﵇: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، فأراد بـ (ذريتنا) ذرية إسماعيل التي هي ذرية إبراهيم ﵇ أيضًا، فعلى هذا يصير الخبر مختصًا بذرية إسحاق ﵇ فقط، فلم يحصل المعنى المقصود، وصار ذكر ما هو الأهم متروكًا. وإما أن تريد ذريتين: الأولى ذرية إسحاق الخاصة وهم يعقوب ونسله، وعيص ونسله، والثانية ذرية إبراهيم الخاصة به قبل ذلك، وهم إسماعيل وإسحاق ﵉ أنفسهما، فذلك لا يصح، فإن ذرية إبراهيم المخصوصة به ليس فيها ظالم لنفسه. فالآن لم يبق لك إلا القول بأن المراد ههنا ذرية إسماعيل وذرية إسحاق، ولكن عبر عن ذرية إسماعيل بذرية إبراهيم، فنقول: هذا المعنى أظهر إذا صرف الضمير إلى إسماعيل ﵇ الذي سبق ذكره، وإلى إسحاق ﵇ الذي يتلوه، ثم قد سبق ذكرهما في قوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ (الصافات: ١١٣) حسبما بينا آنفًا، ثم لا داعية ههنا للتعبير عن ذرية إسماعيل ﵇ بذرية إبراهيم ﵇، ولجعلها في مقابلة ذرية إسحاق ﵇.

стр. 4206

فتبين أن كل هذه التأويلات تكلف وتعسف، وعاد الأمر إلى ما هو الظاهر وهو صرف الضمير في ذريتهما إلى إسماعيل ﵇ الذي سبق ذكره، وإلى إسحاق ﵇ (١). ٧ - الحجة السابعة: الاستدلال بأن القاعدة في الابتلاء والامتحان لأول ولد . فإن الله أَجْرَى الْعَادَةَ الْبَشَرِيّةَ أَنّ بِكْرَ الْأَوْلَادِ أَحَبُّ إلَى الْوَالِدَيْنِ مِمّنْ بَعْدَهُ، وإِبْرَاهِيمُ ﵇ لمّا سَأَل رَبّهُ الْوَلَدَ وَوَهَبَهُ لَهُ تَعَلّقَتْ شُعْبَةٌ مِنْ قَلْبِهِ بِمَحَبّتِهِ وَالله تَعَالَى قَدْ اتّخَذَهُ خَلِيلًا، وَالْخُلّةُ مَنْصِبٌ يَقْتَضِي تَوْحِيدَ المُحْبُوبِ بِالمُحَبّةِ، وَأَنْ لَا يُشَارِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِيهَا، فَلَمّا أَخَذَ الْوَلَدُ شُعْبَةً مِنْ قَلْبِ الْوَالِدِ جَاءَتْ غَيْرَةُ الْخُلّةِ تَنتزِعُهَا مَنْ قَلْبِ الْجلِيلِ فَأَمَرَهُ بِذَبْحِ المُحْبُوبِ، فَلَمّا أَقْدَمَ عَلَى ذَبْحِهِ وَكَانَتْ محَبةُ الله أَعْظَمَ عِنْدَهُ مِنْ محَبةِ الْوَلَدِ خَلَصتِ الْخُلّةُ حِينَئِذٍ مِنْ شَوَائِبِ المُشَارَكَةِ فَلَمْ يَبْقَ فِي الذّبْحِ مَصْلَحَةٌ إذْ كَانَتِ المُصْلَحَةُ إنّمَا هِيَ فِي الْعَزْمِ وَتَوْطِينِ النّفْسِ عليهِ فَقَدْ حَصلَ المُقْصُودُ فَنُسِخَ الْأَمْرُ وَفُدِيَ الذّبِيحُ وَصَدّقَ الْخَلِيلُ الرّؤيا وَحَصَلَ مُرَادُ الرّبّ، حَصلَ عِنْدَ أَوّلِ مَولودٍ وَلَمْ يَكُنْ ليَحْصُلَ فِي المولودِ الْآخَرِ دُونَ الْأَوّلِ بَلْ لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَ المُولودِ الْآخَرِ مِنْ مُزَاحَمَةِ الْخُلّةِ مَا يَقْتَضي الْأَمْرَ بِذَبْحِهِ وَهَذَا فِي غَاية الظّهُورِ (٢). ٨ - الحجة الثامنة: الاستدلال بغيرة سارة: قال ابن القيم: فَإِنّ سَارَةَ امْرَأَةَ الْخَلِيلِ ﷺ غَارَتْ مِنْ هَاجَرَ وَابْنِهَا أَشَدّ الْغَير فَإِنّمَا كَانَتْ جَارِيةً فَلَمّا وَلَدَتْ إسْمَاعِيلَ وَأَحَبّهُ أبُوهُ اشْتَدّتْ غَيْرَةُ "سَارَةَ" فَأَمَرَ الله سُبْحَانَهُ أَنْ يُبْعِدَ عَنْهَا "هَاجَرَ" وَابْنَهَا ويسْكِنها فِي أَرْضِ مَكّةَ لِتَبْرُدَ عَنْ "سَارَةَ" حَرَارَةُ الْغَير وَهَذَا مِنْ رَحْمَتِهِ تَعَالَى وَرَأْفَتِهِ فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَذْبَحَ ابْنَهَا وَيَدَعَ ابْنَ الجارِية بِحَالِهِ هَذَا مَعَ رَحْمَةِ الله لَهَا وَإِبْعَادِ الضّرَر عَنْهَا وَجَبْرِه لَهَا، فَكَيْفَ يَأْمُرُ بَعْدَ هَذَا بِذَبْحِ ابْنِهَا دُونَ ابْنِ الجْارِية؟ ! بَلْ حِكْمَتُهُ الْبَالِغَةُ اقْتَضَتْ أَنْ يَأْمُرَ بِذَبْحِ وَلَدِ السّرّيّةِ فَحِينَئِذٍ يَرِقّ قَلْبُ السّيّدَةِ عليهَا وَعَلَى وَلَدِهَا وَتَتبَدّلُ قَسْوَةُ الْغَير رَحْمَةً وَيَظْهَرُ لَهَا بَرَكَةُ هَذِهِ الجارِيةِ وَوَلَدِهَا وَأَنّ الله لَا يُضِيعُ بَيْتًا هَذِهِ وَابْنها مِنْهُمْ وَليُرِيَ عِبَادَهُ جَبْرَهُ بَعْدَ الْكَسْرِ، وَلُطْفَهُ بَعْدَ الشّدّةِ، وَأَنّ عَاقِبَةَ صَبْرِ "هَاجَرَ" وَابْنِهَا عَلَى الْبُعْدِ

стр. 4207

وَالْوَحْدَةِ وَالْغُرْبَةِ وَالتّسْلِيمِ إلَى ذَبْحِ الْوَلَدِ آلَتْ إلَى مَا آلَتْ إليهِ مِنْ جَعْلِ آثَارِهِمَا وَمَوَاطِئِ أَقْدَامِهِمَا مَنَاسِكَ لِعِبَاده المؤْمِنِينَ وَمُتَعَبّدَاتٍ لَهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَذ سُنتهُ تَعَالَى فِيمَنْ يُرِيدُ رَفْعَهُ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يَمُنّ عليهِ بَعْدَ اسْتِضْعَافِهِ وَذُلّهِ وَانْكِسَارِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] وَذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ الله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١). ٩ - الاستدلال بشعائر الحج: فلا ريب أن الذبيح كَانَ بِمَكّةَ وَلذَلِكَ جُعِلَتْ الْقَرَابِينُ يَوْمَ النّحْرِ بِهَا كَمَا جُعِلَ السّعْيُ بَيْنَ الصّفَا وَالمُرْوَةِ وَرَمْيُ الجمَارِ تَذْكِيرًا لِشَأْنِ إسْمَاعِيلَ وَأُمّهِ وَإِقَامَةً لِذِكْرِ الله وَمَعْلُومٌ أَنّ إسْمَاعِيلَ وَأُمّهُ هُمَا اللّذَانِ كَانَا بِمَكّةَ دُونَ إسحاق وَأُمّهِ، وَلِهَذَا اتّصَلَ مَكَانُ الذّبْحِ وَزَمَانُهُ بِالْبَيْتِ الحَرَامِ الّذِي اشْتَرَكَ فِي بِنَائِهِ إبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَكَانَ النّحْرُ بِمَكّةَ مِنْ تَمامِ حَجّ الْبَيْتِ الّذِي كَانَ عَلَى يَدِ إبْرَاهِيمَ وَابْنِهِ إسْمَاعِيلَ زَمَانًا وَمَكَانًا، وَلَوْ كَانَ الذّبْحُ بِالشّامِ كَمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَمَنْ تَلَقّى عَنْهُمْ لَكَانَتْ الْقَرَابِينُ وَالنّحْرُ بِالشّامِ لَا بِمَكّةَ (٢). الوجه السابع: قصة الذبيح حسب ما جاءت في كتاب اليهود، ونقضها . أولًا: ذكر القصة كما في كتابهم . يبتدئ الإصحاح الثاني والعشرون من سفر التكوين بهذه القصة، ولكنها متصلة بالإصحاح السابق الذي يذكر مسكن لإبراهيم الذي رحل منه مع ابنه ليقربه، وفيه أنه تغرب في بئر سبع، وجاء إليه ملك هذه الديار، وعاهد إبراهيم ﵇، ثم رجع إلى مستقره في فلسطين، وفي آخر قصة الذبح إشارة إلى مسكنه الذي ذهب منه إلى المكان الذي قرب فيه. وإليك هذه القصة كما جاءت: ١ وَحَدَثَ بَعْدَ هذ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: "يَا إِبْرَاهِيمُ! ". فَقَالَ: "هأَنذَا". ٢ فَقَالَ: "خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ المُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ

стр. 4208

مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الجبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ". ٣ فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَشَدَّ عَلَى حِمَارِه، وَأَخَذَ اثْنَيْنِ مِنْ غِلْمَانِهِ مَعَهُ، وإسْحَاقَ ابْنَهُ، وَشَقَّقَ حَطبًا لمُحْرَقَةٍ، وَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى المُوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ. ٤ وِفي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنيهِ وَأَبْصَرَ المُوْضِعَ مِنْ بَعِيدٍ، ٥ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِغُلامَيْهِ: "اجْلِسَا أنتُمَا ههُنَا مَعَ الحمَارِ، وَأَمَّا أنا وَالْغُلامُ فَنَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ وَنَسْجُدُ، ثُمَّ نَرْجعُ إِلَيْكُمَا". ٦ فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ حَطَبَ المُحْرَقَةِ وَوَضَعَهُ عَلَى إِسْحَاقَ ابْنِهِ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ النَّارَ وَالسِّكِّينَ. فَذَهَبَا كِلاهُمَا مَعًا.٧ وَكَلَّمَ إِسْحَاقُ إِبْرَاهِيمَ أَبِاهُ وَقَالَ: "يَا أَبِي! ". فَقَالَ: "هآَنذَا يَا ابْنِي". فَقَالَ: "هُوَذَا النَّارُ وَالحْطَبُ، وَلكِنْ أَيْنَ الخْروفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟ " ٨ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: "اللهُ يَرَى لَهُ الخْروفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي". فَذَهَبَا كِلاهُمَا مَعًا. ٩ فَلَمّا أَتيا إِلَى المُوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ المذْبَحَ وَرَتَّبَ الحطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى المذْبَحِ فَوْقَ الحطَبِ.١٠ ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ." فَنَادَاهُ مَلاكُ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: "إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ! ". فَقَالَ: "هأَنذَا" ١٢ فَقَالَ: "لا تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلامِ وَلا تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي". ١٣ فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنيهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكًا فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضًا عَنِ ابْنِهِ. ١٤ فَدَعَا إِبْرَاهِيمُ اسْمَ ذلِكَ الموْضِعِ "يَهْوَهْ يِرْأَهْ". حَتَّى إِنَّهُ يُقَالُ الْيَوْمَ: "فِي جَبَلِ الرَّبِّ يُرَى". ١٥ وَنَادَى مَلاكُ الرَّبِّ إِبْرَاهِيمَ ثَانِيَةً مِنَ السَّمَاءِ ١٦ وَقَالَ: "بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أنَّكَ فَعَلْتَ هذَا الأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، ١٧ أُبارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّر نَسْلَكَ تكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، ويرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، ١٨ وَيَتبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي ". ١٩ ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى غُلامَيْهِ، فَقَامُوا وَذَهَبُوا مَعًا إِلَى بِئْرِ سَبع. وَسَكَنَ إِبْرَاهِيمُ فِي بِئْرِ سَبع. (التكوين ٢٢/ ١٩: ١). من خلال نص التوراة كما في سفر التكوين، نجد أن القصة -وهي قصة الذبيح- تتضمن الأمور التالية: ١ - كان إبراهيم ﵇ قد اتخذ برية بئر سبع مسكنًا قبل التضحية وبعدها.

стр. 4209

٢ - أرض المريا على مسيرة ثلاثة أيام من بئر سبع. ٣ - أرض المريا هي التي قرب فيها. ٤ - ذلك الموضع كان يرى من بعيد. ٥ - إنما قرب إبراهيم ابنه الوحيد. ٦ - وكان هذا الابن محبوبًا له. ٧ - كان بقرب ذلك المذبح غابة. ولم يتفطن المحرف بوجه الاستدلال بهذه الأمور، فبقيت ولله الحمد. وأما التصريح باسم إسحاق فلا يعتمد عليه، لأنه موافق لأهواء اليهود فأدخلوه، وقد دلت عليه دلائل كثيرة بعضها من بيان هذه القصة، وبعضها من غيرها من نفس صحفهم (١). ثانيًا: نقض قول أهل الكتاب بأن الذبيح إسحاق بما جاء في كتابهم . ١ - الاستدلال بمسكن إبراهيم . لما بكر إبراهيم ﵇ لأن يقرب ابنه لم يكن معه إسحاق ﵇، وإنما كان معه إسماعيل ﵇. والذي أدخل اسم إسحاق لم يتفطن بهذا الأمر، فبقي دليلًا على إدخاله. وتفصيل ذلك أن القصة تصرح بأن إبراهيم ﵇ رجع بعد ما قرب ابنه إلى بئر سبع وسكن فيها، والرجوع إلى بئر سبع يدل على أنها كانت مسكنه من قبل، وقد صرح بذلك في كتابهم: (١٩ ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى غُلامَيْهِ، فَقَامُوا وَذَهَبُوا مَعًا إِلَى بِئْرِ سَبع. وَسَكَنَ إِبْرَاهِيمُ فِي بِئْرِ سَبع) (التكوين ٢٢/ ١٩). وإذا علمت هذا فاعلم أن بئر سبع هي الموضع الذي سكن فيه إسماعيل ﵇ مع أمه، فإنهم قد ذكروا ذلك في قصة إبعاد إسماعيل وأمه من إسحاق وأمه، كما جاء في سفر التكوين (٤ فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَأَخَذَ خُبْزًا وَقِرْبَةَ مَاءٍ وَأَعْطَاهُمَا لهاجَرَ، وَاضِعًا إِيَّاهُمَا عَلَى كَتِفِهَا، وَالْوَلَدَ، وَصَرَفَهَا. فَمَضتْ وَتَاهَتْ فِي بَرِّية بِئْرِ سَبع ... وَكَانَ اللهُ مَعَ الْغُلامِ فَكَبِرَ، وَسَكَنَ فِي الْبرِّيَّة، وَكَانَ يَنْمُو رَامِيَ قَوْسٍ) (التكوين ٢١/ ٢٠: ١٤). فبئر سبع لم تكن قرية، وإنما كانت برية، حفر

стр. 4210

إبراهيم ﵇ فيها سبع آبار وغرس فيها أشجارًا (التكوين: ٢١/ ٣٤: ٢٨). وعلى هذا فالمقصود هو: ١ - أن بئر سبع كانت مسكن إسماعيل ﵇ وأمه. ٢ - وأنها كانت بعيدة عن مسكن إسحاق ﵇ وأمه. ٣ - وأنها كانت مسكن إبراهيم ﵇ الذي ذهب منه للتضحية، ورجع إليها بعدها. ٢ - الاستدلال بصفقه وحيدك . أولًا: من خلال النصوص الواردة في سفر التكوين نلاحظ أنها وصفت الابن بأنه وحيد إبراهيم، وكرر هذا الوصف ثلاث مرات (خذ ابنك وحيدك) (تكوين ٢٢/ ٢)، (فلم تمسك ابنك وحيدك عني) (تكوين ٢٢/ ١٢)، (لم تمسك ابنك وحيدك) (تكوين ٢٢/ ١٦). مع ملاحظة أن كلمة (إسحاق) أضيف إلى كلمة (وحيدك) في المرة الأولى فقط، وفي المرتين الثانية والثالثة ذكرت كلمة وحيدك دون أن تقترن بكلمة (إسحاق). ولنا أن نتساءل: هل ينطبق على إسحاق هذا الوصف؟ ولن نذهب بعيدًا لنعرف جواب ذلك. فالجواب من عندهم: فمن خلال نصوص السفر نفسه نجد أن إسحاق قد ولد بعد إسماعيل إذ كانت سارة عقيمًا لا تلد فعرضت على إبراهيم يدخل بهاجر وحملت هاجر وحدث ما حدث من غيرة سارة منها وإذلالها حتى ولدت، وإليك هذا النص: وَأَمَّا سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ فَلَمْ تَلِدْ لَهُ. وَكَانَتْ لَهَا جَارِيَةٌ مِصْرِيَّةٌ اسْمُهَا هَاجَرُ، ٢ فَقَالَتْ سَارَايُ لأَبْرَامَ: "هُوَذَا الرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ الْوِلادَةِ. ادْخُلْ عَلَى جَارِيَتي لَعَلِّي أُرْزَقُ مِنْهَا بَنِينَ". فَسَمِعَ أَبْرَامُ لِقَوْلِ سَارَايَ.٣ فَأَخَذَتْ سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ هَاجَرَ المصْرِيَّةَ جَارِيَتَهَا، مِنْ بَعْدِ عَشَرِ سِنِينَ لإِقَامَةِ أَبْرَامَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَأَعْطَتْهَا لأَبْرَامَ رَجُلِهَا زَوْجَةً لَهُ. ٤ فَدَخَلَ عَلَى هَاجَرَ فَحَبِلَتْ. وَلمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرَتْ مَوْلاتها فِي عَيْنَيْهَا. ٥ فَقَالَتْ سَارَايُ لأَبْرَامَ: "ظُلْمِي عَلَيْكَ! أنا دَفَعْتُ جَارِيتي إِلَى حِضْنِكَ، فَلَمّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرْتُ فِي

стр. 4211

عَيْنَيْهَا. يَقْضِي الرَّبُّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ".٦ فَقَالَ أَبْرَامُ لِسَارَايَ: "هُوَذَا جَارِيَتُكِ فِي يَدِكِ. افْعِلي بِهَا مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْكِ". فَأَذَلَّتْهَا سَارَايُ، فَهَرَبَتْ مِنْ وَجْهِهَا. (التكوين ١٦/ ٦: ١). وفي نهاية الإصحاح: فَوَلَدَتْ هَاجَرُ لأبَرَامَ ابْنًا. وَدَعَا أَبرامُ اسْمَ ابْنِهِ الَّذِي وَلَدَتْهُ هَاجَرُ إِسماعِيلَ.١٦ كَانَ أَبرامُ ابْنَ سِتٍّ وَثمانينَ سَنَةً لمَّا وَلَدَتْ هَاجَرُ إِسْمَاعِيلَ لأبرامَ. (التكوين ١٦/ ١٦: ١٥). وإذا كان إبراهيم الخليل ﵇ لم يولد له إسماعيل إلا في السادسة والثمانين من عمره فإن إسحاق لم يولد له إلا بعد أن بلغ المائة سنة من عمره كما ذكر السفر نفسه، وإليك النص: (وكَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ حِينَ وُلدَ لَهُ إِسْحَاقُ ابْنُهُ) (التكوين ٢١/ ٥). وعلى هذا يكون سن سيدنا إسماعيل عندما وُلدَ سيدنا إسحاق قد بلغ الرابعة عشر من عمره، بل إن سفر التكوين قد نص في موضع آخر على أن إسماعيل كان عمره ثلاث عشرة سنة، حينما ختنه أبوه إبراهيم وقد تم هذا حينما بشر بإسحاق قبل أن تحمل به أمه سارة وكان عمره في هذا الوقت تسعًا وتسعين سنة (التكوين ١٧/ ٢٧: ١٥)، وبناءً على ذلك فإنه لا يمكن أن يتحقق وصف الابن الوحيد لإسحاق إلا بموت إسماعيل في حياة أبيه، ولكن الأسفار تذكر أن إسماعيل كان موجودًا أثناء فطام إسحاق وكان يلعب معه (التكوين ٢١/ ١٠: ٨)، بل إن الأسفار أيضًا تثبت أن إسماعيل ظل حيًا حتى قام بدفن إبراهيم مع أخيه إسحاق ﵈ (التكوين ٢٥/ ٩). وعلى هذا فلا ينطبق هذا الوصف (الوحيد) إلا على إسماعيل طوال الأربعة عشر عامًا قبل مولد إسحاق، وهذا يدل على أن كلمة إسحاق بجوار وحيدك لا تتلاءم وأنها قد أقحمت إقحامًا وحشرت حشرًا على النص، كذلك فإن إنجيل (برنابا) يذكر على لسان المسيح ﵇ أن العهد صنع بإسماعيل لإسحاق وأن إسماعيل هو الذبيح ووصفه (بالبكر) (١). وما يدل ويزيد التوكيد بشأن إضافة كلمة إسحاق أن النسخة العبرية تشتمل على كلمة (بكرك) بدلًا من كلمة (وحيدك) ولفظ بكرك -بدون شك ولا ريب- أشد دلالة وأكثر تحديدًا من لفظ

стр. 4212

وحيدك حيث إن الوحيد قد يكون بكرًا وقد يكون غير بكر بافتراض موت البكر أو اغترابه. ولم يكن إسحاق وحيد إبراهيم في يوم من الأيام ولم يكن أيضًا (بكره) وإنما كان إسماعيل هو البكر وحده، وانطبق عليه وصف (الوحيد) مدة أربعة عشر عامًا قبل مولد إسحاق وهي الفترة التي يرجح أن تكون حادثة الذبح والفداء قد تمت فيها (١). وعلى هذا فإن إسماعيل هو بكره ووحيده باتفاق الملل الثلاث، فالجمع بين كونه مأمورًا بذبح بكره وتعيينه بإسحاق جمع بين النقيضين، وأهل الكتاب حرفوا في ذلك فبدلوا وزادوا (٢). وكما يقول الدكتور محمد أبو شهبة: فإن اليهود حينما حرفوا التوراة ليتم لهم ما أرادوا أبى الله سبحانه إلا أن يغفلوا عما يدل على هذه الجريمة النكراء والجاني -غالبًا- يترك ما يدل على جريمته، والحق يبقى له شعاع ولو خافت يدل عليه مهما حاول المبطلون إخفاء نوره وطمس معالمه، فقد حرفوا من التوراة لفظ إسماعيل ووضعوا بدلًا منه إسحاق ولكنهم غفلوا عن كلمة وحيدك التي كشفت عن هذا التزوير وذلك الدس المشين (٣). ٣ - الاستدلال بوصفه أنه يحبه: الملاحظة الثانية: وصفه بأنه يحبه من خلال قراءة نص التوراة اليهودية الواردة في سفر التكوين نلاحظ أنه وصف الذبيح بقوله: (خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ)، فقد وصف بأن الوالد يحبه وهذا ينطبق على إسماعيل، وأنه الأجدر بالجمع بين الأوصاف الثلاثة معًا أنه الابن الوحيد لإبراهيم (قبل مولد إسحاق)؛ الابن البكر؛ الابن الذي يحبه إبراهيم. وليس معنى هذا أن إبراهيم ﵇ لم يكن يحب إسحاق ﵇ حاشا وكلا- إنه كان يحبه وفرح به قبل أن يولد حين بشر به ولكنه كان يحب إسماعيل أكثر لأنه كان وحيده طوال أربعة عشر عامًا، ولأنه ابنه البكر وغالبًا فإن الأب يخص ابنه البكر بمحبة تفوق محبة إخوته الباقين.

стр. 4213

وهذا نراه واضحًا في سيرة إبراهيم ﵇ مع ولد إسماعيل في القرآن والسنة بل في كتب اليهود أيضًا ففي القرآن الشفقة عليه والدعاء له كما في سورة إبراهيم وكذلك من تخصيصه معه ومشاركته له في بناء البيت الحرام والدعاء عقب الانتهاء من البناء ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾، ومن السنة حيث كانت معاهدة إبراهيم ﵇ في زيارة ولده وحديثه في الصحيح (١). وأما في كتابهم فقد كان شغله هو إسماعيل فعندما بشر بإسحاق اغتنم الفرصة في الدعاء لإسماعيل بأن يكلأ الله إسماعيل برعايته، فاستجاب الله له، ووعده خيرًا في إسماعيل (التكوين ١٧/ ١٨). يقول ابن القيم: إن إبراهيم ﵇ إنما رزق إسحاق ﵇ على الكبر وإسماعيل ﵇ رزقه في عنفوانه وقوته والعادة أن القلب أعلق بأول الأولاد وهو إليه أميل وله أحب بخلاف من يرزقه على الكبر ومحل الولد بعد الكبر كمحل الشهوة للمرأة (٢). ٤ - البكورية ثابتة لإسماعيل وإن نكرها أهل الكتاب: وإذا كان قد ثبت من خلال نصوص أسفار اليهود والنصارى هذا التناقض الصارخ وذلك الاضطراب الفاضح فماذا يقولون وكيف يبررون إطلاق البكورية والواحدية على إسحاق دون إسماعيل ﵉؟ . يتعلل أهل الكتاب من اليهود والنصارى بحجة واهية ولكنهم تمسكوا بها انطلاقًا من عنصريتهم البغيضة وعصبيتهم المقيتة لإسحاق دون أخيه إسماعيل، ولنسل إسرائيل دون نسل إسماعيل، فهم يزعمون أن البكورية قد سقطت عن إسماعيل بسبب أن أمه كانت جارية فاعتبروا بذلك أن إسحاق هو البكر، ويكفي أن نرجع إلى سفر التثنية ليتبين لنا بطلان تلك الحجة التي استندوا إليها حيث يبين لنا أن كون إسماعيل ابن جارية كما

стр. 4214

يزعمون لا يسقط حق بكوريته فإن البكورية تثبت لصاحبها وحق مقرر له سواء كانت أمه متساوية مع أم أخيه أو كانت دونها في المنزلة، وإليك هذا النص: ١٥ إِذَا كَانَ لِرَجُل امْرَأتانِ، إِحْدَاهُمَا مَحبوبَةٌ وَالأُخْرَى مَكْرُوهَة، فَوَلَدَتَا لَهُ بَنِينَ، المحْبُوبَةُ وَالمكْرُوهَةُ. فَإِنْ كَانَ الابْنُ الْبِكْرُ لِلْمَكْرُوهَةِ، ١٦ فَيَوْمَ يَقْسِمُ لِبَنِيهِ مَا كَانَ لَهُ، لا يَحلُّ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ ابْنَ المحْبُوبَةِ بِكْرًا عَلَى ابْنِ المكْرُوهَةِ الْبِكْرِ، ١٧ بَلْ يَعْرِفُ ابْنَ المكْرُوهَةِ بِكْرًا لِيُعْطِيَهُ نَصيبَ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ مَا يُوجَدُ عِنْدَهُ، لأنهُ هُوَ أَوَّلُ قُدْرَته. لَهُ حَقُّ الْبَكُورِيَّة. (التثنية ٢١/ ١٧: ١٥). قلت: حتى وإن حذفوا لفظة (بكرك) من التوراة ووضعوا مكانها وحيدك وألصقوا بجوارها اسم إسحاق فهذا لا يعنى أن الذبيح هو إسحاق، والجواب من كتبهم معلوم في الشريعة من لدن آدم ﵇ إلى موسى ﵇ مؤكد بأن البكر هو الذي يقرب ولا يبطل فضيلة البكورية شيء، وإليك الدليل من عندهم فقد جاء في سفر العدد (كُلَّ بِكْرٍ فِي إِسْرَائِيلَ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ. لِي يَكُونُونَ) (العدد ٨/ ١٧)، وفي سفر الخروج (وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: بَدَلَ كُلِّ بِكْرٍ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَكُونُ اللَّاوِيُّونَ لِي.) (الخروج ١٣/ ١)، فلو قالوا كما يعتقدون أن الذبيح إسحاق للزمهم أن يقولوا أنه هو البكر لإبراهيم، وهم يعلمون كما في عقيدتهم أن أول ولد لإبراهيم هو إسماعيل وقد تقدم ذلك (١). البكر في اللغة: أول ولد الرجل غلامًا كان أو جارية، وبكر الرجل بالكسر أول ولده، وبكر كل شيء أوله (٢). وإن قيل إن هاجر لم تكن زوجة لإبراهيم وإنما كانت من سراريه. وقد قال بذلك اليهود والنصارى لينالوا من السيدة هاجر ولكننا نأتي لهم أيضًا بنصوص من أسفارهم تقطع بعكس ما يقولون وتثبت ضد ما يزعمون، أي تثبت أن هاجر زوجة لإبراهيم، وإليك النص: (فأخذت ساراى امرأته هاجر المصرية خادمتها

стр. 4215

فأعطتها لإبرام زوجها لتكون زوجة) (التكوين ١٦/ ٣)، كذلك في نفس السفر نجد أن (راميل) زوجة يعقوب الثانية حينما وجدت نفسها عقيمًا لا تلد طلبت منه ﵇ أن يدخل بجاريتها (بلهة) ووجه الاستشهاد أن عبارة السفر تقطع بأن هذه الجارية قد صارت زوجة (فَأَعْطَتْهُ بِلْهَةَ جَارِيَتَهَا زَوْجَةً، فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَعْقُوب) (التكوين ٣٠/ ٤: ١). إن إصرار اليهود على جعل إسحاق هو الذبيح دون إسماعيل له جانب هام يفوق في أهمية جانب البحث التاريخي الذي يراد به مجرد العلم باسم الذبيح من ابني إبراهيم، فإنه اختلاف يتعلق به اختيار الشعب الموعود ويتعلق به الحذف والإثبات في سيرة إبراهيم ليتصل بذرية إسحاق وينقطع عن ذرية إسماعيل أو ليثبت من سيرته كل ما يتعلق بإسرائيل ينقطع منها كل ما يتعلق بالعرب. فاعتقاد اليهود إذن في أن إسحاق هو الذبيح جاء استكمالًا لاستبعاد إسماعيل واستئثار إسحاق بميراث أبيها إبراهيم ﵇ حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق (١). ويذكر ابن كثير: أن الذي حمل اليهود على التحريف وجعل إسحاق هو الذبيح حسدهم للعرب، فإن إسماعيل أبو العرب الذي يسكنون الحجاز الذين منهم رسول الله ﷺ وإسحاق والد يعقوب -وهو إسرائيل- الذي ينتسبون إليه فأرادوا أن يجروا هذا الشرف إليهم فحرفوا كلام الله وزادوا فيه وهم قوم بهت ولم يقروا بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء (٢). ٥ - الاستدلال بموضع الذبيح . قد مر في قصة الذبح (٤ وَفي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رَفَعَ إبراهِيمُ عَيْنيه وَأبَصَرَ المُوْضِعَ مِنْ بَعِيدٍ) (التكوين ٢٢/ ٤)، فزعمت اليهود أن هذا امان هو موضع هيكل سليمان في أورشليم، وزعمت النصارى أنه موضع صلب المسيح ﵇ حسب معتقدهم، ولكن المحققين منهم قد علموا أنه باطل محض.

стр. 4216

ونذكر خلاصة آرائهم من كلام أحد مشايخهم، أعني (كولنزو) فإنه ذكر مخالفتهم في اسم الموضع الذي سموه (أرض المريا)، ثم صرح بتحريفهم في هذه التسمية، وهذا ما ذكره من الاختلاف: ذكره من الاختلاف جدول النسخة السبعينية -النسخة العبرانية-موقع ذكر الاسم-ترجمة أقيلا الذي ناقض السبعينية- ترجمة سمافوس إلى الأرض العالية -إلى أرض موره- التكوين (٢٢/ ٢) الأرض المستعلنة-أرض الرؤيا البلوطة العالية -ميدان موره -التكوين (١٢/ ٦) قرب البلوطة العالية -على قرب ميدان موره -التثنية (١١/ ٣٠) عند جبل مورة - عند جبل موره-القضاة (٧/ ١) وبعد أن ذكر هذه الاختلافات استدل كولنزو على تحريفهم وتمسك بحجتين: الأولى: أن هذا الاسم لمكان الهيكل لا يوجد في سائر الصحف فقال (لا يوجد هذا الاسم في أحد من الكتب بعد سليمان، فإن كتب الأنبياء والمزامير الأولى لا تذكر الجيل الذي بنى عليه الهيكل إلا باسم (صيهون) ولا تذكر (مريا) أبدًا لمكان الهيكل. والثانية: أن صفة ذلك الوضع لا تصدق على مكان الهيكل وهذه الحجة في غاية القوة. والمقصود من نقل هذه الأقوال أن موضع الذبح المسمى باسم مورة صار موضعًا لاختلاف شديد فيما بينهم فطائفة منهم غيبوا هذا الاسم وترجموه إما ببلوطات عالية وإما بأرض مستعلنة وإما بأرض الرؤيا وطائفة منهم أبقوا هذا الاسم ولكن حرفوه لفظًا فجعلوه (مورة) (ومرياة) (مورياة) وذلك ليلبسوا الحق بالباطل.

стр. 4217

وقد رجح الإمام عبد الحميد الفراهي أن الاسم هو المروة بالميم الأصلية وتقديم الراء على الواو لكن حدث تحريف وتبديل لأصل الكلمة وقد بين ذلك. والأمر الثاني الذي يكشفه لنا: هو تعيين المسمى بهذا الاسم فإن اليهود جعلوه لمكان هيكل سليمان والنصارى لمكان كنيسة القبر المقدس عندهم. ولكن الصحيح أن ذلك الموضع هو الذي في مساكن بني إسماعيل ولم يزل مشهورًا باسم المروة ويؤيد ذلك ما في صحفهم فإنه قد جاء في سفر القضاة (وَكَانَ جَيْشُ المدْيَانِيِّينَ شِمَالِيَّهُمْ عِنْدَ تَلِّ مُورَةَ فِي الْوَادِي) (القضاة ٧/ ٢: ١). فتبين أن هذا تل مورة كان معسكر المديانيين ولا شك أن المديانيين هم العرب واسم مديان يطلق عليهم وعلى أرضهم وقد جاء التصريح بأن مديان هم الإسماعيليون (وَقَالَ رِجَالُ إِسْرَائِيلَ لجِدْعُونَ: "تَسَلَّطْ عَلَيْنَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنُ ابْنِكَ، لانكَ قَدْ خَلَّصتَنَا مِنْ يَدِ مِدْيَانَ". ٢٣ فَقَالَ لهمْ جِدْعُونُ: "لا أتسَلَّطُ أنا عَلَيْكُمْ وَلا يَتَسَلَّطُ ابْنِي عَلَيْكُمُ. الرَّبُّ يَتَسَلَّطُ عَلَيْكُمْ". ٢٤ ثُمَّ قَالَ لهمْ جِدْعُونُ: "أَطْلُبُ مِنْكُمْ طِلْبَةً: أَنْ تُعْطُوني كُلُّ وَاحِدٍ أَقْرَاطَ غَنِيمَتِهِ". لأنهُ كَانَ لَهُمْ أَقْرَاطُ ذَهَبٍ لأَنَّهُمْ إِسْمَاعِيلِيُّونَ) (القضاة ٨/ ٢٤: ٢٢). فاتضح مما ذكرنا أن مورة كان في مساكن مديان وأن مديان هم بنو إسماعيل وأن أرض مديان في الحجاز على بحر قلزم (١). قال د/ فتحي محمد الزغبي: وإذا كان كاتب سفر التكوين فد ذكر أن الجبل الذي أمر الله إبراهيم أن يذبح ابنه فوقه هو (جبل المريا) أو (أرض المريا) فإن مفسري العهد القديم وشراحه قد اختلفوا في تعيين هذا الجبل ومعرفته على سبيل التحديد جاء في كتاب (السنن القويم) أن معنى المريا إما (الرب علم) وإما (الرب معد أوراء). فإن كان المعنى الثاني هو المقصود هنا فيكون المكان سمي المريا من الحادثة ويكون المعنى: المكان الذي فيه (الرب يعد أو يرى خروف المحرقة)، ورأى كثيرون من أكابر

стр. 4218

المفسرين أن ذلك المكان هو (مورة) في شكيم (نابلس) وأن الذبيحة قدمت في السامرة وكان المذبح طبيعيًا وهو قمة جبل جرزيم. لكن إبراهيم وإسحاق -فيما يقول صاحب كتاب السنن- وصلا المكان في اليوم الثالث ولكن كون جبل جرزيم بعيدًا جدًّا عن بئر سبع يمنع من هذا القول، وعلى هذا فيرجع أنه قرب أورشليم لأنها تبعد نحو ثلاث مراحل أي سير نحو إحدى وعشرين ساعة. وأورد صاحب القاموس أن (مريا) اسم سامي ربما كان معناه (رؤيا) ويطلق على: ١ - أرض أوصى الرب إبراهيم أن يصعد إليها ويقدم ابنه على أكمة منها وهي منطقة في أورشليم. ٢ - الميل الذي بنى سليمان عليه الهيكل في أورشليم وكان في القسم الشرقي من المدينة الحاضرة يشرف على وادي قدرون وكان إلى الشمال من صهيون، ثم يذكر صاحب القاموس أن الأكثرين يظنون أن موضع الهيكل هو نفس الموضع الذي فيه أمر الله إبراهيم أن يستعد لتقديم إسحاق ذبيحه، غير أن التقليد السامري يقول: إن موضع مذبح إبراهيم كان على جبل جرزيم (١). وجبل جرزيم هو جبل صخري منحدر يكون الحد الجنوبي للوادي الذي تقع فيه شكيم (نابلس الآن)، وهكذا فإن اليهود فيما بينهم قد اختلفوا في الموضع الذي يذكرون أن إسحاق قد هيئ للذبح فيه مما يعني أن المسألة غير مؤكدة لديهم (٢). ٦ - الاستدلال بما في قصة مولد إسماعيل وإسحاق من البشارات: ومن خلال البشارات التي جاءت عند مولد إسماعيل وإسحاق نجد أنها تنبئ بما يمكن أن يحدث لأخوين في مستقبل حياتهما. وفيما يتعلق بإسماعيل: نجد أن ملاك الرب -كما ورد في سفر التكوين- قد بشر هاجر أثناء حملها بوليدها المنتظر: (وقال لها ملاك الرب: لأكثرن نسلك تكثيرًا حتى لا يحصى لكثرته، وقال لها ملاك الرب: ها أنت حامل وستلدين ابنًا وتسمينه إسماعيل لأن الرب قد

стр. 4219

سمع صوت شقائك ... ) (التكوين ١٦/ ١١: ١٠)، والذي يتأمل هذه البشرى يلاحظ أنها لم تذكر شيئًا عن ذرية لإسماعيل في المستقبل بل تكلمت عن نسل لهاجر وإخوة لإسماعيل، وما دامت هاجر قد حملت من إبراهيم بوليدها البكر إسماعيل فإنها يمكن أن تحمل منه ذرية أخرى يتكاثر منها نسل هاجر ولا يوجد في تلك البشرى ما يمنع حدوث مكروه لإسماعيل مثل موته أو قتله قبل أن يكبر وتكون له ذرية. فلو حدث بعد مولد إسماعيل أن جاء الوحي لإبراهيم بأمره بذبح ابنه هذا ما كان هناك تناقص وأما ما جاء في الدعاء بالبركة وكثرة ذريته فكان ذلك بعد ما بلغ ثلاث عشرة سنة عند البشرى بإسحاق، كما جاء في سفر التكوين صحيحًا قال الرب لإبراهيم (وأما إسماعيل فقد سمعت قولك فيه وها أنا ذا أباركه وأنميه وأكثره جدًّا ويلد اثنى عشر رئيسًا وأجعله أمة عظيمة) (التكوين ١٧/ ٢٠). أقول: كانت هذه البركة قبل مولد إسحاق بعام وعند ذلك كان عمر إسماعيل ثلاث عشرة سنة، معنى ذلك أن هذا الكلام قد قبل بعد أن فدى الله إسماعيل من الذبح. أما ما يتعلق بإسحاق: نجد أن الأمر قد اختلف تمامًا عن أخيه إسماعيل حيث إن البشرى التي تلقاها إبراهيم السَّلام قبل مولد إسحاق بعام وأن البشرى بكثرة نسله وذريته كان قبل مولد إسحاق، فقد جاء في سفر التكوين ما نصه: (فقال الله: بل سارة امرأتك ستلد لك ابنا واسمه إسحاق وأقيم عهدي معه عهدًا أبديًا لأكون له إلهًا ولنسله من بعده) (تكوين ١٧/ ١٩)، فكيف إذن ينبئ وحي السماء إبراهيم ﵇ بذرية لإسحاق قبل مولده ويقام معها عهد الله، ثم يعود وحي السماء ليطلب من إبراهيم أن يذبح ابنه إسحاق وهو لا يزال بعد صبيًا لم يتزوج وينجب ذرية كما ورد في البشارة. قلت: والبشارة بنسل إسحاق مع ولادته هو ما صرح به القرآن الكريم حيث بشر إبراهيم وزوجته سارة بولادة إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب كما قال سبحانه: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]، وهذا دليل على أن إسحاق ليس هو الذبيح.

стр. 4220

اعتراض ورده: وقد حاول بولس في رسالته إلى العبرانيين أن يجيب عن هذا السؤال ويحل هذه المشكلة فقال: (بالإيمان قرب إبراهيم إسحاق لما امتحن فكان يقرب ابنه الوحيد، وقد تلقى المواعد وكان قد قيل له: بإسحاق سيكون لك نسل يحمل اسمك فقد اعتقد أن الله قادر حتى على أن يقيم من بين الأموات لذلك استرده) (رسالة العبرانيين ١١/ ١٩: ١٧). وحل هذه المشكلة التي قدمتها بولس في رسالته إلى العبرانيين وردده كثير من شراح العهد القديم النصارى جديد في المسيحية لم ينظر إليه أحبار اليهود الذين اعتبروا أن التضحية قائمة على تسليم إبراهيم بموت إسحاق وأنه أطاع الله ولم يطع قلبه بحنانه على ابنه الموعود، بالإضافة إلى أن هذا الحل الذي ارتضاه فقهاء المسيحية يقلل كثيرًا من قيمة تضحية إبراهيم وإذعانه لربه مادام أنه كان على يقين من أن الله سبحانه سوف يعيد الحياة إلى ولده بعد أن يقوم بذبحه بنفسه. الوجه الثامن: الحكمة من عدم ذكر اسم الذبيح في القرآن . ليس لقائل أن يقول: إن كان إسماعيل ﵇ هو الذبيح فلم لم يصرح القرآن به؟ فإن هذا السؤال عائد عليه في أمر إسحاق ﵇ على سواء مع أنه لم يكن مانع لذكره. وأما إسماعيل ﵇ فلعدم التصريح باسمه وجوه من الحكمة: الأول: أنه من عادة القرآن الصفح والإعراض عن اللجاج الذي لا ينفصم، لكيلا يشتغل الخصم به، ويترك ما يلقى إليه من الحجة الدامغة. وقد أدخلت اليهود اسم إسحاق ﵇ في قصة الذبح، فلو صرح القرآن بخلاف ذلك لتمسكوا بما في كتبهم وجادلوا بباطلهم، وأنكروا بما جاء به النبي لخلاف الصريح بما عندهم؛ فالقرآن يلزمهم ما كان موجودًا في صحفهم، أو كان ظاهرًا بينًا عند العقل، لكيلا يترك لهم متمسكًا وعذرًا، وقد أشار إلى ذلك في غير ما آية تارة يخاطب النبي ويأمره بالصفح عنهم، وتارة يخاطب المسلمين بترك جدالهم إلا بحسن القول، وتارة يخاطب أهل الكتاب ويدعوهم إلى مسلماتهم.

стр. 4221

ونذكر هاهنا بعض الأمثلة، قال تعالى مخاطبًا لنبيه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت: ٤٦)، وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥ - ٦٦]. ولهذا الأسلوب من الخطاب لهم أمثلة كثيرة. وبالجملة فإن القرآن قد اجتنب مجادلتهم فيما تمسكوا بظاهر الكتاب، وفي ذلك حكمة بينة لعدم التصريح باسم الذبيح، فلو كان هو إسحاق ﵇ لم يكن مانعًا عن تسميته هاهنا. والثاني: أن الإسلام جعل الفخر بالآباء من أمور الجاهلية، وجعل سعادة الإنسان وشرفه في استقلاله بأعماله. فعلى هذا الأصل كان أقرب إلى التكرم أن لا يذكر على لسان النبي في هذه القصة التي جاء فيها ذكر إسحاق ﵇ بعد الفراغ عن واقعة الذبح ما يكون تصريحًا بأن إسماعيل ﵇ الذي كان من آبائه هو صاحب هذا الشرف العظيم. وليت شعري ماذا يقول من يزعم أن الذبيح هو إسحاق ﵇ في عدم تسميته في هذه القصة وبيان كونه ذبيحًا، مع كثرة ذكره والبشارة به لإبراهيم ﵇.

стр. 4222

والثالث: أن الجهود لم يقنعوا بإنكار هذا الشرف لإسماعيل ﵇، بل أفى خلوا في التوراة أن إبراهيم ﵇ أخرجه عن بيته مع أمه، وأنها كانت أمة لسارة ﵍، ومعاذ الله أن تكون كذلك، وقد عاد وبال هذا الافتراء عليهم من غير مهلة، ثم ضربت عليهم الذلة والعبودية، وقد ذكرنا طرفًا من ذلك في تفسير سورة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ... ﴾. وبالجملة فكان الفخر بالآباء قد سيط من دمهم، ولذلك وبخهم يحيى ﵇ بقوله: (يَا أَوْلادَ الأَفاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟ ٨ فَاصْنَعُوا أَثمارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. ولا تَبْتَدِئُوا تَقُولُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْرَاهِيمُ أبا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذ الحجَارَةِ أَوْلادًا لإِبْرَاهِيمَ.٩ وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ) (متى ٣/ ١٠: ٧). فلو أسمعهم القرآن شيئًا مما كان للعرب من كرم المحتد وعلوه لاهتاجوا إلى ذكر ما افتروه من كون هاجر ﵍ أم أبيهم إسماعيل ﵇ أمة لسارة ﵍، ألا ترى أن القرآن مع كثرة ذكر سارة ﵍ لم يأت ولو مرة واحدة بذكر هاجر ﵍؟ فكان الأولى أن يجتنب التصريح بكون هذه الفضيلة لبني إسماعيل خاصة. وبالجملة فعدم التصريح باسم الذبيح أولى بكونه دليلًا على أنه إسماعيل ﵇، فإن لم يصرح باسمه، فقد دل عليه بوجوه كثيرة كما مر آنفًا. الرابع: أن التوراة التي بأيدي اليهود مشتملة على دلائل جمة تنطق بأن إسماعيل هو الذبيح، وهو أبوه وهو صاحب البركة الدائمة التي بورك بها جميع الأمم، مع فضائل أخر. ولا خفاء في عداوتهم به وبذريته. وإذ كان الأمر كذلك، كان أحسن أن يُكتفى بتلك البينات التي في التوراة عند أعدائهم عن التصريح بها في القرآن فإنه كما قيل: الفضل ما شهدت به الأعداء، لا سيما إذا كانت هذه الشهادة على رغم أنفهم وسعيهم في كتمانها، ولا يخفى أن القرآن ملآن بذكر فضائل أنبياء بني إسرائيل- ﵈، بل هو الذي نفى عنهم كل ما أدخلوه في التوراة مما لا يليق برفيع منزلتهم، فلو كانت فضيلة الذبيح

стр. 4223

لإسحاق ﵇ لصرح بها القرآن (١). قال ابن عاشور: وقد أشارت هذه الآيات إلى قصة الذبيح ولم يسمه القرآن لئلا يثير خلافٌ بين المسلمين وأهل الكتاب في تعيين الذبيح من ولدي إبراهيم وكان المقصد تأليف أهل الكتاب لإقامة الحجة عليهم في الاعتراف برسالة محمد ﷺ وتصديق القرآن ولم يكن ثمة مقصد مهم يتعلق بتعيين الذبيح ولا في تخطئة أهل الكتاب في تعيينه، وأمارة ذلك أن القرآن سمى إسماعيل في مواضع غير قصة الذبيح وسمى إسحاق في مواضع ومنها بشارة أمة على لسان الملائكة الذين أرسلوا إلى قوم لوط وذكر اسمي إسماعيل وإسحاق أنهما وهبا له على الكبر ولم يسم أحدًا في قصة الذبيح قصدًا لإبهام مع عدم فوات المقصود من الفضل لأن المقصود من القصة التنويه بشان إبراهيم فأي ولديه كان الذبيح كان في ابتلائه بذبحه وعزمه عليه وما ظهر في ذلك من المعجزة تنويه عظيم بشأن إبراهيم (٢). الوجه التاسع: نوعية المذبوح ولماذا وصف بوصفه عظيم . اختلف أهل العلم في الذبح الذي فُدي به ولدا إبراهيم ﵇ على قولين: الأول: أنه كان كبشًا، وهو قول جمهور أهل العلم بالتفسير (٣)، وممن قال به ابن ﵁ قال: الكبش الذي ذبحه إبراهيم هو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه (٤). القول الثاني: أنه كان تيسًا، ونقل ذلك عن ابن عباس (٥)، والحسن البصري (٦).

стр. 4224

وأما عن وصفه بقوله سبكانه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، وذلك لأسباب: ١ - لأنه رعى في الجنة، قاله ابن عباس ﵁ (١). ٢ - لأنه كان ذبحًا متقبلًا، قاله مجاهد (٢). ٣ - ذُبح ذبح بالحق على دين إبراهيم ﵇، قاله الحسن (٣). ٤ - عظيم القدر لأنه من عند الله، فهو عظيم الشخص والبركة. وذلك أن الله فدى به ابن رسول وأبقى به من سيكون رسولًا فيعظمه بعظم أثره، ولأنه سخره الله لإبراهيم في ذلك الوقت وذلك المكان، وعلى هذا جرت السنة به وصار دينًا باقيًا آخر الدهر (٤). ٥ - لأنه كان سمينًا (٥). ٦ - لأنه لم يكن عن نسل بل من التكوين (٦). قال الطبرى: ولا قول في ذلك أصح مما قال الله -جل ثناؤه- وهو أن يقال: فداه الله بذبح عظيم وذلك أن الله عم وصفه إياه بالعظيم دون تخصيصه فهو كما عمه به (٧).

стр. 4225

الوجه العاشر: قصة الذبيح رؤيا نوم، وبيان الحكمة من ذلك . قال الآلوسي: وفي كلام التوراة التي بأيدي اليهود اليوم ما يرمز إلى أن الأمر بالذبح كان ليلًا فإنه بعد أن ذكر قول الله تعالى له ﵇ خذ ابنك وامض إلى بلد العبادة وأصعده ثم قربانًا على أحد الجبال الذي أعرفك به قيل فأدلج إبراهيم بالغداة .. إلخ فالأمر إما منامًا وإما يقظةً لكن وقع تأكيدا لما في المنام إذ لا محيص عن الإيمان بما قصه الله تعالى علينا فيما أعجز به الثقلين من القرآن والجزم بكونه في النام لا غير إذ لا يعول على ما في أيدي اليهود وليس في الأخبار الصحيحة ما يدل على وقوعه يقظة أيضًا (١). الحكمة من ورود هذا التكليف في النوم لا في اليقظة . الأول: إن هذا الابتلاء إنما برز في صورة الوحي المنامي إكرامًا لإبراهيم عن أن يزعج بالأمر بذبح ولده بوحي في اليقظة لأن رؤى المنام يعقبها تعبيرها إذ قد تكون مشتملة على رموز خفية وفي ذلك تأنيس لنفسه لتلقي هذا التكليف الشاق عليه وهو ذبح ابنه الوحيد (٢). وحول ذلك يقول الإمام الرازي: أن هذا التكليف كان في نهاية المشقة على الذابح والمذبوح، فورد أولًا في النوم حتى يصير ذلك كالمنبه لورود هذا التكليف الشاق، ثم يتأكد حال النوم بأحوال اليقظة، فحينئذٍ لا يهجم هذا التكليف دفعة واحدة بل شيئًا فشيئًا (٣). الثاني: أن تكون المبادرة إلى الامتثال أدل على كمال الانقياد وتمام الإخلاص (٤). الثالث: أن الله تعالى جعل رؤيا الأنبياء ﵈ حقًّا، فكما أرى يوسف ﵇ سجود أبويه وأخوته في المنام فقال على لسان يوسف ﵇: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ [يوسف: ٤]، وكما وعد رسوله ﷺ دخول المسجد

стр. 4226

الحرام في المنام فقال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (الفتح: ٢٧)، وقال على لسان الخليل إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (الصافات: ١٠٢)، والمقصود من ذلك تقوية الدلالة على كونهم صادقين، لأن الحال إما حال يقظة وإما حال منام، فإذا تظاهرت الحالتان على الصدق، كان ذلك هو النهاية في بيان كونهم محقين صادقين في كل الأحوال (١). الباب الثاني: الوجه الأول: بطلان العلاقة بين الذبيح والصلب والفداء على زعمهم . ١ - بطلان هذا القياس الفاسد: وذلك أن النصارى قد تابعوا اليهود في أن الذبيح إسحاق ﵇ وكان حادث الذبيح فرصة ثمينة تلقفها الذين بدلوا دين المسيح عيسى ﵇ حيث اتخذوها سندًا وحجةً لعقيدة الصلب والفداء ومن هذا الملق أيضًا رأوا أن الذبيح إسحاق، فلو كان إسماعيل لما كان لاستشهادهم به على ما زعموه من طلب المسيح وتقديمه لذبيحة للخلاص والفداء أي تأثير حيث أن المسيح عيسى ابن مريم من ذرية إسحاق وليس من ذرية إسماعيل عليهم جميعًا وعلى نبينا أفضل الصلوات وأزكى التسليمات. جاء في (السنن القويم) أن كون إسحاق أطاع أباه ولم يمانع يعد رمزًا إلى المسيح الذي سيق إلى الذبح ولم يفتح فاه إطاعة لإرادة أبيه فأحياه الله كما أحيا ابنه، فكان في هذه التجربة قصد روحي وهو الإيمان إلى الذبيحة الكفارية ذبيحة الفادي التي هي غنى الكنيسة المسيحية وركن دينها وتعليمها وسعادتها كنيسة الله التي اشتراها بدمه. ذكر الدكتور (ف. ب) ما يراه أن تصرف إبراهيم في هذه الحادثة يزيدنا فهمًا للذبيحة التي قدمها الله لخلاصنا فإن خضوع إسحاق وهو موضوع على المذبح ورقبته معرضة للسكين يعطينا فكرة أعمق من طاعة المسيح حتى الموت كذلك فإن إعادة إسحاق حيًا كمن قام من الأموات بعد أن صار في حكم المائت في نظر والده ثلاثة أيام يعطينا فكرة عن

стр. 4227

قيام المسيح من الأموات في اليوم الثالث، ثم يذكر أن الحقيقة تفوق الرمز: فإن إسحاق تألم وهو شاعر تمامًا بوجود أبيه معه، أما المسيح فقد تصاعدت من جنبه تلك الصرخات المدوية (إِلهِي، إِلهِي، لِماذَا تَرَكْتَنِي)، وإسحاق بذل معه كل ما يمكن تخفيف آلامه وأحزانه، أما المسيح فقد قاسى الأمرين من جند الرومان ثم من الكتبة والفريسيين، إسحاق نجا من الموت أما المسيح فقد شرب الكأس حتى الثمالة (١). وعلى هذا المنوال نسج شراح الكتاب المقدس ومفسروه من النصارى باذلين أقصى جهودهم في الربط بين إسحاق والمسيح، واستغلال حادث الذبح في صنع متكئًا يتكئون عليه، ومصدر ينهلون منه ليدعموا هذه العقيدة التي أبطلها القرآن الكريم بطلانًا قاطعًا وحاسمًا في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ (النساء: ١٥٧ - ١٥٨) (٢). * * *

стр. 4228

٣ - شبهة: حول نظر إبراهيم ﵇ في النجوم . نص الشبهة: قال تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨ - ٨٩]، فاعترضوا على الآية وقالوا: أن القرآن يثبت أن إبراهيم ﵇ كان ينظر في النجوم، ولم يكن إيمانه يقينيًا، وأن القرآن يثبت أنه كان مريضًا، مع أن في الكتاب المقدس أن إيمان إبراهيم ﵇ كان يقينيًا، وأنه كان سليمًا ولم يكن مريضًا. والجواب عن ذلك من وجوه: الوجه الأول: بيان معنى قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨)﴾ . الوجه الثاني: بيان معنى قوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾. الوجه الثالث: أنواع علم النجوم. الوجه الرابع: أدلة من أثبت أن للكواكب والنجوم تأثيرًا، والرد عليها. الوجه الخامس: الكلام على بطلان علم الأحكام. الوجه السادس: ماذا قال الكتاب المقدس عن إبراهيم ﵇. وإليك التفصيل، الوجه الأول: بيان معنى قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨)﴾. هذه حيلة أرادها إبراهيم ﵇ لكيلا يخرج معهم، فقال لهم كلامًا هو حق في نفس الأمر، فَهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه، ولم يكن نظره ﵇ من باب اعتقاده في النجوم، وإنما هو إيهام ليتوصل إلى ما يريد لكي يتوصل إلى غرضه الذي سيكون وسيلة إلى إنقاذهم مما هم فيه. (١) وأما عن نظره، فالجواب عليه من وجوه: الأول: أنه تفكر فيما يلهيهم به:

стр. 4229

أي: أنه نظر إلى السماء متفكرًا فيما يلهيهم به، وعادة من أراد أن يتفكر في شيء نظر إلى السماء، لأن النظر إلى الأرض يلهيه عن تدبره (١)، وهو قول قتادة ﵁. (٢) والمعنى أنهم ظنوا أنه نظر في النجوم متنجمًا، ولكنه نظر إليها متفكرًا. وأهل اللغة يقولون: لمن تفكر في أمره لينظر كيف يدبره نظر في النجوم، ويتفكر بمعنى ينظر كما في قوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣). الثاني: نظر في نجوم كلامهم ومتفرقات أقوالهم . وحاله معهم، وذلك كله لا سألوه أن يخرج معهم إلى عيدهم ليخرج من ذلك بحيلة. (٤) الثالث: أنه رأى نجمًا طالعًا فعلم أن له خالقًا . فكان هذا نظره في النجوم (٥)، والمعنى أن هذه النجوم لا تستطيع أن تدبر أفعال العباد، وهو منسوب إلى سعيد بن المسيب. (٦) الرابع: نظر في النجوم هو قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ وهذا قبل البلوغ (٧). وهذه النظرة هي النظرة التي استدل بها على التوحيد في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾، وأن العرب تطلق على كل ما في القرآن نجومًا على صفة التغليب، قال تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾. الخامس: نظر في أحكامها، ولم ينظر إليها بعينها .

стр. 4230

وذلك أن قوم إبراهيم ﵇ كانوا أصحاب النجوم يعظمونها ويقضون بها على غائب الأمور، فلذلك نظر إبراهيم في النجوم أي في علوم النجوم وفي معانيه لا أنه نظر بعينه إليها، وهو كما يقال فلان نظر في الفقه وفي النحو وإنما أراد أن يوهمهم أنه يعلم ما يعلمون ويتعرف من حيث يتعرفون حتى إذا قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ سكنوا إلى قوله. (١) السادس: أن علم النجوم كان من النبوة . فلما حبس الله تعالى الشمس على يوشع بن نون أبطل ذلك، فنظر إبراهيم ﵇ فيها كان علمًا نبويًا. (٢) وحكى جويبر عن الضحاك أن علم النجوم كان باقيًا إلى زمن عيسى ابن مريم ﵇، حتى دخلوا عليه في موضع لا يطلع عليه فقالت لهم مريم: من أين علمتم موضعه؟ قالوا: من النجوم، فدعا ربه عند ذلك فقال: اللهم فوهمهم في علمها فلا يعلم علم النجوم أحد، فصار حكمها في الشرع محظورًا وعلمها في الناس مجهولًا. (٣) الوجه الثاني: بيان معنى قوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ . الأول: كلام أهل اللغة حول كلمة سقيم: السَّقام، والسُّقْم، والسَّقَم: المرض، لغات مثل حُزْن، وحَزَن، وقد سَقِمَ الرجل يَسْقُم فهو سقيم ورجل مسقام، إذا كان يعتريه السقم كثيرًا. (٤) الثاني: كلام أهل العلم بالتفسير والحديث وغيرهم حول كلمة سقيم.

стр. 4231

الأول: سقيم مريض، ونوع المرض هنا الطاعون، والمعنى: إني مطعون، وهو مروي عن ابن عباس (١)، الضحاك (٢)، سفيان (٣). وهذا كله من باب المعاريض (الحيل) التي استخدمها سيدنا إبراهيم ﵇ حتى يخلو بها إلى أصنامهم، فقال إني سقيم ليلزم مكانه ويفارقوه، ولم ينطق إبراهيم بأن النجوم دلته على أنه سقيم، ولكنه لما جعل قوله: (إني سقيم) مقارنًا لنظره في النجوم أوهم قومه أنه عرف ذلك من دلالة النجوم حسب أوهامهم (٤). وعلى هذا فلم يكن مريضًا جسمانيًا، بدليل أنه حطم الأصنام، وهي تحتاج إلى مشقة عالية، وإنما هذا من باب المعاريض (٥). وعلى القول بأنه سقيم فسقمه سقم نفسي من تماديهم في الباطل على ما يأتي: الثاني: سقيم بالنسبة إلى ما يستقبل من مرض الموت.

стр. 4232

لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب ثم يموت، وهذا كما قال الله سبحانه (إنك ميت وإنهم ميتون)، أي: ستموت. (١) قال الزمخشري: ولقد نوى به أن من في عنقه الموت سقيم. ومنه المثل: كفي بالسلامة داء. وقول لبيد: فَدَعَوْتُ رَبِّي بالسَّلامَةِ جَاهِدا ... لِيُصِحَّنِي فَإذَا السَّلامَةُ دَاءُ وقد مات رجل فجأة فالتف عليه الناس وقالوا: مات وهو صحيح، فقال أعرابي: أصحيح من الموت في عنقه. (٢) الثالث: سقيم بمعنى: مريض القلب عن عبادتكم هذه الأوثان. (٣) ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾. الرابع: سقيم أي: سأسقم، فالْإِنْسَان عُرْضَة لِلْأَسْقَامِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ الاعْتِذَار عَنْ الخُرُوج مَعَهُمْ إِلَى عِيدهمْ، وَشُهُود بَاطِلهمْ وَكُفْرهمْ، واسم الفاعل يستعمل بمعنى المستقبل كثيرًا (٤). الخامس: سقيم أي: سقيم الحجة على الخروج معكم. (٥) السادس: أنه نظر نظرة في النجوم في أوقات الليل والنهار وكانت تأتيه سقامة كالحمى في بعض ساعات الليل والنهار، فنظر ليعرف هل هي في تلك الساعة وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾

стр. 4233

فجعله عذرًا في تخلفه عن العيد الذي لهم وكان صادقًا فيما قال، لأن السقم كان يأتيه في ذلك الوقت، وإنما تخلف لأجل تكسير أصنامهم (١). وتعقب ابن حجر هذا القول، فقال: وهو بعيد لأنه لو كان كذلك لم يكن كذبًا لا تصريحًا ولا تعريضًا. (٢) وعلى هذا فقد تبين أنه ﷺ لم يكن مريضًا جسمانيًا، وإنما هذه حيلة أراد أن يتوصل إلى أصنامهم، وهو من المعاريض كما تقدم. الوجه الثالث: أنواع علم النجوم . النوع الأول: المباح . العلم بأسماء الكواكب ومناظرها ومطالعها ومساقطها وسيرها والاهتداء بها، وانتقال العرب عن مياهها لأوقاتها وتخيرهم الأوقات إنتاج مواشيهم وضرابهم الفحول ومعرفتهم بالأمطار على اختلافها، والتوصل إلى جهة القبلة بالنجوم ومعرفة مواقيت الصلاة وساعات الليل بظهورها وأفولها. فهذا العلم مباح. (٣) الأدلة على إباحة هذا النوع: قال : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥] (يونس: ٥)، وقال : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٨]. عن قتادة قال: إن الله- ﵎ خلق هذه النجوم لثلاث خصال جعلها زينة السماء، وجعلها يهتدي بها وجعلها رجومًا للشياطين فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قلل رأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به وإن ناسا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في

стр. 4234

هذه النجوم كهانة من غرس بنجم كذا وكذا كان كذا ومن ولد بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا ولعمري ما من نجم إلا يولد به القصير والطويل والأحمر والأبيض والحسن والذميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطير شيئًا من الغيب وقضى لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله، ولعمري لو أن أحدا علم الغيب لعلم آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلَّمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة يأكل منها رغدًا حيث شاء، ونهي عن شجرة واحدة، فلم ينزل به البلاء حتى وقع بما نهي عنه، ولو كان أحد يعلم الغيب لعلم الجن حيث مات سليمان بن داود ﵉ فلبثت تعمل حولًا في أشد العذاب وأشد الهوان لا يشعرون بموته فما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل من منسأته أي تأكل عصاه فلما خر تبينت الجن أن لو كانت الجن تعلم الغيب ما لبثوا في العذاب المهين وكانت الجن تقول مثل بذلك إنها كانت تعلم الغيب وتعلم ما في غد فابتلاهم الله بذلك وجعل موت نبي الله ﷺ للجن عظة وللناس عبرة. (١) النوع الثاني: المحرم . وهو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان كأخبارهم بأوقات هبوب الرياح ومجيء المطر والبردة وتغير الأسعار وما كان في معانيها من الأمور يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها وباجتماعها واقترانها ويدعون لها تأثيرا في السفليات وأنها تتصرف على أحكامها وتجرى على قضايا موجباتها وهذا منهم تحكم على الغيب وتعاط لعلم استأثر الله سبحانه به لا يعلم الغيب أحد سواه. (٢) الأدلة على تحريم هذا النوع: قال ابن تيمية: وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على

стр. 4235

الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية والتمزيج بين القوى الفلكي والقوابل الأرضية صناعة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل قال الله : ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]، وقال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥٠] قال عمر وغيره: الجبت السحر. (١) الأدلة من السنة: عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اقْتبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَا". (٢) فقد صرح رسول الله ﷺ بأن علم النجوم من السحر وقد قال الله : ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ وهكذا الواقع فإن الاستقراء يدل على أن أهل النجوم لا يفلحون لا في الدنيا ولا في الآخرة. (٣) وعن صفية عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أتى عَرَّافًا فَسَأَلهُ عَنْ شَيْءٍ لم تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً". (٤) والمنجم يدخل في اسم العراف عند بعض العلماء وعند بعضهم هو في معناه، فإذا كانت هذه حال السائل فكيف بالمسئول. (٥) عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت: يا رسول الله- "إِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأتونَ الْكُهَّانَ قَالَ فَلَا تَأْتهمْ". (٦)

стр. 4236

فنهي النبي ﷺ عن إتيان الكهان والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء وحكى ذلك عن العرب وعند آخرين هو من جنس الكاهن واسوأ حالا منه فلحق به من جهة المعنى. (١) عن أبي مسعود الأنصاري قال: "نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن". (٢) وحلوانه الذي تسميه بالعامة حلاوته ويدخل في هذا المعنى ما يعطيه المنجم وصاحب الأزلام التي يستقسم بها مثل الخشبة المكتوب عليها أب ج د والضارب بالحمى ونحوهم فما يعطى هؤلاء حرام. وقد حكى الإجماع على تحريمه غير واحد من العلماء كالبغوي، والقاضي عياض وغيرهما. (٣) الوجه الرابع: شبهات من أثبت أن للكواكب والنجوم تأثيرًا والرد عليها . هذه الأدلة ذكرها ابن القيم عن أبي عبد الله الرازى، ثم ذكر الرد عليها: الشبهة الأولى: هناك آيات دالة على تعظيم هذه الكواكب . ١ - فمنها قوله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ التكوير: ٥)، وأكثر المفسرين على أن المراد هو الكواكب التي تسير راجعة تارة ومستقيمة أخرى. ٢ - ومنها قوله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ (الواقعة: ٧٥ - ٧٦)، وقد صرح بتعظيم هذا القسم وذلك يدل على غاية جلالة مواقع النجوم ونهاية شرفها. ٣ - ومنها قوله : ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ (الطارق: ١ - ٣). قال ابن عباس: الثاقب هو زحل لأنه يثقب بنوره سمك السموات السبع. ٤ - ومنها أنه تعالى بين إلهيته بكون هذه الكواكب تحت تدبيره وتسخيره فقال: ﴿وَالشَّمْسِ

стр. 4237

وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. والجواب عنه: أما عن الاستدلال بقوله تعالى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾. ١ - فإن أكثر المفسرين على أن المراد هو الكواكب التي تسير راجعة تارة ومستقيمة أخرى وهذا القول قد قاله جماعة من المفسرين وأنها الكواكب الخمسة زحل وعطارد والمشترى والمريخ والزهرة وروى عن على واختاره ابن مقاتل وابن قتيبة قالوا: وسماها خنسًا لأنها في سيرها تتقدم إلى جهة المشرق ثم تخنس أي تتأخر وكنوسها استتارها في معربها كما تكنس الظباء وتفر من الوحوش إلى أن تأوي إلى كناسها وهي أكنتها، وتسمى هذه الكواكب المتحيرة لأنها تسير مستقيمة وتسير راجعة وقيل كنوسها بالنسبة إلى الناظر وهو استتارها تحت شعاع الشمس. ٢ - وقيل هي النجوم كلها وهو اختيار أبي عبيدة وقاله الحسن وقتادة، وعلى هذا القول فيكون باعتبار أحوالها الثلاثة من طلوعها وغروبها وما بينهما فهي خنس عند أول الطلوع لأن النجم منها يرى كأنه يبدو ويخنس وتكنس عند غروبها تشبها بالظباء التي تأوي إلى كناسها وهي جوار ما بين طلوعها وغروبها خنس عند الطلوع جوار بعده كنس عند الغروب وهذا كله بالنسبة إلى أفق كل بلد تكون لها فيه الأحوال الثلاثة. ٣ - وقال ابن مسعود: هي بقر الوحش وهي رواية عن ابن عباس واختاره سعيد بن جبير. ٤ - وقيل -وهو أضعف الأقوال-: الملائكة حكاه المروزي في تفسيره فإن كان المراد بعض هذه الأقوال غير ما حكاه الرازي فلا حجة له وإن كان المراد ما حكاه فغايته إن يكون الله قد أقسم بها كما أقسم بالليل والنهار والضحى والوالد والفجر وليال عشر والشفع والوتر والسماء والأرض واليوم الموعود وشاهد ومشهود والنفس والمرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات والنازعات والناشطات والسابحات والسابقات وما نبصره وما لا نبصره من كل غائب عنا وحاضر مما فيه التنبيه على كمال

стр. 4238

ربوبيته وعزته وحكمته وقدرته وتدبيره وتنوع مخلوقاته الدالة عليه المرشدة إليه بما تضمنته من عجائب الصنعة وبديع الخلقة وتشهد لفاطرها وبارئها بأنه الواحد الأحد الذي لا شريك له وأنه الكامل في علمه وقدرته ومشيئته وحكمته وربوبيته وملكه وأنها مسخرة مذللة منقادة لأمره مطيعة لمراده منها ففي الإقسام بها تعظيم لخالقها ﵎ وتنزيه له عما نسبه إليه أعداؤه الجاحدون المعطلون لربوبيته وقدرته ومشيئته ووحدانيته وأن من هذه عبيده ومماليكه وخلقه وصنعه وإبداعه فكيف تجحد ربوبيته وألوهيته وكيف تنكر صفات كماله ونعوت جلاله وكيف يسوغ لذي حس سليم وفطرة مستقيمة تعطيلها عن صانعها أو تعطيل صانعها عن نعوت جلاله وأوصاف كماله وعن أفعاله. فإقسامه بها أكبر دليل على فساد قول نوعي المعطلة والمشركين الذين جعلوها آلهة تعبد مع دلائل الحدوث والعبودية والتسخير والافتقار عليها، وإنها أدلة على بارئها وفاطرها وعلى وحدانيته وأنه لا تنبغي الربوبية والإلهية لها بوجه ما بل لا تنبغي إلا لمن فطرها وبرأها. فلم يكن إقسامه بها سبحانه مقررًا بذلك علم الأحكام النجومية -كما يقوله الكاذبون المفترون-، بل مقررًا لكمال ربوبيته ووحدانيته وتفرده بالخلق والابداع وكمال حكمته وعلمه وعظمته وهذا نظير إخباره سبحانه عن خلقها وعن حكمة خالقها بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]، وقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ [الأنبياء: ٣٣]، وقوله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت: ٣٧]، وقوله- : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف:

стр. 4239

٥٤)، وقوله : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)﴾ [النحل: ١٢]. وهؤلاء المشركون يعظمون الشمس والقمر والكواكب تعظيمًا يسجدون لها ويتذللون لها ويسبحونها تسابيح معروفة في كتبهم ودعوات لا ينبغي أن يدعى بها إلا خالقها وفاطرها وحده فبالله أتجعل قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ دليلًا على هذا، ومقدمة له في أول الكتاب فإن كان الإقسام بها دليلًا على تأثيراتها في العالم كما يقولون فينبغي أن يكون سائر ما أقسم به كذلك وإن لم يكن القسم دليلا بطل الاستدلال به. فائدة: اجتمع جماعة من الكبراء والفضلاء يومًا فقرأ قارىء: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ حتى بلغ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾، وفي الجماعة أبو الوفاء بن عقيل فقال له قائل: يا سيدي هب أنه أنشر الموتى للبعث والحساب وزوج النفوس بقرنائها للثواب والعقاب فما الحكمة في هدم الأبنية وتسيير الجبال ودك الأرض وفطر السماء ونثر النجوم وتخريب هذا العالم وتكوير شمسه وخسف قمره فقال ابن عقيل على البديهة: إنما بني لهم هذه الدار للسكنى والتمتع وجعلها وما فيها للاعتبار والتفكر والاستدلال عليه بحسن التأمل والتذكر فلما انقضت مدة السكنى وأجلاهم عن الدار وخربها لانتقال الساكن منها، فأراد أن يعلمهم بأن في إحالة الأحوال وإظهار تلك الأهوال وإبداء ذلك الصنع العظيم بيانا لكمال قدرته ونهاية حكمته وعظمة ربوبيته وعظمة جلاله وعظم شأنه وتكذيبًا لأهل الإلحاد وزنادقة المنجمين وعباد الكواكب والشمس والقمر والأوثان ليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فإذا رأوا أن منار آلهتهم قد انهدم وأن معبوداتهم قد انتثرت والأفلاك التي زعموا أنها وما حوته هي

стр. 4240

الأرباب المستولية على هذا العالم قد تشققت وانفطرت ظهرت حينئذ فضائحهم وتبين كذبهم وظهر أن العالم مربوب محدث مدبر له رب يصرفه كيف يشاء. (١) وأما قوله تعالى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ ففيها قولان: أحدهما: أنها النجوم المعروفة وعلى هذا ففي مواقعها أقوال أحدها: أنه انكدارها وانتشارها يوم القيامة وهذا قول الحسن والمنجمون يكذبون بهذا ولا يقرون به، والثاني: مواقعها منازلها قاله عطاء وقتادة، والثالث: أنه مغاربها والرابع: أنه مواقعها عند طلوعها وغروبها، حكاه ابن عطية عن مجاهد وأبي عبيدة، والخامس: أن مواقعها مواضعها من السماء، وهذا الذي حكاه ابن الجوزي عن قتادة حكاه ابن عطية عنه فيحتمل أن يكونا واحدًا وأن يكونا قولين. السادس: أن مواقعها انقضاضها أثر العفريت وقت الرجوم حكاه ابن عطية أيضًا ولم يذكر أبو الفرج ابن الجوزي سوى الثلاثة الأول. القول الثاني: أن مواقع النجوم هي منازل القرآن ونجومه التي نزلت على النبي ﷺ في مدة ثلاث وعشرين سنة. فإن كان المراد من القسم نجوم القرآن بطل استدلاله بالآية، وإن كان المراد الكواكب وهو قول الأكثرين فلما فيها من الآيات الدالة على ربوبية الله تعالى وانفراده بالخلق والإبداع، فإنه لا ينبغي أن تكون الإلهية إلا له وحده كما انه وحده المتفرد بخلقها وإبداعها، وما تضمنته من الآيات والعجائب فالإقسام بها أوضح دليل على تكذيب المشركين والمنجمين والدهرية ونوعى المعطلة كما تقدم وكذلك قوله والنجم الثاقب. الشبهة الثانية: قالوا هناك آيات دالة على أن لها تأثيرًا في هذا العالم . كقوله : ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]، وقوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات: ٤] قال بعضهم: المراد هذه الكواكب. والجواب عليه:
следующие страницы →