فنهي النبي ﷺ عن إتيان الكهان والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء وحكى ذلك عن العرب وعند آخرين هو من جنس الكاهن واسوأ حالا منه فلحق به من جهة المعنى. (١)
عن أبي مسعود الأنصاري قال: "نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن". (٢)
وحلوانه الذي تسميه بالعامة حلاوته ويدخل في هذا المعنى ما يعطيه المنجم وصاحب الأزلام التي يستقسم بها مثل الخشبة المكتوب عليها أب ج د والضارب بالحمى ونحوهم فما يعطى هؤلاء حرام.
وقد حكى الإجماع على تحريمه غير واحد من العلماء كالبغوي، والقاضي عياض وغيرهما. (٣)
الوجه الرابع: شبهات من أثبت أن للكواكب والنجوم تأثيرًا والرد عليها .
هذه الأدلة ذكرها ابن القيم عن أبي عبد الله الرازى، ثم ذكر الرد عليها:
الشبهة الأولى: هناك آيات دالة على تعظيم هذه الكواكب .
١ - فمنها قوله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ التكوير: ٥)، وأكثر المفسرين على أن المراد هو الكواكب التي تسير راجعة تارة ومستقيمة أخرى.
٢ - ومنها قوله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ (الواقعة: ٧٥ - ٧٦)، وقد صرح بتعظيم هذا القسم وذلك يدل على غاية جلالة مواقع النجوم ونهاية شرفها.
٣ - ومنها قوله : ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ (الطارق: ١ - ٣).
قال ابن عباس: الثاقب هو زحل لأنه يثقب بنوره سمك السموات السبع.
٤ - ومنها أنه تعالى بين إلهيته بكون هذه الكواكب تحت تدبيره وتسخيره فقال: ﴿وَالشَّمْسِ
стр. 4237
وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
والجواب عنه:
أما عن الاستدلال بقوله تعالى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾.
١ - فإن أكثر المفسرين على أن المراد هو الكواكب التي تسير راجعة تارة ومستقيمة أخرى وهذا القول قد قاله جماعة من المفسرين وأنها الكواكب الخمسة زحل وعطارد والمشترى والمريخ والزهرة وروى عن على واختاره ابن مقاتل وابن قتيبة قالوا: وسماها خنسًا لأنها في سيرها تتقدم إلى جهة المشرق ثم تخنس أي تتأخر وكنوسها استتارها في معربها كما تكنس الظباء وتفر من الوحوش إلى أن تأوي إلى كناسها وهي أكنتها، وتسمى هذه الكواكب المتحيرة لأنها تسير مستقيمة وتسير راجعة وقيل كنوسها بالنسبة إلى الناظر وهو استتارها تحت شعاع الشمس.
٢ - وقيل هي النجوم كلها وهو اختيار أبي عبيدة وقاله الحسن وقتادة، وعلى هذا القول فيكون باعتبار أحوالها الثلاثة من طلوعها وغروبها وما بينهما فهي خنس عند أول الطلوع لأن النجم منها يرى كأنه يبدو ويخنس وتكنس عند غروبها تشبها بالظباء التي تأوي إلى كناسها وهي جوار ما بين طلوعها وغروبها خنس عند الطلوع جوار بعده كنس عند الغروب وهذا كله بالنسبة إلى أفق كل بلد تكون لها فيه الأحوال الثلاثة.
٣ - وقال ابن مسعود: هي بقر الوحش وهي رواية عن ابن عباس واختاره سعيد بن جبير.
٤ - وقيل -وهو أضعف الأقوال-: الملائكة حكاه المروزي في تفسيره فإن كان المراد بعض هذه الأقوال غير ما حكاه الرازي فلا حجة له وإن كان المراد ما حكاه فغايته إن يكون الله قد أقسم بها كما أقسم بالليل والنهار والضحى والوالد والفجر وليال عشر والشفع والوتر والسماء والأرض واليوم الموعود وشاهد ومشهود والنفس والمرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات والنازعات والناشطات والسابحات والسابقات وما نبصره وما لا نبصره من كل غائب عنا وحاضر مما فيه التنبيه على كمال
стр. 4238
ربوبيته وعزته وحكمته وقدرته وتدبيره وتنوع مخلوقاته الدالة عليه المرشدة إليه بما تضمنته من عجائب الصنعة وبديع الخلقة وتشهد لفاطرها وبارئها بأنه الواحد الأحد الذي لا شريك له وأنه الكامل في علمه وقدرته ومشيئته وحكمته وربوبيته وملكه وأنها مسخرة مذللة منقادة لأمره مطيعة لمراده منها ففي الإقسام بها تعظيم لخالقها ﵎ وتنزيه له عما نسبه إليه أعداؤه الجاحدون المعطلون لربوبيته وقدرته ومشيئته ووحدانيته وأن من هذه عبيده ومماليكه وخلقه وصنعه وإبداعه فكيف تجحد ربوبيته وألوهيته وكيف تنكر صفات كماله ونعوت جلاله وكيف يسوغ لذي حس سليم وفطرة مستقيمة تعطيلها عن صانعها أو تعطيل صانعها عن نعوت جلاله وأوصاف كماله وعن أفعاله.
فإقسامه بها أكبر دليل على فساد قول نوعي المعطلة والمشركين الذين جعلوها آلهة تعبد مع دلائل الحدوث والعبودية والتسخير والافتقار عليها، وإنها أدلة على بارئها وفاطرها وعلى وحدانيته وأنه لا تنبغي الربوبية والإلهية لها بوجه ما بل لا تنبغي إلا لمن فطرها وبرأها.
فلم يكن إقسامه بها سبحانه مقررًا بذلك علم الأحكام النجومية -كما يقوله الكاذبون المفترون-، بل مقررًا لكمال ربوبيته ووحدانيته وتفرده بالخلق والابداع وكمال حكمته وعلمه وعظمته وهذا نظير إخباره سبحانه عن خلقها وعن حكمة خالقها بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]، وقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ [الأنبياء: ٣٣]، وقوله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت: ٣٧]، وقوله- : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف:
стр. 4239
٥٤)، وقوله : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)﴾ [النحل: ١٢].
وهؤلاء المشركون يعظمون الشمس والقمر والكواكب تعظيمًا يسجدون لها ويتذللون لها ويسبحونها تسابيح معروفة في كتبهم ودعوات لا ينبغي أن يدعى بها إلا خالقها وفاطرها وحده فبالله أتجعل قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ دليلًا على هذا، ومقدمة له في أول الكتاب فإن كان الإقسام بها دليلًا على تأثيراتها في العالم كما يقولون فينبغي أن يكون سائر ما أقسم به كذلك وإن لم يكن القسم دليلا بطل الاستدلال به.
فائدة: اجتمع جماعة من الكبراء والفضلاء يومًا فقرأ قارىء: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ حتى بلغ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾، وفي الجماعة أبو الوفاء بن عقيل فقال له قائل: يا سيدي هب أنه أنشر الموتى للبعث والحساب وزوج النفوس بقرنائها للثواب والعقاب فما الحكمة في هدم الأبنية وتسيير الجبال ودك الأرض وفطر السماء ونثر النجوم وتخريب هذا العالم وتكوير شمسه وخسف قمره فقال ابن عقيل على البديهة: إنما بني لهم هذه الدار للسكنى والتمتع وجعلها وما فيها للاعتبار والتفكر والاستدلال عليه بحسن التأمل والتذكر فلما انقضت مدة السكنى وأجلاهم عن الدار وخربها لانتقال الساكن منها، فأراد أن يعلمهم بأن في إحالة الأحوال وإظهار تلك الأهوال وإبداء ذلك الصنع العظيم بيانا لكمال قدرته ونهاية حكمته وعظمة ربوبيته وعظمة جلاله وعظم شأنه وتكذيبًا لأهل الإلحاد وزنادقة المنجمين وعباد الكواكب والشمس والقمر والأوثان ليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فإذا رأوا أن منار آلهتهم قد انهدم وأن معبوداتهم قد انتثرت والأفلاك التي زعموا أنها وما حوته هي
стр. 4240
الأرباب المستولية على هذا العالم قد تشققت وانفطرت ظهرت حينئذ فضائحهم وتبين كذبهم وظهر أن العالم مربوب محدث مدبر له رب يصرفه كيف يشاء. (١)
وأما قوله تعالى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ ففيها قولان:
أحدهما: أنها النجوم المعروفة وعلى هذا ففي مواقعها أقوال أحدها: أنه انكدارها وانتشارها يوم القيامة وهذا قول الحسن والمنجمون يكذبون بهذا ولا يقرون به، والثاني: مواقعها منازلها قاله عطاء وقتادة، والثالث: أنه مغاربها والرابع: أنه مواقعها عند طلوعها وغروبها، حكاه ابن عطية عن مجاهد وأبي عبيدة، والخامس: أن مواقعها مواضعها من السماء، وهذا الذي حكاه ابن الجوزي عن قتادة حكاه ابن عطية عنه فيحتمل أن يكونا واحدًا وأن يكونا قولين. السادس: أن مواقعها انقضاضها أثر العفريت وقت الرجوم حكاه ابن عطية أيضًا ولم يذكر أبو الفرج ابن الجوزي سوى الثلاثة الأول.
القول الثاني: أن مواقع النجوم هي منازل القرآن ونجومه التي نزلت على النبي ﷺ في مدة ثلاث وعشرين سنة.
فإن كان المراد من القسم نجوم القرآن بطل استدلاله بالآية، وإن كان المراد الكواكب وهو قول الأكثرين فلما فيها من الآيات الدالة على ربوبية الله تعالى وانفراده بالخلق والإبداع، فإنه لا ينبغي أن تكون الإلهية إلا له وحده كما انه وحده المتفرد بخلقها وإبداعها، وما تضمنته من الآيات والعجائب فالإقسام بها أوضح دليل على تكذيب المشركين والمنجمين والدهرية ونوعى المعطلة كما تقدم وكذلك قوله والنجم الثاقب.
الشبهة الثانية: قالوا هناك آيات دالة على أن لها تأثيرًا في هذا العالم .
كقوله : ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]، وقوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات: ٤] قال بعضهم: المراد هذه الكواكب.
والجواب عليه:
стр. 4241
أما قوله : ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾: فلم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين ولا العلماء بالتفسير أنها النجوم وهذه الروايات عنهم، فقال ابن عباس هي الملائكة، قال عطاء: وكلت بأمور عرفهم الله العمل بها، وقال عبد الرحمن بن ساباط: يدبر أمور الدينا أربعة جبريل وهو موكل بالوحي والجنود وميكائيل وهو موكل بالقطر والنبات وملك الموت وهو موكل بقبض الأنفس وإسرافيل وهو ينزل بالأمر عليهم، وقيل جبريل للوحي وإسرافيل للصور، وقال ابن قتيبة: فالمدبرات أمرًا الملائكة تنزل بالحلال والحرام ولم يذكر المتوسعون في نقل أقوال المفسرين كابن الجوزي والماوردي وابن عطية غير الملائكة، حتى قال ابن عطية: ولا أحفظ فلانًا إنها الملائكة، هذا مع توسعه في النقل وزيادته فيه على أبي الفرج وغيره حتى أنه لينفرد بأقوال لا يحكيها غيره، فتفسير المدبرات بالنجوم كذب على الله وعلى المفسرين.
وكذلك ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾، لم يقل أحد من أهل التفسير العالمين به أنها النجوم، بل قالوا: هي الملائكة التي تقسم أمر الملكوت بإذن ربها من الأرزاق والآجال والخلق في الأرحام وأمر الرياح والجبال، قال ابن عطية: لأن كل هذا إنما هو بملائكة تخدمه، فالآية تتضمن جميع الملائكة لأنهم كلهم في أمور مختلفة، قال أبو الطفيل عامر بن وائلة: كان على بن أبي طالب على المنبر فقال: لا تسألون عن آية من كتاب الله وسنة ماضية ألا قلت لكم، فقام إليه ابن الكواء فسأله عن: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ فقال الذاريات: الرياح، والحاملات: السحاب، والجاريات: السفن، والمقسمات: الملائكة، ثم قال: سل سؤال تعلُّم ولا تسأل سؤال تعنُّت، وكذلك قال أبو الفرج، ولم يذكر فيه خلافًا في المقسمات أمرًا يعنى الملائكة تقسم الأمور على ما أمر الله به فتفسير الآية بأنها النجوم تفسير المنجمين ومن سلك سبيلهم.
الشبهة الثالثة: قالوا هناك آيات دالة على أنه تعالى وضع حركات هذه الأجرام على وجه ينتفع بها في مصالح هذا العالم .
стр. 4242
فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ [الفرقان: ٦١].
والجواب عليه:
وأما الاستدلال بالآيات الدالة على أن الله سبحانه وضع حركات هذه الأجرام على وجه ينتفع بها في مصالح هذا العالم فمن أطرف الاستدلال فأين في هذه الآيات ما يدل على ما يدعيه المنجمون من كذبهم وبهتانهم وافترائهم ولو كان الأمر كما يدعيه هؤلاء الكذابون لكانت الدلالة والعبرة فيه أعظم من مجرد الضياء والنور والحساب ولكان الأليق ذكر ما تقتضيه من السعد والنحس وتعطيه من السعادة والشقاوة وتهبه من الأعمار والأرزاق والآجال والصنائع والعلوم والمعارف والصور الحيوانية والنباتية والمعدنية وسائر ما في هذا العالم من الخير والشر.
الشبهة الرابعة: قالوا أنه تعالى حكى عن إبراهيم ﵇ أنه تمسَّك بعلوم النجوم فقال: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصافات: ٨٨ - ٨٩] .
والجواب عليه:
فإنه ليس في الآية أكثر من أنه نظر نظرة في النجوم ثم قال لهم إني سقيم فمن ظن من هذا أن كلم أحكام النجوم من علم الأنبياء وأنهم كانوا يراعونه ويعانونه فقد كذب على الأنبياء ونسبهم إلى ما لا يليق وهو من جنس من نسبهم إلى الكهانة والسحر وزعم أن تلقيهم الغيب من جنس تلقى غيرهم وإن كانوا فوقهم في ذلك لكمال نفوسهم وقوة استعدادها وقبولها لفيض العلويات عليها وهؤلاء لم يعرفوا الأنبياء ولا آمنوا بهم وإنما هم عندهم بمنزلة أصحاب الرياضات الذين خصوا بقوة الإدراك وزكاة النفوس وزكاة الأخلاق ونصبوا أنفسهم لإصلاح الناس وضبط أمورهم ولا ريب أن هؤلاء أبعد الخلق عن الأنبياء واتباعهم ومعرفتهم ومعرفة مرسلهم وما أرسلهم به، فهؤلاء في شأن والرسل
стр. 4243
في شأن آخر بل هم ضدهم في علومهم وإعمالهم وهديهم وإرادتهم وطرائقهم ومعادهم وفي شأنهم كله، ولهذا نجد أتباع هؤلاء ضد أتباع الرسل في العلوم والأعمال والهدى والإرادات ومتى بعث الله رسولًا يعاني التنجيم والنرجات والطلسمات والأوفاق والتداخين والبخورات ومعرفة القرانات والحكم على الكواكب بالسعود والنحوس والحرارة والبرودة والذكورة والأنوثة وهل هذه إلا صنائع المشركين وعلومهم وهل بعثت الرسل إلا بالإنكار على هؤلاء ومحقهم ومحق علومهم وأعماهم من الأرض وهل للرسل أعداء بالذات إلا هؤلاء ومن سلك سبيلهم.
الشبهة الخامسة: أنه قال : ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر: ٥٧] .
فقالوا: ولا يكون المراد من هذا كبر الحجم لأن كل أحد يعلم ذلك فوجب أن يكون المراد كبر القدر والشرف، وقال : ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، ولا يجوز أن يكون المراد أنه تعالى خلقها ليستدل بتركيبها وتأليفها على وجود الصانع لأن هذا القدر حاصل في تركيب البقة والبعوضة وفي حصول الحياة في بنية الحيوانات على وجود الصانع أقوى من دلالة تركيب الأجرام الفلكية على وجود الصانع لأن الحياة لا يقدر عليها أحد ألا الله أما تركيب الأجسام وتأليفها فقد يقدر على جنسه غير الله فلما كان هذا النوع من الحكمة حاصلًا في غير الأفلاك ثم أنه تعالى خصها بهذا التشريف وهو قوله: (ربنا ما خلقت هذا باطلًا) علمنا أن له تعالى في تخليقها أسرارا عالية وحكما بالغة تتقاصر عقول البشر عن إدراكها ويقرب من هذه الآية قوله : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص: ٢٧]، ولا يمكن أن يكون المراد أنه -تعالى- خلقها على وجه يمكن الاستدلال بها على وجود الصانع الحكيم لأن كونها دالة على الافتقار إلى الصانع أمر ثابت لها لذاتها لأن كل متحيز فهو محدث وكل محدث فإنه مفتقر إلى الفاعل فثبت أن دلالة المتحيزات على
стр. 4244
وجود الفاعل أمر ثابت لها لذواتها وأعيانها وما كان كذلك لم يكن سبب الفعل والجعل فلم يمكن حمل قوله ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ على هذا الوجه فوجب حمله على الوجه الذي ذكرناه.
والجواب عليه:
الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ , وأن المراد به كبر القدر والشرف لا كبر الجثة ففي غاية الفساد، فإن المراد من الخلق ههنا الفعل لا نفس المفعول وهذا من أبلغ الأدلة على المعاد أي: أن الذي خلق السموات والأرض وخلقها أكبر من خلقكم كيف يعجزه خلقكم بعدما تموتون خلقا جديدا ونظير هذا في قوله في سورة يس: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي: مثل هؤلاء المنكرين فهذا استدلال بشمول القدر للنوعين وأنها صالحة لهما فلا يجوز أن يثبت تعلقها بأحد المقدورين دون الآخر فكذلك قوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ أي: من لم تعجز قدرته عن خلق العالم العلوي والسفلي كيف يعجز عن خلق الناس خلقًا جديدًا بعد ما أماتهم ولا تعرض في هذا لأحكام النجوم بوجه قط ولا لتأثير الكواكب.
وأما قوله : ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ فلا ريب أن خلق السموات والأرض من أعظم الأدلة على وجود فاطرهما وكمال قدرته وعلمه وحكمته وانفراده بالربوبية والوحدانية ومن سوى بين ذلك وبين البقة وجعل العبرة والدلالة والعلم بوجود الرب الخالق البارئ المصور منهما سواء فقد كابر والله سبحانه إنما يدعو عباده على النظر والفكر في مخلوقاته العظام لظهور أثر الدلالة فيها وبديع عجائب الصنعة والحكمة فيها واتساع مجال الفكر والنظر في أرجائها وإلا:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
ولكن أين الآية والدلالة في خلق العالم العلوي والسفلي إلى خلق القملة والبرغوث والبقة فكيف يسمح لعاقل عقله أن يسوي بينهما ويجعل الدلالة من هذا كالدلالة من
стр. 4245
الآخر والله سبحانه إنما يذكر من مخلوقاته للدلالة عليه أشرفها وأظهرها للحس والعقل وأبينها دلالة وأعجبها صنعة كالسماء والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والنجوم والجبال والسحاب والمطر وغير ذلك من آياته ولا يدعو عباده إلى التفكر في القمل والبراغيث والبعوض والبق والكلاب والحشرات ونحوها إنما يذكر ما يذكر من ذلك في سياق ضرب الأمثال مبالغة في الاحتقار والضعف كقوله تعالى أن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنفذوه منه فهنا لم يذكر الذباب في سياق الدلالة على إثبات الصانع تعالى وكذلك قوله أن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها وكذلك قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ فتأمل ذكر هذه المخلوقات الحقيرة في أي سياق وذكر المخلوقات العظيمة في أي سياق.
ثانيًا: الآثار الواردة في الباب:
الأول: ما روي عن النبي ﷺ : "أنه نهى عند قضاء الحاجة عن استقبال الشمس والقمر واستدبارهما".
والجواب عليه:
كأنه والله أعلم لما رأى بعض الفقهاء قد قالوا ذلك في كتبهم في آداب التخلي: ولا تستقبل الشمس والقمر ظن أنهم إنما قالوا ذلك لنهي النبي ﷺ عنه فاحتج بالحديث وهذا من أبطل الباطل فإن النبي ﷺ لم ينقل عنه ذلك في كلمة واحدة لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل وليس لهذه المسألة أصل في الشرع والذين ذكروها من الفقهاء منهم من قال العلة أن اسم الله مكتوب عليهما ومنهم من قال لأن نورهما من نور الله ومنهم من قال إن التنكب عن استقبالهما واستدبارهما أبلغ في التستر وعدم ظهور الفرجين وبكل حال فما لهذا ولا أحكام النجوم فإن كان هذا دالا على دعواكم فدلالة
стр. 4246
النهي عن استقبال الكعبة بذلك أقوى وأولى (١).
الثاني: ومن الناس من يروى أنه ﷺ قال: "لا تسافروا والقمر في العقرب ومنهم من يروى ذلك عن علي ﵁ وإن كان المحدثون لا يقبلونه.
والجواب عليه:
أنه مختلق باتفاق أهل الحديث وهو من كلام المنجمين، وأما رسول رب العالمين فبريء ممن نسب إليه هذا الحديث وأمثاله ولكن إذا بعد الإنسان عن نور النبوة واشتدت غربته عما جاء به الرسول ﷺ جوز عقله مثل هذا كما يجوز عقل المشركين قول النبي ﷺ : "لو حسن أحدكم ظنه بحجر نفعه وهذا ونحوه من كلام عباد الأصنام الذين حسَّنوا ظنهم بالأحجار فساقهم حسن ظنهم إلى دار البوار".
وأما الرواية عن علي أنه نهي عن السفر والقمر في العقرب فمن الكذب على علي ﵁ والمشهور عنه خلاف ذلك وعكسه وانه أراد الخروج لحرب الخوارج فاعترضه منجم فقال يا أمير المؤمنين لا تخرج فقال لأي شيء قال إن القمر في العقرب فإن خرجت أصبت وهزم عسكرك فقال علي ﵁ ما كان لرسول الله ﷺ ولا لأبي بكر ولا لعمر منجم بل أخرج ثقة بالله وتوكلا على الله وتكذيبًا لقولك فما سافر بعد رسول الله ﷺ سفرة أبرك منها قتل الخوارج وكفي المسلمين شرهم ورجع مؤيدًا منصورًا فائزًا وقال علي لأصحابه لولا أن تنكلوا لحدثتكم بما لكم عند الله في قتلهم فكان هذا الظفر ببركة خلاف ذلك المنجم وتكذيبه والثقة بالله رب النجوم والاعتماد عليه وهذه سنة الله فيمن لم يلتفت إلى النجوم ولا بني عليها حركاته وسكناته وأسفاره وإقامته كما أن سنته نكبة من كان منقادا لأربابها عاملًا بما يحكمون له به.
стр. 4247
الثالث: قال أبو ذر ﵁: "تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علمًا"، وليست الكواكب موكلة بالفساد والصلاح ولكن فيها دليل بعض الحوادث عرف ذلك بالتجربة.
والجواب عليه:
وأما احتجاجه بحديث أبي ذر ﵁: "تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علمًا". (١)
فهذا حق وصدق وهو من أعظم الأدلة على إبطال قولكم وتكذيبكم فيما تدعونه من علم أحكام النجوم فإنه ﷺ ذكرهم على كل شيء حتى الخرأة ذكرهم من علم كل طائر وكل حيوان وكل ما في هذا العالم ولم يذكرهم من علم أحكام النجوم شيئا البتة، وهو ﷺ أجل من هذا وأعظم وقد صانه الله سبحانه عن ذلك وإنما الذي ذكركم بهذه الأحكام المشركون عباد الأصنام والكواكب مثل بطليموس وبنكلوسا وطمطم صاحب الدرج وهؤلاء مشركون عباد أصنام وكذلك أتباعهم أفلا يستحي رجل أن يذكر رسول الله ﷺ في هذا المقام نعم رسول الله ﷺ ذكر أمته من تكذيبكم وكفركم ومعاداتكم والبراءة منكم والإخبار بأنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ما يعرفه من عرف ما جاء به من أمته والبهت والفرية والكذب على الله ورسوله.
هل كان رسول الله ﷺ أو أحد من أهل بيته مثبتا لأحكام النجوم وأما الاحتجاج بحديث أبي الدرداء لقد توفي رسول الله ﷺ وتركنا وما طائر يقلب جناحيه إلا وقد ذكر لنا منه علما فهذا حق وصدق وهو من أعظم الأدلة على إبطال قولكم وتكذيبكم فيما تدعونه من علم أحكام النجوم فإنه ﷺ ذكرهم على كل شيء حتى الخرأة ذكرهم من علم كل طائر وكل حيوان وكل ما في هذا العالم ولم يذكرهم من علم أحكام النجوم شيئا البتة، وهو ﷺ أجل من هذا وأعظم وقد صانه الله سبحانه عن ذلك وإنما الذي ذكركم بهذه
стр. 4248
الأحكام المشركون عباد الأصنام والكواكب مثل بطليموس وبنكلوسا وطمطم صاحب الدرج وهؤلاء مشركون عباد أصنام وكذلك أتباعهم أفلا يستحي رجل أن يذكر رسول الله ﷺ في هذا المقام نعم رسول الله ﷺ ذكر أمته من تكذيبكم وكفركم ومعاداتكم والبراءة منكم والإخبار بأنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ما يعرفه من عرف ما جاء به من أمته والبهت والفرية والكذب على الله ورسوله.
هل كان رسول الله ﷺ أو أحد من أهل بيته مثبتا لأحكام النجوم عاملا بها في حركاته وسكناته وأسفاره كما هو المعروف من المشركين وأتباعهم سبحانك هذا بهتان عظيم.
وقالوا: وجاء في الآثار أن أول من أعطى هذا العلم آدم وذلك أنه عاش حتى أدرك من ذريته أربعين ألف أهل البيت وتفرقوا عنه في الأرض وكان يغتم لخفاء خبرهم عليه فأكرمه الله بهذا العلم وكان إذا أراد أن يعرف حال أحدهم حسب له بهذا الحساب فيقف على حالته.
والجواب عليه:
فليس هذا ببدع من بهت المنجمين والملاحدة وإفكهم وافترائهم على آدم وقد علموا بالمثل السائر هنا: إذا كذبت فابعد شاهدك. (١)
الخامس: أنهم زعموا أنه صنعة إدريس:
والجواب عليه:
أولًا: هذا قول بلا علم فإن مثل هذا لا يعلم إلا بالنقل الصحيح ولا سبيل لهذا القائل إلى ذلك ولكن في كتب هؤلاء هرمس الهرامسة ويزعمون أنه هو إدريس والهرمس عندهم اسم جنس ولهذا يقولون هرمس الهرامسة وهذا القدر الذي يذكرونه عن هرمسهم يعلم المؤمن قطعا أنه ليس هو مأخوذا عن نبي من الأنبياء على وجهه لما فيه من الكذب والباطل ويقال:
ثانيًا: هذا إن كان أصله مأخوذًا عن إدريس فانه كان معجزة له وعلما أعطاه الله إياه فيكون من العلوم النبوية وهؤلاء إنما يحتجون بالتجربة والقياس لا بأخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
стр. 4249
ثالثًا: إن كان بعض هذا مأخوذًا عن نبي فمن المعلوم قطعا أن فيه من الكذب والباطل أضعاف ما هو مأخوذ من ذلك النبي ومعلوم قطعًا أن الكذب والباطل الذي في ذلك أضعاف الكذب والباطل الذي عند اليهود والنصارى فيما يأثرونه على الأنبياء وإذا كان اليهود والنصارى قد تيقنا قطعًا أن أصل دينهم مأخوذ عن المرسلين وأن الله أنزل التوراة والإنجيل والزبور كما أنزل القرآن وقد أوجب الله علينا أن نؤمن بما أنزل علينا وما أنزل على من قبلنا كما قال: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦]، ثم مع ذلك قد أخبرنا الله أن أهل الكتاب حرفوا وبدلوا وكذبوا وكتموا فإذا كانت هذه حال الوحي المحقق والكتب المنزلة يقينا مع أنها إلينا أقرب عهدا من إدريس ومع أن نقلتها أعظم من نقلة النجوم وأبعد عن تعمد الكذب والباطل وأبعد عن الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر فما الظن بهذا القدر إن كان فيه ما هو منقول عن إدريس فإنا نعلم أن فيه من الكذب والباطل والتحريف أعظم مما في علوم أهل الكتاب.
وقد ثبت في البخاري عن النبي ﷺ : أنه قال: "لَا تُصدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ ". فإذا كنا مأمورين فيما يحدثنا به أهل الكتاب أن لا نصدق إلا بما نعلم أنه الحق كما لا نكذب إلا بما نعلم أنه باطل فكيف يجوز تصديق هؤلاء فيما يزعمون أنه منقول عن إدريس ﵇ وهم في ذلك أبعد عن علمهم المصدق من أهل الكتاب.
رابعًا: لا ريب أن النجوم نوعان حساب وأحكام فإما الحساب فهو معرفة أقدار الأفلاك والكواكب وصفاتها ومقادير حركاتها وما يتبع ذلك فهذا في الأصل علم صحيح لا ريب فيه كمعرفة الأرض وصفتها ونحو ذلك لكن جمهور التدقيق منه كثير التعب قليل الفائدة كالعالم مثلًا بمقادير الدقائق والثواني والثوالث في حركات السبعة المتحيرة الخنس
стр. 4250
الجوار الكنس فان كان أصل هذا مأخوذا عن إدريس فهذا ممكن والله أعلم بحقيقة ذلك كما يقول ناس أن أصل الطب مأخوذ عن بعض الأنبياء.
وأما الأحكام التي هي من جنس السحر فمن الممتنع أن يكون نبي من الأنبياء كان ساحرًا وهم يذكرون أنواعا من السحر ويقولون هذا يصلح لعمل النواميس أي الشرائع والسنن ومنها ما هو دعاية الكواكب وعبادة لها وأنواع من الشرك الذي يعلم كل من آمن بالله ورسوله بالاضطرار أن نبيا من الأنبياء لا يأمر بذلك ولا علمه وإضافة ذلك إلى بعض الأنبياء كإضافة من أضاف ذلك إلى سليمان ﵇ لما سخر الله له الجن والإنس والطير فزعم قوم أن ذلك كان بأنواع من السحر حتى أن طوائف من اليهود والنصارى لا يجعلونه نبيًا حكيمًا فنزهه الله عن ذلك فقال : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. (١)
الوجه الخامس: الكلام على بطلان علم الأحكام .
إن معرفة جميع المؤثرات الفلكية ممتنعة وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال بالأحوال الفلكية على حدوث الحوادث السفلية وإنما قلنا إن معرفة جميع المؤثرات الفلكية ممتنعة لوجوه:
أحدها: أن تأثير الكواكب فيما ذكرتم من السعد والنحس إما بالنظر في مفرده وإما بالنظر إلي انضمامه إلى غيره فمتى لم يحط المنجم بهاتين الحالتين لم يصح منه أن يحكم له بتأثير ولم يحصل إلا على تعارض التقدير ومن المعلوم أن في فلك البروج كواكب شذت عن الرصد معرفة أقدراها وأعدادها ولم يعرف الإحكاميون ما يوجبه خواص مجموعاتها وأفرادها فخرج الفريقان أصحاب الرصد والأحكام عن الإحاطة بما في طباعها وما عسى أن تؤثره مع السيارة عند انفرادها واجتماعها فما الذي يؤمنكم كلكم عند وقوع نجم من تلك النجوم المجهولة على درجة الطالع أن يكون موجبا من الحكم ما لا يوجبه النظر بدونه.
стр. 4251
الثاني: أن تأثير الكواكب يختلف باختلاف أقدارها فما كان من القدر الأول أثر بوقوعه على الدرجة وإن لم تضبط الدقيقة وما كان من القدر الأخير لم يؤثر إلا بضبط الدقيقة ولا ريب أن الجهالة بتلك الكواكب ومقاديرها يوجب كذب الأحكام النجومية وبطلانها.
الثالث: أنها لو كان لها يأثير يزعمون لم يخل إما أن تكون ورهـ مختارة مريدة أو غير مختارة ولا مريدة وكلاهما محال أما الأول فلأنه يوجب جرى الأحكام على وفق اختيارها وإرادتها ولم يتوقف على اتصالاتها وانفصالاتها ومفارقتها ومقارنتها وهبوطها بها في حضيضها وارتفاعها في أوجها كما هو المعروف من الفاعل بالاختيار ولا سيما الأجرام العلوية المؤثرة في سائر السفليات ولاختلفت آثارها أيضا عند هذه الأمور بحسب الدواعي والإرادات ولأمكنها أن تسعد من أراد أنه ينحسه وتنحس من أراد أنه يسعده كما هو شأن الفاعل المختار وإن لم تكن مختارة ومريده فتأثيرها بحسب الذات والطبع وما كان هكذا لم يختلف أثره إلا باختلاف القوابل والمعدات وعندكم أن في اختلاف تلك القوابل والمعدات مستند إلى تأثيرها فأي محال أبلغ من هذا وهل هذا إلا دور ممتنع في بداية العقول.
الرابع: أن هذا العلم مشتمل على أصول يشهد صريح العقل بفسادها وهي وإن كانت في الكثرة إلي حيث لا يمكن ذكرها فنحن نعد بعضها.
فالأول: من المعلوم بالضرورة أنه ليس في السماء حمل ولا ثور ولا حية ولا عقرب ولا كلب ولا ثعلب إلا أن المتقدمين لما قسموا الفلك إلي أثني عشر قسمًا أرادوا أن يميزوا كل قسم منها بعلامة مخصوصة شبهوا الكواكب المذكورة في تلك القطعة المعينة بصورة حيوان مخصوص تشبيها بعيدًا جدًّا ثم إن هؤلاء الإحكاميين فرعوا على هذه الأسماء تفريعات طويلة فرعوا أن الصور السفلية مطيعة للصور العلوية فالعقارب مطيعة لصور العقرب والأفاعي مطيعة لصور التنين وكذا القول في الأسد والسنبلة ومن عرف كيف وضعت هذه الأسماء ثم سمع قول هؤلاء الإحكاميين ضحك منهم وتبين له فرط جهلهم وكذبهم.
стр. 4252
الثاني: أن هؤلاء لما عجزوا عن معرفة طالع القرآن أقاموا طالع السنة مقام القرآن ومعلوم أن هذا في غاية الفساد.
الثالث: أنهم اختلفوا اختلافًا شديدًا في الواحدة من مسائل هذا العلم فإن أقوالهم في حدود الكواكب كثيرة مختلفة وليس مع أحد منهم شبهة ولا خيال فضلًا عن حجة واستدلال ثم إن كثيرًا منهم من غير حجة ولا دليل ربما أخذوا واحدًا من تلك الأقوال من غير بصيرة، بل بمجرد التشهي مثل أخذهم في ذلك بحدود الضربين وذلك من أدل الدلائل على فساد هذا العلم.
الرابع: أن أقوالهم متناقضة فإن منهم من يقول كون زحل في بيت المال دليل الفقر ومنهم من يقول يدل على وجدان كنز.
الخامس: أن هذا العلم مع أنه تقليد محض فليس أيضا تقليدا منتظما لأن لكل قوم فيه مذهبا ولكل طائفة فيه مقالة فللبابليين فيه مذهب وللفرس مذهب آخر وللهند مذهب وللصين مذهب رابع والأقوال إذا تعارضت وتعذر الترجيح كان دليلا على فسادها وبطلانها وسيأتي إن شاء الله بسط هذه الوجوه أكثر من هذا.
الخامس: مما يدل على بطلان القول بالأحكام أن الطالع عندهم هو الشكل الخصوص الحاصل للفلك عند انفصال الولد من رحم أمه وإذا ثبت هذا فنقول الاستدلال بحصول ذلك الشكل على جميع الأحوال الكلية التي تحصل لهذا الولد إلي آخر عمره استدلال باطل قطعا ويدل عليه وجوه:
أحدها: أن ذلك الشكل كما حدث في تلك اللحظة فإنه يفنى ويزول ويحدث شكل آخر فذلك الشكل المعين معد في جميع أجزاء عمر هذا الإنسان والمعدوم لايكون علة للموجود ولا جزء من أجزاء العلة وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال بذلك الشكل منهما على الأحوال التي تحدث في جميع أجزاء العمر.
стр. 4253
الثاني: أنه لا مشابهة بين ذلك الشكل المخصوص وبين هذا الإنسان الذي انفصل من بطن الأم إلا في أمر واحد وهو أن كل واحد ظهر بعد الخفاء وهو بمجرد ذلك لا يوجب ارتباط ذلك الشكل المخصوص للفلك بسائر أحوال هذا الإنسان البتة فمدعى ذلك فاسد العقل والنظر.
الثالث: أنه عند حدوث ذلك الطالع حدثت أنواع من الحيوانات وأنواع من النبات وأنواع من الجمادات فلو كان ذلك يوجب آثارا مخصوص لوجب اشتراك كل الأشياء التي حدثت في عالمنا هذا في ذلك الوقت في تلك الآثار وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن القول بتأثير الطالع باطل.
الرابع: هب أن الطالع له أثر إلا أن الواجب أن يقال الطالع المعتبر هو طالع مسقط النطفة لا طالع الولادة وذلك لأن عند مسقط النطفة يأخذ ذلك الشخص في التكون والتولد فأما عند الولادة فالشخص قد تم تكونه وحدوثه ولا حادث في هذا الوقت إلا انتقاله من مكان إلي مكان آخر فثبت أنه لو كان للطالع اعتبار لوجب أن يكون المعتبر هو طالع مسقط النطفة لا طالع الولادة.
السادس: أن المعقول من تأثير هذه الكواكب في العالم السفلي هو أنها بحسب مساقط شعاعاتها تسخن هذا العالم أنواعا من السخونة فأما تأثيراتها في حصول الأحوال النفسانية من الذكاء والبلادة والسعادة والشقاوة وحسن الخلق وقبحه والغنى والفقر والهم والسرور واللذة والألم فلو كان معلوما لكان طريق علمه أما بالخبر الذي لا يجوز عليه الكذب أو الحس الذي يشترك فيه الناس أو ضرورة العقل أو نظره وشيء من هذا كله غير موجود البتة فالقول به باطل ولا يمكن للإحكاميين أن يدعوا واحدًا من الثلاثة الأول وغايتهم أن يدعوا أن النظر والتجربة قادهم إلى ذلك وأوقعهم عليه ونحن نبين فساد هذا النظر والتجربة بما لا يمكن دفعه من الوجوه التي ذكرناها ونذكر غيرها مما هو مثلها وأقوى منها وكل علم صحيح فله براهين يستند إليها تنتهي إلى الحس أو ضرورة العقل
стр. 4254
وأما هذا العلم فلا ينتهي إلا إلى جحد وتخمين وظنون لا تغنى من الحق شيئا وغاية أهله تقليد من لم يقم دليل على صدقه.
السابع: أنا إذا فرضنا أن رجلين سألا منجمين في وقت واحد في بلد واحد عن خصمين أيهما الظافر بصاحبه فههنا يكون الطالع مشتركًا بين كل واحد من ذينك الخصمين فإن دل ذلك الطالع على حال الغالب والمغلوب مع كونه مشتركًا بين الخصمين لزم كون كل منهما غالبًا لخصمه ومغلوبًا من جانبه وذلك محال.
الثامن: أنا نشاهد عالمًا كثيرًا يقتلون في ساعة واحدة في حرب وخلقًا يغرقون في ساعة واحدة مع القطع باختلاف طوالعهم واقتضائها عندكم أحوالا مختلفة ولو كان للطوالع تأثير في هذا لامتنع عند اختلافها الاشتراك في ذلك.
التاسع: أنا نرى الجيشين العظيمين والحزبين المتقابلين يقتتلان ويختصمان وقد أخذ طالع الوقت لكل منهما ومع هذا فالمنصور والغالب أحدهما مع أن الطالع واحد ولا ينفعكم في هذا جواب من انتصر لكم بأنه لا مانع من القول بخطأ الأخذ للطالع في الحساب والحكم فإنه لو أخذ لهما أي طالع كان لم يكن الغالب إلا أحدهما حتى لو كان الطالع قطعًا لا يتصور فيه الغلط لم يكن بد من كون أحدهما غالبا والآخر مغلوبا وهذا يبطل مذهب الأحكام بلا ريب.
العاشر: أن رجلًا لو جلس في دار لها بابان شرقي وغربي فسأل المنجم وقال من أيهما يقتضي الطالع خروجي فإذا قال له المنجم من الشرقي أمكنه تكذيبه والخروج من الغربي وبالعكس وكذلك السفر في يوم واحد وابتداء البناء وغيره في يوم يعينه له المنجم ويحكم باقتضاء الطالع له من غير تقدم عنه ولا تأخر فإنه يمكنه تكذيبه في ذلك أجمع.
الحادي عشر: (الواقع يشهد):
١ - من ذلك اتفاقهم عندما تم بناء بغداد سنة ست وأربعين ومائة أن طالعها يقضي بأنه لا يموت فيها خليفة وشاع ذلك حتى هنأ الشعراء به المنصور حتى قال بعض شعرائه:
يهنيك منها بلدة تقضي لنا ... أن الممات بها عليك حرام
стр. 4255
لما قضت أحكام طالع وقتها ... أن لا يرى فيها يموت إمام
وأكد هذا الهذيان في نفوس العوام موت المنصور بطريق مكة ثم المهدي بما سبذان ثم الهادي بعسا باذ ثم الرشيد بطوس فلما قتل بها المأمون الأمين بشارع باب الأنبار انخرم الأصل الباطل الذي أصلوه وظهر الزور الذي لفقوه حتى رجع إلى الحق الأول فقال:
أن لا يرى فيها يموت أمام ... أن لا يرى فيها يموت أمام
قتل الأمين بها لعمري يقتضي ... تكذيبهم في سائر الحسبان
ثم مات ببغداد جماعة من الخلفاء مثل الواثق والمتوكل والمعتضد والمكتفي والناصر وغير هؤلاء.
٢ - ومن ذلك اتفاقهم في سنة ثلاث وعشرين في قصة عمورية أن المعتصم لما خرج لفتحها كانت عليه الدائرة وأن النصر لعدوه فرزقه الله التوفيق في مخالفتهم ففتح الله على يديه ما كان مغلقا وأصبح كذبهم وخرصهم بعد أن كان موهوما عند العامة محققا ففتح عمورية وما والاها من كل حصن وقلعة وكان ذلك من أعظم الفتوحات المعدودة وفي ذلك الفتح قام أبو تمام الطائي منشدًا له على رؤوس الأشهاد:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب
أين الرواية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف منها ومن كذب
تخرصا وأحاديثا ملفقة ... ليست بنبع إذا عدت ولا غرب
عجائبا زعموا الأيام تجعله ... عنهن في صفر الأصفار أو رجب
وخوفوا الناس من دهياء مظلمة ... إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب
وصيروا الأبرج العليا مرتبة ما ... كان منقلبا أو غير منقلب
يقضون بالأمر عنها وهي غافلة ... ما دار في فلك منها وفي قطب
لو ثبتت قط أمرا قبل موقعه ... لم يخف ما حل بالأوثان والصلب
стр. 4256
وهي نحو من سبعين بيتًا أجيز على كل بيت منها بألف درهم.
الثاني عشر: (وشهد شاهد من أهلها):
أن هؤلاء القوم قد أقروا على أنفسهم وشهادة بعضهم على بعض بفساد أصول هذا العلم وأساسه فقد كان أوائلهم من الأقدمين وكبار رصادهم من عهد بطليموس وطيموحارس ومانالاوس قد حكموا في الكواكب الثابتة بمقدار واتفقوا أنه صحيح الاعتبار وأقام الأمر على ذلك فوق سبعمائة عام والناس ليس بأيديهم سوى تقليدهم حتى كان في عهد المأمون فاتفق من رصادهم وحكامهم علماء الفريقين مثل خالد بن عبد الملك المروزي وحسن صاحب الزبج المأموني ومحمد بن الجهم ويحيى بن أبي منصور على أنهم امتحنوا رصد الأوائل فوجدوهم غالطين فيما رصدوه فرصدوهم رصدا لأنفسهم وحرروه وسموه الرصد الممتحن وجعلوه مبدأ ثانيا بعد ذلك الزمن كان لأوائلهم إجماع على صحة رصدهم ولهؤلاء إجماع على خطأهم فيه فتضمن ذلك إجماع الأواخر على الأوائل أنهم كانوا غالطين وإقرار الأواخر على أنفسهم أنهم كانوا بالعمل به مخطئين ثم حدثت طائفة أخرى منهم كبيرهم وزعيمهم أبو معشر محمد بن جعفر وكان بعد الرصد الممتحن بنحو من ستين عاما فرد عليهم وبين خطأهم كما ذكر أبو سعيد ابن شاذان بن بحر المنجم في كتاب أسرار النجوم.
ومن أكبر أصحاب عبد الله القشيري وهو الذي عمل طلسم الخنافس في دور بغداد قال أبو معشر لو كنت في القوم ذكرت أشياء خفيت عليهم كنت أقول الدعوى باطلة من أصلها إذ البرج منقلب وهو الجدي والمشتري في الوبال والقمر في المحاق والكوكبان الناظران إلى الطالع في برج كذاب وهو العقرب فتأمل كيف اختلفت أحكامهم مع اتحاد الطالع وكل منهم يمكنه تصحيح حكمه بشبهة من جنس شبهة الآخر فلو اتفق أن ادعى رجل صادق في ذلك الوقت والطالع دعوى ألم يكن ادعاؤه ممكنا غير مستحيل ودعواه صحيحة في نفسها أم تقولون إنه لا يمكن أن يدعى أحد في ذلك الوقت والطالع دعوى صحيحة البتة ومن المعلوم لجميع العقلاء أنه يمكن إذ ذاك دعوتين من رجل محق ومبطل
стр. 4257
بذلك الطالع بعينه فما أسخف عقل من ارتبط بهذا الهذيان وبني عليه جميع حوادث الزمان وليس بيد القوم إلا ما اعترف به فاضلهم وزعيمهم أبو معشر. (١)
الوجه السادس: ماذا قال الكتاب المقدس عن إبراهيم ﵇ -.
إبراهيم يستعمل المعاريض:
وحدث لما قرب أن يدخل مصر أنه قال لساراي امرأته إني قد علمت أنك امرأة حسنة المنظر. (فَيَكُونُ إِذَا رَآكِ الِمْصْرِيُّونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: هذِهِ امْرَأَتُهُ. فَيَقْتُلُونَنِي وَيَسْتَبْقُونَكِ. ١٣ قُولِي إِنَّكِ أُخْتِي، لِيَكُونَ لِي خَيْرٌ بِسَبَبِكِ وَتَحْيَا نَفْسِي مِنْ أَجْلِكِ). سفر التكوين (١٢/ ١٣: ١١).
هل عرف إبراهيم يهوه أم لم يعرفه ؟
يذكر سفر التكوين أن إبراهيم عرف (يهوه) باسمه ودعا الموقع الذي أوشك أن يمارس عنده عادة ذبح الابن تقدمة للإله باسم (يَهْوَهْ يِرْأَهْ) (تكوين ٢٢: ١٤).
لكن ذلك لسوء الحظ تناقض تناقضًا صريحًا مع ما ورد في سفر الخروج ومبررًا للتشكيك في أمانة الرواية ومصداقية الحكاية، فقد جاء في سفر الخروج (٦: ٣) أن يهوه قال لموسى في أول لقاء لهما قرب خيام مدين أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب لم يعرفوه باسم.
* * *
стр. 4258
٤ - شبهة: لوط ﵇ وتوكله على الله .
نص الشبهة:
فقد زعموا أن لوطًا ﵇ كان قليل التوكل على الله معتمدًا على الأسباب اعتمادًا كليًّا، واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ [هود: ٨٠] قالوا: والذي يدل على صحة فهمنا أن النبي ﷺ عاتبه على قوله ذاك. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَرْحَمُ الله لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يأوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ" (١).
وفي لفظ أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: "يَغْفِرُ الله لِلُوطٍ إِنْ كَانَ ليأوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ" (٢).
وأن النبي ﷺ قال بعد ذلك أيضًا: "فلأيّ شيء استكان". وكذلك الملائكة وجدت عليه.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: بيان معنى الآية والحديث.
الوجه الثاني: أن هذا قول مردود باطل لا شك فيه.
الوجه الثالث: الآثار التي يحتجون بها من عتاب النبي ﷺ ووجد الملائكة على لوط لا تصح.
الوجه الرابع: حديث الرسول ﷺ ليس عتابًا وإنما من باب التعجب.
الوجه الخامس: لوط ﵇ كان متوكلًا على الله لكنه قصد إظهار العذر.
الوجه السادس: جواز الاستعانة بالمخلوق في دفع المفسدة.
الوجه السابع: لوط ﵇ لم يكن يعلم نصر الله له بالملائكة في هذا الحين.
الوجه الثامن: لماذا طلب لوط ﵇ ركنًا من البشر وهو يعلم أن الله تعالى من وراء عقابهم؟
الوجه التاسع: بيان السبب الذي من أجله قال لوط ﵇ ذلك الكلام.
الوجه العاشر: معنى (أو) عند الكوفيين.
الوجه الحادي عشر: لوط في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل،
стр. 4259
الوجه الأول: بيان معنى الآية والحديث:
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ لما رأى استمرارهم في غيهم، وضعف عنهم، ولم يقدر على دفعهم، تمنى لو وجد عونًا على ردهم؛ فقال على جهة التفجع والاستكانة: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ أي أنصارًا وأعوانًا. وقال ابن عباس: أراد الولد .. وجواب "لو" محذوف؛ أي لرددت أهل الفساد، وحلت بينهم وبين ما يريدون. "أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ "أي ألجأ وأنضوي. ومراد لوط بالركن العشيرة، والمنعة بالكثرة. وبلغ بهم قبيح فعلهم إلى قوله هذا مع علمه بما عند الله تعالى. (١)
قال النووي: ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد فالمراد بالركن الشديد هو الله فإنه أشد الأركان وأقواها وأمنعها ومعنى الحديث - والله أعلم -: أن لوطا ﷺ لما خاف على أضيافه ولم يكن له عشيرة تمنعهم من الظالمين ضاق ذرعه، واشتد حزنه عليهم فغلب ذلك عليه، فقال في ذلك الحال: لو أن لي بكم قوة في الدفع بنفسي أو آوى إلى عشيرة تمنع لمنعتكم، وقصد لوط ﷺ إظهار العذر عند أضيافه، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريق ما لفعله وأنه بذل وسعه في إكرامهم والمدافعة عنهم، ولم يكن ذلك إعراضًا منه ﷺ عن الاعتماد على الله تعالى، وإنما كان لما ذكرناه من تطيب قلوب الأضياف. (٢)
الوجه الثاني: أن هذا قول مردود باطل لا شك فيه .
قال ابن حزم: ومن اعتقد أن لوطًا كان يعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد فقد كفر؛ إذ نسب إلى نبي من الأنبياء هذا الكفر، وهذا أيضًا ظن سخيف إذ من المتنع أن يظن برب أراه المعجزات وهو دائبًا يدعو إليه هذا الظن. (٣)
الوجه الثالث: الآثار التي يحتجون بها من عتاب النبي ﷺ ووجد الملائكة على لوط لا تصح .
стр. 4260
الأول: عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله أخي لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، فلأيّ شيء استكان". (١)
الثاني: عن وهب بن منبه قال: قال لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، فوجد عليه الرسلُ وقالوا: إنَّ ركنَك لشديد! (٢)
الوجه الرابع: حديث الرسول ﷺ ليس عتابًا وإنما من باب التعجب
فإن حديث رسول الله ﷺ ليس عتابًا على نبي الله لوط وإنما تعجب من حاله ﵇ إذ بحث المدد وهو لا يعلم بوجود ملائكة الرحمن معه في بيته متشكلين في صورة البشر.
وهذا أيضًا تعريض من نبي الله لوط بالدعاء، فهو يشهد الله على حاله راجيًا خلاصه، وهذا شبيه بتعريض أيوب ﵇ حين قال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾، والشاهد على هذا ما جاء في الآيات التالية من بشارة الملائكة إياه بنصر الله تعالى: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
الوجه الخامس: لوط ﵇ كان متوكلًا على الله لكنه قصد إظهار العذر .
قال النووي: وقصد لوط ﷺ إظهار العذر عند أضيافه، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريق ما لفعله، وأنه بذل وسعه في إكرامهم والمدافعة عنهم. ولم يكن ذلك إعراضًا منه ﷺ عن الاعتماد على الله تعالى وإنما كان لما ذكرناه من تطيب قلوب الأضياف.
стр. 4261
ويجوز أن يكون التجأ فيما بينه وبين الله تعالى وأظهر للأضياف التألم وضيق الصدر والله أعلم. (١)
ولا يخرج هذا لوطًا من صفات المتوكلين على الله الواثقين بتأييده ونصره، لكن لوطًا ﵇ أثار منه الغضب في ذات الله ما يثير من البشر، فكان ظاهر قول لوط كأنه خارج عن التوكل، وإن كان مقصده مقصد المتوكلين فنبه النبي ﷺ على ظاهر قول لوط تنبيه على ظاهر قول إبراهيم، وإن كان مقصده غير الشك لأنهم كانوا صفوة الله المخصوصين بغاية الكرامة ونهاية القرية، لا يقنع منهم إلا بظاهر مطابق للباطن بعيد عن الشبهة. (٢)
فقد كان متوكلًا على الله معتمدًا عليه في أحواله مفوضًا الأمر إليه. وقد مدحه الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٧]. قال تعالى: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٩]، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)﴾ [العنكبوت: ٣٠].
وأما عن مدحه: فقد شهد الله له بالحكمة والعلم. قال تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٤].
الوجه السادس: جواز الاستعانة بالمخلوق في دفع المفسدة .
قال ابن حزم: وهذا لا حجة لهم فيه أما قوله ﷺ : ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ [هود: ٨٠] فليس مخالفًا لقول رسول الله ﷺ : "رَحِمَ الله لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يأوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ". بل كلا القولين منهما ﵉ حق متفق عليه لأن لوطا ﵇ إنما أراد منعه عاجلة يمنع بها قومه مما هم عليه من الفواحش من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين.
وما جهل قط لوط ﵇ أنه يأوي من ربه تعالى إلى أمنع قوة، وأشد ركن.
стр. 4262
ولا جناح على لوط ﵇ في طلب قوة من الناس فقد قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] فهذا الذي طلب لوط ﵇ وقد طلب رسول الله ﵇ من الأنصار والمهاجرين منعه حتى يبلغ كلام ربه تعالى فكيف ينكر على لوط أمرًا هو فعله ﵇ (١)
الوجه السابع: لوط ﵇ لم يكن يعلم نصر الله له بالملائكة في هذا الحين .
قال ابن حزم: تالله ما أنكر ذلك رسول الله ﷺ وإنما أخبر ﵇ أن لوطًا كان يأوي إلى ركن شديد يعني من نصر الله له بالملائكة ولم يكن لوط علم بذلك. (٢)
الوجه الثامن: لماذا طلب لوط ﵇ ركنًا من البشر وهو يعلم أن الله تعالى من وراء عقابهم ؟
قال ابن عطية: وإنما خشي لوط أن يمهل الله أولئك العصابة حتى يعصوه في الأضياف كما أمهلهم فيما قبل ذلك من معاصيهم، فتمنى ركنًا من البشر يعاجلهم به، وهو يعلم أن الله تعالى من وراء عقابهم. (٣)
قال السعدي: وهذا بحسب الأسباب المحسوسة، وإلا فإنه يأوي إلى أقوى الأركان وهو الله، الذي لا يقوم لقوته أحد، ولهذا لما بلغ الأمر منتهاه واشتد الكرب. (٤)
الوجه التاسع: بيان السبب الذي من أجله قال لوط ﵇ ذلك الكلام .
إن هذا - ما أثاروه من عتاب على سيدنا لوط ﵇ سوء فهم منكم للحال التي قال فيها لوط ﵇ ما قال، والسبب الذي حمله على ذلك القول. فالأنبياء ﵇ كانوا يُبعثون في منعة من أقوامهم، فيُبعث النبي ﷺ من أشرف قبائل قومه وأمنعهم، فتكون قبيلته - وإن لم تؤمن به - سندًا له تحميه من كيد أعدائه ومكرهم، فسيدنا لوط يقصد بذلك معونة
стр. 4263
بشرية من أهله ومن المؤمنين به تكفيه ليقف في وجه الظلم والطغيان الذي لا يحترم ضعيفًا. ألم تقرأ قول الظالمين لسيدنا شعيب: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١].
وكما كان بنو هاشم للنبي ﷺ حماةً وسندًا.
وأما لوط ﵇ فلم يبعث في قومه، وإنما بعث في مكان هجرته من أرض الشام، فكان غريبًا في القوم الذين بعث فيهم، إذ لم يكن له فيهم عشيرة، لذلك عندما خاف ﵇ أن يوقع قومه الفضيحة بأضيافه تمنى أن لو كان بين عشيرته ليمنعوه، وهذا من باب طلب الأسباب، وهو طلب مشروع كما لا يخفى.
يقول الرسول ﷺ مؤكدًا هذا المعنى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبي ﷺ في قَوْلِ لُوطٍ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] قَالَ النبي ﷺ : "كَانَ يأوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ إِلَى رَبِّهِ ". قَالَ النبي ﷺ : "فَما بُعِثَ بَعْدَهُ نبي إِلَّا في ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ" (١).
الوجه العاشر: معنى (أو) عند الكوفيين .
ويجوز على رأي الكوفيين أن تكون أو بمعنى بل، ويكون قد أضرب عن الجملة السابقة وقال: بل آوى في حالي معكم إلى ركن شديد، وكنى به عن جناب الله تعالى. (٢)
الوجه الحادي عشر: لوط في الكتاب المقدس .
لوط كما يزعم هؤلاء يزني بابنتيه فاللهم إنا نبرأ إليك مما قالوه:
وأما لوط ﵇ النبي الذي حارب الشذوذ، فتذكر التوراة أنه لما أهلك الله قومه لجأ إلى مغارة مع ابنتيه فسقتاه الخمر، وضاجعتاه، ولم يعلم بذلك، وولد من هاتين الفاحشتين عمي ومؤاب، ومنهما انحدر العمويون والمؤابيون أعداء بني إسرائيل، فاسمع إلى السفر:
٥ - شبهة: حول قتل موسى ﵇ للقبطي .
نص الشبة:
قال الله : ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾ (القصص ١٥: ١٧).
احتج بهذه الآيات من طعن في عصمة الأنبياء من وجوه:
أحدها: أن ذلك القبطي إما أن يكون مستحقًا القتل أو لم يكن كذلك، فإن استحق القتل فلمَ قال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ولمَ قال: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ وقال في سورة أخرى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]، وإن لم يستحق القتل كان قتله معصيةً وذنبًا.
وثانيها: أنَّ قوله: ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ يدل على أنه كان كافرًا حربيًا، فكان دمه مباحًا، فَلِمَ استغفر عنه؟ والاستغفار من الفعل المباح غير جائز؛ لأنه يوهم في المباح كونه حرامًا.
وثالثها: أَنَّ الوكز لا يحصل عنه القتل ظاهرًا، فكان ذلك قتل خطأ، فَلِمَ استغفر منه؟
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الأنبياء معصومون من الوقوع في الكبائر .
الوجه الثاني: أن موسى ﵇ لم يتعمد قتله، وإنما قصد دفعه.
الوجه الثالث: أن فعل موسى ﵇ كان على سبيل دفع الظالم.
الوجه الرابع: إشكالات، والرد عليها.
وإليك التفصيل،
الوجه الأول: الأنبياء معصومون من الوقوع في الكبائر.
أننا قد بينا في مقدمة عصمة الأنبياء أن الأنبياء معصومون من الوقوع في الكبائر قبل وبعد النبوة، والذي حدث من نبي الله موسى ﵇ لا يعد من الكبائر. (١)
стр. 4266
قال الآلوسي: ولا يشكل ذلك على القول بأن الأنبياء ﵈ معصومون عن الكبائر بعد النبوة وقبلها؛ لأن أصل الوكز من الصغائر، وعلى كونه من الصغائر، فقد رجحنا أيضًا أنهم معصومون من الوقوع في الصغائر قبل وبعد النبوة، وعلى قول من يقول بوقوعها منهم فلم تقع عمدًا، وإنما حدها بضوابط منها أنها تقع عن طريق التأويل والخطأ وغيرها. ويوضح ذلك في الوجه الثاني.
الوجه الثاني: أن موسى ﵇ لم يتعمد قتله، وإنما قصد دفعه .
لم يتعمد موسى ﵇ قتله ولم يكن قاصدًا القتل أصلًا وإنما قصد دفعه، ولكن وافقت وكزته الأجل، وكان قتله خطأً، فإن الوكزة في الغالب لا تقتل (١).
ومما يدل على أنه وقع خطأً أيضًا:
١ - عن سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ قال: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصغِيرَةِ وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ، سَمِعْتُ أَبِي عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِىءُ مِنْ هَا هُنَا - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ المُشْرِقِ - مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ، وَأَنْتُمْ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسَى الذي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطأً فَقَالَ الله لَهُ: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ ". (٢)
إن الله تعالى قال: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ فإن الوكزة في الغالب لا تقتل، والوكز واللكز واللهز واللهد بمعنى واحد، وهو الضرب بجمع الكف مجموعًا كعقد ثلاثة وسبعين، وقيل: اللكز في اللحى والوكز على القلب.
وقال الجوهري عن أبي عبيدة: اللكز الضرب بالجمع على الصدر.
стр. 4267
وقال أبو زيد: في جميع الجسد، واللهز: الضرب بجمع اليد في الصدر مثل اللكز؛ عن أبي عبيدة أيضًا. وقال الأصمعي: نكزه أي: ضربه ودفعه، الكسائي: نهزه مثل نكزه ووكزه أي: ضربه ودفعه. (١)
ففعل موسى ﵇ ذلك وهو لا يريد قتله، إنما قصد دفعه فكانت فيه نفسه، وهو معنى: ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ (٢).
ولو كان موسى ﵇ قاصدًا القتل لاستخدم وسائل القتل كما هو معروف.
الوجه الثالث: أن موسى ﵇ لم يتعمد قتله، وإنما قصد دفعه .
إن فعل موسى ﵇ كان من قبيل دفع الصائل - دفع ظالم عن مظلوم - وهو لا إثم عليه فيه، وأشار له القرطبي بقوله: وإنما أغاثه لأن نصر المظلوم دين في الملل كلها على الأمم، وفرض في جميع الشرائع. (٣)
الوجه الرابع: إشكالات، والرد عليها .
الأول: أما عن قول موسى ﵇: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ فالجواب عليه من وجوه:
الوجه الأول: أنَّ قوله: "هذَا" إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه أي: عمل هذا المقتول من عمل الشيطان، والمراد منه بيان كونه مخالفًا لله تعالى مستحقًا للقتل (٤).
الوجه الثاني: أنَّ قوله: "هذَا" إشارة إلى المقتول، يعني: أنه من جند الشيطان وحزبه، يقال: فلان من عمل الشيطان، أي: من أحزابه. (٥)
стр. 4268
الوجه الثالث: وهو مما لحقه من الغضب حتى أدى إلى الوكزة التي قضت على القبطي. (١)
الثاني: وأما عن قولهم: إنْ كان كافرًا حربيًا فَلِمَ استغفر من قتله بقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ ؟
فالجواب عليه من وجوه:
الوجه الأول: كون الكافر مباح الدم أم لا يختلف باختلاف الشراع، فلعلَّ قتلهم كان حرامًا في ذلك الوقت (٢).
وهذا ما جزم به أبو السعود والشوكاني حيث قالا: لأنه لم يكن إذ ذاك مأمورًا بقتل الكفار (٣).
الوجه الثاني: وإنما جعل قتل الكافر من عمل الشيطان وسماه ظلمًا لنفسه واستغفر منه؛ لأنه كان مستأمنًا فيهم ولا يحل قتل الكافر الحربي المستأمن (٤).
الوجه الثالث: إن كان مباحًا لكن الأولى تركه - تأخير قتل الكفار إلى زمان آخر فلما قتل ترك ذلك المندوب - فطلب المغفرة من تركه للأولى كما هو سنة المرسلين في استعظامهم خلاف الأولى (٥).
الوجه الرابع: أنه قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ فعلى نهج قول آدم ﵇: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ (الأعراف: ٢٣) أي: قاله على سبيل الانقطاع إلى الله، والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإِنْ لم يكن هناك ذنب قط. (٦)
стр. 4269
الوجه الخامس: لأنه قتله قبل أن يؤذن له في القتل، ولأنه ليس لنبي أن يقتل ما لم يؤمر، وليس من سنن آبائه الأنبياء ﵈ في مثل هذه الحادثة التي شاهدها وقد أفضى إلى قتل نفس لم يشرع في شريعة من الشرائع قتلها. (١)
الوجه السادس:
وإنما عدَّه من عملِ الشَّيطانِ وسمَّاه ظُلمًا واستغفرَ منه جريًا على سُنَنِ المقرَّبينَ في استعظامِ ما فرطَ منهم ولو كانَ من محُقِّراتِ الصَّغائرِ. (٢)
الوجه السابع:
إن اعتراف موسى ﵇ بظلمه لنفسه واستغفاره لا يستلزم منه أنه كان على ذنب؛ بل يعد هذا من مناقبه.
لا يشترط للاستغفار أن يكون على ذنب، بل إن الاستغفار عبادة لله ، وقد طلب الأنبياء ﵈ الغفران من الله ، قال على لسان نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ [نوح: ٢٨]، وقال على لسان إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، وقال على لسان داود ﵇: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، وقال على لسان سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥].
فهل كان استغفار الأنبياء على ذنب؟ !
وكذلك قال رسول الله ﷺ : "وَالله إني لأَسْتَغْفِرُ الله وَأَتُوبُ إِلَيْهِ في الْيَوْمِ أَكْنَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً" (٣).
وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا وَقَالَ: "اللهمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ" (٤).
стр. 4270
فهل الصلاة ذنب حتى يستغفر العبد منها؟ !
فتبين من ذلك أن الاستغفار لا يستلزم أن يكون على ذنب، وكذلك اعتراف العبد بأنه مذنب هذا من مناقبه، فقد اعترف آدم ﵇ بقوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣] فعد ذلك من مناقبه.
وكذلك موسى ﵇ اعترف بالذنب - وإن لم يكن له ذنب - فعد هذا من مناقبه، ولذلك لما طلب المغفرة قال الله : ﴿فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦].
وعلى النقيض من ذلك لم يعترف إبليس وعاند ربه فكانت العاقبة أن طرد من رحمة الله وأصبح من الخالدين في النار.
الثالث: وأما عن قولهم: إن موسى ﵇ نسب الضلال إلى نفسه حيث قال: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾ [الشعراء: ٢٠] .
والجواب على ذلك كما يلي:
إن الضلال هنا ليس من الضلال في الدين، وإنما تأتي هذه الكلمة ويراد بها عدة معان (١)؛ منها:
المعنى الأول: الضلال بمعنى: الجهل .
الضالين بمعنى: الجاهلين. (٢)
قال الطبري: والعرب تضع من الضلال موضع الجهل، والجهل موضع الضلال، فتقول: قد جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى واحد. (٣)
стр. 4271
والجهالة هنا على أنواع:
١ - من الجاهلين، يعني: عن النبوة، ولم يأتني عن الله فيه شيء، فليس عليّ فيما فعلته في تلك الحالة توبيخ. (١)
قال الطبري: يقول - تعالى ذكره -: قال موسى لفرعون: فعلت تلك الفعلة التي فعلت؛ أي: قتلت تلك النفس التي قتلت إذن وأنا من الضالين، يقول: وأنا من الجاهلين قبل أن يأتيني من الله وحي بتحريم قتله عليّ. (٢)
٢ - من الجاهلين أي: أن ذلك يؤدي إلى قتله.
والمراد بذلك: الذاهلين عن معرفة ما يؤول إليه من القتل؛ لأنه فَعَلَ الوكزةَ على وجه التأديب، ومثل ذلك ربما حَسُنَ وإن أدى إلى القتل فبين له أنه فعله على وجه لا يجوز معه أن يؤاخذ به أو يعد منه كافرًا أو كافرًا لنعمه. ومعنى ذلك أنه فعل ذلك جاهلًا به غير متعمد إياه وفي معنى ما ذكر ما روي عن ابن زيد من أن المعنى وأنا من الجاهلين بأن وكزتي تأتي على نفسه. (٣)
٣ - الجاهلين بعواقب الأمر، والمعنى: فعلتها مُقْدمًا عليها من غير مبالاة بالعواقب، على أن الجهل بمعنى الإقدام من غير مبالاة كما فسر بذلك في قوله:
ألا لا يجلهن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا. (٤)
٤ - أراد من الجاهلين بالشرائع، وفسر الضلال بذلك في قوله - تعالى -: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾. (٥)
стр. 4272
المعنى الثاني: الضلالة هنا بمعنى: الخطأ .
أى: من الخاطئين؛ والمعنى: كمن يقتل خطأً من نجير تعمد للقتل. (١)
قال عبد الرحمن بن زيد في قوله: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾: قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَنِي مِنَ الله شَيْءٌ كَانَ قَتْلِي إِيَّاهُ ضَلالَةً وَخَطأً، قَالَ: وَالضَّلالَةُ هَاهُنَا الْخَطَأُ، وَلَمْ يَقُلْ: ضَلالَةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله. (٢)
المعنى الثالث: الضلال بمعنى النسيان .
قال القتبي: أصل الضلالة العدُول عن الحق، ثم يكون لمعاني منها النسيان، لأن الناسي عادل عنه، فكما قال هاهنا: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾ أي: من الناسين وكما قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. (٣)
فتبين من ذلك أن قول موسى ﵇ لا ليس من الضلال في الدين وإنما بأحد هذه الوجوه.
فلم يقل: إني صرت بذلك ضالًا، ولكن فرعون لما ادعى أنه كان كافرًا في حال القتل نفى عن نفسه كونه كافرًا في ذلك الوقت، واعترف بأنه كان ضالًا أي: متحيرًا لا يدري ما يجب عليه أن يفعله وما يدبر به في ذلك. (٤)
* * *
стр. 4273
٦ - شبهة: حول لطم موسى ﵇ ملك الموت .
نص الشبهة:
لطم موسى ملك الموت، فهل هذا يليق بنبي من أنبياء الله؟
الرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ذكر الأقوال في معني الحديث .
الوجه الثاني: هل عصى ملك الموت ربه ؟
الوجه الثالث: هل موسى ﵇ يكره الموت؟
الوجه الرابع: الأنبياء عندنا معصومون خلاف ما تعتقدونه.
الوجه الخامس: الرد من الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل،
الوجه الأول: ذكر الأقوال في معنى الحديث.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ المْوْتِ إِلَى مُوسَى ﵇، فَلَمَّا جَاءَهُ، صَكَّهُ فَفَقَأَ عَيْنَه، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّه، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الموْتَ، قَالَ: فَرَدَّ الله إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ: أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ الموْتُ، قَالَ: فَالْآنَ، فَسَأَلَ الله أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ (١).
اختلف أهل العلم في هذا الحديث على عدة أقوال:
القول الأول: قاله ابن حبان في صحيحه حيث قال: كان مجيء ملك الموت إلى موسى ﵇ على غير الصورة التي كان يعرفه موسى ﵇ عليها، وكان موسى غيورًا فرأى في داره رجلا لم يعرفه فشال يده فلطمه، فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصورة التي يتصور بها لا الصورة التي خلقه الله عليها ... ولما كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل داره بغير إذنه أو الناظر إلى بيته بغير أمره من غير جناح على فاعله، ولا حرج على مرتكبه للأخبار الجمة الواردة فيه
стр. 4274
كان جائزًا اتفاق هذه الشريعة بشريعة موسى بإسقاط الحرج عمن فقأ عين الداخل داره بغير إذنه فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحًا له ولا حرج عليه في فعله، فلما رجع ملك الموت إلى ربه وأخبره بما كان من موسى فيه أمره ثانيًا بأمر آخر؛ أمر اختبار وابتلاء كما ذكرنا قبل إذ قال الله له: قل له: إن شئت فضع يدك على متن ثور فلك بكل ما غطت يدك بكل شعرة سنة فلما علم موسى كليم الله أنه ملك الموت وأنه جاءه بالرسالة من عند الله طابت نفسه بالموت ولم يستمهل وقال: فالآن، فلو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت لاستعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به. (١)
ونقل ابن حجر موافقة افي خزيمة لهذا الرأي حيث قال: قال ابن خزيمة: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وقالوا: إن كان موسى عرفه فقد استخف به وإن كان لم يعرفه فكيف لم يقتص له من فقء عينه؟ والجواب: أن الله لم يبعث ملك الموت لموسى وهو يريد قبض روحه حينئذ، بعثه إليه اختيارًا وإنما لطم موسى ملك الموت لأنه رأى آدميًا دخل داره بغير إذنه ولم يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذن، وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم وإلى لوط في صورة آدميين فلم يعرفاهم ابتداء، ولو عرفهم إبراهيم لما قدم لهم المأكول، ولو عرفهم لوط لما خاف عليهم من قومه، وعلى تقدير أن يكون عرفه فمن أين لهذا المبتدع مشروعية القصاص بين الملائكة والبشر؟ ! ثم من أين له أن ملك الموت طلب القصاص من موسى فلم يقتص له؟ ! (٢)
ولخص الخطابي كلام ابن خزيمة وزاد فيه:
أن موسى دفعه عن نفسه لما ركب فيه من الحدة، وأن الله رد عين ملك الموت ليعلم موسى أنه جاءه من عند الله فلهذا استسلم حينئذ (٣).
стр. 4275
قال البغوي: هذا الحديث يجب على الرء السلم الإيمان به على ما جاء به من غير أن يعتبره بما جري عليه عرف البشر، فيقع في الارتياب، لأنه أمر مصدره عن قدرة الله وحكمه، وهو مجادلة بين ملك كريم ونبي كليم، كل واحد منهما مخصوص بصفة خرج بها عن حكم عوام البشر، ومجاري عاداتهم في المعني الذي خص به، فلا يعتبر حالهما بحال غيرهما، وقد اصطفي الله سبحانه وتعالي موسى برسالاته وبكلامه، وأيده بالآيات الظاهرة، والمعجزات الباهرة، كاليد البيضاء، والعصا، وانفلاق البحر، وغيرها مما نطق به القرآن، ودلت عليه الآثار، وكل ذلك إكرام من الله أكرمه به، فلما دنت وفاته وهو بشر يكره الموت طبعًا، ويجد ألمه حسا، لطف له بأن لم يفاجئه به بغتة، ولم يأمر الملك الموكل به أن يأخذه به قهرا، لكن أرسله له منذرًا بالموت، وأمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشر، فلما رآه موسى استنكر شأنه، واستوعر مكانه، فاحتجز منه دفعًا عن نفسه بما كان من صكه إياه، فأتى ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشرية التي جاءه فيها دون صورة الملكية التي هو مجبول عليها، وقد كان في طبع موسى ﷺ حمية وحِدَّة على ما قص الله علينا من أمره في كتابه من وكزه القبطي، وإلقائه الألواح، وأخذه برأس أخيه يجره إليه .. وقد جرت سنة الدين بدفع من قصدك بسوء، كما جاء في الحديث "مَنِ اطَّلَعَ فِى بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ" (١)، فلما نظر موسى إلى شخص في صورة بشر، هجم عليه يريد نفسه، ويقصد هلاكه، وهو لا يثبته، ولا يعرفه أنه رسول ربه دفعه عن نفسه، فكان فيه ذهاب عينه، فلما عاد الملك إلي ربه، رد الله إليه عينه، وأعاده رسولًا إليه ليعلم نبي الله ﵇ إذا رأي صحة عينيه المفقوءة أنه رسول الله بعثه ليقبض روحه، فاستسلم حينئذ لأمره، وطاب نفسًا بقضائه، وكل ذلك رفق من الله ، ولطف منه في تسهيل ما لم يكن بد من لقائه، والانقياد لمورد قضائه (٢).