والجهالة هنا على أنواع:
١ - من الجاهلين، يعني: عن النبوة، ولم يأتني عن الله فيه شيء، فليس عليّ فيما فعلته في تلك الحالة توبيخ. (١)
قال الطبري: يقول - تعالى ذكره -: قال موسى لفرعون: فعلت تلك الفعلة التي فعلت؛ أي: قتلت تلك النفس التي قتلت إذن وأنا من الضالين، يقول: وأنا من الجاهلين قبل أن يأتيني من الله وحي بتحريم قتله عليّ. (٢)
٢ - من الجاهلين أي: أن ذلك يؤدي إلى قتله.
والمراد بذلك: الذاهلين عن معرفة ما يؤول إليه من القتل؛ لأنه فَعَلَ الوكزةَ على وجه التأديب، ومثل ذلك ربما حَسُنَ وإن أدى إلى القتل فبين له أنه فعله على وجه لا يجوز معه أن يؤاخذ به أو يعد منه كافرًا أو كافرًا لنعمه. ومعنى ذلك أنه فعل ذلك جاهلًا به غير متعمد إياه وفي معنى ما ذكر ما روي عن ابن زيد من أن المعنى وأنا من الجاهلين بأن وكزتي تأتي على نفسه. (٣)
٣ - الجاهلين بعواقب الأمر، والمعنى: فعلتها مُقْدمًا عليها من غير مبالاة بالعواقب، على أن الجهل بمعنى الإقدام من غير مبالاة كما فسر بذلك في قوله:
ألا لا يجلهن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا. (٤)
٤ - أراد من الجاهلين بالشرائع، وفسر الضلال بذلك في قوله - تعالى -: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾. (٥)
стр. 4272
المعنى الثاني: الضلالة هنا بمعنى: الخطأ .
أى: من الخاطئين؛ والمعنى: كمن يقتل خطأً من نجير تعمد للقتل. (١)
قال عبد الرحمن بن زيد في قوله: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾: قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَنِي مِنَ الله شَيْءٌ كَانَ قَتْلِي إِيَّاهُ ضَلالَةً وَخَطأً، قَالَ: وَالضَّلالَةُ هَاهُنَا الْخَطَأُ، وَلَمْ يَقُلْ: ضَلالَةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله. (٢)
المعنى الثالث: الضلال بمعنى النسيان .
قال القتبي: أصل الضلالة العدُول عن الحق، ثم يكون لمعاني منها النسيان، لأن الناسي عادل عنه، فكما قال هاهنا: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾ أي: من الناسين وكما قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. (٣)
فتبين من ذلك أن قول موسى ﵇ لا ليس من الضلال في الدين وإنما بأحد هذه الوجوه.
فلم يقل: إني صرت بذلك ضالًا، ولكن فرعون لما ادعى أنه كان كافرًا في حال القتل نفى عن نفسه كونه كافرًا في ذلك الوقت، واعترف بأنه كان ضالًا أي: متحيرًا لا يدري ما يجب عليه أن يفعله وما يدبر به في ذلك. (٤)
* * *
стр. 4273
٦ - شبهة: حول لطم موسى ﵇ ملك الموت .
نص الشبهة:
لطم موسى ملك الموت، فهل هذا يليق بنبي من أنبياء الله؟
الرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ذكر الأقوال في معني الحديث .
الوجه الثاني: هل عصى ملك الموت ربه ؟
الوجه الثالث: هل موسى ﵇ يكره الموت؟
الوجه الرابع: الأنبياء عندنا معصومون خلاف ما تعتقدونه.
الوجه الخامس: الرد من الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل،
الوجه الأول: ذكر الأقوال في معنى الحديث.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ المْوْتِ إِلَى مُوسَى ﵇، فَلَمَّا جَاءَهُ، صَكَّهُ فَفَقَأَ عَيْنَه، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّه، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الموْتَ، قَالَ: فَرَدَّ الله إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ: أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ الموْتُ، قَالَ: فَالْآنَ، فَسَأَلَ الله أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ (١).
اختلف أهل العلم في هذا الحديث على عدة أقوال:
القول الأول: قاله ابن حبان في صحيحه حيث قال: كان مجيء ملك الموت إلى موسى ﵇ على غير الصورة التي كان يعرفه موسى ﵇ عليها، وكان موسى غيورًا فرأى في داره رجلا لم يعرفه فشال يده فلطمه، فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصورة التي يتصور بها لا الصورة التي خلقه الله عليها ... ولما كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل داره بغير إذنه أو الناظر إلى بيته بغير أمره من غير جناح على فاعله، ولا حرج على مرتكبه للأخبار الجمة الواردة فيه
стр. 4274
كان جائزًا اتفاق هذه الشريعة بشريعة موسى بإسقاط الحرج عمن فقأ عين الداخل داره بغير إذنه فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحًا له ولا حرج عليه في فعله، فلما رجع ملك الموت إلى ربه وأخبره بما كان من موسى فيه أمره ثانيًا بأمر آخر؛ أمر اختبار وابتلاء كما ذكرنا قبل إذ قال الله له: قل له: إن شئت فضع يدك على متن ثور فلك بكل ما غطت يدك بكل شعرة سنة فلما علم موسى كليم الله أنه ملك الموت وأنه جاءه بالرسالة من عند الله طابت نفسه بالموت ولم يستمهل وقال: فالآن، فلو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت لاستعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به. (١)
ونقل ابن حجر موافقة افي خزيمة لهذا الرأي حيث قال: قال ابن خزيمة: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وقالوا: إن كان موسى عرفه فقد استخف به وإن كان لم يعرفه فكيف لم يقتص له من فقء عينه؟ والجواب: أن الله لم يبعث ملك الموت لموسى وهو يريد قبض روحه حينئذ، بعثه إليه اختيارًا وإنما لطم موسى ملك الموت لأنه رأى آدميًا دخل داره بغير إذنه ولم يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذن، وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم وإلى لوط في صورة آدميين فلم يعرفاهم ابتداء، ولو عرفهم إبراهيم لما قدم لهم المأكول، ولو عرفهم لوط لما خاف عليهم من قومه، وعلى تقدير أن يكون عرفه فمن أين لهذا المبتدع مشروعية القصاص بين الملائكة والبشر؟ ! ثم من أين له أن ملك الموت طلب القصاص من موسى فلم يقتص له؟ ! (٢)
ولخص الخطابي كلام ابن خزيمة وزاد فيه:
أن موسى دفعه عن نفسه لما ركب فيه من الحدة، وأن الله رد عين ملك الموت ليعلم موسى أنه جاءه من عند الله فلهذا استسلم حينئذ (٣).
стр. 4275
قال البغوي: هذا الحديث يجب على الرء السلم الإيمان به على ما جاء به من غير أن يعتبره بما جري عليه عرف البشر، فيقع في الارتياب، لأنه أمر مصدره عن قدرة الله وحكمه، وهو مجادلة بين ملك كريم ونبي كليم، كل واحد منهما مخصوص بصفة خرج بها عن حكم عوام البشر، ومجاري عاداتهم في المعني الذي خص به، فلا يعتبر حالهما بحال غيرهما، وقد اصطفي الله سبحانه وتعالي موسى برسالاته وبكلامه، وأيده بالآيات الظاهرة، والمعجزات الباهرة، كاليد البيضاء، والعصا، وانفلاق البحر، وغيرها مما نطق به القرآن، ودلت عليه الآثار، وكل ذلك إكرام من الله أكرمه به، فلما دنت وفاته وهو بشر يكره الموت طبعًا، ويجد ألمه حسا، لطف له بأن لم يفاجئه به بغتة، ولم يأمر الملك الموكل به أن يأخذه به قهرا، لكن أرسله له منذرًا بالموت، وأمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشر، فلما رآه موسى استنكر شأنه، واستوعر مكانه، فاحتجز منه دفعًا عن نفسه بما كان من صكه إياه، فأتى ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشرية التي جاءه فيها دون صورة الملكية التي هو مجبول عليها، وقد كان في طبع موسى ﷺ حمية وحِدَّة على ما قص الله علينا من أمره في كتابه من وكزه القبطي، وإلقائه الألواح، وأخذه برأس أخيه يجره إليه .. وقد جرت سنة الدين بدفع من قصدك بسوء، كما جاء في الحديث "مَنِ اطَّلَعَ فِى بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ" (١)، فلما نظر موسى إلى شخص في صورة بشر، هجم عليه يريد نفسه، ويقصد هلاكه، وهو لا يثبته، ولا يعرفه أنه رسول ربه دفعه عن نفسه، فكان فيه ذهاب عينه، فلما عاد الملك إلي ربه، رد الله إليه عينه، وأعاده رسولًا إليه ليعلم نبي الله ﵇ إذا رأي صحة عينيه المفقوءة أنه رسول الله بعثه ليقبض روحه، فاستسلم حينئذ لأمره، وطاب نفسًا بقضائه، وكل ذلك رفق من الله ، ولطف منه في تسهيل ما لم يكن بد من لقائه، والانقياد لمورد قضائه (٢).
стр. 4276
القول الثاني:
قال ابن قتيبة: وقد جعل الله سبحانه للملائكة من الاستطاعة أن تتمثل في صور مختلفة وأتى رسولَ الله ﷺ جبريلُ ﵇ في صورة دحية الكلبي وفي صورة أعرابي، ورآه مرة قد سد بجناحيه ما بين الأفقين، وكذلك جعل للجن أن تتمثل وتتخيل في صور مختلفة كما جعل للملائكة قال الله : ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾، وليس ما تنتقل إليه من هذه الأمثل على الحقائق إنما هي تمثيل وتخييل لتلحقها الأبصار، ولما تمثل ملك الموت لموسى ﵇ وهذا ملك الله وهذا نبي الله وجاذبه لطمه موسى لطمة أذهبت العين التي هي تخييل وتمثيل وليست حقيقة وعاد ملك الموت ﵇ إلى حقيقة خلقته الروحانية كما كان لم ينتقص منه شيء (١).
القول الثالث: ذكره النووي عن بعض العلماء في شرحه علي صحيح مسلم حيث قال: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِع أَنْ يَكُونَ مُوسَى ﷺ قَدْ أَذِنَ الله تَعَالَى لَهُ فِي هَذِهِ اللَّطْمَة، وَيَكُون ذَلِكَ اِمْتِحَانًا لِلْمَلْطُومِ، وَالله يَفْعَلُ فِي خَلْقه مَا شَاءَ، وَيَمْتَحِنُهُمْ بِمَا أَرَادَ (٢).
ونقل ابن الجوزي أن ابن عقيل جوز هذا حيث قال: قال ابن عقيل: يجوز أن يكون موسى قد أذن له في ذلك الفعل بملك الموت وابتلي ملك الموت بالصبر عليه كقصة الخضر مع موسى (٣).
كما نقل ذلك ابن حجر في الفتح حيث ذكر كلام ابن عقيل في المسألة (٤).
القول الرابع: ذهب إلية القرطبي في تفسيره حيث قال: أن موسى ﷺ عرف ملك الموت، وأنه جاء ليقبض روحه لكنه جاء مجيء الجزم بأنه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا محمد ﷺ من "أن الله لا يقبض روح نبي حتى يخيره" (٥)، فلما جاءه على غير الوجه الذي أعلم بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدبه، فلطمه
стр. 4277
ففقأ عينه امتحانا لملك الموت، إذ لم يصرح له بالتخيير. ومما يدل على صحة هذا، أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت اختار الموت واستسلم. (١)
الوجه الثالث [*]: هل موسى ﵇ يكره الموت ؟
قال أبو حاتم: وذاك أن الله جل وعلا أرسل ملك الموت إلى موسى رسالة ابتلاء واختبار وأمره أن يقول له: أجب ربك أمر اختبار وابتلاء لا أمرًا يريد الله إمضاءه كما أمر خليله صلى الله على نبينا وعليه بذبح ابنه أمر اختبار وابتلاء دون الأمر الذي أراد الله إمضاءه فلما عزم على ذبح ابنه وتله للجبين فداه بالذبح العظيم. (٢)
وقال البغوي: فلما دنت وفاته وهو بشر يكره الموت طبعًا، ويجد ألمه حسًا، لطف له بأن لم يفاجئه به بغتة، ولم يأمر الملك الموكل به أن يأخذه به قهرا، لكن أرسله له منذرًا بالموت، وأمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشر. (٣)
فلم يقل أحد من علماء المسلمين أن ملك الموت عمى ربه جل وعلا. ولم يذكر في الحديث أي مخالفة أو عصيان من ملك الموت لله .
قال الله عن الملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
قال ابن كثير: أي: مهما أمرهم به تعالى يبادروا إليه، لا يتأخرون عنه طرفة عين، وهم قادرون على فعله ليس بهم عجز عنه. (٤)
وقال المازري والقاضي عياض: وليس في الحديث تصريح بأنه تعمد فقء عينه فإن قيل: فقد اعترف موسى حين جاءه ثانيا بأنه ملك الموت، فالجواب: أنه أتاه في المرة الثانية بعلامة علم بها أنه ملك الموت فاستسلم بخلاف المرة الأولى والله أعلم. (٥)
стр. 4278
الوجه الرابع: الأنبياء عندنا معصومون خلاف ما تعتقدونه .
إن الأنبياء عندنا معصومون من الكبائر والصغائر خلاف ما يعتقده المخالفون بأن الأنبياء يقع منهم ما يقع من عامة الناس من شرك، وزنا، وسب، وغير ذلك مما هو في كتبهم وعقائدهم معلوم. ولا شك أن موسى ﵇ رسول مقرب، بل وكرمه الله رب العالمين بأن جعله كليمَه . وهو أيضًا عندنا من أولي العزم الخمسة الذين اصطفاهم الله على أنبيائه أجمعين. وإليك ما قاله الله لموسى ﵇ حيث: قال الله لموسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ [طه: ٤١].
قال ابن كثير: أي: اصطفيتك واجتبيتك رَسُولا لنفسي، أي: كما أريد وأشاء. (١)
قال الرازي: وموسى ﵇ كان مخصوصًا بمزيد العصمة: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ [طه: ٤١]. (٢)
الوجه الخامس: الرد من الكتاب المقدس .
جاء في إنجيل متى وغيره أن يسوع صرخ حين صلب لكي يقتل حيث جاء في إنجيل (متى ٢٧/ ٤٦): ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا: إيلي إيلي لا شبقتني؟ أي: إلهي، إلهي لماذا تركتني؟ .
فلماذا صرخ يسوع ولماذا قال ما قاله؟
وهذه بعض المجازفات والأغلوطات التي في الكتاب المقدس .
الركوب على الجحش والأتان معًا:
ومما يكذبه العقل ولا يتصوره ما ذكره متى عند حديثه عن دخول المسيح أورشليم فقال: "وَأَتَيَا بِالأَتَانِ وَالْجَحْشِ، وَوَضَعَا عَلَيْهِمَا ثِيَابَهُمَا فَجَلَسَ (أي المسيح) عَلَيْهِمَا" (متى ٢١/ ٧) فجلوس المسيح على الجحش والأتان معًا لا يتصوره العقل.
وهو غلط وكذب أراد متى من خلاله أن يحقق نبوءة توراتية "فَكَانَ هذَا كُلُّهُ لِكَيْ يَتِمَّ
٧ - شبهة: ادعاؤهم عصيان يونس ﵇ -.
نص الشبهة:
قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧].
قالوا: لا ذنب أعظم من المغاضبة لله ، ومن أكبر ذنبًا ممن ظن أن الله لا يقدر عليه وذلك يقتضي كونه شاكًّا في قدرة الله تعالى، وأنه أقر على نفسه أنه كان من الظالمين والظلم من أسماء الذم لقوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ونهى الله تعالى نبيه أن يكون مثله، فإن لم يكن صاحب الحوت مذنبًا لم يجز النهي عن التشبه به؟ ، وإن كان مذنبًا فقد حصل الغرض.
والجواب عن هذه الشبهة من هذه الوجوه:
الوجه الأول: أن الآية دلت على أنه ذهب مغاضبًا ولم تدل على أنه غاضب الله .
الوجه الثاني: أنه ذهب مغاضبًا لربه أي: لأجل ربه.
الوجه الثالث: أنه خرج مغاضبًا لقومه أو للملك الذي كان وقتئذٍ.
الوجه الرابع: شبهات والرد عليها.
وإليك التفصيل،
الوجه الأول: أن الآية دلت على أنه ذهب مغاضبًا ولم تدل على أنه غاضب الله.
وليس في الآية من غاضبه، لكنا نقطع على أنه لا يجوز على نبي الله أن يغاضب ربه؛ لأن ذلك صفة من يجهل كون الله مالكًا للأمر والنهي والجاهل بالله لا يكون مؤمنًا فضلًا عن أن يكون نبيًا. (١)
قال ابن حزم: أما إخبار الله تعالى أن يونس ﵇ ذهب مغاضبًا فلم يغاضب ربه قط، ولا قال الله تعالى أنه غاضب ربه فمن زاد هذه الزيادة كان قائلًا على الله الكذب، وزائدًا
стр. 4282
في القرآن ما ليس فيه، هذا لا يحل ولا يجوز أن يظن بمن له أدنى مسكة من عقل أنه يغاضب ربه تعالى، فكيف أن يفعل ذلك نبي من الأنبياء؟ . (١)
الوجه الثاني: أنه ذهب مغاضبًا لربه أي: لأجل ربه .
مغاضبًا لربه أي: لأجل ربه ودينه، واللام لام العلة لا اللام الموصلة للمفعول به. (٢)
وهذا المعنى - مغاضبًا لربه هو اختاره الطبري والقتبي واستحسنه المهدوي. (٣)
وقال النحاس: وربما أنكره هذا من لا يعرف اللغة وهو قول صحيح. (٤)
والمعنى: مغاضبًا من أجل ربه، كما تقول: غضبت لك أي من أجلك، والمؤمن يغضب لله إذا عصي، وبالغ القتبي في نصرة هذا القول: ولم يغضب على الله ولكن غضب لله إذ رفع العذاب عنهم. (٥)
الوجه الثالث: أنه خرج مغاضبًا لقومه أو للملك الذي كان وقتئذٍ .
وإذا ثبت أنه لا يجوز صرف هذه المغاضبة إلى الله تعالى، وجب أن يكون المراد أنه خرج مغاضبًا لغير الله، والغالب أنه إنما يغاضب من يعصيه فيما يأمره به فيحتمل قومه أو الملك أو هما جميعًا، ومعنى مغاضبته لقومه أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العذاب عليهم عندها، وكان غضبه على قومه لشدة شكيمتهم ولكفرهم وتمادي إصرارهم مع طول دعوته إياهم. (٦)
الوجه الرابع: شبهات والرد عليها .
стр. 4283
الأول: وأما قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ فقالوا: وذلك يقتضى كونه شاكًّا في قدرة الله تعالى .
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: أن هذا قول مردود باطل لا شك فيه.
فقالت فرقة: استزله إبليس ووقع في ظنه إمكان ألا يقدر الله عليه بمعاقبته. وهذا قول مردود مرغوب عنه؛ لأنه كفر. ومن ظن عجز الله تعالى فهو كافر. (١)
قال ابن حزم: وأما قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ فليس على ما ظنوه من الظن السخيف الذي لا يجوز أن يظن بضعيفة من النساء أو بضعيف من الرجال إلا أن يكون قد بلغ الغاية من الجهل فكيف بنبي مفضل على الناس في العلم ومن المحال المتيقن أن يكون نبي يظن أن الله تعالى الذي أرسله بدينه لا يقدر عليه وهو يرى أن آدميا مثله يقدر عليه، ولا شك في أن من نسب هذا للنبي الفاضل فإنه يشتد غضبه لو نسب ذلك إليه أو إلى ابنه فكيف إلى يونس ﵇ الذي يقول فيه رسول الله ﷺ : "مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى" (٢).
فقد بطل ظنهم بلا شك. (٣)
الوجه الثاني: نقدر عليه، أي: نضيق عليه.
ومن إطلاق "قدر" بمعنى "ضيق" في القرآن كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق الرزق على من يشاء، وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، فقوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾: ومن ضيق عليه رزقه، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] [الفجر: ١٦] أي: ضيق.
стр. 4284
واعلم أن على هذا التأويل تصير الآية حجة لنا، وذلك لأن يونس ﵇ ظن أنه مخير إن شاء أقام وإن شاء خرج، وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره، وكان في المعلوم أن الصلاح في تأخر خروجه، وهذا من الله تعالى بيان لما يجري مجرى العذر له من حيث خرج، لا على تعمد المعصية لكن لظنه أن الأمر في خروجه موسع يجوز أن يقدم ويؤخر، وكان الصلاح خلاف ذلك. (١)
ونسب هذا القول إلى الجمهور الشوكاني. (٢)
الوجه الثالث: نقدر عليه، أي: نقض عليه بعقوبة.
وإطلاق "نقدر" بمعنى "نقضي" في القرآن ومنه قوله: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠)﴾ [الواقعة: ٦٠]، وعلى هذا فهو من القدر الذي هو بمعنى القضاء والحكم دون القدرة والاستطاعة. (٣)
والعرب تقول: قدَر وقَدّر بمعنى واحد. (٤)
وعليه فهو من القدر والقضاء. "وقدر" بالتخفيف تأتي بمعنى "قدر" المضعفة: ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي قدره الله.
ومنه قول الشاعر وأنشده ثعلب شاهدًا لذلك:
فليست عشيات الحمى برواجع ... لنا أبدًا ما أورق السلم النضر
ولا عائذ ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر.
والعرب تقول: قدر الله لك الخير يقدره قدرًا، كضرب يضرب، ونصر ينصر، بمعنى قدره لك تقديرًا. ومنه على أصح القولين "ليلة القدر" لأن الله يقدر فيها الأشياء. كما قال
стр. 4285
تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ والقدر بالفتح، والقدر بالسكون: ما يقدره الله من القضاء. ومنه قول هدبة بن الخشرم:
ألا يا لقومي للنوائب والقدر ... وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري. (١)
الوجه الرابع: الكلام بمعنى الاستفهام .
إن معنى ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] الاستفهام، ويكون المعنى: أفظنَّ أن لن نَقْدِر عليه؛ فعلى هذا الوجه يكون استفهامًا قد حُذفت ألفه إيجازًا؛ وهذا الوجه يدل على أنه من القدرة، ولا يتصوّر إِلا مع تقدير الاستفهام، ولا أعلم له وجهًا إِلا أن يكون استفهام إِنكار، تقديره: ما ظنّ عجزنا، فأين يهرب منا؟ ! (٢).
وهو قول ابن زيد. (٣)
وهذه الوجوه تدل على أن الآية من القدر لا من القدرة.
وعلى قول من قال أنها من القدرة، فالجواب بما يلي:
الأول: أن يكون هذا من باب التمثيل.
بمعنى فكانت حالته ممثلة بحالة من ظن أن لن نقدر عليه في خروجه من قومه من غير انتظار لأمر الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾، أي: نعامله معاملةَ من يحسَب ذلك. (٤)
الثاني: أن تكون مجازًا عن أعمالها.
والمعنى: فظن أن لن نعمل قدرتنا فيه. (٥)
стр. 4286
الثالث: وأما عن قولهم إن الله تعالى نهى نبيه أن يكون مثله
كما في قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ فإن لم يكن صاحب الحوت مذنبًا لم يجز النهي عن التشبه به وإن كان مذنبًا فقد حصل الغرض.
والجواب عليه من وجوه:
الأول: أن هذا النهي لم يكن عامًا في كل شيء وإنما في شيء مخصوص وهو العجلة والغضب والضجر (١).
قال ابن حزم: وإنما نهى الله لمحمد ﷺ عن أن يكون كصاحب الحوت. فنعم نهاه الله عن مغاضبته قومه وأمره بالصبر على أذاهم وبالمطاولة لهم، وأن يمضي لما أمر به من التبليغ واحتمال الأذى والمشقة، ونهى عن الضجر والعجلة التي وقع فيها يونس ﵇. (٢)
وكان قتادة يقول في قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾: لا تكن مثله في العجلة والغضب.
قال قتادة: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾ يقول: لا تعجل كما عَجِل، ولاتغضب كما غضب. (٣)
الثاني: ثناء الله تعالى عليه يدل على دربه منه .
قال تعالى: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)﴾ [القلم: ٥٠]، فشهادة الله ليونس بهذه الآية تنبهنا إلى عدم اتهامه بما يتنافى مع هذه الشهادة العظيمة.
стр. 4287
وكذلك قبول الله دعاءه يدل على قربه من الله، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٨].
الثالث: ثناء النبي ﷺ على يونس ﵇ يدل على أن النهي لم يكن عامًا .
عن ابن عباس ﵁ عَنِ النبي ﷺ قَالَ: "لا ينبغي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى". (١)
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النبي ﷺ قَالَ: "لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إني خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ" (٢).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النبي ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ". (٣)
وأما عن قولهم أنه أقر على نفسه أنه كان من الظالمين بقوله: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ والظلم من أسماء الذم لقوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
فالجواب عليها من وجوه:
الوجه الأول: الظلم وضع الشيء في غير موضعه فلما وضع النبي ﷺ المغاضبة في غير موضعها اعترف في ذلك بالظلم لا على أنه قصده وهو يدري أنه ظلم. (٤)
الوجه الثاني: لا شك أنه كان تاركًا للفضيلة مع القدرة على تحصيل الأفضل، فكان ذلك ظلمًا. (٥)
الوجه الثالث: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ يريد فيما خالف فيه من ترك مداومة قومه والصبر عليهم. (٦)
стр. 4288
الوجه الرابع: يعني لنفسي في الخروج من غير أن تأذن لي، ولم يكن ذلك عقوبة من الله، لأن الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا، وإنما كان تأديبًا، وقد يؤدب من لا يستحق العقاب كالصبيان. (١)
الوجه الخامس: اعتراف العبد بأنه مذنب أو ظالم لنفسه ليس اتهامًا له، بل هذا من مناقبه.
فقد اعترف آدم بقوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣] فعد ذلك من مناقبه.
وقد علم النبي ﷺ أبا بكر ماذا يقول في دعائه لما طلب منه ذلك، فعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ الله ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِى صَلاتِي. قَالَ: "قُلِ: اللهمَّ إني ظَلَمْتُ نفسي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وارحمني إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". (٢)
وكذلك قال يونس ﵇: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ اعترف بظلمه لنفسه - وإن لم يكن من الظالمين بالمعنى الذي يقصدونه - فعد هذا من مناقبه ولذلك لما نادى في الظلمات استجاب الله له قال الله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنبياء: ٨٧ - ٨٨).
قال الواسطي في معناه: نزه ربه عن الظلم وأضاف الظلم إلى نفسه اعترافًا واستحقاقًا، ومثل هذا قول آدم وحواء: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] (الأعراف: ٢٣) إذ كانا السبب في وضعهما أنفسهما في غير الموضع الذي أنزلا فيه. (٣)
ولذلك جاء في الحديث: عن سعد بن أبي وقاص: قَالَ مَرَرْتُ بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي المسْجِدِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَمَلَأَ عَيْنَيْهِ مِنِّي ثُمَّ لَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَأَتيْتُ أَمِيرَ المْؤمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ هَلْ حَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ شَيْءٌ لا مَرَّتَيْنِ؟ قَالَ: لَا، وَمَا ذَاكَ؟
موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام
تأليف
أحمد بن سليمان أيوب ونخبة من الباحثين
فكرة وإشراف
د. سليمان الدريع
المجلد الثامن
شبهات عن النبي ﷺ
دار إيلاف الدولية
للنشر والتوزيع
стр. 4291
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4292
موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام
стр. 4293
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الاولى
١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م
دار إيلاف الدولية
(دار وقفية دعوية)
المدير العام: د/ فرحان بن عبيد الشمري
falaslmi@gmail.com
الإدارة: مجمع المخيال - هاتف ٢٤٥٠٠٨٢ - ٩٦٩٩٩١٨٢ - الكويت.
الفرع الأول: الجهراء - مجمع الخير - الدور الأول مكتب ١٠ هاتف ٢٤٥٥٧٥٥٩
الفرع الثاني: حولي - شارع المثنى، هاتف وناسوخ: ٢٢٦٤١٧٩٧
رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: ١١٠٤٥/ ٢٠١٥ م
التوزيع داخل جمهورية مصر العربية:
دار العلم للبحث العلمي وتحقيق التراث
لصاحبها: أحمد بن سليمان
ah.solaiman ١٩٧٠@gmail.com
ت: ٠١١٥٨٩٨٠٥٨٠
стр. 4294
شبهات عن النبي ﷺ -
فيها:
١ - شبهات حول نسب الرسول ﷺ .
٢ - إنكار أمية الرسول ﷺ .
٣ - ادعاؤهم أن كفر أبوي الرسول ﷺ يقدح فيه.
٤ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ كان على دين قومه.
٥ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ اعترف بأنه ليس برسول.
٦ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ كان شاعرًا.
٧ - شبهة: إنكارهم لحديث سحر النبي ﷺ .
٨ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ لا يستطيع عمل المعجزات.
٩ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ كان يتهرب من الأسئلة.
١٠ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ صاحب مطامع دنيوية.
١١ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ وقع في الذنب.
١٢ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ وقع في الزنا.
١٣ - شبهة: اتهام النبي ﷺ بشهوة النساء.
١٤ - شبهة: مباشرة النبي ﷺ زوجاته أثناء الصيام.
١٥ - شبهة: خلوة النبي ﷺ بامرأة أجنبية.
١٦ - شبهة: حُبِّبَ إليَّ من دنياكم.
١٧ - شبهات حول زواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش.
١٨ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ اغتصب صفية.
стр. 4295
١٩ - شبهة: حول طواف النبي ﷺ على زوجاته في ساعة.
٢٠ - شبهة: ادعائهم أن النبي ﷺ طلق أحد زوجاته بدون سبب.
٢١ - شبهة: النبي ﷺ يخرج عريانًا أمام أحد أصحابه.
٢٢ - شبهة: النبي ﷺ يمص لسان الحسن والحسين.
٢٣ - شبهة: النبي ﷺ كان في بيته مخنث يظهر على زوجاته.
٢٤ - شبهة: استعمال النبي ﷺ للكحل.
٢٥ - ادعاؤهم أن النبي ﷺ تلفظ بألفاظ غير مناسبة.
٢٦ - شبهة: النبي ﷺ رحمة للعالمين.
٢٧ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾.
٢٨ - شبهة: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾.
٢٩ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ كان يطيع الكافرين.
٣٠ - شبهة: ادعاؤهم عبوس النبي ﷺ .
٣١ - شبهة: النبي ﷺ يقفيى لصالح الزبير على الأنصاري.
٣٢ - شبهة: اتهام النبي ﷺ بالوحشية في القتل كما فعل مع أم قرفة والعرنيين.
٣٣ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ كان غير نظيف وغير طاهر.
٣٤ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ صلى بغير وضوء.
٣٥ - شبهة: تبرك الصحابة بوضوء النبي ﷺ .
٣٦ - شبهة: تمسح الصحابة بالنبي ﷺ .
٣٧ - شبهة: ادعاؤهم محاولة انتحار النبي ﷺ .
٣٨ - شبهة: موت النبي ﷺ بالسم.
٣٩ - شبهة: ادعاؤهم تغير جسد النبي ﷺ بعد موته.
стр. 4296
١ - شبهة: نسب النبي ﷺ -.
نص الشبهة:
كانت آمنة بنت وهب بن عبد مناف في حجر عمها وهيب بن عبد مناف، فمشى إليه عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بابنه عبد الله بن عبد المطلب، فخطب عليه آمنة بنت وهب فزوجها عبد الله بن عبد المطلب، وخطب إليه عبد المطلب بن هاشم في مجلسه ذلك ابنته هالة بنت وهيب على نفسه، فزوجه إياها فكان تزوج عبد المطلب بن هاشم، وتزوج عبد الله بن عبد المطلب في مجلس واحد؛ فولدت هالة بنت وهيب لعبد المطلب حمزة بن عبد المطلب فكان حمزة عم رسول الله ﷺ في النسب وأخاه من الرضاعة.
استدل المعترض بهذه الرواية وبعدة روايات أخرى على عدم صحة نسب النبي ﷺ إلى أبيه أو أمه. وسيأتي ذكر هذه الروايات في الجواب.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ذكر نسب النبي ﷺ الصحيح المعتمد.
الوجه الثاني: جمع النصوص الصحيحة الثابتة الواردة في نسب النبي ﷺ .
الوجه الثالث: التحقيق في ترجمة الواقدي.
الوجه الرابع: تحقيق الروايات التي استدل بها المعترض.
الوجه الخامس: والحق ما شهدت به الأعداء.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: ذكر نسب النبي ﷺ من الكتب الصحيحة المعتمدة .
إن النبي ﷺ أشرف الناس نسبًا، وأكملهم خَلْقًا وخُلُقًا، ولقد كان وما زال شرف النسب له المكانة في النفوس؛ لأن ذا النسب الرفيع لا تنكر عليه الصدارة، نبوة كانت أو ملكًا، وينكر ذلك على وضيع النسب، فيأنف الكثير من الانضواء تحت لوائه، ولما كان محمد ﷺ يعد للنبوة هيأ الله تعالى له شرف النسب ليكون مساعدًا له على التفاف الناس حوله.
إن معدن النبي ﷺ طيب ونفيس، فهو من نسل إسماعيل الذبيح، وإبراهيم خليل الله،
стр. 4297
واستجابة لدعوة إبراهيم ﵇، وبشارة أخيه عيسى ﵇ كما حدث هو عن نفسه، فقال: "أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى". (١)
فطيب المعدن والنسب الرفيع يرفع صاحبه عن سفاسف الأمور، ويجعله يهتم بمعاليها وفضائلها، والرسل والدعاة يحرصون على تزكية أنسابهم، وطهر أصلابهم، ويُعرفون عند الناس بذلك فيحمدونهم ويثقون بهم.
فهو: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارٍ بنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ. (٢)
وإلى هنا اتفق الأئمة جميعًا، وبعد عدنان وقع الاختلاف بينهم نظرًا لعدم وجود شيء صحيح يعتمد عليه في هذا الباب.
قال أبو حاتم: نسبة رسول الله ﷺ تصح إلى عدنان وما وراء عدنان فليس عندي فيه شيء صحيح أعتمد عليه. (٣)
قال ابن القيم: بعد ذكر النسب إلى عدنان أيضًا: إلى هاهنا معلوم الصحة متفق عليه بين النسابين ولا خلاف فيه البتة، وما فوق عدنان مختلف فيه، ولا خلاف بينهم أن عدنان من ولد إسماعيل ﵇، وإسماعيل: هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم. (٤)
وأما ما قاله وما أثبته من أن حمزة أكبر من النبي ﷺ بسنتين أو أربع سنين هذا هو الصحيح الذي نقله أئمة السير عندنا وإليك بعض أقوالهم:
قال ابن عبد البر: كان أسن من رسول الله ﷺ بأربع سنين وهذا لا يصح عندي؛ لأن الحديث الثابت أن حمزة وعبد الله بن الأسد أرضعتهما ثويبة مع رسول الله ﷺ إلا أن تكون
стр. 4298
أرضعتهما في زمانين.
وذكر البكائي عن ابن إسحاق قال: كان حمزة أسن من رسول الله ﷺ بسنتين، وكان يوم قتل ابن تسع وخمسين سنة (١).
وقال ابن الأثير: عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب، وأرضعت أبا سلمة بن عبد الأسد، وكان حمزة ﵁، أسن من رسول الله ﷺ بسنتين، وقيل: بأربع سنين، والأول أصح.
وكان مقتل حمزة للنصف من شوال من سنة ثلاث، وكان عمره سبعًا وخمسين سنة، على قول من يقول: إنه كان أسن من رسول الله ﷺ بسنتين، وقيل: كان عمره تسعًا وخمسين سنة، على قول من يقول: كان أسن من رسول الله ﷺ بأربع سنين، وقيل: كان عمره أربعًا وخمسين سنة، وهذا يقوله من جعل مقام النبي ﷺ بمكة بعد الوحي عشر سنين، وقيل: كان عمره أربعًا وخمسين سنة، وهذا يقوله من جعل مقام النبي ﷺ بمكة بعد الوحي عشر سنين، فيكون للنبي ﷺ اثنتان وخمسون سنة، ويكون لحمزة أربع وخمسون سنة؛ فإنهم لا يختلفون في أن حمزة أكبر من النبي ﷺ . (٢)
فهذه أقوال علمائنا في سن حمزة بن عبد المطلب، أما ما تخيله المعترض بناء على روايات باطلة فهو سراب خادع ظنه ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
الوجه الثاني: جمع النصوص الصحيحة الواردة في إثبات طهارة نسبه ﷺ -.
يذكر علماء الوراثة أنّ الشخص يتأثر بنسبه سواء من ناحية الجسم والبنية أو من ناحية الذكاء والعقل أو من ناحية الفكر والعقيدة.
يقول د. محمد بيصار: ولا تكون الوراثة عاملًا هامًا في نقل الصفات الحسية فحسب، وإنما كذلك عن طريقها تنتقل الصفات الأدبية كالأمزجة والميول والغرائز، والصفات العقلية كالذكاء والبلادة وحسن تقدير الأمور أو سوء أو شدة الانتباه أو ضعفه إلى غير
стр. 4299
ذلك من صفات يكون لها الأثر الأقوى في تكوين أخلاق المرء وتكييفها وطبعها بطابع معيّن خيرًا كان ذلك الطابع أو شرًا حسنًا أو قبيحًا.
ويؤيد هذا علم القيافة. الذي أقره الرسول ﷺ فعن عائشة ﵄: أن رسول الله ﷺ دخل عليها مسرورًا تبرق أسارير وجهه فقال: "ألم تسمعي ما قال المدلجي لزيد وأسامة ورأى أقدامهما" فقال: "إنّ بعض هذه الأقدام من بعض". (١)
يدل عليه قوله تعالى حاكيًا عن نبي الله نوح ﵇: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ (نوح: ٢٧: ٢٦).
يقول ابن كثير: أي فاجرًا في الأعمال، كافر القلب، وذلك لخبرته بهم، ومكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عامًا. ويدخل في هذا المفهوم قوله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء". (٢)
يقول أبو هريرة ﵁: واقرأوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. وبهذا يثبت أنّ الولد يتأثر بأبويه من ناحية الجسم والبنية، ومن ناحية العقل والذكاء، ومن ناحية الفكر والعقيدة، قليلًا أو كثيرًا، سلبًا أو إيجابًا، وذلك بإرادة الله وقدرته، إذا عُرف هذا ننظر إلى نسب رسول الله ﷺ ومدى تأثره به.
يقول الأستاذ الدكتور أحمد غلوش: هيأت عناية الله تعالى سلسلة ممتازة من الآباء والأجداد للنبي ﷺ ليأخذ منها عن طريق الوراثة كثيرًا من الخلق والطبائع.
وقد وردت في هذا المضمار نصوص كثيرة تدل على أنّ نسب النبي ﷺ هو أفضل الناس نسبًا. من ذلك ما جاء عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني
стр. 4300
هاشم، واصطفاني من بني هاشم". (١)
وقد أشار النووي ﵀ إلى أنّ بني هاشم أفضل العرب لا يدانيهم في الأفضلية إلا بنو المطلب مستدلًا بهذا الحديث.
ويقول المباركفوري: قوله: "إن الله اصطفى" أي اختار. يقال استصفاه واصطفاه، إذا اختاره وأخذ صفوته والصفوة من كل شيء خالصه وخياره (٢).
ومن ذلك أيضًا ما ورد عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم، وخير الفريقين، ثم خير القبائل؛ فجعلني من خير القبيلة، ثم خص البيوت فجعلني من خير بيوتهم؛ فأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا" (٣)
أي: أصلًا إذا جئت من طيب إلى طيب إلى صلب عبد الله بنكاح لا سفاح.
ومما يدل على أنّ الرسول ﷺ كانت له مكانة عند قومه، من جهة النسب شهادة أعدائه كما ورد في قصة أبي سفيان وهو مشرك، ومن ألد أعداء صاحب الرسالة آنذاك مع هرقل ملك الروم عندما وجه إليه أسئلة عديدة تتعلق بشخصية الرسول ﷺ من بينها: (كيف نسبه فيكم؟ قال أي أبو سفيان: هو فينا ذو نسب. ثم قال هرقل في آخر القصة: سألتك عن نسبه فذكرت أنّه فيكم ذو نسب، فكذلك تبعث الرسل في أنساب قومها). (٤)
يقول النووي: (أي في أفضل أنسابهم). ومما يدل على ذلك أيضًا ما جاء على لسان مفوض مشركي قريش عتبة بن أبي ربيعة مع رسول الله ﷺ حيث قال عند افتتاح كلامه مع الرسول: (يا ابن أخي إنّك منّا حيث قد علمت من السطة في العشيرة والمكانة في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم. . .). (٥)
стр. 4301
وهاتان القصتان تشهدان بما للرسول ﷺ من المكانة في النسب عند قومه لإقرار أعدائه وأعداء رسالته، حيث لم يستطيعوا أن يخفوا هذه الحقيقة مع أنهم كانوا يتهمونه بتهم باطلة، مرة بالسحر، ومرة بالجنون، ومرة بالشعر والكهانة، ومع هذا لم ينقل إلينا عن أحدهم تهمة واحدة يقدحون بها في الرسول ﷺ من جهة النسب، كما أن النصوص الأخرى التي أوردناها تدل على أن العرب أفضل الناس من ناحية النسب، وأنّ الرسول ﷺ من أفضلها نسبًا، وأن هذه سنة الله في اختيار رسله جميعًا كما جاء في قول هرقل السابق.
قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث: (الظاهر أن إخبار هرقل بذلك بالجزم كان على العلم المقرر في الكتب السالفة). (١)
والحكمة في ذلك كما قال النووي ﵀ أنه أبعد من انتحاله الباطل وأقرب إلى انقياد الناس له؛ لأن الناس يأنفون من الانقياد إلى رجل وضيع من جهة، وكذلك الوضيع لا تسول نفسه له قيادة الناس عن جهة أخرى.
ولهذا كان نسب رسول الله ﷺ له تأثير على نفسه من ناحية وعلى قومه من ناحية أخرى، كما ذكر غير واحد من العلماء.
يقول د. محمد قلعت في هذا المقام: هذا النسب له أثره في رسول الله ﷺ ، وكان له أثر فيمن يبلغهم رسول الله ﷺ شريعة الله، أمّا أثره في رسول الله فقد شب ﷺ مرفوع الرأس رغم يتمه لا يعرف الذل ولا الخنوع. جريئًا في إعلان رأيه، تملأ الثقة نفسه، أما أثره فيمن دعاهم رسول الله إلى الإيمان والانضواء تحت راية الإسلام؛ فإن أكبر شخصية في العرب لا تجد غضاضة من الانضواء تحت راية الإسلام، وقبول محمد ﷺ رسولًا وحاكمًا؛ لأنهم يعترفون بأن محمدًا ﷺ من أعرق بيوت قريش نسبًا. (٢)
وهذه حقيقة ثابتة لا جدال فيها وإن كان هناك من يعارضه من قومه، لكن ليس هذا من جهة نسبه ولا رفضًا لشخصيته، وإنما كان رفضًا موجهًا لرسالته ﷺ .
стр. 4302
وصدق الله إذ يقول: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. وممَّا يؤيد ذلك ما جاء على لسان أبي جهل عدو الله وعدو رسوله إذ قال للنبي ﷺ : (قد نعلم يا محمد أنك تصل الرحم، وتصدق الحديث ولا نكذبك، ولكنّ نكذب الذي جئت به) (١)، فأنزل الله : ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. أي: إن رفض قريش كان موجهًا للدعوة التي دعاهم إليها الرسول ﷺ لا لشخصيته كما يفيد منطوق قول أبي جهل السابق. ولهذا ورد أنهم عرضوا عليه الجاه والسيادة والملك وجمع الأموال والمغريات الأخرى مقابل ترك هذه الدعوة كلية أو جزءًا منها كحل وسط، ولكنهم لم ينجحوا فيها؛ لأن موقف الرسول ﷺ كان ثابتًا. وعرض هذه الأمور عليه يدل على سمو مكانة النبي ﷺ من جهة النسب عند قومه قريش الذين كانوا يأنفون أن يخضعوا للوضيع مهما كان الأمر، وخاصة إذا جاء بأمر يخالف عاداتهم وتقاليدهم، مثل ما جاء به رسول الله ﷺ من الدين الحنيف، والدعوة إلى التوحيد، ونبذ الشرك والأوثان وما كان سائدًا في مجتمع مكة من عادات وتقاليد جاهلية. (٢)
الوجه الثالث: ترجمة محمد بن عمر بن واقد الأسلمي .
قال البخاري: الواقدي: مديني، سكن بغداد، متروك الحديث (٣)، تركه أحمد وابن نمير (٤)، وابن المبارك، وإسماعيل بن زكريا.
وقال أيضًا: كذبه أحمد، وعن يحيى بن معين: ضعيف، ليس بشيء، ليس بثقة.
وقال مسلم: متروك الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الحاكم: ذاهب الحديث.
стр. 4303
سئل أبو زرعة عنه فقال: ترك الناس حديثه، وقال الجوزجاني: لم يكن مقنعًا.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن محمد بن عمر الواقدي فقال: ضعيف. قلت: يكتب حديثه؟ قال: ما يعجبني إلا على الاعتبار، ترك الناس حديثه.
وقال أيضا: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: قال لي الشافعي: كتب الواقدي كذب. (١)
وذكره ابن حبان في المجروحين وقال: كان ممن يحفظ أيام الناس وسيرهم، وكان يروى عن الثقات المقلوبات، وعن الأثبات المعضلات، حتى ربما سبق إلى القلب أنه كان المتعمد، كان أحمد بن حنبل يكذبه، وعن علي بن المديني: الواقدي يضع الحديث. (٢)
وذكره ابن عدي: وساق له عدة أحاديث وقال: وهذه الأحاديث التي أمليتها للواقدي، والتي لم أذكرها كلها غير محفوظة، ومن يروي عنه الواقدي من الثقات فتلك الأحاديث غير محفوظة عنهم، إلا من رواية الواقدي، والبلاء منه، ومتون أخبار الواقدي غير محفوظة، وهو بين الضعف. (٣)
وقال البزار: وتكلم الناس فيه، وفي حديثه نكرة. (٤)
وقال ابن حجر: قال النسائي في (الضعفاء والمتروكين): المعروفون بالكذب على رسول الله ﷺ أربعة: الواقدي بالمدينة، ومقاتل بخراسان، ومحمد بن سعيد المصلوب بالشام وذكر الرابع. وقال ابن المديني: عنده عشرون ألف حديث يعنى ما لها أصل، وقال في موضع آخر ليس هو بموضع للرواية، وإبراهيم بن أبي يحيى كذاب وهو عندي أحسن حالًا من الواقدي. (٥)
وقال الذهبي: وقد تقرر أن الواقدي ضعيف، يحتاج إليه في الغزوات، والتاريخ، ونورد آثاره من غير احتجاج، أما في الفرائض، فلا ينبغي أن يذكر، فهذه الكتب الستة، ومسند أحمد،
стр. 4304
وعامة من جمع في الأحكام، نراهم يترخصون في إخراج أحاديث أناس ضعفاء، بل ومتروكين، ومع هذا لا يخرجون لمحمد بن عمر شيئًا، مع أن وزنه عندي أنه مع ضعفه يكتب حديثه، ويروى، لأني لا أتهمه بالوضع، وقول من أهدره فيه مجازفة من بعض الوجوه، كما أنه لا عبرة بتوثيق من وثقه، كيزيد، وأبي عبيد، والصاغاني، والحربي، ومعن، وتمام عشرة محدثين، إذ قد انعقد الإجماع اليوم على أنه ليس بحجة، وأن حديثه في عداد الواهي. (١)
وبالنظر إلى كلام المجرحين والمعدلين من العلماء، تبين لمن له دربة في فن الجرح والتعديل أن المجرحين هم أئمة الجرح والتعديل، والذي على أقوالهم يقوم علم الجرح والتعديل، وأيضًا غالب التعديل له كان في جانب روايته للسير والمغازي والأخبار، أما ناحية الحفظ، فقد سبق الكلام فيه.
الوجه الرابع: تحقيق الروايات التي استدل بها المعترض .
١ - قال ابن سعد: ذكر تزوج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب أم رسول الله ﷺ قال: حدثنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، قال حدثني عبد الله بن جعفر الزهري، عن عمته أم بكر ابنت المسور بن مخرمة، عن أبيها. قال وحدثني عمر بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن يحيى بن شبل، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين. قالا: كانت آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب في حجر عمها وهيب بن عبد مناف بن زهرة فمشى إليه عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بابنه عبد الله بن عبد المطلب أبي رسول الله ﷺ فخطب عليه آمنة ابنت وهب فزوجها عبد الله بن عبد المطلب، وخطب إليه عبد المطلب بن هاشم في مجلسه ذلك بنته هالة بنت وهيب على نفسه، فزوجه إياها، فكان تزوج عبد المطلب بن هاشم وتزوج عبد الله بن عبد المطلب في مجلس واحد، فولدت هالة بنت وهيب لعبد المطلب حمزة بن عبد المطلب، فكان حمزة عم رسول الله ﷺ في النسب وأخاه من الرضاعة (٢).
стр. 4305
٢ - ذكر المرأة التي عرضت نفسها على عبد الله بن عبد المطلب .
قال ابن سعد (١): وقد اختلف علينا فيها فمنهم من يقول كانت قتيلة بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي أخت ورقة بن نوفل، ومنهم من يقول كانت فاطمة بنت مر الخثعمية قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن أخي الزهري، عن عروة. قال: وحدثنا عبيد الله بن محمد بن صفوان، عن أبيه، وحدثنا: إسحاق بن عبيد الله، عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، قالوا جميعا: هي قتيلة بنت نوفل أخت ورقة بن نوفل، وكانت تنظر وتعتاف فمر بها عبد الله بن عبد المطلب فدعته يستبضع منها، ولزمت طرف ثوبه فأبى وقال: حتى آتيك وخرج سريعًا حتى دخل على آمنة بنت وهب فوقع عليها فحملت برسول الله ﷺ ، ثم رجع عبد الله بن عبد المطلب إلى المرأة فوجدها تنظره، فقال: هل لك في الذي عرضت علي فقالت لا مررت وفي وجهك نور ساطع ثم رجعت وليس فيه ذلك النور، وقال بعضهم: قالت: مررت وبين عينيك غرة مثل غرة الفرس ورجعت وليس هي في وجهك.
قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس أن المرأة التي عرضت على عبد الله بن عبد المطلب ما عرضت امرأة من بني أسد بن عبد العزى وهي أخت ورقة بن نوفل.
قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي الفياض الخثعمي، قال: مر عبد الله بن عبد المطلب بامرأة من خثعم يقال لها: فاطمة بنت مر، وكانت من أجمل الناس وأشبه وأعفه، وكانت قد قرأت الكتب، وكان شباب قريش يتحدثون إليها، فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت: يا فتى من أنت؟ فأخبرها قالت: هل لك أن تقع علي وأعطيك مائة من الإبل فنظر إليها وقال:
стр. 4306
أما الحرام فالممات دونه * والحل لا حل فأستبينه* فكيف بالأمر الذي تنوينه؟
ثم مضى إلى امرأته آمنة بنت وهب فكان معها، ثم ذكر الخثعمية وجمالها وما عرضت عليه، فأقبل إليها فلم ير منها من الإقبال عليه آخرًا كما رآه منها أولا، فقال: هل لك فيما قلت لي؟ فقالت: قد كان ذاك مرة، فاليوم لا، فذهبت مثلا، وقالت: أي شيء صنعت بعدي؟ قال: وقعت على زوجتي آمنة بنت وهب قالت: إني والله لست بصاحبة ريبة، ولكني رأيت نور النبوة في وجهك، فأردت أن يكون في وأبى الله إلا أن يجعله حيث جعله.
قال: وأخبرنا وهب بن جرير بن حازم، أخبرنا أبي، قال: سمعت أبا يزيد المدني، قال: نبئت أن عبد الله أبا رسول الله ﷺ أتى على امرأة من خثعم فرأت بين عينيه نورًا ساطعًا إلى السماء، فقالت: هل لك في، قال: نعم حتى أرمي الجمرة، فأنطلق فرمى الجمرة ثم أتى امرأته آمنة بنت وهب ثم ذكر يعني الخثعمية فأتاها، فقالت: هل أتيت امرأة بعدي، قال: نعم امرأتي آمنة بنت وهب، قالت: فلا حاجة لي فيك أنك مررت وبين عينيك نور ساطع إلى السماء، فلما وقعت عليها ذهب، فأخبرها أنها قد حملت خير أهل الأرض. (١)
٣ - تحقيق قول أم النبي ﷺ (ما رأيت من حمل أخف علي منه):
قال ابن إسحاق في سيرته: حدثني جهم بن أبي جهم مولى لامرأة من بني تميم كانت عند الحارث بن حاطب فكان يقال مولى الحارث بن حاطب قال: حدثني من سمع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يقول: حدثت عن حليمة ابنة الحارث أم رسول الله ﷺ التي أرضعته أنها
стр. 4307
قالت: قدمت مكة في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس بها الرضعاء، وفي سنة شهباء فقدمت على أتان لي قمراء كانت أذمت بالركب ومعي صبي لنا وشارف لنا، والله ما ننام ليلنا ذلك أجمع مع صبينا ذاك ما نجد في ثدي ما يغنيه، ولا في شارفنا ما يغذيه، فقدمنا مكة، فوالله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فإذا قيل: إنه يتيم تركناه وقلنا: ماذا عسى أن تصنع لنا أمه؟ إنما نرجو المعروف من أبي الوليد، فأما أمه فما عسى أن تصنع إلينا؟ فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخدت رضيعًا غيري فلما لم أجد غيره قطت لزوجي الحارث بن العزى: والله إني أكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلأخدنه فقال: لا عليك، فذهبت تأخده فوالله ما أخدته إلا أني لم أجد غيره فما هو إلا أن أخدته فجئت به رحلي فأقبل عليه ثديي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب أخوه حتى روي، وقام صاحبي إلى شاتنا تلك؛ فإذا إنها لحافل فحلب ما شرب وشربت حتى روينا فبتنا بخير ليلة فقال صاحبي: يا حليمة والله إني لأراك قد أخدت نسمة مباركة، ألم تري إلى ما بتنا به الليلة من الخير حين أخذناه؟ فلم يزل الله يزيدنا خيرًا حتى خرجنا راجعين إلى بلادنا، فوالله لقطعت أتاني بالركب حتى ما يتعلق بها حمار، حتى أن صواحبي ليقلن: ويلك يا بنت أبي ذؤيب أهذه أتانك التي خرجت عليها معنا؟ فأقول نعم والله إنها لهي، فيقلن: والله إن لها لشأنا؛ حتى قدمنا أرض بني سعد وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها؛ فإن كانت غنمي لتسرح ثم تروح شباعًا لبنًا فنحلب ما شئنا وما حولنا أحد تبض لها شاة بقطرة لبن، وإن أغنامهم لتروح جياعًا حتى أنهم ليقولون لرعيانهم: ويحكم انظروا حيث تسرح غنم أبي ذؤيب فأسرحوا معهم، فيسرحون مع غنمي حيث تسرح فيريحون أغنامهم جياعًا وما فيها قطرة لبن وتروح غنمي شباعًا لبنًا نحلب ما شئنا، فلم يزل الله يرينا البركة ونتعرفها حتى بلغ سنتيه، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان، فوالله ما بلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا، فقدمنا به على أمه ونحن أضن شيء به مما رأينا فيه من البركة، فلما رأته أمه قلنا لها: يا ظئر دعينا نرجع ببنينا هذه السنة الأخرى فإنا نخشى عليه أوباء مكة فوالله ما زلنا بها حتى قالت: فنعم،
стр. 4308
فسرحته معنا فأقمنا به شهرين أو ثلاثة فبينًا نحن خلف بيوتنا وهو مع أخ له من الرضاعة في بهم لنا جاءنا أخوه يشتد فقال: ذاك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بياض فأضجعاه فشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه فنجده قائمًا منتقعًا لونه، فأعتنقه أبوه، وقال: أي بني ما شأنك؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بياض فأضجعاني فشقا بطني ثم استخرجا منه شيئًا فطرحاه ثم رادوا كما كان، فرجعنا به معنا فقال أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب انطلقي بنا فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما يتخوف، قالت: فاحتملناه فلم ترع أمه إلا به قد قدمنا به عليها فقالت: ما ردكما به؟ قد كنتما عليه حريصين، فقلنا: لا والله يا ظئر إلا أن الله قد أدى عنا وقضينا الذي علينا، وقلنا: نخشى الأتلاف والأحداث نرده إلى أهله، فقالت: ما ذلك بكما فأصدقاني شأنكما، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره، فقالت: أخشيتما عليه الشيطان؟ كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، وإنه لكائن لابني هذا شأن ألا أخبركما بخبره؟ قلنا: بلى قالت: حملت به فما حملت حملًا قط أخف منه، فأريت في النوم حين حملت به كأنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام، ثم وقع حين ولدته وقوعًا ما يقعه المولود معتمدًا على يديه، رافعًا رأسه إلى السماء فدعاه عنكما. (١)
الوجه الخامس: ذكر بعض الشهادات من غير المسلمين للنبي ﷺ -.
أولًا: شهادة أبي سفيان له كما سبق من سؤال هرقل:
مع العلم بأن أبا سفيان كان من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ وكان من أحرص الناس
стр. 4309
على إيجاد شيء يقدح به في النبي ﷺ ، ومن أشد ما يقدح المرء ويشينه ويسقطه في أعين أتباعه أن يكون فيه شبهة في نسبه، فلما يجد أبو سفيان شيئًا يقدح به في نسبه، اعترف وأقر ولا يصح إلا الصحيح.
ثانيا: قال ول ديورانت:
لقد كان محمد من أسرة كريمة ممتازة، ولكنه لم يرث منها إلا ثروة متواضعة، فقد ترك له عبد الله خمسة من الإبل، وقطيعًا من العز، وبيتًا، وأمه عنيت بتربيته في طفولته. ولفظ محمد مشتق من الحمد وهو مبالغة فيه، كأنه حمد مرة بعد مرة، ويمكن أن تنطبق عليه بعض فقرات في التوراة تبشر قصة الحضارة، تحت عنوان محمد في مكة.
١ - (مايكل هارت) في كتابه مائة رجل في التاريخ:
ويقول (مايكل هارت) في كتابه (مائة رجل في التاريخ): إن اختياري محمدًا، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي.
فهناك رُسل وأنبياء وحكماء بدأوا رسالات عظيمة؛ ولكنهم ماتوا دون إتمامها، كالمسيح في المسيحية، أو شاركهم فيها غيرهم أو سبقهم إليهم سواهم، كموسى في اليهودية، ولكن محمدًا هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته؛ ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة؛ فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضًا وحّد القبائل في شعب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم، أيضًا في حياته، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، وأتمها.
٢. غوستاف لوبون:
١ - جمع محمد ﷺ قبل وفاته كلمة العرب، وبنى منهم أمة واحدة خاضعة لدين واحد مطيعة لزعيم واحد، فكانت في ذلك آيته الكبرى. ومما لا ريب فيه أن محمدًا ﷺ أصاب في بلاد العرب نتائج لم تصب مثلها جميع الديانات التي ظهرت قبل الإسلام، ومنها
стр. 4310
اليهودية والنصرانية، ولذلك كان فضله على العرب عظيمًا. (١)
٢ - إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد ﷺ من أعظم من عرفهم التاريخ، وقد أخذ علماء الغرب ينصفون محمدًا ﷺ ، مع أن التعصب الديني أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله. . . (٢)
٣ - استطاع محمد ﷺ أن يبدع مثلًا عاليًا قويًا للشعوب العربية التي لا عهد لها بالمثل العليا، وفي ذلك الإبداع تتجلى عظمة محمد ﷺ على الخصوص، ولم يتردد أتباعه في التضحية بأنفسهم في سبيل هذا المثل الأعلى. ." (٣)
٣ - لوقا (٤):
١ - ما كان محمد ﷺ كآحاد الناس في خلاله ومزاياه، وهو الذي اجتمعت له آلاء الرسل، وهمة البطل، فكان حقًّا على المنصف أن يكرم فيه المثل، ويحيّي فيه الرجل. (٥)
٢ - لا تأليه ولا شبهة تأليه في معنى النبوة الإسلامية، وقد درجت شعوب الأرض على تأليه الملوك والأبطال والأجداد، فكان الرسل أيضًا معرضين لمثل ذلك الربط بينهم وبين الألوهية بسبب من الأسباب، فما أقرب الناس لو تركوا لأنفسهم أن يعتقدوا في الرسول أو النبي أنه ليس بشرًا كسائر البشر، وأن له صفة من صفات الألوهية على نحو من الأنحاء. ولذا نجد توكيد هذا التنبيه متواترًا مكررًا في آيات القرآن، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]، وفي تخير كلمة ﴿مِثْلُكُمْ﴾ معنى مقصود به