← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

حادثة صلبه -أو بالأحرى بعد شائعة صلبه- دون أن يعرفاه، لأنه كان متنكرا، حيث لما سألهما عن سبب حزنهما؟ حدّثاه عما حدث لـ: "يسوع الناصري الذي كان إنسانا نبيًّا مقتدرًا في القول والفعل أمام الله وجميع الشعب" (إنجيل لوقا: ٢٤/ ١٣ - ٢٠). (٤) كذلك مرت معنا عبارة القديس بطرس التي جاءت في كلمته التي ألقاها في مجمع التلاميذ والمؤمنين بعد رفع المسيح فكان مما قاله: "أَيُّهَا الرِّجَال الإِسرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذِهِ الأَقْوَال: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ الله بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسْطِكُمْ، كَما أَنْتُمْ أيضًا تَعْلَمُونَ" (أعمال الرسَل: ٣/ ٢٢). (٥) وفي إنجيل يوحنا قصة المرأة السامرية التي آمنت بالمسيح لما أخبرها بالغيب المتعلق بأزواجها السابقين الخمسة! فقالت مندهشةً: "قَالتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: "يَا سَيِّدُ، أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ! . . . وَقَالتْ لِلنَّاسِ: ٢٩ "هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَال لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلعَلَّ هذَا هُوَ المسِيحُ؟ " (يوحنا: ٤/ ١٩ ثم ٢٩). والحاصل أن المسيح ﵇ نفسه كان يؤكد بشريته وإنسانيته، وأنه من نسل البشر، كما أن حوارييه والمؤمنين به من تلاميذه ومعاصريه، كانوا ينظرون إليه على أنه إنسان ابن إنسان، وما كان أحد يعتبره إلهًا ابن إله (١). القسم الثاني عشر: الحواريين وكتاب الأناجيل يعتبرون المسيح ﵇ عبدًا لِله اجتباه الله . واختاره ويعتبرونه بشرًا نبيًّا كموسى ﵇، يرى المسلمون -تبعًا لتعليم كلام الله تعالى في القرآن الكريم- أن عيسى المسيح ﵇ كان عبدَ الله ورسولَه، ولعل بعض عوام النصارى يمجُّ وصف المسيح بـ "العبوديّة" ويرى فيه إنقاصا لقدر المسيح ﵇، لكن الحقيقة التي قد يندهش لها المسلم قبل النصراني العامي، أن هذا الوصف بعينه، أعني وصف المسيح بالعبودية لله، جاء في متن الأناجيل، بل في متن التوراة والزبور، أي في تلك

стр. 457

البشارات التي كان كتَّاب الأناجيل والحواريون يستشهدون بها على أن المقصود بها المسيح ﵇، وفيما يلي الشواهد على ذلك: (١) يقول متَّى -وهو أحد الحواريين الاثني عشر- في إنجيله (١٢/ ١٤ - ٢٠): "فَلَمّا خَرَجَ الْفَرِّيسِيُّونَ تَشَاوَرُوا عَلَيْهِ لِكَيْ يُهْلِكُوهُ، فَعَلِمَ يَسُوعُ وَانْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ. وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَة فَشَفَاهُمْ جَمِيعًا. وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لَا يُظْهِرُوهُ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: "هُوَذَا فَتَايَ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، حَبِيبِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. أَضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْبِرُ الأُمَمَ بِالْحَقِّ. لَا يُخَاصِمُ وَلَا يَصِيحُ، وَلَا يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لَا يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لَا يُطْفِئُ، حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النُّصْرَةِ." ففي هذا النص يستشهد كاتب الإنجيل الأول القديس متى الحواري، وهو من الحواريين الاثني عشر ومن أوائل المؤمنين بالمسيح ﵇، ببشارة وردت في سفر إشعيا من العهد القديم، على أنها تتكلم عن المسيح ﵇، وهذه البشارة تبتدأ بإعلان عبودية المسيح لله ، وذلك حين تقول: "هو ذا فتاي الذي اخترته"، إذ كلمة فتاي مرادف لكلمة عبدي أو غلامي، وللتأكد من ذلك ما علينا إلا أن نرجع إلى سفر إشعيا نفسه الذي وردت فيه تلك البشارة حيث نجد البشارة في الإصحاح الثاني والأربعين منه كما يلي: "هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ. ٢ لَا يَصِيحُ وَلَا يَرْفَعُ وَلَا يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ. ٣ قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لَا يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لَا يُطْفِئُ. إِلَى الأَمَانِ يُخْرِجُ الْحَقَّ. ٤ لَا يَكِلُّ وَلَا يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الْحَقَّ فِي الأَرْضِ، وَتَنتظِرُ الجْزَائِرُ شَرِيعَتَهُ" (إشعيا: ٤٢/ ١ - ٤). ولذلك في الترجمة الأخرى الجديدة للعهد الجديد التي قامت بها الرهبانية اليسوعية (الكاثوليكية) في بيروت (١٩٨٩ م) استُخْدِمَت لفظة "عبدي" عند ذكر كلام متى واستشهاده بالبشارة المذكورة. والحاصل أن تطبيق متى الحواري تلك البشارة على عيسى ﵇ يبين أن متى كان يرى

стр. 458

في عيسى: "عبد الله، الذي اختاره الله تعالى واجتباه وأوحى إليه بواسطة جبريل وبعثه بالحق للأمم. . ." تماما كما هو التصور الإسلامي للمسيح ﵇، أي لم يكن متى يرى في المسيح إلهًا متجسدًا ولا ربًا معبودا! . (٢) يذكر القديس لوقا، كاتب الإنجيل الثالث ومؤلف سفر "أعمال الرسل" (١٢)، في أعمال الرسل: أن القديس فيليبس (أحد المعاونين السبعة الذين اختارهم الحواريون لمعاونتهم في خدمة المائدة وتقسيم الأرزاق اليومية، لأنهم وجدوهم مملوئين من الروح القدس والحكمة)، لما سأله العبد الحبشي الخصي عن الشخص المراد بالآيات التي كان يتلوها من سفر النبي إشعيا ﵇ والتي تقول: "كخروف سيق إلى الذبح. وكحملٍ صامتٍ بين يدي من يجزُّه. هكذا لا يفتح فاه. في ذلِّهِ ألغي الحكم عليه. ترى من يصف ذريته؟ . لأن حياته أزيلت عن الأرض"، أجابه القديس فيليبس أن هذه الآيات تشير إلى يسوع وأخذ يشرح له ذلك، فآمن الرجل وطلب من فيليبس أن يعمده فعمده. من هذه القصة يتبين أن كلًا من لوقا كاتب أعمال الرسل والقديس فيليبس كانا يريان أن تلك البشارة في كلام إشعيا إنما تنطبق على المسيح وتشير إليه، وهو أمر أصبح فيما بعد من المسلمات لدى آباء الكنيسة. فإذا رجعنا إلى أصل هذه البشارة كما جاءت في سفر النبي إشعيا ﵇ وجدناها بشارة مطولة تبدأ هكذا: "هو ذا عبدي يعقل، يتعالى، ويرتقي، ويتسامى جدا. . (إلى أن قال) ظُلِمَ أما هو فتذلل ولم يفتح فاه، كشاةٍ تُساق إلى الذبح. . . (إلى قوله) وعبدي البار بمعرفته يبرِّر كثيرين وآثامهم هو يحملها، لذلك أَقسم له بين الأعزاء، ومع العظماء يقسم غنيمة، من أجل أنه سكب للموت نفسه وأُحْصي مع أثمة وهو حَمَلَ خطيَّة كثيرين وشفع في المذنبين" (إشعيا: ٥٣/ ١ ثم ٧ ثم ١١ - ١٢). وعليه فإن لوقا وفيليبس اللذين طبقا هذه البشارة على المسيح، كانا يريان فيه: عبدًا للَّهِ تعالى تسامى وارتقى بعظيم تضحيته، وعبد الله البار، الذي ﵁ لأجل تضحيته فجعله معَ أعزائه وقسم له مقاما بين عظمائه. لذا لا نعجب إذا رأينا لوقا -في كتابه أعمال الرسل- يطلِق على المسيح مرارا لقب

стр. 459

"عبد الله" (١٤) كما نجد ذلك في أعمال الرسل: ٣/ ١٣ و ٢٦، و ٤/ ٢٧ و ٣٠. هذا ومن الجدير بالذكر أن لوقا وفيليبس ليسا الوحيدين اللذين ذكرا أن تلك البشارة تشير للمسيح، بل شاركهما في ذلك أيضًا متى في إنجيله (٨/ ١٧). (٣) وفي سفر أعمال الرسل أيضًا (٣/ ١٢ - ٢٦) ينقل لوقا الخطبة التي ألقاها القديس والحواري بطرس أمام الشعب الإسرائيلي فيقول: "فَلَمَّا رَأَى بُطْرُسُ ذلِكَ أَجَابَ الشَّعْبَ: "أَيُّهَا الرِّجَال الإِسْرَائِيلِيُّونَ، مَا بَالكُمْ تَتَعَجَّبُونَ مِنْ هذَا؟ وَلمِاذَا تَشْخَصُونَ إِلَيْنَا، كَأنَّنَا بِقُوَّتِنَا أَوْ تَقْوَانَا قَدْ جَعَلْنَا هذَا يَمْشِي؟ إِنَّ إِلهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، إِلهَ آبَائِنَا، مَجَّدَ فَتَاهُ يَسُوعَ، الَّذِي أَسْلَمْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَأنْكَرْتُمُوهُ أَمَامَ وَجْهِ بِيلَاطُسَ، وَهُوَ حَاكِمٌ بِإِطْلَاقِهِ. وَلكِنْ أَنْتُمْ أنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ. وَرَئِيسُ الحيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ، الَّذِي أَقَامَهُ الله مِنَ الأَمْوَاتِ، وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذلِكَ. وَبِالإِيمَانِ بِاسْمِهِ، شَدَّدَ اسْمُهُ هذَا الَّذِي تَنْظُرُونَهُ وَتَعْرِفُونَهُ، وَالإِيمَانُ الَّذِي بِوَاسِطَتِهِ أَعْطَاهُ هذ الصِّحَّةَ أَمَامَ جَمِيعِكُمْ. وَالآنَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ بِجَهَالةٍ عَمِلْتُمْ، كَمَا رُؤَسَاؤُكُمْ أيضًا. وَأَمَّا الله فَمَا سَبَقَ وَأنبَأَ بِهِ بِأَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ، أَنْ يَتَأَلَّمَ الْمسِيحُ، قَدْ تمَّمَهُ هكَذَا. فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ. وَيُرْسِلَ يَسُوعَ الْمسِيحَ المُبَشَّرَ بِهِ لَكُمْ قَبْلُ. الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ السَّمَاءَ تَقْبَلُهُ، إِلَى أَزْمنَةِ رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ، الَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا الله بِفَمِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ. فَإِنَّ مُوسَى قَال لِلآبَاءِ: إِنَّ نَبِيًّا مِثلي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ فِي كُلِّ مَا يُكَلِّمُكُمْ بِهِ. وَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ لَا تَسْمَعُ لِذلِكَ النَّبِيِّ تُبَادُ مِنَ الشَّعْبِ. وَجَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ أيضًا مِنْ صَمُوئِيلَ فَمَا بَعْدَهُ، جَمِيعُ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا، سَبَقُوا وَأَنْبَأُوا بِهذ الأَيَّامِ. أَنْتُمْ أَبْنَاءُ الأَنْبِيَاءِ، وَالْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدَ بِهِ الله آبَاءَنَا قَائِلًا لإِبْراهِيمَ: وَبِنَسْلِكَ تَتبَارَكُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ. إِلَيْكُمْ أَوَّلًا، إِذْ أَقَامَ الله فتَاهُ يَسُوعَ، أَرْسَلَهُ يُبَارِكُكُمْ بِرَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَنْ شُرُورِهِ". من هذا النص أيضًا يتبين أن عقيدة القديس بطرس -الذي كان من أقرب الحواريين

стр. 460

للمسيح- بالمسيح ﵇ لم تتجاوز كونه عبد الله، وكونه نبيا كموسى ﵇، حيث استشهد بطرس ببشارة واردة في التوراة يقول فيها الله تعالى لموسى أن يقول لبني إسرائيل: "إِنَّ نَبِيًّا مِثلي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ" فاعتبر البشارة متعلقة بالمسيح، مما يعني كون المسيح ﵇ في اعتقاده نبيًّا مثل موسى ﵇، والمثلية هذه تؤكد كون عيسى عبدًا رسولًا وبشرًا نبيًّا كما كان موسى عبدًا رسولًا وبشرًا نبيًّا. القسم الثالث عشر وهو معضد لما سبق: نصوص تثبت أن أم عيسى وأصحابه لا يعلمون المعتقد، فكيف عرفه من لم يره ؟ ! مما يدل على أن الفكرة لا علاقة لها بالمسيح ولا أتباعه، بل هي من مخترعات لاحقة لذلك العهد، وذلك يكفي للإعلان عن بطلانها. وفي ذلك نصوص كثيرة منها: ١ - عدم معرفة أمه العذراء البتول بألوهيته: إذ لما كان المسيح راجعا مع والدته ويوسف النجار حصل ما يدل على جهل والدته بمقامه، فإن جهلت والدته الطاهرة ألوهيته، فمن ذا الذي يعلمها، فقد جاء في لوقا: "وَبَعْدَمَا أَكْمَلُوا الأَيَّامَ بَقِيَ عِنْدَ رُجُوعِهِمَا الصَّبِيُّ يَسُوعُ فِي أُورُشَلِيمَ، وَيُوسُفُ وَأُمُّهُ لَمْ يَعْلَمَا. ٤٤ وَإِذْ ظَنَّاهُ بَيْنَ الرُّفْقَةِ، ذَهَبَا مَسِيرَةَ يَوْمٍ، وَكَانَا يَطْلُبَانِهِ بَيْنَ الأَقْرِبَاءِ وَالْمَعَارِفِ. ٤٥ وَلمَّا لَمْ يَجِدَاهُ رَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ يَطْلُبَانِهِ. ٤٦ وَبَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَجَدَاهُ فِي الهيْكَلِ، جَالِسًا فِي وَسْطِ المُعَلِّمِينَ، يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلهُمْ. . . يَا بُنَيَّ، لمِاذَا فَعَلْتَ بِنَا هكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ! " (لوقا ٢/ ٤١ - ٤٨)، فلو كانت مريم تعلم أن ابنها هو الله أو ابنه لما كان لهذا الخوف على المسيح أي معنى. ٢ - ويجيب المسيح سؤال أمه ويوسف النجار بقوله: "لِمَاذَا كُنْتُما تَطْلُبَانِنِي؟ أَلمْ تَعْلَمَا أنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي؟ "، فهل فهمت البتول وزوجها من جوابه بأنه يتحدث عن ألوهيته وبنوته الحقيقية للآب؟ بالطبع: لا فهما لا يعرفان شيئًا عن هذا المعتقد الغريب. يقول لوقا: "فَلَمْ يَفْهَمَا الْكَلَامَ الَّذِي قَالهُ لهُمَا" (لوقا ٢/ ٥٠). ٣ - وفي مرة أخرى سمعت مريم البتول ورأت فرح سمعان الأورشليمي وهو يحمل

стр. 461

وليدها، ويحمد الله على أن عينيه قد اكتحلتا برؤية المعزي الخلص، لكنها والنجار لم تفهمان ما يقوله، فاكتفيا بعلامات العجب وأمارات الاستغراب، يقول لوقا: "وَكَانَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ يَتَعَجَّبَانِ مِمَّا قِيلَ فِيهِ" (لوقا ٢/ ٣٣). ٤ - ويذكر يوحنا أن المسيح لما صلب ذهبت والدته لتذرف عليه الدمع. (انظر يوحنا ١٩/ ٢٥)، أفلم تكن تعلم حين ذاك أن ولدها هو الله أو ابنه، وأن الموت لا يضيره؟ ٥ - وسمعان الصفا (بطرس)، أقرب التلاميذ إلى المسيح يقول وهو ممتلئ من الروح القدس: "أَيُّهَا الرِّجَال الإِسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذ الأَقْوَال: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسْطِكُمْ، كَما أَنْتُمْ أيضًا تَعْلَمُونَ. ٢٣ هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ الله الْمحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي آثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ" (أعمال الرسل ٢/ ٢٢)، فَلم يشر في خطبته المهمة -التي كان فيها مؤيدا من الروح القدس- إلى شيء من الألوهية للمسيح، ولم يتحدث عن الناسوت المتأله ولا الإله المتجسد. ٦ - ولما عرض المسيح -متنكرًا بعد الصلب المزعوم: لرجلين من أصحابه قد حزنا بسبب ما تردد عن صلبه، سألهما عن سبب حزنهما فقالا: "يَسُوعَ النَّاصِرِيّ، الَّذِي كَانَ إِنْسَانًا نَبِيًّا مُقْتَدِرًا فِي الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ أَمَامَ اللهِ وَجَمِيعِ الشَّعْبِ. ٢٠ كيْفَ أَسْلَمَهُ رُؤَسَاءُ الْكَهَنةِ وَحُكَّامُنَا لِقَضَاءِ الْموْتِ وَصَلَبُوهُ. ٢١ وَنَحْنُ كُنَّا نَرْجُو أنَّهُ هُوَ المُزْمِعُ أَنْ يَفْدِيَ إِسْرَائِيلَ." (لوقا ٢٤/ ١٩ - ٢١)، فليس في قولهما حديث عن ناسوت مقتول، ولا عن لاهوت متجسد نجا من الموت، إن غاية ما كانوا يرقبونه فيه، أن يكون مخلص إسرائيل، أي المسيح المنتظر الذي بشرت به الأنبياء. يقول القس إبراهيم سعيد عن هذين التلميذين: "إلى الآن لم يؤمنا بلاهوته. . لكننا لا ننكر عليهما أنهما كانا مؤمنين بنبوته" (١). ٧ - وأيضًا عجب منه تلاميذه لما رأوا بعض معجزاته، ولو كانوا يرونه إلها لما كان في

стр. 462

معجزاته أي عجب، فقد مر يسوع ﵇ بالشجرة وقد جاع، فقصدها، فلم يجد فيها سوى الورق. فقال: لا يخرج منك ثمرة إلى الأبد، فيبست الشجرة لوقتها، فتعجب التلاميذ" فَقَال لهَا: "لَا يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ! ". فَيَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الحالِ. فَلمَّا رَأَى التَّلَامِيذُ ذلِكَ تَعَجَّبُوا قَائِلِينَ: "كَيْفَ يَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الحَالِ؟ " (متى ٢١/ ١٨ - ٢٢). فدل عجبهم على أنهم كانوا لا يدركون شيئًا مما تعتقده النصارى اليوم من ألوهية المسيح، وإلا فإن إيباس الإله للشجرة ليس فيه ما يدعو لأي عجب. ٨ - وهذا يوحنا المعمدان (يحيى) ﵇ الذي لم تقم النساء عن مثله. (انظر متى ١١/ ١١)، يرسل إلى المسيح رسلًا بعد أن عمده ليسألوه "أَمَّا يُوحَنَّا فَلَمَّا سَمِعَ فِي السِّجْنِ بِأَعمالِ المسِيحِ، أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلَامِيذِهِ، ٣ وَقَال لَهُ: "أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟ " ٤ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَال لهُمَا: "اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بَما تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: ٥ الْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالموْتَى يَقُومُونَ، وَالْمسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ. ٦ وَطُوبَى لمِنْ لَا يَعْثُرُ فِيَّ"." (متى ١١/ ٣ - ٦). فيحيى المعمداني ﵇ مع جلالة أمره لم يظن في المسيح أنه أكثر من النبي المنتظر الذي كانت تنتظره بنو إسرائيل. ٩ - ولما جاءته المرأة السامرية ورأت قدراته وأعاجيبه: "قَالتْ لَهُ الْمرْأَةُ: "يَا سَيِّدُ، أَرَى أنَّكَ نَبِيٌّ! " (يوحنا ٤/ ١٩)، وما زادت على ذلك، فما وبخها ولا صحح لها معتقدها، فكان هذا معتقدًا يعتقده عامة الناس كما اعتقده تلاميذ المسيح وحواريوه. ١٠ - وهو ما قاله عنه الأعمى الذي شفاه المسيح ورأى برهان الله على نبوة هذا المبارك "فَقَالوا لَهُ: "كَيْفَ انْفَتَحَتْ عَيْنَاكَ؟ " ١١ أَجَابَ ذَاكَ وقَال: إِنْسَانٌ يُقَال لَهُ يَسُوعُ" (يوحنا ٩/ ١٠ - ١١)، لكن النصارى اعتقدوا في هذه الحادثة ما لم يعتقده ذاك الذي شفاه المسيح، والذي شهد له بالإنسانية فحسب. ١١ - وكذا الجموع التي رأته كثيرًا في أورشليم، وخرجت لاستقباله لما دخل أورشليم دخول الأبطال، هذه الجموع كانت تعتقد بشريته ونبوته "فقالت الجموع: هذا يسوع

стр. 463

النبي" (متى ٢١/ ١١). ١٢ - وها هم أعداؤه ﵇ من اليهود يلاحقونه، ويطلبون منه آية، فأخبرهم بأنه لن تأتيهم سوى آية يونان النبي (يونس) ﵇ "حِينَئِذٍ أَجَابَ قَوْمٌ مِنَ الْكَتبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ قَائِلِينَ: "يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْكَ آيَةً". ٣٩ فَأَجابَ وَقَال لهُمْ: "جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلَا تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلَّا آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ" (متى ١٢/ ٣٨ - ٣٩). واليهود، لا ريب أنهم يبحثون عن آية تدل على نبوته التي يدعوهم إلى الإيمان بها، ولو كان ما يدعو إليه الألوهية لما رضوا منه بمثل آية يونان، بل ولطالبوه بآيات أعظم من آية يونان، وغيره من الأنبياء. ١٣ - وفيما أحد الفريسيين يرقب المسيح متشككًا بنبوته تقدمت إليه امرأة خاطئة باكية تمسح رجليه بشعرها، تقبلهما وتدهنهما بالطيب، "فلما رأى الفريسي الذي دعاه ذلك، تكلم في نفسه قائلًا: لو كان هذا نبيًّا لعلم من هذه المرأة التي تلمسه؟ وما هي؟ إنها خاطئة" (لوقا ٧/ ٣٩). لقد استنكر في نفسه نبوة -لا ألوهية- هذا الذي يجهل حال الخاطئة، مما يؤكد أن دعواه ﵇ بينهم إنما كانت النبوة فحسب. ١٤ - ولما أراد اليهود قتله، كانت جريمته عندهم دعواه النبوة، لا الربوبية، فقد قالوا لنيقوديموس: "ألعلك أنت أيضًا من الجليل؟ فتّش وانظر. إنه لم يقم نبي من الجليل" (يوحنا ٧/ ٥٢)، إنهم يكذبونه في دعواه النبوة، وهو من الجليل التي لم يسبق أن أتى منها نبي. ١٥ - والشيطان أيضًا لم ير في المسيح أكثر من كونه بشرًا، فاجترأ عليه محاولًا غوايته، لذلك فقد حصره في الجبل أربعين يومًا من غير طعام ولا شراب، وهو في ذلك يمتحنه ويمنيه بإعطائه الدنيا في مقابل سجدة واحدة له" ٨ ثُمَّ أَخَذَهُ أيضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالمِ وَمَجْدَهَا، ٩ وَقَال لَهُ: "أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي". ١٠ حِينَئِذٍ قَال لَهُ يَسُوعُ: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ"." (متى ٤/ ٩ - ١٠)، فهل كان الشيطان يعِد الرب العظيم -مالك كل شيء وواهبه- بالدنيا؟ ! ! .

стр. 464

١٦ - ثم إن كان المسيح إلهًا متجسدًا فكيف نفهم تبريرًا لخيانة يهوذا؟ وهل يخان الإله؟ وكيف نفهم بطرس إنكار بطرس له ثلاث مرات ولعنه في الليلة التي أراد اليهود القبض فيها على المسيح؟ بل إن كل ما قيل في سيرة المسيح يصعب فهمه مع القول بألوهيته، ويترك علامات استفهام لا إجابة عنها. (١٧) فما إنجيل متى (٢١/ ١٠ - ١١) قول المؤمنين بالمسيح ﵇ لدى استقبالهم له عند دخوله بيت المقدس: "مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي! ". ١٠ وَلمَّا دَخَلَ أُورُشَلِيمَ ارْتَجَّتِ المدِينَةُ كُلُّهَا قَائِلَةً: "مَنْ هذَا؟ " فَقَالتِ الجُمُوعُ: "هذَا يَسُوعُ النَّبِيُّ الَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ الْجلِيلِ". (١٨) وفي إنجيل يوحنا (٤/ ١٩): عن المرأة التي دهشت لما أخبرها المسيح، الذي لم يكن يعرفها من قبل، عن أزواجها الخمسة السابقين! أنها قالت: "يا سيّد! أرى أنك نبيّ. .". القسم الرابع عشر: نصوص تثبت الحمل بالمسيح ثم ولادته ثم نموه التدريجي جسمًا وعقلًا: وتثبت له كل أعراض الطبيعة البشرية من الجوع والعطش والتعب والنوم والخوف والاضطراب والألم بل الموت مما يتنزه عنه الباري . ولقد درس المحققون سيرة المسيح ﵇ -كما عرضتها الأناجيل- منذ بشارة أمه إلى حمله، وولادته في المزود، ثم لفه بالخرق، ثم ختانه، ومن ثم نشأته، وتعليمه مع الصبيان، ثم تعميده على يد المعمدان إلى أن ذكروا نهايته المزعومة على الصليب بعد أن جزع، وتذلل لله ليصرف عنه هذا الأمر، فوجدوا أن المسيح لا يفرق في شيء عن سائر الناس، فقد ولد وكبر، وأكل وشرب، ومات. فما الذي يميزه بالألوهية عن غيره؟ (١) فقد ولد من فرج امرأة متلبطًا بدمها "وبينما هما هناك تمت أيامها لتلد" (لوقا ٦/ ٢). (٢) ونشأ جنينًا في رحم أمه مريم ﵍ التي تحمل به مدة الحمل كاملًا ثم تضعه: "فَصَعِدَ يُوسُفُ أيضًا مِنَ الْجَلِيلِ مِنْ مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ الَّتِي تُدْعَى بَيْتَ لحْمٍ، لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ وَعَشِيَرتهِ، لِيُكْتَتَبَ مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ المُخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى. ٦ وَبَيْنَمَا هُمَا هُنَاكَ تمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ. فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ وَقَمَّطَتْهُ وَأَضْجَعَتْهُ فِي

стр. 465

المِذْوَدِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لهما مَوْضِعٌ فِي المُنْزِلِ." (لوقا: ٢/ ٤ - ٧). (٣) ورضع من ثدييها "وفيما هو يتكلم بهذا رفعت امرأة صوتها من الجمع وقالت له: طوبى للبطن الذي حملك، والثديين اللذين رضعتهما" (لوقا ٢٧/ ١١). (٤) المسيح ﵇ يُختن عندما يبلغ ثمانية أيام: "وَلمَّا تَمَّتْ ثَمانِيَةُ أَيَّامٍ لِيَخْتِنُوا الصَّبِيَّ سُمِّيَ يَسُوعَ، كَمَا تَسَمَّى مِنَ المُلَاكِ قَبْلَ أَنْ حُبِلَ بِهِ فِي الْبَطْنِ" لوقا: ٢/ ٢١. (٥) وقد عمده يوحنا المعمدان ﵇ في نهر الأردن "جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه" (متى ١٣/ ٣)، أفجهل المعمدان أنه يعمد الإله؟ ومن المعلوم أن معمودية المعمدان غفران الذنوب، كما في متى: "واعتمدوا منه في الأردن معترفين بخطاياهم. . أنا أعمدكم بماء للتوبة. . . حينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه" (متى ٣/ ٦ - ١٤)، فهل كان الإله مذنبًا يبحث عمن يغفر له ذنوبه؟ ! (٦) كما تعرض لمكايد أعدائه فقد حاول الشيطان أن يغويه، فلم يقدر "قال له: أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي، حينئذ قال له يسوع: اذهب يا شيطان" (متى ٤/ ٩ - ١٠). (٧) المسيح ﵇ ينمو تدريجيًا جسمًا وعلمًا: "وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الحكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ الله وَالنَّاسِ" (لوقا: ٢/ ٥٢). قلت: قوله "يتقدّم في الحكمة" دليل واضح على عدم ألوهية المسيح، إذ لو كان المسيح إلها متجسدًا لكان محيطا، قبل وبعد تجسده المزعوم في رحم العذراء، بكل المعلومات وبالحكمة المطلقة ولما احتاج أن يتقدم فيها! وثمة فائدة أخرى في هذا النص يجدر التنبيه إليها، وهي أن العلم ومعرفة الحكمة ليست من الأمور الجسدية حتى يُقال أن المسيح إنما تدرج فيهما بحسب ناسوته! بل من صفات الروح، مما يؤكد بشرية المسيح المحضة روحًا وجسدًا وقلبًا وقالبًا. (٨) المسيح ﵇ يجوع: ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ ليُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيرًا" (متى: ٤/ ١ - ٢) "وبحث عن طعام يأكله" وفي الصبح إذ كان راجعا إلى المدينة جاع" (متى ١٨/ ٢١). وقد أكل وشرب، فسد جوعته، وروى ظمأه "فناولوه

стр. 466

جزءًا من سمك مشوي وشيئا من شهد عسل، فأخذ وأكل قدامهم" (لوقا ٢٤/ ٤٢ - ٤٣) "وِفي الصُّبْحِ إِذْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى الْمدِينَةِ جَاعَ، فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ عَلَى الطَّرِيقِ، وَجَاءَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا وَرَقًا فَقَطْ. فَقَال لَهَا: "لَا يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ! " متى: ٢١/ ١٩: ١٨. (٩) المسيح ﵇ يعطش: "بَعْدَ هذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ، فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَال: "أَنَا عَطْشَانُ" (يوحنا: ١٩/ ٢٨). (١٠) المسيح ﵇ يتعب: "وَكَانَتْ هُنَاكَ بِئْرُ يَعْقُوبَ. فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ، جَلَسَ هكَذَا عَلَى الْبِئْرِ، وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ." (يوحنا: ٤/ ٦). واحتاج إلى حمار يركبه، فأرسل تلاميذه طالبًا منهم إحضار الحمار لأن "الرب محتاج إليه" (مرقس ١١/ ٣). (١١) المسيح ﵇ ينام: "وكان هو في المؤخر على وسادة نائمًا. فأيقظوه وقالوا له: يا معلم أما يهمك أننا نهلك؟ " (مرقس: ٤/ ٣). والنوم من أحوال، وعوارض البشرية "وكان هو نائما" (متى ٢٤/ ٨). (١٢) المسيح ﵇ يكثر الأكل والشرب: "جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، فتقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ، مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ." (لوقا: ٧/ ٣٤). (١٣) المسيح ﵇ يبكي: "قَالوا لَهُ: "يَا سَيِّدُ، تَعَال وَانْظُرْ". ٣٥ بَكَى يَسُوعُ. ٣٦ فَقَال الْيَهُودُ: "انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ يُحِبُّهُ! " يوحنا: ١١/ ٣٤ - ٣٦. واكتئب المسيح ﵇ لما أصابه "وابتدأ يدهش ويكتئب" (مرقس ١٤/ ٣٣)، وأحيانا كان يجتمع عليه الحزن والاكتئاب "وابتدأ يحزن ويكتئب" (متى ٢٦/ ٣٧). (١٤) المسيح ﵇ يضطرب ويرتعد نفسيًّا: "فَلَمَّا رَآهَا يَسُوعُ تَبْكِي، وَالْيَهُودُ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَهَا يَبْكُونَ، انْزَعَجَ بِالرُّوحِ وَاضْطَرَبَ، ٣٤ وَقَال: "أَيْنَ وَضَعْتُمُوهُ؟ " (يوحنا: ١١/ ٣٣ - ٣٤). "لمَّا قَال يَسُوعُ هذَا اضْطَرَبَ بِالرُّوحِ، وَشَهِدَ وَقَال: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي! " (يوحنا: ١٣/ ٢١). (١٥) والمسيح ﵇ يحزن بشدة ويكتئب حتى الموت: "حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ يَسُوعُ إِلَى

стр. 467

ضَيْعَةٍ يُقَال لَهَا جَثْسَيْمَانِي، فَقَال لِلتَّلَامِيذِ: "اجْلِسُوا ههُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ". ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي، وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ. فَقَال لَهُمْ: "نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الموْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي" (متى: ٢٦/ ٣٦ - ٣٨). (١٦) المسيح ﵇ يكتم حقيقة أمره في أول الدعوة: خوفًا من شر اليهود، ويأمر أتباعه أيضًا أن لا يُظهِروا أمره، بل يكتموا إيمانهم ويكتموا المعجزات التي يرونها اتقاءً من شر اليهود، كما أن المسيح نفسه يفر من اليهود ويتوارى عن أنظارهم هربا من شرّهم: أ- "وَلمَّا نَزَلَ مِنَ الجبَلِ تَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ. وَإِذَا أَبْرَصُ قَدْ جَاءَ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلًا: "يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي". فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَلمَسَهُ قَائِلَا: "أُرِيدُ، فَاطْهُرْ! ". وَللْوَقْتِ طَهُرَ بَرَصُهُ. فَقَال لَهُ يَسُوعُ: "انْظُرْ أَنْ لَا تَقُولَ لأَحَدٍ. بَلِ اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ، وَقَدِّمِ الْقُرْبَانَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهَادَةً لهُمْ" (متى: ٨/ ١ - ٤)، ومثله في (مرقس: ١/ ٤٠ - ٤٤). ب- "وَالأَرْوَاحُ النَّجِسَةُ حِينَمَا نَظَرَتْهُ خَرَّتْ لَهُ وَصَرَخَتْ قَائِلَةً: "إِنَّكَ أَنْتَ ابْنُ الله! ". وَأَوْصَاهُمْ كَثِيرًا أَنْ لَا يُظْهِرُوهُ." (مرقس: ٣/ ١١ - ١٢). ج- فَقَال (يسوع) لَهُمْ: "وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ أَنِّي أَنَا؟ " فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَال: "مَسِيحُ الله! ". فَانْتَهَرَهُمْ وَأَوْصَى أَنْ لَا يَقُولُوا ذلِكَ لأَحَدٍ" (لوقا: ٩/ ٢٠ - ٢١). د- "وَكَانَ يَسُوعُ يَتَرَدَّدُ بَعْدَ هذَا فِي الجلِيلِ، لأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَرَدَّدَ فِي الْيَهُودِيَّةِ لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ." (يوحنا: ٧/ ١). قلت: ومن البديهي أنه لو كان إلها؛ لما خاف من أحد ولوجَّه أبصار وأذهان اليهود بعيدًا عنه، ولما احتاج للتواري عن أنظارهم. (١٧) وتعرض للطم والشتم "ولما قال هذا، لطم يسوع واحد من الخدام كان واقفا" (يوحنا ٢٢/ ١٨)، فلم يستطع أن يدفع عن نفسه إلا بالكلام، لأنه كان موثقا "قبضوا على يسوع وأوثقوه" (يوحنا ٨/ ١٢). (١٨) بل وتزعم الأناجيل أنه مات، فهل الرب يموت؟ "فصرخ يسوع بصوت عظيم، وأسلم الروح" (مرقس ١٥/ ٣٧). ولا يجد الأسقف ترتليان (ق ٣) ما يدفع به هذه

стр. 468

القاصمة إلا أن يقول: "لقد مات ابن الله! ذلك شيء غير معقول، لا لشيء، إلا لأنه مما لا يقبله العقل، وقد دفن من بين الموتى، وذلك أمر محقق، لأنه مستحيل (١)، ومع ذلك يؤمن به ترتليان والنصارى من بعده. (١٩) وأخيرًا، فإن مما يؤكد بشرية المسيح ما أخبر من أنه ﵇ سيدخل الجنة التي وعدها الله عباده المؤمنين، ومنهم المسيح وتلاميذه، وأنه سيشرب في اليوم الآخر ويأكل معهم، حيث قال: "في بيت أبي منازل كثيرة. . . أنا أمضي لأعد لكم مكانًا. . . . حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا" (يوحنا ١٤/ ٢ - ٣)، وقال: "إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم، حينما أشربه معكم جديدًا في ملكوت أبي" (متى ٢٦/ ٢٩). وجماع هذا كله قوله ﵇ عن نفسه: "وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله" (يوحنا ٨/ ٤٠)، أفلا نقبل شهادته ﵇ عن نفسه؟ ! فلو كان إلهًا لما صح منه أن يعمي علينا هذه الحقيقة بمثل هذا القول الصريح الدال على إنسانيته. وحين يصر النصارى على القول بألوهيته؛ فإنهم يضربون بعرض الحافط قول المسيح وتلاميذه، ويتنكرون بذلك لكل هذه النصوص التي لم تتحدث أبدا عن إله متجسد، ولا عن ناسوت حل به الله. وبذا يكون النصارى قد وقعوا فيما حذر منه مقدسهم بولس الذي تبرأ منهم ومن صنيعهم، حيث قال: "لأَنَّهُمْ لمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. ٢٢ وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَماءُ صَارُوا جُهَلَاءَ، ٢٣ وَأَبْدَلُوا مَجْدَ الله الَّذِي لَا يَفْنَى بِشِبْهِ صُور الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَاتِ. ٢٤ لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أيضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ، لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتهِمِ. ٢٥ الَّذِينَ اسْتبْدَلُوا حَقَّ الله بِالْكَذِبِ، وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا المخْلُوقَ دُونَ الخالِقِ، الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ." (رومية ١/ ٢١ - ٢٥). الوجه الخامس: الأدلة على بطلان ألوهية المسيح ﵇ من رسائل بولس . (٢)

стр. 469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 470

القسم الأول: أقاويل بولس الصريحة في نفي إلاهية المسيح، وإفراد الله تعالى وحد بالألوهية . أولًا: أقوال بولس في توحيد الذات الإليهة، وإفراد الله تعالى بالإلهية والربوبية والخالقية والقدرة المستقلةـ: ١ - يقول بولس في رسالته الأولى إلى أهل قورنتس (وفي الطبعات البروتستانتية تسمى كورنثوس) (٨/ ٤ - ٦): "فَمِنْ جِهَةِ أَكْلِ مَا ذُبِحَ لِلأَوْثَانِ: نَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ وَثَنٌ فِي الْعَالمِ، وَأَنْ لَيْسَ إِلهٌ آخَرُ إِلَّا وَاحِدًا. لأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ مَا يُسَمَّى آلِهَةً، سوَاءٌ كَانَ فِي السَّمَاءِ أَوْ عَلَى الأَرْضِ، كَمَا يُوجَدُ آلِهَةٌ كَثيرُونَ وَأَرْبَابٌ كَثِيرُونَ. ٦ لكِنْ لنَا إِلهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ المُسِيحُ، الَّذِي بِهِ جميعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ بِهِ. ورب واحد وهو يسوع، به كل شيء وبه نحن أيضًا". قلت: فهذا النص صريح في انحصار الإلهية بالله الآب وحده. ٢ - ويقول بولس في رسالته إلى أهل أفسس (٤/ ٥ - ٦): "رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، ٦ إِلهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ."

стр. 471

٣ - ويقول بولس في رسالته الأولى إلى طيموتاوس (٢/ ٥): "لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ الله وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ المسِيحُ". قلت: وهذه الجملة غاية في الصراحة والوضوح في إفراد الله تعالى بالألوهية ونفيها عن المسيح؛ إذ هي تؤكد أولا أن الله واحد، وأن المسيح شيء آخر، حيث هو الواسطة بين الله والناس، وبديهي أن الواسطة غير الموسوط، علاوة على تأكيده أن المسيح، ككلٍّ إنسانٌ، وبهذا يتم الفصل بين الله والمسيح بكل وضوح، وتخصص الألوهية لله تعالى وحده فقط، فأنى يؤفكون! ! ٤ - ثم يقول بولس في نفس الرسالة، بعد جملته تلك (٦/ ١٣ - ١٦): "وأوصيك في حضرة الله الذي يحيي كل شيء وفي حضرة يسوع المسيح الذي شهد شهادة حسنة في عهد بنطيوس بيلاطس، أن تحفظ هذه الوصية وأنت بريء من العيب واللوم إلى أن يظهر ربنا يسوع المسيح فسَيُظْهِرُه في الأوقات المحددة له: المبارك العزيز الوحيد ملك الملوك ورب الأرباب، الذي وحده له عدم الموت، ساكنًا في نور لا يدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه، الذي له الكرامة والقدرة الأبدية، آمين." (حسب الترجمة البروتستانتية). ذلك السعيد القدير وحده ملك الملوك ورب الأرباب، الذي له وحده الخلود ومسكنه نور لا يقترب منه، وهو الذي لم يره إنسان ولا يستطيع أن يراه، له الإكرام والعزة الأبدية. آمين." (حسب الترجمة الكاثوليكية للرهبانية اليسوعية). ٥ - وفيما يلي نص خطبة خطبها بولس في أعيان مدينة أثينا، كما جاءت في أعمال الرسل (١٧/ ٢٢ - ٣٢): "فَوَقَفَ بُولُسُ فِي وَسْطِ أَرِيُوسَ بَاغُوسَ وَقَال: "أَيُّهَا الرِّجَال الأَثِينِويُّونَ! أَرَاكُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَأَنَّكُمْ مُتَدَيِّنُونَ كَثِيرًا، لأَنَّنِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَجْتَازُ وَأنظُرُ إِلَى مَعْبُودَاتِكُمْ، وَجَدْتُ أيضًا مَذْبَحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: "لإِلهٍ مَجْهُول". فَالَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأنتُمْ تَجْهَلُونَهُ، هذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ. الإِلهُ الَّذِي خَلَقَ الْعَالمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، هذَا، إِذْ هُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لَا يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي، وَلَا يُخْدَمُ بِأَيَادِي النَاسِ كَأَنَّهُ محُتاج إِلَى شَيْءٍ، إِذْ هُوَ يُعْطِي الجمِيعَ

стр. 472

حَيَاةً وَنَفْسًا وَكُلَّ شَيْءٍ. وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ المُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ، لِكَيْ يَطْلُبُوا الله لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا. لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كما قَال بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أيضًا: لأَنَّنَا أيضًا ذُرِّيَّتُهُ. فَإِذْ نَحْنُ ذُرِّيَّةُ الله، لَا يَنْبَغِي أَنْ نَظُنَّ أَنَّ اللَّاهُوتَ شَبِيهٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَجَرِ نَقْشِ صِنَاعَةِ وَاخْتِرَاعِ إِنْسَانٍ. فَالله الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِيًا عَنْ أَزْمنَةِ الجهْلِ. ٣١ لأنَّهُ أقامَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ المسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ، بِرَجُل قَدْ عَيّنهُ، مُقَدِّمًا لِلْجَمِيعِ إِيمَانًا إِذْ أقامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ". قلت: فقد تكلم كلامًا جميلًا عن الله تعالى، ولم يأت بكلمة على أن المسيح كان هو ذاك الله الذي تكلم عنه، بل على العكس، قال: إن الله أقام رجلًا (أي إنسانًا) ليدين العالم عن طريقه، وأماته ثم بعثه ليجعله عَلَمًا ودليلا على يوم القيامة، وهكذا نلاحظ التمايز والفصل التام بين الله في وحدانيته والمسيح. القسم الثاني: أقوال بولس الواضحة في توحيد الأفعال، وفي توحيد العبودية أي صرف كل مظاهر العبادة مثل الصلاة والدعاء والشكر والحمد والثناء والاستغاثة والالتجاء لله الآب وحده دون غيره: ١ - يقول بولس في رسالته إلى أهل فيليبي (٤/ ٦ - ٧): "لَا تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى الله. ٧ وَسَلَامُ الله الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي المسِيحِ يَسُوعَ". قلت: فطلب الحوائج والصلاة والدعاء والشكر يجب رفعها لله تعالى، ؛ لكي ينزل الله سكينته على المؤمنين بواسطة المسيح، ولكي يثبت قلوبهم -في المصاعب- على الإيمان، والثقة بالمسيح ومحبته. ٢ - ويقول في رسالته إلى أهل أفسس (٣/ ١٤ - ٢٥): "بِسَبَبِ هذَا أَحْنِي رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي رَبِّنَا يَسُوعَ المسِيحِ، ١٥ الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْضِ. ١٦ لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ، أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ، ١٧ لِيَحِلَّ

стр. 473

المسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ، ١٨ وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي المُحَبَّةِ، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ، ١٩ وَتَعْرِفُوا محَبَّةَ المسِيحِ الْفَائِقَةَ المُعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ الله. ٢٠ وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا، ٢١ لَهُ المُجْدُ فِي الْكَنِيسَةِ فِي المُسِيحِ يَسُوعَ إِلَى جَمِيعِ أَجْيَالِ دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ.". قلت: فبولس يؤكد أن الصلاة (الجثو على الركبتين)، إنما هي للآب فقط، لأنه منه وحده يستمد كل شيء، اسمه ووجوده، كما أنه بيده تعالى قلوب العباد، ومنه تعالى الثبات والتوفيق والهداية التي ينزلها على من يشاء بواسطة الملائكة والمسيح، فالمسيح هو مجَرَى الفيض وواسطة المدد فحسب، لذا فالتسبيح والمجد لله تعالى المعطي والمفيض، ويا ليت النصارى يأخذون بهذا ويكفون عن عبادة المسيح، والجثو للصلبان والتماثيل! ٣ - ويقول في رسالته الثانية إلى أهل قورنتس (١/ ٣ - ٤ و ٩ - ١٠): "تبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، أبو الرأفة وإله كل عزاء، فهو الذي يعزينا في جميع شدائدنا لنستطيع، بما نتلقى نحن من عزاء من الله أن نعزي الذين هم في آية شدة كانت. . . لئلا نتكل على أنفسنا بل على الله الذي يقيم الأموات، فهو الذي أنقذنا من أمثال هذا الموت وسيُنقِذُنا منه: وعليه جَعَلْنَا رجاءَنا بأنه سينقذنا منه أيضًا." ثم يقول في لفس الرسالة أيضًا: "وإن الذي يثبتنا وإياكم للمسيح، والذي مسحنا، هو الله، وهو الذي ختمنا بختمه وجعل في قلوبنا عربون الروح. . الشكر لله الذي يستصحبنا دائما أبدا في نصرِهِ بالمسيح وينشر بأيدينا في كل مكان شذى معرفته. ." القسم الثالث: أقوال بولس الصريحة الواضحة في أن الله تعالى إله المسيحِ وخالقه وسيدُهُ، وأن المسيحَ عبدٌ مخلوقٌ خاضعٌ لسلطان الله، وهذا في مسائل: الأولى: أن المسيح ﵇ مخلوق لله وقد جاء واضحا في رسالة بولس إلى أهل قولسي (أو كولوسي) (١/ ١٥) حيث قال يصف المسيح: "الَّذِي هُوَ صُورَةُ الله الذي لا يرى بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ." فها هو قد وصف المسيح بأنه "بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ" وهذا تصريح بأن المسيح هو باكورة

стр. 474

خليقة الله أي أول مخلوقات الله المتصدر لعالم الخلق، وبديهي أن المخلوق عبد لخالقه ولا يكون إلها أبدًا. الثانية: أن الله تعالى إلهُ المسيح وقد جاء صريحًا في قول بولس في رسالته إلى أهل أفسس (١/ ١٦ - ١٧): "لَا أَزَال شَاكِرًا لأَجْلِكُمْ، ذَاكِرًا إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي، ١٧ كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمسِيح، أَبُو الْمجْدِ، رُوحَ الحكْمَةِ وَالإِعْلَانِ فِي مَعْرِفَتِهِ" قلت: فهذا بيان صريح في أن الله تعالى، أبا المجد، هو إلهُ يسوع، وبالتالي يسوع عبده، وهذا نفي قاطع لإلهية المسيح لأن الإله لا يكون له إله! الثالثة: أن المسيح يستمد قوته من الله ويخضع في النهاية، ككل المخلوقات، لله تعالى، وقد جاء صريحًا في كلام بولس، في رسالته الأولى إلى أهل قورنتس (كورنثوس): (١٥/ ٢٤ - ٢٨): "وَبَعْدَ ذلِكَ النِّهَايَةُ، مَتَى سَلَّمَ الملْكَ لِلهِ الآبِ، مَتَى أَبْطَلَ كُلَّ رِيَاسَةٍ وَكُلَّ سُلْطَانٍ وَكُلَّ قُوَّةٍ. لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ حَتَّى يَضَعَ جَمِيعَ الأَعْدَاءِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْموْتُ. لأَنَّهُ أَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحتَ قَدَمَيْهِ. وَلكِنْ حِينَمَا يَقُولُ: "إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ أُخْضِعَ" فَوَاضِحٌ أَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ. وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أيضًا سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ الله الْكُلَّ فِي الْكُلِّ." قلت: تظهر من هذا النص الحقائق التالية: ١ - أن المُلْكَ الحقيقيَّ الأصيلَ للَّهِ الآبِ وحدَه، وأما السلطان والمُلْكُ الذي أوتيه المسيح، فهو من عطاء الله وموهبته، وهو أمانة لأداء رسالة محددة وفق مشيئة الله، ثم يسلم المسيح فيما بعد الأمانة لصاحبها الحقيقي. ٢ - أن المسيح لم يخضِع شيئًا من قوات الشر في العالم بقوته الذاتية، بل الله تعالى هو الذي أخضعها له. ٣ - أن المسيح نفسَه، بعد أن ينصره الله على قوى الشر ويجعلها تحت قدميه، سيخضع بنفسه لله، ليكون الله تعالى وحده الكل في الكل. ويذكرنا هذا بقوله تعالى في قرآنه المجيد:

стр. 475

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]. وكل نقطة من هذه النقاط الثلاث تأكيد واضح على عدم إلهية المسيح. القسم الرابع: تأكيد بولس الدائم، على الغيريّة الكاملة بين الله تعالى والمسيح ﵇ والتعبير عنهما دائما ككائنين اثنين وشخصين منفصلين: من أوضح الأدلة على عدم اعتقاد بولس إلهية المسيح؛ ما يظهر في كل عبارة من عبارات رسائله، من فصل وتمييز واضحين بين الله، والذي يعبر عنه غالبا بالآب أو أبينا، والمسيح، الذي يعبر عنه غالبا بالرب أو ربنا، واعتبارهما شخصين اثنين وكائنين منفصلين، والشواهد على هذا الموضوع -أعني أن الله غير المسيح وأنهما اثنين- من كلام بولس، كثيرة جدًّا، مر بعضها فيما سبق، ونضيف هنا بعض الشواهد الأخرى لمزيد من التوضيح: ١ - الديباجة الدائمة التي يفتتح بها بولس رسائله فيقول: "نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلَامٌ مِنَ الله أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمسِيحِ". ٢ - في رسالته الأولى إلى أهل قورنتس (٣/ ٢٢): "كُلُّ شَيْءٍ لَكُمْ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلِلْمَسِيحِ، وَالْمسِيحُ لِلهِ". ٣ - وفي رسالته الثانية إلى أهل تسالونيقي (٢/ ١٦ - ١٧): "وَرَبُّنَا نَفْسُهُ يَسُوعُ الْمسِيحُ، وَالله أَبُونَا الَّذِي أَحَبَّنَا وَأَعْطَانَا عَزَاءً أَبَدِيًّا وَرَجَاءً صَالِحًا بِالنِّعْمَةِ، يُعَزِّي قُلُوبَكُمْ وَيُثبِّتُكُمْ فِي كُلِّ كَلَامٍ وَعَمَل صَالِحٍ.". ٤ - وفي رسالته إلى أهل أفسس (١/ ١٩ - ٢٢) يتحدث بولس عن عمل الله الذي عمله في المسيح فيقول: "إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ، ٢١ فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هذَا الدَّهْرِ فَقَطْ بَلْ فِي الْمسْتَقْبَلِ أيضًا، ٢٢ وَأَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ." وهذا الموضوع نفسه تكرر مرارًا في رسائل بولس. انظر على سبيل المثال: (أعمال الرسل: ١٣/ ٣٠)، ورسالته إلى (أهل رومية: ٨/ ١١ و ١٠/ ٩)، ورسالته الأولى إلى (أهل تسالونيقي: ١/ ١٠)، ورسالته إلى (أهل أفسس: ١/ ٢٠) ورسالته إلى (أهل

стр. 476

قورنتس: ٦/ ١٤). ففي كل هذا تأكيد واضح وضوح الشمس في رابعة النهار على التمييز والفصل الكامل بين الله والمسيح وأنهما اثنان لا واحد. القسم الخامس: بولس يصف المسيح بصفات ينفيها عن الله وينزّه الله عنها: ١ - بين بولس مرارًا موت المسيح وأنه دفن وبقي في قبره ثلاثة أيام إلى أن بعثه الله تعالى حيا: انظر رسالته إلى (رومية: ٨/ ٣٤) وفيها يقول: من هو الذي يدين المسيح هو الذي مات بل بالحري قام أيضًا الذي هو أيضًا عن يمين الله الذي أيضًا يشفع فينا. وفيها أيضًا (١٤/ ٨ و ٩)، "٨ لأنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ. ٩ لأَنَّهُ لهِذَا مَاتَ الْمسِيحُ وَقَامَ وَعَاشَ، لِكَيْ يَسُودَ عَلَى الأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ." (أهل غلاطية: ٢/ ٢١)، وقد قال فيها: لست أبطل نعمة الله لأنه ان كان بالناموس بر فالمسيح إذا مات بلا سبب. ورسالته إلى (أهل فيليبي: ٢/ ٨). . وفيها يقول: "٨ وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْموْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. . . الخ ما قال بولس في هذا المعنى. هذا في حين يقول بولس واصفًا الله ﵎: ". . . المُبَارَكُ الْعَزِيزُ الْوَحِيدُ: مَلِكُ المُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ، ١٦ الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْموْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لَا يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ، الَّذِي لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ الأَبَدِيَّةُ. آمِينَ.". ٢ - كما ذكر بولس في رسائله مرارا أن المسيح تألم وعانى الشدائد، فعلى سبيل المثال نجده يقول في رسالته إلى أهل كولوسي (١/ ٢٤): "الَّذِي الآنَ أَفْرَحُ فِي آلَامِي لأَجْلِكُمْ، وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمسِيحِ فِي جِسْمِي لأَجْلِ جَسَدِهِ، الَّذِي هُوَ الْكَنِيسَةُ، "، أو يقول في رسالته الثانية إلى أهل قورنتس (١/ ٥): "لأَنَّهُ كَمَا تَكْثُرُ آلَامُ الْمسِيحِ فِينَا، كَذلِكَ بِالْمسِيحِ تَكْثُرُ تَعْزِيَتُنَا أيضًا". هذا في حين أن بولس، لما كان يقوم بالتبشير مع برنابا، في منطقة إيقونية، وظهرت على أيديهما معجزات في مدينة لسترة حيث أقاما رجلًا مقعدًا خلقة فجعلاه يمشي -كما جاء في سفر أعمال الرسل-، وهجم وثنيو المدينة عليهما معتقدين أنهما إلهين نزلا من السماء! وأرادوا أن يقدموا لهما ذبائح! ! فصاحا (أي بولس وبرنابا) في

стр. 477

أولئك الوثنيين الجهلة قائلين: ١٥"أَيُّهَا الرِّجَال، لِماذَا تَفْعَلُونَ هذَا؟ نَحْنُ أيضًا بَشَرٌ تَحْتَ آلَامٍ مِثْلُكُمْ، نُبَشِّرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا مِنْ هذ الأَبَاطِيلِ إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، . . ." (أعمال الرسل: ١٤/ ٨ - ١٥). والآن؛ بعد أن ذكرنا النصوص الدالة على بطلان هذه العقيدة من القرآن، والسنة، والأناجيل الأربعة، ورسائل بولس؛ ننتقل إلى الأدلة التي استدل بها القوم على ألوهية المسيح، وهي في الحقيقة عبارة عن شبهات وليست أدلة، وسنسوق كل شبهة منها ونتبعها بالرد عليها. الوجه السادس: بطلان أدلة النصارى على ألوهية المسيح ﵇ . تمهيد: وقبل أن نبدأ بمناقشة أدلة النصارى، فإنا نسجل ملاحظات هامة في هذا الباب: ١ - أنه لا يوجد نص واحد في الكتاب المقدس يصرح فيه المسيح بألوهيته أو يطلب من الناس عبادته. ٢ - كما لم يعبده أحد من معاصريه، ولم ينظر إليه هؤلاء إلا كمدع للنبوة، آمن به بعضهم، وكفر بنبوته الأكثرون من اليهود. ٣ - لكن دعوى ألوهيته لا أساس لها في الكتاب المقدس، وفي هذا الصدد يتحدى ديدات، كبير قساوسة السويد في مناظرتهما المتلفزة قائلًا: "أضع رأسي تحت مقصلة لو أطلعتموني على نص واحد قال فيه عيسى عن نفسه: أنا إله. أو قال: اعبدوني"، وهيهات أن يجدوه. ٤ - أنه لم يكن أحد من تلاميذ المسيح يعتقد ألوهية المسيح، إذ لم يعبده واحد منهم، بل كلهم وجميع معاصري المسيح ما كانوا يعتقدون أكثر من نبوته، كما مر وسيأتي معنا تفصيله. ٥ - ثم إن أقوى ما يتعلق به النصارى من الدليل، لا يوجد إلا في إنجيل يوحنا، ورسائل بولس، بينما تخلو الأناجيل الثلاثة من دليل واضح ينهض في إثبات ألوهية المسيح. بل إن خلو هذه الأناجيل عن الدليل المفقود هو الذي دفع يوحنا -أو كاتب يوحنا- لكتابة إنجيل عن لاهوت المسيح، فكتب ما لم يكتبه الآخرون، وجاءت كتابته مشبعة بالغموض والفلسفة الغريبة عن بيئة المسيح البسيطة التي صحبه بها العوام من أتباعه.

стр. 478

٦ - عدم الدليل الصحيح الصريح على ألوهية المسيح، جعل النصارى يحرفون في طبعات الأناجيل الجديدة، ومن ذلك إضافتهم نص التثليث الصريح الوحيد في (يوحنا (١) ٥/ ٧). (١) و الأدلة التي يتعلق النصارى بها على ألوهية المسيح ﵇ على ستة ضروب، هي: (٢) أولًا: نصوص نسبت إلى المسيح الألوهية والربوبية ، والتي يسمونها (ألقاب الله). ثانيًا: نصوص بنوة المسيح لله. ثالثًا: نوص الحلول الإلهي في المسيح. رابعًا: نصوص نسبت صفات الله إلى المسيح. خامسًا: نصوص نسبت أفعال الله إلى المسيح. سادسًا: دلالة معجزات المسيح على ألوهيته. أولًا: نصوص نسبت إلى المسيح الألوهية والربوبية. يستمسك النصارى بالألفاظ التي أطلقت على المسيح ﵇ لفظ الألوهية والربوبية، ويرونها دالة على ألوهية المسيح، وفي أولها: ١ - أنه سمي يسوع، وهي كلمة عبرانية أصلها: يهوه خلاص، ومعناها: الله خلاص. ٢ - احتجاجهم وتمسكهم بما اعتبروه نبوءة عن المسيح في سفر إشعيا "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا" (إشعيا ٩/ ٦). ٣ - كذا يستمسكون بقول داود في وصفه للقادم البشر به بالنبوات أنه ربه أو سيده: "قَال الرَّبُّ لِرَبِّي: "اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ". يُرْسِلُ الرَّبُّ قَضِيبَ عِزِّكَ مِنْ صِهْيَوْنَ. تَسَلَّطْ فِي وَسَطِ أَعْدَائِكَ. شَعْبُكَ مُنْتَدَبٌ فِي يَوْمِ قُوَّتِكَ، فِي زِينَةٍ

стр. 479

مُقَدَّسَةٍ مِنْ رَحِمِ الْفَجْرِ، لَكَ طَلُّ حَدَاثَتِكَ. أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ: "أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صادَقَ" (المزمور ١١٠/ ١ - ٤)، فسماه داود ﵇ ربًا. (١). ٤ - كما يرى النصارى نبوءة أخرى دالة على ألوهية المسيح في قول إشعيا: "وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ "عِمَّانُوئِيلَ"." (إشعيا ٧/ ١٤)، فكلمة عمانويل تعني: الله معنا. ويرون تحقق النبوءة بالمسيح. ٥ - كما بشر الملاك يوسف النجار خطيب مريم "فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ". ٢٢ وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: ٢٣ "هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ" الَّذِي تَفْسِيرُهُ: الله مَعَنَا." (متى ١/ ٢٣: ٢١). فتسميته الله معنا دليل -عند النصارى- على ألوهيته. ٦ - ومثله جاء في العهد الجديد قول بولس: "الْمسِيحُ حَسَبَ الجسَدِ، الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلهًا مُبَارَكًا إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ." (رومية ٩/ ٥). ٧ - ومثله قول توما للمسيح: "ربي وإلهي" (يوحنا ٢٠/ ٢٨). ٨ - كما قال بطرس له: "حاشاك يا رب" (متى ١٦/ ٢٢)، وقال أيضًا: "هذا هو رب الكل" (أعمال ١٠/ ٣٦). ٩ - وجاء في سفر الرؤيا عن المسيح: "وَلَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ اسْمٌ مَكْتُوبٌ: "مَلِكُ المُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ" (الرؤيا ١٩/ ١٦)، وغير ذلك من النصوص مما أطلق على المسيح كلمة رب أو إله، فدل ذلك عندهم على ألوهيته وربوبيته. والجواب عن ذلك من وجوه: الوجه الأول: إن هذه الأسماء لا تفيد ألوهية أصحابها وبيان ذلك ما يلي: ١ - لأن هذه الإطلاقات ما كان لها أن تجعل من المسيح ربًا وإلهًا، إذ كثير منها ورد في باب التسمية، وتسمية المخلوق إلهًا لا تجعله كذلك؛ فقد سمي بولس وبرنابا آلهة لما أتيا

стр. 480

ببعض المعجزات "فَالجمُوعُ لمَّا رَأَوْا مَا فَعَلَ بُولُسُ، رَفَعُوا صَوْتهمْ بِلُغَةِ لِيكَأُونَيَّةَ قَائِلِينَ: "إِنَّ الآلِهَةَ تَشَبَّهُوا بِالنَّاسِ وَنَزَلُوا إِلَيْنَا" (أعمال الرسل ١٤/ ١١)، فقد كان من عادة الرومان تسمية من يفعل شيئًا فيه نفع للشعب: إلهًا، ولا تغير التسمية في الحقيقة شيئًا، ولا تجعل من الخلوق إلهًا، ولا من العبد الفاني ربًا وإلهًا. ٢ - وقد سمي إسماعيل بهذا الاسم العبراني، ومعناه: "الله يسمع"، ومثله يهوياقيم أي: "الله يرفع"، ويهوشع "الرب خلص"، وغيرهم. . . ولم تقتض أسماؤهم ألوهيتهم. ٣ - وجاء في سفر الرؤيا: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي، وَلَا يَعُودُ يَخْرُجُ إِلَى خَارِجٍ، وَأَكْتُبُ عَلَيْهِ اسْمَ إِلهِي، وَاسْمَ مَدِينَةِ إِلهِي، أُورُشَلِيمَ الجْدِيدَةِ النَّازِلَةِ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ إِلهِي، وَاسْمِي الجْدِيدَ." (الرؤيا ٣/ ١٢). ٤ - وجاء في التوراة: "فَيَجْعَلُونَ اسْمِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ" (العدد ٦/ ٢٧)، ومع ذلك فليسوا آلهة. (١) الوجه الثاني: هل سمي المسيح الرب والإله؟ وعلى فرض صدور التسمية، فهي لا تعني إلهًا معبودًا، وإنما تعني السيد المعلم: فكلمة "الرب" التي ترد كثيرًا في التراجم العربية كلقب للمسيح هي في التراجم الأجنبية بمعنى: "السيد" أو "المعلم"، فالمقابل لها في الترجمة الإنجليزية هو كلمة lord ومعناها: السيد، وفي الترجمة الافرنسية: monsier"، ومعنا ها: المعلم، وهكذا في سائر التراجم كالألمانية، والإيطالية، والأسبانية. وما أتت به الترجمة العربية ليس بجديد، بل هو متفق مع طبيعة اللغة التي نطق بها المسيح ومعاصروه، فكلمة: "رب" عندهم تطلق على المعلم، وتفيد نوعًا من الاحترام والتقدير. ١ - ففي إنجيل يوحنا أن المسيح كان يخاطبه تلاميذه: يا رب، ومقصودهم: يا معلم، فها هي مريم المجدلية" فَالْتَفَتَتْ تِلْكَ وَقَالتْ لَهُ: "رَبُّوني! " الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ" وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب" (يوحنا ٢٠/ ١٦ - ١٧).

стр. 481

٢ - وخاطبه اثنان من تلاميذه: "رب الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ" (يوحنا ١/ ٣٨). ولم يخطر ببال أحد من التلاميذ المعنى الاصطلاحي لكلمة الرب حين أطلقوها على المسيح، فقد كانوا يريدون: المعلم والسيد، ولذلك شبهوه بيوحنا المعمدان حين قالوا له: "يَا رَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ كَمَا عَلَّمَ يُوحَنَّا أيضًا تَلَامِيذَهُ" (لوقا ١١/ ١). ٣ - واستعمال لفظة الرب بمعنى: السيد، شائع في اللغة اليونانية، يقول ستيفن نيل: "إن الكلمة اليونانية الأصلية التي معناها: "رب" يمكن استعمالها كصيغة للتأدب في المخاطبة، فسجان فلبي يخاطب بولس وسيلة بكلمة: "سيدي" أو "رب"، يقول سفر الأعمال: "ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا وَقَال: "يَا سَيِّدَيَّ، مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟ " فَقَالا: "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ المُسِيحِ فَتَخْلُصَ أنتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ" (أعمال الرسل ١٦/ ٣٠). . . وكانت اللفظة لقبًا من ألقاب الكرامة. . .". ٤ - ومما يؤكد صحة هذا التأويل قول بولس، وهو يصف المسيح بالرب، ولا يمنعه ذلك أن يجعله عبدا لله "كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلهُ رَبِّنَا يَسُوعَ المُسِيحِ، أَبُو الْمجْدِ، رُوحَ الحكْمَةِ وَالإِعْلَانِ فِي مَعْرِفَتِهِ" (أفسس ١/ ١٧). ٥ - وأما قول توما للمسيح "ربي وإلهي" فهو لم يقع منه في مقام الخطاب للمسيح، بل لما رأى المسيح حيًّا، وقد كان يظنه ميتا استغرب ذلك، فقال متعجبا: "ربي وإلهي" (يوحنا ٢٠/ ٢٨)، ومما يؤكد صحة هذا الفهم أن المسيح أخبر في نفس السياق بأنه سيصعد إلى إلهه. (انظر يوحنا ٢٠/ ١٧)، وعليه فالألوهية هنا لو أريد بها المسيح فهي مجازية غير حقيقية. وقد يشكل على البعض في قوله: "أَجَابَ تُومَا وَقَال لَهُ: "رَبِّي وَإِلهِي! "." (يوحنا ٢٠/ ٢٨)، فيرى أن هذه الصيغة لم ترد في باب الاستغراب، بل في باب الخطاب المباشر للمسيح بلقب الألوهية، والحق أن (له) في النص إنما هي بمعنى لأجله أو لأجل ما رأى منه، ولها مثيل في الكتاب، في سفر صموئيل، حيث دعا النبي يوناثان الله من أجل داود، فيما يفهم من ظاهر السياق أن الحديث موجه إليه، وهو في الحقيقة دعاء لله من أجل داود،

стр. 482

يقول سفر صموئيل: "وَقَال يُونَاثَانُ لِدَاوُدَ: "يَا رَبُّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ، مَتَى اخْتَبَرْتُ أَبِي مِثْلَ الآنَ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ، فَإِنْ كانَ خَيْرٌ لِدَاوُدَ وَلَمْ أُرْسِلْ حِينَئِذٍ فَأُخْبِرَهُ" (صموئيل الأول ٢٠/ ١٢)، فهو نداء لله، والسياق يقول: "وقال يوناثان لداود"، أي لأجله. ثم لو فهم المسيح من كلام توما أنه أراد ألوهيته لما سكت ﵇، فقد رفض ﵇ حتى أن يدعى صالحا، إذ لما ناداه بعض تلاميذه: "أيها المعلم الصالح. . . لمَاذَا تَدْعُوني صَالحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ الله." (متى ١٩/ ١٧) فكيف يقبل أن يدعى ربا وإلها على الحقيقة؟ . ٦ - وبخصوص الاستدلال بالمزمور "قَال الرَّبُّ لِرَبِّي: "اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ" (المزمور ١١٠/ ١)، فهو لا يُراد به المسيح بحال من الأحوال، بل المراد منه المسيح المنتظر، الذي وعد به بنو إسرائيل، وهو محمد ﷺ . وقد أخطأ بطرس حين فهم أن النص يراد به المسيح، فقال: "لأَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَصْعَدْ إِلَى السَّمَاوَاتِ. وَهُوَ نَفْسُهُ يَقُولُ: قَال الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي ٣٥ حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. ٣٦ فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ الله جَعَلَ يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا. فَلَمّا سَمِعُوا نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ" (أعمال الرسل ٢/ ٣٤ - ٣٧). ودليل الخطأ في فهم بطرس، وكذا فهم النصارى، أن المسيح أنكر أن يكون هو المسيح الموعود على لسان داود، "وَفِيمَا كَانَ الْفَرِّيسِيُّونَ مجُتمِعِينَ سَأَلَهُمْ يَسُوعُ ٤٢ قَائلَا: "مَاذَا تَظُنُّونَ فِي المُسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟ " قَالوا لَهُ: "ابْنُ دَاوُدَ". ٤٣ قَال لَهُمْ: "فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبًّا؟ قَائِلَا: ٤٤ قَال الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِيني حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. ٤٥ فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا، فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟ " ٤٦ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمنْ ذلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلهُ بَتَّةً." (متى ٢٢/ ٤١ - ٤٦). فالمسيح سأل اليهود عن المسيح المنتظر الذي بشر به داود وغيره من الأنبياء، "ماذا تظنون في المسيح، ابن من هو؟ "فأجابوه: "ابن داود"، فخطأهم، وقال: "فإن كان داود يدعوه ربا فكيف يكون ابنه! ". ٧ - وفي مرقس: "كَيْفَ يَقُولُ الْكَتبَةُ إِنَّ المسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ ٣٦ لأَنَّ دَاوُدَ نَفْسَهُ قَال بِالرُّوحِ

стр. 483

الْقُدُسِ: قَال الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي، حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. ٣٧ فَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَدْعُوهُ رَبًّا. فَمِنْ أَيْنَ هُوَ ابْنه؟ " (مرقس ١٢/ ٣٧). وهو ما ذكره لوقا أيضًا" وَقَال لهمْ: "كَيْفَ يَقُولُونَ إِنَّ الْمسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ ٤٢ وَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَقُولُ فِي كِتَابِ الْمزَامِيرِ: قَال الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي ٤٣ حَتَى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. ٤٤ فَإِذًا دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا. فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟ " (لوقا ٢٠/ ٤٠ - ٤٤)، فالمبشر به ليس من ذرية داود الذي سماه ربًا له أو سيدًا، فيما لا يختلف النصارى في أن المسيح كان من ذرية داود كما جاء في نسبيه في متى ولوقا. ٨ - وأما ما جاء في إشعيا من التنبؤ بقدوم عمانوئيل، فهي ليست عن المسيح، الذي لم يتسم بهذا الاسم أبدًا، ولم يناد به إطلاقًا. والقصة في سفر إشعيا تتحدث عن قصة قد حصلت قبل المسيح بقرون، حين تآمر "راصين" ملك أدوم مع ملك مملكة إسرائيل الشمالية "فقح بن رمليا" على مملكة يهوذا الجنوبية وملكها آحاز، وقد جعل الله من ميلاد الطفل عمانوئيل علامة على زوال الشر عن مملكة يهوذا، وإيذانا بخراب مملكة راصين وفقح على يد الآشوريين، وموت الملكين المتآمرين، يقول إشعيا: "ثم عاد الرب فكلم آحاز قائلا: . . ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابنا، وتدعو اسمه عمانوئيل. زبدا وعسلا يأكل. متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير، لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير، تخلى الأرض التي أنت خاش من ملكيها (راصين وفقح)، يجلب الرب عليك وعلى شعبك وعلى بيت أبيك أياما لم تأت منذ يوم اعتزال أفرايم عن يهوذا أي ملك أشور. ويكون في ذلك اليوم أن الرب يصفر للذباب الذي في أقصى ترع مصر وللنحل الذي في أرض أشور. . . لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يدعو: يا أبي ويا أمي تحمل ثروة دمشق وغنيمة السامرة قدام ملك أشور" (إشعياء ٧/ ١ - ٨/ ٤)، فالنص يتعلق بأحداث حصلت قبل المسيح بقرون، وذلك إبان الغزو الآشوري لفلسطين. وهذا النص الذي ذكره لوقا، وكذا النص الذي في إشعيا، قد تم تحريفهما عن الأصل ليصبحا نبوءة عن

стр. 484

المسيح وأمه العذراء، وكانت الترجمات القديمة للتوراة مثل ترجمة أيكوئلا، وترجمة تهيودوشن، وترجمة سميكس والتي تعود للقرن الثاني الميلادي، قد وضعت بدلا من العذراء: المرأة الشابة، وهو يشمل المرأة العذراء وغيرها، وذلك أن اللفظ المستخدم بالعبرانية هو (علما)، بمعنى: الصبية أو الشابة، وليس (بتولا)، التي تعني: العذراء. ويذكر العلامة أحمد ديدات أن النسخة المنقحة (R.S.V) والصادرة عام ١٩٥٢ م قد استبدلت كلمة العذراء في إشعيا بـ"الصبية"، ولكن هذا التنقيح لا يسري سوى على الترجمة الإنجليزية. (١) ٩ - وبخصوص نبوءة النبي إشعيا "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَا وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَديًا، رَئيسَ السَّلَامِ. ٧ لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَللسَّلَامِ لَا نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ، لِيُثَبِّتَهَا وَيَعْضُدَهَا بِالْحَقِّ وَالْبِرِّ، مِنَ الآنَ إِلَى الأَبَدِ." (إشعيا ٩/ ٦)، فإن أبًا من هذه الأسماء لم يتسم به المسيح ﵇ وبيان ذلك فيما يلي: أ- أين سمي عجيبًا أو مشيرًا أو قديرًا أو أبًا أو رئيس السلام؟ فليس في الكتاب المقدس نص يذكر أنه سمي بأي من هذه الأسماء. ب- فإن قالوا: المراد أن هذه صفات هذا الابن الموعود، فهي أيضًا لا تنطبق على المسيح بحال، فهي تتحدث عن نبي غالب منتصر يملك على قومه، ويكون وارثًا لملك داود، وكل هذا ممتنع في حق المسيح، ممتنع بدليل الواقع والنصوص. فالمسيح ﵇ يملك على قومه يومًا واحدًا، بل كان فارًا من بني إسرائيل، خائفا من بطشهم، كما هرب من قومه حين أرادوه أن يملك عليهم. "وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُّوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أيضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ." (يوحنا ٦/ ١٥). لقد هرب منهم، وذلك لأن مملكته ليست دنيوية زمانية، ليست على كرسي داود، بل هي مملكة روحية في الآخرة "أَجَابَ يَسُوعُ: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالمِ. لَوْ كَانَتْ

стр. 485

مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يجاهِدُونَ لِكَيْ لَا أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا" (يوحنا ١٨/ ٣٦). ج- كما أن إشعيا يتحدث عن رئيس السلام، وهو لا ينطبق على الذي نسبت إليه الأناجيل أنه قال: "لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلَامًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلَامًا بَلْ سَيْفًا. ٣٥ فَإِنِّي جِئْتُ لأُفرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. ٣٦ وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ." (متى ١٠/ ٣٤ - ٣٦)، فهل يسمى المسيح الإنجيلي بعد ذلك رئيس السلام؟ د- ثم إن إشعيا يتحدث عن شخص قدير، وليس عن بشر محدود لا يقدر أن يصنع من نفسه شيئا كما قال عن نفسه: "أَنَا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا. كما أَسْمَعُ أَدِينُ" (يوحنا ٥/ ٣٠)، وفي نص آخر يقول لليهود: "الْحَقَّ الْحَقَّ أقولُ لَكُمْ: لَا يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلَّا مَا يَنْظر الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ." (يوحنا ٥/ ١٩). هـ- ثم إن الكتاب المقدس يمنع أن يكون المسيح ملكًا على بني إسرائيل، فقد حرم الله الملك على ذرية الملك الفاسق يهوياقيم بن يوشيا أحد أجداد المسيح، فقد ملك على مملكة يهوذا، فأفسد، فقال الله فيه: "هكَذَا قَال الرَّبُّ عَنْ يَهُويَاقِيمَ مَلِكِ يَهُوذَا: لَا يَكُونُ لَهُ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ، وَتَكُونُ جُثَّتُهُ مَطْرُوحَةً لِلْحَرِّ نَهَارًا، وَللْبَرْدِ لَيْلًا. وَأُعَاقِبُهُ وَنَسْلَهُ وَعَبِيدَهُ عَلَى إِثْمِهِمْ، " (إرميا ٣٦/ ٣٠ - ٣١). والمسيح -حسب الأناجيل- من ذرية هذا الملك الفاسق، يقول متى في سياق نسب المسيح: "وَآمُونُ وَلَدَ يُوشِيَّا. وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ." (متى ١/ ١٠ - ١١)، وقد أسقط متعمدًا اسم يهوياقيم، فذكر أباه يوشيا، وابنه يكينيا، . وبيان ذلك في سفر الأيام الأول "وَبَنُو يُوشِيَّا: الْبِكْرُ يُوحَانَانُ، الثَّانِي يَهُويَاقِيمُ، الثَّالِثُ صِدْقِيَّا، الرَّابعُ شَلُّومُ. وَابْنَا يَهُويَاقِيمَ: يَكُنْيَا ابْنه وَصِدْقِيَّا ابْنُهُ." (الأيام (١) ٣/ ١٤ - ١٥)، فيهوياقيم أحد أجداد المسيح، وهذا يمنع تحقق نبوءة إشعيا في المسيح، فالملك القادم لن يكون من ذرية المحروم يهوياقيم. الوجه الثالث: إطلاقات لفظ الألوهية والربوبية في الكتاب المقدس لا يدل على ألوهية المسيح لأنها أطلقت على غيره من المخلوقات وإليك البيان .

стр. 486

أ- إطلاقها على الملائكة فقد جاء في سفر القضاة، وهو يحكي عن ظهور ملاك الرب لمنوح وزوجه: "وَلَمْ يَعُدْ مَلَاكُ الرَّبِّ يَتَرَاءَى لِمَنُوحَ وَامْرَأَتِهِ. حِينَئِذٍ عَرَفَ مَنُوحُ أَنَّهُ مَلَاكُ الرَّبِّ. ٢٢ فَقَال مَنُوحُ لامْرَأَتِهِ: "نَمُوتُ مَوْتًا لأَنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا الله" (القضاة ١٣/ ٢١ - ٢٢)، ومراده ملاك الله. وظهر ملاك الله لسارة وبشرها بإسحاق "وَقَال لَهَا مَلَاكُ الرَّبِّ: "هَا أَنْتِ حُبْلَى، فتلِدِينَ ابْنًا وَتَدْعِينَ اسْمَهُ إِسْمَاعِيلَ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ سَمِعَ لمِذَلَّتِكِ ١٢ وَإِنَّهُ يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا، يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ، وَأَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ يَسْكُنُ" (التكوين ١٦/ ١١ - ١٣) فأطلقت على الملاك اسم الرب. ومثله تسمية الملاك الذي صحب بني إسرائيل في رحلة الخروج بالرب "وكان الرب يسير أمامهم نهارًا في عمود سحاب ليهديهم في الطريق، وليلًا في عمود نار ليضيء لهم. . . فانتقل ملاك الله السائر أمام عسكر إسرائيل وسار وراءهم" (الخروج ١٣/ ٢١ - ١٤/ ١٩)، فسمى الملاك ربًا. ب- ومن ذلك إطلاق كلمة الرب على الأنبياء، من غير إرادة معناها الحقيقي، فقد قال الله لموسى عن هارون: "وَهُوَ يَكُونُ لَكَ فَمًا، وَأَنْتَ تَكُونُ لَهُ إِلهًا." (الخروج ٤/ ١٦). ومثله في قول الله لموسى: "فَقَال الرَّبُّ لمُوسَى: "انْظُرْ! أَنَا جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ. وَهَارُونُ أَخُوكَ يَكُونُ نَبِيَّكَ." (الخروج ٧/ ١) أي: مسلطا عليه. وقد عهد تسمية الأنبياء (الله) مجازًا أي رسل الله، فقد "كَانَ يَقُولُ الرَّجُلُ عِنْدَ ذَهَابِهِ لِيَسْأَل الله: "هَلُمَّ نَذْهَبْ إِلَى الرَّائِي". لأَنَّ النَّبِيَّ الْيَوْمَ كَانَ يُدْعَى سَابِقًا الرَّائِيَ." (صموئيل (١) ٩/ ٩). ج- وأطلقت لفظة "الله" وأريد منها القضاة، لأنهم يحكمون بشرع الله، ففي سفر الخروج "إن قال العبد. . يقدمه سيده إلى الله، ويقربه إلى الباب. . ." (الخروج ٢٠/ ٥ - ٦). وفي السفر الذي يليه: "وإن لم يوجد السارق يقدم صاحب البيت إلى الله ليحكم هل لم يمد يده إلى ملك صاحبه. . . فالذي يحكم الله بذنبه يعوض صاحبه" (الخروج ٢٢/ ٨ - ٩). وفي سفر التثنية" يقف الرجلان اللذان بينهما الخصومة أمام الرب أمام الكهنة" (التثنية ١٩/ ١٧).

стр. 487

ومثله "الله قَائِم فِي مَجْمَعِ الله. فِي وَسْطِ الآلِهَةِ يَقْضِي: ٢ "حَتَّى مَتَى تَقْضُونَ جَوْرًا وَتَرْفَعُونَ وُجُوهَ الأَشْرَارِ؟ " (المزمور ٨٢/ ٢: ١)، والحديث كما هو ظاهر من السياق عن أشراف بني إسرائيل وقضاتهم. بل يمتد هذا الإطلاق ليشمل كل بني إسرائيل كما في قول داود في مزاميره: "أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَليِّ كُلُّكُمْ. ٧ لكِنْ مِثْلَ النَّاسِ تَمُوتُونَ" (المزمور ٨٢/ ٦)، وهذا الذي استشهد به عيسى ﵇ عندما قال: "أَليْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟ ٣٥ إِنْ قَال آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ الله، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمكْتُوبُ، ٣٦ فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ ألله؟ " (يوحنا ١٠/ ٣٦: ٣٤). هـ- وأطلقت على الشياطين، والآلهة الباطلة للأمم، فقد سمى بولس الشيطان إلهًا، كما سمى البطن إلها، وأراد المعنى المجازي، فقال عن الشيطان: "إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين، لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح" (كورنثوس (٢) ٤/ ٥)، وقال عن الذين يتبعون شهواتهم ونزواتهم: "الذين إلههم بطنهم، ومجدهم في خزيهم. ." (فيلبي ٣/ ١٩). ومثله ما جاء في المزامير "لأَنِّي أَنَا قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ الرَّبَّ عَظِيمٌ، وَرَبَّنَا فَوْقَ جَمِيعًا لآلِهَةِ." (المزمور ١٣٥/ ٥)، وألوهية البطن وسواها ألوهية مجازية غير حقيقية. وجاء في "شرح أصول الإيمان": "موسى تسمى (إلهًا) من الله ذاته، دلالة على نيابته عن الباري لدى فرعون، وليس لكونه اتصف بصفات إلهية، وكذلك القضاة تسموا (آلهة) لكونهم ينفذون مقاصد الله، وأما الأصنام والبطن والمال، فقد سميت بذلك لاتخاذ بعض الناس إياها آلهة، والشيطان تسمى (إلها) لتسلطه على العالم الحاضر" (١) ١١ - كما أن المسيح ﵇ وهو يسمع بمثل هذه الاستعارات والآلهة المجازية أوضح بأن ثمة إلهًا حقيقيًّا واحدًا، هو الله، فقال: "وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الحقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ." (يوحنا ١٧/ ٣)، وهي ما تعني بوضوح

стр. 488

أن الجنة وحياتها الأبدية لا تنال إلا بالشهادة لله بالتوحيد، ولنبيه وصفيه المسيح ﵇ بالرسالة، وهو ما يعتقده المسلمون فيه ﵇. فهذه لغة الكتاب المقدس في التعبير، والتي يخطئ من يصر على فهم ألفاظها حرفيًا كما يخطئ أولئك الذين يفرقون بين المتشابهات، فألوهية هؤلاء جميعا مجازية، وكذا ألوهية المسيح، سواء بسواء. (١) ثانيًا: نصوص بنوة المسيح لله وتتحدث نصوص إنجيلية عن المسيح ﵇، وتذكر أنه ابن الله، ويراها النصارى أدلة صريحة على ألوهية المسيح، فهل يصح هذا الاستدلال منهم؟ وما هو معنى البنوة لله؟ والجواب من وجوه: الوجه الأول: معنى البنوة الصحيح . ١ - إن المعنى المقصود للبنوة في كل ما قيل عن المسيح ﵇ وغيره إنما هو معنى مجازي بمعنى حبيب الله أو مطيع الله، أو المؤمن بالله. لذلك قال مرقس وهو يحكي عبارة قائد المائة الذي شاهد المصلوب وهو يموت فقال: "حقًّا كان هذا الإنسان ابن الله" (مرقس ١٥/ ٣٩). ولما حكى لوقا القصة نفسها أبدل العبارة بمرادفها فقال: "بالحقيقة كان هذا الإنسان بارًا" (لوقا ٢٣/ ٤٧). ٢ - ومثل هذا الاستخدام وقع من يوحنا حين تحدث عن أولاد الله المؤمنين، فقال: "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله. أي المؤمنين باسمه" ٣ - (يوحنا ١/ ١٢)، ونحوه في قول بولس: "كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله" (غلاطية ٨/ ١٤). ٤ - ومثل هذا الإطلاق المجازي للبنوة معهود في الكتب المقدسة التي تحدثت عن أبناء الشيطان، وأبناء الدهر (الدنيا) (انظر يوحنا ٨/ ٤٤، لوقا ١٦/ ٨).

стр. 489

وأما المعنى الحقيقي للبنوة فقد نطقت به الشياطين، فانتهرها المسيح، ففي إنجيل لوقا "وَكَانَتْ شَيَاطِينُ أيضًا تَخْرُجُ مِنْ كَثِيرِينَ وَهِيَ تَصْرُخُ وَتَقُولُ: "أَنْتَ المُسِيحُ ابْنُ الله! " فَانْتَهَرَهُمْ وَلَمْ يَدَعْهُمْ يَتَكَلَّمُونَ، لأَنَهُمْ عَرَفُوهُ أَنَّهُ المُسِيحُ." (لوقا ٤/ ٤١)، فهو المسيح فحسب، وليس ابن الله على الحقيقة. ٥ - وبناء على هذا المعنى يرى البعض أن المقصود في العهد القديم والجديد بابن الله هو محمد ﷺ وهي كلها بشارات بالنبي ﷺ وببعثته ولكن اليهود ومن بعدهم النصارى قاموا بعمليات تحريف في كتابهم حتى يصرفوا هذه البشارات عن النبي ﷺ وحتى يجعلوها في ولد إسحاق لا في ولد إسماعيل (١). الوجه الثاني: هل سمى المسيح نفسه ابن الله ؟ أول ما يلفت المحققون النظر إليه أنه لم يرد عن المسيح ﵇ في الأناجيل - تسميته لنفسه بابن الله سوى مرة واحدة في يوحنا (١٠/ ٣٦)، وفيما سوى ذلك فإن الأناجيل تذكر أن معاصريه، وتلاميذه كانوا يقولون بأنه ابن الله. لذا فإن المحققين يشككون في صدور هذه الكلمات من المسيح ﵇ أو تلاميذه، يقول سنجر في كتابه "قاموس الإنجيل": ليس من المتيقن أن عيسى نفسه قد استخدم ذلك التعبير". ويقول شارل جنيبر: "والنتيجة الأكيدة لدراسات الباحثين، هي: أن المسيح لم يدع قط أنه هو المسيح المنتظر، ولم يقل عن نفسه إنه ابن الله. . . فتلك لغة لم يبدأ في استخدامها سوى المسيحيين الذين تأثروا بالثقافة اليونانية". (٢) وقد قال العالم كولمن بخصوص هذا اللقب: "إن الحواريين الذين تحدث عنهم أعمال الرسل تأسوا بمعلمهم الذي تحفظ على استخدام هذا اللقب ولم يرغب به، فاستنوا بسنته". ويرى جنيبر أن المفهوم الخاطئ وصل إلى الإنجيل عبر الفهم غير الدقيق من المتنصرين الوثنيين فيقول؛ "مفهوم" ابن الله "نبع من عالم الفكر اليوناني".

стр. 490

ويرى القس السابق سليمان مفسر -ويوافقه الدكتور شارل جنيبر- أن بولس هو أول من استعمل الكلمة، وكانت حسب لغة المسيح (عبد الله) وترجمتها اليونانية servant، فأبدلها بالكلمة اليونانية pais بمعنى طفل أو خادم تقربا إلى المتنصرين الجدد من الوثنيين (١). الوجه الثالث: هذه النصوص مقابلة بنصوص أخرى تصف المسيح بأنه ابن الإنسان: ثم هذه النصوص التي تصف المسيح ﵇ أنه ابن الله معارضة بثلاثة وثمانين نصًّا من النصوص التي أطلقت على المسيح لقب "ابن الإنسان"، فلئن كانت تلك التي أسمته ابن الله دالة على ألوهيته فإن هذه مؤكدة لبشريته، صارفة تلك الأخرى إلى المعنى المجازي، ومنها ما يلي: ١ - قول متى: "فَقَال لَهُ يَسُوعُ: "لِلثَّعَالِب أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ" (متى ٨/ ٢٠)، وأيضًا قوله: "إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ" (مرقس ١٤/ ٢١). ٢ - وقد جاء في التوراة: "ليس الله إنسانًا فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم" (العدد ٢٣/ ٩). فالمسيح ليس الله. ٣ - وقال متى (٩/ ٨: ٢) "وَإِذَا مَفْلُوجٌ يُقَدِّمُونَهُ إِلَيْهِ مَطْرُوحًا عَلَى فِرَاشٍ. فَلَمّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ قَال لِلْمَفْلُوجِ: "ثِقْ يَا بُنَيَّ. مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ". وَإِذَا قَوْمٌ مِنَ الْكَتبَةِ قَدْ قَالوا فِي أَنْفُسِهِمْ: "هذَا يُجَدِّفُ! " فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، فَقَال: "لمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِالشَّرِّ فِي قُلُوبِكُمْ؟ أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَال: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَال: قُمْ وَامْشِ؟ وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا". حِينَئِذٍ قَال لِلْمَفْلُوجِ: "قُمِ احْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ! " فَقَامَ وَمَضَى إِلَى بَيْتِهِ. فَلَمّا رَأَى الجمُوعُ تَعَجَّبُوا وَمَجَّدُوا الله الَّذِي أَعْطَى النَّاسَ سُلْطَانًا مِثْلَ هذَا". ٤ - وفي متى أيضًا قول عيسى لحوارييه: (١٠/ ٢٣: ١٦) "هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ كَغَنَمٍ فِي وَسْطِ

стр. 491

ذِئَابٍ، فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالحيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ. وَلكِنِ احْذَرُوا مِنَ النَّاسِ، لأَنَّهُمْ سيُسْلِمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ، وَفِي مَجَامِعِهِمْ يَجْلِدُونَكُمْ. وَتُسَاقُونَ أَمَامَ وُلَاةٍ وَمُلُوكٍ مِنْ أَجلي شَهَادَةً لَهُمْ وَللأُمَمِ. فَمَتَى أَسْلَمُوكُمْ فَلَا تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَتكلَّمُونَ، لَأَنَّكُمْ تُعْطَوْنَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مَا تَتكلَّمُونَ بِهِ، لأَنْ لَسْتُمْ أنْتُمُ المُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ. وَسَيُسْلِمُ الأخ أَخَاهُ إِلَى الْموْتِ، وَالأَبُ وَلَدَهُ، وَيَقُومُ الأَوْلَادُ عَلَى وَالِدِيهِمْ وَيَقْتُلُونَهُمْ، وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي. وَلكِنِ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى المُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ. وَمَتَى طَرَدُوكُمْ فِي هذِهِ الْمدِينَةِ فَاهْرُبُوا إِلَى الأُخْرَى. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَا تُكَمِّلُونَ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ابْنُ الإِنْسَانِ". ٥ - قال متى كذلك: (١٩/ ١١: ١٨) "لأَنَّهُ جَاءَ يُوحَنَّا لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: فِيهِ شَيْطَانٌ. جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ، مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ. وَالحكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَا". ٦ - متى (١٢: ٨) "فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أيضًا". ٧ - متى (١٢: ٣٢) "وَمَنْ قَال كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَال عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لَا فِي هذَا الْعَالمِ وَلَا فِي الآتِي". ٨ - متى (١٦/ ٢٤: ١٣): "وَلمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى نَوَاحِي قَيْصَرِيَّة فِيلُبُّسَ سَأَلَ تَلَامِيذَهُ قِائِلًا: "مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟ " فَقَالوا: "قَوْمٌ: يُوحَنَّا الْمعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ: إِرْميَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ". قَال لَهُمْ: "وَأنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟ " فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَال: "أنْتَ هُوَ الْمسِيحُ ابْنُ الله الحيِّ! ". فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَال لَهُ: "طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أيضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذ الصخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الجْحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا في السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاوَاتِ". حِينَئِذٍ أَوْصَى تَلَامِيذَهُ أَنْ لَا يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ يَسُوعُ الْمسِيحُ. مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظهِرُ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيتَأَلَّمَ

стр. 492

كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتبَةِ، ويُقْتَلَ، وفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ. فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنتهِرُهُ قَائِلًا: "حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لَا يَكُونُ لَكَ هذَا! " فَالْتَفَتَ وَقَال لِبُطْرُسَ: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ! أنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأَنَّكَ لَا تَهْتَمُّ بِمَا لله لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ". حِينَئِذٍ قَال يَسُوعُ لِتَلَامِيذِهِ: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيتْبَعْنِي". وفي هذا النص أن الذي وصفه بأنه ابن الله هو بطرس مخالفًا بذلك أصحابه ثم وصفه عيسى في آخر النص بأن شيطان وفي نفس السياق والقصة صرح المسيح بأنه ابن الإنسان كما في: ٩ - متى (٢٨/ ١٦: ٢٧) "فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلَائِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يجازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ. ٢٨ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لَا يَذُوقُونَ المُوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ". ١٠ - متى (١٨: ١١) "لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ". ١١ - متى (٢٠: ٢٨) "كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَليَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ". ١٢ - متى (٢٦: ٢) "تَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ يَكُونُ الْفِصْحُ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ لِيُصْلَبَ". ١٣ - متى (٢٦: ٤٥) "ثُمَّ جَاءَ إِلَى تَلَامِيذ وَقَال لهمْ: "نَامُوا الآنَ وَاسْتَرِيحُوا! هُوَذَا السَّاعَةُ قَدِ اقْتَرَبَتْ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْخُطَاةِ". الوجه الرابع: لقد ذكر الكتاب المقدس أبناء كثر لله، فهل هم أيضًا آلهة ؟ ولفظ البنوة الذي أطلق على المسيح أطلق على كثيرين غيره، ولم يقتض ذلك ألوهيتهم، بل حملت بنوتهم على المعنى المجازي، أي المؤمنين والصالحين، منهم: ١ - آدم الذي قيل فيه: "آدم ابن الله" (لوقا ٣/ ٣٨). ٢ - ومثله قوله لداود: "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك" (المزمور ٢/ ٧). ٣ - وسليمان أيضًا قيل أنه ابن الله، فقد جاء في سفر الأيام عنه: "هو يبني لي بيتًا. . . أنا أكون له أبًا، وهو يكون لي ابنًا" (الأيام (١) ١٧/ ١٢ - ١٣). ٤ - كما سمى لوقا الملائكة أبناء الله لشيوع مثل هذه الاستخدام في الصدر الأول

стр. 493

للمسيحية "مثل الملائكة وهم أبناء الله" (لوقا ٢٠/ ٣٦). ٥ - وسمت النصوص أيضًا آخرين أبناء الله، أو ذكرت أن الله أبوهم، ومع ذلك لا يقول النصارى بألوهيتهم. فالحواريون أبناء الله، كما قال المسيح عنهم: "وَقُولِي لهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلِهكُمْ" (يوحنا ٢٠/ ١٧). ٦ - وقال للتلاميذ أيضًا: "فكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (متى ٥/ ٤٨). ٧ - وعلمهم المسيح أن يقولوا: "فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. . ." (متى ٦/ ٩)، وقوله: "أبوكم الذي في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه" (متى ٦/ ١١)، فكان يوحنا يقول: "انظروا آية محبة أعطانا الآب حتى نُدعى أولاد الله" (يوحنا (١) ٣/ ١). ٨ - بل واليهود أيضًا كلهم أبناء الله، كما يوضحه قول المسيح لليهود: "أنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَال أَبِيكُمْ". فَقَالوا لَهُ: "إِنَّنَا لَمْ نُولَدْ مِنْ زِنًا. لَنَا أَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الله" (يوحنا ٨/ ٤١). ٩ - وفي سفر هوشع "لكِنْ يَكُونُ عَدَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَرَمْلِ الْبَحْرِ الَّذِي لَا يُكَال وَلَا يُعَدُّ، وَيَكُونُ عِوَضًا عَنْ أَنْ يُقَال لَهُمْ: لَسْتُمْ شَعْبِي، يُقَال لَهُمْ: أَبْنَاءُ الله الحيِّ" (هوشع ١/ ١٠). ١٠ - ونحوه قال عنهم: "لمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلَامًا أَحْبَبْتُهُ، وَمنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي." (هوشع ١/ ١١). ١١ - ومن ذلك أيضًا ما جاء في سفر الخروج عن جميع شعب "فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ. ٢٣ فَقُلْتُ لَكَ: أَطْلِقِ ابْنِي لِيَعْبُدَنِي، فأبيت" (الخروج ٤/ ٢٢). ١٢ - وخاطبهم داود قائلًا: "قَدِّمُوا لِلرَّبِّ يَا أَبْنَاءَ الله، قَدِّمُوا لِلرَّبِّ مَجْدًا وَعِزًّا" (المزمور ٢٩/ ١).

стр. 494

١٣ - ومثله قوله: "لأَنَّهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ يُعَادِلُ الرَّبَّ. مَنْ يُشْبِهُ الرَّبَّ بَيْنَ أَبْنَاءِ الله؟ " (المزمور ٨٩/ ٦). ١٤ - وفي سفر أيوب: "وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أنَّهُ جَاءَ بَنُو الله لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ" (أيوب ١/ ٦). كما نرى في التوراة هذا الإطلاق على الشرفاء من غير أن يفهم منه النصارى أو غيرهم الألوهية الحقيقية. ١٥ - فقد جاء فيها: "أَنَّ أَبْنَاءَ الله رَأَوْا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ. فَاتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا اخْتَارُوا." (التكوين ٦/ ٢). وعليه فلا يمكن النصارى أن يجعلوا من النصوص المتحدثة عن بنوة المسيح لله أدلة على ألوهيته ثم يمنعوا إطلاق حقيقة ذات اللفظ على غيره ممن وصف بذلك وتخصيصهم المسيح بالمعنى الحقيقي يحتاج إلى مرجح لا يملكونه ولا يقدرون عليه. الوجه الخامس: بكورية المسيح بين الأبناء: لكن النصارى يرون تميزًا مستحقًا للمسيح في بنوته عن سائر الأبناء، فهم لا ينازعون في صحة الإطلاق المجازي عندما ترد لفظ البنوة بحق سائر المخلوقات. لكن النزاع إنما يكمن في تلك الأوصاف التي أطلقت على المسيح ويثبتها النصارى على الحقيقة محتجين بأمور: ١ - منها: أنه قد جاء وصف المسيح بأنه الابن البكر أو الوحيد لله. (انظر عبرانيين ١/ ٦، يوحنا ٣/ ١٨). ٢ - أو أنه سمى ابن الله العلي (انظر لوقا ١/ ٣٢، ٧٦). ٣ - أو أنه ابن ليس مولودا من هذا العالم كسائر الأبناء، بل هو مولود من السماء، أو من فوق. (انظر يوحنا ١/ ١٨). ولكن ذلك كله تثبت النصوص أمثاله لأبناء آخرين: ١ - فالبكورية وصف بها إسرائيل "فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ابْنِي

стр. 495

الْبِكْرُ. ٢٣ فَقُلْتُ لَكَ: أَطْلِقِ ابْنِي لِيَعْبُدَنِي، فَأَبَيْتَ أَنْ تُطْلِقَهُ. هَا أَنَا أَقْتُلُ ابْنَكَ الْبِكْرَ (الخروج ٤/ ٢٣ - ٢٢). ٢ - وكذا إفرايم "لأَنِّي صِرْتُ لإِسْرَائِيلَ أَبَا، وَأَفْرَايِمُ هُوَ بِكْرِي" (إرميا ٣١/ ٩). وكذا داود "هُوَ يَدْعُونِي: أَبِي أَنْتَ، إِلهِي وَصَخْرَةُ خَلَاصِي. ٢٧ أَنَا أيضًا أَجْعَلُهُ بِكْرًا، أَعْلَى مِنْ مُلُوكِ الأَرْضِ." (المزمور ٨٩/ ٢٦ - ٢٧). ٣ - ولئن قيل في المسيح أنه ابن الله العلي، فكذلك سائر بني إسرائيل "وبنو العلي كلكم" (المزمور ٨٢/ ٦). الوجه السادس: الابن النازل من السماء: وتعلق مؤلهوا المسيح بما ذكرته الأناجيل عن المسيح الذي أتى من فوق أو من السماء، و"الَّذِي يَأْتِي مِنَ السَّمَاءِ هُوَ فَوْقَ الجمِيعِ" (يوحنا ٣/ ٣١)، وهم يرون صورة ألوهيته مشرقة في قوله: "أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ، أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ. أَنْتُمْ مِنْ هذَا الْعَالمِ، أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هذَا الْعَالمِ." (يوحنا ٨/ ١٢٣، فدل ذلك -وفق رأي النصارى- على أنه كائن إلهي فريد، وهو ابن لا كسائر الأبناء. والجواب على هذا من وجوه: ١ - أن المقصود من المجيء السماوي، هو إتيان المواهب والشريعة لا إتيان الذات، وهو أمر يستوي به مع سائر الأنبياء، ومنهم يوحنا المعمدان فقد سأل المسيح اليهود: "مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: مِنْ أَيْنَ كَانَتْ؟ مِنَ السَّمَاءِ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟ " فَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ قَائِلِينَ: "إِنْ قُلْنَا: مِنَ السَّمَاءِ، يَقُولُ لَنَا: فَلِمَاذَا لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ؟ ٢٦ وَإِنْ قُلْنَا: مِنَ النَّاسِ، نَخَافُ مِنَ الشَّعْبِ. (متى ٢١/ ٢٥ - ٢٦). ٢ - ومن قرأ النص كاملًا؛ تبين له ذلك، حيث جاء النص هكذا: "ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أيضًا قَائِلًا: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلَا يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الحيَاةِ". ١٣ فَقَال لَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: "أَنْتَ تَشْهَدُ لِنَفْسِكَ. شَهَادَتُكَ لَيْسَتْ حَقًّا". ١٤ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَال لهمْ: "وَإِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَق، لأَنِّي أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ أَتَيْتُ وَإِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ. وَأَمَّا أنتُمْ فَلَا تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ آتِي وَلَا إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ. ١٥ أَنْتُمْ حَسَبَ الجسَدِ تَدِينُونَ، أَمَّا أَنَا
следующие страницы →