أما الحرام فالممات دونه * والحل لا حل فأستبينه* فكيف بالأمر الذي تنوينه؟
ثم مضى إلى امرأته آمنة بنت وهب فكان معها، ثم ذكر الخثعمية وجمالها وما عرضت عليه، فأقبل إليها فلم ير منها من الإقبال عليه آخرًا كما رآه منها أولا، فقال: هل لك فيما قلت لي؟ فقالت: قد كان ذاك مرة، فاليوم لا، فذهبت مثلا، وقالت: أي شيء صنعت بعدي؟ قال: وقعت على زوجتي آمنة بنت وهب قالت: إني والله لست بصاحبة ريبة، ولكني رأيت نور النبوة في وجهك، فأردت أن يكون في وأبى الله إلا أن يجعله حيث جعله.
قال: وأخبرنا وهب بن جرير بن حازم، أخبرنا أبي، قال: سمعت أبا يزيد المدني، قال: نبئت أن عبد الله أبا رسول الله ﷺ أتى على امرأة من خثعم فرأت بين عينيه نورًا ساطعًا إلى السماء، فقالت: هل لك في، قال: نعم حتى أرمي الجمرة، فأنطلق فرمى الجمرة ثم أتى امرأته آمنة بنت وهب ثم ذكر يعني الخثعمية فأتاها، فقالت: هل أتيت امرأة بعدي، قال: نعم امرأتي آمنة بنت وهب، قالت: فلا حاجة لي فيك أنك مررت وبين عينيك نور ساطع إلى السماء، فلما وقعت عليها ذهب، فأخبرها أنها قد حملت خير أهل الأرض. (١)
٣ - تحقيق قول أم النبي ﷺ (ما رأيت من حمل أخف علي منه):
قال ابن إسحاق في سيرته: حدثني جهم بن أبي جهم مولى لامرأة من بني تميم كانت عند الحارث بن حاطب فكان يقال مولى الحارث بن حاطب قال: حدثني من سمع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يقول: حدثت عن حليمة ابنة الحارث أم رسول الله ﷺ التي أرضعته أنها
стр. 4307
قالت: قدمت مكة في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس بها الرضعاء، وفي سنة شهباء فقدمت على أتان لي قمراء كانت أذمت بالركب ومعي صبي لنا وشارف لنا، والله ما ننام ليلنا ذلك أجمع مع صبينا ذاك ما نجد في ثدي ما يغنيه، ولا في شارفنا ما يغذيه، فقدمنا مكة، فوالله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فإذا قيل: إنه يتيم تركناه وقلنا: ماذا عسى أن تصنع لنا أمه؟ إنما نرجو المعروف من أبي الوليد، فأما أمه فما عسى أن تصنع إلينا؟ فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخدت رضيعًا غيري فلما لم أجد غيره قطت لزوجي الحارث بن العزى: والله إني أكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلأخدنه فقال: لا عليك، فذهبت تأخده فوالله ما أخدته إلا أني لم أجد غيره فما هو إلا أن أخدته فجئت به رحلي فأقبل عليه ثديي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب أخوه حتى روي، وقام صاحبي إلى شاتنا تلك؛ فإذا إنها لحافل فحلب ما شرب وشربت حتى روينا فبتنا بخير ليلة فقال صاحبي: يا حليمة والله إني لأراك قد أخدت نسمة مباركة، ألم تري إلى ما بتنا به الليلة من الخير حين أخذناه؟ فلم يزل الله يزيدنا خيرًا حتى خرجنا راجعين إلى بلادنا، فوالله لقطعت أتاني بالركب حتى ما يتعلق بها حمار، حتى أن صواحبي ليقلن: ويلك يا بنت أبي ذؤيب أهذه أتانك التي خرجت عليها معنا؟ فأقول نعم والله إنها لهي، فيقلن: والله إن لها لشأنا؛ حتى قدمنا أرض بني سعد وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها؛ فإن كانت غنمي لتسرح ثم تروح شباعًا لبنًا فنحلب ما شئنا وما حولنا أحد تبض لها شاة بقطرة لبن، وإن أغنامهم لتروح جياعًا حتى أنهم ليقولون لرعيانهم: ويحكم انظروا حيث تسرح غنم أبي ذؤيب فأسرحوا معهم، فيسرحون مع غنمي حيث تسرح فيريحون أغنامهم جياعًا وما فيها قطرة لبن وتروح غنمي شباعًا لبنًا نحلب ما شئنا، فلم يزل الله يرينا البركة ونتعرفها حتى بلغ سنتيه، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان، فوالله ما بلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا، فقدمنا به على أمه ونحن أضن شيء به مما رأينا فيه من البركة، فلما رأته أمه قلنا لها: يا ظئر دعينا نرجع ببنينا هذه السنة الأخرى فإنا نخشى عليه أوباء مكة فوالله ما زلنا بها حتى قالت: فنعم،
стр. 4308
فسرحته معنا فأقمنا به شهرين أو ثلاثة فبينًا نحن خلف بيوتنا وهو مع أخ له من الرضاعة في بهم لنا جاءنا أخوه يشتد فقال: ذاك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بياض فأضجعاه فشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه فنجده قائمًا منتقعًا لونه، فأعتنقه أبوه، وقال: أي بني ما شأنك؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بياض فأضجعاني فشقا بطني ثم استخرجا منه شيئًا فطرحاه ثم رادوا كما كان، فرجعنا به معنا فقال أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب انطلقي بنا فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما يتخوف، قالت: فاحتملناه فلم ترع أمه إلا به قد قدمنا به عليها فقالت: ما ردكما به؟ قد كنتما عليه حريصين، فقلنا: لا والله يا ظئر إلا أن الله قد أدى عنا وقضينا الذي علينا، وقلنا: نخشى الأتلاف والأحداث نرده إلى أهله، فقالت: ما ذلك بكما فأصدقاني شأنكما، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره، فقالت: أخشيتما عليه الشيطان؟ كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، وإنه لكائن لابني هذا شأن ألا أخبركما بخبره؟ قلنا: بلى قالت: حملت به فما حملت حملًا قط أخف منه، فأريت في النوم حين حملت به كأنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام، ثم وقع حين ولدته وقوعًا ما يقعه المولود معتمدًا على يديه، رافعًا رأسه إلى السماء فدعاه عنكما. (١)
الوجه الخامس: ذكر بعض الشهادات من غير المسلمين للنبي ﷺ -.
أولًا: شهادة أبي سفيان له كما سبق من سؤال هرقل:
مع العلم بأن أبا سفيان كان من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ وكان من أحرص الناس
стр. 4309
على إيجاد شيء يقدح به في النبي ﷺ ، ومن أشد ما يقدح المرء ويشينه ويسقطه في أعين أتباعه أن يكون فيه شبهة في نسبه، فلما يجد أبو سفيان شيئًا يقدح به في نسبه، اعترف وأقر ولا يصح إلا الصحيح.
ثانيا: قال ول ديورانت:
لقد كان محمد من أسرة كريمة ممتازة، ولكنه لم يرث منها إلا ثروة متواضعة، فقد ترك له عبد الله خمسة من الإبل، وقطيعًا من العز، وبيتًا، وأمه عنيت بتربيته في طفولته. ولفظ محمد مشتق من الحمد وهو مبالغة فيه، كأنه حمد مرة بعد مرة، ويمكن أن تنطبق عليه بعض فقرات في التوراة تبشر قصة الحضارة، تحت عنوان محمد في مكة.
١ - (مايكل هارت) في كتابه مائة رجل في التاريخ:
ويقول (مايكل هارت) في كتابه (مائة رجل في التاريخ): إن اختياري محمدًا، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي.
فهناك رُسل وأنبياء وحكماء بدأوا رسالات عظيمة؛ ولكنهم ماتوا دون إتمامها، كالمسيح في المسيحية، أو شاركهم فيها غيرهم أو سبقهم إليهم سواهم، كموسى في اليهودية، ولكن محمدًا هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته؛ ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة؛ فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضًا وحّد القبائل في شعب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم، أيضًا في حياته، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، وأتمها.
٢. غوستاف لوبون:
١ - جمع محمد ﷺ قبل وفاته كلمة العرب، وبنى منهم أمة واحدة خاضعة لدين واحد مطيعة لزعيم واحد، فكانت في ذلك آيته الكبرى. ومما لا ريب فيه أن محمدًا ﷺ أصاب في بلاد العرب نتائج لم تصب مثلها جميع الديانات التي ظهرت قبل الإسلام، ومنها
стр. 4310
اليهودية والنصرانية، ولذلك كان فضله على العرب عظيمًا. (١)
٢ - إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد ﷺ من أعظم من عرفهم التاريخ، وقد أخذ علماء الغرب ينصفون محمدًا ﷺ ، مع أن التعصب الديني أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله. . . (٢)
٣ - استطاع محمد ﷺ أن يبدع مثلًا عاليًا قويًا للشعوب العربية التي لا عهد لها بالمثل العليا، وفي ذلك الإبداع تتجلى عظمة محمد ﷺ على الخصوص، ولم يتردد أتباعه في التضحية بأنفسهم في سبيل هذا المثل الأعلى. ." (٣)
٣ - لوقا (٤):
١ - ما كان محمد ﷺ كآحاد الناس في خلاله ومزاياه، وهو الذي اجتمعت له آلاء الرسل، وهمة البطل، فكان حقًّا على المنصف أن يكرم فيه المثل، ويحيّي فيه الرجل. (٥)
٢ - لا تأليه ولا شبهة تأليه في معنى النبوة الإسلامية، وقد درجت شعوب الأرض على تأليه الملوك والأبطال والأجداد، فكان الرسل أيضًا معرضين لمثل ذلك الربط بينهم وبين الألوهية بسبب من الأسباب، فما أقرب الناس لو تركوا لأنفسهم أن يعتقدوا في الرسول أو النبي أنه ليس بشرًا كسائر البشر، وأن له صفة من صفات الألوهية على نحو من الأنحاء. ولذا نجد توكيد هذا التنبيه متواترًا مكررًا في آيات القرآن، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]، وفي تخير كلمة ﴿مِثْلُكُمْ﴾ معنى مقصود به
стр. 4311
التسوية المطلقة، والحيلولة دون الارتفاع بفكرة النبوة أو الرسالة فوق مستوى البشرية بحال من الأحوال، بل نجد ما هو أصرح من هذا المعنى فيما جاء بسورة الشورى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]، وظاهر في هذه الآية تعمد تنبيه الرسولى نفسه ﷺ إلى حقيقة مهمته، وحدود رسالته التي كلف بها، وليس له أن يعدوها، كما أنه ليس للناس أن يرفعوه فوقها. (١)
٣ - رجل فرد هو لسان السماء، فوقه الله لا سواه، ومن تحته سائر عباد الله من المؤمنين؛ ولكن هذا الرجل يأبى أن يداخله من ذلك كبر؛ بل يشفق، بل يفرق من ذلك ويحشد نفسه كلها لحرب الزهو في سريرته، قبل أن يحاربه في سرائر تابعيه. ولو أن هذا الرسول ﷺ بما أنعم من الهداية على الناس وما تم له من العزة والأيادي، وما استقام له من السلطان، اعتد بذلك كله واعتزّ، لما كان عليه جناح من أحد؛ لأنه إنما يعتد بقيمة ماثلة، ويعتز بمزية طائلة. يطريه أصحابه بالحق الذي يعلمون عنه، فيقول لهم: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله، فقولوا عبد الله ورسوله". ويخرج على جماعة من أصحابه فينهضون تعظيمًا له، فينهاهم عن ذلك قائلًا: "لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضًا" (٢).
стр. 4312
٢ - إنكار أمية الرسول ﷺ -
تمهيد:
ويتمثل ذلك في إنكار البعض ما استفاضت شهرته من إثبات أمّيّة النبي ﷺ ، متغافلين عن نصوص الوحيين الصريحة في ذلك، ثم ساقوا لتأييد أطروحتهم جملة من الأدلة، مستصحبين معهم أسلوبهم الشهير في تحريف النصوص وليّ أعناقها، واستنباط ما لا يدل عليه النص أبدًا، لا بمنطوقه ولا بمفهومه، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إننا نجد منهم اللجوء إلى الكذب الصراح، متى ما كان ذلك موصلًا إلى هدفهم من التضليل والتشويش.
وحول أمية الرسول ﷺ قامت عدة شبهات وهي:
الشبهة الأولى: ادعاؤهم أن لفظ (الأمي) يساوي لفظ (أممي) .
نص الشبهة: أن أمي: هو غير يهودي أو غير كتابي وليس معناها الذي لا يعرف الكتابة والقراءة. ثم يدعم شبهته بتفسير محرف آخر لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٩]، والدليل على ذلك -بحسب زعمه- أن قريشًا كانوا يتهمون الرسول بأنه يؤلف القرآن. وهي تهمة كان من شأنها أن تبدو مستحيلة، ومضحكة لو كان الرسول حقًّا لا يحسن القراءة والكتابة. لم يأخذ القرآن لفظة أمي أميين بمعناها اللغوي، بل أخذها بمعناها الاصطلاحي. وهذا ما دل عليه الواقع القرآني وذلك في قوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران: ٢٠].
الرد على الشبهة الأولى من وجوه:
الوجه الأول: سبب هذا الزعم .
وذلك لأن النصارى يطلقون لفظ (الأمم) على غير المؤمنين برسالة المسيح ﵇ كما نقرأ في العهد الجديد: (فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ) (متى ٢٨: ١٩)، هذا غير أن (الأمم) مصطلح يهودي مستخدم في العهد
стр. 4313
القديم، للدلالة على غير اليهود، فمن هنا جاء هذا الخلط.
الوجه الثاني: كلمة "أمي" في اللغة .
١ - يقول ابن منظور: معنى الأمي المنسوب إلى ما عليه جَبَلَتْه، أمه أي لا يكتب فهو أمِّي؛ لأن الكتابة مكتسبة؛ فكأنه نسب إلى ما يولد عليه، أي على ما ولدته أمه عليه (١).
وقال الأزهري: قيل للذي لا يكتب ولا يقرأ أمي؛ لأنه على حيلته التي ولدته أمه عليها، والكتابة مكتسبة متعلمة، وكذلك القراءة من الكتاب (٢).
وقال الراغب الأصبهاني: الأمي هو الذي لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وعليه حمل قول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ (٣).
٢ - أما ابن قتيبة فقد نسب كلمة أمي إلى أمة العرب، التي لم تكن تقرأ أو تكتب فقال:
قيل لمن لا يكتب أمي؛ لأنه نسب إلى أمة العرب، أي جماعتها ولم يكن من يكتب من العرب أي جماعتها، ولم يكن من يكتب من العرب إلا قليل من لا يكتب إلى الأمة (٤).
وفي المعجم الوجيز يوضح الفرق بين أمي وأممي فيقول: (الأميّ) هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، و (الأميّة) مصدر صناعي بمعنى الجهل بالقراءة والكتابة، و (الأممي) هو من ليس من أهل الكتاب، وبذلك تكون (الأممية) مصدر صناعي بمعنى عدم الانتماء لملة أهل الكتاب يهود كانوا أم نصارى. وكما نرى فإن الفارق واضح هنا في المعنى، ولكن أهل الكتاب يصرون على أن الكلمتين بمعنى واحد وهذا خطأ! ! ونتساءل: من أين جاء لديهم هذا الخلط؟ !
ومما سلف نرى أن كلمة أمي تعني عند أئمة اللغة: الذي لا يقرأ ولا يكتب وليس كما يُدعى أن معناها غير الكتابي أو غير اليهودي.
الوجه الثالث: أما تفسير كلمة أمِّي عند أهل التفسير فإننا نراهم قد اتفقوا مع أهل اللغة حول معنى هذه الكلمة .
стр. 4314
١ - قال الطبري: يعني بالأميين الذين لا يكتبون ولا يقرءون، ومنه قول النبي ﷺ إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب (١).
٢ - أما الإمام الشوكاني فقد فسر الأمي بأنه: منسوب إلى الأمة الأمية التي هي على أصل ولادتها من أمهاتها، لم تتعلم الكتابة، ولا تحسن القراءة للمكتوب (٢).
فحقيقة الأمر نجد أن القرآن الكريم لا يخلط في المعني، بمفهوم أهل الكتاب، كما أن في قوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران: ٢٠] فإن الله تعالى يقول لنبيه الكريم ﷺ : يا محمد قل لأهل الكتاب من الملّيين وكذلك مشركي العرب ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾ هل تدخلون في دين الإسلام؟ وليس المقصد هنا بأن الأميين هم الأمميين.
يقول القرطبي مفسرًا هذه الآية: أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى، والأميين الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب (٣).
٣ - أيضًا نقول أن القرآن الكريم إذ يطلق مصطلح ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾ للدلالة على مشركي العرب، فليس معنى هذا أن العرب كلهم يجهلون القراءة والكتابة!
قال الآلوسي: والأميون جمع أمي وهو كما في "المغرب" مَن لا يكتب ولا يقرأ منسوب إلى أمة العرب الذين كانوا لا يكتبون ولا يقرءون، أو إلى الأم: بمعنى أنه كما ولدته أمه، أو إلى أم القرى؛ لأن أهلها لا يكتبون غالبًا، والمراد أنهم جهلة (٤).
الشبهة الثانية: حول تفسير قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ﴾ .
نص الشبهة: قد فسروا قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ بأنها تعني: بلِّغ، وهذا يفيد أن النبي ﷺ كان قارئًا:
وللرد على الشبهة من وجوه:
стр. 4315
الوجه الأول: تفسير كلمة (اقرأ) .
١ - قال ابن الأثير في مادة (قرأ):
(القِراءة، والاقْتراء، والقارئ، والقُرآن) والأصل في هذا اللفَّظة الجمعُ. وكلُّ شيء جَمعْتَه فقد قَرَأتَه. وسُمِّيَ القُرآن قُرآنًا؛ لأنه جَمع القِصَص، والأمْر والنهي، والوْعد والوعيد، والآياتِ والسُّوَر بعضها إلى بعض، وهو مصدر كالغُفْران، والكُفْران، وقد يُطْلق على الصلاة، لأنَّ فيها قِراءة تَسْمِيةً للشيء ببعضه، وعلى القِراءة نفْسِها يقال: قَرأ يَقْرأ قِراءة وقُرآنًا، والاقتراء: افْتِعال من القِراءة، وقد تُحْذف الهمزة منه تخفيفًا فيقال: قُرآن، وقَرَيْتُ، وقارٍ، ونحو ذلك من التّصْريف.
وفيه "أكثرُ منافقي أمَّتي قُرّاؤها" أي أنهم يَحْفَظون القرآن نَفْيًا للتُّهمة عن أنفُسهم وهم معْتَقدون تَضْييعَه. وكان المنافقون في عَصْر النبي ﷺ بهذه الصفة.
وفي حديث أبيّ في ذِكْر سورة الأحزاب (إن كانت لَتُقارِى أو هي أطْول) أي تجاريها مَدَى طُولها في القراءة، أو أنَّ قَارئها لَيُساوِي قارئ سورة البقرة في زَمَن قِراءتها، وهي مُفاعَلة من القِراءة.
وفي حديث ابن عباس ﵁ (أنه كان لا يَقْرأ في الظُّهر والعَصْر) ثم قال في آخره ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ معناه أنه كان لا يَجْهَر بالقراءة فيهما أو لا يُسْمع نفْسَه قراءته؛ كأنه رأى قَومًا يقرؤون، فيُسمِعون أنفسهم ومن قَرُب منهم.
ومعنى قوله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ يريد أن القراءة التي تَجْهَر بها أو تُسْمِعُها نفسك يكتُبها الملكان، وإذا قرأتها في نفِسك لم يكْتُباها والله يحفظُها لك ولا ينْساها لِيُجازِيك عليها.
وفيه (إن الربَّ يُقْرِئك السلام) يقال: أقْرِئ فُلانا السلام واقْرَأ ﵇؛ كأنه حين يُبَلِّغه سلامه يَحْمِله على أن يَقْرأ السلام ويَرُدّه، وإذا قَرأ الرجل القرآن أو الحديث على الشيخ يقول: أقْرَأني فلان: أي حَمَلني على أن أقرأ عليه (١).
стр. 4316
إذًا معنى كلمة اقرأ في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١] هو مجرد فعل القراءة وليس التبليغ كما يُدَّعي؛ لأن الفعل قد جاء مكسور الهمزة من قرأ -يقرأ اقترأ الكتاب، بمعنى نطق بالمكتوب فيه، وألقى النظر عليه وطالعه، وقرأ الكتاب، تتبع ما فيه، وقرأ الآية نطق بها (١).
إذًا فلا يشترط أن تكون القراءة من كتاب، بل تجوز القراءة عن طريق المشافهة والسماع، كما يقال قرأ فلان على فلان مع أن أحدهما قد يكون أعمى.
واقرأ اسم تفضيل من قرأ أي أجود قراءة، واستقرأه طلب منه أن يقرأ، والقرّاء الحسن القراءة (٢).
٢ - وبعد هذا؛ فإن فعل اقرأ في أول سورة العلق لم يكن المراد به الأمر بالتبليغ، فلو كان دالًا على التبليغ فيجب أن يأتي من:
أقرأ -يقرئ- أقرئ، وذلك بإيراد همزة التعدية نقول أقرأ فلانًا السلام، واقرأه إياه، أي بلغه، وفي الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ يومًا يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام. (٣).
قال الزمخشري: ولا يقال اقرأ سلامي على فلان بل أقرئه (٤).
ونستدل من ذلك أن قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ يراد منه الأمر بالقراءة ولا يراد منه التبليغ؛ لأنه لو كان ذلك لوجب أن يقول أقرئ، ويكون المحذوف هو مفعول الفعل طلبًا للاختصار.
وورد في لسان العرب أقرأ غيره إقراء، ومنه قوله تعالى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ (٥).
٣ - والواقع لو كان معنى اقرأ في آية العلق بلَّغ ، لاستوعبه الرسول ﷺ لأول وهلة، ولم يحتج -وهو على صواب- بأنه غير قادر على القراءة عندما خاطبه جبريل ﵇ لأول مرة: ما
стр. 4317
أنا بقارئ؛ لأنه في هذه الحالة سيكون قد عصى أمر ربه، ولم يصدع بما أمر به أما وأنه كان عاجزًا عن القراءة التي بمعنى فعل القراءة؛ فإنه كان مصيبًا أي غير قادر على القراءة والكتابة.
٤ - عن عائشة ﵂ قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه، وهو التعبد الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال فأخذني فغطني، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال لي اقرأ، قال: قلت ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، قال: فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الريع (١).
فالرسول الكريم ﷺ أخبر الملك بأنه لا يعرف القراءة والكتابة، فلو كان مدلول اقرأ في مفتتح السورة بمعنى بلغ لكان قوله ﷺ (ما أنا بقارئ) وعدم جوازه على الرسول ﷺ ، فإنه لم يقل بهذا القول أحد من قبل.
الوجه الثاني: يحتج بعض النصارى بأمر الروح الأمين للنبي ﷺ متسائلين: هل كان جبريل يجهل أنه مرسل لنبي أمِّي حتى يخاطبه بصيغة أمر القراءة ؟ .
فنقول في غار حراء نزل الروح الأمين بأول كلمات القرآن على النبي المتحنث بين جنبات الغار، فتحكي كتب السيرة أن جبريل ﵇ ضمه إلى صدره، حتى بلغ منه الجهد وقال له: اقرأ، فرد الرسول الكريم ﷺ : ما أنا بقارئ. وهذا طبقًا للروايات الصحيحة: من حديث عائشة ﵂ فأعاد جبريل ذلك مرة أخرى ورد ﷺ بنفس ذلك الرد، وفي المرة الثالثة قال له النبي الكريم: ماذا أقرأ؟ فكانت الآيات الأولى من سورة العلق هي أول ما نزل من القرآن الكريم.
стр. 4318
ويرد الإمام القرطبي ويقول: معنى الأمر الكريم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أي اذكر اسمه. أمره أن يبتدئ القراءة باسم الله (١).
وقيل: فيه حثٌّ لأمته على العلم، وقد أكد الرسول ﷺ على هذا في الكثير من أحاديثه، أي أن المعني رمزيًا، وليس ملموسًا كما ذهب أغلب النصارى.
والجدير بالذكر أنه على الرغم من حث النبي الكريم أصحابه على طلب العلم وبيانه لفضل العلم ومنزلة العلماء؛ ولكن لم ينتقده أبدًا أحد من أصحابه، بسبب أميته أو يحاول أحدهم تعليمه مبادئ القراءة والكتابة أو شيء من هذا القبيل، وذلك يرجع أولا إلى علو مكانة الرسول ﷺ بين أصحابه فلا ذكر هنا لأميّته وإن كانت أمرًا واقعًا. وثانيا: إن أمية النبي الكريم ﷺ لم تكن لتمنع أصحابه أن يتلقوا مبادئ الإسلام على يديه ﷺ .
الوجه الثالث: هل الثقافة والنبوة لا تجتمعان ؟
ولا يفهم النصارى مفهوم الثقافة بالنسبة للأنبياء فيصرون على أن كل الأنبياء الذين ورد ذكرهم في كتبهم كانوا على درجة عالية من الثقافة، وسيدهم موسى الكليم -ولا زال الكلام عن لسانهم- الذي يقولون أنه قد تثقف في قصر فرعون بكل علوم المصريين، وحكمتهم أما بالنسبة لمحمد ﷺ فيتعجبون من موقف المسلمين في الإصرار على أمّيته.
ونقول لهم: إن أولئك الأنبياء صلوات ربي عليهم وتسليمه قد بعثوا في قومهم مثلهم كمثل العالم الفقيه في الأمّة الإسلامية، ولم يكن من المستغرب أن يسمع بهم الخاصة والعامة في وقت من الأوقات، ولم يكن قيامهم إنكارًا لقيام الأنبياء من قبلهم، بل هو تفسير لبعض الأسفار وحض على اتباع السنن التي رسمها لهم من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وداوود وموسى عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام، فلا مجال هنا للتفكير في ثقافة ذلك النبي ونترك التفكير في دعوته. أما في حالة محمد ﷺ ؛ فإنه خاتم هؤلاء الأنبياء وصاحب الشريعة الخاتمة الذي بعث للناس كافة. . الأميون منهم والكتابيون، فهنا تظهر
стр. 4319
أميته كحجة دامغة على مصدر رسالته السماوية، فلا يخالج نفسية المؤمن شك ولو بسيط أنه قد جاء بشيء من عنده، وسبحان من وسعت حكمته كل شيء.
فمفهوم ثقافة الأنبياء العالية، وإن كان القرآن لم يشر إليه من قريب أو من بعيد، لا نعترض عليه، ولكن مفهوم أمية محمد ﷺ لا يقلل من نبوته، وإن كانت الأمية في حد ذاتها نقص، يتنزه عنه العوام، كذلك لا يقلل من تفضيل الله تعالى له عن العالمين؛ فتفضيله واجتبائه إياه ﷺ كان بأنه يحمل ختام الشرائع ونهاية رسالات السماء إلى بني أدم، وإن ذلك النبي الأمي هو الذي رسم النهج الذي سار عليه من بعده الملايين والملايين من عباد الله، على اختلاف طبقاتهم وألسنتهم وألوانهم، وهذا ما لم يحدث مع أحد من العالمين سواه.
الوجه الرابع: الذي أنزل على محمد ﷺ لم يكن كتابا مقرؤًا بل كلامًا مسموعًا ألقاه جبريل على نبيه ﷺ فأين هذا الكتاب الذي تدعون أنه قرأ منه.
الشبهة الثالثة
الشبهة المتعلقة بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٨ - ٧٩].
نص الشبهة:
قالوا: هذه الآية لا تحتاج إلى تفسير، بل تكون قرينة لوضوحها على فهم بقية الآيات الأخرى حيث قال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ ثم أتبعها لبيان ذلك وسبب الأمية هي لا يعلمون الكتاب إلا أماني. وهذا هو المعنى الثاني للأمية، ومنه يفهم قوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. فالأميون الذين لم يطلعوا على كتاب من قبل، ولم يأتهم نبي بتعاليم، وكونه منهم أي من هؤلاء أي من أنفسهم لا غريب عليهم مثل قوله ﴿الْأُمِّيَّ﴾ فنسبة الأمية إليه باعتباره من هؤلاء.
والرد على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول:
стр. 4320
١ - إن لفظ ﴿وأمِّي﴾ في الأصل يطلق على من لا يقرأ ولا يكتب، وقد يطلق اللفظ ويراد به معانٍ أخرى؛ ولكن لا بد أن يوجد قرينة لتصرف معناه عن المعنى الأصلي الذي يرد على الذهن من أول وهلة.
٢ - فكما أن الجهل بالشيء درجات وأنواع، فكذلك الأمية أنواع:
فهناك أمية في القراءة، وهناك أمية في العلم الإلهي، وهناك أمية في العلوم الدنيوية.
فنحن نسمع الآن أن من لم يتعلم الكمبيوتر فهو أمي، ويُقصد ذلك بالأمية في علوم دنيوية، فهناك علوم دنيوية من لم يتعلمها، قد يتهمه البعض بأنه أمي، بالرغم من أنه يقرأ ويكتب.
لذلك قال ابن تيمية: والصواب: أن الأمي نسبة إلى الأمة، كما يقال: عامِّي نسبة إلى العامَّة، التي لم تتميز عن العامَّة بما تمتاز به الخاصة، وكذلك هذا لم يتميز عن الأمة بما يمتاز به الخاصة من الكتابة والقراءة (١).
فمسألة التميز عن عموم الناس بميزات خاصة معينة، تُعرف من خلال سياق الكلام، وهي التي تحدد ماهية كلمة ﴿أمي﴾.
٣ - ولنتعرف على معنى كلمة ﴿أمي﴾ في هذه الآية:
وهي تعني الأمية في العلم الإلهي، حتى ولو كان من يوسف بذلك يقرأ ويكتب، وفي هذه الحالة يوصف بها: إما من ليس له كتاب من عند الله، أو من لا يفهم ويطبق هذا الكتاب الذي عنده من الله.
عن ابن عباس وقتادة في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ أي: غير عارفين بمعاني الكتاب يعلمونها حفظًا وقراءة بلا فهم، ولا يدرون ما فيه.
٤ - فمما سبق يتضح لنا أن لفظ ﴿أمِّي﴾ قد صرف عن معناه الأصلي -أي الذي لا يقرأ ولا يكتب- وذلك لعدة قرائن:
قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾:
стр. 4321
قال ابن تيمية: فإنه قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ لم يقل: لا يقرؤون ولا يسمعون، ثم قال: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ وهذا استثناء منقطع. لكن يعلمون أماني إما بقراءتهم لها، وإما بسماعهم قراءة غيرهم، وإن جعل الاستثناء متصلًا، كان التقدير لا يعلمون الكتاب إلا علم أماني، لا علم تلاوة فقط بلا فهم، والأماني: جمع أمنية وهي التلاوة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢]، قال الشاعر:
تمنى كتاب الله أول ليلة ... آخرها لاقى حمام المقادر (١)
قوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾:
قال ابن تيمية: وقوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ أي: تلاوة فهم لا يعلمون فقه الكتاب، إنما يقتصرون على ما يسمعونه يتلى عليهم، قاله الكسائى والزجاج. وكذلك قال ابن السائب: لا يحسنون قراءة الكتاب، ولا كتابته إلا أماني، إلا ما يحدثهم به علماؤهم. وقال أبو روق وأبو عبيدة: أي تلاوة وقراءة عن ظهر القلب، ولا يقرؤونها في الكتب، ففي هذا القول جعل الأماني التي هي التلاوة تلاوة الأميين أنفسهم، وفي ذلك جعله ما يسمعونه من تلاوة علمائهم، وكلا القولين حق والآية تعمهما.
وقد يقال: إن قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ أي الخط، أي: لا يحسنون الخط، وإنما يحسنون التلاوة، ويتناول -أيضًا- من يحسن الخط والتلاوة، ولا يفهم ما يقرؤه ويكتبه. . . فإن قيل: فقد قال بعض المفسرين ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾: إلا ما يقولونه بأفواههم كذبًا وباطلًا، وروى هذا عن بعض السلف واختاره الفراء.
وقال الأماني: الأكاذيب المفتعلة، قال بعض العرب لابن دأب -وهو يحدث: أهذا شيء
стр. 4322
رويته أم تمنيته، أي: افتعلته؟ فأراد بالأماني الأشياء التي كتبها علماؤهم من قبل أنفسهم، ثم أضافوها إلى الله من تغيير صفة محمد ﷺ وقال بعضهم (الأماني): يتمنون على الله الباطل والكذب، كقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، وهذا -أيضًا- يروي عن بعض السلف.
قيل: كلا القولين ضعيف، والصواب الأول، لأنه سبحانه قال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، وهذا الاستثناء إما أن يكون متصلًا أو منقطعًا، فإن كان متصلًا لم يجز استثناء الكذب ولا أماني القلب من الكتاب، وإن كان منقطعًا فالاستثناء المنقطع إنما يكون فيما كان نظير المذكور وشبيهًا له من بعض الوجوه، فهو من جنسه الذي لم يذكر في اللفظ، ليس من جنس المذكور؛ ولهذا لا يصلح المنقطع حيث يصلح الاستثناء المفرغ، وذلك كقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ ثم قال: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] فهذا منقطع؛ لأنه يحسن أن يقال: لا يذوقون إلا الموتة الأولى، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] لأنه يحسن أن يقال: لا تأكلوا أموالكم بينكم إلا أن تكون تجارة، وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] يصلح أن يقال: وما لهم إلا اتباع الظن، فهنا لما قال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾، يحسن أن يقال: لا يعلمون إلا أماني؛ فإنهم يعلمونه تلاوة، يقرؤونها، ويسمعونها، ولا يحسن أن يقال: لا يعلمون إلا ما تتمناه قلوبهم، أولا يعلمون إلا الكذب؛ فإنهم قد كانوا يعلمون ما هو صدق -أيضًا- فليس كل ما علموه من علمائهم كان كذبًا، بخلاف الذي لا يعقل معنى الكتاب؛ فإنه لا يعلم إلا تلاوة.
стр. 4323
وأيضًا فهذه الأماني الباطلة التي تمنوها بقلوبهم وقالوها بألسنتهم، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ قد اشتركوا فيها كلهم، فلا يخص بالذم الأميون منهم، وليس لكونهم أميين مدخل في الذم بهذه، ولا لنفي العلم بالكتاب مدخل في الذم بهذه، بل الذم بهذه مما يعلم أنها باطل أعظم من ذم من لا يعلم أنها باطل؛ ولهذا لما ذم الله بها عمم ولم يخص، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١] (١).
قوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾:
قال ابن تيمية: والكتاب هنا المراد به: الكتاب المنزل، وهو التوراة؛ ليس المراد به الخط، فإنه قال: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] فهذا يدل على أنه نفى عنهم العلم بمعاني الكتاب، وإلا فكون الرجل لا يكتب بيده لا يستلزم أن يكون لا علم عنده، بل يظن ظنًا؛ بل كثير ممن يكتب بيده، لا يفهم ما يكتب، وكثير ممن لا يكتب يكون عالمًا بمعاني ما يكتبه غيره. وأيضًا فإن الله ذكر هذا في سياق الذم لهم، وليس في كون الرجل لا يخط ذم إذا قام بالواجب، وإنما الذم على كونه لا يعقل الكتاب الذي أنزل إليه، سواء كتبه وقرأه أو لم يكتبه، ولم يقرأه، كما قال النبي ﷺ : "هذا أوان يرفع العلم". فقال له زياد بن لبيد: كيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن فوالله لنقرأنَّه ولنقرِئنَّه نساءنا؟ فقال له: "إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة، أو ليست التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغنى عنهم؟ " (٢).
ولأنه قال تعالى قبل هذا: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] فأولئك عقلوه ثم حرفوه، وهم مذمومون، سواء كانوا يحفظونه بقلوبهم، يكتبونه ويقرؤونه حفظًا وكتابة، أو لم يكونوا كذلك، فكان من المناسب أن يذكر الذين لا يعقلونه، وهم الذين لا يعلمونه إلا أماني؛ فإن القرآن أنزله الله كتابًا متشابهًا مثاني، ويذكر فيه الأقسام والأمثال، فيستوعب الأقسام،
стр. 4324
فيكون مثاني، ويذكر الأمثال فيكون متشابهًا. وهؤلاء وإن كانوا يكتبون ويقرؤون فهم أميون من أهل الكتاب، كما نقول نحن لمن كان كذلك: هوامي، وساذج، وعامي، وإن كان يحفظ القرآن ويقرأ المكتوب إذا كان يعرف معناه.
وإذا كان الله قد ذم هؤلاء الذين لا يعرفون الكتاب إلا تلاوة دون فهم معانيه، كما ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، دل على أن كلا النوعين مذموم: الجاهل الذي لا يفهم معاني النصوص، والكاذب الذي يحرف الكلم عن مواضعه. وهذا حال أهل البدع، فإنهم أحد رجلين: إما رجل يحرف الكلم عن مواضعه، ويتكلم برأيه، ويؤوله بما يضيفه إلى الله فهؤلاء، يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون: هو من عند الله، وإما رجل مقلد أمِّي، لا يعرف من الكتاب إلا ما يسمعه منهم، أو ما يتلوه هو، ولا يعرف إلا أماني وقد ذمه الله على ذلك، فعلم أن الله ذم الذين لا يعرفون معاني القرآن، ولا يتدبرونه، ولا يعقلونه، كما صرح القرآن بذمهم في غير موضع، فيمتنع مع هذا أن يقال: إن أكثر القرآن أو كثيرًا منه لا يعلمه أحد من الخلق إلا أماني، لا جبريل ولا محمد ولا الصحابة ولا أحد من المسلمين؛ فإن هذا تشبيه لهم بهؤلاء فيما ذمهم الله به.
فإن قيل: أفلا يجب على كل مسلم معرفة معنى كل آية؟ قيل: نعم، لكن معرفة معاني الجميع فرض على الكفاية، وعلى كل مسلم معرفة ما لا بد منه، وهؤلاء ذمهم الله؛ لأنهم لا يعلمون معاني الكتاب إلا تلاوة، وليس عندهم إلا الظن، وهذا يشبه قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: ١١٠].
وأيضًا فإنه قال: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ فدل على أنه ذمهم على نفي العلم، وعلى أنه ليس معهم إلا الظن، وهذا حال الجاهل بمعاني الكتاب لا حال من يعلم أنه يكذب، فظهر أن هذا المصنف ليس هم الذين يقولون بأفواههم الكذب والباطل، ولو أريد ذلك لقيل: (لا يقولون إلا أماني)، لم يقل: (لا يعلمون الكتاب إلا أماني)، بل ذلك المصنف هم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ويلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب، وما هو من الكتاب، ويقولون: هو من عند الله، وما هو من عند الله، ويكتبون الكتاب بأيديهم ليشتروا به ثمنا قليلًا، فهم يحرفون معاني
стр. 4325
الكتاب، وهم يحرفون لفظه لمن لم يعرفه، ويكذبون في لفظهم وخطهم. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذْو القذَّة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " (١).
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: "لتأخذن أمتي مآخذ الأمم قبلها، شبرًا بشبر وذراعًا بذراع" قالوا: يا رسول الله، فارس والروم؟ قال: "ومن الناس إلا أولئك" (٢).
فهذا دليل على أن ما ذم الله به أهل الكتاب في هذه الآية، يكون في هذه الأمة من يشبههم فيه، وهذا حق قد شوهد، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)﴾ [فصلت: ٥٣]، فمن تدبر ما أخبر الله به ورسوله، رأي أنه قد وقع من ذلك أمور كثيرة، بل أكثر الأمور، ودله ذلك على وقوع الباقي (٣).
الشبهة الرابعة
الرد على من قال أن قوله تعالى ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ [العنكبوت: ٤٨ - ٤٩]، لا يفيد كون الرسول كان أمِّيًا.
ففسروا قوله: (مِنْ كِتَابٍ) على أن المقصود بالكتاب في الآية هو كتاب من الكتب السماوية المنزلة من قبل النبي ﷺ ، فهو لم يكن يكتب كتابًا من هذه ولم يخطه بيمينه، وهذا لا يعني أنه لا يحسن الكتابة أبدًا.
الرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: التأكيد المذكور الآية:
قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ تأكيد النفي في قوله ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو﴾ (٤).
стр. 4326
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ فيها تأكيد على عدم الكتابة باليد، والآية تشبه قول العرب: كتبت بيدي رأيت بعيني، وسمعت بأذني، وتشبه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ وقوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقوله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]. فكل ذلك قد خرج مخرج الغالب (١).
قال ابن كثير: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو﴾ أي: تقرأ (٢).
الوجه الثاني: علوم الكتاب مما يعجز عن وضعة بشر
إذا أرادت دولة من الدول أن تؤلف قانونًا ودستورًا ليحكم ذمام الدولة في كل النواحي: السياسية، والثقافية، والاقتصادية، ليكون دستورًا جامعًا مانعًا: فهل المختصون بوضع هذا القانون، لهم أن يكتفوا بقراءة كتاب أو كتابين فقط! بل العجيب أن كل واحد من هؤلاء لا بد أن يتوفر فيه شروطًا كثيرة، تؤهله بأن تثق فيه الدولة لتسند له أمرًا عظيمًا، وهو وضع دستور لملايين البشر، الذي يعيشون في هذه الدولة، والأجيال التي ستولد من بعد ذلك. فمن الشروط الواجب توافرها في كل مختص: في السياسية أو الثقافة أو الاقتصاد، أن يكون حاصلًا على شهادات عليا من بلده، أو من خارج بلده، وهذا الشرط بمفرده كافٍ بأن نقول أن هذا المختص قد قرأ آلاف من الكتب سواء، عندما كان في مراحل التعليم منذ صغره حتى تخرج من الجامعة، أو بعدما تخرج من الجامعة، حتى حصل على درجة الدكتوراة، أو عندما شرع في كتابة دستورًا ليكون جامعًا مانعًا في مجاله الذي هو منشغل به.
فنقول مما سبق أن القرآن إذا أراد النبي ﷺ أن يؤلفه -إذا افترضنا صحة قولكم أنه كان يقرأ ويكتب- فهو يحتاج أولًا: أن يكون مثقفًا في كتب اليونان حتى يكون له حكمة فلسفية لوضع النظريات والمقدمات الصغرى والكبرى، ليستنبط النتائج المؤدية لتأليفه هذا القرآن؛
стр. 4327
لأنه سوف يتبعه الملايين من البشر؛ فلا بد أن تكون نظرياته محكمة وفكره صائبًا، فكان لزامًا أن يقرأ لأرسطو وأفلاطون، ولا يكتفي بقراءة التوراة والإنجيل فقط، وهل نقول أن قوله ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ أن المقصود به قراءة التوراة والإنجيل فقط.
ثانيًا: كان يحتاج النبي محمد ﷺ لتأليفه للقرآن أن يقرأ كتبًا في الفلك، خصوصًا أن في القرآن نظريات تقتضي خطأ النظريات الفلكية الموجودة في التوراة والإنجيل، وهذا يتضح من الأبحاث العلمية الفلكية المقارنة بين ما في القرآن من اختلاف في النظرة للكون عما في التوراة والإنجيل.
وهل نقول أن قوله ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ أن المقصود به قراءة التوراة والإنجيل فقط، مع كثرة الاختلافات الفلكية بين القرآن، وبين التوراة والإنجيل.
كان يحتاج النبي محمد ﷺ لتأليفه للقرآن أن يقرأ كتبًا في الاقتصاد، حتى يعلم كيف يحدد أنصاب الزكاة، وتقسيم الغنائم، ووضع ميزانًا محكمًا لأمر الخراج والجزية، وهذا كله ليس مفصلًا لا في التوراة ولا في الإنجيل. فهل تدَّعون أن الرسول ﷺ كان يقرأهما فقط! إذًا من أين أتى بهذه التفصيلات الاقتصادية السابقة، التي قام اقتصاد الدولة الإسلامية عليه بعد ذلك.
فإذا قلتم أنه قرأ كتبًا أخرى في الاقتصاد، فنقول إذًا قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ ليس المقصود بكلمة ﴿كِتَابٍ﴾ الكتب السماوية فقط، وإذا قلتم أنه لم يقرأ كتابًا غير التوراة والإنجيل؛ قلنا فما هي تلك الكتب الاقتصادية التي قرأ منها ووضع ميزانًا محكمًا في الاقتصاد، جعل به دولة كاملة تمتد خارج الجزيرة العربية، وتشمل دولًا كثيرة تحت رعايتها، فلو كان الاقتصاد الذي وضعه النبي ﷺ في القرآن- كما تدَّعون- اشتراكيًا لصعب عليه أن يأخذ في كنفه تلك الأنظمة الدكتاتورية، التي كانت مسيطرة على بلاد الفرس.
فإما أنه كان لديه ثقافات واسعة النطاق، حتى يحكم اقتصاد دولته، وإما أنه كان مؤيدًا من ربه، والله لا يؤيد رجلًا يدعي أنه ألَّف كتابًا ثم نسبه إلى الله، إذًا فالقرآن كلام الله أنزله على نبيه الأمي.
من المفترض -على زعمكم- أنه تعلم الطب حتى لا يخطئ في وضع وصفة طبية خاطئة، فقد نصح بالحجامة، فمن أدراه أن فيها شفاءً عجيبًا علمه الأطباء في العصر
стр. 4328
الحالي، ونصح بأعشاب، كان من المفترض أنه قرأ عنها، ثم كان لزامًا أن يتحقق من الميكانيزم والآلية التي تقوم به المادة الفعالة لكل عشب، ثم يجرب على المرضى ليرى تأثير كل عشب في الشفاء من ذلك المرض.
قد يقول قائل: أنه تعلمه من العرب، إذًا نقول له: هل كان له أساتذة في علم طب الأعشاب، وما هي أسماؤهم، إنكم زعمتم أنه تعلم على يد ورقة بن نوفل، وبحيرا وغيرهما، فعلموه علم الكتاب (التوراة والإنجيل)، فهيا قولوا لنا أسماء من علموه علم الطب والفلك والاقتصاد والسياسة.
الوجه الثالث: الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ هو القرآن خاصة، وكذلك كل كتاب عامة .
لأن أُولى الكتب التي كان ينبغي أن يكتبها النبي ﷺ هو كتابه الذي اختصه الله به، دون سائر الأنبياء وسائر البشر، فكان أولى له أن يكتبه، حتى يحافظ على كل كلمة فيه؛ لأنه ربما يكتبه إنسان آخر فيكون في قلبه مرض، فيزيد فيه وينقص، لذلك عندما كان النبي ﷺ على درجة عالية من الثقة من كتبة الوحي، كان يملي عليهم فيكتبون، والوحيد الذي ارتد منهم لم يكن هو الوحيد الذي يكتب القرآن، وعندما فُتن بنفسه! يجعله الله متماديًا في كتابة القرآن، بل فضحه بأنه أظهر ردَّته.
فعندما ثبت أنه لم يكتب القرآن الذي هو أشرف الكتب على وجه الإطلاق عنده وعند المسلمين، ثبت بذلك أنه لم يكتب أي كتاب على وجه الإطلاق.
فإذا ادعيتم أن النبي ﷺ هو الذي ألَّف القرآن من نفسه، فحري به أن يكتبه بيده، لأن أي إنسان يؤلف كتابًا قد يحتاج أن يصحح خطأً وجده فيه، أو يعدل كلمات: وكل ذلك قد يحتاج منه أن يسهر الليالي الطوال، ينظر في كتابه ويصنع مسودات على هامش الكتاب، أو في أوراق أخرى.
والعجيب أن النبي ﷺ لم يحتفظ بنسخة له ليقرأ منها أثناء قيامه الليل، بل كان يقرأ من حافظته وذاكرته ﷺ ، فكان الأولى -على زعمكم- أن يكون له نسخة يقرأ منها، فكل من
стр. 4329
كان يستطيع القراءة، ينبغي له أن يقرأ من المصحف، ولو مرة من المرات، وكل من كان عاجزًا عن القراءة سواءً كان أميًا أو كفيفًا فهو معذور في ذلك.
فعندما ثبت أن النبي ﷺ لم يقرأ سورة واحدة من المصحف، ولو لمرة واحدة أمام أصحابه، أو في خلواته، ثبت بذلك أنه معذور؛ فلم يكن كفيفًا إذًا كان أميًا.
من الصحابة من ليس بأمي:
ثبت أن من هؤلاء من كان يقرأ القرآن من المصاحف التي كانت عندهم في بيوتهم، أو من المصحف الذي كان في مسجد رسول الله ﷺ ، والعجيب أنه لم يثبت أن النبي ﷺ قرأ في هذا المصحف ولو مرة واحدة! .
من الصحابة من كان يعلم أنه يموت شهيدًا كعثمان بن عفان ﵁ أعلمه النبي ﷺ بذلك، لذلك انكب على قراءة المصحف قبل وفاته، والنبي ﷺ كان يعلم قرب وفاته عندما أنزل الله سورة النصر، ومع ذلك لم يثبت أنه انكب على قراءة القرآن من المصحف، فكما يعلم المسلمون أن العبد الصالح عندما يشعر بقرب وفاته، يغلق جميع الكتب، وينشغل بكتاب الله، تعلقًا، وقراءةً وتدبرًا، وسماعًا، عسى أن يختم له بخاتمة السعادة.
الحافظ للقرآن مهما قوي حفظه فهو يحتاج إلى أن ينظر للمصحف ليراجع ويثبت حفظه؛ لأن القرآن أشد تفلتًا من الإبل في عقالها، وثبت أن النبي ﷺ كان يقرأ في قيام الليل في ركعة واحدة فقط: بالبقرة وآل عمران والنساء في ليلة واحدة، فكان كثير القراءة للقرآن؛ فكان ينبغي أن يراجع حفظه من المصحف، لئلا يخطئ في القراءة أثناء صلاته بالناس في صلاة الفريضة، فإذا ثبت أنه لم يفعل ذلك ثبت أنه كان أمِّيًا ﷺ .
وقد يقول قائل: إن ذاكرة النبي محمد ﷺ كانت فولاذية لدرجة أنه لا يحتاج لذلك.
فأقول له أفلا يدل ذلك على أنه كان نبيًا مؤيدًا من ربه.
الوجه الرابع: قوله: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ .
стр. 4330
قال ابن كثير: وقوله: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: لو كنت تحسنها لارتاب بعض الجهلة من الناس، فيقول: إنما تعلم هذا من كُتب قبله مأثورة عن الأنبياء، مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمِّي لا يحسن الكتابة: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: ٥]، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان: ٦] (١).
الشبهة الخامسة
الشبهة المتعلقة بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٩].
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجمعة: ٢ - ٣]. وقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢].
نص الشبهة: وبناءً على مما صرح به القرآن؛ فإن أول واجبات النبي ﷺ هو تعليم القرآن لأتباعه؛ ومن المسلم به أن أقل ما يتطلب في من يراد له، أن يعلم كتابًا أو محتويات كتاب ما للآخرين -هو كما صرح به القرآن نفسه- أن يستطيع استعمال القلم، أو قراءة ما كتب بالقلم- على الأقل.
وقالوا: إن الله يذكر القلم والكتاب في أول سورة قرآنية، ألا يشكل هذا دليلًا واضحًا وصريحًا على أن النبي ﷺ كان يعرف القراءة والكتابة. وهل يمكن أن يشوق النبي ﷺ الناس للعلم والعرفة والكتابة، وهو لا يعتني بقراءته وكتابته مع أنه كان في الطليعة في كل المجالات.
стр. 4331
ومن أشد ما يدعو للعجب أن لا يلتفت المترجمون والمفسرون لهذه الآية التي تصف النبي ﷺ بأنه ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢]، ويلاحظ هنا أنه تعالى لم يقل في هذه الآيات أن الرسول يقرأ الصحف المقدسة عن ظهر قلب، بل صرح بأنه يقرأ هذه الصحف وهي منشورة أمامه.
الرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: المعنى الصحيح لقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾
قال الرازي: قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ وفيه وجهان الأول: أنها الفرقان الذي أُنزل على محمد ﷺ ، لأن الذي كان يتلوه عليهم ليس إلا ذلك، فوجب حمله عليه. الثاني: يجوز أن تكون الآيات هي الأعلام الدالة على وجود الصانع وصفاته ، ومعنى تلاوته إياها عليهم، أنه كان يذكرهم بها ويدعوهم إليها ويحملهم على الإيمان بها.
قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ والمراد أنه يأمرهم بتلاوة الكتاب ويعلمهم معاني الكتاب وحقائقه؛ وذلك لأن التلاوة مطلوبة لوجوه: منها بقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر، فيبقى مصونًا عن التحريف والتصحيف، ومنها أن يكون لفظه ونظمه معجزًا لمحمد ﷺ ، ومنها أن يكون في تلاوته نوع عبادة وطاعة، ومنها أن تكون قراءته في الصلوات وسائر العبادات نوع عبادة، فهذا حكم التلاوة إلا أن الحكمة العظمى والمقصود الأشرف تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام؛ فإن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى ونورًا، لما فيه من المعاني والحكم والأسرار، فلما ذكر الله تعالى أولًا أمر التلاوة ذكر بعده تعليم حقائقه وأسراره فقال: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾. الصفة الثالثة من صفات الرسول ﷺ قوله: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ أي ويعلمهم الحكمة.
стр. 4332
واعلم أن الحكمة هي: الإصابة في القول والعمل، ولا يسمى حكيمًا إلا من اجتمع له الأمران وقيل: أصلها من أحكمت الشيء أي رددته، فكأن الحكمة هي التي ترد عن الجهل والخطأ، وذلك إنما يكون بما ذكرنا من الإصابة في القول والفعل، ووضع كل شيء موضعه (١).
الوجه الثاني: النبي محمد ﷺ بعثه الله ليمحو أمية الجهل بالله، لا أمية الجهل بالقراءة والكتابة .
فلم نسمع عن نبي قط في الكتب السماوية قام بتعليم الناس القراءة والكتابة، باعتبارها أنها المرحلة الأولى التي لا بد منها، وظل على ذلك إلى أن خرَّج من مدرسته قراء وكتبة، ثم اجتاز بهم ليصل إلى المرحلة الثانية بتعليمهم الدين.
والسؤال: لو أن تلامذة هذا النبي المقربين إليه لم يستطيعوا أن يتعلموا القراءة والكتابة لكبر سِنِّهم، أو لانشغالهم بطلب السعي على رزق أولادهم، هل معنى ذلك أنهم سيُحرمون من اجتياز المرحلة الأولى، وأنهم لن يستطيعوا أن يتعلموا الدين؟ .
فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فادعاء أن النبي ﷺ أُرسِل أولًا ليعلم الناس القراءة والكتابة، حتى يتسنى لهم أن يقرؤا القرآن من المصحف ادعاء باطل، ويظهر بطلانه؛ أنه لا بد أن يكون كل من يدخل الجنة من أمة محمد ﷺ يشترط أن يكون قارئًا كاتبًا، وأما غير ذلك فالنار أولى به.
قال الرازي: ما كان يفعله ﷺ هو: الوعد والإيعاد، والوعظ والتذكير، وتكرير ذلك عليهم، ومن التشبث بأمور الدنيا إلى أن يؤمنوا ويصلحوا، فقد كان ﷺ يفعل من هذا الجنس أشياء كثيرة، ليقوي بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح، ولذلك مدحه تعالى بأنه على خلق عظيم، وأنه أوتي مكارم الأخلاق. قوله: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ فأول معاني التزكية، قال الحسن: يزكيهم: يطهرهم من شركهم، فدلت الآية على أنه سيكون في ذرية إسماعيل جهال، لا حكمة فيهم، ولا كتَّاب، وأن الشرك ينجسهم، وأنه تعالى يبعث فيهم رسولًا منهم، يطهرهم ويجعلهم حكماء الأرض بعد جهلهم. وثانيها: التزكية: هي الطاعة لله
стр. 4333
والإخلاص عن ابن عباس ﵁. وثالثها: ويزكيهم عن الشرك وسائر الأرجاس، كقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١).
الوجه الثالث: معنى امتنان الله على الأمة ببعث نبي أمي
قال الماوردي: فإن قيل ما وجه الامتنان فإنه بعث نبيًّا أمِّيًا؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء.
الثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. (ربما ذلك لأن هناك من الأنبياء من كان أميًا، فإذًا الأمية غير ممتنعة على الأنبياء).
الثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعي إليه من الكتب التي قرأها، والحكم التي تلاها (٢). وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته ﷺ .
قال الأصبهاني: (تلاه): تبعه متابعة ليس بينهم ما ليس منها وذلك يكون تارة بالجسم وتارة بالاقتداء في الحكم (٣).
الوجه الرابع: كُتاب الوحي دليل على أمية النبي ﷺ -:
قال ابن كثير: وهكذا كان رسول الله ﷺ دائمًا إلى يوم القيامة لا يحسن الكتابة، ولا يخط سطرًا ولا حرفًا بيده، بل كان له كتَّاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم.
ويذكر الكتاني اثنين وأربعين كاتبًا للنبي ﷺ (٤).
قد يقول قائل أنه كان هناك كتبة للنبي ﷺ كما كان للملوك كتبة مع أنه من الملوك من كان يحسن القراءة والكتابة.
قلت: ١ - ما كان هذا من خلق النبي ﷺ بأن يتشبه بأخلاق الملوك.
وهو القائل: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (٥).
стр. 4334
فكان النبي ﷺ أبعد ما يكون بأن تكون أحواله كأحوال الملوك، فعندما قال له عمر: يا رسول الله: ادْعُ الله فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ، وَأُعْطُوا الدُّنْيَا، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ الله. فَقَالَ له النبي ﷺ : "أَوَفى شَكٍّ أنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أُولَئِكَ قَوْم عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتهمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" (١).
٢ - فكان النبي ﷺ يصنع ما يستطيع عليه بنفسه، فكان يخيط ثيابه، ويخصف نعله، ولو أمر إحدى زوجاته أو أحد أصحابه بفعل هذا بدلًا منه، لتسارع إلى ذلك.
فكونه يكتب ما نزل عليه من القرآن يعتبر أهون من تخييط الثوب، وخصف النعل، فعندما لم يفعل ذلك ولو مرة واحدة، كان ذلك دليلًا على أميته.
٣ - كان النبي ﷺ في بعض الأوقات لا يوجد كاتب بجواره، ومع ذلك يبعث إلى أحدهم ليكتب ما نزل عليه من القرآن، مع أنه في بعض الأوقات كانت تنزل عليه آية واحدة، فلو كان كاتبًا فما الذي يضره أن يكتبها هو.
الشبهة السادسة .
الشبهة تختص بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران: ٢٠] قالوا أن لفظة ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾ في الآية معناها الذين ليس عندهم كتاب منزل كالعرب، وليس معناها الذين لا يقرؤون؛ لأن لفظة ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾ في الآية جاءت مقابلة للفظة ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ومن ثَمَّ فقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: ١٥٨] أي النبي العربي -المنسوب إلى العرب- الذي لم يُنَزَّل على قومه كتاب من قبله، وليس معناها النبي الذي لا يقرأ.
الرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: لا تعارض بين كون أمي: أي لا يقرأ، وبين كون أمي: أي ليس له كتاب منزل عليه، أو على قومه .
стр. 4335
فقد يوجد رجل لا يقرأ وفي نفس الوقت لم ينزل عليه، أو لم ينزل على قومه كتاب منزل، فهذا من الاشتراك اللفظي.
فقد تجتمع الصفتان في شخص واحد، وقد تبقى صفة واحدة فيه كصفة عدم القراءة -كصفة سلبية- فيُطلق أيضًا عليه أمِّي باستصحاب المعنى الأصلي للكلمة.
قال ابن تيمية: ويقال: الأمِّي لمن لا يقرأ ولا يكتب كتابًا، ثم يقال لمن ليس لهم كتاب منزل من الله يقرؤونه، وإن كان قد يكتب ويقرأ ما لم ينزل، وبهذا المعنى كان العرب كلهم أميين؛ فإنه لم يكن عندهم كتاب منزل من الله، وقد كان في العرب كثير ممن يكتب ويقرأ المكتوب، وكلهم أميون (١).
الوجه الثاني: القراءة نوعان قراءة في الكتب، وقراءة من الحفظ .
إننا في كلامنا اليومي لا نستبعد أن لفظ (القراءة) قد يطلق على ما يُقرأ بالعين من كتابه، وما يُقرأ بالعقل من تفكير، وما يُقرأ بالقلب من حفظ ووعي.
فإننا نقول إن جهاز الكمبيوتر يقرأ البيانات المُخَزَّنة بداخله، ثم يُرسلها إذا تم استدعائها، لذلك نقول أن لفظ (الأمي) تختلف من موضع لموضع آخر حسب سياق الجملة، كما يحدث ذلك في كلمات كثيرة في اللغة العربية.
قال ابن تيمية: في قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: ١٥٨] هو أمِّي بهذا الاعتبار؛ لأنه لا يكتب ولا يقرأ ما في الكتب، لا باعتبار أنه لا يقرأ من حفظه، بل كان يحفظ القرآن أحسن حفظ، والأمِّي في اصطلاح الفقهاء خلاف القارئ، وليس هو خلاف الكاتب بالمعنى الأول، ويعنون به الغالب من لا يحسن الفاتحة (٢).
الشبهة السابعة
الشبهة تتعلق بقوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ
стр. 4336
وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٥ - ١٥٨].
نص الشبهة:
أولًا: إنا نعلم أن الخطاب في الآيات هو خطاب بين موسى وربه. ولا علاقة لمحمد ﷺ به لا من قريب ولا من بعيد.
الرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول:
إن من يؤمن بالتوراة وبهداية موسى ﵇ لا بد أن يؤمن بالإنجيل وبهداية المسيح ﵇، ومن يؤمن بالتوراة والإنجيل وبهداية موسى والمسيح لا بد أن يؤمن بالقرآن وبهداية محمد ﷺ ، فما من نبي إلا أُنزل عليه فرضية الإيمان بالنبي الذي يأتي بعده، وكلًا من موسى والمسيح ﵉ بشرا بمحمد ﷺ . قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
стр. 4337
قال علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس- ﵄: ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بَعَث محمدًا وهو حَيّ ليؤمِنُنَّ به ولينصرُنَّه، وأمَرَه أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد ﷺ وهم أحياء ليؤمِنُنَّ به ولينصرُنَّه (١).
فإن الله أمر موسى ﵇ وقومه بأمرين: أولًا: أمر حاليِّ: وهو أن يتبعوا القواعد الشرعية في التوراة من: عقائد (كالإيمان بالله) وعبادات ومعاملات، ويشترط في ذلك اعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح.
ثانيًا: أمر مستقبليِّ: وهو بما سيحدث في المستقبل، بالإيمان بعلامات الساعة الصغرى (ومنها ظهور محمد ﷺ ) والكبرى (ومنها ظهور الدجال)، وبالإيمان بيوم القيامة وبالجنة والنار.
فكل ما في الأمور المستقبلية سوف يحدث في المستقبل القريب أو البعيد، فيوم القيامة لا يستطيع موسى ﵇ وقومه تحديد وقته، وقد مضى الآن على موت موسى ﵇ وقومه آلاف السنين، فلماذا أنزل الله على موسى ﵇ اشتراط الإيمان بيوم القيامة؟
فإذا أجبت وقلت حتى يكون ذلك عقيدة عندهم، أقول لك فكذلك الله أمرهم بالإيمإن برسالة محمد ﷺ حتى تكون عقيدة عندهم، مع العلم بإمكان ظهور النبي محمد ﷺ أثناء وجود موسى ﵇ مع قومه، قال رسول الله ﷺ : "لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي". (٢)
قال ابن كثير: في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ أي: من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته، آمن بما أرسلتك به يا محمد، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦] قال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]، أي: إذا أقمتموها حق الإقامة، وآمنتم بها حَقَّ الإيمان، وصَدَّقتم ما فيها من الأخبار بمبدث محمد ﷺ ونَعْتِه، وصفته
стр. 4338
والأمر باتباعه، ونصره ومؤازرته، قادكم ذلك إلى الحق واتباع الخير في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨] أي: إن كان ما وعدنا به من شأن محمد ﷺ لواقعًا (١).
الوجه الثاني: قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ هي رد على قول محذوف .
قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾: فقالت اليهود والنصارى: نحن متقون، فقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فخرجت الآية عن العموم (٢).
فكل يهودي على عهد موسى ﵇ وما بعد عهده: إذا ادعى التقوى؛ فإن من لوازم تقواه أن يكون ممن يتبع الرسول النبي الأمي، حتى ولو ظهر هذا الرسول النبي الأمي في عهد موسى ﵇.
فكل يهودي صادق في عهد موسى ﵇ كان يؤمن بالنبي محمد ﷺ ، بل إن موسى ﵇ كان يؤمن بمحمد ﷺ ، إذن ورود الآية أثناء الحديث عن موسى وقومه ليس بإقحام.
فإذا قال قائل: نقول: لأن هذا كان أمر غيبي بالنسبة لموسى ﵇ وقومه لا يدرون أيظهر هذا النبي الأمي في عهد موسى أم لا.
حتى ولو قيل أن موسى وقومه كانوا يعلمون بوقت ظهوره، فنقول: أنه مجرد الإيمان به هو أمر عقائدي قلبي بالنسبة لموسى وقومه، سوف يسألهم الله عنه يوم القيامة.
قال نوف البكالي الحميري: لما اختار موسى قومه سبعين رجلًا قال الله تعالى لموسى: أجعل لكم الأرض مسجدًا وطهورًا، تصلون حيث أدركتكم الصلاة، إلا عند مرحاض
стр. 4339
أو حمام أو قبر، وأجعل السكينة في قلوبكم، وأجعلكم تقرؤون التوراة عن ظهر قلوبكم، يقرؤها الرجل والمرأة، والحر، والعبد، والصغير، والكبير، فقال ذلك موسى لقومه، فقالوا: لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس، ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهور قلوبنا، ولا نريد أن نقرأها إلا نظرًا، فقال الله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فجعلها الله لهذه الأمة.
فقال موسى ﵇: يا رب اجعلني نبيهم، فقال: نبيهم منهم، قال: رب اجعلني منهم فقال: إنك لن تدركهم، فقال موسى ﵇: يا رب أني أتيتك بوفد بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]، فرضي موسى (١).
قلت: هذا الكلام هو من كلام نوف البكالي بغض النظر عن مصدرية هذا الكلام لكنه يكشف عن أحوال تدل على اهتمام موسى ﵇ وقومه بأمر محمد ﷺ .
ورواية نوف البكالي هذه من الأخبار الإسرائيلية، فقد كان نوف راويا للقصص، وهو ابن زوجة كعب الأحبار، وله ترجمة في تهذيب الكمال (٢).
الوجه الثالث:
نجد أن الآيات الكريمة وردت في سياق حديث القرآن الكريم عن قوم موسى ﵇، ومن منهم أدرك محمدًا وآمن بدعوته. وكيف يعرفون محمدًا؟ . . وتجيبهم الآية أنه ذلك النبي الذي يجدونه بصفاته مذكورًا في كتبهم. وما هي تلك الصفات؟ . . وتجيبهم الآية إنه مذكور بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، وأنه يأمرهم بالمعروف، ومكارم الأخلاق، وينهاهم عن المنكر من أفعالهم، ويحل لهم من الطيبات ما حرم عليهم في شريعتهم، ويحرم عليهم
стр. 4340
الخبائث التي كانوا يستحلونها من قبل، ويضع عنهم ثقال الأعمال التي فرضت عليهم من قبل، كقتل النفس عند التوبة، وقطع أثر النجاسة، وعدم مجالسة الحائض، وتحريم شحوم الأنعام، وغير ذلك من الإصر الذي قيدهم من أعناقهم بأغلال الشريعة. فالذين آمنوا بدعوة محمد ﷺ منهم وعزَّروه ووقروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وهو القرآن الكريم أولئك هم الفائزون بسعادة الدنيا والآخرة.
وعندما يعترض البعض ويقول: إن حديث النبي الأمي يقتطع مرتين ولا ينسجم مع خطاب موسى لربه، لا في النسق ولا في الموضوع! أي أن موسى يطلب من ربه أن يسجل له ولقومه يهوديتهم حسنة لهم، فيرد ربه أن على موسى وقومه أن ينتظروا قرابة الألف سنة حتى يأتي محمد ويؤمنوا به فيسجل لهم بهذا حسنةً! ! .
والرد: يقول موسى ﵇ لربه: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، و ﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي تبنا إليك توبة نصوح (١).
ففي المعجم: هادَ هَوَدًا أي تاب ورجع إلى الحق، فهو هَائِدٌ والجمع هودٌ (٢)، وليس المقصود أي الملة اليهودية كما ذهب بعض النصارى!
ويرد عليه رب العزة : ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ﴾ أي: أنه إن كانت قد أصابتكم فتنة أهلكت بعضكم؛ فإن ذلك عذابي وتلك بإرادتي، ومع ذلك فرحمتي قد وسعت كل شيء من الخلق، حتى إن البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها. قال قتادة: طمع في هذه الآية كل شيء حتى إبليس، فقال: أنا شيء؛ فقال الله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، فقالت اليهود والنصارى: بل نحن متقون؛ فقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾. فخرجت بذلك عن العموم (٣).
стр. 4341
ومن الأحاديث الدالة على وجوب الإيمان بالنبي ﷺ التي تخاطب اليهود والنصارى:
عن أَبِي بُرْدَةَ ﵁ أنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الأَمَةُ فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَعْلِيمَهَا، وُيؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ أَدَبَهَا، ثُمَّ يُعْتِقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي كَانَ مُؤْمِنًا، ثُمَّ آمَنَ بالنبي ﷺ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَالْعَبْدُ الَّذِي يُؤَدِّي حَقَّ الله وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ" (١).
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "والذي نفسي محمد بيده لا يسمع بني أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" (٢).
الشبهة الثامنة: تتعلق بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾ [الأنعام: ١٠٥] .
نص الشبهة: قالوا: إن مشركي العرب يتهمون محمدًا بالدرس، ثم هو لا يرد التهمة بل يؤيدها بقوله أنه درس ليبينه للذين يقولون: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦)﴾ [الأنعام: ١٥٦].
واستدلوا على ذلك باختلاف القراء في الآية فبعضهم قرأها: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾، وقرأها غيرهم: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ بألف؛ بمعنى: قرأت وتعلمت من أهل الكتاب.
الرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: لو أن درس بمعنى قرأ (أي بتكرار القراءة)، فليس كل من يقرأ شيئًا معناه أنه يقرأه من كتاب .
قال ابن الأثير: القِراءة والاقْتراءِ والقارِئِ والقُرْآن والأَصل في هذه اللفظة الجمع، وكلُّ شيءٍ جَمَعْتَه فقد قَرَأْتَه، وسمي القرآنَ: لأَنه جَمَعَ القِصَصَ والأَمرَ والنهيَ والوَعْدَ
стр. 4342
والوَعِيدَ والآياتِ والسورَ بعضَها إِلى بعضٍ (١).
فكما قلنا أن قرأ فلان على فلان لا يشترط أن تكون بأنه قرأ عليه من كتاب.
الوجه الثاني:
قال الآلوسي: في قوله: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ الواو اعتراضية، وقيل: هي عاطفة على علة محذوفة، واللام متعلقة بنصرف؛ أي: مثل ذلك التصريف نصرف الآيات لنلزمهم الحجة وليقولوا الخ. وهو أولى من تقدير لينكروا وليقولوا الخ. وقيل: اللام لام الأمر، وينصره القراءة بسكون اللام، كأنه قيل: وكذلك نصرف الآيات وليقولوا هم ما يقولون. فإنهم لا احتفال بهم، ولا اعتداد بقولهم، وهو أمر معناه الوعيد والتهديد وعدم الاكتراث. ورده في "الدر المصون" بأن ما بعده يأباه؛ فإن اللام فيه نص في أنها لام كي، وتسكين اللام في القراءة الشاذة، لا دليل فيه لاحتمال أن يكون للتخفيف (٢).
قال أبو حيان: وقرأت طائفة ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ بسكون اللام على جهة الأمر المتضمن للتوبيخ والوعيد، وقرأ الجمهور بكسرها وقالوا: هذه اللام هي التي تضمر (أن) بعدها والفعل منصوب (بأن) المضمرة (٣).
قال ابن عطية على أنها لام (كي) وهي على هذا لام الصيرورة كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ أي لما صار أمرهم إلى ذلك (٤).
لام العاقبة والمآل: تفيد أنه لما ترتب على التقاطه، كونه صار لهم عدوًا وحزنًا؛ جعل كأنه علة لالتقاطه فهو علة مجازية (٥).
стр. 4343
وقال الزمخشري: و ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ جوابه محذوف تقديره وليقولوا درست تصرّفها. . . وفسروها بدارست اليهود محمدًا ﷺ ، وجاز الإضمار؛ لأن الشهرة بالدراسة كانت لليهود عندهم. ويجوز أن يكون الفعل للآيات، وهو لأهلها، أي دارس أهل الآيات وحملتها محمدًا، وهم أهل الكتاب. . فإن قلت: أي فرق بين اللامين في ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ و ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾، قلت: الفرق بينهما أن الأولى مجاز والثانية حقيقة، وذلك أن الآيات صرفت للتبيين، ولم تصرف ليقولوا دارست، ولكنه لأنه حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل التبيين شبه به فسيق مساقه (١).
وقال أبو عليّ الفارسي: واللام في ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ على قراءة ابن عامر ومن وافقه بمعنى لئلا يقولوا، أي صرف الآيات وأحكمت لئلا يقولوا هذه أساطير الأوّلين قديمة، قد تليت وتكرّرت على الأسماع واللام على سائر القراءآت لام الصيرورة، وما أجازه أبو عليّ من إضمار (لا) بعد اللام المضمرة بعدها أن هو مذهب لبعض الكوفيين، وتقدير الكلام لئلا يقولوا كما أضمروها بعد (أن) المظهرة في قوله: ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ ولا يجيز البصريون إضمار (لا) إلا في القسم على ما تبين فيه، وقد حمله بعضهم على أن اللام لام كي حقيقة. فقال: المعنى تصريف هذه الدلائل حالًا بعد حال، ليقول بعضهم دارست فيزدادوا كفرًا على كفر، وتنبيه لبعضهم فيزدادوا إيمانًا على إيمان ولنظيره ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، ولا يتعين ما ذكره المعرّبون والمفسرون من أن اللام في ﴿وَلِيَقُولُو﴾ لام كي أو لام الصيرورة بل الظاهر أنها لام الأمر، والفعل مجزوم بها لا منصوب بإضمار (أن) ويؤيده قراءة من سكن اللام، والمعنى عليه متمكن؛ كأنه قيل: ومثل ذلك نصرف الآيات، وليقولوا هم ما يقولون من كونك درستها وتعلمتها أو درست هي أي بليت وقدمت؛ فإنه لا يحفل بهم ولا يلتفت إلى
стр. 4344
قولهم، وهو أمر معنا الوعيد بالتهديد وعدم الاكتراث بهم وبما يقولون في الآيات أي نصرفها ليدّعوا فيها ما شاءوا فلا اكتراث بدعواهم.
﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي نصرف الآيات، وأعاد الضمير مفردًا قالوا على معنى الآيات؛ لأنها القرآن كأنه قال: وكذلك نصرف القرآن أو على القرآن ودل عليه الآيات أو درست أو على المصدر المفهوم من ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ أي ولنبين التبيين كما تقول: ضربته زيدًا إذا أردت ضربت الضرب زيدًا أو على المصدر المفهوم من نصرف (١).
الوجه الثالث: قراءة (دارست) قراءة متواترة لا يمكن إنكارها:
قال الآلوسي: وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (دارست) بالألف وفتح التاء وهي قراءة ابن عباس ومجاهد: أي دارست يا محمد غيرك ممن يعلم الأخبار الماضية وذكرته، وأرادوا بذلك نحو ما أرادوه بقولهم: ﴿يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ (٢).
وهذه القراءة توضح أنهم معترفون بأن النبي أمي، ولكنهم يتشككون في كونه تعلم هذا القرآن من غيره، وليس بشرط أن كل متعلم لشيء ما أنه يتعلمه عن طريق القراءة والكتابة، بل التعلم قد يكون بالمشافهة، كما أن العلماء اتفقوا أن تلاوة القرآن ومعرفة مخارج حروفه لا تكون إلا عن طريق المشافهة، لذلك كان هناك من علماء القراءات من كان كفيفًا: كالشاطبي وغيره.
الوجه الرابع:
قال الآلوسي: إن معنى ﴿دَرَسْتَ﴾: يعود فيه إلى التذليل والتليين (٣).
فيتضح من ذلك أن معنى درست تتعلق بكونه: إما بالقراءة من كتاب، وإما بالقراءة على أحد ما، وإما بكثرة الاسترجاع من الذاكرة والحفظ. فالأمران الأخيران لا يشترط فيهما القراءة من كتاب؛ لأن القراءة على أحد ما: لا يشترط أن تكون من كتاب يُقرأ.
стр. 4345
قال الراغب: درس الكتاب ودرست العلم تناولت أثره بالحفظ (١).
قال الآلوسي: والضمير في ﴿دَرَسْتَ﴾ إما لليهود لاشتهارهم بالدارسة أي دارست اليهود محمدًا ﷺ وإما للآيات وهو في الحقيقة لأهلها أي دارست أهل الآيات وحملتها محمدًا ﷺ وهم أهل الكتاب. ثم قال: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ عطف على ﴿لِيَقُولُوا﴾ واللام فيه للتعليل المفسر ببيان ما يدل على المصلحة المترتبة على الفعل عند الكثير من أهل السنة. ولا ريب في أن التبيين مصلحة مرتبة على التصريف، والضمير للآيات باعتبار التأويل بالكتاب أو للقرآن، وإن لم يذكر لكونه معلومًا أو لمصدر ﴿نُصَرِّفُ﴾ كما قيل أو نبين أي ولنفعلن التبيين ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
قال القرطبي: وفيه معنى التهديد، أي فليقولوا بما شاءوا؛ فإن الحق بين، كما قال : ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ فأما من كسر اللام فإنها عنده لام كي (٣).
الشبهة التاسعة
التي تتعلق بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٧٥].
نص الشبهة: في هذه الآية يتحدث الله إلى النبي ويخبره أن بعض أهل الكتاب أمين يرد دَينَهُ بدون أن تكتب عليه ما يثبت الدَّين. وبعضهم غير أمين لا يرد دَينَهُ إلا إذا كتبت عليه الدَّين ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾، والآن هل يعقل أن يحدث الله النبي الذي يجهل الكتابة هكذا ويقول له ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؟ أم أن هذا النبي يعرف الكتابة والقراءة.
الرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: التفسير الصحيح لقوله: ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ .