ومن الأحاديث الدالة على وجوب الإيمان بالنبي ﷺ التي تخاطب اليهود والنصارى:
عن أَبِي بُرْدَةَ ﵁ أنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الأَمَةُ فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَعْلِيمَهَا، وُيؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ أَدَبَهَا، ثُمَّ يُعْتِقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي كَانَ مُؤْمِنًا، ثُمَّ آمَنَ بالنبي ﷺ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَالْعَبْدُ الَّذِي يُؤَدِّي حَقَّ الله وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ" (١).
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "والذي نفسي محمد بيده لا يسمع بني أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" (٢).
الشبهة الثامنة: تتعلق بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾ [الأنعام: ١٠٥] .
نص الشبهة: قالوا: إن مشركي العرب يتهمون محمدًا بالدرس، ثم هو لا يرد التهمة بل يؤيدها بقوله أنه درس ليبينه للذين يقولون: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦)﴾ [الأنعام: ١٥٦].
واستدلوا على ذلك باختلاف القراء في الآية فبعضهم قرأها: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾، وقرأها غيرهم: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ بألف؛ بمعنى: قرأت وتعلمت من أهل الكتاب.
الرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: لو أن درس بمعنى قرأ (أي بتكرار القراءة)، فليس كل من يقرأ شيئًا معناه أنه يقرأه من كتاب .
قال ابن الأثير: القِراءة والاقْتراءِ والقارِئِ والقُرْآن والأَصل في هذه اللفظة الجمع، وكلُّ شيءٍ جَمَعْتَه فقد قَرَأْتَه، وسمي القرآنَ: لأَنه جَمَعَ القِصَصَ والأَمرَ والنهيَ والوَعْدَ
стр. 4342
والوَعِيدَ والآياتِ والسورَ بعضَها إِلى بعضٍ (١).
فكما قلنا أن قرأ فلان على فلان لا يشترط أن تكون بأنه قرأ عليه من كتاب.
الوجه الثاني:
قال الآلوسي: في قوله: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ الواو اعتراضية، وقيل: هي عاطفة على علة محذوفة، واللام متعلقة بنصرف؛ أي: مثل ذلك التصريف نصرف الآيات لنلزمهم الحجة وليقولوا الخ. وهو أولى من تقدير لينكروا وليقولوا الخ. وقيل: اللام لام الأمر، وينصره القراءة بسكون اللام، كأنه قيل: وكذلك نصرف الآيات وليقولوا هم ما يقولون. فإنهم لا احتفال بهم، ولا اعتداد بقولهم، وهو أمر معناه الوعيد والتهديد وعدم الاكتراث. ورده في "الدر المصون" بأن ما بعده يأباه؛ فإن اللام فيه نص في أنها لام كي، وتسكين اللام في القراءة الشاذة، لا دليل فيه لاحتمال أن يكون للتخفيف (٢).
قال أبو حيان: وقرأت طائفة ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ بسكون اللام على جهة الأمر المتضمن للتوبيخ والوعيد، وقرأ الجمهور بكسرها وقالوا: هذه اللام هي التي تضمر (أن) بعدها والفعل منصوب (بأن) المضمرة (٣).
قال ابن عطية على أنها لام (كي) وهي على هذا لام الصيرورة كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ أي لما صار أمرهم إلى ذلك (٤).
لام العاقبة والمآل: تفيد أنه لما ترتب على التقاطه، كونه صار لهم عدوًا وحزنًا؛ جعل كأنه علة لالتقاطه فهو علة مجازية (٥).
стр. 4343
وقال الزمخشري: و ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ جوابه محذوف تقديره وليقولوا درست تصرّفها. . . وفسروها بدارست اليهود محمدًا ﷺ ، وجاز الإضمار؛ لأن الشهرة بالدراسة كانت لليهود عندهم. ويجوز أن يكون الفعل للآيات، وهو لأهلها، أي دارس أهل الآيات وحملتها محمدًا، وهم أهل الكتاب. . فإن قلت: أي فرق بين اللامين في ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ و ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾، قلت: الفرق بينهما أن الأولى مجاز والثانية حقيقة، وذلك أن الآيات صرفت للتبيين، ولم تصرف ليقولوا دارست، ولكنه لأنه حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل التبيين شبه به فسيق مساقه (١).
وقال أبو عليّ الفارسي: واللام في ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ على قراءة ابن عامر ومن وافقه بمعنى لئلا يقولوا، أي صرف الآيات وأحكمت لئلا يقولوا هذه أساطير الأوّلين قديمة، قد تليت وتكرّرت على الأسماع واللام على سائر القراءآت لام الصيرورة، وما أجازه أبو عليّ من إضمار (لا) بعد اللام المضمرة بعدها أن هو مذهب لبعض الكوفيين، وتقدير الكلام لئلا يقولوا كما أضمروها بعد (أن) المظهرة في قوله: ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ ولا يجيز البصريون إضمار (لا) إلا في القسم على ما تبين فيه، وقد حمله بعضهم على أن اللام لام كي حقيقة. فقال: المعنى تصريف هذه الدلائل حالًا بعد حال، ليقول بعضهم دارست فيزدادوا كفرًا على كفر، وتنبيه لبعضهم فيزدادوا إيمانًا على إيمان ولنظيره ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، ولا يتعين ما ذكره المعرّبون والمفسرون من أن اللام في ﴿وَلِيَقُولُو﴾ لام كي أو لام الصيرورة بل الظاهر أنها لام الأمر، والفعل مجزوم بها لا منصوب بإضمار (أن) ويؤيده قراءة من سكن اللام، والمعنى عليه متمكن؛ كأنه قيل: ومثل ذلك نصرف الآيات، وليقولوا هم ما يقولون من كونك درستها وتعلمتها أو درست هي أي بليت وقدمت؛ فإنه لا يحفل بهم ولا يلتفت إلى
стр. 4344
قولهم، وهو أمر معنا الوعيد بالتهديد وعدم الاكتراث بهم وبما يقولون في الآيات أي نصرفها ليدّعوا فيها ما شاءوا فلا اكتراث بدعواهم.
﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي نصرف الآيات، وأعاد الضمير مفردًا قالوا على معنى الآيات؛ لأنها القرآن كأنه قال: وكذلك نصرف القرآن أو على القرآن ودل عليه الآيات أو درست أو على المصدر المفهوم من ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ أي ولنبين التبيين كما تقول: ضربته زيدًا إذا أردت ضربت الضرب زيدًا أو على المصدر المفهوم من نصرف (١).
الوجه الثالث: قراءة (دارست) قراءة متواترة لا يمكن إنكارها:
قال الآلوسي: وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (دارست) بالألف وفتح التاء وهي قراءة ابن عباس ومجاهد: أي دارست يا محمد غيرك ممن يعلم الأخبار الماضية وذكرته، وأرادوا بذلك نحو ما أرادوه بقولهم: ﴿يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ (٢).
وهذه القراءة توضح أنهم معترفون بأن النبي أمي، ولكنهم يتشككون في كونه تعلم هذا القرآن من غيره، وليس بشرط أن كل متعلم لشيء ما أنه يتعلمه عن طريق القراءة والكتابة، بل التعلم قد يكون بالمشافهة، كما أن العلماء اتفقوا أن تلاوة القرآن ومعرفة مخارج حروفه لا تكون إلا عن طريق المشافهة، لذلك كان هناك من علماء القراءات من كان كفيفًا: كالشاطبي وغيره.
الوجه الرابع:
قال الآلوسي: إن معنى ﴿دَرَسْتَ﴾: يعود فيه إلى التذليل والتليين (٣).
فيتضح من ذلك أن معنى درست تتعلق بكونه: إما بالقراءة من كتاب، وإما بالقراءة على أحد ما، وإما بكثرة الاسترجاع من الذاكرة والحفظ. فالأمران الأخيران لا يشترط فيهما القراءة من كتاب؛ لأن القراءة على أحد ما: لا يشترط أن تكون من كتاب يُقرأ.
стр. 4345
قال الراغب: درس الكتاب ودرست العلم تناولت أثره بالحفظ (١).
قال الآلوسي: والضمير في ﴿دَرَسْتَ﴾ إما لليهود لاشتهارهم بالدارسة أي دارست اليهود محمدًا ﷺ وإما للآيات وهو في الحقيقة لأهلها أي دارست أهل الآيات وحملتها محمدًا ﷺ وهم أهل الكتاب. ثم قال: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ عطف على ﴿لِيَقُولُوا﴾ واللام فيه للتعليل المفسر ببيان ما يدل على المصلحة المترتبة على الفعل عند الكثير من أهل السنة. ولا ريب في أن التبيين مصلحة مرتبة على التصريف، والضمير للآيات باعتبار التأويل بالكتاب أو للقرآن، وإن لم يذكر لكونه معلومًا أو لمصدر ﴿نُصَرِّفُ﴾ كما قيل أو نبين أي ولنفعلن التبيين ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
قال القرطبي: وفيه معنى التهديد، أي فليقولوا بما شاءوا؛ فإن الحق بين، كما قال : ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ فأما من كسر اللام فإنها عنده لام كي (٣).
الشبهة التاسعة
التي تتعلق بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٧٥].
نص الشبهة: في هذه الآية يتحدث الله إلى النبي ويخبره أن بعض أهل الكتاب أمين يرد دَينَهُ بدون أن تكتب عليه ما يثبت الدَّين. وبعضهم غير أمين لا يرد دَينَهُ إلا إذا كتبت عليه الدَّين ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾، والآن هل يعقل أن يحدث الله النبي الذي يجهل الكتابة هكذا ويقول له ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؟ أم أن هذا النبي يعرف الكتابة والقراءة.
الرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: التفسير الصحيح لقوله: ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ .
стр. 4346
قال ابن كثير: أي: بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار فما فوقه أولى ألا يؤديه (١).
فمن قول ابن كثير يتضح أنه ليس بشرط أن من كان قائمًا عليهم ليستخلص حقه منهم، أن يكون قارئًا كاتبًا، فَرُب رجلًا أمِّيًا لا يقرأ ولا يكتب أقوى في الحجة واستخلاص حقه والإلحاح على خصمه ممن حصل على شهادات عليا.
الوجه الثاني: قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾
قال ابن كثير: أي: إنَّمَا حَمَلهم على جُحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حَرَج في أكل أموال الأمييّن، وهم العرب، فإن الله قد أحلها لنا (٢).
الوجه الثالث: أدلة على أن أهل الكتاب حاولوا طمس الحقائق أمام النبي ﷺ ، ولكن النبي ﷺ كان مراقبًا لهم فوفّقه لله لكشف أمرهم، مطبقًا لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ .
وذلك سواء كان طمس الحقائق في الأمور الدنيوية من إخفاء الأمانات والديون، أو في الأمور الدينية من إخفاء الحقائق الموجودة في كتبهم.
فعن ابن عمر ﵄ قَالَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْ الْيَهُودِ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ لِلْيَهُودِ مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا قَالُوا نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيِهِمَا قَالَ: "فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" فَجَاءُوا فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمنْ يَرْضَوْنَ يَا أَعْوَرُ اقْرَأْ فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ قَالَ ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهِ آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ وَلَكِنَّا نُكَاتِمُهُ بَيْنَنَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا فَرَأَيْتُهُ يُجَانِئُ عَلَيْهَا الحجَارَةَ" (٣).
فلو كان النبي يقرأ التوراة لقرأها هو أيضًا مثلما أعطت اليهود لأنفسهم الحق أن يقرأها رجل أعور منهم.
стр. 4347
وفي رواية أخرى لهذا الحديث توضح أن عبد الله بن سلام هو الذي أعلم النبي ﷺ بما يفعلونه من إخفاء لنص التوراة؛ لأن عبد الله بن سلام ﵁ كان يقرأ التوراة، ففي صحيح البخاري أيضًا: (فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ كَذَبْتُمْ: إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ). (١)
وعند ابن حبان وجاء رجل من اليهود يقال له: ابن صوريا أعور فوضع يده على آية الرجم (٢).
الشبهة العاشرة الشبهة المتعلقة بصلح الحديبية:
كان أول ما استدلوا به هو حديث الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ اعْتَمَرَ النبي ﷺ في ذي الْقَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَّما كَتَبُوا الْكِتَابَ كَتَبُوا هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالُوا لَا نُقِرُّ بِهَا، فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ الله مَا مَنَعْنَاكَ، لَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله. قَالَ: "أَنَا رَسُولُ الله وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله". ثُمَّ قَالَ لِعَليٍّ ﵁" امْحُ رَسُولُ الله". قَالَ لَا، وَالله لَا أَمْحُوكَ أَبَدًا، فَأَخَذَ رَسُولُ الله ﷺ الْكِتَابَ، فَكَتَبَ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله، لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ سِلَاحٌ إِلَّا فِي الْقِرَابِ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ، إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّبِعَهُ، وَأَنْ لَا يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا" (٣).
نص الشبهة: أنهم قالوا: لقد نصّت الرواية على مباشرة النبي ﷺ الكتابة ما نصّه: "هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله"، وما دامت الكتابة قد ثبتت عنه، فلا شك أنه كان يحسن القراءة من باب أولى؛ لأن القراءة فرع عن الكتابة. وهذه الشبهة تُعدّ من أشهر شبهاتهم.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الصحيح أنه أمر غيره فكتب
стр. 4348
١ - لقد روى هذا الحديث المسور بن مخرمة، ومروان، وأنس بن مالك ﵁، واتفقت تلك الروايات كلها على أمر النبي ﷺ لعلي ﵁ بالكتابة، فقد جاء في البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: "فقال النبي ﷺ : "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله"، وكذلك قال أنس بن مالك ﵁ في صحيح مسلم ما نصّه: "فقال النبي ﷺ : "اكتب: من محمد بن عبد الله".
أما رواية البراء ﵁، فنلاحظ أن الرواة الذين نقلوها، اقتصروا على بعض الألفاظ دون بعض، ومن هنا حصل اللبس والإيهام في هذه الرواية.
فرواية عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁ ذكرت: "ثم قال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: "امح رسول الله"، فقال علي: لا والله لا أمحوك أبدًا. فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله" (١)، ورواية إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁ جاء فيها: "فقال لعلي: "امح رسول الله"، فقال علي: والله لا أمحاه أبدًا، قال: "فأرنيه"، قال فأراه إياه، فمحاه النبي ﷺ بيده.
ويضاف إلى روايات البخاري السابقة رواية أخرى مهمة لحديث البراء ﵁، تلك الرواية التي أوردها ابن حبان في صحيحه، عن محمد بن عثمان العجلي قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁ قال: فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب فأمر فكتب مكان رسول الله محمدًا، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله". . الحديث.
٢ - جمع ابن حجر روايات حديث صلح الحديبية ليتضح ما احتج به الجمهور، فقال: قال رسول الله ﷺ لعلي ﵁: "امح رسول الله"، فقال: لا والله لا أمحاه أبدا، قال: "فأرنيه" فأراه إياه فمحا النبي ﷺ بيده، ونحوه في رواية زكريا عند مسلم، وفي حديث علي عند النسائي
стр. 4349
وزاد وقال: "أما أن لك مثلها وستأتيها وأنت مضطر يشير ﷺ إلى ما وقع لعلي يوم الحكمين فكان كذلك، قوله فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب: "هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله" تقدم هذا الحديث في الصلح عن عبيد الله بن موسى بهذا الإسناد وليست فيه هذه اللفظة، ليس يحسن يكتب، ولهذا أنكر بعض المتأخرين على أبي مسعود نسبتها إلى تخريج البخاري، وقال ليس في البخاري هذه اللفظة ولا في مسلم، وهو كما قال عن مسلم؛ فإنه أخرجه من طريق زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق بلفظ فأراه مكانها فمحاها وكتب بن عبد الله. وقد عرفت ثبوتها في البخاري في مظنة الحديث، وكذلك أخرجها النسائي عن أحمد بن سليمان، عن عبيد الله بن موسى مثل ما هنا سواء، وكذا أخرجها أحمد، عن حجين بن المثنى، عن إسرائيل. ولفظه فأخذ الكتاب وليس يحسن أن يكتب فكتب مكان رسول الله ﷺ هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله (١).
فمن ثمَّ نقول ما لخَّصَه ابن كثير في هذه المسألة:
قال ابن كثير: قوله "هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله" "ثم أخذ فكتب"؛ فهذه محمولة على الرواية الأخرى: "ثم أمر فكتب" (٢).
الوجه الثاني: الحديث المحتج به يدل على أنه لم يكتب
١ - قال ابن حجر: أجاب الجمهور عن قصة الحديبية بأن القصة واحدة والكاتب فيها عليّ. وقد صرح في حديث المسور بأن عليًّا هو الذي كتب؛ فيحمل على أن النكتة في قوله: "فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب" لبيان أن قوله أرني إياها أنه ما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع عليُّ من محوها؛ إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك فكتب فيه حذف تقديره "فمحاها فأعادها لعلي فكتب" وبهذا جزم ابن التين، وأطلق كتب بمعنى (أمر بالكتابة) وهو كثير كقوله: كتب إلى قيصر وكتب إلى كسرى. وعلى تقدير حمله على ظاهره، فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم، وهو لا
стр. 4350
يحسن الكتابة أن يصير عالمًا بالكتابة، ويخرج عن كونه أميًا؛ فإن كثيرًا ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصور بعض الكلمات ويحسن وضعها بيده، وخصوصًا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أمِّيًا ككثير من الملوك.
ويحتمل أن يكون جرت يده بالكتابة حينئذ وهو لا يحسنها، فخرج المكتوب على وفق المراد، فيكون معجزة أخرى في ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا، وبهذا أجاب أبو جعفر السمناني أحد أئمة الأصول من الأشاعرة، وتبعه ابن الجوزي. والحق أن معنى قوله فكتب أي أمر عليًّا أن يكتب انتهى. وفي دعوى أن كتابة اسمها لشريف فقط على هذه الصورة تستلزم مناقضة المعجزة، وتثبت كونه غير أمي نظر كبير والله أعلم (١).
٢ - فمما سبق نقول: لا نُسلّم بأن الرواية السابقة، جاء فيها التصريح بمباشرة النبي ﷺ للكتابة، بل هي محتملة لأمرين: أن يكون النبي ﷺ هو المباشر، أو أن يكون علي ﵁ هو الذي قام بالمباشرة، وتكون نسبة الكتابة إلى النبي ﷺ مجازيةً، باعتبار أنه هو الآمر بالكتابة، ونظير ذلك قول الصحابي: ونقش النبي ﷺ في خاتمه: محمد رسول الله، أي أمر بنقشه. وإذا أردنا معرفة رجحان أي الاحتمالين؛ فإنه يجب علينا العودة إلى مروّيات الحديث وطرقه.
ونخلص من مجموع تلك الروايات أن النبي ﷺ أمر عليًّا ﵁ أن يمحو كلمة: رسول الله، فرفض عليٌّ ﵁ ذلك، فطلب منه أن يريه مكانها، فمحاها بيده، ثم أمره بكتابة لفظة بن عبد الله، وهذا هو مقتضى الروايات.
الوجه الثالث: لم يعلم النبي ﷺ موضع الكلمة التي أرادوا حذفها فأراهما له علي
ثم إننا نقول: إن رواية البخاري التي ذكرت قول النبي ﷺ : "فأرنيه"، فيها إشارة واضحة إلى احتياج النبي ﷺ إلى عليِّ كي يرشده إلى مكان الكلمة، مما يدل بوضوح على عدم معرفته للقراءة أصلا، ويضاف إك ذلك أن المشرك الذي تفاوض مع النبي ﷺ لو رآه يكتب شيئًا بيده في تلك الحادثة لنقلها إلى كفّار قريش، فقد كانوا يبحثون عن أي شيء
стр. 4351
يجعلونه مستمسكًا لهم في ارتيابهم، فلما لم يُنقل لنا ذلك دلّ على عدم وقوعه أصلًا.
الوجه الرابع: ولكن دعنا نفترض أن المباشر للكتابة هو النبي ﷺ ، فهل يخرجه ذلك عن أميته ؟
يجيب الإمام الذهبي فيقول: فما خرج عن كونه أمِّيا بكتابة اسمه الكريم، فجماعة من الملوك ما علموا من الكتابة سوى مجرد العلامة، وما عدهم الناس بذلك كاتبين، بل هم أمِّيون، فلا عبرة بالنادر، وإنما الحكم للغالب، والله تعالى فمن حكمته لم يلهم نبيه تعلم الكتابة، ولا قراءة الكتب حسمًا لمادة المبطلين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ (العنكبوت: ٤٨).
ثم ما المانع من تعلم النبي ﷺ كتابة اسمه واسم أبيه مع فرط ذكائه، وقوة فهمه، ودوام مجالسته لمن يكتب بين يديه الوحي والكتب إلى ملوك الطوائف، ثم هذا خاتمه في يده، ونقشه: محمد رسول الله، فلا يظن عاقل، أنه ﷺ ما تعقل ذلك، فهذا كله يقتضي أنه عرف كتابة اسمه واسم أبيه، وقد أخبر الله بأنه ﷺ ما كان يدري ما الكتاب؟ ثم علمه الله تعالى ما لم يكن يعلم، فلما بلغ الرسالة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، شاء الله لنبيه أن يتعلم الكتابة النادرة التي لا يخرج بمثلها عن أن يكون أميًا. ثم هو القائل: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب".
فصدق إخباره بذلك، إذ الحكم للغالب، فنفى عنه وعن (أمته) الكتابة والحساب لندور ذلك فيهم وقلته، وإلا فقد كان فيهم كتاب الوحي وغير ذلك، وكان فيهم من يحسب، وقال تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (الإسراء: ١٢)، ومن علمهم الفرائض، وهي تحتاج إلى حساب وعول، وهو ﷺ فنفى عن الأمة الحساب. فعلمنا أن المنفي كمال علم ذلك ودقائقه التي يقوم بها القبط والأوائل؛ فإن ذلك ما لم يحتج إليه دين الإسلام ولله الحمد؛ فإن القبط عمقوا في الحساب والجبر، وأشياء تضيع الزمان، وأرباب الهيئة تكلموا في سير النجوم، والشمس، والقمر، والكسوف، والقرآن بأمور طويلة لم يأت الشرع بها، فلما ذكر ﷺ الشهور ومعرفتها، بين أن معرفتها ليست بالطرق التي يفعلها المنجم وأصحاب التقويم، وأن ذلك لا نعبأ به في ديننا، ولا نحسب الشهر بذلك أبدًا. ثم
стр. 4352
بين أن الشهر بالرؤية فقط، فيكون تسعًا وعشرين، أو بتكملة ثلاثين، فلا نحتاج مع الثلاثين إلى تكلف رؤية (١).
الوجه الخامس: ذكر من قال أن النبي ﷺ كتب بيده في صلح الحديبية .
ومنهم السمناني وأبو ذر والباجي: وذكروا أنه كتب من غير تعلم لكتابة ولا تعاط لأسبابها؛ وإنما أجرى الله تعالى على يده كمعجزة، وأنه ما زال بعد ذلك لا يقرأ ولا يكتب.
قال السمناني، وأبو ذر، والباجي (٢): وظاهر هذا أنه ﷺ محا تلك الكلمة التي هي رسول الله ﷺ بيده وكتب مكانها ابن عبد الله وقد رواه البخاري بأظهر من هذا فقال: فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب وزاد في طريق أخرى: ولا يحسن أن يكتب فقالوا بجواز هذا الظاهر عليه وأنه كتب بيده. ورأوا أن ذلك غير قادح في كونه أميا ولا معارَض بقوله ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ ولا بقوله: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب".
بل رأوه زيادة في معجزاته. واستظهارا على صدقه، وصحة رسالته، وذلك أنه كتب من غير تعلم لكتابة ولا تعاط لأسبابها.
وقالوا إنما أجرى الله تعالى على يده وقلمه حركات كانت عنها خطوط مفهومها ابن عبد الله لمن قرأها فكان ذلك خارقًا للعادة؛ كما أنه ﷺ عَلِمَ عِلْمَ الأولين والآخرين من غير تعلم ولا اكتساب؛ فكان ذلك أبلغ في معجزاته، وأعظم في فضائله، ولا يزول عنه اسم الأمي بذلك؛ ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة: ولا يحسن أن يكتب فبقي عليه اسم الأمِّي مع كونه قال كتب (٣).
стр. 4353
قال النووي: بينما ذهب الأكثرون إلى منع ذلك كله. وقالوا: قوله "كتب" أي: أمر بالكتابة (١).
الوجه السادس: لا يعد اختلاف الباجي مع الفقهاء اختلاف سائغ، بل من العلماء من جعله قول شاذ. وأن العلماء المتقدمين متفقون على القول بأن النبي ﷺ لم يكتب في صلح الحديبية.
أولًا: القاضي أبي الوليد الباجي هو من متأخري الفقهاء، لا من متقدميهم.
ثانيًا: إنكار كثير من الفقهاء على الباجي وعلى من قال بقوله، واعتبار أن قولهم قول شاذ لا يقبل.
قال ابن كثير: ولهذا اشتد النكير بين فقهاء المغرب والمشرق على من قال بقول الباجي، وتبرؤوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالًا وخطبوا به في محافلهم (٢).
ثالثًا: وللرد على من قال أن النبي ﷺ كتب بيده في صلح الحديبية؛ وذكروا أنه كتب من غير تعلم لكتابة، ولا تعاط لأسبابها، وإنما أجرى الله تعالى على يده كمعجزة.
فيقال له: كانت تكون آية لا تنكر لولا أنها مناقضة لآية أخرى؛ وهي كونه أمِّيا لا يكتب؛ وبكونه أمِّيا في أمِّة أمِّية قامت الحجة، وأفحم الجاحدون، وانحسمت الشبهة؛ فكيف يطلق الله تعالى يده فيكتب، وتكون آية، وإنما الآية ألا يكتب، والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضًا، وإنما معنى كتب وأخذ القلم؛ أي أمر من يكتب به من كتابه، وكان من كتبة الوحي بين يديه ﷺ ستة وعشرون كاتبًا.
الوجه السابع: إن كان رسول الله ﷺ كان كاتبًا مجُيدًا لذلك؛ فلماذا دعا عليًّا ليكتب له، ثم لما أراد أن يحذف عبارة طلب من علي ذلك ويأبى عليه علي؛ لأنه سيمحوا كلمة (رسول الله) فمن تعظيمه له أبى؛ ورسول الله يقول له (أرني) كأنه لم يعلم موضعها من الكتاب، فطلب منه أن يريه الكلمة ليمحوها بنفسه، وأبعد كل هذا ما زال المعترضون يعترضون والأمر بيِّن جلي.
стр. 4354
الشبهة الحادية عشر: المتعلقة: بقوله ﷺ : "إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا".
قالوا بأن هذا الحديث لا يفيد كدليل لإثبات أمية محمد ﷺ لاختلاف معاني لفظة (أمِّي) في كتب فمنها: أي إنهم على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب، فهم على جبلتهم الأولى.
وقيل للعرب الأميون؛ لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة أو عديمة.
وقيل الأمية الغفلة والجهالة، فالأمي منه، وذلك هو قلة المعرفة.
الرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: القرآن محفوظ في الصدور فلا يحتاجون إلى كتاب
عن سعيد بن عمرو بن سعيد أنه سمع ابن عمر ﵁ يحدث عن النبي ﷺ قال: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة والشهر هكذا، وهكذا يعني تمام ثلاثين" (١).
وهذا يشبه قوله ﷺ : "بعثت إلى أمة أمية" (٢).
قال ابن تيمية: لما نزل القرآن على العرب لم يبقوا أمِّيين باعتبار أنهم لا يقرؤون كتابًا من حفظهم؛ بل هم يقرؤون القرآن من حفظهم، وأناجيلهم في صدورهم، لكن بقوا أميين باعتبار أنهم لا يحتاجون إلى كتابة دينهم، بل قرآنهم محفوظ في قلوبهم، كما في الصحيح عن عياض بن حمار المجاشعي، عن النبي ﷺ أنه قال: "خلقت عبادي يوم خلقتهم حنفاء - وقال فيه - إني مبتليك ومبتل بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء تقرؤه نائمًا ويقظانًا"، فأمتنا ليست مثل أهل الكتاب الذين، لا يحفظون كتبهم في قلوبهم، بل لو عدمت المصاحف كلها كان القرآن محفوظًا في قلوب الأمة، وبهذا الاعتبار، فالمسلمون أمة أمية بعد نزول القرآن وحفظه، كما في الصحيح عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنا أمة أمية لا نحسب ولا
стр. 4355
نكتب الشهر هكذا وهكذا"، فلم يقل: إنا لا نقرأ كتابًا، ولا نحفظ، بل قال: لا نكتب ولا نحسب، فديننا لا يحتاج أن يكتب ويحسب، كما عليه أهل الكتاب من أنهم يعلمون مواقيت صومهم وفطرهم بكتاب وحساب، ودينهم معلق بالكتب لو عدمت لم يعرفوا دينهم؛ ولهذا يوجد أكثر أهل السنة يحفظون القرآن والحديث أكثر من أهل البدع، وأهل البدع فيهم شبه بأهل الكتاب من بعض الوجوه (١).
قال ابن كثير: أي: لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب (٢).
الوجه الثاني: هذا الحديث يدل دلالة المفهوم والمنطوق على أن النبي ﷺ كان لا يكتب ولا يحسب .
كما يجب أن لا نفهم أن معنى هذا الحديث أنه لا يوجد في أمة العرب من يعلم القراءة والكتابة، بل كان فيهم من يعلم ذلك، بيد أن هذا قليل جدًّا، لذلك كان الحكم للغالب.
قال المباركفوري: قال ﷺ : "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" أراد أنهم على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب فهم على جبلتهم الأولى (٣).
فالعرب كانوا قوم لا ثقافة لهم ولا علوم ولا اطلاع على ثقافات العالم المتحضر آنذاك، إلا قليلًا منهم بالطبع، كذلك كانوا قومًا لا دين لهم يتبعونه، ولا كتاب لهم يقرؤونه؛ أي أنهم كانوا أمة على أصل ولادتها، لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها؛ وهذا قد جعل القرآن الكريم يصفهم بالأمّية؛ ولكن أهل الكتاب في خلال نقاشهم الدائم مع المسلمين، لا يقبلون هذا الأمر، بل ويحاولون أن يتخذونه مولجًا إلى أن ثقافة محمد ﷺ هي مصدر القرآن الكريم. ففي بعض مؤلفات النصارى ومواقعهم على شبكة الإنترنت نقرأ مقالات ومؤلفات تحاول تفسير هذا الموضوع بشكل مغاير تماما للمفهوم الإسلامي فتخلط ما بين الأميّين والأمَمييّن، وما بين الأميّ والأمميّ، إلى تنتهي بالقارئ إلى أن المسلمين لا يفهمون كتابهم الذين يرتلونه في صلواتهم آناء الليل وأطراف النهار! !
стр. 4356
ومن الذي يفهمه، ويشرح معاني آياته للناس؟ ! ! .. أهم النصارى الذين لا يعترفون به أصلا ككلام الله؟ ! ! ! .
قال ابن كثير: فإن قيل فما الجمع بين قوله: "إنا أمَّة أمية لا نكتب ولا نحسب" وبين الأمر بالكتابة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (البقرة: ٢٨٢)؟ فالجواب: أن الدِّين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلا؛ لأن كتاب الله قد سَهل الله ويسر حفظه على الناس، والسنن أيضًا محفوظة عن رسول الله ﷺ ، والذي أمر الله بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس، فأمروا أمْر إرشاد لا أمر إيجاب، كما ذهب إليه بعضهم (١).
الشبهة الثانية عشر
ورد في الأثر: ما مات رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى كَتَبَ وَقَرَأَ. فهذا يدل صراحة أنه كتب وقرأ.
الرد على ذلك من وجوه:
إن الحديث ضعيف لا يثبت بالاتفاق وإليك بيان ذلك:
عن مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ قال حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ عَبْدِ الله عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا مَاتَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى كَتَبَ وَقَرَأَ (٢).
قال البيهقي: فَهَذَا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ وَفِي رُوَاتِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَالْمُجْهُولِينَ (٣).
стр. 4357
قال ابن كثير: ضعيف لا أصل له. وقال الطبراني: منكر معارض للكتاب (١).
الشبهة الثالثة عشر: ومن استدلالاتهم على نفي أمّيّته ما ذكروه أن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال عندما سأله اليهودي: هل كتب النبي ﷺ بيده؟ فقال: فأردت أن أقول نعم، فخشيت من أبي سفيان أن يكذبني ويردّ علي، فقلت: لا يكتب، فوثب الحبر وترك رداءه وقال: ذبحت يهود وقتلت يهود.
للرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: هذا الأثر ضعيف جدًّا .
وإليك نص الأثر وتحقيقه: فعن محمد بن زكريا الغلابي قال: ثنا العباس بن بكار الضبي، ثنا أبو بكر الهذلي، عن عكرمة ابن عباس ﵁ قال: قال العباس ﵁: خرجت في تجارة إلى اليمن ركب منهم أبو سفيان بن حرب، وكان أبو سفيان يجلس مجلسًا باليمن يتحدث فيه حبر من أحبار اليهود، فقال له اليهودي ما هذا الخبر بلغني أن فيكم عم هذا الرجل الذي قال ما قال: قال أبو سفيان صدقوا وأنا عمه، قال اليهودي أخو أبيه قال نعم، قال فحدثني عنه، فقال لا تسألني ما كنت أحسب أن يدعي هذا الأمر أبدا وما أحب أن أعينه، فقال اليهودي ليس به بأس على يهود وتوراة موسى، قال العباس فنادي إلى الخبر فحميت وخرجت، حتى جلست ذلك المجلس من الغد، وفيه أبو سفيان بن حرب، والحبر فقلت للحبر بلغني أنك سألت ابن عمي عن رجل منا زعم أنه رسول الله، فأخبرك أنه عمه وليس بعمه، ولكن ابن عمه وأنا عمه أخو أبيه، قال أخو أبيه، قلت أخو أبيه، فأقبل على أبي سفيان فقال: صدق، قال: نعم صدق، فقال سلني عنه، فإن كذب فليرده علي، فأقبل علي فقال نشدتك هل كانت لابن أخيك صبوة أو سفهة قلت: لا وإله عبد المطلب، ولا كذب ولا خان، وإن كان اسمه عند قريش الأمين، فقال: هل كتب بيده، قال العباس فظننت أنه خير له أن يكتب بيده، فأردت أن أقولها، ثم ذكرت مكان أبي سفيان أنه مكذبي، ورادٌ علي فقلت لا يكتب، فوثب الحبر وترك رداءه، وقال: ذبحت يهود وقتلت
стр. 4358
يهود، قال العباس فلما رجعنا إلى منازلنا، قال أبو سفيان يا أبا الفضل إن اليهود تفزع من ابن أخيك قلت قد رأيت ما رأيت (١).
فالعباس بن بكار الضبي بصري: قال الدارقطني: كذاب (٢)، وقال العقيلي: الغالب على حديثه الوهم والمناكير (٣)، وقال أبو نعيم الأصبهاني: يروي المناكير لا شيء (٤).
الوجه الثاني:
ما ذكروه يتضمّن تدليسًا فاحشًا، وكذبًا واضحًا، يتّضح عند العودة إلى الرواية في مصادرها، فالأثر على افتراض صحته، فهو دليل على أمية الرسول، فعند قوله: فقال الحبر اليهودي: هل كتب بيده؟ قال العباس: فظننت أنه خير له أن يكتب بيده، فأردت أن أقولها، ثم ذكرت مكان أبي سفيان أنه مكذبي ورادٌّ عليّ فقلت: لا يكتب. فوثب الحبر وترك رداءه وقال: ذبحت يهود وقتلت يهود. وبهذا يظهر أن أميّة النبي ﷺ كانت أمرًا مشتهرًا يعرفها القاصي والداني من قومه.
الوجه الثالث:
وفي الأثر أيضًا: قال العباس لا يكتب، فوثب الحبر، وترك رداءه، وقال ذبحت يهود وقتلت يهود، قال العباس: فلما رجعنا إلى منازلنا، قال أبو سفيان: يا أبا الفضل إن اليهود تفزع من ابن أخيك، قلت: قد رأيت ما رأيت، ففزع اليهودي عندما علم أن النبي ﷺ لا يكتب، دليل على أنه تأكد أن محمدًا هو نبي آخر الزمان. وكل ما هنالك أن العباس تردد في اختيار القول الذي يقوله لليهودي: هل يقول أنه يكتب أم لا بغض النظر عن صدق الاختيار الذي يريد أن يختاره من أحدهما، فلما علم أن الكتابة لها فضل وأنه لا يريد إثبات
стр. 4359
الفضل للنبي ﷺ ؛ لأن العباس كان على غير ملته آنذاك، رجع العباس ﵁ إلى الحقيقة التي كان يفكر في تغيير القول بها وهي أنه ﷺ أمي لا يكتب.
الشبهة الرابعة عشر . عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "رأيت ليلة أسرى بي على باب الجنة مكتوبًا، الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل، ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ . قال: "لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة" (١). قالوا: والقدرة على القراءة فرع الكتابة:
للرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ما استدلوا به لا يصلح للاحتجاج؛ لأن الحديث ضعيف جدًّا، وآفته خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: ضعيف مع كونه كان فقيهًا، وقد اتهمه يحيى بن معين، وسئل عنه أبو زرعة فقال: يروي أحاديث مناكير.
الوجه الثاني: ولئن صح الحديث، فليس فيه أن النبي ﷺ باشر القراءة بنفسه، بل واضحٌ من سياق الحديث أن جبريل ﵇ كان بصحبته في الجنة.
الوجه الثالث: إن حادثة الإسراء والمعراج في جملتها أمرٌ خارق للعادة، لا يُقاس الواقع به، فكيف يتعجّب مع هذا الأمر الخارق العظيم أن يقرأ النبي ﷺ بضع كلمات مكتوبة على باب الجنّة؟ وإذا كانت القراءة تلك حاصلة منه في العالم العلويّ، وفي مشهد من مشاهد الآخرة - حيث رأى الجنة - فمن الذي قال إنه ﷺ سيكون يوم القيامة على أُمِيّته! ! .
الشبهة الخامسة عشر: حديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدجال ممسوح العين، مكتوب بين عينيه: كافر، ثم تهجاها: ك ف ر (٢) ".
والرد على ذلك من وجوه:
стр. 4360
الوجه الأول: إن تهجّي الكلمات يشمل نوعين: تهجي الكلمات المسموعة، وهذا أمر يشترك فيه المتعلم والأميِّ على السواء، وتهجّي الكلمات المكتوبة، وهذا لا يقدر عليه إلا من كان يحسن القراءة، وإذا كان الأمر كذلك فليس في الحديث دلالة على معرفة النبي ﷺ للقراءة؛ لأن النبي ﷺ نطق الكلمة ثم تهجّاها.
الوجه الثاني: إن ما ذكره المستشرقون ومن تبعهم من محاولات للتشكيك في أمّيّة النبي ﷺ لا يصمد أمام حقيقة هامة، وهي أن أهل مكة الذين عاشوا معه وعلموا أخباره، وعرفوا مدخله ومخرجه وصدقه ونزاهته، قد أقرّوا جميعًا بأميّته.
الوجه الثالث: اتخاذه ﷺ كتبة للوحي دليل بارز على أميته؛ إذ لو لم يكن كذلك لكتب القرآن بنفسه فإن قيل: ذلك عسير عليه أن يكتبه بمفرده قلنا: لا عسر في ذلك فالقرآن نزل منجمًا في ثلاث وعشرين سنة، وكثير من الصحابة كتبوا مصاحف لخاصة أنفسهم، وإذا لم يتفرد بهذا فلا أقل من أن يقوم معاونًا للكتبة مشاركًا لهم؛ فإذا لم يفعل ﷺ هذا مع توفر الدواعي إلى مثله، فقد دل على أنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وقد مضى أنه أرسل إلى زيد بن ثابت ليكتب له ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
الوجه الرابع: كان ﷺ يعاجل جبريل بالقراءة عند نزوله عليه بالقرآن خشية أن يتفلت منه فضمن الله له الحفظ وأنزل عليه قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ (القيامة: ١٦ - ١٨). والشاهد أنه لو كان كاتبًا قارئا لما خشي ذلك؛ لأن عليه فقط أن يُدون ما نزل ليرجع إليه عند الحاجة؛ ولأن ذلك لم يحدث فقد دل على أنه أمي.
الوجه الخامس: في فداء أسرى بدر جعل النبي ﷺ فداء الواحد منهم أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين، وهذا تنبه منه ﷺ إلى أهمية العلم، فنحن مطالبون به ديانة، وعليه فلو كان مجيدًا للقراءة والكتابة، لقام بتعليم الصحابة وأبناءهم ضرورة، أنه معلم الأمة؛ فإن قيل: كان من
стр. 4361
الممكن أن يعهد بذلك لأحد المسلمين القارئين الكاتبين قلنا: لم يكن واحد منهم ليؤثر في المتلقين تأثير النبي ﷺ فيهم وهذا معروف، فلما لم يحدث هذا فقد دل على أميته.
الشبهة السادسة عشر: ذكر القاضي عياض عن معاوية أنه كان يكتب بين يدي النبي ﷺ فقال له: "ألق الدواة، وحرف القلم، وأقم الباء، وفرق السين، ولا تُعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم.
والرد على ذلك من وجوه: وذلك بذكر الأحاديث التي تتعلق بتلك الشبهة:
١ - عن يزيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كتبت فبين السين في بسم الله الرحمن الرحيم"، وهذا الحديث ضعيف (١).
٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كتب أحدكم بسم الله الرحمن الرحيم فليمد الرحمن"، وهذا الحديث موضوع (٢).
٣ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لكاتبه: "إذا كتبت فضع القلم خلف أذنك فإنه أذكر لك". وهذا الحديث موضوع (٣).
стр. 4362
٤ - عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معاوية ألق الدواة، وحرف القلم، وانصب الباء، وفرق السين، ولا تغور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسري؛ فإنه أذكر لك" (١).
٥ - عن مطر الوراق قال كان معاوية بن أبي سفيان كاتب رسول الله ﷺ فأمره أن يجمع بين حروف الباء والسين ثم يمده إلى الميم ثم يجمع حروف الله الرحمن الرحيم ولا يمد شيئا من أسماء الله في كتابة ولا قراءة. وهذا الحديث ضعيف جدًّا (٢).
٦ - عن ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة السلولي، ثنا سهل بن الحنظلية، قال قدم على رسول الله ﷺ عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس فسألاه فأمر لهما بما سألا وأمر معاوية أن يكتب لهما بما سألا قال: فأما الأقرع فلف كتابه في عمامته، وانطلق، وأما عيينة فأخذ كتابه فأتى النبي ﷺ فقال يا محمد ترى إني حامل إلى قومي كتابًا لا أدري ما فيه كصحيفة الملتمس، قال فأخذه النبي ﷺ فنظر فيه فقال: "قد كتب لك بالذي أمرت لك به" (٣).
تضعيف عام لهذه الأحاديث، فجميعها لا يثبت:
قال ابن حجر: وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث (٤).
стр. 4363
قال القاضي عياض: وردت آثار تدل على معرفة حروف الخط، وحسن تصويرها، ثم ذكر من هذه الآثار، وهذا وإن لم يثبت أنه كتب فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة؛ فإنه أوتي علم كل شيء ﷺ (١).
الشبهة السابعة عشر: الاعتراض بأن النبي ﷺ لم يُذكر في الكتاب المقدس بأنه النبي الأمي كما ذُكر في قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (الأعراف: ١٥٧).
الرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أدلة على كون وصف النبي محمد ﷺ بأنه أمي في كتب الأنبياء .
قال ابن كثير: وهذه صفة محمد ﷺ في كتب الأنبياء، بشروا أممهم ببعثه وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم (٢).
عن أبي صخر العقيلي، حدثني رجل من الأعراب، قال: جلبت جَلُوبَةً إلى المدينة في حياة رسول الله ﷺ ، فلما فرغت من بيعتي قلت: لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه، قال: فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم في أقفائهم حتى أتوا على رجل من اليهود، ناشرًا التوراة يقرؤها، يعزي بها نفسه، عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله ﷺ : "أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي؟ " فقال برأسه هكذا، أي: لا. فقال ابنه، إي: والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومَخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله فقال: "أقيموا اليهودي عن أخيكم". ثم ولى كفنه والصلاة عليه (٣).
قال ابن كثير: هذا حديث جيد قوي له شاهد في الصحيح، عن أنس (٤).
стр. 4364
الوجه الثاني: الرسول الأمي في الكتاب المقدس:
عن عطا بن يسار قال: لقيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ فقلت: أخبرني عن صفات رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: أجَل والله، إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي إنّا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين. أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ القلب ولا صخّاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يأخذه الله حتى يقيم به الملة العوجاء؛ بأن يقولوا لا إله إلا الله، يفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صُمًا، وقلوبًا غُلفًا (١). وقد جاءت هذه النبوة في سفر إشعياء بالتوراة، ويرجع تاريخها إلى ٧٠٠ سنة قبل المسيح، و ١٣٠٠ سنة قبل محمد ﷺ (على قول النصارى).
وتقول: هُوَذَا عَبْدِي الذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الحَقَّ لِلْأُمَمِ. لَا يَصِيحُ وَلَا يَرْفَعُ وَلَا يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لَا يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لَا يُطْفِئُ، أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلْأُمَمِ، لِتَفْتَحَ عُيُونَ العُمْيِ، لِتُخْرِجَ مِنَ الحبْسِ المَأْسُورِينَ، مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ (إشعياء ٤٢: ١ - ٣ و ٦ و ٧).
قال النصارى: ولما كان عندنا شاهدان: نبوة إشعياء التوراتية، وكلمات الحديث، وهما متوافقان، ندرك أن نبوة إشعياء لم تتحرف. وقد أعلن الإنجيل أن النبوة تحققت في المسيح، فهو الذي لم يكن صخّابًا، وهو الذي عفا وغفر، وهو الذي فتح عيون العمى (متى ١٢: ١٨ - ٢١).
قلت: ولكن لم يبعث لجميع الأمم: كما في النص السابق (فَيُخْرِجُ الحَقَّ لِلْأُمَمِ).
وهل لفظ الأمم يفيد الأمميِّن؟ .
* * *
стр. 4365
٣ - شبهة: ادعاؤهم أن كفر أبوي النبي ﷺ يقدح فيه .
نص الشبهة:
وردت أدلة تثبت أن أبوي النبي ﷺ كافران وفي النار، وذاك فيه اتهام للنبي ﷺ لشخصه وعصمته.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: إثبات أن أبوي النبي ﷺ في النار .
الوجه الثاني: الرد على من زعم أن الله أحيا للنبي أبويه فأسلما.
الوجه الثالث: الرد على السيوطي ومن تبعه في القول بنجاة الوالدين.
الوجه الرابع: هل مجرد ذكر مصير أبوي النبي ﷺ وأنهما في النار يؤذي النبي ﷺ ؟
وإليك التفصيل
الوجه الأول: إثبات أن أبوي النبي ﷺ في النار
من حديث أنس ﵁: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: "فِي النَّارِ"، فَلَمّا قَفَّي دَعَاهُ، فَقَالَ: "إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ". (١)
وقد بوب الإمام النووي لهذا الحديث بـ (باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه شفاعة، ولا تنفعه قرابة الأقربين). ثم قال: إن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة؛ فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم، وقوله ﷺ : "إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ" هو من حسن العشرة للتسلية بالاشتراك في المصيبة، ومعنى قَفَّي: ولى قفاه منصرفًا. (٢)
ومن حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي
стр. 4366
فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي" (١).
وفي رواية: زار النبي قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: "استأذنت ربي في أن أستغفر لها، فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت".
قال النووي: فيه جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، وفيه النهى عن الاستغفار للكفار. (٢)
قال القاضي عياض: سبب زيارته ﷺ قبرها أنه قصد قوة الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيده قوله ﷺ في آخر الحديث "فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت". (٣)
وقال في قوله: "فبكى وأبكى من حوله"، بكاؤه على ما فاتها في إدراك أيامه والإيمان به. (٤)
قال البيهقي: (وأبواه كانا مشركين، بدليل ما أخبرنا ... ) ثم ساق بإسناده حديث أنس: "إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ" (٥)، وبإسناده حديث أبي هريرة ﵁ في استئذانه أن يستغفر لأمه فلم يؤذن له. وهما اللذان أخرجهما مسلم.
قال الإمام البيهقي: وكيف لا يكون أبواه وجده بهذه الصفة في الآخرة. (٦)
وقال القاضي عياض: لما أخبر بما أخبره ورآه عظم عليه أخبره أن مصيبته بذلك كمصيبته ليتأسي به. (٧)
ومثله قول القرطبي: قوله ﷺ : "إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ" جبر للرجل مما أصابه وأحاله على التأسي حتى تهون عليه مصيبته بأبيه. (٨)
стр. 4367
الوجه الثاني: الرد على من زعم أن الله أحيا للنبي أبويه فأسلما .
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: هل صح عن النبي ﷺ أن الله ﵎ أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك؟
فأجاب: لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث، بل أهل المعرفة متفقون على أن ذلك كذب مختلق، وإن كان قد روى في ذلك أبو بكر - يعنى: الخطيب في كتابه (السابق واللاحق) - وذكره أبو القاسم السهيلي في (شرح السيرة) بإسناد فيه مجاهيل، وذكره أبو عبد الله القرطبي في (التذكرة) وأمثال هذه المواضع، فلا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذبًا، كما نص عليه أهل العلم، وليس ذلك في الكتب المعتمدة في الحديث، لا في الصحيح، ولا في السنن، ولا في المسانيد، ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة، ولا ذكره أهل كتب المغازي والتفسير، وإن كانوا قد يروون الضعيف مع الصحيح؛ لأن ظهور كذب ذلك لا يخفي على متدين؛ فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله؛ فإنه من أعظم الأمور خرقًا للعادة من وجهين: من جهة إحياء الموتى، ومن جهة الإيمان بعد الموت، فكان نقل مثل هذا أولى من نقل غيره، فلما لم يروه أحد من الثقات علم أنه كذب.
والخطيب البغدادي في كتاب (السابق واللاحق) مقصوده أن يذكر من تقدم ومن تأخر من المحدثين عن شخص واحد، سواء كان الذي يروونه صدقًا أو كذبًا، وابن شاهين يروي الغث والسمين، والسهيلى إنما ذكر ذلك بإسناد فيه مجاهيل.
وأما الأدلة على ذلك فهي من الكتاب، والسنة الصحيحة، والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (النساء: ١٧ - ١٨). فبين الله تعالى أنه لا توبة لمن مات كافرًا، وقال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ
стр. 4368
إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ (غافر: ٨٥).
فأخبر سبحانه أن سنته في عباده أنه لا ينفع الإيمان بعد رؤية البأس فكيف بعد الموت؟
ومن السنة:
في صحيح مسلم أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ، الله أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: "فِي النَّارِ، فَلَمَّا قَفَّي دَعَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ". (١)
وفي صحيح مسلم أيضًا أنه قال: "اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي". (٢)
وفي الحديث الذي في المسند وغيره قال: "إن أمي مع أمك في النار". (٣)
فإن قيل: هذا في عام الفتح والإحياء كان بعد ذلك في حجة الوداع، ولهذا ذكر ذلك من ذكر، وبهذا اعتذر صاحب التذكرة، فهذا باطل من وجوه:
الأول: أن الخبر عما كان ويكون، لا يدخله نسخ، كقوله سبحانه في أبي لهب: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾ (المسد: ٣)، وكقوله في الوليد: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ (المدثر: ١٧)، وكذلك في قوله ﷺ : "إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ" و"إنَّ أُمِّي وَأُمَّكَ فِي النَّار". وهذا ليس خبرًا عن نار يخرج منها صاحبها كأهل الكبائر؛ لأنه لو كان كذلك لجاز الاستغفار لهما، ولو كان قد سبق في علم الله إيمانهما لم ينهه عن ذلك؛ فإن الأعمال بالخواتيم، ومن مات مؤمنًا، فإن الله يغفر له فلا يكون الاستغفار له ممتنعًا.
الثاني: أن النبي ﷺ زار قبر أمه؛ لأنها كانت بطريقه بالحجون عند مكة عام الفتح، وأما أبوه فلم يكن هناك، ولم يزره، إذ كان مدفونًا بالشام في غير طريقه، فكيف يقال: (أحيي له)؟ !
стр. 4369
الثالث: أنهما لو كانا مؤمنين إيمانًا ينفع، كانا أحق بالشهرة والذكر من عميه: حمزة والعباس، وهذا أبعد مما يقوله الجهال من الرافضة ونحوهم، من أن أبا طالب آمن، ويحتجون بما في السيرة من الحديث الضعيف، وفيه أنه تكلم بكلام خفي وقت الموت.
ولو أن العباس ذكر أنه آمن لما قال للنبي ﷺ : يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ". (١)
إذن فذلك إيمان أبي طالب باطل نحالف لما في الصحيح وغيره؛ فإنه كان آخر شيء قاله هو: على ملة عبد المطلب، وأن العباس لم يشهد موته، مع أن ذلك لو صح لكان أبو طالب أولى بالشهرة من حمزة والعباس، فلما كان من العلم المتواتر المستفيض بين الأمة خلفًا عن سلف، أنه لم يذكر أبو طالب ولا أبواه في جملة من يذكر من أهله المؤمنين، كحمزة، والعباس، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين ﵃ كان هذا من أبين الأدلة على أن ذلك كذب.
الرابع: أن الله تعالى قال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الممتحنة: ٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (التوبة: ١١٤). فأمر بالتأسي بإبراهيم ﵇ والذين معه إلا في وعد إبراهيم لأبيه بالاستغفار، وأخبر أنه لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. والله أعلم. (٢)
قال الشيخ عبد المحسن البدر: وعلى هذا فالثابت عن رسول الله ﷺ كون أبويه ماتا مشركين، وأنهما في النار، ولم يثبت شيء يدل على خلاف ذلك، وما ذكره مَنْ قال بإحيائهما له ﷺ وإسلامهما ليس بصحيح،
стр. 4370
لعدم ثبوته من حيث الإسناد؛ لأن فيه مجاهيل كما ذكر ذلك وغيره. ثم قال: وأمَّا تعويلُ الكاتب على رسائل السيوطي في نجاةِ الأَبَوَين، فجوابُه أنَّ السيوطيَّ لَم يأتِ بشيء ثابتٍ في ذلك يُعوَّلُ عليه.
وقد ألف الشيخ علي ملا القاري الحنفي رسالة في الرد عليه وبيان أدلة معتقد أبي حنيفة في ذلك، وقال فيها: والعجبُ من الشيخ جلال الدِّين السيوطي - مع إحاطتِه بهذه الآثار، التي كادت أن تكون متواترةً في الأخبار - أنَّه عَدَل عن مُتابعةِ هذه الحجَّة، وموافقة سائر الأئمَّة، وتَبِع جماعةً من العلماء المتأخِّرين، وأورد أدلَّةً واهيةً في نظر الفضلاء المعتَبَرين، منها أنَّ الله سبحانه أحيا له أبويه حتى آمنا به، مُستدلًا بِما أخرجه ابنُ شاهين في الناسخ والمنسوخ، والخطيب البغدادي في السابق واللاحق، والدارقطني وابن عساكر كلاهما في غرائب مالكٍ بسندٍ ضعيف عن عائشة ﵂ قالت: (حجَّ بنا رسول الله ﷺ حجَّةَ الوداع، فَمَرَّ بي على عَقبة الحجون، وهو باكٍ حزينٌ مغتَمٌّ، فنزل، فمكث عنِّي طويلًا، ثمَّ عاد إليَّ وهو فرِحٌ، فتبسَّم، فقلتُ له ... ؟ فقال: "ذهبتُ لقبر أُمِّي، فسألتُ الله أن يُحيِيَها، فآمنت بِي، وردَّها الله ").
وهذا الحديثُ ضعيفٌ باتِّفاق المُحدِّثين، كما اعترف به السيوطي، وقال ابن كثير: إنَّه منكر جدًّا، ورواتُه مجهولون).
ثم قال الشيخ عبد المحسن بدر: ثمَّ كيف يزعم الكاتبُ أنَّ القولَ بكون أَبَوي الرسول ﷺ في النار فيه إيذاءٌ للرَّسول ﷺ ، وهو مَبنِيٌّ على سُنَّةٍ ثابتةٍ عن رسول الله ﷺ في صحيح مسلم وغيره؟ ! بخلاف القول بإحياءِ الأَبَوين وإسلامهما - وهو الذي عوَّل عليه الكاتب - فإنَّه لَم يثبت في السُّنَّةِ عن رسول الله ﷺ ، وهو قولٌ على الله ورسوله بغير علم، وقد قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ (الأعراف: ٣٣). (١)
الوجه الثالث: الرد على السيوطي ومن تبعه في القول بنجاة الوالدين . (٢)
стр. 4371
سلك السيوطي ومن تبعه في الاستدلال لنجاة والدي النبي ﷺ ثلاثة مسالك:
المسلك الأول: أنهما ماتا في فترة من الرسل؛ لأن الجاهلية التي سبقت بعثة النبي ﷺ لم تبلغها دعوة، فحكمهم حكم أصحاب الفترة، وأنهم يمتحنون يوم القيامة، وأن والدي النبي ﷺ سيجيبان كرامة للنبي ﷺ .
المسلك الثاني: أنهما كانا على أصل التوحيد، فلم يقعا في الشرك وعبادة الأوثان، فهم كباقي الموحدين الحنيفيين الذين ماتوا قبل البعثة.
المسلك الثالث: أنهما آمنا بالنبي ﷺ إذ أحياهما الله له ودعاهما وآمنا به ثم أماتهما.
وهذه المسالك غاية في الوعورة، إذا اضطر السيوطي ﵀ أن يضحي بأصول علمية، وأن يتغافل عن حقائق شرعية، من أجل بلوغ هدفه؛ وهو إثبات نجاة والديه ﷺ موافقة للهوي، وإعراضًا عن الحقائق الواضحة والنصوص القاطعة.
وإليك تفنيد هذه المسالك:
نقض المسلك الأول:
أنهما ماتا في فترة من الرسل؛ لأن الجاهلية التي سبقت بعثة النبي ﷺ لم تبلغها دعوة فحكمها حكم أصحاب الفترة، وأنهم يُمتَحنون يوم القيامة، وأن والدي النبي ﷺ سيجيبان كرامة للنبي ﷺ .
والرد على هذا المسلك من وجوه:
الوجه الأول: الموافقة على أنه لا تعذيب قبل البعثة، ولا مؤاخذة قبل البلاغ.
الوجه الثاني: أن أهل الجاهلية الذين بعث فيهم النبي ﷺ وصلهم البلاغ، وقامت عليهم الحجة الرسالية.
стр. 4372
الوجه الثالث: لو فرضنا أن أهل الجاهلية الذين من أهل الفترة، وأنهم لم يصلهم البلاغ، ولم تقم عليهم الحجة الرسالية، ووافقنا السيوطي في ذلك؛ فإن بعض أهل الجاهلية قد جاءت فيهم نصوص خاصة بأنهم في النار، ومنهم أبوي النبي ﷺ .
الوجه الرابع: لو فرضنا أن أهل الجاهلية المبعوث فيهم النبي ﷺ من أهل الفترة، وأنهم لم يصلهم البلاغ ولم تقم عليهم الحجة الرسالية وأن أبوي النبي ﷺ هذا حالهم، فإنهما لن ينجوا من امتحان يوم القيامة.
الوجه الخامس: شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة لا تكون إلا للموحدين.
وتفصيل هذه الوجوه مما يلي:
الوجه الأول: الموافقة على أنه لا تعذيب قبل البعثة، ولا مؤاخذة قبل البلاغ .
قد صح في أصول الشرع أن الله تعالى فضلًا منه وإحسانًا وعفوًا، لا يعذِّب أحدًا حتى يقيم عليه الحجة الرسالية، وهي البلاغ الذي أمر الله تعالى به الرسل فقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ (النساء: ١٦٥). وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ (نوح: ١)، وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (الشعراء: ٢١٤)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥)، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ (الملك: ٨ - ٩)، وقال : ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ (الأنعام: ١٣١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨)﴾ (الشعراء: ٢٠٨).
وأما من السنة:
فعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَرْبَعَةٌ يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرَمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَة، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيقُولُ: رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي
стр. 4373
بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيقُولُ: رَبِّي لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّار، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا". (١)
وهذا الأثر في الحقيقة وما في معناه لا يخرج عن دلالة الآيات التي مرَّ ذكرها فهي كلها تصب في مصب واحد، ونحن نتفق مع السيوطي، في أن العذاب لا يكون إلا بعد البلاغ، وأن من لم تبلغه الدعوة، فهو من أهل الفترة الذين وقع في بعضهم الخلاف كأولاد المشركين مثلًا.
قال ابن كثير: وقد ذكر الشيخ أبو عمر بن عبد البر النَّمَري بعد ما تقدم من أحاديث الامتحان، ثم قال: وأحاديث هذا الباب ليست قوية، ولا تقوم بها حجة وأهل العلم ينكرونها؛ لأن الآخرة دار جزاء وليست دار عمل ولا ابتلاء، فكيف يكلفون دخول النار، وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها؟ !
والجواب عما قال: أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح، كما قد نص على ذلك غير واحد من أئمة العلماء. ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يقوى بالصحيح والحسن. وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدة على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها.
وأما قوله: (إن الآخرة دار جزاء)، فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة، من امتحان الأطفال، وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ (القلم: ٤٢)، وقد ثبتت السنة في الصحاح وغيرها: أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأما المنافق فلا يستطيع ذلك ويعود ظهره طبقًا واحدًا كلما أراد السجود خَرَّ لقفاه. (٢)
стр. 4374
وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه، ألا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مرارًا، ويقول الله تعالى: "يا ابن آدم، ما أغدرك! ثم يأذن له في دخول الجنة". (١)
وأما قوله: وكيف يكلفهم دخول النار، وليس ذلك في وسعهم؟
فليس هذا بمانع من صحة الحديث؛ فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحدّ من السيف وأدق من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم، كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم الساعي ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المكدوش على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا، بل هذا أطم وأعظم، وأيضًا فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار؛ فإنه يكون عليه بردًا وسلامًا (٢)، فهذا نظير ذلك. وأيضًا فإن الله تعالى قد أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فقتل بعضهم بعضًا، حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفًا، يقتل الرجل أباه وأخاه وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل (٣)، وهذا أيضًا شاق على النفوس جدًّا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم. (٤)
الوجه الثاني: أهل الجاهلية الذين بعث فيهم النبي ﷺ وصلهم البلاغ وقامت عليهم الحجة .
стр. 4375
إن القول بأن هؤلاء القوم لم تصلهم الدعوة ولم يبلغهم دين، قول مخالف للنصوص، بل الصحيح الذي لا مناص منه أن الحجة قامت عليهم، وأنهم وصلتهم دعوة الرسل فأقاموا على كفرهم وشركهم.
أما الدليل على هذا: فهو ما جاء عن النبي ﷺ في أكئر من نص من الحكم على بعض من مات قبل مبعثه بأنه في النار، ومن ذلك إخباره عن أمه وأبيه وقد سبق.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قلت: يَا رَسُولَ الله، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: "لَا يَنْفَعُهُ؛ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ". (١)
عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيَقْرِي الضَّيْفَ وَيَفْعَلُ كَذَا، قَالَ: "إِنَّ أَبَاكَ أَرَادَ شَيْئًا فَأَدْرَكَهُ". (٢)
وكذا عمرو بن لُحَيٍّ وأن النبي ﷺ رآه يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ. (٣)
فهذه النصوص تدل على أن تلك الفترة الزمنية، قامت عليها الحجة الرسالية التي يستوجب مخالفُها النار، بمعني أن تلك الفترة كان فيها مَن هو متمسك بالتوحيد، وينكر ما عليه أهل الشرك.
فإن قيل: إن هذا ليس أمرًا عامًا، فنقول: هو ثابت على الأقل فيمن جاء النص بأنه في النار؛ فإن هذا فيه دلالة على أنه بلغته الدعوة، وقامت عليه الحجة ومن ضمن هؤلاء والداه ﷺ .
وليس المقصود: أنهم بلغتهم الشرائع مفصلة، بل بلغهم بقايا من دين إبراهيم، وكانوا يعلمونه ولكن يُعرِضُونَ عنه، بدليل أنه وُجِدَ في تلك الفترة موحدون، منهم: ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل، وقد جاء أنه كان يسند ظهره إلي الكعبة، ويقول: (أيها الناس هلموا إليّ؛ فإنه لم يبقَ على دين إبراهيم أحد غيري). (٤)
стр. 4376
ففيه دلالة على أنهم كانوا يعلمون دين إبراهيم، وعلى أنه كان يوجد فيهم من يدعوهم، ويبين لهم أنهم ليسوا على دين إبراهيم وأنهم في شرك.
وهذا يكفي لقيام الحجة بدلالة أن الناس في آخر الزمان لا يعلمون من دين محمد ﷺ إلا الكلمة، ومع ذلك تنفع مَن استجاب لها وتنجيه من النار، كما قال حُذَيفَةُ ﵁: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ، وَشْيُ الثَّوْبِ حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ الله فِي لَيْلَةٍ، فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ، وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ، الشَّيْخُ الْكَبِيرُ، وَالْعَجُوزُ يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَة: لَا إِلَهَ إِلَّا الله فَنَحْنُ نَقُولُهَا، فَقَالَ لَهُ صِلَةُ: مَا تُغْنِي عَنْهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: يَا صِلَةُ، تُنْجِيهِمْ مِنْ النَّارِ ثَلَاثًا". (١)
قال ابن تيمية: حُكْم الوعيد على الكفر لا يثبت في حق الشخص المعين، حتى تقوم عليه حجة الله التي بعث بها رسله كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥)، وأن الأمكنة والأزمنة التي تفتر فيها النبوة، لا يكون حكم مَن خفيت عليه آثار النبوة، حتى أنكر ما جاءت به خطأ، كما يكون حكمه في الأمكنة والأزمنة التي ظهرت فيها آثار النبوة. (٢)
وقد استدل السيوطي في مكان آخر وغيره، على أن أهل الجاهلية لم تبلغهم الدعوة بنصوص من القرآن والسنة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (القصص: ٤٦)،
стр. 4377
وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (السجدة: ٣)، وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ (يس: ٦).
وهذه النصوص لا حجة فيها للسيوطي ولا من معه في عدِّهم أهل الجاهلية من أصحاب الفترة الذين يُمتَحَنُونَ يوم القيامة، وذلك لِلَحظٍ غفل عنه السيوطي ومن معه؛ ألا وهو: أن نفي الإنذار لا يلزم منه عدم قيام الحجة، بل الحجة تقوم بأدنى علم نبوي يصل للسامع، خصوصًا دعوة التوحيد، ونفي الشرك التي بها بعض أهل الجاهلية، وينجو بها آخر الزمان، من لا يعلمون من الدين إلا بالكلمة كما في حديث حذيفة المتقدم.
ونحن نعلم أن العرب وخصوصًا أهل الجاهلية الذين بُعِثَ فيهم النبي ﷺ لم يأتهم نذير ولم يُرسِل الله إليهم رسولًا، لكن قيام الحجة عليهم واقع.
ومما يؤكد أنه من المعلوم أن فائدة المنذرين من الرسل وغيرهم ليست البلاع وفقط، بل بنو إسرائيل كان يُرسَلُ إليهم رسل وأنبياء لإنذارهم عذاب الله، مع أن الحجة قائمة عليهم، ولهذا نجد أن التعبير القرآني أحيانًا يشير إلي هذا المعنى، حين يعلل الرسالة بقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، أي: لما نسوه ببعدهم عن دين الله، ولم يقل مثلًا - في غير القرآن -: لعلهم يعلمون.
والتعبير بالغفلة لا يلزم منه أنهم غافلون عن الحق فيُعذرون، بل وصف الله تعالى مَن أعرض عن الآيات بالغفلة، فالغفلة مثل الجهالة، قد تكون بمعنى عدم العلم والبلاغ، وقد تكون بمعنى الغفلة عن حقيقة الشيء، والجهل بعاقبة العمل، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٩)، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (النحل: ١٠٨).
ثم ماذا عن وجود مثل ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل بين ظهرانيهم ووفود أهل الكتاب التي كانت تأتي مكة؟ ألا يجوز أن تنتقل الدعوة وتبلغهما - أي: أبوي
стр. 4378
النبي ﷺ والحال أن مكة ليست بلدًا شاسعًا، بل هي صغيرة ينتقل فيها الخبر بنداءٍ على صخرة من صخور الحرم.
الوجه الثالث: لو فرضنا أن أهل الجاهلية الذين بُعِثَ فيهم النبي ﷺ من أهل الفترة، وأنهم لم يصلهم، ولم تقم عليهم الحجة الرسالية، ووافقفا السيوطي في ذلك؛ فإن بعض أهل الجاهلية قد جاءت فيهم نصوص خاصة بأنهم في النار ومنهم أبوي النبي ﷺ -.
قال السيوطي: فإن قلت: هذا المسلك الذي قررته هل هو عام في أهل الجاهلية كلهم؟ قلت: لا بل هو خاص بمن لم تبلغه دعوة نبي أصلًا، كما من بلغته منهم دعوة أحد من الأنبياء السابقين، ثم أصرَّ على كفره فهو في النار قطعًا وهذا لا نزاع فيه. (١)
قال الدكتور أحمد بن صالح الزهراني: ثم إذا كان ما قرره من الوجوه سائغًا في أبوي النبي ﷺ ، وهو قد أقر أن هذا المسلك ليس في أهل الجاهلية كلهم، فقد اعترف بأن أهل الجاهلية ليسوا من أهل الفترة في العموم؛ إذ لو كانوا كذلك لجزم بأنهم معذورون كلهم، بل في جوابه هذا إقرار بأن الفترة الزمنية التي سبقت مبعثه ﷺ كانت تصلها دعوات بعض الأنبياء، وعليه فيصبح الكلام في حال أحدٍ بعينه أنه وصلته الدعوة أم لم تصله يحتاج إلى دليل خاص.
وإذا جاء الدليل الخاص بأن فلانًا في النار؛ فهذا يدل دلالة ضمنية على أن هذا الشخص بالذات بلغته الدعوة وأصر على الكفر.
وإذا تم الاتفاق على الإيمان والتسليم بما جاء في بعض الأفراد بأعيانهم، سواء كانوا في الجنة أم في النار، فإن البحث في حال الآخرين يصبح غير ذي جدوى، ولا يهمنا في الحقيقة أن نعلم عنهم بلغتهم الدعوة أم لا.
الوجه الرابع: لو فرضنا أن أهل الجاهلية المبعوث فيهم النبي ﷺ من أهل الفترة وأنهم لم يصلهم البلاغ ولم تقم عليهم الحجة الرسالية، وأنهم سَيُمتحَنون في عرصات يوم القيامة؛ فإنهما لن ينجوا من الامتحان .
стр. 4379
غاية ما في المسلك الأول للسيوطي أن أبوي النبي ﷺ من أهل الفترة، والراجح فيهم حسبا ما قرره أنهم يُمتَحنون ولا ندري ما يكون حالهم، فمنهم من يطيع فينجو، ومنهم من يعصي فيهلك، والجزم بأحد المصيرين لأبويه ﷺ رجمٌ بالغيب لو لم يرد فيهما شيء، فكيف وقد جاء النص بأن أباه في النار ونُهِيَ عن الاستغفار لأمه؟ ! ، فلو صح أنهما من أهل الفترة لكان النص مفيدًا أنهما سيعصيان حتمًا، فيكون القول بنجاتهما باطلًا بأي حال.
قال ابن حجر في الإصابة: ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعًا فينجو، لكن ورد في أبي طالب ما يدفع ذلك، وهوما تقدم من آية براءة، وما ورد في الصحيح عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : ما أغنيت عن عمك أبي طالب، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ فقال: "هو في ضحضاحٍ من النار". (١)
والرد على ذلك أن ما ذكره ﵀ رجاءٌ، ولعله غفل عما أورده هو من النصوص في نفس الموضوع، التي تدل على أن أبا طالب مات على ملة عبد المطلب.
ثم غايته رجاء ولا يصح دليلًا يستدل به لو لم يأتِ في المسألة نصوص أخرى، فكيف وقد صحت النصوص بخلافه؟ !
الوجه الخامس: شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة إنما تكون للموحدين، بل لمن أذن الله له ﷺ أن يشفع فيهم من الموحدين .
إن الله عندما يُشَفِّعُ النبي ﷺ يوم القيامة، إنما يشفعه في أهل التوحيد فقط، بل ليس كلهم؛ لأن الشفاعة إنما تكون بإذن الله، ثم إنه ﷺ لا يسأل الله ما ليس له، كما قال الله - تعالى - في شأن نوح ﵇ عندما قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ قال له : ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (هود: ٦٤)، والنبي ﷺ يعلم أن الله لا يغفر الشرك، ولا يأذن في الشفاعة لأهله، وقد جاء ذلك صريحًا في حديث أنسِ بنِ مَالِك ﵁ قَالَ: "يَجْمَعُ الله الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ فَيَقُولُونَ: لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ
стр. 4380
مَكَانِنَا هَذَا" حتى قال: "فَيَأْتُونِي، فَأَنْطَلِقُ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ الله أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: لِي ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ الله أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا رَبِّي، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ الله أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعْ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ". (١)
ثم كيف يدخل والداه في الشفاعة، والحال أنهما عند السيوطي في هذا المسلك من أهل الفترة؟ فإذا كان سيشفع فيهما على كل حال فما فائدة الامتحان؟ أليس هذا تلاعبًا بالكتاب والسنة، وروغانًا عن دلالتهما القطعية لمجرد التعصب؟ !
فإن قيل: إن هذا - أي الشفاعة - لمن مات مشركًا، خاص بقرابته وآل بيته، قلنا: إن الله قال في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨). وقد جاء ذلك في غير موضع من سنة النبي ﷺ أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة. فَعَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِالله شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ"، وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِالله شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٢).
كما أن الشرائع السماوية جميعًا جاءت بتقرير هذا الأصل العظيم، وهو أن القرابة والنسب لا تنفع المشرك، وضرب الله لنا أمثلة من الأنبياء أنفسهم، فمنهم مَن كفر أبوه ومنهم مَن كفر ولده، ومنهم من كفرت زوجه وهكذا دواليك، ثم يأتي أصحاب الأهواء بالمنكرات والشواذ