← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

ففيه دلالة على أنهم كانوا يعلمون دين إبراهيم، وعلى أنه كان يوجد فيهم من يدعوهم، ويبين لهم أنهم ليسوا على دين إبراهيم وأنهم في شرك. وهذا يكفي لقيام الحجة بدلالة أن الناس في آخر الزمان لا يعلمون من دين محمد ﷺ إلا الكلمة، ومع ذلك تنفع مَن استجاب لها وتنجيه من النار، كما قال حُذَيفَةُ ﵁: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ، وَشْيُ الثَّوْبِ حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ الله فِي لَيْلَةٍ، فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ، وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ، الشَّيْخُ الْكَبِيرُ، وَالْعَجُوزُ يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَة: لَا إِلَهَ إِلَّا الله فَنَحْنُ نَقُولُهَا، فَقَالَ لَهُ صِلَةُ: مَا تُغْنِي عَنْهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: يَا صِلَةُ، تُنْجِيهِمْ مِنْ النَّارِ ثَلَاثًا". (١) قال ابن تيمية: حُكْم الوعيد على الكفر لا يثبت في حق الشخص المعين، حتى تقوم عليه حجة الله التي بعث بها رسله كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥)، وأن الأمكنة والأزمنة التي تفتر فيها النبوة، لا يكون حكم مَن خفيت عليه آثار النبوة، حتى أنكر ما جاءت به خطأ، كما يكون حكمه في الأمكنة والأزمنة التي ظهرت فيها آثار النبوة. (٢) وقد استدل السيوطي في مكان آخر وغيره، على أن أهل الجاهلية لم تبلغهم الدعوة بنصوص من القرآن والسنة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (القصص: ٤٦)،

стр. 4377

وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (السجدة: ٣)، وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ (يس: ٦). وهذه النصوص لا حجة فيها للسيوطي ولا من معه في عدِّهم أهل الجاهلية من أصحاب الفترة الذين يُمتَحَنُونَ يوم القيامة، وذلك لِلَحظٍ غفل عنه السيوطي ومن معه؛ ألا وهو: أن نفي الإنذار لا يلزم منه عدم قيام الحجة، بل الحجة تقوم بأدنى علم نبوي يصل للسامع، خصوصًا دعوة التوحيد، ونفي الشرك التي بها بعض أهل الجاهلية، وينجو بها آخر الزمان، من لا يعلمون من الدين إلا بالكلمة كما في حديث حذيفة المتقدم. ونحن نعلم أن العرب وخصوصًا أهل الجاهلية الذين بُعِثَ فيهم النبي ﷺ لم يأتهم نذير ولم يُرسِل الله إليهم رسولًا، لكن قيام الحجة عليهم واقع. ومما يؤكد أنه من المعلوم أن فائدة المنذرين من الرسل وغيرهم ليست البلاع وفقط، بل بنو إسرائيل كان يُرسَلُ إليهم رسل وأنبياء لإنذارهم عذاب الله، مع أن الحجة قائمة عليهم، ولهذا نجد أن التعبير القرآني أحيانًا يشير إلي هذا المعنى، حين يعلل الرسالة بقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، أي: لما نسوه ببعدهم عن دين الله، ولم يقل مثلًا - في غير القرآن -: لعلهم يعلمون. والتعبير بالغفلة لا يلزم منه أنهم غافلون عن الحق فيُعذرون، بل وصف الله تعالى مَن أعرض عن الآيات بالغفلة، فالغفلة مثل الجهالة، قد تكون بمعنى عدم العلم والبلاغ، وقد تكون بمعنى الغفلة عن حقيقة الشيء، والجهل بعاقبة العمل، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٩)، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (النحل: ١٠٨). ثم ماذا عن وجود مثل ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل بين ظهرانيهم ووفود أهل الكتاب التي كانت تأتي مكة؟ ألا يجوز أن تنتقل الدعوة وتبلغهما - أي: أبوي

стр. 4378

النبي ﷺ والحال أن مكة ليست بلدًا شاسعًا، بل هي صغيرة ينتقل فيها الخبر بنداءٍ على صخرة من صخور الحرم. الوجه الثالث: لو فرضنا أن أهل الجاهلية الذين بُعِثَ فيهم النبي ﷺ من أهل الفترة، وأنهم لم يصلهم، ولم تقم عليهم الحجة الرسالية، ووافقفا السيوطي في ذلك؛ فإن بعض أهل الجاهلية قد جاءت فيهم نصوص خاصة بأنهم في النار ومنهم أبوي النبي ﷺ -. قال السيوطي: فإن قلت: هذا المسلك الذي قررته هل هو عام في أهل الجاهلية كلهم؟ قلت: لا بل هو خاص بمن لم تبلغه دعوة نبي أصلًا، كما من بلغته منهم دعوة أحد من الأنبياء السابقين، ثم أصرَّ على كفره فهو في النار قطعًا وهذا لا نزاع فيه. (١) قال الدكتور أحمد بن صالح الزهراني: ثم إذا كان ما قرره من الوجوه سائغًا في أبوي النبي ﷺ ، وهو قد أقر أن هذا المسلك ليس في أهل الجاهلية كلهم، فقد اعترف بأن أهل الجاهلية ليسوا من أهل الفترة في العموم؛ إذ لو كانوا كذلك لجزم بأنهم معذورون كلهم، بل في جوابه هذا إقرار بأن الفترة الزمنية التي سبقت مبعثه ﷺ كانت تصلها دعوات بعض الأنبياء، وعليه فيصبح الكلام في حال أحدٍ بعينه أنه وصلته الدعوة أم لم تصله يحتاج إلى دليل خاص. وإذا جاء الدليل الخاص بأن فلانًا في النار؛ فهذا يدل دلالة ضمنية على أن هذا الشخص بالذات بلغته الدعوة وأصر على الكفر. وإذا تم الاتفاق على الإيمان والتسليم بما جاء في بعض الأفراد بأعيانهم، سواء كانوا في الجنة أم في النار، فإن البحث في حال الآخرين يصبح غير ذي جدوى، ولا يهمنا في الحقيقة أن نعلم عنهم بلغتهم الدعوة أم لا. الوجه الرابع: لو فرضنا أن أهل الجاهلية المبعوث فيهم النبي ﷺ من أهل الفترة وأنهم لم يصلهم البلاغ ولم تقم عليهم الحجة الرسالية، وأنهم سَيُمتحَنون في عرصات يوم القيامة؛ فإنهما لن ينجوا من الامتحان .

стр. 4379

غاية ما في المسلك الأول للسيوطي أن أبوي النبي ﷺ من أهل الفترة، والراجح فيهم حسبا ما قرره أنهم يُمتَحنون ولا ندري ما يكون حالهم، فمنهم من يطيع فينجو، ومنهم من يعصي فيهلك، والجزم بأحد المصيرين لأبويه ﷺ رجمٌ بالغيب لو لم يرد فيهما شيء، فكيف وقد جاء النص بأن أباه في النار ونُهِيَ عن الاستغفار لأمه؟ ! ، فلو صح أنهما من أهل الفترة لكان النص مفيدًا أنهما سيعصيان حتمًا، فيكون القول بنجاتهما باطلًا بأي حال. قال ابن حجر في الإصابة: ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعًا فينجو، لكن ورد في أبي طالب ما يدفع ذلك، وهوما تقدم من آية براءة، وما ورد في الصحيح عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : ما أغنيت عن عمك أبي طالب، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ فقال: "هو في ضحضاحٍ من النار". (١) والرد على ذلك أن ما ذكره ﵀ رجاءٌ، ولعله غفل عما أورده هو من النصوص في نفس الموضوع، التي تدل على أن أبا طالب مات على ملة عبد المطلب. ثم غايته رجاء ولا يصح دليلًا يستدل به لو لم يأتِ في المسألة نصوص أخرى، فكيف وقد صحت النصوص بخلافه؟ ! الوجه الخامس: شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة إنما تكون للموحدين، بل لمن أذن الله له ﷺ أن يشفع فيهم من الموحدين . إن الله عندما يُشَفِّعُ النبي ﷺ يوم القيامة، إنما يشفعه في أهل التوحيد فقط، بل ليس كلهم؛ لأن الشفاعة إنما تكون بإذن الله، ثم إنه ﷺ لا يسأل الله ما ليس له، كما قال الله - تعالى - في شأن نوح ﵇ عندما قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ قال له : ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (هود: ٦٤)، والنبي ﷺ يعلم أن الله لا يغفر الشرك، ولا يأذن في الشفاعة لأهله، وقد جاء ذلك صريحًا في حديث أنسِ بنِ مَالِك ﵁ قَالَ: "يَجْمَعُ الله الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ فَيَقُولُونَ: لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ

стр. 4380

مَكَانِنَا هَذَا" حتى قال: "فَيَأْتُونِي، فَأَنْطَلِقُ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ الله أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: لِي ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ الله أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا رَبِّي، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ الله أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعْ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ". (١) ثم كيف يدخل والداه في الشفاعة، والحال أنهما عند السيوطي في هذا المسلك من أهل الفترة؟ فإذا كان سيشفع فيهما على كل حال فما فائدة الامتحان؟ أليس هذا تلاعبًا بالكتاب والسنة، وروغانًا عن دلالتهما القطعية لمجرد التعصب؟ ! فإن قيل: إن هذا - أي الشفاعة - لمن مات مشركًا، خاص بقرابته وآل بيته، قلنا: إن الله قال في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨). وقد جاء ذلك في غير موضع من سنة النبي ﷺ أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة. فَعَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِالله شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ"، وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِالله شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٢). كما أن الشرائع السماوية جميعًا جاءت بتقرير هذا الأصل العظيم، وهو أن القرابة والنسب لا تنفع المشرك، وضرب الله لنا أمثلة من الأنبياء أنفسهم، فمنهم مَن كفر أبوه ومنهم مَن كفر ولده، ومنهم من كفرت زوجه وهكذا دواليك، ثم يأتي أصحاب الأهواء بالمنكرات والشواذ

стр. 4381

من الروايات والمذاهب الشاذة والأقوال الباطلة المحرفة للنصوص الصحيحة الصريحة، لينسفوا هذا الأمر برمَّته من أجل اتباع الهوى، ووالله إن إيمان أبويه ﷺ لهوى كل مؤمن يحبه ﷺ ، لكن ما حيلة المؤمن وقد حكم الله وأخبر رسوله ﷺ أنهما ماتا على الشرك، وأن أباه في النار، أيسوغ بعد هذا أن يعاند المرء ويتبع هواه؟ ! نقض المسلك الثاني: وهو أنهما كانا على أصل التوحيد، فلم يقعا في الشرك وعبادة الأوثان، فهم كباقي الموحدين الحنيفيين الذين ماتوا قبل البعثة كزيد بن عمرو، وورقة بن نوفل وغيرهما. قلت (الزهراني): أما عن ذكرهم فقد جاءت النصوص بذلك، وأما والداه فقد ثبت أنهما في النار كما قاله النبي ﷺ ، وهو ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فكيف يسوِّيِ بين مَن فرَّق الله تعالى ورسوله ﷺ بينهم؟ قال السيوطي: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى كُنْتُ مِنْ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ". (١) واستدل السيوطي بهذا الحديث وأمثاله، على أن كل أصل من أصول النبي ﷺ من آدم إلي أبيه عبد الله، فهو من خير أهل قرنه وأفضلهم. ولكن الخيرية للقرن بعامة، لا تعني الخيرية المطلقة، والكلام في هذه النصوص وما صح منها، يتكلم عن الخيرية في النسب، فالنبي ﷺ بُعِثَ من أشرف الناس نسبًا، كما جاء في الحديث الذي ساقه أيضًا السيوطي: "إِنَّ الله اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ" (٢) وهذا الحديث يغني عن كل النصوص الضعيفة والمناكير التي جاء بها السيوطي، ولكن ما معناه؟ معناه كما قال كل الأئمة ممن شرح هذا الحديث: أنه ﷺ سليل الشرف والحسب، وأنه مطهَّر من رجس الزنا في نسبه الكريم، وليس في هذا أدني دلالة على أن المراد بالاصطفاء

стр. 4382

الخيرية المطلقة، ولا أنهم كانوا على التوحيد، بدليل أن في الحديث: (إن الله اصطفى قريشًا من كنانة أو من بني كنانة، ومن قريش بني هاشم، فهل كان هؤلاء كلهم على التوحيد؟ الجواب: لا بالإجماع. وعليه، فغاية ما في الحديث أنه ﷺ أشرف الناس حسبًا ونسبًا، وأن نسبه طاهر مطهر من السفاح. ثم يقال: لو دلَّ ذلك على مراد السيوطي بالمفهوم؛ فإن المتقرر عند الأصوليين؛ أن المنطوق مقدَّمٌ على المفهوم، وحديث أَنَسٍ ﵁ الذي في مُسْلِمٍ وغيره صريح صحيح في أن أباه ﷺ في النار. ولو صحَّ منهج السيوطي وسلم للنصوص الصحيحة الصريحة، لما احتاج إلي تسويد العشرات من الصحائف، وليِّ أعناق النصوص، والبحث في بطون الكتب عن المنكر والشاذ والموضوع، لدعم رأيه المخالف للسلف، لأن الحديث نصٌّ في المسألة. نقض المسلك الثالث: أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا به. وقد تقدم رد ابن تيمية بطوله على هذه الشبهة التي أبطلها وأثبت ضلالها وزيفها. وبهذا يتبين لك أن كل نصوص إحياء الوالدين مكذوبة موضوعة من أخبار الأفاكين والوضاعين. قال السيوطي: وقال السهيلي بعد إيراده أحاديث الإحياء: الله قادر على كل شيء، وليس تعجز رحمته وقدرته عن شيء، ونبيه ﷺ أهل أن يختص بما شاء من فضله سبحانه، وينعم عليه بما شاء من كرامته. (١) نعم الله تعالى قادر على كل شيء، وليس إنكار أئمة السنة ما جاء به السيوطي مبنيًا على استبعاده واستحالته، بل هو مبني على عدم الثبوت، لأن النصوص التي جاء فيها ذلك موضوعة مختلقة؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ فإن ذلك يعارض الثابت من النصوص الصحيحة الصريحة التي اتفق أئمة السلف على ثبوتها، وعلى الإيمان بما فيها تصديقًا وقبولًا، وإلا فلكل أحد أن يقول ما شاء، فللرافضة أن تقول: أحيا الله أبا طالب فآمن به، وليس ذلك بعيدًا عن قدرة الله تعالى، ويقول غيرهم: قد أحيا الله أبا لهب فآمن به ﷺ ،

стр. 4383

وليس ذلك بعيدًا عن قدرة الله تعالى، وهلم جرا، ولا يخفى على كل أحد أن دين الله تعالى مبني على الاتباع لا على الابتداع والاختراع. وهو ﷺ لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، فضلًا عن أن يملك لغيره، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ (الأعراف: ١٨٨). وفي حديث أبي هريرة ﵁ المشهور لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ جمع رسول الله ﷺ قريشًا فَعَمَّ وَخَصّ إلى أن قال: "يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ الله شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا" (١). وأمرُ الإيمان منحة من الله، والهداية ملك لله تعالى، لا يملك النبي ﷺ أن يهبها لأحد أو يمنعها عن أحد، ولو كان ﷺ يملك شيئًا من ذلك لجعل عمه أبا طالب يؤمن، وقد قال الله تعالى له: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص: ٥٦). الله أكبر، أين السيوطي ومن معه من هذه الآية؟ فمهما أحبَّ النبي ﷺ أن يؤمن والداه فهل ذلك ممكن بمجرد إرادته له؟ الجواب في الآية. وهل أمر الإيمان والهداية ودخول الجنان بالقرابة؟ اللهم لا، ولو كان ذلك لآمن قرابته كلهم، بل لقد أُنزِل في بعض قرابته سورة خاصة هي سورة المسد في أبي لهب وهو عمه. ولهذا فلا محاباة ولا نسب في دين الله بل هو الحق والإيمان والتقوى. وذهب بعضهم إلى قول آخر وهو الوقف. قال الشيخ تاج الدين الفكهاني في كتابه الفجر المنير: الله أعلم بحال أبويه ﷺ . نقول: هل يجوز التوقف أو الوقف في شيء أخبر به النبي ﷺ وصح عنه؟ وما معنى الإيمان به إذن؟ هل يجوز الوقف في وجود الجنة والنار، وفي العرش، والصراط، والمهدي، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، وعذاب القبر، وغير ذلك مما أخبر به النبي ﷺ ؟ .

стр. 4384

فإن قيل: تلك جاء فيها نصوص صحيحة صريحة، قلنا: وكذلك والداه؟ فإن قيل: إنما نتوقف لما جاء مما يعارضها، قلنا: لو جاز لمؤمن أن يتوقف فيما صح لمجرد أخبار مكذوبة وموضوعة تعارضها؛ لجاز التوقف عن كثير من شرائع الإسلام، وكان كلما أراد مبطلٌ أن يبطل سنة أو آية أو حكمًا، كَذَبَ واخترع نصًا ونسبه للنبي ﷺ فيحصل على غاية ما يريد، وهل يطلب أعداء الله منا أكثر من أن نتوقف في قبول ما جاء به نبينا ﷺ . انظر ما في هذا المسلك من المزلق العظيم والحظر الجسيم؛ أن يصوِّر الشكُّ والتردد في الإيمان بما جاء به ﷺ ، على أنه توقف في مسألة شرعية ورعًا عن القول بلا علم، فهذا والله منتهى التلبيس، بل الوقف في مثل هذه المسألة لا يجوز أبدًا؛ لأنه قد صحت النصوص الصريحة، وما يقابلها، لا يرتقي للضعف فضلًا عن أن يكون ندًا لما صح، والله المستعان. فائدة هامة: (وهي أن الغفلة والجهل ليست عذرًا بكل حال)، أعني أن أفضل توصيف لحال والدي النبي ﷺ وجمهور أهل الجاهلية أنهم من المقلدين السائرين مع رؤسائهم وآبائهم دون تفكير في صواب ما هم عليه من عدمه، وقد ذكر الإمام ابن القيم هذا الصنف في كتابه الماتع (طريق الهجرتين) ننقله بشيء من الاختصار؛ قال ﵀: الطبقة السابعة عشر: طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم الذين هم معهم تبعًا لهم يقولون: إنا وجدنا آباءنا على ملة وإنا على أسوة بهم، ومع هذا فهم تاركون لأهل الإسلام غير محاربين لهم؛ كنساء المحاربين، وخدمهم، وأتباعهم الذين لم ينصبوا أنفسهم لما نصب له أولئك أنفسهم من السعي في إطفاء نور الله وهدم دينه وإخماد كلماته، وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطائفة - الطبقة - كفار وإن كانوا جهالًا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم، إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع، أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة، وهذا مذهب لم يقلْ به أحد من أئمة المسلمين، لا الصحابة ولا التابعون ولا من بعدهم، وإنما يُعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام. (١)

стр. 4385

وصحَّ عنه أنه ﷺ قال: "إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَة" (١)، وهذا المقلد ليس بمسلم، وهو عاقل مكلف، والعاقل المكلف لا يخرج عن الإسلام أو الكفر، والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا، فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرًا معاندًا، فهو كافر جاهل، فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارًا؛ فإن الكافر من جحد توحيد الله، وكذَّب رسوله، إما عنادًا أو جهلًا، وتقليدًا لأهل العناد، فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند، فهو متبع لأهل العناد، وقد أخبر الله تعالى في القرآن في غير موضع بعذاب المقلدين لأسلافهم فهم من الكفار، وإن الأتباع مع متبوعيهم، وأنهم يتحاجون في النار وأن الأتباع يقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ (الأعراف ٣٨). وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾ (غافر: ٤٧، ٤٨)، فهذا إخبار من الله وتحذير بأن المتبوعين والتابعين اشتركوا في العذاب، ولم يغنِ عنهم تقليدهم شيئًا. وفرق بين مقلد تمكن من العلم، ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه والقسمان واقعان في الوجود. فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب، لا عذر له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه فهم قسمان أيضًا: أحدهما: مريد للهدى مؤْثِر له، محب له، غير قادر عليه، ولا على طلبه لعدم من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة. الثاني: معرض لا رغبة له في الحق، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه.

стр. 4386

فالأول يقول: يا رب، لو أعلم لك دينًا خيرًا مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه، ولكني لا أعرف سوى ما أنا عليه، ولا أقدر على غيره، فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي. والثاني: راضٍ بما هو عليه لا يؤْثِر غيره، ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته، وكلاهما - الأول والثاني - عاجز، ولكن الثاني لا يلحق بالأول لما بينهما من الفرق. فالأول كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به، فعدل بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزًا وجهلًا، والثاني كمن لم يطلبه بل مات على شركه، وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض؛ فتأمل هذا الموضع، والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق. هذا في أحكام الثواب والعقاب، والتعيين موكول إلي علم الله وحكمه، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية علي ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم، وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة، وهو مبني على أربعة أصول: الأصل الأول: أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ (الإسراء: ١٥)، وهذا كثير في القرآن، يخبر أنه إنما يعذب مَنْ جاءه الرسول، وقامت عليه الحجة، وهو المذنب الذي يعترف بذنبه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾ (الزخرف: ٧٦)، والظالم من عرف ما جاء به الرسول ﷺ أو تمكن من معرفته بوجه، وأما من لم يعرف ما جاء به الرسول ﷺ وعجز عن ذلك، فكيف يقال إنه ظالم؟ ! الأصل الثاني: أن العذاب يُستَحق بسببين: أحدهما: الإعراض عن الحجة، وعدم إرادتها، والعمل بها، وبموجبها. والثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها.

стр. 4387

فالأول كفر وإعراض، والثاني كفر وعناد، وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها؛ فهذا الذي نفي الله عنه التعذيب حتى تقوم حجة الرسل. الأصل الأول: أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتميزه كالصغير، والمجنون، وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب، ولم يحضر ترجمان يترجم له، فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئًا، ولا يتمكن من الفهم، وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة كما تقدم في حديث الامتحان. الأصل الرابع: أن أفعال الله تابعة لحكمته التي لا يخلُّ بها؛ مقصودة لغايتها المحمودة وعواقبها الحميدة، وهذا الأصل هو أساس الكلام في هذه الطبقات، وصدق الله وهو أصدق القائلين: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (الأنبياء: ٢٣)، لكمال حكمته وعلمه ووضعه الأشياء مواضعها، وأنه ليس في أفعاله خلل ولا عبث ولا فساد، يسأل عنه كما يُسأل المخلوق، وهو الفعَّال لما يريد، ولكن لا يريد أن يفعل إلا ما هو خير ومصلحة ورحمة وحكمة، فلا يعقل الشر ولا الفساد ولا الجور ولا خلاف مقتضى حكمته، لكمال أسمائه وصفاته، وهو الغني الحميد العليم الحكيم. أجل وأعظم مراتب التوقير والتعظيم هو قبول ما جاء به النبي ﷺ -. وتقرير هذه المسألة - كون أبويه ﷺ في النار - هدفه تقرير الأصل العظيم الذي تقوم عليه؛ وهو التسليم لما جاء به النبي ﷺ ، ولو ساءنا، ولم تقبله عقولنا، أو عواطفنا، ولو فتح كل شخص باب التشكيك في النصوص الشرعية لتسويغ الرد على ما جاء عنه حق والديه؛ فإنه سيهدم الأصل الشرعي الذي يبني عليه أصل الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ والذي جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ

стр. 4388

يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: ٥١). وهذه المسألة لا تكتسب أهميتها إلا من خلال الأصل الذي تقوم عليه؛ فإن القائل بأن أبويه ﷺ ماتا على الإيمان مع علمه بالنصوص الصحيحة، التي تدل على خلاف ذلك، ومع خلوِّ يديه من سلف صالح له في هذا القول، لا شك أن لديه خللًا واضطرابًا في أصل التلقي والاتباع الذي أُمرنا به. ومن هنا كان تقرير هذه المسألة على منهج السلف إنما هو عنوان لتقرير المنهج النبوي، الذي هو منهج صحابة رسول الله ﷺ ، كما جاء ذلك في الحديث الحسن عنه ﷺ قال: "افْتَرَقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وافْتَرَقَت النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَة، وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَة، قِيلَ: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ الله؟ قَإلَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ اليَوْمَ وَأَصحَابِي". (١) أقول: هذا وأعيده حتى لا يزايد علينا أحد بحب النبي ﷺ وتوقيره وتعظيمه، فتوقيره وتعظيمه هو اتباعه وتصديقه، لا الاعتراض عليه والتملص من النصوص الواردة عنه ولو في بعض الأمور العلمية، وما ينفع العبدَ أن يقوم الليل، ويصوم النهار، وهو مع هذا يرد عليه ﷺ برأيه وعاطفته؟ ! (٢) ومن هنا: فإن أهل الحديث من أئمة السلف الصالح، والخلف حتى من كان منهم محسوبًا على الأشعري، كالنووي والقرطبي أجروا الحديث على ظاهره، وقالوا بقوله ﷺ وآمنوا، وصدقوا أن والديه في النار كما أخبر دون تنصل من مسئولية العلم والبلاغ. قال المعلمي اليماني: كثيرًا ما تجمع المحبة ببعض الناس فيتخطى الحجة ويحاربها، ومن وُفِّقَ عَلِمَ أن ذلك مُنَافٍ للمحبة المشروعة. (٣)

стр. 4389

وهذا ما حدث بالضبط، فقد جمحت المحبة بالسيوطي وغيره إلى تخطي الحجج الشرعية، والتنصل من مسئولية النص، فألف الرسائل تترًا تحريفًا وتنكرًا لدلالة النصوص الشرعية الصحيحة، التي تدل على أن والديه ﷺ ماتا على الكفر، وأنهما من أهل النار، ومن أشهرها كتابه الذي أشرنا إليه: (مسالك الحنفا في والدي المصطفى). (١) الوجه الرابع: هل مجرد ذكر مصير أبوي النبي ﷺ وأنهما في النار يؤذي رسول الله ﷺ -؟ قال السيوطي: ثم رأيت الإمام أبا عبد الله الأبِّي محمد بن خلف بسط الكلام على هذا المسألة في شرح مسلم عند حديث: "إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ" فأورد قول النووي: (وفيه أن من مات كافرًا في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين) ثم قال: قلت: انظر هذا الإطلاق. وقد قال السهيلي: ليس لنا أن نقول ذلك فقد قال ﷺ : "لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات" (٢)، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (الأحزاب: ٥٧)، ولعله يصح ما جاء أنه ﷺ سأل ربه فأحيا له أبويه فآمنا به ورسول الله ﷺ فوق هذا، ولا يُعجز الله سبحانه شيء. ثم أورد قول النووي: وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار، وليس هذا من التعذيب قبل بلوغ الدعوة؛ لأنه بلغتهم دعوة إبراهيم ﵇ وغيره من الرسل. ثم قال: قلت: تأمل ما في كلامه من التنافي؛ فإن مَن بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة؛ فإن أهل الفترة هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول؛ ولا أدركوا الثاني؛ كالأعراب الذين لم يُرسل إليهم عيسى ﵇ ولا لحقوا النبي ﷺ ، والفترة بهذا التفسير تشتمل ما بين كل رسولين، ولكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة؛ فإنما يعنون التي بين عيسى ﵇ والنبي ﷺ ، ولما دلت القواطع على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجة علمنا أنهم غير معذبين. (٣)

стр. 4390

قلت - الزهراني -: هذه الشبهة التي يدندن حولها السيوطي ومَن معه وهي أن في ذكر كفر والد النبي ﷺ أذي للنبي ﷺ ، وهي في الحقيقة تهويش، لا يغني صاحبه عن الدليل والحجة والبرهان. فالأذى للنبي ﷺ كل الأذى أن يُرَدَّ ما جاء به، ويُدفع ما أخبر عنه بشبهة واهية، مثل هذه، فنقول: إن الأذى يكون إذا ابتدأ الرجل بسبِّ أبيه وأمه، أو تنقصهما بلا سبب. أما حكاية ما أخبر به هو ﷺ في مقام الذب عن سنته، وحماية جناب شرعته من دخن البدعة؛ فهذا ليس بأذى، بل نصر له ولدينه، ولو كان ﷺ يتأذى منه ما أخبر به على مسمع من الناس، ولو كان فيه أذى له ما أخبر به الصحابة ﵁ وهم أحرص الناس على صيانة جانب النبي ﷺ ، ولو كان فيه أذى له ﷺ ، ما تتابع الرواة من أهل الحديث منذ عصره ﷺ ، إلى يومنا هذا على تناقل هذا الروايات الصحيحة دون نكير منهم، حتى جاء السيوطي ومن معه ليقولوا لنا، إن حكاية هذا الأمر أذى للنبي ﷺ ، فانظر ما في هذا القول من الشفاعة، بتخطئة أجيال من السلف تناقلوا هذه الرواية في كتاب يُعَدُّ ثاني أصح كتاب بعد كتاب الله . نعم، لا ينبغي أن يُردد المؤمن كفر والديه ﷺ دون حاجة، من علم يُنقل، أو حديث يشرح، أو شبهة ترد، كما أنه هو ﷺ قاله تطبيبًا لقلب الرجل، ومواساةً له، وما نحن فيه فمن هذا القبيل. ورواية الخبر علم ينقل ليكون حجةً قاطعة على رأس المبتدعة، أن شفاعة النبي ﷺ لا تنفع من مات على شرك وكفر، وأنه ﷺ لم ينتفع بمجرد قرابته، أقرب الناس إليه فكيف بالأبعدين؟ ! وأما رمي الأُبِّي للنووي بالتناقض في الكلام، فمرده إلي قصر فهم الأُبِّي عن عبارة النووي؛ فإن وصف الزمن السابق للنبي ﷺ بالفترة يُراد به: الفترة من الرسل، وهذا من التعبير عمن لم تبلغهم الدعوة؛ بأنهم من أهل الفترة، وهذا تعبير القرآن الكريم فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (المائدة: ١٩١)، وأهل الكتاب قبل مبعثه ﷺ قامت عليهم الحجة الرسالية بلا شك.

стр. 4391

إذن فتعبير النووي ليس فيه تناقض فوصفه لتلك الحقبة بأنها فترة صحيح، مع كونهم بلغتهم الدعوة وقامت عليهم الحجة، والله أعلم. وقد اتفق أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا سلى وجوب التصديق بكل ما قاله ﷺ ، سواء احتملته عقولنا أم لا، وسواء وافق أهواءنا وأمنياتنا أم لا، فكما نصدق أن آسيا زوجة فرعون في الجنة، وأن ابن نوح الذي عصاه في النار نصدق كذلك بأن أبويه ﷺ ماتا على الكفر وأنهما في النار. أما أن بعض العلماء قالوا: لا يجوز لأحد أن يقول ذلك فالأمر فيه تفصيل: فأما أن يقوله الشخص بلا سبب، وأن يكرره فرحًا به، أو يعرض به تنقصًا، أو ينال منهما، فلا شك أن ذلك هو النفاق محضًا؛ لأن ذلك يؤذي النبي ﷺ ، وأذيته من أكبر الكبائر، وقد نهى ﷺ أن يؤذي الأحياء بسبِّ الأموات، ولو كانوا أهلًا لذلك، فكيف به في عرضه ونفسه وأهله وماله ﷺ . أما إذا قال الرجل ذلك لسبب، كأن يرد الحديث فيبينه، أو يسأل عنه فيجيب، وكذلك إذا رفع المبتدعة عقيرتهم مكذبين بذلك، أو طاعنين فيمن يقول به، كما فعل السيوطي، فحينئذ يجوز، بل ربما يجب التصريح بذلك؛ لأن النبي ﷺ هو الذي ذكر ذلك جوابًا على السؤال. ثم إن النبي ﷺ وهو الذي تكلم بهذه النصوص وسمعها منه أصحابه وأدَّوها، لم يقل في نص منها إنه لا يجوز لأحد أن يقول بما قلته، بل إن الصحابة أدَّوها ونقلوها، ولو كان لا يجوز لأحد أن يقول ذلك لما نقلوها، أو لَنُقِلَ عنهم شيء من ذلك، والواقع أنه لم يُنقل عن أحد منهم المنع من القول بما قاله ﷺ وهل يجرؤ مؤمن بالله تعالى وبرسوله ﷺ ، موقِّر لسنته ﷺ متبع لما جاء به أن يقول غير ذلك؟ ! قال السيوطي: وقال الباجي في شرح الموطأ: قال بعض العلماء: إنه لا يجوز أن يؤذي النبي ﷺ بفعل مباح وغيره .... (١).

стр. 4392

نقول: لا علاقة لهذا الكلام بمسألتنا؛ فإننا نتفق على أنه لا يجوز أن يؤذي النبي ﷺ بأي فعل مباح أو غير مباح، لكن هل يدخل في الأذى له ﷺ أن نقول بما قاله؟ ونؤمن بما جاء عنه، ونصدقه، ونمرَّ النصوص كما جاءت بالقبول والتصديق، دون تحريف لها عن مواضعها؟ اللهم لا. وأما قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فيعني: أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها - ذنبها - الذي اقترفته، لا تؤاخذ نفس بذنب غيرها. فإن قلت: كيف الجمع بين هذه الآية وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ قلت: هذه الآية ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ في الضالين، والأخرى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ في الضالين المضلين أنهم يحملون أثقال من أضلوه من الناس مع أثقال أنفسهم وذلك كله من كسبهم. ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ معناه: وإن تدع نفس مثقلة بذنوبها، إلي أن يحمل غيرها شيئًا من ذنوبها ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ يعني: ولو كان المدعو ذا قربة كالأب والأم والابن والأخ. قال ابن عباس: يعلق الأب والأم بالابن فيقول: يا بني، احمل عني بعض ذنوبي، فيقول: لا أستطيع، حسبي ما عليّ. ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ يعني: يخافون ربهم ﴿بِالْغَيْبِ﴾ يعني: لم يروه، والمعنى: وإنما ينفع إنذارك الذين يخشون ربهم ويخافوه بالغيب. وقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى﴾ يعني: أصلح وعمل خيرًا، ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ يعني: لنفسه ثواب ذلك ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كون الرجل أبويه أو ابنه كافرًا لا ينقصه ذلك عند الله شيئًا، فإن الله يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي.

стр. 4393

ومن المعلوم أن الصحابة ﵃ أفضل من آبائهم، وكان آباؤهم كفارًا، بخلاف من كونه زوج بغيِّ؛ فإن هذا من أعظم ما يُذم به ويعاب؛ لأن مضرة ذلك تدخل عليه، بخلاف كفر أبيه أو ابنه. وأيضًا فلو كان المؤمن لا يلد إلا مؤمنًا، لكان بنو آدم كلهم مؤمنين. إلي أن قال ﵀: وأيضًا فإن الله لم يُثْنِ على أحد بمجرد نسبه، بل إنما يثني عليه بإيمانه وتقواه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣). وإن كان: "النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا" كما ثبت في الحديث الصحيح (١). فالمعدن هو مظنة حصول المطلوب؛ فإن لم يحصل، وإلا كان المعدن الناقص الذي يحصل منه المطلوب خيرًا منه (٢). وقال أيضًا: فإن كان الرجل لا يضره كفر أبيه أو فسقه، لم يضر نبينا، ولا إبراهيم كفر آبائهم. (٣) وهذه القاعة العظيمة ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ هي المعمول بها عند جميع العقلاء على وجه الأرض، أن كل نفس أو كل إنسان بعمله هو، وأنه ليس من العدل أن يؤاخذ أحد بعمل غيره، قال الله تعالى في معرض ذكر قصة يوسف ﵇ مع إخوته: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾ (يوسف: ٧٩). * * *

стр. 4394

٤ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي محمدا ﷺ كان على دين قومه . نص الشبهة: يقولون أن النبي ﷺ كان على دين قومه. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: حفظه وعصمته ﷺ قبل البعثة . الوجه الثاني: شبهاتهم التي اعتمدوا عليها. الوجه الثالث: سياق الأحاديث التي توهموا أن فيها دلالة على كونه ﷺ كان على دين قومه. وإليك التفصيل الوجه الأول: حفظه وعصمته ﷺ قبل البعثة (١). نص العلماء على حفظ الله لنبيه ﷺ وعصمته له قبل البعثة، وبوبوا عليه في تصنيفاتهم. قال البيهقي: باب ما جاء في حفظ الله تعالى رسوله ﷺ في شبيبته عن أقذار الجاهلية ومعائبها، لما يريد به من كرامته برسالته حتى بعثه رسولًا. وقال ابن إسحاق: فشب رسول الله ﷺ ، يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية ومعائبها، لما يريد به من كرامته ورسالته، وهو على دين قومه، حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خُلُقًا، وأكرمهم مخالطًة، وأحسنهم جوارًا، وأعظمهم خَلْقًا، وأصدقهم حديثًا، وأعظمهم أمانةً، وأبعدهم من الفحش، والأخلاق التي تدنس الرجال، تنزهًا وتكرمًا، حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين، لما جمع الله تعالى فيه من الأمور الصالحة. (٢) قال ابن حزم: فإن قال قائل: أيجوز أن يكون نبي من الأنبياء ﵇ يأتي معصية قبل أن يتنبأ؟ قلنا: لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما، إما أن يكون متعبدًا بشريعة نبي أتى قبله، كما كان عيسى ﵇، وإما أن يكون قد نشأ في قوم درست شريعتهم ودثرت، ونسيت كما في بعثة ﷺ في قوم

стр. 4395

قد نسوا شريعة إسماعيل، وإبراهيم ﵉ قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (الضحى: ٧)، وقال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ (يس: ٦) فإن كان النبي متعبدًا بشريعة ما، فقد أبطلنا آنفًا أن يكون نبي يعصي ربه أصلًا، وإن كان نشأ في قوم دثرت شريعتهم فهو غير متعبد، ولا مأمور بما لم يأته أمر الله تعالى به، فليس عاصيًا لله تعالى في شيء يفعله أو يتركه، إلا أننا ندري أن الله قد طهر أنبياءه، وصانهم من كل ما يعابون به؛ لأن العيب أذى، وقد حرم الله أن يؤذى رسوله قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (الأحزاب: ٥٧). قال أبو محمد: فبيقين ندري أن الله تعالى صان أنبياءه عن أن يكونوا لبغيةٍ، أو من أولاد بغي، أو من بغايا، بل بعثهم الله تعالى في حسب قومهم؛ فإذ لا شك في هذا، فبيقين ندري أن الله تعالى عصمهم قبل النبوة من كل ما يؤذون به بعد النبوة، فدخل في ذلك السرقة، والعدوان، والقسوة، والزنا، واللياطة، والبغي، وأذى الناس في حريمهم، وأموالهم، وأنفسهم، وكل ما يعاب به المرء ويتشكى، منه ويؤذى بذكره. ثم قال: فصح أنه ﷺ لم يعص قط بكبيرة، ولا بصغيرة، لا قبل النبوة ولا بعدها، ولا هم قط بمعصية صغرت أو كبرت، لا قبل النبوة ولا بعدها، إلا مرتين بالسمر، حيث ربما كان بعض ما لم يكن نهى عنه بعد، والهم حينئذ بالسمر، ليس همًا بزنا، ولكنه بما يحذوا إليه طبع البرية من استحسان منظر حسن فقط. وبالله تعالى التوفيق. (١) وما دام الحال كذلك فما هو توجيه النصوص التي اعتمد عليها من يقول إن النبي ﷺ كان على دين قومه قبل بعثته: والجواب أنهم اعتمدوا على نصوص قرآنية لم يفهموها الفهم الصحيح، وعلى نصوص من السنة، منها ما صح، ولم يفهم فهمًا صحيحًا، ومنها ما لم يصح، ونحن نذكر هذه النصوص، ونوجه ما صح منها، ونبين ضعف ما لا حجة فيه. الوجه الثاني: شبهاتهم التي اعتمدوا عليها . أولًا: شبهاتهم من القرآن .

стр. 4396

١ - قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ أي لم تكن تعرف الطريق إلى الإيمان. وظاهر هذا يدل على أنه ما كان قبل الإيحاء متصفًا بالإيمان. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: عصمة الأنبياء قبل البعثة من الشرك والجهل بالله تعالى كما تقرر قال القاضي عياض: وأما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوة، فالصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله، وصفاته والتشكك في شيء من ذلك. وقد تعاضدت الأخبار، والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ وُلدُوا، ونشأتهم على التوحيد والإيمان، بل على إشراق أنوار المعارف، ونفحات ألطاف السعادة، ومن طالع سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم، حقق ذلك، كما عرف من حال موسى، وعيسى، ويحيى، وسليمان، وغيرهم ﵈. ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحدًا، نُبئ واصطفي ممن عرف بكفر وإشراك، قبل ذلك. ومستند هذا الباب النقل، وقد استدل بعضهم بأن القلوب تنفر عمن كانت هذه سبيله. وأنا أقول - عياض -: إن قريشًا قد رمت نبينا ﷺ بكل ما افترته، وعير كفار الأمم أنبياءها بكل ما أمكنها واختلقته، مما نص الله عليه أو نقلته إلينا الرواة، ولم نجد في شيء من ذلك تعييرًا لواحد منهم برفضه آلهتهم وتقريعه بذمه بترك ما كان قد جامعهم عليه، ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين، وبِتَلَونِه في معبوده محتجين، ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركه آلهتهم، وما كان يعبد آباؤهم من قبل، ففي إطباقهم على الإعراض، عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلًا إليه، إذ لو كان لنقل وما سكتوا عنه، كما لم يسكتوا عن تحويل القبلة وقالوا ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ (البقرة: ١٤٢) كما ذكره الله عنهم (١). الوجه الثاني: هل كان النبي ﷺ قبل البعثة متعبدًا بشرع أم لا ؟

стр. 4397

والذي يقطع به أنه ﷺ لم يكن منسوبًا إلى واحد من الأنبياء نسبة تقتضي أن يكون واحدًا من أمته، ومخاطبًا بكل شريعته، بل شريعته مستقلة بنفسها، مفتتحة من عند الله الحاكم وأنه ﷺ كان مؤمنا بالله ، ولا سجد لصنم، ولا أشرك بالله، ولا زنى ولا شرب الخمر، ولا شهد السامر، ولا حضر حلف المطر، ولا حلف المطيبين، بل نزهه الله وصانه عن ذلك. فإن قيل: فقد روى عثمان بن أبي شيبة حديثًا بسنده عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قد كان يشهد مع المشركين مشاهدهم، فسمع ملكين خلفه أحدهما يقول لصاحبه: اذهب حتى تقوم خلفه، فقال الآخر: كيف أقوم خلفه، وعهده باستلام الأصنام فلم يشهدهم بعد؟ فالجواب أن هذا حديث أنكره الإمام أحمد بن حنبل جدًّا وقال: هذا موضوع أو شبيه بالموضوع. وقال الدارقطني: إن عثمان وهم في إسناده، والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده، فلا يلتفت إليه. (١) فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (البقرة: ١٣٥)، وقال: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (النحل: ١٢) وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ (الشورى: ١٣)، وهذا يقتضي أن يكون متعبدًا بشرع. فالجواب أن ذلك فيما لا تختلف فيه الشرائع من التوحيد وإقامة الدين. الوجه الثالث: في معنى هذه الآية إذا تقرر هذا فما هو معنى قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾؟ ١ - قال جماعة: معنى الإيمان في هذه الآية شرائع الإيمان ومعالمه. ٢ - وقيل: تفاصيل هذا الشرع، أي كنت غافلًا عن هذه التفاصيل. ويجوز إطلاق لفظ الإيمان على تفاصيل الشرع. ٣ - وقيل: ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن، ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان، ونحوه عن أبي العالية.

стр. 4398

٤ - وقال أبو بكر القاضي: ولا الإيمان الذي هو الفرائض والأحكام. قال: وكان قبل مؤمنا بتوحيده ثم نزلت الفرائض التي لم يكن يدريها قبل، فزاد بالتكليف إيمانًا. وهذه الأقوال الأربعة متقاربة. ٥ - وقال ابن خزيمة: عنى بالإيمان الصلاة، لقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (البقرة: ١٤٣) أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فيكون اللفظ عامًا والمراد الخصوص. ٦ - وقال الحسين بن الفضل: أي ما كنت تدري ما الكتاب ولا أهل الإيمان. وهو من باب حذف المضاف، أي من الذي يؤمن؟ أبو طالب أو العباس أو غيرهما. ٧ - وقيل: ما كنت تدري شيئًا إذ كنت في المهد وقبل البلوغ. وحكي الماوردي نحوه عن علي بن عيسى قال: ما كنت تدري ما الكتاب لولا الرسالة، ولا الإيمان لولا البلوغ. ٨ - وقيل: ما كنت تدري ما الكتاب لولا إنعامنا عليك، ولا الإيمان لولا هدايتنا لك، وهو محتمل. ٩ - وقيل: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ أي كنت من قوم أميين لا يعرفون الكتاب ولا الإيمان، حتى تكون قد أخذت ما جئتهم به عمن كان يعلم ذلك منهم، وهو كقوله تعالى: ﴿كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ (العنكبوت: ٤٨) روي معناه عن ابن عباس ﵄. (١) وذلك أدخل في الإعجاز، وأدلّ على صحة نبوّته. (٢) ١٠ - أنه نفى دراية الإيمان ولم ينف الإيمان. قال ابن عاشور: ومعنى عدم دراية الكتاب: عدم تعلق علمه بقراءة كتاب أو فهمه، ومعنى انتفاء دراية الإيمان: عدم تعلق علمه بما تحتوي عليه حقيقة الإيمان الشرعي من صفات الله وأصول الدين، وقد يطلق الإيمان على ما يرادف الإسلام كقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ

стр. 4399

اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ وهو الإيمان الذي يزيد وينقص كما في قوله تعالى ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ فيزاد في معنى عدم دراية الإيمان انتفاء تعلق علم الرسول ﷺ بشرائع الإسلام. فانتفاء درايته بالإيمان مثل انتفاء درايته بالكتاب أي انتفاء العلم بحقائقه ولذلك قال ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي﴾ ولم يقل: ما كنت مؤمنًا. وكلا الاحتمالين لا يقتضي أن الرسول ﷺ لم يكن مؤمنًا بوجود الله ووحدانية إلهيته قبل نزول الوحي عليه؛ إذ الأنبياء والرسل معصومون من الشرك قبل النبوءة، فهم موحدون لله ، ونابذون لعبادة الأصنام ولكنهم، لا يعلمون تفاصيل الإيمان، وكان نبينا ﷺ في عهد جاهلية قومه، يعلم بطلان عبادة الأصنام، وإذ قد كان قومه يشركون مع الله غيره في الإلهية، فبطلان إلهية الأصنام عنده، تمحضه لإفراد الله بالإلهية لا محالة. (١) الآية الثانية: قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ ففيها وصف النبي ﷺ بالضلال، وهذا دليل على أنه كان على دين قومه . والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أنها كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ (الشورى: ٥٢)، وقد سبق القول فيه. الوجه الثاني: للآية تأويلات عديدة منها: الأول: أن يكون المراد بهذا أنه ﷺ ضل في شعاب مكة وهو صغير، ثم رجع. الثاني: وقيل: إنه ضل وهو مع عمه في طريق الشام، وكان راكبًا ناقة في الليل، فجاء إبليس يعدل بها عن الطريق، فجاء جبريل، فنفخ إبليس نفخة ذهب منها إلى الحبشة، ثم عدل بالراحلة إلى الطريق. (٢) الثالث: غافلًا عما يراد بك من أمر النبوة، فهداك: أي أرشدك.

стр. 4400

والضلال هنا بمعنى الغفلة، كقوله جل ثناؤه: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (طه: ٥٢) أي لا يغفل. وقال في حق نبيه: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (يوسف: ٣). وقال قوم: ضالًا لم تكن تدري القرآن والشرائع، فهداك الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام، عن الضحاك وشهر بن حوشب وغيرهما. الرابع: وقال قوم: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ أي في قوم ضلال، فهداهم الله بك. هذا قول الكلبي والفراء. وعن السدي نحوه، أي ووجد قومك في ضلال، فهداك إلى إرشادهم. أو وجدك ضالًا عن الضالين منفردًا عنهم مجانبًا لدينهم، فكلما كان بعدك عنهم أشد كان ضلالهم أشد، فهداك إلى أن اختلطت بهم ودعوتهم إلى الدين المبين. الخامس: وقيل: ووجدك ضالًا عن الهجرة، فهداك إليها. فقد كنت متحيرًا في يد قريش متمنيًا فراقهم، وكان لا يمكنك الخروج بدون إذنه تعالى، فلما أذن له، ووافقه الصديق عليه، وهداه إلى خيمة أم معبد، وكان ما كان من حديث سراقة، وظهور القوة في الدين كان ذلك المراد بقوله: ﴿فَهَدَى﴾. السادس: وقيل: ﴿ضَالًّا﴾ أي ناسيًا شأن الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح - فأذكرك، كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ (البقرة: ٢٨٢). السابع: وقيل: ووجدك طالبًا للقبلة فهداك إليها، بيانه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (البقرة: ١٤٤). ويكون الضلال بمعنى الطلب؛ لأن الضال طالب. الثامن: وقيل: ووجدك متحيرًا عن بيان ما نزل عليك، فهداك إليه، فيكون الضلال بمعنى التحير؛ لأن الضال متحير. التاسع: وقيل: ووجدك ضائعًا في قومك، فهداك إليه، ويكون الضلال بمعنى الضياع. العاشر: وقيل: ووجدك محبًا للهداية، فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى المحبة. ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ (يوسف: ٩٥) أي في محبتك. قال الشاعر:

стр. 4401

هذا الضلال أشاب مني المفرقا ... والعارضين ولم أكن متحققًا عجبا لعزة في اختيار قطيعتي ... بعد الضلال فحبلها قد أخلقًا. (١) الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (يوسف: ٣) . قالوا: فهذه الآية تدل على أنه كان غافلًا عن الحق قبل البعئة ولم يكن إلا كقومه! والجواب من وجوه: الوجه الأول: أن هذه الآية من أوضع الأدلة على أنه ﷺ مرسل من عند الله لم يأت بكلام من عند نفسه . قال الطبري: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ : نحن نقص عليك يا محمد أحسن القصص بوحينا إليك هذا القرآن، فنخبرك فيه عن الأخبار الماضية، وأنباء الأمم السالفة، والكتب التي أنزلناها في العصور الخالية، وإن كنت من قبله لمن الغافلين، أي: وإن كنت يا محمد من قبل أن نوحيه إليك لمن الغافلين عن ذلك، لا تعلمه ولا شيئًا منه. (٢) وقال الآلوسي: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: قبل إيحائنا إليك ذلك ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ عنه لم يخطر ببالك ولم يقرع سمعك، وهذا تعليل لكونه موحى كما ذكره بعض المحققين. (٣) فلم يكن ﷺ ينطق من تلقاء نفسه بل إنما كان ينطق بالوحي كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (النجم: ٣ - ٤) أي ما نطقه إلا وحي يوحى، وهذا مطابق لقول المسيح: إنه لا يتكلم من تلقاء نفسه، بل إنما يتكلم بما يوحى إليه، والله تعالى أمره أن يبلغ ما أنزل إليه، وضمن له العصمة في تبليغ رسالاته. (٤)

стр. 4402

الوجه الثاني: أن في هذه الآية إجلالًا لشأن النبي ﷺ من جهتين: الأولى: أن التعبير عن عدم العلم بالغفلة لإجلال شأن النبي ﷺ . الثانية: العدول عن لـ (غافلًا) إلى ما في النظم الجليل من قوله: لمن الغافلين عند بعض. الوجه الثالث: أن المقصود (بهذا) الإشارة إلى غرابة القصة: حيث إن الشيء إذا كان بديعًا، وفيه نوع غرابة إذا وقف عليه قيل للمخاطب: كنت عن هذا غافلًا، فيجوز أن يقصد الإشارة إلى غرابة تلك القصة فيكون كالتأكيد لما تقدم. (١) الوجه الرابع: ومنهم من قال: المراد أنه كان من الغافلين عن الدين والشريعة، قبل ذلك كما قال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ (الشورى: ٥٢). (٢) الثاني: أن هذه الآية كسابقتها مسوقة في سياق المنة على رسول الله ﷺ لا في سياق اتهامه كما سبق. الآية الرابعة، والخامسة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ (يونس ٩٤) وقوله تعالى ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾ (هود: ١٧) . وهذا يناقض عصمة النبي ﷺ هل كان الله تعالى يشك في إيمانه حتى يحذره؟ والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: معنى الآية: قال الطبري: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد: فإن كنت يا محمد في شك من حقيقة ما أخبرناك وأنزلنا إليك، من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوتك قبل أن تبعث رسولًا إلى خلقه؛ لأنهم يجدونك عندهم مكتوبًا ويعرفونك بالصفة التي أنت بها موصوف في كتابهم في التوراة والإنجيل ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ومن أهل التوراة والإنجيل، كعبد الله بن سلام ونحوه من أهل الصدق والإيمان بك، منهم دون أهل الكذب والكفر بك منهم. ثم قال: فإن قال قائل: أو كان رسول الله ﷺ في شك من خبر الله أنه حق يقين، حتى قيل له: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قيل: لا وما

стр. 4403

شك وما سأل. وبهذا قال سعيد بن جبير والحسن وقتادة أنه ما شك وما سأل ﷺ . (١) وقال الحسين بن الفضل: الفاء مع حروف الشرط، لا توجب الفعل ولا تثبته، والدليل عليه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لما نزلت هذه الآية: (والله لا أشك) (٢). الوجه الثاني: أن هذا خطاب يناسب أسلوب العرب لأن القران بلسانهم نزل . قال الطبري في تتمة كلامه السابق: فإن قال: فما وجه مخرج هذا الكلام إذنْ، إن كان الأمر على ما وصفت؟ قيل: هذا من استجازة العرب قول القائل منهم لمملوكه: (إن كنت مملوكي فانته إلى أمري) والعبد المأمور بذلك لا يشكُّ سيدُه القائل له ذلك أنه عبده. كذلك قول الرجل منهم لابنه: (إن كنت ابنِ فبرَّني)، وهو لا يشك في ابنه أنه ابنه، وأنّ ذلك من كلامهم صحيح مستفيض فيهم، وذكرنا ذلك بشواهده، وأنّ منه قول الله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (سورة المائدة: ١١٦)، وقد علم جل ثناؤه أن عيسى لم يقل ذلك. وهذا من ذلك، لم يكن شاكًّا في حقيقة خبر الله وصحته، والله تعالى ذكره بذلك من أمره كان عالمًا، ولكنه جل ثناؤه خاطبه خطاب قومه بعضهم بعضًا، إذْ كان القرآن بلسانهم نزل. الوجه الثالث: أن هذا خطاب للنبي ﷺ والمراد به من لم يكن آمن به حقا وإن أظهره بلسانه . قال الطبري: ولو قال قائل: إن هذه الآية خوطب بها النبي ﷺ ، والمراد بها بعضُ من لم يكن صحَّت بصيرته بنبوته ﷺ ، ممن كان قد أظهر الإيمان بلسانه، تنبيهًا له على موضع تعرف حقيقة أمره الذي يزيل اللبس عن قلبه، كما قال جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (الأحزاب: ١) كان قولا غيرَ مدفوعةٍ صحته. (٣) الوجه الرابع: أن هذا خطاب للنبي ﷺ والمراد به تثبيت أمته .

стр. 4404

قال ابن كثير: وهذا فيه تثبيت للأمة، وإعلام لهم أن صفة نبيهم ﷺ موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (الأعراف: ١٥٧). ثم إنهم مع هذا العلم يعرفونه من كتبهم، كما يعرفون أبناءهم، يلبسون ذلك ويحرفونه ويبدلونه، ولا يؤمنون به مع قيام الحجة عليهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ أي: لا يؤمنون إيمانًا ينفعهم، بل حين لا ينفع نفسًا إيمانها؟ ولهذا لما دعا موسى ﵇ على فرعون وملئه قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ (يونس: ٨٨)، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ (الأنعام: ١١١). (١) الوجه الخامس: أن الخطاب للنبي ﷺ والمراد الإخبار عن غيره . قال القرطبي: الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره، أي لست في شك ولكل غيرك شك. وال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد: سمعت الإمامين ثعلبًا والمبرد يقولان: معنى ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ أي قل يا محمد للكافر فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي يا عابد الوثن: إن كنت في شك من القرآن؛ فأسأل من أسلم من اليهود، يعني عبد الله بن سلام وأمثاله، لأن عبدة الأوثان كانوا يقرون لليهود أنهم أعلم منهم، من أجل أنهم أصحاب كتاب، فدعاهم الرسول ﷺ إلى أن يسألوا من يقرون بأنهم أعلم منهم، هل يبعث الله برسول من بعد موسى. وقال القتبي: هذا خطاب لمن كان لا يقطع بتكذيب محمد ولا بتصديقه ﷺ ، بل كان في شك. والذي يدل على صحة هذا الوجه وجوه:

стр. 4405

الأول: قوله تعالى في آخر السورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ (يونس: ١٠٤)، فبين أن المذكور في أول الآية على سبيل الرمز، هم المذكورون في هذه الآية على سبيل التصريح. الثاني: أن الرسول ﷺ لو كان شاكًا في نبوة نفسه، لكان شك غيره في نبوته أولى، وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية. والثالث: أن بتقدير أن يكون شاكًا في نبوة نفسه، فكيف يزول ذلك الشك بأخبار أهل الكتاب عن نبوته، مع أنهم في الأكثر كفار، وإن حصل فيهم من كان مؤمنًا، إلا أن قوله ليس بحجة، لا سيما وقد تقرر أن ما في أيديهم من التوراة والإنجيل، فالكل مُصَحف محرف، فثبت أن الحق هو أن الخطاب، وإن كان في الظاهر مع الرسول ﷺ إلا أن المراد هو الأمة، ومثل هذا معتاد، فإن السلطان الكبير إذا كان له أمير، وكان تحت راية ذلك الأمير جمع، فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص؛ فإنه لا يوجه خطابه عليهم، بل يوجه ذلك الخطاب على ذلك الأمير الذي جعله أميرًا عليهم، ليكون ذلك أقوى تأثيرًا في قلوبهم. (١) الوجه السادس: في معنى الشك . وقيل: الشك ضيق الصدر، أي إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر، واسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك يخبروك صبر الأنبياء من قبلك على أذى قومهم، وكيف عاقبة أمرهم. والشك في اللغة: أصله الضيق، يقال: شك الثوب أي ضمه بخلال، حتى يصير كالوعاء. وكذلك السفرة تمد علائقها حتى تنقبض، فالشك يقبض الصدر ويضمه حتى يضيق، ثم استأنف الكلام فقال - لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين أي الشاكين المرتابين، ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥)﴾ (يونس: ٩٥) والخطاب في هاتين الآيتين للنبي ﷺ والمراد غيره. (٢) الوجه السابع: أن تكون (إن) بمعنى ما .

стр. 4406

قال القرطبي: و (إن) بمعنى (ما) في القرآن في مواضع خمسة وذكر منها هذا الوضع (١) وذكره الرازي كذلك، وقال ابن حزم ﵀: وإنما معنى (إن) ها هنا الجحد، فهي هنا بمعنى (ما) وهذا المعنى هو أحد موضوعاتها في اللغة العربية، كما قال تعالى آمرًا نبيه ﷺ أن يقول: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٨) بمعنى: ما أنا إلا ندير وبشير لقوم يؤمنون، كما ذكر الله عن الأنبياء أنهم قالوا: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (إبراهيم: ١١) وكما قال تعالى مخبرًا عن النسوة إذ رأين يوسف ﵇ فقلن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ أن نت (يوسف: ٣١) بمعنى: ما هذا إلا ملك كريم، وكما قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: ١٧) أي ما كنا فاعلين. فعلى هذا المعنى خاطب نبيه ﷺ : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك، ثم قال تعالى ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ بمعنى ولا أعداؤك الذين يقاتلونك من الذين أوتوا الكتاب من قبلك ما هم أيضًا في شك مما أنزلنا إليك، بل هم موقنون بصحة قولك، وإنك نبي حق، رسول الله ﷺ ، لا شك عندهم في أن الذي جاءك الحق. ومثل هذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (إبراهيم: ٤٦) تهوينًا له، وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ (الزخرف: ٨١) بمعنى ما كان للرحمن ولد. فوضح جهل هذا المعترض وضعف تمييزه، والحمد لله رب العالمين. (٢) الوجه الثامن: أن هذا خطاب للنبي ﷺ على سبيل الفرض والتقدير . قال الآلوسي: والمراد إن كنت في ذلك على سبيل الفرض والتقدير؛ لأن الشك لا يتصور منه عليه ﷺ لانكشاف الغطاء له، ولذا عبر بإن التي تستعمل غالبًا، فيما لا تحقق له حتى تستعمل في المستحيل عقلًا، وعادة كما في قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾

стр. 4407

(الزخرف: ٨١) وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ (الأنعام: ٣٥) وينبغي أن يكون المراد الاستدلال على حقيقة المنزلة والاستشهاد بما في الكتب المتقدمة على ما ذكر، وأن القرآن مصدق لها. ومحصل ذلك أن الفائدة: دفع الشك إن طرأ لأحد غيره ﷺ بالبرهان. أو وصف أهل الكتاب بالرسوخ في العلم بصحة نبوته ﷺ وتوبيخهم على ترك الإيمان أو تهييج الرسول عليه ﷺ وزيادة تثبيته، وليس الغرض إمكان وقوع الشك له ﷺ أصلًا، ولذلك قال ﷺ حين جاءته الآية على ما أخرج عبد الرزاق. وابن جرير عن قتادة: "لا أشك ولا أسأل". (١) الوجه التاسع: أن الله علم أنه لم يشك، ولكنه أراد منه أن يصرح بنفي الشك عند نزول هذه الآية . ويقول: "يا رب لا أشك ولا أطلب الحجة من قول أهل الكتاب بل يكفيني ما أنزلته علي من الدلائل الظاهرة" ونظيره قوله تعالى للملائكة: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ (سبأ: ٤٥) والمقصود أن يصرحوا بالجواب الحق ويقولوا: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾. (٢) الوجه العاشر: هو أن محمدًا عليه ﷺ كان من البشر، وكان حصول الخواطر المشوشة والأفكار المضطربة في قلبه من الجائزات، وتلك الخواطر لا تندفع إلا بإيراد الدلائل وتقرير البينات، فهو أنزل هذا النوع من التقريرات، حتى أن بسببها تزول عن خاطره تلك الوساوس، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ (هود: ١٢) وتمام التقرير في هذا الباب أن قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ فافعل كذا وكذا، قضية شرطية، والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بأن الشرط وقع، أو لم يقع، ولا بأن الجزاء وقع أو لم يقع، بل ليس فيها إلا بيان أن ماهية ذلك الشرط مستلزمة لماهية ذلك

стр. 4408

الجزاء فقط، والدليل عليه أنك إذا قلت إن كانت الخمسة زوجًا كانت منقسمة بمتساويين، فهو كلام حق؛ لأن معناه أن كون الخمسة زوجًا، يستلزم كونها منقسمة بمتساويين، ثم لا يدل هذا الكلام على أن الخمسة زوج، ولا على أنها منقسمة بمتساويين، فكذا هاهنا هذه الآية، تدل على أنه لو حصل هذا الشك، لكان الواجب فيه هو فعل كذا وكذا، فأما إن هذا الشك وقع أو لم يقع، فليس في الآية دلالة عليه، والفائدة في إنزال هذه الآية على الرسول ﷺ أن تكثير الدلائل وتقويتها، مما يزيد في قوة اليقين، وطمأنينة النفس، وسكون الصدر، ولهذا السبب أكثر الله في كتابه من تقرير دلائل التوحيد والنبوة. (١) الوجه الحادي عشر: أن المقصود بهذا الكلام استمالة قلوب الكفار ورفع الحرج عفهم في السؤال والمناظرة . قال الرازي: المقصود من ذكر هذا الكلام استمالة قلوب الكفار وتقريبهم من قبول الإيمان؛ وذلك لأنهم طالبوه مرة بعد أخرى، بما يدل على صحة نبوته وكأنهم استحيوا من تلك المعاودات والمطالبات، وذلك الاستحياء صار مانعًا لهم عن قبول الإيمان فقال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ من نبوتك فتمسك بالدلائل القلائل، يعني أولى الناس؛ بأن لا يشك في نبوته هو نفسه، ثم مع هذا إن طلب هو من نفسه دليلًا على نبوة نفسه بعد ما سبق من الدلائل الباهرة والبينات القاهرة؛ فإنه ليس فيه عيب، ولا يحصل بسببه نقصان، فإذا لم يستقبح منه ذلك في حق نفسه، فلأن لا يستقبح من غيره طلب الدلائل كان أولى، فثبت أن المقصود بهذا الكلام استمالة القوم وإزالة الحياء عنهم في تكثير المناظرات. (٢) الوجه الثاني عشر: أن يكون هذا السياق إخبار عن عدم شكه ﷺ أن يكون التقدير أنك لست شاكًا ألبتة ولو كنت شاكًا لكان لك طرق كثيرة في إزالة ذلك الشك كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء: ٢٢) والمعنى أنه لو فرض ذلك الممتنع

стр. 4409

واقعًا، لزم منه المحال الفلاني فكذا هاهنا. ولو فرضنا وقوع هذا الشك فارجع إلى التوراة والإنجيل؛ لتعرف بهما أن هذا الشك زائل، وهذه الشبهة باطلة. (١) الوجه الثالث عشر أن هذا الخطاب ليس للنبي ﷺ أصلًا . تقريره أن الناس في زمانه كانوا فرقًا ثلاثة، المصدقون به، والمكذبون له، والمتوقفون في أمره الشاكون فيه، فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال: إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد، فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته، وإنما وحد الله تعالى ذلك وهو يريد الجمع، كما في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ﴾ (الإنفطار: ٦، ٧) و ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾. وقوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ (الزمر: ٤٩) ولم يرد في جميع هذه الآيات إنسانًا بعينه، بل المراد هو الجماعة فكذا هاهنا. ولما ذكر الله تعالى لهم ما يزيل ذلك الشك عنهم، حذرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني، وهم المكذبون. فقال: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. (٢) الوجه الرابع عشر: أن هذه الآية من الحجج التي يحتج بها على اليهود والنصاري . وتقرير ذلك أنها لم تأت للدلالة على وقوع الشك، ولا على وقوع السؤال، فإن النبي ﷺ لم يكن شاكًّا، ولا سأل أحدًا منهم، ولكن المقصود بيان أن أهل الكتاب عندهم من الأدلة والبراهين ما يؤيدك، ويصدقك فيما كذبك فيه الكافرون. كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا

стр. 4410

لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾، وقال تعالى ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾، وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ وهذه الآيات البينات، تؤكد لنا أن الكتب القديمة، فيها إشارات وبشارات بمحمد ﷺ وبملته، وبأمته، وفي ضوئها تفهم الآية التي معنا. بحمد الله تعالى. (١) الوجه الثالث: سياق الأحاديث التي توهموا أن فيها دلالة على كونه ﷺ كان على دين قومه، والرد عليها . الحديث الأول: عن جبير بن مطعم قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ وهو على دين قومه، وهو يقف على بعير له بعرفات، من بين قومه حتى يدفع معهم توفيقًا من الله له (٢). قالوا: فهذا تصريح بأنه كان على دين قومه.

стр. 4411

والجواب يظهر جليًا في كلام العلما، الذين رووا هذه اللفظة فهل فهموا منها ذلك؟ ! أم أنه مجرد فهم حادث لا أصل له؟ مع اعتبار أن من رواها أولى بفهمها. ١ - كلام جبير في الحديث حيث ساقه في سبيل الاستدلال على مخالفة النبي ﷺ لقومه، ولهذا قال في آخر الحديث: توفيقًا من الله تعالى. قال ابن إسحاق: فشب رسول الله ﷺ يكلؤه الله، ويحفظه، ويحوطه من أقذار الجاهلية، ومعايبها لما يريد به من كرامته، ورسالته، وهو على دين قومه، حتى بلغ أن كان رجلًا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خُلُقًا، وأكرمهم مخالطةً، وأحسنهم جوارًا، وأعظمهم خَلْقًا، وأصدقهم حديثًا، وأعظمهم أمانةً، وأبعدهم من الفحش، والأخلاق التي تدنس الرجال تنزهًا، وتكرمًا حتى ما اسمه في قومه إلا (الأمين) لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة، وكان رسول الله ﷺ فيما ذُكر لي، يحدث عما كان يحفظه الله به في صغره وأمر جاهلية. إلى آخر ما ذكره، حتى وصل إلى رواية هذا الحديث. وسياق الكلام يؤكد أن قوله في البداية: كان على دين قومه: أي على عادتهم، ولكن الله عصمه في دينه واعتقاده، مما خالف الحق من دينهم. ومما يؤكد هذا أن الدين قد يقال بمعنى: الدأب والعادة قال الشاعر: قول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني. أي عادته وعادتي. ويقال ما زال ذلك ديني وديدني أي عادتي. (١) قال البيهقي: قوله: "على دين قومه" معناه: على ما كان قد بقي فيهم من إرث إبراهيم وإسماعيل ﵈ في حجهم، ومناكحهم، وبيوعهم، دون الشرك؛ فإنه لم يشرك بالله قط وفيما ذكرنا من بغضه اللات والعزى دليل على ذلك (٢).

стр. 4412

قال ابن كثير: ويفهم من قوله هذا أيضًا أنه كان يقف بعرفات قبل أن يوحى إليه، وهذا توفيق من الله له. (١) ٢ - فهم أهل اللغة لهذه الكلمة: قال ابن الأَثير: ليس المراد به الشرك الذي كانوا عليه وإِنما أَراد أَنه كان على ما بقي فيهم من إِرث إِبراهيم ﵇ من الحج والنكاح والميراث وغير ذلك من أَحكام الإِيمان وقيل: هو من الدِّين العادة. يريد به أَخلاقهم من الكرم والشجاعة وغير ذلك. (٢) وأمَّا التَّوْحيدُ: فإنهم كانوا قد بَدَّلُوه والنبي لم يَكن إلا عليه. (٣) وفي ضوء ما نقلناه عن أهل العلم تفهم هذه اللفظة، وليست هذه الطريق التي ذكرتها بأولى من الطرق التي لم تذكرها، والقصة واحدة. الحديث الثاني: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان النبي ﷺ يشهد مع المشركين مشاهدهم قال: فسمع ملكين خلفه، وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله ﷺ قال: كيف نقوم خلفه، وإنما عهده باستلام الأصنام قبيل؟ قال: فلم يعد بعد ذلك أن يشهد مع المشركين مشاهدهم". (٤)

стр. 4413

قالوا: ففي هذا دليل على أنه ﷺ كان يستلم الأصنام كقومه. والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: هذه اللفظة منكرة موضوعة كما هو مبين في الحاشية . قال القرطبي: فإن قيل: فقد روى عثمان بن أبي شيبة حديثًا بسنده عن جابر أن النبي ﷺ قد كان يشهد مع المشركين مشاهدهم، فسمع ملكين خلفه، أحدهما يقول لصاحبه: اذهب حتى تقوم خلفه، فقال الآخر: كيف أقوم خلفه وعهده باستلام الأصنام فلم يشهدهم بعد؟ فالجواب أن هذا حديث أنكره الإمام أحمد بن حنبل جدا وقال: هذا موضوع أو شبيه بالموضوع. وقال الدارقطني: إن عثمان وهم في إسناده، والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه. (١)

стр. 4414

وقال الذهبي: تفرد به جرير، وما أتى به عنه سوى شيخ البخاري عثمان بن أبي شيبة. وهو منكر. (١) الوجه الثاني: توجيه هذه اللفظة على فرض صحتها . قال أبو القاسم: قال الطبراني، والبيهقي، والخطيب: قوله: وإنما عهده باستلام الأصنام يعني، أنه شهد مع من استلم الأصنام، لا أنه استلمها، والمراد بالمشاهد التي شهدها مشاهد الحلف ونحوه، لا مشاهد استلام الأصنام (٢). وقال ابن حجر: هذا الحديث أنكره الناس على عثمان بن أبي شيبة فبالغوا، والمنكر منه قوله عن الملك عهده باستلام الأصنام فان ظاهره أنه باشر الاستلام وليس ذلك مرادًا، بل المراد أنه شهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم (٣). ٢ - وقال الهيثمي: وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل ولا يحتمل هذا من مثله إلا أن يكون يشهد ذلك المشاهد للإنكار وهذا يتجه. (٤) ٢ - وقال الذهبي: في الميزان: قال المؤلف: يعنى أنه حديث عهد برؤية استلام الأصنام، لا أنه هو المستلم، حاشا وكلا. (٥) الحديث الثالث: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّه لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: زَيْدٌ إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْه (٦). قالوا: فهذا فيه أن النبي ﷺ كان يأكل مما ذبح على النصب. والجواب على ذلك من وجوه:

стр. 4415

الوجه الأول: قال الخطابي: كان النبي ﷺ لا يأكل مما يذبحون عليها للأصنام، ويأكل ما عدا ذلك، وإن كانوا لا يذكرون اسم الله عليه؛ لأن الشرع لم يكن نزل بعد؛ بل لم ينزل الشرع بمنع أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، إلا بعد المبحث بمدة طويلة. الوجه الثاني: أن هذه السفرة كانت لقريش قدموها للنبي ﷺ فأبى أن يأكل منها, فقدمها النبي ﷺ لزيد بن عمرو فأبى أن يأكل منها، وقال مخاطبًا لقريش الذين قدموها أولًا: إنا لا نأكل ما ذبح على أنصابكم، وضعف هذا الوجه ابن حجر ﵀. (١) الوجه الثالث: وهو أصحها أن هذه الرواية لا تصريح فيها بأن النبي ﷺ أكل مما ذبح على النصب، وإنما فيها إنكار زيد الأكل مما ذبح على النصب، فلعله ظن أن النبي ﷺ مثل قومه يأكل ما ذبح على النصب، فقال ما قال ثم بين له النبي ﷺ أنه لا يأكل ذلك هو الآخر. وقال الألباني: توهم زيد أن اللحم المقدم إليه من جنس ما حرم الله، ومن المقطوع به، أن بيت محمد ﷺ لا يطعم ذبائح الأصنام، ولكن أراد الاستيثاق لنفسه، والإعلان عن مذهبه، وقد حفظ رسول الله ﷺ له ذلك وسر به. (٢) رواية ثانية لهذا الحديث: عن سعيد بن زيد بن عمرو: قَالَ: كَانَ رَسولُ الله ﷺ بِمَكَّةَ هوَ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَمَرَّ بِهِما زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَدَعَوَاهُ إِلَى سُفْرَةٍ لَهُمَا فَقَالَ: "يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ"، قَالَ فَمَا رُئِيَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ أَكَلَ شَيْئًا مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ. (٣) وهذه الرواية فيها زيادة موهمة، أنه ﷺ كان يأكل مما ذبح على النصب وهذه الزيادة هي قوله: "فما رُؤي رسول الله ﷺ بعد ذلك اليوم أكل مما ذبح على النصب". والجواب على ذلك أنها زيادة منكرة كما في الحاشية.
следующие страницы →