والجواب يظهر جليًا في كلام العلما، الذين رووا هذه اللفظة فهل فهموا منها ذلك؟ ! أم أنه مجرد فهم حادث لا أصل له؟ مع اعتبار أن من رواها أولى بفهمها.
١ - كلام جبير في الحديث حيث ساقه في سبيل الاستدلال على مخالفة النبي ﷺ لقومه، ولهذا قال في آخر الحديث: توفيقًا من الله تعالى.
قال ابن إسحاق: فشب رسول الله ﷺ يكلؤه الله، ويحفظه، ويحوطه من أقذار الجاهلية، ومعايبها لما يريد به من كرامته، ورسالته، وهو على دين قومه، حتى بلغ أن كان رجلًا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خُلُقًا، وأكرمهم مخالطةً، وأحسنهم جوارًا، وأعظمهم خَلْقًا، وأصدقهم حديثًا، وأعظمهم أمانةً، وأبعدهم من الفحش، والأخلاق التي تدنس الرجال تنزهًا، وتكرمًا حتى ما اسمه في قومه إلا (الأمين) لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة، وكان رسول الله ﷺ فيما ذُكر لي، يحدث عما كان يحفظه الله به في صغره وأمر جاهلية.
إلى آخر ما ذكره، حتى وصل إلى رواية هذا الحديث. وسياق الكلام يؤكد أن قوله في البداية: كان على دين قومه: أي على عادتهم، ولكن الله عصمه في دينه واعتقاده، مما خالف الحق من دينهم. ومما يؤكد هذا أن الدين قد يقال بمعنى: الدأب والعادة قال الشاعر:
قول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني.
أي عادته وعادتي. ويقال ما زال ذلك ديني وديدني أي عادتي. (١)
قال البيهقي: قوله: "على دين قومه" معناه: على ما كان قد بقي فيهم من إرث إبراهيم وإسماعيل ﵈ في حجهم، ومناكحهم، وبيوعهم، دون الشرك؛ فإنه لم يشرك بالله قط وفيما ذكرنا من بغضه اللات والعزى دليل على ذلك (٢).
стр. 4412
قال ابن كثير: ويفهم من قوله هذا أيضًا أنه كان يقف بعرفات قبل أن يوحى إليه، وهذا توفيق من الله له. (١)
٢ - فهم أهل اللغة لهذه الكلمة: قال ابن الأَثير: ليس المراد به الشرك الذي كانوا عليه وإِنما أَراد أَنه كان على ما بقي فيهم من إِرث إِبراهيم ﵇ من الحج والنكاح والميراث وغير ذلك من أَحكام الإِيمان وقيل: هو من الدِّين العادة. يريد به أَخلاقهم من الكرم والشجاعة وغير ذلك. (٢) وأمَّا التَّوْحيدُ: فإنهم كانوا قد بَدَّلُوه والنبي لم يَكن إلا عليه. (٣)
وفي ضوء ما نقلناه عن أهل العلم تفهم هذه اللفظة، وليست هذه الطريق التي ذكرتها بأولى من الطرق التي لم تذكرها، والقصة واحدة.
الحديث الثاني: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان النبي ﷺ يشهد مع المشركين مشاهدهم قال: فسمع ملكين خلفه، وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله ﷺ قال: كيف نقوم خلفه، وإنما عهده باستلام الأصنام قبيل؟
قال: فلم يعد بعد ذلك أن يشهد مع المشركين مشاهدهم". (٤)
стр. 4413
قالوا: ففي هذا دليل على أنه ﷺ كان يستلم الأصنام كقومه.
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: هذه اللفظة منكرة موضوعة كما هو مبين في الحاشية .
قال القرطبي: فإن قيل: فقد روى عثمان بن أبي شيبة حديثًا بسنده عن جابر أن النبي ﷺ قد كان يشهد مع المشركين مشاهدهم، فسمع ملكين خلفه، أحدهما يقول لصاحبه: اذهب حتى تقوم خلفه، فقال الآخر: كيف أقوم خلفه وعهده باستلام الأصنام فلم يشهدهم بعد؟
فالجواب أن هذا حديث أنكره الإمام أحمد بن حنبل جدا وقال: هذا موضوع أو شبيه بالموضوع.
وقال الدارقطني: إن عثمان وهم في إسناده، والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه. (١)
стр. 4414
وقال الذهبي: تفرد به جرير، وما أتى به عنه سوى شيخ البخاري عثمان بن أبي شيبة. وهو منكر. (١)
الوجه الثاني: توجيه هذه اللفظة على فرض صحتها .
قال أبو القاسم: قال الطبراني، والبيهقي، والخطيب:
قوله: وإنما عهده باستلام الأصنام يعني، أنه شهد مع من استلم الأصنام، لا أنه استلمها، والمراد بالمشاهد التي شهدها مشاهد الحلف ونحوه، لا مشاهد استلام الأصنام (٢).
وقال ابن حجر: هذا الحديث أنكره الناس على عثمان بن أبي شيبة فبالغوا، والمنكر منه قوله عن الملك عهده باستلام الأصنام فان ظاهره أنه باشر الاستلام وليس ذلك مرادًا، بل المراد أنه شهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم (٣).
٢ - وقال الهيثمي: وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل ولا يحتمل هذا من مثله إلا أن يكون يشهد ذلك المشاهد للإنكار وهذا يتجه. (٤)
٢ - وقال الذهبي: في الميزان: قال المؤلف: يعنى أنه حديث عهد برؤية استلام الأصنام، لا أنه هو المستلم، حاشا وكلا. (٥)
الحديث الثالث: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّه لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: زَيْدٌ إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْه (٦).
قالوا: فهذا فيه أن النبي ﷺ كان يأكل مما ذبح على النصب.
والجواب على ذلك من وجوه:
стр. 4415
الوجه الأول: قال الخطابي: كان النبي ﷺ لا يأكل مما يذبحون عليها للأصنام، ويأكل ما عدا ذلك، وإن كانوا لا يذكرون اسم الله عليه؛ لأن الشرع لم يكن نزل بعد؛ بل لم ينزل الشرع بمنع أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، إلا بعد المبحث بمدة طويلة.
الوجه الثاني: أن هذه السفرة كانت لقريش قدموها للنبي ﷺ فأبى أن يأكل منها, فقدمها النبي ﷺ لزيد بن عمرو فأبى أن يأكل منها، وقال مخاطبًا لقريش الذين قدموها أولًا: إنا لا نأكل ما ذبح على أنصابكم، وضعف هذا الوجه ابن حجر ﵀. (١)
الوجه الثالث: وهو أصحها أن هذه الرواية لا تصريح فيها بأن النبي ﷺ أكل مما ذبح على النصب، وإنما فيها إنكار زيد الأكل مما ذبح على النصب، فلعله ظن أن النبي ﷺ مثل قومه يأكل ما ذبح على النصب، فقال ما قال ثم بين له النبي ﷺ أنه لا يأكل ذلك هو الآخر.
وقال الألباني: توهم زيد أن اللحم المقدم إليه من جنس ما حرم الله، ومن المقطوع به، أن بيت محمد ﷺ لا يطعم ذبائح الأصنام، ولكن أراد الاستيثاق لنفسه، والإعلان عن مذهبه، وقد حفظ رسول الله ﷺ له ذلك وسر به. (٢)
رواية ثانية لهذا الحديث: عن سعيد بن زيد بن عمرو: قَالَ: كَانَ رَسولُ الله ﷺ بِمَكَّةَ هوَ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَمَرَّ بِهِما زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَدَعَوَاهُ إِلَى سُفْرَةٍ لَهُمَا فَقَالَ: "يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ"، قَالَ فَمَا رُئِيَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ أَكَلَ شَيْئًا مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ. (٣)
وهذه الرواية فيها زيادة موهمة، أنه ﷺ كان يأكل مما ذبح على النصب وهذه الزيادة هي قوله: "فما رُؤي رسول الله ﷺ بعد ذلك اليوم أكل مما ذبح على النصب". والجواب على ذلك أنها زيادة منكرة كما في الحاشية.
стр. 4416
وعلى فرض صحتها:
١ - قال السُّهَيْليّ ﵀: فَإِنْ قِيلَ فَالنَّبِيّ ﷺ كَانَ أَوْلَى مِنْ زَيْد بِهَذ الْفَضِيلَة.
فَالجوَاب: أَنهُ لَيْسَ فِي الحدِيث أَنَّهُ ﷺ أَكَلَ مِنْهَا، وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون أَكَلَ فَزَيْد إِنَّمَا كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ بِرَأْيٍ يَرَاهُ لَا بِشَرْعٍ بَلَغَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ عِنْد أَهْل الجاهِلِيَّة بَقَايَا مِنْ دَيْن إِبْرَاهِيم، وَكَانَ فِي شَرْع إِبْرَاهِيم تَحْرِيم الميْتَة لَا تَحْرِيم مَا لَمْ يُذْكَر اِسْم الله عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا نَزَلَ تَحْرِيم ذَلِكَ فِي الْإِسْلَام، وَالْأَصَحّ أَنَّ الْأَشْيَاء قَبْل الشَّرْع لَا تُوصَف بِحِلٍّ وَلَا بِحُرْمَةٍ، مَعَ أَنَّ الذَّبَائِح لَهَا أَصْل فِي تَحْلِيل الشَّرْع، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى نُزُول الْقُرْآن.
٢ - قال ابن حجر: وَقَوْله إِنَّ زَيْدًا فَعَلَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ، أَوْلَى مِنْ قَوْل الدَّاوُدِيّ، إِنَّهُ تَلَقَّاهُ عَنْ أَهْل الْكِتَاب لَا سِيَّمَا وَزَيْد يُصَرِّح عَنْ نَفْسه بِأَنَّهُ لَمْ يَتَّبع أَحَدًا مِنْ أَهْل الْكِتَابَيْنِ.
عن أسامة بن زيد عن زيد بن حارثة ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ وهو مردفي إلى نصب من الأنصاب، فذبحنا له شاة ووضعناها في التنور، حتى إذا نضجت، استخرجناها، فجعلناها في سفرتنا، ثم أقبل رسول الله ﷺ يسير وهو مردفي في أيام الحر من أيام مكة، حتى إذا كنا بأعلى الوادي، لقي فيه زيد بن عمرو بن نفيل، فحيا أحدهما الآخر بتحية الجاهلية، فقال له رسول الله ﷺ : ما لي أرى قومك قد شنفوك؟ قال: أما والله إن ذلك لتغير ثائرة كانت مني إليهم، ولكني أراهم على ضلالة، قال: فخرجت أبتغي هذا الدين، حتى قدمت على أحبار يثرب، فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي، فخرجت، حتى أقدم على أحبار أيلة، فوجدتهم يعبدون الله ولا يشركون به فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي، فقال لي حبر من أحبار الشام: إنك تسأل عن دين ما نعلم أحدًا يعبد الله به، إلا شيخًا بالجزيرة، فخرجت حتى قدمت، إليه فأخبرته الذي خرجت له فقال: إن كل من رأيته في ضلالة إنك تسأل عن دين هو دين الله ودين ملائكته، وقد خرج في أرضك نبي أو هو خارج يدعو إليه ارجع إليه وصدقه، وأتبعه وآمن بما جاء به فرجعت فلم أحسن شيئًا بعد، فأناخ رسول الله ﷺ البعير الذي كان تحته، ثم قدمنا إليه السفرة التي كان فيها الشواء
стр. 4417
فقال: ما هذه؟ فقلنا هذه شاة ذبحناها لنصب كذا وكذا فقال: إني لآكل ما ذبح لغير الله وكان صنمًا من نحاس يقال له أساف ونائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﷺ وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله ﷺ : لا تمسه قال زيد: فطفنا فقلت في نفسي لأمسنه حتى أنظر ما يقول، فمسحته، فقال رسول الله: ألم تنه؟ قال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلمت صنمًا حتى أكرمه الله بالذي أكرمه، وأنزل عليه الكتاب، ومات زيد بن عمرو بن نفيل قبل أن يبعث فقال رسول الله ﷺ يأتي يوم القيامة أمة وحده. (١)
٣ - وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاض فِي الِمْلَّة المُشْهُورَة فِي عِصْمَة الْأَنْبِيَاء قَبْل النبوة، إِنَّهَا كَالمُمْتَنِعِ لِأَنَّ النَّوَاهِي إِنَّمَا تَكُون بَعْد تَقْرِير الشَّرْع، وَالنَّبِيّ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى الصَّحِيح، فَعَلَى هَذَا فَالنَّوَاهِي إِذَا لَمْ تَكُنْ موجودة فَهِيَ مُعْتَبَرَة فِي حَقّه. وَالله أَعْلَمُ. فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْل الْآخَر فَالجوَاب عَنْ قَوْله: "ذَبَحْنَا شَاة عَلَى بَعْض الْأَنْصَاب" يَعْنِي الْحِجَارَة الَّتِي لَيْسَتْ بِأَصْنَامٍ وَلَا معبودة، إِنَّمَا هِيَ مِنْ آلَات الْجَزَّار الَّتِي يَذْبَح عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ النُّصُب فِي الْأَصْل حَجَر كَبِير، فَمِنْهَا مَا يَكُون عِنْدهمْ مِنْ جُمْلَة الْأَصْنَام فَيَذْبَحُونَ لَهُ وَعَلَى اِسْمه، وَمِنْهَا مَا لَا يُعْبَد بَلْ يَكُون مِنْ آلَات الذَّبْح فَيَذْبَح الذَّابِح عَلَيْهِ لَا لِلصَّنَمِ، أَوْ كَانَ اِمْتِنَاع زَيْد مِنْهَا حَسْمًا لِلمادَّةِ (٢).
* * *
стр. 4418
٥ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ اعترف أنه ليس رسول الله .
نص الشبهة:
يتهمون النبي ﷺ أنه اعترف بأنه ليس رسول الله كما في قصة صلح الحديبية؛ حيث قال لعلي ﵁: "امْحُهُ" أي: امح محمد رسول الله.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: المعنى الصحيح للحديث .
الوجه الثاني: محمد رسول الله ﷺ وإن كره الكافرون.
الوجه الثالث: الفوائد التي عادت على المسلمين بكتابة هذه المصالحة.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: المعنى الصحيح للحديث.
عن الْبَرَاء بْنَ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: لمَّا صَالَحَ رَسُولُ الله ﷺ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ كَتَبَ عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بَيْنَهُمْ كِتَابًا فَكَتَبَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله فَقَالَ المُشْرِكُونَ: لَا تَكْتُبْ مُحَمَّد رَسُولُ الله لَوْ كُنْتَ رَسُولًا لَمْ نُقَاتِلْكَ فَقَالَ لِعِليٍّ: "امْحُهُ" فَقَالَ عِليٌّ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ فَمَحَاهُ رَسُولُ الله ﷺ بِيَدِهِ وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ هُوَ وَأَصْحَاُبهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَا يَدْخُلُوهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ فَسَأَلُوهُ مَا جُلُبَّانُ السِّلَاحِ؟ فَقَالَ: "الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ". (١)
وفى رواية: "لمَّا أُحْصِرَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ الْبَيْتِ صَالحَهُ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا فَيْقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ: السَّيْفِ وَقِرَابِهِ وَلَا يَخْرُجَ بِأَحَدٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا يَمْنَعَ أَحَدًا يَمْكُثُ بِهَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ". (٢)
وقال عمر ﵁ في رواية: يَا رَسُولَ الله: أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ: "بلَى"، قَالَ: أَليْسَ قَتْلَانَا فِي الجنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّار؟ قَالَ: "بَلَى"، قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ وَلمَّا يَحْكُمِ الله بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: "يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ الله وَلَنْ يُضَيِّعَنِي الله أَبَدًا"، قَالَ:
стр. 4419
فَانْطَلَقَ عُمَرُ فَلَمْ يَصْبِرْ مُتَغَيِّظًا فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَليْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّار؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ وَلمَّا يَحْكُمِ الله بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ: إِنَّهُ رَسُولُ الله وَلَنْ يُضَيِّعَهُ الله أَبَدًا قَالَ فَنزلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ بِالْفَتْحِ فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَوْ فَتْحٌ هُو؟ قَالَ: "نَعَمْ "فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَرَجَعَ. (١)
وقد ذكرت هذه الروايات لأبين بعض الأمور:
أولًا: أن الشوكة كانت في هذا الصلح للمشركين، لذلك تساهل النبي ﷺ في كلمة (مُحَمَّد رَسُولُ الله) من باب المصلحة؛ وليس لأنه ليس رسول الله.
ثانيًا: في رد رسول الله ﷺ على عمر إثبات رسالته إذ قال لعمر: "إِنِّي رَسُولُ الله"، فالمحو ليس محو معنى الرسالة، وإنما محو الكتابة في المصالحة فقط.
ثالثًا: أنه قد يكون الأمر شرًّا في الظاهر لكنه في باطنه خير، فقد كان صلح الحديبية فتحًا للمسلمين، كما قال تعالي: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ (الفتح: ١).
قال الزهري: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس كلم بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. (٢)
قال النووي: وفيه - أي في الحديث - أن للإمام أن يعقد الصلح على ما رآه مصلحة للمسلمين وإن كان لا يظهر ذلك لبعض الناس في بادئ الرأي. وفيه احتمال المفسدة اليسيرة لدفع أعظم منها أو لتحصيل مصلحة أعظم منها إذا لم يمكن ذلك إلا بذلك.
وهذا في محو النبي ﷺ لكلمة (مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله).
وأما قول علي ﵁: (مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ) وهدْا الذي فعله علي ﵁ من باب الأدب
стр. 4420
المستحب لأنه لم يفهم من النبي ﷺ تحتيم محو علي بنفسه، ولهذا لم ينكر. ولو حتم محوه بنفسه لم يجز لعلي تركه ولما أقره النبي ﷺ على المخالفة. (١)
الوجه الثاني: محمد وسول الله وإن كره الكافرون .
قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: ٢٩).
والآيات في ذلك كثيرة.
وقال ﷺ : "إِنِّي رَسُولُ الله وَلَنْ يُضيِّعَنِي الله أَبَدًا". (٢)
وقال ﷺ : "أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ". (٣)
الوجه الثالث: الفوائد التي عادت على المسلمين بكتابة هذه المصالحة .
قال ابن حجر: قال الزهري: إنما كان القتال حيث التقي الناس ولما كانت الهدنة ووضعت الحرب وأمن الناس كلم بعضهم بعضًا والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة ولم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا في تلك المدة إلا دخل فيه ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر يعني؛ من صناديد قريش ومما ظهر من مصلحة الصلح المذكور غير ما ذكره الزهري أنه كان مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي دخل الناس عقبة في دين الله أفواجًا، وكانت الهدنة مفتاحًا لذلك ولما كانت قصة الحديبية مقدمة للفتح سميت فتحًا. (٤)
وقد أورد ابن القيم فَصْلٌ فِي الْإِشَار إلَى بَعْضِ الْحِكَمِ الّتِي تَضَمّنَتْهَا هَذه الْهُدْنَةُ: وَهِيَ أَكْبْرُ وَأَجَلّ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهَا إلَّا الله الّذِي أَحْكَمَ أَسْبَابَهَا فَوَقَعَتْ الْغَايَةُ عَلَى الْوَجْهِ الّذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وَحَمْدُهُ.
فَمِنْهَا: أَنّهَا كَانَتْ مُقَدّمَةً بَيْنَ يَدَيْ الْفَتْحِ الْأَعْظَمِ الّذِي أَعَزّ الله بِهِ رَسُولَهُ وَجُنْدَهُ وَدَخَلَ النّاسُ بِهِ فِي دِينِ الله أَفْوَاجًا فَكَانَتْ هَذه الْهُدْنَةُ بَابًا لَهُ وَمِفْتَاحًا وَمُؤْذِنًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهَذ عَادَةُ الله سُبْحَانَهُ فِي الْأُمُورِ الْعِظَامِ الّتِي يَقْضِيهَا قَدَرًا وَشَرْعًا أَنْ يُوَطّئَ لَهَا بَيْنَ يَدَيْهَا مُقَدّمَاتٍ وَتَوْطِئَاتٍ تُؤْذِنُ بِهَا وَتَدُلّ عَلَيْهَا.
٦ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ كان شاعرًا .
نص الشبهة:
قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (يس: ٦٩) (١)، والحديث الذي يوهم ظاهره التعارض مع الآية: ما ورد عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ في بَعْضِ المشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ: "هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصبَعٌ دَمِيتِ، وَفِى سَبِيلِ الله مَا لَقِيتِ" (٢).
فظاهر الآية الكريمة يدل على أن النبي ﷺ يكن شاعرًا وما علمه، وظاهر الحديث يدل على أن النبي ﷺ أنشد شعرًا وتغنى به، كيف يستقيم ذلك؟
الرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: تفسير الآية .
الوجه الثاني: الأحاديث الواردة في ذلك.
الوجه الثالث: أقوال العلماء وتوجيهاتهم للأحاديث ودفع توهم التعارض.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تفسير الآية.
يقول الله جل ذكره: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (يس: ٦٩)، أي: وما علَّمنَّا محمدًا الشعر، وما ينبغي له أن يكون شاعرًا (٣)، وما هو في طبعه، فلا يحسنه ولا يحبه، ولا تقتضيه جبلته، ولهذا وَرَدَ أنه ﷺ كان لا يحفظ بيتًا على وزنٍ منتظم، بل إن أنشده زَحَّفه أو لم يتمه (٤).
﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ وما يصح له ولا يليق بحاله، ولا يتطلب لو طلبه؛ أي: جعلناه بحيث لو
стр. 4425
أراد قرض الشعر لم يتأتَ له، ولم يتسهل، كما جعلناه أُمِّيًا لا يهتدي إلى الخط لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض. (١)
الوجه الثاني: بعض الأحاديث الواردة في ذلك .
١ - ما رُوي عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ في بَعْضِ المُشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ: "هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ، وَفِى سَبِيلِ الله مَا لَقِيتِ". (٢)
٢ - وبما رُوي عَنِ المقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ: قِيلَ لَهَا هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَمَثَّلُ بشيء مِنَ الشَّعْرِ قالتْ: كان يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ ابْنِ رَوَاحَة وَيَتَمَثَّلُ وَيَقُولُ: "وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ". (٣)
٣ - ما روى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ: لَكِنْ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَفِرَّ، كَانَتْ هَوَازِنُ رُمَاةً، وَإِنَّا لمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِنم انْكَشَفُوا، فَأَكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ، فَاسْتُقْبِلْنَا بِالسِّهَامِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الحارِثِ آخِذٌ بِزِمَامِهَا وَهُوَ يَقُولُ: "أَنَا النبي لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ المطَّلِبْ". (٤)
الوجه الثالث: أقوال العلماء وتوجيهاتهم للأحاديث ودفع توهم التعاوض .
سلك المفسرون والعلماء مسالك تصب كلها في مصب واحد، وهو الاتفاق وعدم التعارض بينها على أن النبي ﷺ لم ينشد أو يتغنَّ بالشعر.
قال ابن العربي: وَقَدْ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا بِأَنَّ مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مِنْ مَوْزُونِ الْكَلَامِ لَا يُعَدُّ شِعْرًا، وَإِنَّمَا يُعَدُّ مِنْهُ مَا يَجْرِي عَلَى وَزْنِ الشِّعْرِ وَمَعَ الْقَصْدِ إلَيْهِ.
ففي الحديث قَولهُ: "هَلْ أَنْتَ إلَّا إصْبَعٌ دَمِيَتْ، وَفي سَبِيلِ الله مَا لَقِيت".
قُلْنَا: إنَّمَا يَكُونُ هَذَا شِعْرًا مَوْزُونًا إذَا كُسِرَتْ التَّاءُ مِنْ دَمِيَتْ وَلَقِيت، فَإِنْ سُكِّنَتْ لَمْ يَكُنْ شِعْرًا بِحَالٍ؛ لِأَنَّ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ عَلَى هَذه الصِّفَةِ تَكُونُ فَعُولٌ، وَلَا مَدْخَلَ لِفَعُولٍ فِي
стр. 4426
بَحْرِ السَّرِيعِ، وَلَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهَا سَاكِنَةَ التَّاءِ أَوْ مُتَحَرِّكَةَ التَّاءِ مِنْ غَيْرِ إشبَاعٍ. (١)
كان رسول الله ﷺ لا يقول الشعر ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلًا كسر وزنه، وإنما كان يحرز المعاني فقط ﷺ ، من ذلك أنه أنشد يومًا قول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك من لم تزوده بالأخبار. (٢)
قال ابن العربي: قَالَ الْأَخْفَشُ: إنَّ هَذَا لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَرَوَى ابْنُ المظَفَّرِ عَنْ الْخَلِيلِ فِي كِتَابِ الْعَيْنِ: إنَّ مَا جَاءَ مِنْ السَّجْعِ عَلَى جُزْأَيْنِ لَا يَكُونُ شِعْرًا. (٣) كما في قوله ﷺ : "أنا النبي .. " وَرَوَى غَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ مَنْهُوكِ الرَّجَزِ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لَا يَكُونُ شِعْرًا، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ لَا يَكُونُ مَنْهُوكَ رَجَزٍ إلَّا بِالْوَقْفِ عَلَى الْيَاءِ مِنْ قَوْلِك: لَا كَذِبْ، وَمنْ قَوْلِهِ: عَبْدُ المطَّلِبِ، وَلَمْ يُعْلَمْ كَيْفَ قَالَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَالْأَظْهَرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ قَالَ: لَا كَذِبٌ بِتَنْوِينِ الْبَاءِ مَرْفُوعَةً وَبِخَفْضِ الْبَاءِ مِنْ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَلَى الْإِضَافَةِ. (٤)
وقال ابن حجر: وقد اختلف في جواز تمثل النبي ﷺ بشيء من الشعر، وأنشده حاكيًا عن غيره، فالصحيح جوازه، وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد، والترمذي وصححه، والنسائي من رواية المقدام بن شريح عن أبيه قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان يتمثل من شعر ابن رواحة: ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود، وقد تقدم في غزوة حنين قوله ﷺ : "أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب" وأنه دل على جواز وقوع الكلام منه منظومًا من غير قصد إلى ذلك ولا يسمى ذلك شعرًا. (٥)
قال القرطبي: فيه أربع مسائل:
الأولى: أخبر تعالى عن حال نبيه ﷺ ورد قول من قال من الكفار إنه شاعر وإن القرآن شعر بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾، وكذلك كان رسول الله ﷺ لا يقول الشعر
стр. 4427
ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلًا كسر وزنه، وإنما كان يحرز المعاني فقط ﷺ ومن ذلك أنه أنشد يومًا قول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك من لم تزوده بالأخبار
وأنشد يومًا وقد قيل له: مَنْ أشعر الناس؟ فقال: الذي يقول:
ألم ترياني كلما جئت طارقًا ... وجدت بها وإن لم تطيب طيبًا
وعن الخليل بن أحمد: كان الشعر أحب إلى رسول الله ﷺ من كثير من الكلام، ولكن لا يتأتى له.
الثانية: إصابته الوزن أحيانًا لا يوجب أنه يعلم الشعر، وكذلك ما يأتي أحيانًا من نثر كلامه ما يدخل في وزنه كقوله يوم حنين وغيره، والمعول عليه في الانفصال على تسليم أن هذا شعر، ويسقط الاعتراض، ولا يلزم منه أن يكون النبي ﷺ عالمًا بالشعر ولا شاعر، أن التمثل بالبيت النزر وإصابة القافيتين من الرجز وغيره، لا يوجب أن يكون قائلها عالمًا بالشعر، ولا يسمى شاعرًا باتفاق العلماء، كما أن من خاط خيطًا لا يكون خياطًا.
قال الزجاج: معنى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ وما علمناه أن يشعر، أي: ما جعلناه شاعرًا، وهذا لا يمنع أن ينشد شيئًا من الشعر قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في هذا. (١)
قال ابن العربي: هذه الآية ليست من عيب الشعر كما لم يكن قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (العنكبوت: ٤٨) من عيب الكتابة، فلا لم تكن الأمية من عيب الخط، كذلك لا يكون نفي النظم عن النبي ﷺ من عيب الشعر. (٢)
قال ابن عبد البر: وقد ورد عنه ﷺ أنه قال في بعض جراحاته:
هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
وقال النبي ﷺ : "أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب."
وقال ﷺ : "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة"
стр. 4428
ومثل هذا كثير عنه ﷺ وعن أصحابه ﵁، وهذا دليل على أن السجع كلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، وكذلك الشعر كلام منظوم، فالحسن منه حسن وحكمة، والقبيح منه ومن المنثور غير جائز النطق به. (١)
وقال النووي: واتفقوا على أن الشعر لا يكون شعرًا إلا بالقصد، أما إذا جرى كلام موزون بغير قصد فلا يكون شعرًا، وعليه يحمل ما جاء عن النبي ﷺ من ذلك؛ لأن الشعر حرام عليه ﷺ . (٢)
وقال في موضع آخر: واستدل بعض العلماء بهذا الحديث: "لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا" (٣) على كراهة الشعر مطلقًا قليله وكثيره، وإن كان لا فحش فيه وتعلق بقوله ﷺ خذوا الشيطان، وقال العلماء كافة هو مباح ما لم يكن فيه فحش ونحوه، قالوا وهو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وهذا هو الصواب فقد سمع النبي ﷺ الشعر واستنشده وأمر به حسان في هجاء المشركين، وأنشده أصحابه بحضرته في الأسفار وغيرها، وأنشده الخلفاء وأئمة الصحابة وفضلاء السلف ولم ينكره أحد منهم على إطلاقه؛ وإنما أنكروا المذموم منه وهو الفحش ونحوه (٤).
وقال الطبري: وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: وما علمنا محمدًا ﷺ الشعر وما ينبغي له أن يكون شاعرًا، كما حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ قال: قيل لعائشة: هل كان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس فيجعل آخره أوله وأوله آخره، فقال له أبو بكر: إنه ليس هكذا فقال نبي الله: إني والله ما أنا
стр. 4429
بشاعر ولا ينبغي لي (١).
وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾ يقول تعالى ذكره: ما هو إلا ذكر يعني بقوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: محمد إلا ذكر لكم أيها الناس، ذكركم الله بإرساله إياه إليكم ونبهكم به على حظكم: ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ يقول: وهذا الذي جاءكم به محمد قرآن مبين؛ يقول: يبين لمن تدبره بعقل ولب أنه تنزيل من الله أنزله إلى محمد وأنه ليس بشعر ولا سجع كاهن. كما حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة: ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ قال: هذا القرآن. (٢)
وقال أبو السعود: وقوله: "هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت" فمن قبيل الاتفاقات الواردة من غير قصد إليها وعزم على ترتيبها. (٣)
ونخلص من ذلك إلى أن النبي ﷺ كان لا ينشد شعرًا، ولا ينبغي له ذلك وإنه كان يحرز المعاني، ولا يقصد شعرًا، وعدم مطابقة كلامه قواعد وأوزان الشعر والرجز؛ فإن إقامة الشعر لا يَخلو الشاعر فيها من أن يتصرف في ترتيب الكلام تارات بما لا تقضيه الفصاحة، مثل ما وقع لبعض الشعراء من التعقيد اللفظي، ومثل تقديم وتأخير على خلاف مقتضى الحال؛ فيعتذر لوقوعه بعذر الضرورة الشعرية. (٤)
فمن هنا يتضح لنا عدم التعارض - وليس هناك تعارض - بين الآية الكريمة والأحاديث الواردة سالفًا، والتي قد دفع وجه وهم تعارضها، إذًا فلا تعارض على الإطلاق بينهما، والله أعلم.
стр. 4430
٧ - شبهة: إنكارهم لحديث سحر النبي ﷺ -.
نص الشبهة:
إنكارهم لحديث سحر النبي ﷺ ، وقد اعترضوا على ذلك من وجوه:
١ - تضعيفهم للحديث بأن هشامًا قد انفرد ولم يسمع من أبيه وقد اختلط.
٢ - الحديث آحاد فلا يحتج به.
٣ - أن سحر النبي ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ مخالف لحماية الله له.
٤ - أن سحر النبي ﷺ مخالف لنفي القرآن السحر عنه.
٥ - أنه لو سحر لصح قول الكفار عنه ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾.
٦ - إن سحر النبي ﷺ مخالف لمقام النبوة.
ومن خلال هذه الاستدلالات يتبين أن أصحاب هذه الشبهة فرق شتى دخل فيهم بعض المسلمين - زعمًا منهم - أنهم يدافعون عن رسول الله ﷺ ، ولكن الحق أحق أن يتبع، وأن نبين للناس أجمعين الحق في هذه المسألة.
ولذا كان الرد على هذه الاعتراضات من وجوه:
الوجه الأول: تعريف السحر، وحقيقته، وصنوف السحرة، وأنواع السحر، وأصوله.
الوجه الثاني: تخريج حديث السحر، والرد على تضعيفهم لبعض رواته، وشرح الحديث.
الوجه الثالث: الرد على قولهم أن سحر النبي ﷺ مخالف للقرآن في نفيه السحر عنه ﷺ .
الوجه الرابع: الرد على قولهم إن سحر النبي ﷺ يخالف قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.
الوجه الخامس: الرد على قولهم إن حديث السحر يقدح في مقام النبوة.
الوجه السادس: الرد على قولهم إنه حديث آحاد.
الوجه الرابع: ماذا حدث للمسيح من الشيطان؟ .
وإليك التفصيل
стр. 4431
الوجه الأول: بيان حقيقة السحر:
السحر كل ما لطف مأخذه ودق والسِّحْرُ عَمَلٌ تُقُرِّبَ فيه إِلى الشيطان وبمعونة منه كل ذلك الأَمر كينونة للسحر، ومن السحر الأُخْذَةُ التي تأْخُذُ العينَ حتى يُظَنَّ أَن الأَمْرَ كما يُرَى وليس الأَصل على ما يُرى والسِّحْرُ الأُخْذَةُ وكلُّ ما لَطُفَ مَأْخَذُه ودَقَّ فهو سِحْر والجمع أَسحار وسُحُور وسَحَرَه يَسْحَرُه سَحْرًا وسِحْرًا وسَحَّرَه ورجلٌ ساحِرٌ من قوم سَحَرَةٍ وسُحَّارٍ وسَحَّارٌ من قوم سَحَّارِينَ ولا يُكَسَّرُ والسِّحْرُ البيانُ في فِطْنَةٍ كما جاء في الحديث إِن قيس بن عاصم المِنْقَرِيَّ والزَّبْرِقانَ بنَ بَدْرٍ وعَمْرَو بنَ الأَهْتَمِ قدموا على النبي ﷺ فسأَل النبيُّ ﷺ عَمْرًا عن الزِّبْرِقانِ فأَثنى عليه خيرًا فلم يرض الزبرقانُ بذلك وقال والله يا رسول الله ﷺ إِنه ليعلم أَنني أَفضل مما قال ولكنه حَسَدَ مكاني منك فَأَثْنَى عليه عَمْرٌو شرًّا ثم قال والله ما كذبت عليه في الأُولى ولا في الآخرة ولكنه أَرضاني فقلتُ بالرِّضا ثم أَسْخَطَنِي فقلتُ بالسَّخْطِ فقال رسول الله ﷺ إِن من البيان لَسِحْرًا. (١)
وأَصل السِّحْرِ صَرْفُ الشيء عن حقيقته إِلى غيره فكأَنَّ الساحر لما أَرَى الباطلَ في صورة الحق وخَيَّلَ الشيءَ على غير حقيقته قد سحر الشيء عن وجهه أَي صرفه قال العرب إنما سمي السحر سحرًا لأنه يزيل الصحة إلى المرض وإنما يقال سحره أي أزاله عن البغض إلى الحب (٢)
السحر يطلق على معان:
الأول: ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها نحوما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (طه: ٦٦)، وقوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ (الأعراف: ١١٦) ومن هناك سموا موسى ساحرا وقد يستعين في ذلك بما يكون فيه خاصية كالحجر الذي يجذب الحديد المسمى المغناطيس.
الثاني: ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من التقرب إليهم وإلى ذلك الإشارة
стр. 4432
بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
مسألة في ذكر الاختلاف في إثبات السحر، وأنه حقيقة لا خيال:
واختلف في السحر فقيل هو تخييل فقط ولا حقيقة له وهذا اختيار أبي جعفر الاسترباذي من الشافعية وأبي بكر الرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري وطائفة.
قال ابن حجر: قال النووي: والصحيح أن له حقيقة وبه قطع الجمهور وعليه عامة العلماء ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة (١).
لكن محل النزاع هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟ فمن قال أنه تخييل فقط منع ذلك ومن قال أن له حقيقة اختلفوا هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعًا من الأمراض أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانًا مثلًا وعكسه؟
فالذي عليه الجمهور هو الأول وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلَّم وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف.
فإن كثيرًا ممن يدعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه ونقل الخطابي أن قومًا أنكروا السحر مطلقًا وكأنه عني القائلين بأنه تخييل فقط وإلا فهي مكابرة.
وقال المازري: جمهور العلماء على إثبات السحر وأن له حقيقة ونفى بعضهم حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة وهو مردود لورود النقل بإثبات السحر ولأن العقل لا ينكر أن الله قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق أو تركيب أجسام أو مزج بين قوى على ترتيب مخصوص.
وقد دل قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ وحديث عائشة على تأثير السحر وأن له حقيقة وقد أنكر ذلك طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وقالوا: إنه لا تأثير للسحر البتة لا في مرض ولا قتل ولا حل ولا عقد قالوا وإنما ذلك تخيل لأعين الناظرين لا حقيقة له سوى ذلك وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف
стр. 4433
واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث وأرباب القلوب من أهل التصوف وما يعرفه عامة العقلاء والسحر الذي يؤثر مرضًا وثقلًا وحلًا وعقدًا وحبًا وبغضًا وتزينًا وغير ذلك من الآثار موجود تعرفه عامة الناس وكثير منهم قد علمه ذوقًا بما أصيب به منه وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ دليل على أن هذا النفث يضر المسحور في حال غيبته عنه ولو كان الضرر لا يحصل إلا بمباشرة البدن ظاهرًا كما يقوله هؤلاء لم يكن للنفث ولا للنفاثات شر يستعاذ منه وأيضًا فإذا جاز على الساحر أن يسحر جميع أعين الناظرين مع كثرتهم حتى يروا الشيء بخلاف ما هو به مع أن هذا تغير في إحساسهم فما الذي يحيل تأثيره في تغيير بعض أعراضهم وقواهم وطباعهم وما الفرق بين التغيير الواقع في الرؤية والتغيير في صفة أخرى من صفات النفس والبدن؟
فإذا غير إحساسه حتى صار يرى الساكن متحركًا والمتصل منفصلًا والميت حيًا فما المحيل لأن يغير صفات نفسه حتى يجعل المحبوب إليه بغيضًا والبغيض محبوبًا وغير ذلك من التأثيرات.
وقد قال تعالى عن سحرة فرعون إنهم ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (الأعراف: ١١٦) فبين سبحانه أن أعينهم سحرت وذلك إما أن يكون لتغيير حصل في المرئي وهو الحبال والعصي مثل أن يكون السحرة استعانت بأرواح حركتها وهي الشياطين فظنوا أنها تحركت بأنفسها وهذا كما إذا جر من لا يراه حصيرًا أو بساطًا فترى الحصير والبساط ينجر ولا ترى الجار له مع أنه هو الذي يجره فهكذا حال الحبال والعصي التبستها الشياطين فقلبتها كتقلب الحية فظن الرائي أنها تقلبت بأنفسها والشياطين هم الذين يقلبونها وإما أن يكون التغيير حدث في الرائي حتى رأي الحبال والعصي تتحرك وهي ساكنة في أنفسها ولا ريب أن الساحر يفعل هذا وهذا فتارة يتصرف في نفس الرأي وإحساسه حتى يرى الشيء بخلاف ما هو به وتارة يتصرف في المرئي باستعانته بالأرواح الشيطانية حتى يتصرف فيها.
стр. 4434
وأما ما يقوله المنكرون من أنهم فعلوا في الحبال والعصي ما أوجب حركتها ومشيها مثل الزئبق وغيره حتى سعت فهذا باطل من وجوه كثيرة فإنه لو كان كذلك لم يكن هذا خيالا بل حركة حقيقية ولم يكن ذلك سحرًا لأعين الناس ولا يسمى ذلك سحرًا بل صناعة من الصناعات المشتركة وقد قال تعالى ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (طه: ٦٦)، ولو كانت تحركت بنوع حيلة كما يقوله المنكرون لم يكن هذا من السحر في شيء ومثل هذا لا يخفى، وأيضًا لو كان ذلك بحيلة كما قال هؤلاء لكان طريق إبطالها إخراج ما فيها من الزئبق وبيان ذلك المحال ولم يحتج إلى إلقاء العصا لابتلاعها وأيضًا فمثل هذه الحيلة لا يحتاج فيها إلى الاستعانة بالسحرة بل يكفي فيها حذاق الصناع ولا يحتاج في ذلك إلى تعظيم فرعون للسحرة وخضوعه لهم ووعدهم بالتقريب والجزاء وأيضًا فإنه لا يقال في ذلك إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فإن الصناعات يشترك الناس في تعلمها وتعليمها وبالجملة فبطلان هذا أظهر من أن يتكلف رده فلنرجع إلى المقصود فصل شر الحاسد إذا حسد. (١)
وقد يستشكل بعضهم أن يكون للسحر تأثير حقيقي وذلك لسببين.
الأول: كون السحر بحد ذاته حقيقة ثابتة إذ هو فيما يتوهمه البعض أمر مناف بقضية التوحيد.
الثاني: أن يقال أن رسول الله ﷺ قد سحر فذلك مما يحط (في وهمهم) من منصب النبوة ويشكك الناس فيها، والحقيقة أنه لا إشكال في الأمر البته.
أما الجواب عن الوهم الأول فهو أن اعتبار السحر حقيقة ثابتة لا يعني كونه مؤثرًا بذاته بل هو كقولنا السم له مفعول حقيقي ثابت والدواء له مفعول حقيقي ثابت فهذا الكلام صحيح لا ينكر غير أن هذا التأثير في هذه الأمور الثابتة إنما هو الله تعالى وقد قال الله تعالى عن السحر ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١٥٢) وقد نفى الله عن السحر التأثير الذاتي ولكنه أثبت له في نفس الوقت مفعولًا ونتيجة بإذن الله تعالى.
стр. 4435
وأما الجواب عن الوهم الثاني: فهو أن السحر الذي أصيب به ﷺ إنما كان متسلطًا عن جسده وظواهر جوارحه كما هو معروف لا على عقله وقلبه واعتقاده فمعاناته من آثاره كمعاناته من آثار أي مرض من الأمراض التي تعرض لها الجسم البشري ومعلوم أن عصمة الرسول ﷺ لا يستلزم سلامته من الأمراض والأعراض البشرية المختلفة.
وهو كما حصل للمريض عند شدة الحمى فمن الأعراض الطبيعية لذلك أن تطوف بالذهن أخيلة وأوهام غير حقيقية لشدة وطأة الحرارة والأمر في ذلك واشتباهه من الأعراض البشرية التي يستوي فيها الأنبياء والرسل مع غيرهم من الناس. (١)
قال المازري: والصحيح من جهة العقل أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك ... والآية ليست نصًا في منع الزيادة ولو قلنا أنها ظاهرة في ذلك. (٢)
وأنواع السحر ثمانية:
الأول: سحر الكذابين والكشدانيين الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة وهي السيارة وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم وأنها تأتي بالخير والشر وهم الذين بعث الله تعالى إليهم إبراهيم الخليل ﷺ مبطلًا لمقالتهم ورادً لمذهبهم.
الثاني: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية.
الثالث: من السحر الاستعانة بالأرواح الأرضية وهم الجن خلافًا للفلاسفة والمعتزلة وهم على قسمين مؤمنون وكفار وهم الشياطين.
الرابع: من السحر التخيلات والأخذ بالعيون والشعبذة ومبناه على أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره.
الخامس: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب آلات مركبة.
السادس: الاستعانة بخواص الأدوية.
стр. 4436
السابع: التعليق للقلب وهو أن يدعي الساحر أنه عرف الاسم الأعظم وأن الجن يعطونه وينقادون له في أكثر الأمور.
الثامن: السعي بالنميمة والتقريب من وجوه خفيفة لطيفة وذلك شائع في الناس. (١)
وأصول السحر ثلاثة:
الأول: زجر النفوس بمقدمات توهيمية وإرهابية بما يعتاده الساحر من التأثير النفساني في نفسه ومن الضعف في نفس المسحور ومن سوابقَ شاهدَها المسحور واعتقدها فإذا توجه إليه الساحر سُخر له وإلى هذا الأصل الإشارة بقوله تعالى في ذكر سحرة فرعون ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ (الأعراف: ١١٦).
الثاني: استخدام مؤثرات من خصائص الأجسام من الحيوان والمعدن وهذا يرجع إلى خصائص طبيعية كخاصية الزئبق ومن ذلك العقاقير المؤثرة في العقول صلاحًا أو فسادًا والمفترة للعزائم والمخدرات والمرقدات على تفاوت تأثيرها، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى في سحرة فرعون: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ (طه: ٦٩).
الثالث: الشعوذة واستخدام خفايا الحركة والسرعة والتموج حتى يخيل الجماد متحركًا وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (طه: ٦٦).
هذه أصول السحر بالاستقراء. (٢)
والنفوس الساحرة على مراتب ثلاثة يأتي شرحها:
فأولها: المؤثرة بالهمة فقط من غير آلة ولا معين، وهذا هو الذي تسميه الفلاسفة السحر.
وثانيها: بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواص الأعداد، ويسمونه الطلسمات، وهو أضعف رتبة من الأولى.
والثالث: تأثير في القوى المتخيلة. يعمد صاحب هذا التأثير إلى القوى المتخيلة، فيتصرف فيها بنوع من التصرف ويلقي فيها أنواعًا من الخيالات والمحاكاة وصورًا مما يقصده من ذلك،
стр. 4437
ثم ينزلها إلى الحس من الرئين بقوة نفسه المؤثرة فيه، فينظرها الراؤون كأنها في الخارج، وليس هناك شيء من ذلك، كما يحكى عن بعضهم أنه يري البساتين والأنهار والقصور وليس هناك شيء من ذلك. ويسمى هذا عند الفلاسفة الشعوذة أو الشعبذة.
واعلم أن وجود السحر لا مرية فيه بين العقلاء من أجل التأثير الذي ذكرناه، وقد نطق به القرآن. قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١٥٢). وسُحر رسول الله ﷺ ، حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، وجعل سحره في مشط ومشاقة وجف طلعة ودفن في بئر ذروان، فأنزل الله عليه في المعوذتين: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. قالت عائشة ﵂: فكان لا يقرأ على عقدة من تلك العقد التي سحر فيها إلا انحلت. (١)
الوجه الثاني: تخريج الحديث، والرد على من ضعفه .
قال الإمام البخاري في صحيحه: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُحِرَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدِي دَعَا الله وَدَعَاهُ ثُمَّ قَالَ: أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ الله قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ قُلْتُ وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ الله قَالَ جَاءَنِي رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيُّ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ، قَالَ فِيمَا ذَا قَالَ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ قَالَ فَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي بئْرِ ذِي أَرْوَانَ قَالَ فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِئْرِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا نَخْلٌ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: وَالله لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَفَأَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: "لَا، أَمَّا أَنَا
стр. 4438
فَقَدْ عَافَانِيَ الله وَشَفَانِي وَخَشِيتُ أَنْ أَثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا وَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ". (١)
وعند البخاري (٢) من طريق عيينة عن ابن جريج قال: حدثني آل عروة عن عروة، فسألت هشامًا عنه فحدثنا عن أبيه عن عائشة به.
قال ابن حجر: وظاهره أن غير هشام أيضًا رواه عن عروة، وقد جاء تابعًا لعروة عن عائشة (٣).
وأخرج البيهقي في دلائل النبوة: من طريق سلمة بن حبان عن يزيد عن هارون أخبرنا محمد بن عبيد الله عن أبي بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة وذكرت الحديث في بعض الاختلافات، فانظر هناك. (٤)
قال الألباني: وهذا إسناد ضعيف جدًّا، وعلته محمد بن عبيد الله العزرمي وهو متروك، أما سلمة بن حبان فذكره ابن حبان في ثقاته، وقد روى عنه جمع من الرواة الثقات. (٥)
وقد روى الحديث عن غير عائشة ﵂ رواه جمع من الصحابة والتابعين مرفوعًا ومرسلًا، فروى عن أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، وابن عباس، وروي من مرسل سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم ويحيى بن يعمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجماعة غيرهم.
أما حديث زيد بن أرقم: فأخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٣٦٧)، والنسائي في سننه (٧/ ١١٣: ١١٢)، وعبد بن حميد في مسنده (٢٧١)، والطحاوي في المشكل (٤٧٨٩)، والطبراني في الكبير (٥٠١٦: ٥٥١٣) من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن يزيد بن حبان عن زيد بن أرقم بنحوه مع اختلاف في الألفاظ.
стр. 4439
قال الألباني: هذا إسناد صحيح كما قال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء وهو على شرط مسلم، رجاله رجال الشيخين سوى يزيد هذا، فهو من رجال مسلم، ولم يخرج له البخاري. (١)
قلت: هذا الإسناد فيه عنعنة الأعمش وهو ثقة كثير التدليس، ولم يصرح بالسماع، وليس يزيد ممن تسامح العلماء في عنعنة الأعمش عنه كإبراهيم النخعي وأبي صالح السمان وأبي وائل كما ذكرهم الذهبي في ميزان الاعتدال. (٢)
وقد خالف أبا معاوية في الأعمش جماعة هم:
سفيان الثوري، وأخرج حديثه ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٥٣)، وشيبان عند الطبراني (٥٠١٢، ٥٠١١)، وجرير عند الحاكم (٤/ ٣٦١: ٣٦٠)، فرووه عن الأعمش عن ثمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم به.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد أعقبه الذهبي ﵀ فقال: لم يخرجا لثمامة شيئًا وهو صدوق.
قال الشيخ الألباني ﵀: بل هو ثقة كما قال الذهبي نفسه في الكاشف تبعًا لابن معين والنسائي، وكذا قال الحافظ في التقريب فالسند صحيح. (٣)
وقال أيضًا: وأبو معاوية هو محمد بن حازم الضرير، قال الحافظ في التقريب ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقال أيضًا: وهذا مما منعنا من الحكم على إسناده بالشذوذ لمخالفته للثقات الثلاثة المتقدمين، فالظاهر أن الأعمش له فيه شيخين عن زيد بن أرقم، والله أعلم. (٤)
حديث عبد الله بن عباس ﵁ -:
فأخرجه ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٥٣)، البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٢٤٨)، وذكر السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٦٨٧) أن ابن مردويه رواه من طريق عكرمة عن ابن
стр. 4440
عباس ﵁ بدون إسناد. أما الإسناد الأول عند ابن سعد ففيه جويبير وهو أبو القاسم البلخي، ذكره الحافظ في التقريب وقال: ضعيف جدًّا. (١)
وهذا كاف لتضعيف الإسناد، إلا أنه فيه الضحاك وإن كان ثقة، إلا أنه لم يسمع من ابن عباس شيئًا، وذكر ابن أبي حاتم في المراسيل في ترجمته كلامًا، انظر ترجمته (١٤٩/ ٨٥) أما إسناد البيهقي ففيه محمد بن السائب هو الكلبي، قال الحافظ في التقريب (٢): متهم بالكذب، رمى بالرفض، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل. (٣)
أما حديث أنس بن مالك ﵁ فذكره السيوطي في الدر المنتثور نقلًا عن ابن مردويه بدون إسناد. (٤)
الأحاديث المرسلة:
١ - مرسل سعيد بن المسيب: أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٩٧٦٤)، والطبري (١/ ٤٦٠) من طريق الزهري عن ابن المسيب وعروة بن الزبير، وذكر الحديث.
قلت: وهذا الأثر سنده صحيح إلى ابن المسيب، إلا أنه مرسل وسعيد لم يدرك النبي ﷺ ، وكذلك عروة. أما قول الزهري: وكان النبي ﷺ يقول فيما بلغنا سحرني يهود بني زريق، فهذا ضعيف أيضًا، لأن مرسلات الزهري واهية وضعيفة جدًّا. (٥)
٢ - مرسل يحيى بن يعمر: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٩٧٦٥) عن يعمر عن عطاء الخراساني عن يحيى بن يعمر.
٢ - مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى: أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث (١/ ٢٣٢)، وكذا ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٥٥).
٤ - مرسل زيد بن أسلم: ذكره السيوطي في الدر المنثور نقلًا عن مسند عبد بن حميد (٨/ ٦٨٧).
стр. 4441
الرد على تضعيفهم لهشام بن عروة
الرواة حديث السحر عن هشام بن عروة .
١ - يحيى بن سعيد القطان البصري عند البخاري (٦/ ٢٧٦) وأحمد (٦/ ٥٠) وابن جرير (٢/ ٤٣٧).
٢ - عيسى وهو ابن يونس الكوفي عند البخاري (٦/ ٣٣٤) و (١٠/ ٢٢١) والنسائي في الكبرى (٤/ ٣٨٠) وإسحاق (٢/ ٦٨) وعند ابن حبان (٨/ ١٩٤) من تقريب الإحسان وقال البخاري (جـ ١٠ صـ ٢٢١) تابعة أبو أسامة وأبو ضمرة وابن أبي الزناد عن هشام وقال الليث وابن عيينة. عن هشام.
٣ - ابن جريج المكي عند البخاري (١٥/ ٢٣٢).
٤ - أبو أسامة وهو حماد بن أسامة الكوفي عند البخاري (١٠/ ٢٣٥) وعند مسلم (١٤/ ١٧٨) وعند أحمد (٦/ ٦٣) وعند أبي يعلى (٨/ ٩٠).
٥ - سفيان بن عيينة الكوفي نزيل مكة عند البخاري (١٠/ ٤٧٩)، وعند الحميدي (١/ ١٢٥)، وابن حزم (١١/ ٤٠٠)، وقال: هذا خبر صحيح، والشافعي كما في المسند (٢/ ١٩٦).
٦ - أبو ضمرة أنس بن عياض المدني عند البخاري (٢/ ١٩٢)، والبيهقي في دلائل النبوة (٩/ ٢٤٧) والبغوى في شرح السنة (٦/ ٢٧٩).
٧ - عبد الله بن نمير الكوفي عند مسلم (١٤/ ١٧٤)، وابن ماجة (٢/ ١١٧٣)، وعند أحمد (٦/ ٥٧)، وعند ابن أبي شيبة (٨/ ٣٠)، وابن جرير (٢/ ٤٣٧)، وعند ابن حبان (٨/ ١٩٤) من تقريب الإحسان.
٨ - مَعمر بن راشد البصري نزيل اليمن عند أحمد (٦/ ٦٣).
٩ - وهيب وهو خالد البصري عند أحمد (٦/ ٩٦)، وعند ابن سعد (٢/ ٤).
١٠ - عبد الرحمن بن أبي الزناد المدني كما ذكره البخاري معلقًا (١٠/ ٢٢١)، قال الحافظ في الفتح ولم أعرف من وصلها.
١١ - الليث بن سعد المصري عند البخاري (٧/ ١٤٥) مع الفتح معلقًا، قال الحافظ في الفتح (٧/ ١٤٥) رويناه موصولًا في نسخة عيسى بن حماد رواية أبي بكر بن أبي داود. اهـ.
стр. 4442
١٢ - مُرجى بن رجاء البصري ذكره الحافظ في تغليق التعليق (٥/ ٤٩)، وعزاه في الفتح إلى الطبراني.
١٣ - حماد بن سلمة البصري ذكره الحافظ في تغليق التعليق (٥/ ٤٩).
١٤ - علي بن مُسْهِر في مشكل الآثار للطحاوي (١٥/ ١٧٩).
فأنت ترى أن الحديث قد رواه جماعة عن هشام بن عروة منهم البصري، ومنهم الكوفي، ومنهم المكي، ومنهم المدني، ومنهم المصري، وناهيك بحديث من رواية يحيى بن سعيد القطان وهو في غاية من التحري، وهذا الحديث لم ينتقده محدث وهم الحجة لا أصحاب الأهواء فإنهم أعداء السنن.
وهشام بن عروة تكلم بعضهم فيما حدَّث بالعراق وأنه حدَّث عن أبيه بما لم يسمع منه وهذا منفي هنا فإنه قد صرح بالتحديث عن أبيه وقد قال أبو الحسن بن القطان: إن هشامًا اختلط فقال الحافظ في (تهذيب التهذيب) ولم نر له في ذلك سلفًا.
وقال الحافظ الذهبي في (ميزان الاعتدال): هشام بن عروة أحد الأعلام. حجة إمام، لكن في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبدًا، ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان من أنه وسهيل بن أبي صالح اختلطا، وتغيرا. نعم الرجل تغير قليلًا ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة، فنسى بعض محفوظه أو وهم، فكان ماذا! أهو معصوم من النسيان!
ولما قدم العراق في آخر عمره حدث بجملة كثيرة من العلم، في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجودها، ومثل هذا يقع لمالك ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات، فدع عنك الخبط وذر خلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلطين، فهشام شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك يا بن القطان، وكذا قول عبد الرحمن بن خراش: كان مالك لا يرضاه، نقم عليه حديثه لأهل العراق، قدم الكوفة ثلاث مرات: قدمة كان يقول حدثنى أبي، قال: سمعت عائشة. والثانية فكان يقول: أخبرني أبي عن عائشة. وقدم الثالثة فكان يقول: أبي، عن عائشة - يعنى يرسل عن أبيه.
стр. 4443
وذكر الحافظ في الفتح: أنه جاء عَمرة عن عائشة فإن ثبت حديث عمرة عن عائشة فيزداد الحديث قوة وإلا فالحديث صحيح والحمد لله ثم وجدته في دلائل النبوة للبيهقي (٧/ ٩٢) وفي سنده سلمة ابن حبان البصري ترجمه ابن ماكولا وقال: روى عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل ويوسف بن يعقوب القاضي اهـ.
وترجمه ابن أبي حاتم وقال: روى عنه علي بن الحسين بن الجنيد ولم يذكر أنه وثقه معتبر فعلى هذا فهو مستور الحال يصلح حديثه في الشواهد والمتابعات (١).
قال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: هشام بن عروة أحب إليك عن أبيه أو الزهري؟ فقال: كلاهما، ولم يفضل.
قال يحيى بن سعيد: قال هشام ابن عروة: جلست في مجلس فيه مجمع من قريش فحدثت بحديث فأنكره علي بعضهم، فقلت: أنا سمعته من أبي، فممن سمعته أنت؟ فلم يكن عنده حجة. قال يحيى: رأيت مالك بن أنس في النوم فسألته عن هشام بن عروة، فقال: أما ما حدث به وهو عندنا فهو - أي كأنه يصححه -، وما حدث به بعدما خرج من عندنا، فكأنه يوهنه.
وقال محمد بن سعد: كان ثقة ثبتًا كثير الحديث حجة. (٢)
وقال العجلي: كان ثقة.
وقال أبو حاتم: ثقة، إمام في الحديث.
وقال يعقوب بن شيبة: ثبت، ثقة، لم ينكر عليه شيء إلا بعدما صار إلى العراق فإنه انبسط في الرواية عن أبيه، فأنكر ذلك عليه أهل بلده، والذي يرى أن هشاما يسهل لأهل العراق أنه كان لا يحدث عن أبيه إلا بما سمعه منه فكان تسهله أنه أرسل عن أبيه مما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه.
стр. 4444
ذكره ابن حبان في الثقات وقال كان متقنًا ورعًا فاضلًا حافظًا، وقال ابن شاهين في الثقات: قال يحيى بن سعيد هشام بن عروة عن عبد الرحمن بن القاسم مكي عن مكي وقال الآجري عن أبي داود لما حدث هشام بن عروة بحديث أم زرع هجره أبو الأسود يتيم عروة وقال العقيلي قال ابن لهيعة كان أبو الأسود يعجب من حديث هشام عن أبيه وربما مكث سنة لا يكلمه.
قال أبو الأسود لم يكن أحد يرفع حديث أم زرع غيره. وقال أبو الحسن بن القطان: تغير قبل موته وقال ابن حجر ولم نر له في ذلك سلفًا. وقال بن حجر ثقة فقيه ربما دلس.
شرح الحديث
سحر النبي ﷺ حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، وهكذا في جميع الروايات وجاء في رواية سفيان بن عيينة حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن هكذا رواها عبد الله بن محمد عنه كما في البخاري. (١)
ورواه الحميدي عنه بلفظ (ليخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهم) كما في مسنده (٢).
ورواية سفيان موضحة ومبينة للرواية الأخرى وفي مرسل سعيد بن المسيب (حتى كاد ينكر بصره).
وكانت مدة السحر ستة أشهر كما في رواية معمر بن راشد عند أحمد وذكر الحافظ أن في رواية أبي ضمرة عند الإسماعيلي (فأقام أربعين ليلة) وجمع الحافظ بينهما بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه والأربعين يومًا من استحكامه. (٣)
(أُشعرت) أي أُعلمت، وهي رواية ابن عيينة (أفتاني فيما استفتيته)
قال الحافظ: في رواية الحميدي "أفتاني في أمر استفتيته فيه" أي أجابني فيما دعوته، فأطلق على الدعاء استفتاء لأن الداعي طالب والمجيب مفت، أو المعنى أجابني بما سألته
стр. 4445
عنه، لأن دعاءه كان أن يطلعه الله على حقيقة ما هو فيه لما اشتبه عليه من الأمر. (١)
"جاءني رجلان" في رواية معمر عند أحمد ومرجي بن رجاء عند الطبراني كلاهما عن هشام (آتاني ملكان) وجاء في حديث زيد بن أرقم أن أحدهما جبريل ووقع في رواية أخرى ضعيفة عن ابن سعد في الطبقات. (٢)
(ما وجع الرجل) وفي رواية ابن عيينة "ما بال الرجل"؟ وفيه إشارة إلى أن ذلك وقع في المنام، إذ لو جاءا إليه في اليقظة لخاطباه وسألاه. ويحتمل أن يكون كان بصفة النائم وهو يقظان، فتخاطبا وهو يسمع. وأطلق في رواية عمرة عن عائشة أنه كان نائما، وكذا في رواية ابن عيينة عند الإسماعيلي "فانتبه من نومه ذات يوم" وهو محمول على ما ذكرت، وعلى تقدير حملها على الحقيقة فرؤيا الأنبياء وحي. (٣)
قلت: قد وقع في رواية معمر عند أحمد أيضًا (فاستيقظ النبي ﷺ من نومه) (مطبوب) قال الحافظ (مطبوب) أي مسحور يقال طب الرجل بالضم إذا سحر يقال: كنوا عن السحر بالطب تفاؤلا كما قالوا للديغ سليم. (٤)
وقال ابن الأنباري: فما نقله الحافظ عنه (الطب من الأضداد يقال لعلاج الداء طب والسحر من الداء ويقال له طب).
وقال أبو عبيد: طُبَّ أي سُحر. (٥)
وقال القرطبي: فيما نقله عنه الحافظ في الفتح: إنما قيل للسحر طب لأن أصل الطب الحذق بالشيء والتفطن له، فلما كان كل من علاج المرض والسحر إنما يتأتى عن فطنة وحذق أطلق على كل منهما هذا الاسم.
стр. 4446
(مشط ومشاطة وجُفِّ طلعة ذكر): (مشط) ذكر النووي والحافظ ابن حجر أن فيهما ثلاث لغات (مِشْط، مُشْط، مُشُط). (١)
قال الحافظ: وهو الآلة المعروفة التي يسرح بها الشعر للرأس واللحية وهذا هو المشهور. (٢)
قال البخاري: يقال المشاطة ما يخرج من الشعر إذا مشط. (٣)
وقال ابن قتيبة في نقله الحافظ: المشاطة ما يخرج من الشعر الذي سقط من الرأس إذا سرح بالمشط وكذا من اللحية.
وقال ابن حجر: وهذا لا اختلاف فيه بين أهل اللغة. (٤)
أما المشاقة: فقد قال البخاري (المشاطة ما يخرج من الشعر إذا مشط والشاقة من مشاقة الكتان.
وقال ابن حجر: قيل المشاقة هي المشاطة بعينها والقاف تبدل من الطاء لقرب المخرج.
(وجُفِّ طلعة ذكر) وجُفِّ وفي بعض الروايات وجُبِّ.
قال النووي: وهما بمعنى، وهو وعاء طلع النخل، وهو الغشاء الذي يكون عليه، ويطلق على الذكر والأنثى، فلهذا قيده في الحديث بقوله: (طلعة ذكر) وهو بإضافة طلعة إلى ذكر. (٥)
قال الحافظ: ووقع في روايتنا هنا بالتنوين فيهما على أن لفظ "ذكر" صفة لجف.
ونقل الحافظ عن القرطبي: أن الذي بالفاء هو وعاء الطلع وهو للغشاء الذي يكون عليه، وبالموحدة داخل الطلعة إذا خرج منها الكفري، قاله شمر. (٦)
стр. 4447
وقد وقع في رواية ابن عيينة ومعمر ومرجي بن رجاء في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر تحت راعوفة. (أي أن المشط والمشاطة بداخل الجف).
(راعوفة) قال الحافظ: والراعوفة حجر يوضع على رأس البئر لا يستطاع قلعه يقوم عليه المستقي. وقد يكون في أسفل البئر.
قال أبو عبيد: هي صخرة تنزل في أسفل البئر إذا حفرت يجلس عليها الذي ينظف البئر، وهو حجر يوجد صلبًا لا يستطاع نزعه فيترك. (١)
(بِئْر ذِي أَرْوَان)
قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ مسلم: (ذِي أَرْوَان) وكذا وقع في بعض روايات البخاري.
وفي معظمها (ذروان) وكلاهما صحيح، والأول أجود وأصح. وادعى ابن قتيبة أنه الصواب، وهو قول الأصمعي، وهو بئر بالمدينة في بستان بني زريق. (٢)
قال ابن حجر: بأن الأصل (بِئْر ذِي أَرْوَان) ثم كثرة الاستعمال سهَّلت الهمزة فصمارت ذروان. (٣)
(لكأن ماءها نقاعة الحناء)
قال ابن حجر: أي أن بين ماء البئر بين الماء الذي ينقع فيه الحناء. قال ابن المجن: يعني أحمر. وقال الداودي. المراد الماء الذي يكون من غسالة الإناء الذي تعجن فيه الحناء. قلمت: ووقع في حديث زيد بن أرقم عند ابن سعد وصححه الحاكم "فوجد الماء وقد اخضر" وهذا يقوي قول الداودي. (٤)
(قلت يا رسول الله ﷺ أفأخرجته؟ قال: لا)
стр. 4448
هكذا في معظم الروايات أن عائشة ﵂ سألت الرسول ﷺ عن استخراج السحر وفي بعضها أجابها بـ (لا)، والبعض الآخر لم يذكر هذا الجواب ولكن قول الرسول ﷺ بعدها: "أما أنا فقد عافاني الله وشفاني وخشيت أن أثّور على الناس منه شرًّا" يدل على أنه لم يستخرجه، ووقع في رواية سفيان ومعمر أن النبي ﷺ أخرج السحر وأن سؤال عائشة كان عن النشرة.
وقد أجاب ابن المهلب فيما نقله الحافظ عنه في الفتح بجوابين عن هذا الاختلاف بين الروايات. (١)
أحدهما: أن رواية سفيان أرجح لأنها زيادة من ثقة فتكون مقبولة وأنه حفظ ما لم يحفظه غيره.
قلت: وقد تابعه معمر عند أحمد وله شاهد من حديث زيد بن أرقم ﵁.
الثاني: أن الاستخراج المنفي في رواية أبي أسامة ومن تابعه وغيره غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان. فالمثبت هو استخراج الجف، والمنفي هو استخراج ما حواه قال فكأن السر في ذلك أن لا يراه الناس فيتعلمه من أراد استعمال السحر.
فالنظر في هذا الحديث في مقامين:
المقام الأول: ملخص الحديث أنه ﷺ في فترة من عمره ناله مرض خفيف ذكرت عائشة أشد أعراضه بقولها (حتى كان يرى أنه يأتي أهله ولا يأتيهم) وفي رواية (حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن) وفي أخرى (يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله) والرواية الأولى فيما يظهر أصح الروايات فالأخريان محمولتان عليها.
قال ابن حجر: قال بعض العلماء. لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك. وإنما يكون من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت.
стр. 4449
أقول: وفي سياق الحديث ما يشهد لهذا فإن فيه شعوره ﷺ بذلك المرض ودعاءه ربه أن يشفيه.
فالذي يتحقق دلالة الخبر عليه أنه ﷺ كان في تلك الفترة يعرض له خاطر أنه قد جاء لعائشة وهو ﷺ عالم أنه يجئها ولكنه كان يعاوده ذلك الخاطر على خلاف عادته فتأذَّى ﷺ من ذلك وليس في حمل الحديث على هذا تعسف ولا تكلف. (١)
المقام الثاني: حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال: "أشعرت يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه"، "أتاني رجلان" أي ملكان كما في رواية أخرى في صورة رجلين فقال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل؟ قال مطبوب قال ومن طبه؟ قال لبيد بن الأعصم: قال في أي شيء؟ قال في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر. قال: فأين هو؟ قال في بئر ذي أروان) فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه فجاء قلت يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: "قد عافاني الله فكرهت أن أثور على الناس منه شرًّا فأمرت بها فدفنت".
ومحصل هذا أن لبيد بن الأعصم أراد إلحاق ضرر بالنبي ﷺ فعمل عملًا في مشط ومشاطة ... إلخ فهل من شأن ذلك أن يؤثر؟ قد يقال: لا، ولكن إذا شاء الله تعالى خلق الأثر وعقبه والأقرب أن يقال: نعم بإذن الله والإذن هنا خاص وبيانه أن الأفعال التي من شأنها أن تؤثر ضربان.
الضرب الأول: ما أذن الله تعالى بتأثيره إذنًا مطلقًا ثم إذا شاء منعه وذلك كالاتصال بالنار مأذون فيه بالإحراق إذنًا مطلقًا فلما أراد الله تعالى منعه قال: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى﴾ (الأنبياء: ٦٩).
الضرب الثاني: مما هو ممنوع من التأثير منعًا مطلقًا فإذا اقتضت الحكمة أن يمكن من التأثير رفع المنع فيؤثر وقوله تعالى في السحر: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١٠٢) يدل أنه من الضرب الثاني وأن المراد بالإذن: الإذن الخاص والحكمة في
стр. 4450
مصلحة الناس تقتضي هذا، والواقع في شئونهم يشهد وإذا كان هذا حاله فلا غرابة في خفاء وجه التأثير علينا.
الوجه الثالث: الرد على قولهم أن سعر النبي ﷺ مخالف للقرآن فما نفيه السعر عنه ﷺ -.
أقول: كان المشركون يعلمون أنه لا مساغ لأن يزعموا أنه ﷺ يفتري -أي يتعمد - الكذب على الله فيما يخبر به عنه، ولا لأنه يكذب في ذلك مع كثرته غير عامد، فلجأوا إلى محاولة تقريب هذا الثاني. بزعم أن له اتصالًا بالجن، وأن الجن يلقون إليه ما يلقون فيصدقهم ويخبر الناس بما ألقوه إليه، هذا مدار شبهتهم، وهو مرادهم بقولهم: (به جنة). مجنون. كاهن. ساحر. مسحور. شاعر، كانوا يزعمون أن للشعراء قرناء من الجن تلقي! ليهم الشعر فزعموا أنه شاعر أي أن الجن تلقي إليه كما تلقى إلى الشعراء ولم يقصدوا أنه يقول الشعر. أو أن القرآن شعر.
إذ عرف هذا فالمشركون أرادوا بقولهم ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أن أمر النبوة كله سحر- وأن ذلك الشيء عن الشياطين استولوا عليه - بزعمهم - يلقون إليه القرآن ويأمرونه ويفهمونه فيصدقهم في ذلك كله ظانًا أنه إنما يتلقى من الله وملائكته. ولا ريب أن الحال التي ذكر في الحديث عروضها له ﷺ لفترة خاصة ليست هي هذه التي زعمها المشركون، ولا هي من قبلها في شيء من الأوصاف المذكورة إذن تكذيب القرآن وما زعمه المشركون لا يصح أن يؤخذ منه نفيه لما في الحديث.
فإن قيل قد أطلق لي تلك الحالة أنها سحر، ففي الحديث عن عائشة "سحر رسول الله ﷺ " والسحر من الشياطين، وقد قال الله تعالى للشيطان ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢].
قلت: أما الذي أخبر به النبي ﷺ عن الملك فإنما سماها طبا كما مر في الحديث، وقد أنشد ابن فارس (١)