← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

(مشط ومشاطة وجُفِّ طلعة ذكر): (مشط) ذكر النووي والحافظ ابن حجر أن فيهما ثلاث لغات (مِشْط، مُشْط، مُشُط). (١) قال الحافظ: وهو الآلة المعروفة التي يسرح بها الشعر للرأس واللحية وهذا هو المشهور. (٢) قال البخاري: يقال المشاطة ما يخرج من الشعر إذا مشط. (٣) وقال ابن قتيبة في نقله الحافظ: المشاطة ما يخرج من الشعر الذي سقط من الرأس إذا سرح بالمشط وكذا من اللحية. وقال ابن حجر: وهذا لا اختلاف فيه بين أهل اللغة. (٤) أما المشاقة: فقد قال البخاري (المشاطة ما يخرج من الشعر إذا مشط والشاقة من مشاقة الكتان. وقال ابن حجر: قيل المشاقة هي المشاطة بعينها والقاف تبدل من الطاء لقرب المخرج. (وجُفِّ طلعة ذكر) وجُفِّ وفي بعض الروايات وجُبِّ. قال النووي: وهما بمعنى، وهو وعاء طلع النخل، وهو الغشاء الذي يكون عليه، ويطلق على الذكر والأنثى، فلهذا قيده في الحديث بقوله: (طلعة ذكر) وهو بإضافة طلعة إلى ذكر. (٥) قال الحافظ: ووقع في روايتنا هنا بالتنوين فيهما على أن لفظ "ذكر" صفة لجف. ونقل الحافظ عن القرطبي: أن الذي بالفاء هو وعاء الطلع وهو للغشاء الذي يكون عليه، وبالموحدة داخل الطلعة إذا خرج منها الكفري، قاله شمر. (٦)

стр. 4447

وقد وقع في رواية ابن عيينة ومعمر ومرجي بن رجاء في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر تحت راعوفة. (أي أن المشط والمشاطة بداخل الجف). (راعوفة) قال الحافظ: والراعوفة حجر يوضع على رأس البئر لا يستطاع قلعه يقوم عليه المستقي. وقد يكون في أسفل البئر. قال أبو عبيد: هي صخرة تنزل في أسفل البئر إذا حفرت يجلس عليها الذي ينظف البئر، وهو حجر يوجد صلبًا لا يستطاع نزعه فيترك. (١) (بِئْر ذِي أَرْوَان) قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ مسلم: (ذِي أَرْوَان) وكذا وقع في بعض روايات البخاري. وفي معظمها (ذروان) وكلاهما صحيح، والأول أجود وأصح. وادعى ابن قتيبة أنه الصواب، وهو قول الأصمعي، وهو بئر بالمدينة في بستان بني زريق. (٢) قال ابن حجر: بأن الأصل (بِئْر ذِي أَرْوَان) ثم كثرة الاستعمال سهَّلت الهمزة فصمارت ذروان. (٣) (لكأن ماءها نقاعة الحناء) قال ابن حجر: أي أن بين ماء البئر بين الماء الذي ينقع فيه الحناء. قال ابن المجن: يعني أحمر. وقال الداودي. المراد الماء الذي يكون من غسالة الإناء الذي تعجن فيه الحناء. قلمت: ووقع في حديث زيد بن أرقم عند ابن سعد وصححه الحاكم "فوجد الماء وقد اخضر" وهذا يقوي قول الداودي. (٤) (قلت يا رسول الله ﷺ أفأخرجته؟ قال: لا)

стр. 4448

هكذا في معظم الروايات أن عائشة ﵂ سألت الرسول ﷺ عن استخراج السحر وفي بعضها أجابها بـ (لا)، والبعض الآخر لم يذكر هذا الجواب ولكن قول الرسول ﷺ بعدها: "أما أنا فقد عافاني الله وشفاني وخشيت أن أثّور على الناس منه شرًّا" يدل على أنه لم يستخرجه، ووقع في رواية سفيان ومعمر أن النبي ﷺ أخرج السحر وأن سؤال عائشة كان عن النشرة. وقد أجاب ابن المهلب فيما نقله الحافظ عنه في الفتح بجوابين عن هذا الاختلاف بين الروايات. (١) أحدهما: أن رواية سفيان أرجح لأنها زيادة من ثقة فتكون مقبولة وأنه حفظ ما لم يحفظه غيره. قلت: وقد تابعه معمر عند أحمد وله شاهد من حديث زيد بن أرقم ﵁. الثاني: أن الاستخراج المنفي في رواية أبي أسامة ومن تابعه وغيره غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان. فالمثبت هو استخراج الجف، والمنفي هو استخراج ما حواه قال فكأن السر في ذلك أن لا يراه الناس فيتعلمه من أراد استعمال السحر. فالنظر في هذا الحديث في مقامين: المقام الأول: ملخص الحديث أنه ﷺ في فترة من عمره ناله مرض خفيف ذكرت عائشة أشد أعراضه بقولها (حتى كان يرى أنه يأتي أهله ولا يأتيهم) وفي رواية (حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن) وفي أخرى (يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله) والرواية الأولى فيما يظهر أصح الروايات فالأخريان محمولتان عليها. قال ابن حجر: قال بعض العلماء. لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك. وإنما يكون من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت.

стр. 4449

أقول: وفي سياق الحديث ما يشهد لهذا فإن فيه شعوره ﷺ بذلك المرض ودعاءه ربه أن يشفيه. فالذي يتحقق دلالة الخبر عليه أنه ﷺ كان في تلك الفترة يعرض له خاطر أنه قد جاء لعائشة وهو ﷺ عالم أنه يجئها ولكنه كان يعاوده ذلك الخاطر على خلاف عادته فتأذَّى ﷺ من ذلك وليس في حمل الحديث على هذا تعسف ولا تكلف. (١) المقام الثاني: حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال: "أشعرت يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه"، "أتاني رجلان" أي ملكان كما في رواية أخرى في صورة رجلين فقال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل؟ قال مطبوب قال ومن طبه؟ قال لبيد بن الأعصم: قال في أي شيء؟ قال في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر. قال: فأين هو؟ قال في بئر ذي أروان) فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه فجاء قلت يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: "قد عافاني الله فكرهت أن أثور على الناس منه شرًّا فأمرت بها فدفنت". ومحصل هذا أن لبيد بن الأعصم أراد إلحاق ضرر بالنبي ﷺ فعمل عملًا في مشط ومشاطة ... إلخ فهل من شأن ذلك أن يؤثر؟ قد يقال: لا، ولكن إذا شاء الله تعالى خلق الأثر وعقبه والأقرب أن يقال: نعم بإذن الله والإذن هنا خاص وبيانه أن الأفعال التي من شأنها أن تؤثر ضربان. الضرب الأول: ما أذن الله تعالى بتأثيره إذنًا مطلقًا ثم إذا شاء منعه وذلك كالاتصال بالنار مأذون فيه بالإحراق إذنًا مطلقًا فلما أراد الله تعالى منعه قال: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى﴾ (الأنبياء: ٦٩). الضرب الثاني: مما هو ممنوع من التأثير منعًا مطلقًا فإذا اقتضت الحكمة أن يمكن من التأثير رفع المنع فيؤثر وقوله تعالى في السحر: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١٠٢) يدل أنه من الضرب الثاني وأن المراد بالإذن: الإذن الخاص والحكمة في

стр. 4450

مصلحة الناس تقتضي هذا، والواقع في شئونهم يشهد وإذا كان هذا حاله فلا غرابة في خفاء وجه التأثير علينا. الوجه الثالث: الرد على قولهم أن سعر النبي ﷺ مخالف للقرآن فما نفيه السعر عنه ﷺ -. أقول: كان المشركون يعلمون أنه لا مساغ لأن يزعموا أنه ﷺ يفتري -أي يتعمد - الكذب على الله فيما يخبر به عنه، ولا لأنه يكذب في ذلك مع كثرته غير عامد، فلجأوا إلى محاولة تقريب هذا الثاني. بزعم أن له اتصالًا بالجن، وأن الجن يلقون إليه ما يلقون فيصدقهم ويخبر الناس بما ألقوه إليه، هذا مدار شبهتهم، وهو مرادهم بقولهم: (به جنة). مجنون. كاهن. ساحر. مسحور. شاعر، كانوا يزعمون أن للشعراء قرناء من الجن تلقي! ليهم الشعر فزعموا أنه شاعر أي أن الجن تلقي إليه كما تلقى إلى الشعراء ولم يقصدوا أنه يقول الشعر. أو أن القرآن شعر. إذ عرف هذا فالمشركون أرادوا بقولهم ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أن أمر النبوة كله سحر- وأن ذلك الشيء عن الشياطين استولوا عليه - بزعمهم - يلقون إليه القرآن ويأمرونه ويفهمونه فيصدقهم في ذلك كله ظانًا أنه إنما يتلقى من الله وملائكته. ولا ريب أن الحال التي ذكر في الحديث عروضها له ﷺ لفترة خاصة ليست هي هذه التي زعمها المشركون، ولا هي من قبلها في شيء من الأوصاف المذكورة إذن تكذيب القرآن وما زعمه المشركون لا يصح أن يؤخذ منه نفيه لما في الحديث. فإن قيل قد أطلق لي تلك الحالة أنها سحر، ففي الحديث عن عائشة "سحر رسول الله ﷺ " والسحر من الشياطين، وقد قال الله تعالى للشيطان ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]. قلت: أما الذي أخبر به النبي ﷺ عن الملك فإنما سماها طبا كما مر في الحديث، وقد أنشد ابن فارس (١)

стр. 4451

فإن كنت مطبوبًا فلا زالت هكذا وإن كنت مسحورًا فلا برأ السحر. وأقل ما يدل عليه هذا أن الطب أخص من السحر، وأن من الأنواع التي يصاب بها الإنسان ويطلق عليها سحر ما يقال له "طب" وما لا يقال "طب" وعلى كل حال فالذي ذكر في الحديث ليس من نوع ما زعمه المشركون، ولا هو من ملابسة الشيطان، وإنما هو أثر النفس الساحر وفعله، وقد قدمت أن وقوع أثر ذلك نادر فلا غرابة في خفاء تفسيره. وهذا يغني عما تقدم. (١) وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم فالحديث متلقى بالقبول بينهم لا يختلفون في صحته وقد اعترض عليه كثير من أهل الكلام وغيرهم وأنكروه أشد الإنكار وقابلوه بالتكذيب وصنف بعضهم فيه مصنفًا مفردًا حمل فيه على هشام وكان غاية ما أحسن القول فيه أن قال غلط واشتبه عليه الأمر ولم يكن من هذا شيء قال: لأن النبي ﷺ لا يجوز أن يسحر فإنه يكون تصديقًا لقول الكفار ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧] وهذا كما قال فرعون لموسى ﵇ ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١]. وقال قوم صالح له ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣)﴾ [الشعراء: ١٥٣]. وقال قوم شعيب له ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥)﴾ [الشعراء: ١٨٥]. قالوا: فالأنبياء لا يجوز عليهم أن يسحروا فإن ذلك ينافي حماية الله لهم وعصمتهم من الشياطين وهذا الذي قاله هؤلاء مردود عند أهل العلم فإن هشامًا من أوثق الناس وأعلمهم ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رد حديثه فما للمتكلمين وما لهذا الشأن وقد رواه غير هشام عن عائشة ﵂.

стр. 4452

وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث ولم يتكلم فيه أحد من أهل العلم بكلمة واحدة والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله ﷺ وأيامه من المتكلمين. (١) وأما الآيات التي استدلوا بها لا حجة فيها . أما قوله تعالى عن الكفار أنهم قالوا ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧] وقول قوم صالح له ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣)﴾ [الشعراء: ١٥٣] فقيل المراد به من له سحر وهي الرئة أي أنه بشر مثلهم يأكل ويشرب ليس بملك ليس المراد به السحر وهذا جواب غير مرض وهو في غاية البعد فإن الكفار لم يكونوا يعبرون عن البشر بمسحور ولا يعرف هذا في لغة من اللغات وحيث أرادوا هذا المعنى أتوا بصريح لفظ البشر، فقالوا: ما أنتم إلا بشر مثلنا أنؤمن لبشر مثلنا أبحث الله بشرا رسولا وأما المسحور فلم يريدوا به ذا السحر وهي الرئة وأي مناسبة لذكر الرئة في هذا الموضع ثم كيف يقول فرعون لموسى إني لأظنك يا موسى مسحورا أفتراه ما علم أنه له سحرا وأنه بشر ثم كيف يجيبه موسى بقوله ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾ [الإسراء: ١٠٢] ولو أراد بالمسحور أنه بشر لصدقه موسى وقال نعم أنا بشر أرسلني الله إليك كما قالت الرسل لقومهم لما قالوا لهم إن أنتم إلا بشرا مثلنا فقالوا إن نحن إلا بشرًا مثلكم ولم ينكروا ذلك فهذا الجواب في غاية الضعف وأجابت طائفة منهم ابن جرير وغيره بأن المسحور هنا هو معلم السحر الذي قد علمه إياه غيره فالمسحور عنده بمعنى ساحر أي عالم بالسحر وهذا جيد إن ساعدت عليه اللغة وهو أن من علم السحر يقال له مسحور ولا يكاد هذا يعرف في الاستعمال ولا في اللغة وإنما المسحور من سحره غيره كالمطبوب والمضروب والمقتول وبابه. وأما من علم السحر فإنه يقال له ساحر بمعنى أنه عالم بالسحر وإن لم يسحره غيره كما قال قوم فرعون لموسى ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ [الشعراء: ٣٤] ففرعون قذفه

стр. 4453

بكونه مسحورا وقومه قذفوه بكونه ساحرا فالصواب هو الجواب الثالث وهو جواب صاحب الكشاف وغيره إن المسحور على بابه وهو من سحر حتى جن فقالوا مسحور مثل مجنون زائل العقل لا يعقل ما يقول فإن المسحور الذي لا يتبع هو الذي فسد عقله بحيث لا يدري ما يقول فهو كالجنون ولهذا قالوا فيه معلم مجنون فأما من أصيب في يده بمرض من الأمراض يصاب به الناس فإنه لا يمنع ذلك من اتباعه وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان وإنما قذفوهم بما يحذرون به سفهاءهم من اتباعهم وهو أنهم قد سحروا حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون بمنزلة المجانين ولهذا قال تعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾ [الإسراء: ٤٨] مثلوك بالشاعر مرة والساحر أخرى والمجنون مرة والمسحور أخرى فضلوا في جميع ذلك ضلال من يطلب في تيهه وتحيره طريقا يسلكه فلا يقدر عليه فإن أي طريق أخذها فهي طريق ضلال وحيرة فهو متحير في أمره لا يهتدي سبيلا ولا يقدر على سلوكها فهكذا حال أعداء رسول الله معه حتى ضربوا له أمثالا برأه الله منها وهو أبعد خلق الله منها وقد علم كل عاقل أنها كذب وافتراء وبهتان. والله قادر على كل شيء على شفاء من يشاء من غير سبب والسحر من الأسباب التي يحصل بها الضرر وقد نال الرسول المعصوم ﷺ ذلك الضرر وهو القدوة والأسوة قوله وفعله صلوات الله وسلامه عليه شرع وتنهج لأمته. وقد بين الله تعالى له بواسطة الملكين سبب وجعه ومادته ومكانه وقد قال ﷺ : "أشعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفاني "أو" أعلمت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه" أو نحو ذلك. وهذه الألفاظ توحي بإزالة السبب ليزول المسبب وهي الفتوى التي فيها الشفاء وقد بادر العبد الرسول ﷺ بإتيانها وإخراجها وحلها ليبطل تأثيرها وهذا مما لا يخفى حيث أن الأثر يزول بزوال مؤثره إذا كان مرتبطًا به كأثر المغناطيس في الجذب والبرودة في الثلج ونحو ذلك مما لا يزول أثره إلا بإزالته أو بأن يمنع من أثره مؤثر أقوى منه.

стр. 4454

وأيضًا ما قيمة إخبار الرسول ﷺ بمادة السحر ومكانه إذا لم يكن لإخراجه واتلافه معنى وقيمة، ثم إن حصول الشفاء للرسول ﷺ من ذلك الضرر من غير سلوك أسبابه قهرًا لأعدائه ﷺ وإظهارًا لحماية الله تعالى وعصمته من كيد أعدائه كما يكون ذلك في حالة عدم تأثير السحر عليه لكن الله كما ابتلى رسوله ﷺ بتأثير السحر عليه لم يميزه بإزالة الأثر من غير تعاطي الأسباب وهو العليم الحكيم والشرع العليم لتكون القدرة للأمة بنبيها ﷺ وقد أنزل الله المعوذتين لهذا السبب لطلب الالتجاء إلى الله تعالى بالدعاء ليحميه من أسباب الشر والضرر لأنه القادر على منع ذلك فالتعوذ بهاتين السورتين عبادة لله تعالى وسبب للوقاية من الأضرار والحمد لله رب العالمين. (١) الوجه الرابع: أن حديث سحر النبي ﷺ يخالف قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ . والرد على ذلك نقول: أنه كلام حق أريد به باطل: فهذا استدلال واهٍ جدًّا وهو استدلال بالمتشابه من المعاني فقوله ﵎: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ حق وصدق يجب الإيمان به كسائر آيات الله ولكن الإيمان لا يكمُل إلا إذا فُسِّر القرآن تفسيرًا صحيحًا مجردًا عن الأهواء والأغراض والتعصب المذهبي. أولًا: هذه الآية نزلت حينما كان النبي ﷺ يقوم على حراسته - وهو سعد بن أبي وقاص - بعض أصحابه ولو كان في المعركة فأنزل الله عليه هذه الآية وهو في كوخ صغير متواضع وبجانبه أحد أصحابه فلما نزلت هذه الآية صرفه وتلاها عليه ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أي أن الله يعصمه من الناس أن يقتلوه قبل أن يتمكن من أن يقوم بواجب التبليغ لدعوة ربه. إن سحر الأنبياء لا ينافي حماية الله تعالى لهم فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم فيبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم ليستوجبوا كمال كرامته وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس فرأوا ما جرى على الرسل

стр. 4455

والأنبياء صبروا ورضوا وتأسوا بهم ولتمتليء صاع الكفار فيستوجبون ما أعد لهم من النكال العاجل والعقوبة الآجلة فيمحقهم بسبب بغيهم وعداوتهم فيعجل تطهير الأرض منهم فهذا من بعض حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائه ورسله بإيذاء قومهم وله الحكمة البالغة والنعمة السابغة لا إله غيره ولا رب سواه، لذلك تقول السيدة عائشة ﵂ لما سئلت (هل رأى محمد ربه)؟ فقالت: لقد قَفَّ شعري مما قلت. قال: يا أم المؤمنين أليس يقول رب العالمين ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٣، ١٤] قالت ﵁: أنا أعلم الناس بذلك سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: رأيت جبريل في صورته التي خُلق فيها مرتين وله ستمائة جناح وقد سدَّ الأفق. جبريل رآه الرسول ﷺ مرتين وليس رب العالمين حيث يهم بعض الناس فيُرجعون الضمير إلى رب العالمين فالسيدة عائشة تقول: أنا أعلم الناس بذلك لأنها سألت الرسول ﷺ فأجابها بأنه لم يرى ربه وإنما رأى جبريل ﵇ مرتين في صورته الطبيعية التي خلقه الله عليها وهو لعظمته قد سدَّ الأفق. ثم تابعت السيدة عائشة ﵂ كلامها معلِّمة المسلمين لأنها من أمهات المؤمنين قالت ثلاث من حدَّثكم بهن فقد أعظم على الله الفرية: من حدَّثكم أن محمدًا ﷺ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ثم تلت قوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]. ومن حدَّثكم أن محمدًا ﷺ كان يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية ثم تلت قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]. والثالثة والآخرة - وهنا الشاهد - قالت: من حدَّثكم أن محمدًا ﷺ كتم شيئًا أُمر بتبليغه فقد أعظم على الله الفرية ثم تلت قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] أن يحولوا بينك وبين تبليغك لرسالة ربك.

стр. 4456

هذا هو معنى الحديث فليس له علاقة بتسلط بعض المشركين الأشرار على النبي ﷺ بشيء من الإيذاء كيف ومن الثابت في السيرة النبوية أن النبي ﷺ قد أُذي وشُج في رأسه في بعض الغزوات وكُسرت رباعيته فهل هذا ينافي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. الجواب: لا: لأن الآية في معناها الصحيح في وادٍ ودعوى أولئك الناس في وادٍ آخر. ثم هم يبطلون بهذا الفهم الخاطئ حديثًا صحيحًا متفق عليه بين الشيخين: أولًا: البخاري ومسلم ثم هو مما تلقته الأمة بالقبول وقد جاء له أن إسناده في غاية الصحة لأن له طرقًا كثيرة تدور كلها على هشام بن عروة عن عائشة هذا السند معروف جدًّا جدًّا عروة هو ابن أسماء أخت عائشة وهشام هو ابن عروة الابن يروي عن أبيه وأبوه يروي عن خالته عائشة. هذه القصة فأبعد ما يكون من حيث الرواية أن تكون هذه القصة غير صحيحة فهؤلاء لا يقيمون وزنًا لجمهور علماء الحديث المتكاثفة المتعاونة طيلة هذه القرون الطويلة بالعناية بحفظ السنة أن يدخل فيها ما ليس منها فهم خرجوا عن طريق المسلمين لا فرق بين فريق أهل الحديث وفريق أهل التفسير وفريق أهل الفقه فقد خالفوهم جميعًا لأن هذا الحديث قد رواه الشيخان كما علمتم في صحيحهما ثم تلقته علماء الأمة في جميع اختصاصهم من مفسرين وفقهاء ونحو ذلك تلقوه بالقبول فجاء بعضهم وإن كان هذا وأمثاله سُبق إلى مثل هذا الانحراف فخالفوا بذلك السبيل فنخشى أن يشملهم وعيد قول رب العالمين: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. لذلك يقول علماء التفسير وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ إذا كان هناك آية وفي تفسيرها قولان فلا يجوز لمن جاء في آخر الزمان أن يأتي بقول ثالث لأن هذا القول الثالث يكون بدعة في الدين ويكون مخالفًا لسبيل المؤمنين فقد فرضنا أن في آية ما قولين فمن أين جاء هذا الإنسان بقول ثالث؟

стр. 4457

ولو سلِّم بفتح هذا الباب لأصاب دين الإسلام ما أصاب دين اليهود والنصارى من تلاعب بنصوص كتابهم. كذلك نقول نحن إذا جاء الحديث وقد تلقته الأمة بالقبول بدون خلاف بينهم كأهل الاختصاص في هذا العلم فلا يجوز لأحد أن يأتي من بعدهم ليخالفهم فيقول هذا الحديث ضعيف لأنه في ذلك يكون قد خالف سبيل المؤمنين. المؤمنون اتفقوا على أحاديث واختلفوا في بعضها فما كان القسم الأول فلا يجوز المخالفة بل المخالفة خروج عن سبيل المؤمنين. إذا عرف فلا سبيل لإنكار حديث سحر النبي ﷺ بمثل ذلك الاستدلال الواه بتسليط آية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ على أن معنى أن أحدًا من البشر لا يستطيع أن يؤذي النبي ﷺ إيذاءًا بدنيا ماديًا لأن ذلك: أولًا: معناه تخطئة الأمة في تلقيهم لهذا الحديث بالقبول. ثانيًا: سيلزم من ذلك رد أحاديث كثيرة أشرنا إلى بعضها آنفا كشجِّ رأس النبي ﷺ وكسر رباعيته أيضًا هذا صحيح فهل يرد مثل ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؟ الجواب: لا: رسول الله ﷺ فيما يتعلق بطبيعته البشرية فهو كالبشر تمامًا وذلك هو صريح القرآن الكريم ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]، وفصلت: ٦) فقط هذا؟ لا: إنما مُيِّز بقوله تعالى حكاية عن قوله هو: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى آخر الآية ففيما يتعلق به ﵇ بصفة كونه بشرًا هو كسائر البشر أي يمرض ويفرح ويحزن ويضحك ويبتسم، يبكي إلى آخره ولذلك ذكر الإمام الذهبي ﵀ في ترجمة بعض الرواة حينما روى أن النبي ﷺ حينما مات تغير بعد موته بدنه أنكر ذلك في الرواية بعضهم من الناحية قال: هذا لا يليق نسبته إلى النبي ﷺ فردَّ الذهبي عليه هذه الرواية إن صحت فما فيها شيء ينافي عصمته ﷺ ومنزلته عند ربه ﵎ لأنه بشر لا يجري عليه كل أحكام البشر من ذلك أن اليهودي سحره هذا السحر هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا سحر يتوهم كثيرون

стр. 4458

أنه أثَّر فيه ﵇ ليس فيما يتعلق فقط في بشريته وإنما أيضًا فيما يتعلق بنبوته ورسالة بقول: حاش ليس في هذا الحديث ما يدل على ذلك كل ما في الحديث إنما هو في رواية أنه سُحر حتى كان يظن أنه يأتي الشيء ولا يأتيه فتشبث بهذه الرواية بعض ذوي الأهواء الذين يحلو لهم الخروج عن جماعة المسلمين بأشياء يتوهمون أنهم يظهرون أمام الناس بأنهم من المتحققين وأنهم سبقوا الناس أجمعين إلى فكرة ما خطرت لهم في بال فيقولون هذا ينافي عصمته ﷺ من ناحية التبليغ ويبنون على ذلك كما يقال علالية وقصورًا. فنقول: ليس في هذه الجملة المتعلقة بهذا الحديث يأتي الشيء ولا يأتيه لأن المقصود به أن النبي ﷺ أثَّر فيه السحر في بدنه بحيث كان يريد أن يأتي زوجته كما يأتي الرجل أهله فلا يجد فيه قوة هذا يسمى في بعض البلاد العربية مربوط يعني انحصرت قوة الرسول ﷺ وهو بلا شك كان أقوى الرجال والدليل على ذلك: أولًا: مصارعته ركانة بن يزيد في المرة الأولى والثانية والثالثة ما جاء في صحيح البخاري بهذه المناسبة عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: "كنا نتحدث بأن النبي ﷺ أُوتي قوة ثلاثين رجلًا". هذا المصطفى القوي أثَّر فيه السحر فكان يريد أن يأتي أهله فهو مربوط لا يستطيع أن يأتي أهله. هذا كل ما وقع للرسول ﷺ فهو تأثير بدني وليس تأثيرًا عقليًا بحيث أنه يتصور الشيء على غير حقيقته. الوجه الخامس: الرد على قولهم أن حديث السحر يقدح في مقام النبوة . فقد أجاب عنها العلماء وبينوا زيفها وبطلانها: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وزعموا أنه يحط من منصب النبوة ويشكك فيها قالوا: كل ما أدي إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز ذلك يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع إذا يحتمل هذا أنه يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثمّ، وأنه يوحى إليه بشيء ولم يوحى إليه بشيء وهذا كله مردود بالدليل. والجواب على ذلك كما يلي:

стр. 4459

قد قام على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل. فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عرضة لما يتعرض البشر إليه فغير بعيد أن يخيل إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين. وقد قال بعض الناس إن المراد بالحديث أنه ﷺ يتخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن يطأهن وهذا كثيرًا ما يقع تخيله للإنسان في المنام، فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة. قلت: وهذا قد ورد صريحًا في رواية ابن عيينة ولفظه (حتى كان يرى أنه أتى النساء ولا يأتيهن) وفي رواية الحميدي (أنه يأتي أهله ولا يأتيهن) وقيل: أنه يخيل إليه أنه فعله وما فعله ولكن لا يعتقد صحة ما تخيله فتكون اعتقاداته على السداد. (١) فأما المتحقق من معنى الحديث كما قدمنا في المقام الأول فليس فيه ما يصح أن يعبر عنه بقولك: (خولط في عقله) وإنما ذاك خاطر عابر، لو فرض أنه بلغ الظن فهو في أمر خاص من أمور الدنيا لم يتعده إلى سائر أمور الدنيا فضلًا عن أمور الدين، ولا يلزم من حدوثه في ذاك الأمر جوازه في ما يتعلق بالتبليغ بل سبيله سبيل ظنه أن النخل لا يحتاج إلى التأبير، وظنه بعد أن صلى ركعتين أنه صلى أربعًا وغير ذلك من قضايا السهو في الصلاة. وفي القرآن ذكر غضب موسى على أخيه هارون وأخذ برأسه لظنه أنه قصر مع أنه لم يقصر، وفيه قول يعقوب لبنيه لما ذكروا له ما جرى لابنه الثاني ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ يتهمهم. بتدبير مكيدة مع أنهم حينئذ أبرياء صادقين. وقد يكون من هذا بض كلمات موسى للخضر. (٢) وصون النبي ﷺ من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده فقد مضى في الصحيح أن شيطانًا أراد أن يفسد عليه صلاته فأمكنه الله منه فكذلك السحر ما ناله من ضرره ما يدخل نقصًا

стр. 4460

على ما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض من ضعف عن الكلام أو العجز عن بعض الفعل أو حدوث تخيل لا يستمر بل يزول ويبطل الله كيد الشياطين. والسحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه ﷺ كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته وأما كونه يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من صدقه لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا وإنما هذا فيما يجوز طروه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث لسببها ولا فضل من أجلها وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر فغير بعيد أنه يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان. (١) والمرض الذي لا نقص فيه في الدنيا يقع للأنبياء ويزيد في درجاتهم في الآخرة عليهم الصلاة والسلام وحينئذ فإذا خيل له بسبب مرض السحر أنه يفعل شيئًا من أمور الدنيا وهو لم يفعله ثم زال ذلك عنه بالكلية بسبب اطلاع الله تعالى له على مكان السحر وإخراجه إياه من محله ودفنه فلا نقص يلتحق الرسالة من هذا كله لأنه كسائر الأمراض، لا تسلط له على عقله بل هو خاص بظاهر جسده كبصره حيث صار يخيل إليه تارة فعل الشيء من ملامسة بعض أزواجه وهو لم يفعله وهذا في زمن المرض لا يضر. (٢) وليس هذا مما يجتر الناس به إلى أنفسهم نفعًا ولا يصرفون عنها ضرًا ولا يكسبون به رسول الله ﷺ ثناء ومدحًا ولا حملة هذا الحديث كذابين ولا متهمين ولا معادين لرسول الله ﷺ . وما ينكر أن يكون لبيد بن الأعصم هذا اليهودي سحر رسول الله ﷺ وقد قتلت اليهود قبله زكريا بن آذن في جوف شجرة قطعته قطعًا بالمناشير. وذكر وهب بن منبه أو غيره أنه ﷺ لما وصل المنشار إلى أضلاعه أن فأوحى الله تعالى إليه إما أن تكف عن أنينك، وإما أن أهلك الأرض ومن عليها وقتلت بعده ابنه يحيى

стр. 4461

بقول بغي واحتيالها في ذلك. ولو لم يقل الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ لم نعلم نحن أن ذلك شبهه لأن اليهود أعداؤه وهم يدعون ذلك والنصارى أولياؤه وهم يقرون لهم به وقتلت الأنبياء وطبختهم وعذبتهم أنواع العذاب ولو شاء الله جل وعز لعصمهم منهم وقد سم رسول الله ﷺ في ذراع شاة مشوية سمته يهودية فلم يزل السم يعاده حتى مات وقال ﷺ : ما زالت أكلة خيبر تعادني فهذا أوان انقطاع أبهري فجعل الله تعالى لليهودية عليه السبيل حتى قتلته ومن قبل ذلك ما جعل الله لهم السبيل على النبيين والسحر أيسر خطبًا من القتل والطبخ والتعذيب. (١) وقد ثبت في "الصحيحين" عن عائشة ﵁ أنها قالت: سُحِرَ ﷺ حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن". (٢) فالعجب ممن يظن هذا الذي وقع من المرض بسبب السحر لرسول الله ﷺ قادحًا في رسالته مع ما هو صريح في القرآن في قصة موسى مع سحرة فرعون حيث صار يخيل إليه من سحرهم أن عصيهم تسعى فثبته الله كما دل عليه قوله تعالى ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٦٨ - ٧٠]. ولم يقل أحد من أهل العلم ولا من أهل الذكاء أن ما خيل لموسى ﵇ أولًا من سعى عصى السحرة قادح في رسالته بل وقوع مثل هذا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام يزيد قوة الإيمان بهم لكون الله تعالى ينصرهم على أعدائهم ويخرق لهم العادة بالمعجزات الباهرة ويخذل السحرة والكفرة ويجعل العاقبة للمتقين كما هو مبين في آيات الكتاب المبين. (٣)

стр. 4462

ولو قلنا بزعمكم أن الرسول ﷺ كان يدخل في سحره أمورا من الوحي وما شابه ذلك. فكيف يقر رب العالمين بذلك والرسول ﷺ قال الله عنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، والله تعالى قد قال في آية جامعة ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. فكيف يتوعد بهذا ويقر بزعمكم أنه كان بقول في حال سحره في الوحي ما يقول. وفي قصة سحر النبي ﷺ الكثير من أدلة نبوته ﷺ وذلك: كيف عرف النبي ﷺ أن الذي سحره هو لبيد بن الأعصم وأن السحر موجود في مكان كذا وكذا لو لم يكن نبيًا فالنبي ﷺ هو الذي أرسل أصحابه ليخرجوا السحر من المكان الذي وضع فيه أو قصة إخبار الملائكة لمحمد ﷺ بموضع ومكان السحر لم يذكرها هؤلاء الضالون فهم انتقائيون في اختيار موادهم. لقد فك الرسول ﷺ السحر بقراءة المعوذتين وهذا دليل على أن المعوذتين كلام الله وأن محمدًا نبي موحى إليه. هذه القصة دليل على كذب من قال عن السنة النبوية قد وضعها أصحاب النبي ﷺ ليثبتوا أنه نبي وأنه كامل في كل صفاته فلو كان كلامهم صحيحًا لكان هذا الحديث أول شيء يحذفه الصحابة من السنة لأنه في ظاهره لمن لم يتدبره ويفهمه ينقص من قدر النبي ﷺ على حد زعمهم. الوجه السادس: الرد على قولهم أنه حديث آحاد . أولًا: الحديث وصل حد الشهرة: فقد جاء عن عائشة وزيد بن أرقم وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك ﵁. لو انفردت به عائشة وحدها لا يضر وحديث الآحاد إذ صح سنده وسلم من المعارضة معمول به عند طوائف الأمة. ثانيًا: هشام بن عروة لم ينفرد بالحديث: كما جاء في رواية البخاري (٥٧٦٥). وقول الحافظ بعدها: وظاهره أن غير هشام أيضًا رواه عن عروة. ثالثا: إجماع أهل العلم بالحديث على تلقيه بالقبول كما سبق بيانه: رابعًا: على التسليم - بزعمهم - أنه حديث آحاد:

стр. 4463

فقد تبين صحة الحديث لا سيما وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. أضف إلى ذلك: أن الحديث إذا صح سنده إلى النبي ﷺ بشروطه المعروفة وجب العمل به والتصديق له، لا فرق بين متواتر وآحاد عند جمهور أهل العلم (١). الوجه السابع: وأخيرًا: ماذا حدث للمسيح من الشيطان ؟ اقرأ معي هذا الكلام من الكتاب المقدس. واعلم أن كل من قال أن هذا يقدح في مقام النبوة وخاصة من أهل الكتاب فلينظروا في كتبهم، فإذا كنتم أيها النصارى تعتقدون أن ما أصاب النبي محمدًا على أيدي اليهود من سحر والذي قررنا أنه لم يكن له تأثير في دينه وعقله وعبادته ولا في رسالته التي كلف بإبلاغها إذا كنتم تعتقدون أن ما أصابه هو قدح وطعن في نبوته. فهل يعني ذلك أنكم أسقطتم أنبياء كتابكم المقدس الذي نص على أنهم عصاه زناه كفار ألم يرد في كتابكم المقدس أن نبي الله سليمان كفر وعبد الأوثان وهو نبي من أنبياء الله (سفر الملوك). فهل أسقطتم نبوة سليمان؟ وهل ما أقدم عليه النبي سليمان من السجود للأوثان والكفر بالله هو أمر موجب للطعن في نبوته ومُسقطًا لها؟ وإذا كان ما قام به النبي سليمان من السجود للأوثان والكفر بالله هو أمر لا يوجب الطعن في نبوته ولا يسقط نبوته عندكم فكيف تعتبرون ما أصاب النبي محمد ﷺ من السحر الذي لم يكن له تأثير في دينه وعبادته ولا في رسالته التي كلف بإبلاغها هو أمر موجب للطعن في نبوته. ثم أخبرونا عن ذلك الشيطان الذي تسلط على المسيح طوال ٤٠ يومًا كما في إنجيل متى ابتداء من الإصحاح الرابع حيث كان إبليس يقود المسيح إلى حيث شاء فينقاد له فتارة يقوده إلى المدينة المقدسة ويوقفه على جناح الهيكل وتارة يأخذه إلى جبل عالي جدًّا. ففي سفر متى (٤/ ١ - ١٠): ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّة مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيرًا. فتَقَدَّمَ إِلَيْهِ المجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ الله فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذ الحجَارَةُ خُبْزًا". فَأَجَابَ وَقَالَ: "مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا

стр. 4464

الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِنْ فَمِ الله". ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى المُدِينَةِ المقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ، وَقَالَ لَهُ: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ الله فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأنَّهُ مَكْتُوب: أَنَّهُ يُوصِي مَلائِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لا تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ". قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لا تجرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ". ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضًا إِبْلِيسُ إِلى جَبَل عَال جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، وَقَالَ لَهُ: "أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي". حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسوعُ: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلِهكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ". ونحن نقول كيف يسمح الرب - على حد زعمهم - أن يجربه الشيطان فيقوده إلى ما يريد بدون أن يعترض يسوع؟ . بل يعترف يسوع بأن الشيطان رئيس هذا العالم وأنه سيُطرد يوم الدينونة: (يوحنا ١٢/ ٣٢: ٣١): الآنَ دَيْنُونَةُ هذَا الْعَالَمِ. الآنَ يُطْرَحُ رَئيسُ هذَا الْعَالَمِ خَارِجًا. ويذكر الكتاب المقدس أن الشيطان كان وراء المرض الذي تعرض له أيوب النبي، وأن إبليس حرض الله بأن يبتلي أيوب: (أيوب ٢/ ٧: ٣): فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيم يَتَّقِي الله وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. وَإِلَى الآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ، وَقَدْ هَيَّجْتَنِي عَلَيْهِ لأَبْتَلِعَهُ بِلا سَبَبٍ". فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: "جِلدٌ بِجِلْدٍ، وَكُلُّ مَا لِلإِنْسَانِ يُعْطيهِ لأَجْلِ نَفْسِهِ. وَلكِنْ ابْسِطِ الآنَ يَدَكَ وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلحمَهُ، فَإِنَهُ فِي وَجْهِكَ يجدِّفُ عَلَيْكَ". فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: "هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلكِنِ احْفَظْ نَفْسَهُ". فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ الرَّبِّ، وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى هَامَتِهِ. ويوصف إبليس أيضًا بأنه يضل العالم كله: (الرؤيا ٢/ ٩): فَطُرِحَ التِّنِّينُ الْعَظِيمُ، الحيَّةُ الْقَدِيمَةُ المُدْعُوُّ إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ، الَّذِي يُضِلُّ الْعَالَمَ كُلَّهُ. * * *

стр. 4465

٨ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ لا يستطيع عمل المعجزات نص الشبهة: زعموا فقالوا: إن النبي محمدًا ﷺ لم يستطع عمل المعجزات، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ [الأنعام: ١٠٩]. وقوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩]. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الاستدلال بالآيات لا يصح . الوجه الثاني: المعجزات من الله تعالى وليست من الأنبياء . الوجه الثالث: هذا بعض ما أيد الله به نبيه محمد ﷺ : الوجه الرابع: المعجزات في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: الاستدلال بالآيات لا يصح. وقد سبق الجواب على ذلك في موضعه (في شبهات القرآن) فلتراجع. (١) الوجه الثاني: المعجزات من الله تعالى وليست من الأنبياء. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣٨]. قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: ولم يكن لواحد من الرسل أن يأتي قومه بخارق للعادات، إلا أن يأذن الله له في ذلك، فيدل ذلك على صدقه فيما جاءهم به، وفي المعجزات التي أيد الله بها عيسى ﵇ يؤكّد القرآن الكريم على هذا المضمون، قال تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ

стр. 4466

﴿اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]. (١) فالأنبياء ﵈ جميعًا لا يستطيعون عمل شيء إلاّ بإذن الله تعالى. الوجه الثالث: هذا بعض ما أيد الله به نبيه محمد ﷺ -. أجرى الله ﵎ على يدي أنبيائه من المعجزات الباهرات، والدلائل القاطعات، والحجج الواضحات، مما يدل على صدق دعواهم أنهم رسل، وكي تقوم الحجة البالغة على الناس؛ فلا يبقى لأحد عذر في عدم تصديقهم وطاعتهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، والفرق بين المعجزة وغيرها من الدلالة والعلامة: أن المعجزة اشترط فيها التحدي، وأن يكون المُتحدى به مما يعجز عنه البشر في العادة المستمرة، أما الدلائل والعلامات فتقع دالة على صدق الأنبياء والرسل من غير سبق تحد، وسميت المعجزة كذلك: لعجز الخلق عن معارضتها والإتيان بمثلها. (٢) قال القاضي في الشفا: اعلم أن معنى تسميتنا ما جاءت به الأنبياء معجزة هو أن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها، وهي على ضربين: ضرب هو من نوع قدرة البشر، فعجزوا عنه، فتعجيزهم عنه فعل لله، دل على صدق نبيه ﷺ ، كصرفهم عن تمنى الموت، وتعجيزهم عن الإتيان بمثل القرآن على رأى بعضهم ونحوه. وضرب هو خارج عن قدرتهم، فلم يقدروا على الإتيان بمثله: كإحياء الموتى، وقلب العصا حية، وإخراج ناقة من صخرة، وكلام شجرة، ونبع الماء من الأصابع، وانشقاق القمر مما لا يمكن أن يفعله أحد إلا الله فيكون ذلك على يد النبي ﷺ من فعل الله تعالى وتحديه من يكذبه، أن يأتي بمثله تعجيزًا له. واعلم أن المعجزات التي ظهرت على يد نبينا ﷺ ، ودلائل نبوته، وبراهين صدقه، من هذين النوعين معًا، وهو أكثر الرسل معجزة، وأبهرهم آية، وأظهرهم برهانًا، كما سنبينه.

стр. 4467

وهي في كثرتها لا يحيط بها ضبط؛ فإن واحدًا منها: وهو القرآن، لا يحصى عدد معجزاته بألف ولا ألفين ولا أكثر، لأن النبي ﷺ قد تحدى بسورة منه فعجز عنها. قال أهل العلم: وأقصر السور ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ فكل آية أو آيات منه بعددها وقدرها معجزة، ثم فيها نفسها معجزات على ما سنفصله فيما انطوى عليه من المعجزات (١). ثم معجزاته ﷺ على قسمين: قسم منها علم قطعًا: ونقل إلينا متواترًا كالقرآن فلا مرية، ولا خلاف بمجئ النبي به، وظهوره من قبل، واستدلاله بحجته، وإن أنكر هذا معاند جاحد، فهو كإنكاره وجود محمد ﷺ في الدنيا، وإنما جاء اعتراض الجاحط ين في الحجة به، فهو في نفسه وجميع ما تضمنه من معجز معلوم ضرورة، ووجه إعجازه معلوم ضرورة ونظرًا. والقسم الثاني: ما لم يبلغ مبلغ الضرورة والقطع، وهو على نوعين: نوع مشتهر منتشر رواه العدد وشاع الخبر به عند المحدثين، والرواة، ونقلة السير والأخبار؛ كنبع الماء من بين الأصابع، وتكثير الطعام، ونوع منه اختص به الواحد والاثنان، ورواه العدد اليسير ولم يشتهر اشتهار غيره؛ لكنه إذا جمع إلى مثله اتفقا في المعنى، واجتمعا على الإتيان بالمعجز (٢). وإليكم بعض المعجزات التى كانت على يد النبي محمد ﷺ -: أولًا: المعجزة الكبرى (القرآن الكريم) . أعطى الله كل نبي من الأنبياء ﵈ معجزة خاصة به، لم يعطيها بعينها غيره تحدى بها قومه، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه وأهل زمانه؛ فلما كان الغالب على زمان موسى ﵇ السحر وتعظيم السحرة، بعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار، وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العزيز الجبار، انقادوا للإسلام وصاروا من عباد الله الأبرار. وأما عيسى ﵇ فبعثه الله في زمن الأطباء، وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد، أو على مداواة الأكمه والأبرص؟ وكذلك نبينا ﷺ بعث في

стр. 4468

زمان الفصحاء، والبلغاء، وتجاريد الشعراء، فأتاهم بكتاب من عند الله ، فاتهمه أكثرهم أنه اختلقه وافتراه من عنده فتحداهم، ودعاهم أن يعارضوه، ويأتوا بمثله، فعجزوا عن ذلك. قال ابن كثير: عند قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] ثم شرع تعالى في تقرير النبوة بعد أن قرر أنه لا إله إلا هو، فقال مخاطبًا للكافرين: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني محمدًا ﷺ فأتوا بسورة من مثل ما جاء به، إن زعمتم أنه من عند غير الله، فعارضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله؛ فإنكم لا تستطيعون ذلك، وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن، فقال في سورة القصص: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾ [القصص: ٤٩] وقال في سورة سبحان: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] وقال في سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: ١٣] وقال في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: ٣٧، ٣٨] وكل هذه الآيات مكية، ثم تحداهم بذلك أيضا في المدينة، فقال في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ أي شك ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني محمدًا ﷺ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ يعني من مثل القرآن. قاله مجاهد، وقتادة، واختاره ابن جرير والطبري، والزمخشري، والرازي ونقله عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس ﵁، والحسن البصري، وأكثر المحققين، ورجح ذلك بوجوه من أحسنها: أنه تحداهم كلهم متفرقين ومجتمعين سواء في ذلك، أميهم وكتابيهم، وذلك أكمل من التحدي، وأشمل من أن يتحدى آحادهم الأميين ممن لا يكتب ولا يعاني شيئًا من العلوم، وبدليل قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ وقوله: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾

стр. 4469

وقال بعضهم من مثل محمد ﷺ يعني من رجل أمي مثله، والصحيح الأول؛ لأن التحدي عام لهم كلهم، مع أنهم أفصح الأمم، وقد تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة، مع شدة عداوتهم له، وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ولن لنفي التأبيد في المستقبل: أي ولن تفعلوا ذلك أبدًا. وهذه أيضا معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبرًا جازمًا قاطعًا مقدمًا غير خائف، ولا مشفق أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد الآبدين، ودهر الداهرين، وكذلك وقع الأمر لم يعارض من لدنه إلى زماننا، هذا ولا يمكن، وأنى يتأتى ذلك لأحد، والقرآن كلام الله خالق كل شيء، وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين، ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرة وخفية، من حيث اللفظ ومن جهة المعنى، قال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ فأحكمت ألفاظه، وفصلت معانيه أو بالعكس على الخلاف، فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يحاذى، ولا يدانى، فقد أخبر عن مغيبات ماضية، كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير ونهى عن كل شر كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ أي صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام، فكله حق وصدق وعدل وهدى، ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إن أعذبه أكذبه. وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء، أو الخيل، أو الخمر، أو في مدح شخص معين، أو فرس، أو ناقة، أو حرب، أو كائنة، أو مخافة، أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعين على الشيء الخفي، أو الدقيق، أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيه بيت أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد، وسائرها هذر لا طائل تحته. وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلًا وإجمالًا ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير؛ فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت أم لا، وكلما تكرر حلا وعلا لا يخلق عن كثرة الرد، ولا يمل منه العلماء، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات، وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان، ويشوق إلى دار

стр. 4470

السلام، ومجاورة عرش الرحمن، كما قال في الترغيب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ وقال: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾ وقال في الترهيب: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾، وقال في الزجر: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾، وقال في الوعظ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾ إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة، وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي، اشتملت على الأمر بكل معروف، حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء، كما قال ابن مسعود ﵁ وغيره من السلف: إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال، وفي وصف الجنة والنار وما أعد الله فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم، والملاذ والعذاب الأليم، بشرت به وحذرت وأنذرت ودعت إلى فعل الخيرات، واجتناب المنكرات، وزهدت في الدنيا، ورغبت في الآخرة، وثبتت على الطريقة المثلى، وهدت إلى صراط الله المستقيم، وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم، ولهذا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة". (١) وقوله ﷺ : "وإنما كان الذي أوتيته وحيًا" أي: الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر، أن يعارضوه بخلاف غيره من الكتب الإلهية؛ فإنها ليس معجزة عند

стр. 4471

كثير من العلماء - والله أعلم - وله ﷺ من الآيات الدالة على نبوته وصدقه فيما جاء به ما لا يدخل تحت حصر ولله الحمد والمنة (١). وقد انطوى كتاب الله العزيز على وجوه كثيرة من وجوه الإعجاز: ذلك أن القرآن الكريم معجز في بنائه التعبيري، وتنسيقه الفني باستقامته على خصائص واحدة في مستوى واحد، لا يختلف ولا يتفاوت ولا تختلف خصائصه، معجز في بنائه الفكري، وتناسق أجزائه وتكاملها، فلا فلتة فيه ولا مصادفة، كل توجيهاته وتشريعاته تتناسب وتتكامل وتحيط بالحياة البشرية دون أن تصطدم بالفطرة الإنسانية، معجز في يسر مداخله إلى القلوب والنفوس، ولمس مفاتيحها، وفتح مغاليقها، واستجاشة مواضع التأثر والاستجابة فيها. قال الحافظ ابن حجر: وَقَدْ جَمَعَ بَعْضهمْ إِعْجَاز الْقُرْآن فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء: أحدها: حُسْن تَأْلِيفه وَالْتِئَام كَلِمه مَعَ الْإِيجَاز وَالْبَلَاغَة. ثانيها: صُورَة سِيَاقه وَأُسْلُوبه المُخَالِف لِأَسَالِيب كَلَام أَهْل الْبَلَاغَة مِنْ الْعَرَب نَظْمًا وَنَثْرًا؛ حَتَّى حَارَتْ فِيهِ عُقُولهمْ، وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى الْإِتْيَان بِشَيْءٍ مِثْله، مَعَ تَوَفُّر دَوَاعِيهمْ عَلَى تَحْصِيل ذَلِكَ وَتَقْرِيعه لَهُمْ عَلَى الْعَجْز عَنْهُ. ثالثهما: مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِخْبَار عَمَّا مَضَى مِنْ أَحْوَال الْأُمَم السَّالِفَة، وَالشَّرَائِع الدَّاثِرَة مِمَّا كَانَ لَا يَعْلَم مِنْهُ بَعْضه إِلَّا النَّادِر مِنْ أَهْل الْكِتَاب. رَابعها: الْإِخْبَار بِمَا سَيَأْتِي مِنْ الْكَوَائِن الَّتِي وَقَعَ بَعْضهَا فِي الْعَصْر النَّبوِيّ وَبَعْضهَا بَعْده، وَمنْ غَيْر هَذه الْأَرْبَعَة آيَات وَرَدَتْ بِتَعْجِيزِ قَوْم فِي قَضَايَا، أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَه فَعَجَزُوا عَنْهَا مَعَ تَوَفُّر دَوَاعِيهمْ عَلَى تَكذِيبه، كَتَمَنِّي الْيَهود الموْت، وَمنْهَا الرَّوْعَة الَّتِي تَحْصل لِسَامِعِهِ، وَمنْهَا أَنَّ قَارِئَهُ لَا يَمَلّ مِنْ تَرْدَاده، وَسَامِعه لَا يَمُجّهُ، وَلَا يَزْدَاد بِكَثْرَةِ التَّكرَار إِلَّا طَرَاوَة وَلَذَاذَة. وَمنْهَا أَنَّهُ آيَة بَاقِيَة لَا تُعْدَم مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا، وَمِنْهَا جَمْعه لِعُلُومِ وَمَعَارِف لَا تَنْقَضِي عَجَائِبهَا، وَلَا تَنتهِي فَوَائِدهَا. (٢) ثانيًا: الإسراء والمعراج:

стр. 4472

روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار، ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه"، قال: "فركبته حتى أتيت بيت المقدس"، قال: "فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء"، قال: "ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن"، فقال جبريل ﵇: اخترت الفطرة، " ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكرياء، صلوات الله عليه ما، فرحبا ودعوا لي بخير، ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﷺ ، إذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل ﵇، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخير، قال الله- : ورفعناه مكانا عليا، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ فقال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بهارون ﷺ ، فرحب، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل ﵇، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى ﷺ ، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم ﷺ مسندًا

стр. 4473

ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال"، قال: "فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إلي ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى ﷺ ، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: "خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف" فإن أمتك لا يطيقون ذلك؛ فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم"، قال: "فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب، خفف على أمتي، فحط عني خمسًا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حط عني خمسًا، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف"، قال: "فلم أزل أرجع بين ربي ﵎، وبين موسى ﵇ حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة"، قال: "فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ﷺ ، فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف"، فقال رسول الله ﷺ : "فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه" (١). ثالثا: انشقاق القمر: قال تعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾ (القمر: ١ - ٥). قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾: قد كان هذا في زمان رسول الله ﷺ ، كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. وقد ثبت في الصحيح عن ابن

стр. 4474

مسعود ﵁ أنه قال: خمس قد مضين: الروم، والدخان، واللزام، والبطشة، والقمر (١). وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أي انشقاق القمر، قد وقع في زمان النبي ﷺ وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. وعن أنس بن مالك ﵁: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما (٢). قال القاضي ﵀: انشقاق القمر من أمهات معجزات نبينا ﷺ وقد رواها عدة من الصحابة ﵁ مع ظاهر الآية الكريمة وسياقها، قال الزجاج: وقد أنكرها بعض المبتدعة المضاهين المخالفي الملة، وذلك لما أعمى الله قلبه، ولا إنكار للعقل فيها؛ لأن القمر مخلوق الله تعالى، يفعل فيه ما يشاء كما يفنيه، ويكوره في آخر أمره (٣). قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اِنْشِقَاق الْقَمَر آيَة عَظِيمَة لَا يَكَاد يَعْدِلهَا شَيْء مِنْ آيَات الْأَنْبِيَاء، وَذَلِكَ أنَّهُ ظَهَرَ فِي مَلَكُوت السَّمَاء خَارِجًا مِنْ جُمْلَة طِبَاع مَا فِي هَذَا الْعَالَم المُرَكَّب مِنْ الطَّبَائِع، فَلَيْسَ مِمَّا يُطْمَع فِي الْوُصول إِلَيْهِ بِحِيلَةٍ، فَلِذَلِكَ صَارَ الْبُرْهَان بِهِ أَظْهَر. (٤) وإن أردت تفصيلًا عن هذه المعجزة فارجع إلى محلها في الرد على من أنكرها. وقد أسبغنا القول حول هذه المعجزة في ثنايا موسوعتنا هذه. رابعًا: نبع الماء من بين أصابعه: قال القرطبى: قصة نبع الماء من بين أصابعه ﷺ تكررت منه في عدة مواطن، في مشاهد عظيمة، وردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي، المستفاد من التواتر المعنوي (٥) من هذه المواطن: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: عطش الناس يوم الحديبية والنبي ﷺ بين يديه ركوة فتوضأ، فجهش الناس نحوه، فقال: "ما لكم؟ " قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب

стр. 4475

إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يثور بين أصابعه، كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. (١) ومنها عن أنس بن مالك ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ وكانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله ﷺ بوضوء، فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضئوا منه قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه حتى توضئوا من عند آخرهم. (٢) قال المزني: نبع الماء من بين أصابعه ﷺ أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر؛ حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت منه المياه؛ لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم. (٣) خامسًا: حنين الجذع شوقًا إلى وسول الله ﷺ -: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: "إن شئتم"، فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي ﷺ فضمه إليه، تئن أنين الصبي الذي يسكن. قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها (٤). وفي رواية قال: كان المسجد مسقوفًا على جذوع من نخل، فكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر وكان عليه، فسمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار، حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليها فسكنت (٥).

стр. 4476

قال ابن كثير: باب حنين الجذع شوقًا إلى رسول الله ﷺ شغفًا من فراقه: وقد ورد من حديث جماعة من الصحابة بطرق متعددة، تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن وفرسان هذا الميدان (١). سادسًا: تسليم الحجر عليه ﷺ -: عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ، كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآن" (٢). قال النووي: فِيهِ مُعْجِزَة لَهُ. وَفِي هَذَا إِثْبَات التَّمْيِيز فِي بَعْض الجمَادَات، وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الحجَارَة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] وَقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. سابعًا: تسبيح الطعام بحضرته: عَنْ عَبْدِ اللهَ بن مسعود قال: كُنَّا نَعُدُّ الْآيَاتِ بَرَكَةً وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا، كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَلَّ المُاءُ، فَقَالَ: "اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ"، فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: "حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ المُبَارَكِ، وَالْبَرَكَةُ مِنْ الله"، فَلَقَدْ رَأَيْتُ المُاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابع رَسُولِ الله ﷺ ، وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ. (٣) ثامنًا: عصمته ﷺ من الناس: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]. قال في كثير: وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: بلغ أنت رسالتي، وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك، ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك.

стр. 4477

ثم قال: ومن عصمة الله لرسوله ﷺ حفْظُه له من أهل مكة، وصناديدها، وحسادها ومُعَانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبَغْضة ونصب المحاربة له ليلًا ونهارًا، بما يخلقه الله تعالى من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر، هابوه واحترموه، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرًا، ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم - وهي المدينة -، فلما صار إليها حَمَوه من الأحمر والأسود، فكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله ورد كيده عليه (١). والأمثلة على هذا كثيرة ومنها: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم فقال واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي. زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه قال فقيل له مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ : "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا (٢). ٢ - وعن سلمة بن عمرو بن الأكوع ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينًا، فلما واجهنا العدو تقدمت، فأعلو ثنية، فاستقبلني رجل من العدو، فأرميه بسهم فتوارى عني، فما دريت ما صنع، ونظرت إلى القوم، فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة النبي ﷺ ، فولى صحابة النبي وأرجع منهزمًا، وعلي بردتان متزرًا بإحداهما مرتديًا بالأخرى، فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعا، ومررت على رسول الله ﷺ منهزمًا وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله ﷺ : "لقد رأى ابن الأكوع فزعًا"، فلما غشوا

стр. 4478

رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: "شاهت الوجوه"، فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله ، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين. (١) ٣ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قبل نجد، فأدركنا رسول الله ﷺ في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة، فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله ﷺ : "إن رجلا أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتا في يده، فقال لي: من يمنعك مني؟ قال: "قلت: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال قلت: الله، قال: فشام السيف فها هو ذا جالس" ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ . (٢) تاسعًا: إخباره عن بعض المغيبات: من معجزات رسول الله ﷺ ، ودلائل نبوته ما اطلع عليه من الغيوب الماضية والمستقبلة، وإخباره عنها، ومن المعلوم المقرر أن علم الغيب مختص بالله وحده، وقد أضافه الله تعالى إلى نفسه الكريمة في غير ما آية من كتابه العزيز قال تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥] وقال تعالى ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] ومن المعلوم أيضا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنهم قالوا لأقوامهم. ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠]. وعن عائشة ﵂ قالت: ومن زعم أن رسول الله ﷺ كتم شيئا من كتاب الله، فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا

стр. 4479

بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد: فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. (١) وكما جاءت الأدلة تدل على أن الله تعالى قد اختص بمعرفة علم الغيب وأنه استأثر به دون خلقه جاءت أدلة أخرى تفيد أن الله تعالى استثنى من خلقه من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحى إليهم وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧]. فنخلص من ذلك: أن ما وقع على لسان رسول الله ﷺ من الإخبار بالمغيبات، وحي من الله تعالى، وهو من إعلام الله ﷺ لرسوله ﷺ للدلالة على ثبوت نبوته، وصحت رسالته، وقد اشتهر وانتشر أمره ﷺ بإطلاع الله له على المغيبات: عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ الله ﷺ مَقَامًا، مَا ترَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ، كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ. (٢) قال القاضي عياض: ومن ذلك ما أطلع عليه من الغيوب وما يكون. والأحاديث في هذا الباب بحر لا يدرك قعره، ولا ينزف غمره، وهذه المعجزة من جملة معجزاته المعلومة على القطع الواصل إلينا خبرها على التواتر لكثرة رواتها، واتفاق معانيها على الاطلاع على الغيب. (٣) ومعجزات هذا الباب لا يمكن استقصاؤها لكثرتها ووقوعها منه ﷺ ، وهي على أقسام ثلاثة. (٤)

стр. 4480

١ - قسم في الماضي: كإخباره عن القرون السالفة والأمم البائدة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب، الذي قطع عمره في تعلم ذلك، وقد كان أهل الكتاب كثيرًا ما يسألونه تعنتًا وتعجيزًا عن أخبار الامم السالفة، فينزل عليهم منه ما يتلو عليهم منه ذكرًا، كقصص الأنبياء مع قومهم، وخبر موسى والخضر، ويوسف وإخوته، وأصحاب الكهف، وذي القرنين، بالإضافة إلى ما جاءت به السنة المطهرة من تفاصيل ودقائق عن أخبار الأمم الماضية، وأشباه ذلك مما صدقه علماؤهم ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها بل أذعنوا لذلك فمن موفق آمن بما سبق له من خير، ومن شقي معاند حاسد. ٢ - قسم في الحاضر: وهو ما أخبر به ﷺ من المغيبات فوقع أثناء حياته منها على سبيل المثال: ذكره لمصارع الطغاة في غزوة بدر الكبرى، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا مع عمر بين مكة والمدينة، فتراءينا الهلال، وكنت رجلًا حديد البصر، فرأيته وليس أحد يزعم أنه رآه غيري، قال: فجعلت أقول لعمر، أما تراه؟ فجعل لا يراه، قال: يقول عمر: سأراه وأنا مستلق على فراشي، ثم أنشأ يحدثنا عن أهل بدر، فقال: إن رسول الله ﷺ ، كان يرينا مصارع أهل بدر، بالأمس، يقول: "هذا مصرع فلان غدًا، إن شاء الله"، قال: فقال عمر: فو الذي بعثه بالحق ما أخطئوا الحدود التي حد رسول الله ﷺ ، قال: فجعلوا في بئر بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم، فقال: "يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقًّا؟ فإني قد وجدت ما وعدني الله حقًّا"، قال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ قال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئًا". (١) ٣ - قسم في المستقبل: وهو ما أخبر به ﷺ من المغيبات زيادة على ما جاء في القرآن الكريم، منها ما وقع بعد وفاته إلى يومنا هذا، ومنها ما هو آت إلى قيام الساعة، وهذا

стр. 4481

القسم بحر لا يدرك قعره، وقد اعتنى بذكرها عدد كبير من العلماء، كالبيهقى في (دلائل النبوة) وابن كثير في (البداية والنهاية) نذكر من ذلك مثالًا: عن عوف بن مالك قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم فقال: "اعدد ستًا بين يدي الساعة، موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم ثم استفاضة المال، حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا". (١) الوجه الرابع: المعجزات في الكتاب المقدس . نريد أن نعرف هل يعبد الناس المسيح ﵇ لإتيانه بالمعجزات؟ كإحياء الموتى وشفاء المرضى؟ وحتى نؤمن أولًا بهذه المعجزات لزم ثبوتها بطريقة معتبرة: وهي لا تخرج عن أمور معلومة لا يرقى إليها الشك، وكل ما دونها فهو ظن وتخبط، ولا يغني من الحق شيئًا، فلو قلنا مثلًا أن إثبات هذه المعجزات ونسبتها للمسيح ﵇ يستلزم عدة أمور يثبت عن طريقها، وإلا فهي منتفية لا أساس لها فمنها: أولًا: مثلًا هو بقاء المعجزة حاضرة لكل من يطالعها فلا يستطيع إنكارها؛ كأن يكون صرحًا أو بناءً باقيًا لا يستطيع الناس الإتيان بمثله؛ ومشهود أن المسيح ﵇ هو من بناه، وهذا ممتنع باتفاق، كل الناس إذ أن المسيح ﵇ لم تكن معجزته في المعمار ولكن معجزته في إحياء الموتى، وشفاء المرضى، فلزم بقاء أحد هؤلاء المرضى الذين شفاهم المسيح ﵇ أو أحد الموتى الذين أحياهم يسوع؛ حتى يخبرنا عن هذا وهذا أيضًا ممتنع باتفاق جميع الناس، فلا طريق لإثبات معجزاته بالبقاء والخلود كما هو القرآن الكريم مثلًا، وهو معجزة الرسول محمد ﷺ ، فهي معجزة باقية أمام الناس إلى أن يشاء الله.

стр. 4482

ثانيًا: فما بقى لزوم إثبات المعجزة بالتواتر على لسان الجمع من الناس الثقات بسند متصل معتبر غير مجروح (أي أن يكون الرواة ثقات عدول، مشهود لهم بحسن الدين والحفظ، وعدم التوهم أو الكذب في كل الطبقات)، وهذا كما تعلم وكما أثبتنا في الباب الأول باب التحريف أشد امتناعا من سابقه (أي أولًا) فهو ممتنع باعتراف علماء الكتاب المقدس، فلا سند متصل عندهم لكتابهم كله، ولا حتى لجزء أو سفر أو إصحاح من إصحاحاته، وهذا من أشد الطعونات في دين النصارى واليهود، وقد اعترفوا قاطبة (أي اليهود والنصارى) أنه لا سند متصل لهذه الكتب الموجودة بين أيديهم كما للقرآن مثلًا، أو حتى للأحاديث النبوية الشريفة، وهذا لأسباب كثيرة منها السبي الذي وقع على اليهود، ومنها استمرار تمردهم، وارتدادهم وكفرهم مرة بعد مرة، مما تسبب في ضياع الكتب وتحريفها، ومنها العشرة بلايا والمصائب التي مرت بهم في القرون الميلادية الثلاثة الأولى، مما تسبب في ضياع أي سند لكتبهم جمعاء، ومنها فقدان كتب بكاملها، ومنها الاعتقاد السائد حينذاك، والذي أعتقد أنه مستمر إلى الآن (فهم لا يغيرون عادتهم) أن الكذب من أجل تمجيد الله ليس شيئًا جيدًا فحسب، ولكنه مستحب عند الله، وغير هذا من الأسباب الكثيرة، وإن ركنا إلى الأناجيل لإثبات هذا؛ فإنه لا يثبت أبدًا للتناقض الوارد في كل معجزة فعلها من رواة الأناجيل وغيره كما مر سابقًا، فبهذه أيضًا لا يمكن إثبات معجزات المسيح ﵇. إذًا فهذه المعجزات لا يمكن ثبات نسبتها إلى المسيح أبدًا لا ببقائها؛ حتى تُعجز الخلق ويؤمنوا أنه فعلها ولا بالتواتر كما بينا فيؤمن الناس أن المسيح فعلها فهي في حكم المنتفية عن الحدوث أساسًا، كما هو واضح ولو وافقنا النصارى بغض النظر عن ثبوت وقوع هذه المعجزات (جدلًا) وطلبنا منهم أن يأتوا بمعجزة واحدة فعلها يسوع في كتابهم يتوفر فيها شرطان كما يلي: الشرط الأول: معجزة فعلها يسوع ونسبها لنفسه وأَقَرَّ أنه فعل تلك المعجزة بقدرته الذاتيه، وأنه لم يعينه غيره على فعلها ولم يطلب عون غيره فيها.

стр. 4483

الشرط الثاني: معجزة واحدة فعلها يسوع لم يفعلها غيره من البشر على الإطلاق، فهم عاجزون تمامًا عن الإتيان بذلك، ولو سلمنا لهم أيضًا أن هذا حدث (جدلًا) ومن باب الإلزام للنصارى، لكننا لا نؤمن بأنه ﵇ قد فعل أي معجزة ونسبها لقدرته حاشاه، لو سلمنا ذلك لوجب على النصارى أن يؤمنوا أن إليشع إله أو موسى إله أو هارون أو إيليا أو غيره من البشر الذين فعلوا معجزات أعظم من معجزات المسيح كما بينا من قبل، ومع أنهم لا يستطيعون أن يُثبتوا لا معجزات المسيح، ولا معجزات من سبقه من الرسل قطعًا، ولكنه مُلزم لهم، لأنه وارد في كتابهم. ثم إنك لو تدبرت في كتب القوم لوجدت ما ينفي قطعًا أن يكون المسيح قد أقام موتى أو أحياهم بعد الموت، وأن أبلغ معجزاته كانت شفاء بعض المرضى؛ وحتى التناقض في هذه الروايات ينفي ذلك؛ وهذا لأن المسيح بإعتراف كتبهم هو باكورة القائمين من الموت، نعم، إن كتبهم تسجل معجزة إحياء الموتى لسابقين عن المسيح من الأنبياء، ولكن هذا الكلام ينفيه كلام آخر في كتابهم، فمعجزة إحياء الموتى على زعمهم حصلت في ثلاث مرات كما يلي: الأول: طليثا ابنة رئيس المجمع والأغلب أنها كانت نائمة وليست ميتة باعتراف الإنجيل والمسيح نفسه، وهذا وارد في إنجيل مرقس ٥ عدد ٤٢، وفي لوقا ٨ عدد ٥٥. الثاني: ابن المرأة التي من بلدة نايين، والذي انفرد بنقل تلك القصة وحده هو لوقا ولم ينقلها غيره من أصحاب الأناجيل وهو وارد في لوقا ٧ عدد ١١ - ١٧. وفي هذه القصة مطاعن كثيرة. الثالث: هو أليعازر أو لعازار، وهذه القصة انفرد يوحنا فقط بنقلها ولم ينقلها غيره من أصحاب الأناجيل، وهي واردة في إنجيل يوحنا ١١ عدد ١ - ٤٤، وفيها اعتراف صريح من المسيح بعبوديته لله وأن هذه المعجزة تمت بدعاء عيسى لله وليس فيها أي قدرة من عيسى ﵇. إذًا في الأولى: باعتراف المسيح كانت نائمة وليست ميتة، كما قال المسيح نفسه وأكتفي بنقل قوله فقط في هذا الأمر من إنجيل مرقس ٥ عدد ٣٩ و ٤١ هكذا: فدخل وقال لهم لماذا تضجون وتبكون، لم تمت الصبية لكنها نائمة .... ، وامسك بيد الصبية، وقال لها طليثا قومي- الذي

стр. 4484

تفسيره يا صبية لك أقول قومي- والثانية: انفرد بها لوقا وحده، وقلت سابقًا إن فيها الكثير من المطاعن منها أنه لم ينقلها غيره من الإنجيليين مع قول لوقا في الفقرة ١٧ هكذا: وخرج هذا الخبر عنه في كل اليهودية وفي جميع الكورة المحيطة) فكيف أمكن أن الخبر خرج عنه في كل البلاد، حتى أنه وصل يوحنا في سجنه، ولم يصل إلى باقي التلاميذ، حتى ينقلوه في أناجيلهم وهو ليس بالأمر البسيط؟ وقد ذكروا ركوب ربهم الحمار، وأمور أقل من أن تذكر ونسوا قصة عظيمة وهي إحياء ميت وهو في النعش فعجبًا لذلك الأمر. والثالثة: هي قصة إحياء ألعازار وقد انفرد بها يوحنا وحده في إنجيله كما أشرت سابقًا، وكسابق الأمر في إنجيل لوقا، كيف انفرد بها يوحنا وحده، ولم ينقلها غيره من التلاميذ مع أنها من أعظم المعجزات، هذا غير اعتراف المسيح أنها بقدرة الله وحده، وتضرع المسيح لله حتى يستجيب دعائه لإحياء لعازر، فينفي عن نفسه تلك القدرة بل ينسبها لله وحده. وبغض النظر عن كل هذا أقول إن هذا من المستحيل أن يكون لو اعتبرنا كلام بولس وغيره في الكتاب صحيحًا فقد جاء في سفر أعمال الرسل الإصحاح ٢٦ عدد ٢٣ هكذا: إن يؤلم المسيح يكن هو أول قيامة الاموات مزمعًا أن ينادي بنور للشعب وللأمم. وفي الرسالة الأولى إلى أهل كورونثوس ١٥ عدد ٢٠ - ٢٣ هكذا: وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ المسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ. ٢١ فَإِنَّهُ إِذِ الموْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَة الأَمْوَاتِ. ٢٢ لأَنّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الجْمِيعُ، هكَذَا فِي ائسِيحِ سَيُحْيَا الجْمِيعُ. ٢٣ وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي رُتْبَتِهِ: المسِيحُ بَاكُورَةٌ، ثُمَّ الَّذِينَ لِلْمَسِيحِ فِي مجَيئهِ. وفي الرسالة إلى كولوسي ١ عدد ١٨ هكذا: وَهُوَ رَأْسُ الجسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ. وفي رؤيا يوحنا ١ عدد ٥ هكذا: وَمنْ يَسُوعَ المسِيحِ الشَّاهِدِ الأَمِينِ، الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَرَئِيسِ مُلُوكِ الأَرْضِ. الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ.

стр. 4485

فيفهم من كل هذه الفقرات السابقة أن المسيح هو أول قيامة الأموات، وأنه صار باكورة الراقدين: (أي أول من يقوم من الموت)، وهو بكر من الأموات وهو الباكورة وأنه ..... الخ، باختصار أن المسيح هو أول قائم من الموت كما يقولون، فكيف يكون هناك من قام قبله من الموت؟ لو كان هناك من عاد من الموت غيره لما سمي المسيح؛ بأنه بكر من الأموات، وباكورة الراقدين وخلافه من الأقوال التي يفهم منها: أن المسيح هو أول عائد من الموت، أو أول من يقوم من الموت؟ ثم أننا لو راجعنا كلام العهد القديم لوجدنا: أنه من المستحيل أن يكون هناك من قام من الموت -أعني غير المسيح على حسب زعمهم- ففي سفر أيوب ٧ عدد ٩ - ١٠ هكذا: السحاب يضمحل ويزول، هكذا الذي ينزل إلى الهاوية لا يصعد، لا يرجع بعد إلى بيته، ولا يعرفه مكانه بعد. وفي سفر أيوب أيضًا ١٤ عدد ١٢ و ١٤ هكذا: والإنسان يضطجع ولا يقوم، لا يستيقظون حتى لا تبقى السماوات ولا ينتبهون من نومهم ... ، أن مات رجل أفيحيا. كل أيام جهادي أصبر إلى أن يأتي بدلي. فيفهم من هذا قطعًا أنه من المستحيل أن يعود من مات بعد موته بحسب كلام كتابهم، ويفهم أيضًا من هذه الأقوال أن المسيح لم يحيي أي ميت، وإلا كان مخالفًا لهذا الكلام كله، وبحسب كلام أيوب قصة إحياء الموتى هو كلام باطل لا أساس له مجرد تأليفات من كتبة الأناجيل، وقصة موت المسيح ﵇ وصلبه ثم قيامه من الأموات هي قصة باطلة لا محالة. فنسأل الله الهداية للجميع، وما قلته هنا حول إحياء الموتى ليس إنكارًا لمعجزة المسيح ﵇ وإلا فهو معروف وثابت عندنا يقينًا بنص القرآن والسنة النبوية الشريفة أنه أحيى الميت بإذن الله؛ ولكن هو من باب الإلزام للنصارى وليس من باب إيماني. ثم نأتي للعجيب من الأمور والغريب من العقول، وضعاف النقول، وهو أمر مُضحك كما سترى؛ أنه لما عجز النصارى عن إثبات أي من معجزات المسيح ﵇ من
следующие страницы →