القسم بحر لا يدرك قعره، وقد اعتنى بذكرها عدد كبير من العلماء، كالبيهقى في (دلائل النبوة) وابن كثير في (البداية والنهاية) نذكر من ذلك مثالًا:
عن عوف بن مالك قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم فقال: "اعدد ستًا بين يدي الساعة، موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم ثم استفاضة المال، حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا". (١)
الوجه الرابع: المعجزات في الكتاب المقدس .
نريد أن نعرف هل يعبد الناس المسيح ﵇ لإتيانه بالمعجزات؟ كإحياء الموتى وشفاء المرضى؟ وحتى نؤمن أولًا بهذه المعجزات لزم ثبوتها بطريقة معتبرة: وهي لا تخرج عن أمور معلومة لا يرقى إليها الشك، وكل ما دونها فهو ظن وتخبط، ولا يغني من الحق شيئًا، فلو قلنا مثلًا أن إثبات هذه المعجزات ونسبتها للمسيح ﵇ يستلزم عدة أمور يثبت عن طريقها، وإلا فهي منتفية لا أساس لها فمنها:
أولًا: مثلًا هو بقاء المعجزة حاضرة لكل من يطالعها فلا يستطيع إنكارها؛ كأن يكون صرحًا أو بناءً باقيًا لا يستطيع الناس الإتيان بمثله؛ ومشهود أن المسيح ﵇ هو من بناه، وهذا ممتنع باتفاق، كل الناس إذ أن المسيح ﵇ لم تكن معجزته في المعمار ولكن معجزته في إحياء الموتى، وشفاء المرضى، فلزم بقاء أحد هؤلاء المرضى الذين شفاهم المسيح ﵇ أو أحد الموتى الذين أحياهم يسوع؛ حتى يخبرنا عن هذا وهذا أيضًا ممتنع باتفاق جميع الناس، فلا طريق لإثبات معجزاته بالبقاء والخلود كما هو القرآن الكريم مثلًا، وهو معجزة الرسول محمد ﷺ ، فهي معجزة باقية أمام الناس إلى أن يشاء الله.
стр. 4482
ثانيًا: فما بقى لزوم إثبات المعجزة بالتواتر على لسان الجمع من الناس الثقات بسند متصل معتبر غير مجروح (أي أن يكون الرواة ثقات عدول، مشهود لهم بحسن الدين والحفظ، وعدم التوهم أو الكذب في كل الطبقات)، وهذا كما تعلم وكما أثبتنا في الباب الأول باب التحريف أشد امتناعا من سابقه (أي أولًا) فهو ممتنع باعتراف علماء الكتاب المقدس، فلا سند متصل عندهم لكتابهم كله، ولا حتى لجزء أو سفر أو إصحاح من إصحاحاته، وهذا من أشد الطعونات في دين النصارى واليهود، وقد اعترفوا قاطبة (أي اليهود والنصارى) أنه لا سند متصل لهذه الكتب الموجودة بين أيديهم كما للقرآن مثلًا، أو حتى للأحاديث النبوية الشريفة، وهذا لأسباب كثيرة منها السبي الذي وقع على اليهود، ومنها استمرار تمردهم، وارتدادهم وكفرهم مرة بعد مرة، مما تسبب في ضياع الكتب وتحريفها، ومنها العشرة بلايا والمصائب التي مرت بهم في القرون الميلادية الثلاثة الأولى، مما تسبب في ضياع أي سند لكتبهم جمعاء، ومنها فقدان كتب بكاملها، ومنها الاعتقاد السائد حينذاك، والذي أعتقد أنه مستمر إلى الآن (فهم لا يغيرون عادتهم) أن الكذب من أجل تمجيد الله ليس شيئًا جيدًا فحسب، ولكنه مستحب عند الله، وغير هذا من الأسباب الكثيرة، وإن ركنا إلى الأناجيل لإثبات هذا؛ فإنه لا يثبت أبدًا للتناقض الوارد في كل معجزة فعلها من رواة الأناجيل وغيره كما مر سابقًا، فبهذه أيضًا لا يمكن إثبات معجزات المسيح ﵇.
إذًا فهذه المعجزات لا يمكن ثبات نسبتها إلى المسيح أبدًا لا ببقائها؛ حتى تُعجز الخلق ويؤمنوا أنه فعلها ولا بالتواتر كما بينا فيؤمن الناس أن المسيح فعلها فهي في حكم المنتفية عن الحدوث أساسًا، كما هو واضح ولو وافقنا النصارى بغض النظر عن ثبوت وقوع هذه المعجزات (جدلًا) وطلبنا منهم أن يأتوا بمعجزة واحدة فعلها يسوع في كتابهم يتوفر فيها شرطان كما يلي:
الشرط الأول: معجزة فعلها يسوع ونسبها لنفسه وأَقَرَّ أنه فعل تلك المعجزة بقدرته الذاتيه، وأنه لم يعينه غيره على فعلها ولم يطلب عون غيره فيها.
стр. 4483
الشرط الثاني: معجزة واحدة فعلها يسوع لم يفعلها غيره من البشر على الإطلاق، فهم عاجزون تمامًا عن الإتيان بذلك، ولو سلمنا لهم أيضًا أن هذا حدث (جدلًا) ومن باب الإلزام للنصارى، لكننا لا نؤمن بأنه ﵇ قد فعل أي معجزة ونسبها لقدرته حاشاه، لو سلمنا ذلك لوجب على النصارى أن يؤمنوا أن إليشع إله أو موسى إله أو هارون أو إيليا أو غيره من البشر الذين فعلوا معجزات أعظم من معجزات المسيح كما بينا من قبل، ومع أنهم لا يستطيعون أن يُثبتوا لا معجزات المسيح، ولا معجزات من سبقه من الرسل قطعًا، ولكنه مُلزم لهم، لأنه وارد في كتابهم.
ثم إنك لو تدبرت في كتب القوم لوجدت ما ينفي قطعًا أن يكون المسيح قد أقام موتى أو أحياهم بعد الموت، وأن أبلغ معجزاته كانت شفاء بعض المرضى؛ وحتى التناقض في هذه الروايات ينفي ذلك؛ وهذا لأن المسيح بإعتراف كتبهم هو باكورة القائمين من الموت، نعم، إن كتبهم تسجل معجزة إحياء الموتى لسابقين عن المسيح من الأنبياء، ولكن هذا الكلام ينفيه كلام آخر في كتابهم، فمعجزة إحياء الموتى على زعمهم حصلت في ثلاث مرات كما يلي:
الأول: طليثا ابنة رئيس المجمع والأغلب أنها كانت نائمة وليست ميتة باعتراف الإنجيل والمسيح نفسه، وهذا وارد في إنجيل مرقس ٥ عدد ٤٢، وفي لوقا ٨ عدد ٥٥.
الثاني: ابن المرأة التي من بلدة نايين، والذي انفرد بنقل تلك القصة وحده هو لوقا ولم ينقلها غيره من أصحاب الأناجيل وهو وارد في لوقا ٧ عدد ١١ - ١٧. وفي هذه القصة مطاعن كثيرة.
الثالث: هو أليعازر أو لعازار، وهذه القصة انفرد يوحنا فقط بنقلها ولم ينقلها غيره من أصحاب الأناجيل، وهي واردة في إنجيل يوحنا ١١ عدد ١ - ٤٤، وفيها اعتراف صريح من المسيح بعبوديته لله وأن هذه المعجزة تمت بدعاء عيسى لله وليس فيها أي قدرة من عيسى ﵇.
إذًا في الأولى: باعتراف المسيح كانت نائمة وليست ميتة، كما قال المسيح نفسه وأكتفي بنقل قوله فقط في هذا الأمر من إنجيل مرقس ٥ عدد ٣٩ و ٤١ هكذا: فدخل وقال لهم لماذا تضجون وتبكون، لم تمت الصبية لكنها نائمة .... ، وامسك بيد الصبية، وقال لها طليثا قومي- الذي
стр. 4484
تفسيره يا صبية لك أقول قومي- والثانية: انفرد بها لوقا وحده، وقلت سابقًا إن فيها الكثير من المطاعن منها أنه لم ينقلها غيره من الإنجيليين مع قول لوقا في الفقرة ١٧ هكذا: وخرج هذا الخبر عنه في كل اليهودية وفي جميع الكورة المحيطة) فكيف أمكن أن الخبر خرج عنه في كل البلاد، حتى أنه وصل يوحنا في سجنه، ولم يصل إلى باقي التلاميذ، حتى ينقلوه في أناجيلهم وهو ليس بالأمر البسيط؟ وقد ذكروا ركوب ربهم الحمار، وأمور أقل من أن تذكر ونسوا قصة عظيمة وهي إحياء ميت وهو في النعش فعجبًا لذلك الأمر.
والثالثة: هي قصة إحياء ألعازار وقد انفرد بها يوحنا وحده في إنجيله كما أشرت سابقًا، وكسابق الأمر في إنجيل لوقا، كيف انفرد بها يوحنا وحده، ولم ينقلها غيره من التلاميذ مع أنها من أعظم المعجزات، هذا غير اعتراف المسيح أنها بقدرة الله وحده، وتضرع المسيح لله حتى يستجيب دعائه لإحياء لعازر، فينفي عن نفسه تلك القدرة بل ينسبها لله وحده.
وبغض النظر عن كل هذا أقول إن هذا من المستحيل أن يكون لو اعتبرنا كلام بولس وغيره في الكتاب صحيحًا فقد جاء في سفر أعمال الرسل الإصحاح ٢٦ عدد ٢٣ هكذا: إن يؤلم المسيح يكن هو أول قيامة الاموات مزمعًا أن ينادي بنور للشعب وللأمم.
وفي الرسالة الأولى إلى أهل كورونثوس ١٥ عدد ٢٠ - ٢٣ هكذا: وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ المسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ. ٢١ فَإِنَّهُ إِذِ الموْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَة الأَمْوَاتِ. ٢٢ لأَنّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الجْمِيعُ، هكَذَا فِي ائسِيحِ سَيُحْيَا الجْمِيعُ. ٢٣ وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي رُتْبَتِهِ: المسِيحُ بَاكُورَةٌ، ثُمَّ الَّذِينَ لِلْمَسِيحِ فِي مجَيئهِ.
وفي الرسالة إلى كولوسي ١ عدد ١٨ هكذا: وَهُوَ رَأْسُ الجسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وفي رؤيا يوحنا ١ عدد ٥ هكذا: وَمنْ يَسُوعَ المسِيحِ الشَّاهِدِ الأَمِينِ، الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَرَئِيسِ مُلُوكِ الأَرْضِ. الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ.
стр. 4485
فيفهم من كل هذه الفقرات السابقة أن المسيح هو أول قيامة الأموات، وأنه صار باكورة الراقدين: (أي أول من يقوم من الموت)، وهو بكر من الأموات وهو الباكورة وأنه ..... الخ، باختصار أن المسيح هو أول قائم من الموت كما يقولون، فكيف يكون هناك من قام قبله من الموت؟ لو كان هناك من عاد من الموت غيره لما سمي المسيح؛ بأنه بكر من الأموات، وباكورة الراقدين وخلافه من الأقوال التي يفهم منها: أن المسيح هو أول عائد من الموت، أو أول من يقوم من الموت؟
ثم أننا لو راجعنا كلام العهد القديم لوجدنا: أنه من المستحيل أن يكون هناك من قام من الموت -أعني غير المسيح على حسب زعمهم- ففي سفر أيوب ٧ عدد ٩ - ١٠ هكذا: السحاب يضمحل ويزول، هكذا الذي ينزل إلى الهاوية لا يصعد، لا يرجع بعد إلى بيته، ولا يعرفه مكانه بعد.
وفي سفر أيوب أيضًا ١٤ عدد ١٢ و ١٤ هكذا: والإنسان يضطجع ولا يقوم، لا يستيقظون حتى لا تبقى السماوات ولا ينتبهون من نومهم ... ، أن مات رجل أفيحيا. كل أيام جهادي أصبر إلى أن يأتي بدلي.
فيفهم من هذا قطعًا أنه من المستحيل أن يعود من مات بعد موته بحسب كلام كتابهم، ويفهم أيضًا من هذه الأقوال أن المسيح لم يحيي أي ميت، وإلا كان مخالفًا لهذا الكلام كله، وبحسب كلام أيوب قصة إحياء الموتى هو كلام باطل لا أساس له مجرد تأليفات من كتبة الأناجيل، وقصة موت المسيح ﵇ وصلبه ثم قيامه من الأموات هي قصة باطلة لا محالة. فنسأل الله الهداية للجميع، وما قلته هنا حول إحياء الموتى ليس إنكارًا لمعجزة المسيح ﵇ وإلا فهو معروف وثابت عندنا يقينًا بنص القرآن والسنة النبوية الشريفة أنه أحيى الميت بإذن الله؛ ولكن هو من باب الإلزام للنصارى وليس من باب إيماني.
ثم نأتي للعجيب من الأمور والغريب من العقول، وضعاف النقول، وهو أمر مُضحك كما سترى؛ أنه لما عجز النصارى عن إثبات أي من معجزات المسيح ﵇ من
стр. 4486
كتابهم بسند أو بقاء -كما هو موضح أعلاه- لجأوا إلى القرآن الكريم، ولجأوا إلى الإسلام؛ حتى يثبتوا معجزات معبودهم وربهم، فالقرآن منقول بالتواتر، ولا شك في حرف واحد فيه. وعليه فهو يُثبت وقوع معجزات المسيح أو غيره من الأنبياء، وبربي لا أعلم إلى أي مدى وصل ضعف هؤلاء الناس، حتى يلجأوا لكتاب يجحدون به لإثبات ما لا يمكن إثباته من عقيدتهم، ومع أننا الأمة الوحيدة التي تكرم المسيح ﵇ ولم نلعنه كما فعل النصارى، وفعل كبيرهم الذي علمهم بولس، فهم قد عجزوا عن إثبات ما يريدون إثباته من كتابهم، فاحتاجوا إلي القرآن حينذاك، والمضحك في هذا الأمر أن المُنَصِّر لو أراد أن ينصر أحد المجوس أو البوذيين أو الملاحدة فيكون لسان حاله كالتالي:
أنا لا أستطيع أن أثبت لك معجزات المسيح من الكتاب القدس، ولا بالعقل والمنطق ولا بأي سبيل، ولكن عند المسلمين في القرآن والسنة والنبوية يثبتون تلك المعجزات؛ فإن أردت أن تتأكد من المعجزات عليك أن تؤمن بالإسلام والقرآن! فأي عقل هذا وأي دين يعتنقه النصارى، لا سند له، ولا تواتر فيه، بل هو الظن، وما يغني الظن شيئًا، وكما نقول دائما لا يجوز للنصارى الاحتجاج بالقرآن الكريم: يقول رب العزة ﷻ في كتابه الكريم: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٣٦]، ويقول في القرآن الكريم ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]، (١)
* * *
стр. 4487
٩ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ يتهرب من الإجابة عن الأسئلة .
نص الشبهة:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١] فيها أمور:
١ - الآية فيها تعارض ففي أولها نهي عن السؤال فقال: ﴿لَا تَسْأَلُوا﴾، ثم عقب ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا﴾، وأيضًا فيها تعارض مع قوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧].
٢ - زعم المعترض على الآية أن النبي محمدًا ﷺ لما رأى أن أصحابه بدأوا يسألونه أسئلة لا يجد لها جوابًا خشي من ذلك فقال: إن الله أنزل عليه هذه الآية.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: سبب نزول الآية فيه دلالة على أن الأسئلة كانت لا فائدة منها.
الوجه الثاني: النهي الوارد في الآية عن السؤال لغير فائدة، أو السؤال الذي يجلب الشقة.
الوجه الثالث: الأمر بالسؤال فيما يتعبد به وتقرر، وثبت وجوبه مما يجب عليهم العمل به، والنهي: فيما لم يتعبد الله عباده به، ولم يذكره في كتابه.
الوجه الرابع: إجابة القرآن على الأسئلة التي كانت توجه إلى النبي ﷺ وفيها ما ينفع.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: سبب نزول الآية فيه دلالة على أن الأسئلة كانت لا فائدة منها، والمقصود فيها الإساءة .
عن أنس ﵁ قال: بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء فخطب فقال: "عرضت علي الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" قال: فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشد منه، قال: "غطوا رءوسهم ولهم خنين، قال: فقام عمر فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا. قال: فقام ذاك الرجل فقال: من أبي؟ قال: "أبوك فلان". فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
стр. 4488
تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية. (١)
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ كَانَ قَوْمٌ يَسْألونَ رَسُولَ الله ﷺ اسْتِهْزَاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مَنْ أَبِي؛ وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ الله فِيهِمْ هَذه الآيَةَ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّهَا. (٢)
وعن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: "يا أيها الناس، كتب الله عليكم الحج". فقام محصن الأسدي فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: "أما إني لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لضللتم. اسكتوا عني ما سكت عنكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ إلى آخر الآية. (٣)
قال الطبري: ذكر أن هذه الآية أنزلت على رسول الله ﷺ ؛ بسبب مسائل كان يسألها إياه أقوام امتحانًا له أحيانًا، واستهزاءً أحيانًّا، فيقول له بعضهم: "من أبي"؟ ويقول له بعضهم إذا ضلت ناقته: "أين ناقتي"؟ فقال لهم -تعالى ذكره-: لا تسألوا عن أشياءَ من ذلك، كمسألة عبد الله بن حُذافة إياه من أبوه ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، يقول: إن أبدينا لكم حقيقة ما تسألون عنه، ساءكم إبداؤها وإظهارها. (٤)
ومن هذا تبين لنا: أنه قد تتعدد أسباب النزول للآية الواحدة، فتحدث مسألة ثم يحدث أمر ثم أمر آخر فتنزل الآية في ذلك كله. والله تعالى أعلم. (٥)
الوجه الثاني: النهي الوارد في الآية عن السؤال لغير فائدة أو السؤال الذي يجلب المشقة. وقد ذم النبي ﷺ كثرة السؤال لغير فائدة أو فيما يسيء .
стр. 4489
فقال: "أعظم المسلمين جرمًا: من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين، فحرم عليهم من أجل مسألته" (١).
وقال: "إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" (٢).
وقال: "ذروني ما تركتكم فإنما أهلك الذين قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" (٣).
قال القاسمي: قال بعض الأئمة والتحقيق في ذلك أن البحث عما لا يوجد فيه نص على قسمين:
أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالة النص على اختلاف وجوهها، فهذا مطلوب لا مكروه؛ بل ربما كان فرضًا على من تعين عليه من المجتهدين.
ثانيهما: أن يدقق النظر في وجوه الفروق، فيفرق بين متماثلين بفرق ليس له أثر في الشرع مع وجود وصف الجمع، أو بالعكس؛ بأن يجمع بين متفرقين بوصف طردي مثلًا فهذا الذي ذمه السلف. وعليه ينطبق حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "هلك المتنطعون" (٤) فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته، ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا في السنة ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدًّا، فيصرفُ فيها زمانٌ كان صرفه في غيرها أولى؛ ولا سيما إن لزم من ذلك إغفال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه، وأشد من ذلك كثرة السؤال للبحث عن أمور مغيبة، ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها، ومنها لا يكون له شاهد في عالم الحس، كالسؤال عن وقت الساعة وعن الروح وعن مدة هذه الأمة ... إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل، الصرف والكثير منه لم يثبت منه شيء؛ فيجب الإيمان به من غير بحث، وأشد من ذلك: ما يوقع كثرة البحث
стр. 4490
عنه في الشك والحيرة. (١)
قال الشاطبي: الإكثار من الأسئلة مذموم، والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة ... ثم ساق الأدلة التي ذكرناها ثم قال:
ويتبين من هذا أن لكراهية السؤال مواضع نذكر منها عشرة مواضع:
أحدها: السؤال عما لا ينفع في الدين كسؤال عبد الله بن حذافة من أبي؟
قال: أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته كما سأل الرجل عن الحج أكل عام مع أن قوله - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ﴾ البيت قاض بظاهره؛ أنه للأبد لإطلاقه، ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
ثالثها: السؤال من غير احتياج إليه في الوقت، وكان هذا والله أعلم خاص بما لم ينزل فيه حكم وعليه يدل قوله: "ذروني ما تركتكم"، وقوله: "وسكت عن أشياء رحمة لكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها".
رابعها: أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها كما جاء في النهي عن الأغلوطات.
خامسها: أن يسأل عن علة الحكم، وهو من قبيل التعبدات التي لا يعقل لها معنى، أو السائل ممن لا يليق به ذلك السؤال، كما في حديث قضاء الصوم دون الصلاة.
سادسها: أن يبلغ بالسؤال إلى حد التكلف والتعمق، وعلى ذلك يدل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦].
ولما سأل الرجل: يا صاحب الحوض، هل ترد حوضك السباع؟ قال عمر بن الخطاب ﵁: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا: فإنا نرد على السباع وترد علينا، الحديث. (٢)
سابعها: أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي، ولذلك قال سعيد: أعراقي أنت؟ وقيل لمالك بن أنس: الرجل يكون عالمًا بالنسبة أيجادل عنها، قال: لا،
стр. 4491
ولكن يخبر بالنسبة؛ فإن قبلت منه وإلا سكت.
ثامنها: السؤال عن المتشابهات وعلى ذلك يدل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ﴾ الآية، وعن عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه عرضًا للخصومات؛ أسرع التنقل، ومن ذلك سؤال من سأل مالكًا عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والسؤال عنه بدعة.
تاسعها: السؤال عما شجر بين السلف الصالح. وقد سُئل عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفين، فقال: تلك دماء كف الله عنها يديَّ، فلا أُحِبُّ أن يلطخ بها لساني.
عاشرها: سؤال التعنت والإفحام، وطلب الغلبة في الخصام. وفى القرآن في ذم نحو هذا قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة: ٢٠٤]، الحديث: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (١).
الوجه الثالث: الأمر بالسؤال فيما يتعبد به وتقرر وثبت وجوبه مما يجب عليهم العمل به، والنهي فيما لم يتعبد الله عباده به، ولم يذكره في كتابه .
قال القرطبي: إن قال قائل: ما ذكرتم من كراهية السؤال والنهي عنه، يعارضه قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] فالجواب: أن هذا الذي أمر الله به عباده هوما تقرر وثبت وجوبه مما يجب عليهم العمل به، والذي جاء فيه النهي هو ما لم يتعبد الله عباده به، ولم يذكره في كتابه. والله أعلم. (٢)
قال ابن عبد البر: السؤال اليوم لا يخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله، فمن سأل مستفهما راغبًا في العلم، ونفي الجهل عن نفسه، باحثًا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه، فلا بأس به؛ فشفاء العي السؤال، ومن سأل متعنتًا غير متفقه ولا متعلم؛ فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيرة. (٣)
стр. 4492
قال ابن العربي: الذي يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَنِيَ بِبَسْطِ الْأَدِلَّةِ، وَإِيضَاحِ سُبُلِ النَّظَرِ، وَتَحْصِيلِ مُقَدَّمَاتِ الاجْتِهَادِ، وَإِعْدَادِ الْآلَةِ المُعِينَةِ عَلَى الاسْتِمْدَادِ؛ فَإِذَا عَرَضَتْ النَّازِلَةُ أَتَيْت مِنْ بَابِهَا، وَنُشِدَتْ فِي مَظَانِّهَا، وَالله يَفْتَحُ فِي صَوَابِهَا. (١)
الوجه الرابع: إجابة القرآن على الأسئلة التي كانت توجه إلى النبي ﷺ وفيها ما ينفع .
فلقد وجه للنبي ﷺ أسئلة كثيرة وأجاب القرآن عنها ولم يتركها هملًا.
وها هي بعض الأمثلة على ذلك:
١ - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ... ﴾ [البقرة: ٢١٩]
٢ - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ [الأنفال: ١].
وغيرها كثير. فما ترك لنا هذا الدين الحنيف شيئًا إلا ووضحه وبينه، وصدق الله إذ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
أما عن قولهم في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ فيه نهي عن السؤال.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ فيه إباحة للسؤال، فكيف الجمع بين هذا وذاك؟
فالجواب كما يلي:
١ - النهي عن السؤال فيما لا فائدة فيه، وإباحته فيما مست إليه الحاجة .
قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] فيه غموض، وذلك أن في أول الآية النهي عن السؤال ثم قال: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ فأباحه لهم، فقيل: المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه، فحذف المضاف، ولا يصح حمله على غير الحذف.
قال الجرجاني: الكناية في ﴿عَنْهَا﴾ ترجع إلى أشياء أخر، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا
стр. 4493
الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [المؤمنون: ١٢] يعني آدم، ثم قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون: ١٣] أي ابن آدم، لان آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم دل على إنسان مثله، وعرف ذلك بقرينة الحال، فالمعنى: وإن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم، أو مست حاجتكم إلى التفسير، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم، فقد أباح هذا النوع من السؤال. (١)
٢ - النهي عن السؤال فيما لم ينزل فيه وحي وإذا نزل وحي بأمر أبيح لنا أن نسأل وأن نتبين من هذا الأمر ما نحتاج إليه .
قال الطبري: يقول تعالى ذكره للذين نهاهم من أصحاب رسول الله ﷺ ، عن مسألة رسول الله ﷺ عما نهاهم عن مسألتهم إياه عنه من فرائض لم يفرضها الله عليهم، وتحليل أمور لم يحلها لهم، وتحريم أشياء لم يحرمها عليهم قبل نزول القرآن بذلك، أيها المؤمنون السائلون عما سألوا عنه رسولي، مما لم أنزل به كتابًا أو وحيًا؛ لا تسألوا عنه: فإنكم إن أظهر ذلك لكم تبيانًا بوحي وتنزيل ساءكم؛ لأن التنزيل بذلك إذا جاءكم إنما يجئكم بما فيه امتحانكم واختباركم، إما بإيجاب عمل عليكم ولزوم فرض لكم؛ وفي ذلك عليكم مشقة ولزوم مؤنة وكلفة، وإما بتحريم ما لو لم يأتكم بتحريمه وحي كنتم من التقديم عليه فسحة وسعة، وإما ما بتحليل ما تعتقدون تحريمه، وفي ذلك لكم مساءة لنقلكم عما كنتم ترونه حقًّا، إلى ما كنتم ترونه باطلًا، ولكنكم إن سألتم عنها بعد نزول القرآن بها، وبعد ابتدائكم ببيان أمرها في كتابي إلى رسولي إليكم، ليسَّر عليكم ما أنزلته إليه من بيان كتابي، وتأويل تنزيلي ووحيي (٢).
٣ - إلا أنهما في كون كل واحد منهما مسئولًا عنه شىء واحد، فلهذا الوجه حسن اتحاد الضمير، وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين . (٣)
أما عن قولهم إن محمدًا ﷺ لما رأى أن أصحابه بدأوا يسألونه أسئلة لا يجد لها جوابًا، خشي من ذلك فقال إن الله أنزل هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ
стр. 4494
تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
فالجواب كالتالي: معنى أن محمدًا ﷺ كان يُسأل أسئلة ولا يجد لها جوابًا، فخشي من ذلك، فقال: إن الله أنزل الآية، يدل على أن القرآن من عند النبي ﷺ وهذا خطأ؛ لأن القرآن هو كلام رب العالمين ﵎ نزل من عنده على النبي محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ٢] فيه دلالة على أن القرآن نزل من عند الله ﵎.
والسؤال كيف يخشى النبي ﷺ أسئلتهم، ثم يقول لهم لقد أنزلت هذه الآية؟
ولكن علم الله ﵎ بمثل هذه الأسئلة التي لا فائدة فيها، فأنزل على النبي ﷺ هذه الآية فقرأها عليهم.
ففي هذا القول دعوى لتكذيب النبي ﷺ وهي دعوى باطلة ساقطة ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣].
٤ - النبي ﷺ رسول أوحي إليه، فكلامه وحي من عند الله، فكيف يخشى النبي محمد ﷺ من الإجابة على أسئلتهم ما دامت الإجابة ستأتي له ؟
وهذا يدل على بطلان كلامهم، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] كان ﷺ يبلغ الناس؛ فإن لم يكن عنده جواب، أنزل الله الوحي فأجاب على من سأل؛ فحينئذ ما خشي النبي ﷺ من سؤال القوم؛ لأنه لم يجد جوابًا فقال لهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
وكيف يخشى النبي ﷺ من الإجابة على أسئلتهم، وقد نص الحديث: من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فعن أَنسٍ بنِ مَالِكٍ ﵁ أن النبي ﷺ خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر، فلما سلم، قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورًا عظامًا، ثم قال: "من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فو الله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا"، قال أنس: فأكثر الناس البكاء، وأكثر رسول الله ﷺ -
стр. 4495
أن يقول: "سلوني"، فقال أنس: فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: "النار"، فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: "أبوك حذافة"، قال: ثم أكثر أن يقول: "سلوني سلوني"، فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ رسولًا، قال: فسكت رسول الله ﷺ حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، لقد عرضت علي الجنة والنار آنفًا، في عرض هذا الحائط، وأنا أصلي، فلم أر كاليوم في الخير والشر". (١)
وقد وُجِّهَت إلى رسول الله ﷺ أسئلةٌ وليس عنده جواب، حتى آتاه الوحي فأجاب عنها، كما في حديث ابن مسعود، قال: بينما أنا أمشي مع النبي ﷺ في حرث، وهو متكئ على عسيب، إذ مر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقالوا: ما رابكم إليه، لا يستقبلكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فقام إليه بعضهم فسأله عن الروح، قال: فأسكت النبي ﷺ ، فلم يرد عليه شيئًا، فعلمت أنه يوحى إليه، قال: فقمت مكاني، فلما نزل الوحي قال: " ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ ". (٢)
* * *
стр. 4496
١٠ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي محمدًا ﷺ صاحب مطامع دنيوية .
نص الشبة:
ادَّعَوا أن رسالة محمدٍ ﷺ كانت تسعى لأهدافٍ ماديةٍ وفوائدَ اقتصاديةٍ وليس للدعوة إلى الله تعالى، فبدأ يشن الحروب لهذا الغرض، وكذلكم استدلوا بقوله تعالى: "تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا" الآية.
والرد على ذلك من وجوه:
أولًا: الرد الإجمالي .
ثانيًا: الرد التفصيلي وبيانه من عدة وجوه.
الوجه الأول: لا دليل على هذه الشبهة من واقع حياة النبي ﷺ وعيشه.
الوجه الثاني: زهد النبي ﷺ هو أعظم دليلٍ على بطلان حمق هذه الشبهة.
الوجه الثالث: رفض رسول الله ﷺ المال والجاه والنساء عندما عرضه عليه أهل مكة.
الوجه الرابع: حال النبي ﷺ في غزواته ووصاياه لأمرائه وعفوه عن أهل مكة بعد فتحها.
الوجه الخامس: كان النبي ﷺ أجود الناس وأكرمهم.
الوجه السادس: حال النبي ﷺ عند رحيله من الدنيا؛ وأنه ما كان يملك لا أقل القليل.
الوجه السابع: لم يكن النبي ﷺ يدخر شيئًا لغدٍ بل كان أقصر الناس أملًا في الدنيا.
الوجه الثامن: العلة من مهاجمة عير قريشٍ هي استرداد بعض حقوق المسلمين التي سلبتها ونهبتها قريش.
الوجه التاسع: الرد على استدلالهم بقوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ الآية.
وإليك التفصيل
أولًا: الرد الإجمالي.
اتهام النبي ﷺ بأنه صاحب مطامع دنيوية .
من الشبه التي أثارها أعداء الإسلام، وروَّجوا لها بهدف تشويه شخصية محمدٍ ﷺ ، للوصول إلى الطعن في دعوته، وإبعاد الناس عنها، ما يدَّعونه من أنه كان صاحب مطامع دنيويةٍ، لم يكن يظهرها في بداية دعوته في مكة، ولكنه بعد هجرته إلى المدينة بدأ يعمل على
стр. 4497
جمع الأموال والغنائم من خلال الحروب التي خاضها هو وأصحابه، ابتغاء تحصيل مكاسبَ ماديةٍ وفوائد دنيويةٍ، حتى قال بعضهم: عاش محمد هذه السنين بعد هجرته إلى المدينة على التلصص والسلب واللهب. وهذا يفسر لنا تلك الشهوة التي أثرت على نفس محمدٍ، والتي دفعته إلى شن غاراتٍ متتابعةٍ، كما سيطرت على نفس الإسكندر من قبلُ، ونابليون من بعدُ! !
والحق: فإن الناظر في سيرته ﷺ ، والمتأمل في تاريخ دعوته، يعلم علم اليقين أنه ﷺ لم يكن يسعى من وراء كل ما قام به إلى تحقيق أي مكسبٍ دنيويٍّ، يسعى إليه طلاب الدنيا واللاهثون وراءها بل كان أزهد الناس في الدنيا وما فيها، وكان أجود الناس؛ حتى إنه كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وعندما جاءته الدنيا وهي راغمةٌ بعدما فتح الله تعالى عليه بذلها كلها ولم يستبق لنفسه منها شيئًا. وهذا ردٌّ إجماليٌّ مختصر.
أما الرد التفصيليُّ فبيانه فيما يلي:
الوجه الأول: لا دليل على هذه الشبهة من واقع حياة النبي ﷺ وعيشة .
إن ما ذكر في هذه الشبهة لا يوجد عليه دليل في واقع حياة النبي ﷺ ، إذ لو كان كما قيل لعاش عيش الملوك، في القصور والبيوت الفارهة، واتخذ من الخدم والحراس والحشم؛ بينما الواقع يشهد بخلاف ذلك، إذ كان في شظفٍ من العيش، مكتفيًا بما يقيم الحياة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَقَالَ يَا نَبِيَّ الله لَوْ اتَّخَذْتَ فِرَاشًا أَوْثَرَ مِنْ هَذَا فَقَالَ مَا لِي وَللدُّنْيَا مَا مَثَلي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا (١).
وِفي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ الله ﷺ مِنْ أَدَمٍ وَحَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ (٢).
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبِيتُ اللَّيَالي المُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا وَأَهْلُهُ لَا يَجِدُونَ عَشَاءً.
قَالَ: وَكَانَ عَامَّةُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ (٣).
стр. 4498
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ الله ﷺ نَارٌ فَقُلْتُ: يَا خَالَةُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الْأَسْوَدَانِ؛ التَّمْرُ وَالمَاءُ (١).
الوجه الثاني: زهد النبي ﷺ هو أعظم دليل على بطلان حمق هذه الشبهة .
ثم إن هذه الشبهة تتناقض مع الزهد الذي عُرِفَ به النبي ﷺ ، وحث عليه أصحابَه ﵃ ففي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : : اللهمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا. (٢)
وعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا يَسُرُّني أَنْ يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثٌ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إلا إِلَّا شَيْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ". (٣)
ولم يكن ﷺ زاهدًا في نفسه وفقط بل كان يُعلِّم أصحابه الزهد ويربيهم عليه.
كان ﷺ يحث أصحابه ﵃ على الزهد فقد صح عنه أنه قال: "إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا". (٤)
وقرن في التحذير بين فتنة الدنيا وفتنة النساء، فقال: "إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ الله مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؛ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ". (٥)
وكان يأمر أصحابه بالتعفف والتصبر والاستغناء عما في أيدي غيرهم -أو عما ليس في أيديهم- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَألوا رَسُولَ الله ﷺ فأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَألوهُ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَألوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: "مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَغفِفْ يُعِفَّهُ الله، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ الله،
стр. 4499
وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ". (١)
الوجه الثالث: رفض رسول الله ﷺ المال والجاه والنساء عندما عرضه عليه أهل مكة .
ومما يدحض هذه الشبهة وينقضها من أساسها أن أهل مكة عرضوا على رسول الله ﷺ المال، والملك، والجاه؛ من أجل أن يتخلى عن دعوته فرفض ذلك كله، وفضَّل أن يبقى على شظف العيش مع الاستمرار في دعوته، ولو كان من الراغبين في الدنيا لما رفضها وقد أتته من غير عناءٍ.
قال عتبة بن ربيعة يومًا وهو جالس في نادي قريشٍ والنبي ﷺ جالسٌ في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أمورًا؛ لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنَّا؟ وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون. فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا أبن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السِّطةِ في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمرٍ عظيمٍ فرّقْتَ به جماعتهم، وسَفَهْتَ به أحلامَهم، وعِبْتَ به آلهتَهم ودينَهم، وكَفَّرْتَ به مَن مضى مِن آبائهم؛ فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها؛ لعلك تقبل منا بعضها. فقال رسول الله ﷺ : قل يا أبا الوليد أسمع. قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا؛ جمعنا لك من أموالنا؛ حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سَوَّدناك علينا؛ حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا في أموالنا حتى نبرئك منه؛ فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوَى منه.
حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه. قال: "أقد فرغت يا أبا الوليد؟ " قال: نعم. قال: "فاسمع مني". قال: أفعل، قال: " ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤)﴾ إلى أن بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾
стр. 4500
(فصلت: ١ - ١٣) ثم مضى رسول الله ﷺ فيها يقرؤها عليه فلما سمعها عتبة منه أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد. ثم قال: "قد سمعتَ يا أبا الوليد ما سمعتَ فأنت وذاك". (١)
وفي روايةٍ: وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرًا. (٢)
الوجه الرابع: حال النبي ﷺ في غزواته ووصاياه لأمرائه وعفوه عن أهل مكة بعد فتحها .
أن الوصايا التي كان يزود بها قادة جيوشه تدل على أنه ﷺ لم يكن طالب مغنمٍ، ولا صاحب شهرةٍ، بل كان هدفه الأوحد والوحيد إبلاغ دين الله للناس، وإزالة العوائق المعترضة سبيل الدعوة، فها هو يوصي معاذ بن جبلٍ ﵁ عندما أرسله إلى اليمن بقوله: "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا الله تَعَالَى فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الله قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ" (٣).
وهو ﷺ لم يقاتل أحدًا قبل دعوته إلى الإسلام، الذي تصان به الدماء والحرمات.
ويجدر بنا هنا أن نذكر موقفه ﷺ يوم فتح مكة، فهذه قريشٌ قد بالغت في أذاه ﷺ ، وأحكمت قبضتها منه، ثم أخرجته من بين أهله، وعشيرته. قتلوا من أصحابه في يوم أُحُدٍ سبعين وجرحوا آخرين، ومن قبلُ في مكة قتلوا وعذبوا وشردوا، وطردوا المسلمين من مكة بعد أن جَرَّدوهم من كل ما يملكون من هذه الدنيا، وجُرِحَ رسول الله ﷺ يوم أُحُدٍ وكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وشُجَّ وجهه ﷺ وهو يقول: "اللهمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" (٤)
стр. 4501
وعن سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى الله وَمَنْ مَعَهُ مِنْ المُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: "اغْزُوا بِاسْمِ الله، فِي سَبِيلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالله، اغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَمْثُلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَليدًا". (١)
قَالَ عَبْدُ الله بنُ مَسْعُودٍ ﵁: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: "اللهمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ". (٢)
ثم أمكنه الله تعالى منهم فعاد فاتحًا مكة ومعه أكثر من عشرة آلافٍ معهم السيوف مسلطة على رؤوس قريش، وهو يقول لهم: "ما ترون أني صانعٌ بكم؟ " قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ، وابنُ أخٍ كريمٍ، قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، ولم يجعل منها فيئًا قليلًا ولا كثيرًا، لا دارًا ولا أرضًا ولا مالًا، ولم يسب من أهلها أحدًا، وقد قاتله قومٌ فيها فقتلوا وهربوا فلم يأخذ من متاعهم شيئًا، ولم يجعله فيئًا. (٣)
وقد كان ﷺ قادرًا على أن يأسرهم جميعًا، ويسبي نساءهم وذراريهم، ويستولي على أموالهم وما يملكون، لكنه ﷺ سيد ولد آدم وخاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ .
الوجه الخامس: كان النبي ﷺ أجود الناس وأكرمهم .
ومما يُرَدُّ به على هذه الفرية أن رسول الله ﷺ كان أجود الناس وأكرمهم.
ففي الصحيحين عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ. فَرَسُولُ الله ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. (٤)
стр. 4502
عَنْ أنسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَوَ الله إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ، فَقَالَ أَنَسٌ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا. (١)
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِبُرْدَةٍ فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ فَقَالَ الْقَوْمُ: هِيَ الشَّمْلَةُ، فَقَالَ سَهْلٌ: هِيَ شَمْلَةٌ مَنْسُوجَةٌ فِيهَا حَاشِيَتُهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله أَكْسُوكَ هَذِهِ فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إليهَا فَلَبِسَهَا، فَرَآهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا أَحْسَنَ هَذِهِ! فَاكْسُنِيهَا، فَقَالَ: "نَعَمْ"، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ لَامَهُ أَصْحَابُهُ قَالُوا: مَا أَحْسَنْتَ حِينَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا مُحْتَاجًا إليهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ إِيَّاهَا وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعَهُ! فَقَالَ: رَجَوْتُ بَرَكَتَهَا حِينَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ لَعَلِّي أُكَفَّنُ فِيهَا. (٢)
وفي روايةٍ: قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ.
وفي روايةٍ: فَجَلَسَ مَا شَاءَ الله فِي المَجْلِسِ ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إليه.
قيل: ويحتمل أن يكون المراد بهذه الكثرة الدراهم، فإن رسول الله ﷺ قسم بين رجلين من النعم والشاه ما هو أكثر من هذا المال المذكور في هذا الحديث.
الوجه السادس: حال النبي ﷺ عند رحيله من الدنيا وأنه ما كان يملك إلا أقل القليل .
ومما يَرُدُّ أيضًا على هذه الفرية أن رسول الله ﷺ قد ارتحل من الدنيا ولم يكن له فيها إلا أقل القليل، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ الله ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. (٣)
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَمَا فِي بَيْتِي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ (٤).
стр. 4503
وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ (١).
وفي روايةٍ: تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ (٢).
الوجه السابع: لم يكن رسول الله ﷺ يدخر شيئًا لغدٍ وكان قصير الأمل ﷺ -.
فَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ. (٣)
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرَّةِ المَدِينَةِ فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "مَا يَسُرُّني أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ الله هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا". (٤)
وعن عائشة ﵂ قالت: أتت رسولَ الله ﷺ ثمانيةُ دراهم بعد أن أمسينا فلم يزل قائمًا وقاعدًا لا يأتيه النوم، حتى سمع سائلًا يسأل، فخرج من عندي، فما عدا أن دخل فسمعت غطيطه، فلما أصبح قلت: يا رسول الله رأيتك أول الليل قائمًا وقاعدًا لا يأتيك النوم حتى خرجت من عندي فما عدا أن دخلْتَ فسمعتُ غطيطَك، قال: "أجل أتَتْ رسولَ الله ثمانيةُ دراهمَ بعد أن أمسى، فما ظن رسول الله أن لو لقي الله وهي عنده". (٥)
الوجه الثامن: العلة من مهاجمة عير قريش .
أراد رسول الله ﷺ أن يسترد شيئًا مما نهبه المشركون من المسلمين عند الهجرة بمهاجمته ﷺ لعير قريش يوم بدر.
أما بشأن تعرض النبي ﷺ والمسلمين لقوافل قريشٍ قبل بدر، فإنها إنما كانت أموال المسلمين أنفسهم، تركوها في مكة بعد طول تعذيبٍ وتنكيلٍ، وتركوا معها الأهل والولد
стр. 4504
والوطن، وهاجروا إلى المدينة عُزْلًا لا يملكون من قوت يومهم شيئًا، وذلك فرارًا بدينهم، وطلبًا لمكانٍ يعبدون فيه ربهم دون أن يتعرض لهم أحد، وقد قامت قريشٌ بالاستيلاء على جميع ممتلكات المهاجرين هؤلاء، واستباحت ديارهم وأموالهم، وليس أدلَّ على ذلك من تجريدهم لأموال صهيبٍ الرومي.
الوجه التاسع: الرد على استدلالهم بقول الله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ الآيات، وذلك من وجوه:
الأول: معنى الآيات .
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾ (الأنفال: ٦٧).
قال الإمام الطبري: ما كان لنبيٍّ أن يحتبس كافرًا قدر عليه وصار في يده من عبدة الأوثان للفداء أو للمنّ. و (الأسر) في كلام العرب: الحبس، يقال منه: (مأسورٌ)، يراد به: محبوس. وإنما قال الله جل ثناؤه ذلك لنبيه محمد ﷺ يعرِّفه أن قتل المشركين الذين أسرهم ﷺ يوم بدرٍ ثم فادى بهم، كان أولى بالصواب من أخذ الفدية منهم وإطلاقهم.
وقوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، يقول: حتى يبالغ في قتل المشركين فيها، ويقهرهم غلبة وقسرًا، يقال منه: أثخن فلان في هذا الأمر، إذا بالغ فيه. وحُكِيَ: أثخنته معرفةً، بمعنى: قتلته معرفةً. ﴿تُرِيدُونَ﴾، يقول للمؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿تُرِيدُونَ﴾ أيها المؤمنون، ﴿عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ بأسركم المشركين، وهو ما عَرَض للمرء منها من مالٍ ومتاعٍ. يقول: تريدون بأخذكم الفداء من المشركين متاع الدنيا وطُعْمها ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾، يقول: والله يريد لكم زينة الآخرة وما أعدّ للمؤمنين وأهل ولايته في جناته، بقتلكم إياهم وإثخانكم في الأرض. يقول لهم: فاطلبوا ما يريد الله لكم وله اعملوا، لا ما تدعوكم إليه
стр. 4505
أهواء أنفسكم من الرغبة في الدنيا وأسبابها ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾، يقول: إن أنتم أردتم الآخرة، لم يغلبْكم عدوٌّ لكم، لأن الله عزيزٌ لا يُقهرُ ولا يُغلَبُ وأنه ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره أمرَ خلقه. (١)
قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال: ٦٨).
قال الطبري: يقول تعالى ذكره لأهل بدرٍ الذين غنموا وأخذوا من الأسرى الفداءَ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ يقول: لولا قضاءٌ من الله سبق لكم أهلَ بدرٍ في اللوح المحفوظ، بأن الله مُحِلٌّ لكم الغنيمة، وأن الله قضى فيما قضى أنه لا يُضِلُّ قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، وأنه لا يعذب أحدًا شهد المشهد الذي شهدتموه ببدرٍ مع رسول الله ﷺ ناصرًا دينَ الله لنَالَكُمْ من الله بأخذكم الغنيمة والفداء، عذابٌ عظيمٌ. (٢)
قال القاضي عياض: وأما قوله في أساري بدرٍ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ (الأنفال: ٦٧ - ٦٨) فليس فيه إلزام بذنب للنبي ﷺ ، بل فيه بيان ما خُصَّ به وفُضِّل من بين سائر الأنبياء، فكأنه قال: ما كان هذا لنبيٍّ غيرِك، كما قال ﷺ : "أُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي". (٣)
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؟
قيل: المعنى بالخطاب لمن أراد ذلك منهم، وتجرد غرضه لعرض الدنيا وحده، والاستكثار منها، وليس المراد بهذا النبي ﷺ ولا عِلْيَة أصحابه ﵃ بل قد رُوِيَ عن الضحاك: أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر واشتغل الناس بالسلب وجمع الغنائم عن القتال، حتى خشي عمرُ أن يعطف عليهم العدو. ثم قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ فاختلف المفسرون في معنى الآية، فقيل:
стр. 4506
معناها: لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحدًا إلا بعد النهي لعذبتكم. فهذا ينفي أن يكون أمر الأسر معصيةً.
وقيل: المعنى لولا إيمانُكم بالقرآن، وهو الكتاب السابق، فاستوجبتم به الصفح لعوقبتم على الغنائم.
ويزاد هذا القول تفسيرًا وبيانًا بأن يقال: لولا إن كنتم بمؤمنين بالقرآن، وكنتم ممن أُحلت لهم الغنائم لعوقبتم كما عوقب من تعدَّى.
وقيل: لولا أنه سبق في اللوح المحفوظ أنها حلال لكم لعوقبتم. فهذا كله ينفي الذنب والمعصية؛ لأن من فعل ما أُحِلَ له لم يعص، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (الأنفال: ٦٩).
وقيل: بل كان رسول الله ﷺ قد خيِّر في ذلك، وقد روي عن عليٍّ ﵁ قال: جاء جبريل يوم بدرٍ إلى النبي ﷺ فقال: خَيِّر أصحابك من الأساري إن شاءوا في القتل، وإن شاءوا في الفداء على أن يُقْتَلَ عامًا مقبلًا مثلُهم منهم، فقالوا: الفداءُ ويقتلُ منا. (١)
وهذا دليلٌ على صحة ما قلناه، وأنهم لم يفعلوا إلا ما أُذِنَ لهم فيه، لكنَّ بعضَهم مالَ إلى أضعفِ الوجهين مما كان الأصلحُ غيرَه من الإثخانِ والقتلِ، فعوتبوا على ذلك، وبيَّن لهم ضعفَ اختيارِهم وتصويبَ اختيارِ غيرِهم، وكلهم غير عصاة ولا مذنبين. وإلى هذا أشار الطبري.
وقال الداوودي: والخبر بهذا لا يثبت، ولو ثبت لما جاز أن يُظَنَّ أن النبي ﷺ حكم بما لا نصَّ فيه ولا دليل من نصٍّ، ولا جُعِلَ الأمر فيه إليه، وقد نزهه الله تعالى عن ذلك.
وقال القاضي بكر بن العلاء: أخبر الله تعالى نبيه في هذه الآية أن تأويله وافق ما كتب له من إحلال الغنائم والفداء، وقد كان قبل هذا فادوا في سرية عبد الله بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرمي بالحكم بن كيسان وصاحبه، فما عتب الله ذلك عليهم، وذلك قبل بدر بأزيد من عام.
стр. 4507
فهذا كله يدل على أن فعل النبي ﷺ في شأن الأسرى كان على تأويلٍ، وبصيرة. وعلى ما تقدم قبل مثله فلم ينكره الله تعالى عليهم، لكن الله تعالى أراد لعظم أمر بدرٍ وكثرة أسراها. والله أعلم. إظهار نعمته، وتأكيد منته بتعريفهم ما كتبه في اللوح المحفوظ من حل ذلك لهم، لا على وجه عتابٍ وإنكارٍ وتذنيبٍ، هذا معنى كلامه. (١)
الوجه الثاني: كلمة ﴿تُرِيدُونَ﴾ موجهة لجمع الأصحاب الذين أرادوا المال وليس للنبي ﷺ .
قال صاحب تفسير البحر المحيط: وقرأ أبو الدرداء وأبو حيوة ما كان للنبي معرّفًا، والمراد به في التنكير، والتعريف الرسول ﷺ ، ولكن في التنكير إبهام في كون النفي لم يتوجه عليه معينًا، وكيفية هذا النفي وهو هنا على حذف مضاف، أي ما كان لأصحاب نبي أو لأتباع نبيّ، فحذف اختصارًا ولذلك جاء الجمع في قوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ ولم يجئ التركيب تريد أو يريد عرض الدنيا لأنه ﷺ لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب، ولا أراد عرض الدنيا قط، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب.
ثم قال: وكانوا مالوا إلى الفداء ليقووا ما يصيبونه على الجهاد، وإيثارًا للقرابة، ورجاء الإسلام، وكان الإثخان والقتل أهيب للكفار، وأرفع لمنار الإسلام، وكان ذلك إذ المسلمون قليل، فلما اتسع نطاق الإسلام وعزّ أهله نزل ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (محمد: ٤). (٢)
وقال أيضًا: والذي أقوله: أنهم كانوا مأمورين أوّلًا بقتل الكفار في غير ما آية كقوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (النساء: ٨٩) ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ (البقرة: ١٩١) فلما كانت وقعة بدر، وأسروا جماعة من المشركين، اختلفوا في أخذ الفداء منهم، وفي قتلهم، فعوتب من رأى الفداء؛ إذ كان قد تقدّم الأمر بالقتل، حيث لم يستصحبوا امتثال الأمر، ومالوا إلى الفداء، وحرصوا على تحصيل المال، ثم بعد هذه المعاتبة أمر الرسول بقتل بعض، والمنّ بالإطلاق في بعض، والفداء في بعض، فكان ذلك نسخًا لتحتّم القتل، ثم
стр. 4508
قال تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ﴾ في تأييدكم ونصركم وقهركم أعداءكم، حتى استوليتم عليهم قتلًا وأسرًا ونهبًا، على قلّة عددكم وعددكم ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من غنائمهم وفدائهم عذاب عظيم منهم، لكونهم كانوا أكثر عددًا منكم وعددًا، ولكنه سهل تعالى عليكم، ولم يمسّكم منهم عذاب لا بقتل ولا أسر ولا نهب، وذلك بالحكم السابق في قضائه، أنه يسلّطكم عليهم ولا يسلّطهم عليكم، فليس المعنى لمسكم من الله، وإنما المعنى لمسكم من أعدائكم، كما قال: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ وقال: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ أي مما غنمتم، ومنه ما حصل بالفداء الذي أقره الرسول ﷺ وقال: "لا يفلتن منهم رجل إلا بفدية أو ضرب عنق" وليس هذا الأمر مُنْشِئًا لإباحة الغنائم، إذ قد سبق تحليلها قبل يوم بدر؛ ولكنه أمر يفيد التوكيد واندراج مال الفداء في عموم ما غنمتم؛ إذ كان قد وقع العتاب في الميل للفداء، ثم أقرّه الرسول ﷺ وانتصب (حلالًا) على الحال من ما إن كانت موصولة، أو من ضميره المحذوف، أو على أنه نعت لمصدر محذوف، أي أكلًا حلالًا، وجوّزوا في (ما) إن تكون مصدرية وروي أنهم أمسكوا عن الغنائم، ولم يمدّوا أيديهم إليها فنزلت، وجعل الزمخشري قوله ﴿فَكُلُوا﴾ متسبّبًا عن جملة محذوفة، هي سبب، وأفادت ذلك الفاء وقدّرها قد أبحت لكم الغنائم فكلوا، وقال الزجاج الفاء للجزاء، والمعنى قد أحللت لكم الفداء فكلوا، وأمر تعالى بتقواه؛ لأن التقوى حاملة على امتثال أمر الله، وعدم الإقدام على ما لم يتقدّم فيه، إذن ففيه تحريض على التقوى من مال إلى الفداء، ثم جاءت الصفتان مشعرتين بغفران الله ورحمته عن الذين مالوا إلى الفداء قبل الإذن. (١)
وقال الزمخشري: معناه إذا اتقيتموه بعدما فرط منكم من استباحة الفداء قبل أن يؤذن لكم فيه، غفر لكم ورحمكم وتاب عليكم. (٢)
стр. 4509
وقال ابن عطية: وجاء قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ اعتراضًا فصيحًا في أثناء القول؛ لأن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هو متصل بقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، وقيل: غفور لما أتيتم، رحيم بإحلال ما غنمتم (١)(٢).
قال الإمام الرازي: تمسك الطاعنون في عصمة الأنبياء ﵇ بهذه الآية من وجوه:
الأول: أن قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ صريحٌ في أن هذا المعنى منهي عنه، وممنوع من قِبَلِ الله تعالى. ثم إن هذا المعنى قد حصل، ويدل عليه وجهان: الأول: قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ (الأنفال: ٧٠) الثاني: أن الرواية التي ذكرناها قد دلت على أنه ﷺ ما قتل أولئك الكفار، بل أسرهم، فكان الذنب لازمًا من هذا الوجه.
الثاني: أنه تعالى أمر النبي ﷺ وجميع قومه يوم بدرٍ بقتل الكفار، وهو قولُهُ: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (الأنفال: ١٢) وظاهر الأمر للوجوب، فلما لم يقتلوا بل أسروا كان الأسر معصية.
الثالث: أن النبي ﷺ حكم بأخذ الفداء، وكان أخذ الفداء معصية، ويدل عليه وجهان: الأول قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ وأجمع المفسرون على أن المراد من عرض الدنيا هاهنا هو أخذ الفداء. والثاني: قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ وأجمعوا على أن المراد بقوله: ﴿أَخَذْتُمْ﴾ ذلك الفداء.
الرابع: أن النبي ﷺ وأبا بكر بكيا، وصرح الرسول ﷺ أنه إنما بكى لأجل أنه حكم بأخذ الفداء، وذلك يدل على أنه ذنبٌ.
الخامس: أن النبي ﷺ قال: "إن العذاب قرب نزوله ولو نزل لما نجا منه إلا عمر"
стр. 4510
وذلك يدل على الذنب، فهذه جملة وجوهٍ تمسك القوم بهذه الآية.
والجواب عن الوجه الذي ذكروه أولًا: أن قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ يدل على أنه كان الأسر مشروعًا، ولكن بشرط سبق الإثخان في الأرض، والمراد بالإثخان هو القتل والتخويف الشديد، ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقًا عظيمًا، وليس من شرط الإثخان في الأرض قتل جميع الناس. ثم إنهم بعد القتل الكثير أسروا جماعة، والآية تدل على أن بعد الإثخان يجوز الأسر فصارت هذه الآية دالةً دلالةً بيِّنةً على أن ذلك الأسر كان جائزًا بحكم هذه الآية، فكيف يمكن التمسك بهذه الآية في أن ذلك الأسر كان ذنبًا ومعصيةً؟ ويتأكد هذا الكلام بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (محمد: ٤).
فإن قالوا: فعلى ما شرحتموه دلت الآية على أن ذلك الأسر كان جائزًا والإتيان بالجائز المشروع لا يليق ترتيب العقاب عليه، فلم ذكر الله بعده ما يدل على العقاب؟
فنقول: الوجه فيه أن الإثخان في الأرض ليس مضبوطًا بضابطٍ معلومٍ معينٍ، بل المقصود منه إكثار القتل بحيث يوجب وقوع الرعب في قلوب الكافرين، وأن لا يجترئوا على محاربة المؤمنين، وبلوغ القتل إلى هذا الحد المعين لا شك أنه يكون مفوضًا إلى الاجتهاد، فلعله غلب على ظن الرسول ﷺ أن ذلك القدر من القتل الذي تقدم كفى في حصول هذا المقصود، مع أنه ما كان الأمر كذلك فكان هذا خطًا واقعًا في الاجتهاد في صورة ليس فيها نص، وحسنات الأبرار سيئات المقربين. فحسن ترتيب العقاب على ذكر هذا الكلام لهذا السبب، مع أن ذلك لا يكون البتة ذنبًا ولا معصيةً.
والجواب عن الوجه الذي ذكروه ثانيا أن نقول:
إن ظاهر قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ أن هذا الخطاب إنما كان مع الصحابة لإجماع المسلمين على أنه ﷺ ما كان مأمورًا أن يباشر قتل الكفار بنفسه، وإذا كان هذا الخطاب مختصًا بالصحابة، فهم لما تركوا القتل وأقدموا على الأسر، كان الذنب صادرًا
стр. 4511
منهم لا من الرسول ﷺ . ونقل أن الصحابة لما هَزَموا الكفارَ وقتلوا منهم جمعًا عظيمًا، والكفارُ فروا ذهب الصحابةُ خلفَهم، وتباعدوا عن الرسول ﷺ وأسروا أولئك الأقوام، ولم يعلم الرسول ﷺ بإقدامهم على الأسر إلا بعد رجوع الصحابة إلى حضرته، وهو ﷺ ما أسر وما أمر بالأسر، فزال هذا السؤال.
فإن قالوا: هب أن الأمر كذلك، لكنهم لما حملوا الأساري إلى حضرته فلِمَ لَمْ يأمر بقتلهم امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾.
قلنا: إن قوله: ﴿فَاضْرِبُوا﴾ تكليفٌ مختصٌ بحالة الحرب عند اشتغال الكفار بالحرب، فأما بعد انقضاء الحرب فهذا التكليف ما كان متناوَلًا له. والدليل القاطع عليه أنه ﷺ استشار الصحابة في أنه بماذا يعاملهم، ولو كان ذلك النصُّ متناولًا لتلك الحالة، لكان مع قيام النص القاطع تاركًا لحكمه، وطالبًا ذلك الحكم من مشاورة الصحابة، وذلك محُالٌ، وأيضًا فقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ أمرٌ، والأمرُ لا يفيد إلا المرةَ الواحدةَ، وثبت بالإجماع أن هذا المعنى كان واجبًا حال المحاربة فوجب أن يبقى عديمَ الدلالة على ما وراء وقت المحاربة، وهذا الجواب شافٍ.
والجواب عما ذكروه ثالثًا وهو قولهم: إنه ﷺ حكم بأخذ الفداء، وأخذ الفداء محرمٌ.
فنقول: لا نسلم أن أخذ الفداء محرمٌ، وأما قوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ فنقول: هذا لا يدل على قولكم، وبيانه من وجهين:
الأول: أن المراد من هذه الآية حصول العتاب على الأسر لغرض أخذ الفداء، وذلك لا يدل على أن أخذ الفداء محرمٌ مطلقًا.
الثاني: أن أبا بكر ﵁ قال: الأولى أن نأخذ الفداء لتقوى العسكر به على الجهاد، وذلك يدل على أنهم إنما طلبوا ذلك الفداء للتقوىِ به على الدين، وهذه الآية تدل على ذم من طلب الفداء لمحض عرض الدنيا ولا تعلق لأحد البابين بالثاني. وهذان الجوابان بعينهما هما الجوابان
стр. 4512
عن تمسكهم بقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
والجواب عما ذكروه رابعًا:
أن بكاء الرسول ﷺ يحتمل أن يكون لأجل أن بعض الصحابة لما خالف أمر الله في القتل، واشتغل بالأسر استوجب العذاب، فبكى الرسول ﷺ خوفًا من نزول العذاب عليهم، ويحتمل أيضًا ما ذكرناه أنه ﷺ اجتهد في أن القتل الذي حصل هل بلغ مبلغ الإثخان الذي أمره الله به في قوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ ووقع الخطأ في ذلك الاجتهاد، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فأقدم على البكاء لأجل هذا المعنى.
والجواب عما ذكروه خامسًا: أن ذلك العذاب إنما نزل بسبب أن أولئك الأقوام خالفوا أمر الله بالقتل، وأقدموا على الأسر حال ما وجب عليهم الاشتغال بالقتل، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة. والله أعلم. (١)
قال الإمام الرازي أيضًا:
تمسكوا بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآيتان.
والاستدلال من ثلاثة أوجه:
الأول: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ وذلك يقتضي أن يكون استبقاء الأسرى محرمًا.
الثاني: قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ وذلك مذكورٌ في معرض الذم.
الثالث: قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾.
الجواب: الذي يدل على براءة منصب الأنبياء في هذه الواقعة عن كل ما لا ينبغي:
أولًا: أنه إما أن يكون قد أوحى إليه في جواز الأسر وخَطَرَ إليه شيء، أو ما أوحي إليه شيء؛ فإن كان قد أوحى إليه شيء لم يجز للنبي ﷺ أن يستشير أصحابه فيه؛ لأنه مع قيام النص وظهور الوحي لا يجوز الاشتغال بالاستشارة، وإن لم يوح إليه شيء البتة لم يتوجه
стр. 4513
عليه ذنب البتة.
ثانيًا: أن ذلك الحكم لو كان خطًا لأمر الله تعالى بنقضه، فكان يؤمر بقتل الأسرى ويرد ما أخذ منهم، قلنا: لما لم يكن كذلك بل قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (الأنفال: ٦٩) علمنا أنه لم يوجد خطأ في ذلك الحكم البتة.
ثالثا: أنه ﷺ لم يشتغل بالاستغفار واللوم، وذلك يدل على عدم الذنب على ما تقدم، وإذ قد بيَّنا ذلك فنقول: كما يأتي العتاب على ترك الواجب فقد يأتي أيضا على ترك الأولى، والأولى في ذلك الوقت الإثخان وترك الفداء قطعًا للأطماع وحسمًا للنزاع، ولولا أن ذلك من باب الأولى لما فوَّض النبيُّ ﷺ ذلك إلى الأصحاب، وهذا هو العذر عن قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾.
فأما قوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ فهو خطاب جمع فيصرف ذلك إلى القوم الذين رغبوا في المال.
وهذا يدل على أن المعاتَبَ في شأن الأساري هو غير النبي ﷺ بل يجب أن يكون سواه، والقصة معروفة؛ لأن الله تعالى أمر نبيه ﷺ بأن يأمر أصحابه أن يُثْخِنُوا في قتل أعدائهم بقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ وبلَّغ النبيُّ ﷺ ذلك إلى أصحابه فسَهَوا عن ذلك وأسروا يوم بدرٍ جماعةً من المشركين طمعًا في الفداء فأنكر الله تعالى ذلك عليهم، وبيَّن أن الذي أمر به سواه.
وأما قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فمعناه لولا ما سبق من تحليل الغنائم لعذبكم بسبب أخذكم هذا الفداء، وهذا غاية التقريع في تخطئتهم في أخذ الفداء من جهة التدبير.
فإن قلتَ: فإن كان ذلك محلَّلا لهم؛ فما هذا التقريع البالغ؟
стр. 4514
قلتُ: لأن ذلك من باب الحروب، وما كان من ذلك الباب فقد يقع الخطأ فيه من جهة التدبير ويُقَرِّعُ ذلك المخطئ، وإن كان غير مذنب. (١)
والخلاصة في هذه الآية من كل ما سبق:
١ - كان الأسر في غزوة بدرٍ جائزًا، ولكن بعد الإثخان في الأرض والمبالغة في قتل المشركين.
٢ - أُمِرَ النبي ﷺ باستشارة أصحابه ﵃ في شأن الأسرى.
٣ - كلمة ﴿تُرِيدُونَ﴾ موجهة لجمع الأصحاب الذين أرادوا الدنيا وليس للنبي ﷺ .
٤ - الميل إلى الفداء كان غالبًا لأجل التَقَوِّى على الجهاد.
٥ - كان الخبر في غزوة بدر أخذ الفداء من الأسرى -مفاداتهم- بدليل إسلام كثير منهم بعد ذلك، ولكن الله أراد أن يعاتب من أراد الدنيا بأخذ الفداء.
٦ - لأهل بدر منزلة عظيمة عند رب العالمين ليست لأي أحد غيرهم.
* * *
стр. 4515
١١ - شبهة: ادعاؤهم وقوع النبي ﷺ في الذنب .
نص الشبهة:
في آية ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾ (الشرح ٣: ٢) دليل واضح على أن النبي ﷺ وقع في المعاصي، وأنه كان له أوزار تنقض ظهره، لكن الله غفرها له.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: بيان معنى الآية، وفيه عشرة معانٍ.
الوجه الثاني: عصمة النبي ﷺ من الذنوب.
الوجه الثالث: معاصي الأنبياء كما في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: بيان معنى الآية، وفيها عشرة معانِ .
المعنى الأول: عصمناك عن الوزر الذي ينقض ظهرك لو كان ذلك الوزر حاصلًا فسمى العصمة وضعًا مجازًا (١).
قال الرازي: معناه عصمناك عن الوزر الذي ينقض ظهرك، لو كان ذلك الذنب حاصلًا، فسمى العصمة وضعًا مجازًا، فمن ذلك ما روي أنه حضر وليمة فيها دف ومزامير قبل البعثة ليسمع، فضرب الله على أذنه فلم يوقظه إلا حر الشمس من الغد (٢).
قال الماوردي: حفظناك قبل النبوة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليك الوحي وأنت مطهر من الأدناس (٣).
فإن هذه الألفاظ التي يتعارض ظاهرها مع العصمة تحتمل وجوهًا من التأويل:
أن (الوزر) و (الغفران) في الآيتين (٤) مجازًا عن العصمة، والمعنى: عصمناك عن الوزر الذي أنقض ظهرك، لو كان ذلك الذنب حاصلًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ
стр. 4516
لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقوله : ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ والمعنى: لولا عصمتنا ورحمتنا لأتيت ما تذم عليه، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع (١).
فسمى رب العزة العصمة (وضعًا) على سبيل المجاز، وإنما عبر عنها به؛ لأن الذنب يثقل الظهر بعقابه، وبالندم عليه في حالة التوبة منه، والعصمة لكونها تمنع وقوع الذنب، تريح صاحبها من ثقل عقابه، ومن ثقل الندم عليه، فعبر عنها بالوضع لذلك (٢).
ويشهد لصحة هذا القول: سيرة النبي ﷺ قبل النبوة، من عصمة رب العزة له ﷺ من كل ما يمس قلبه وعقيدته بسوء، من أكل ما ذبح على النصب، والحلف بأسماء الأصنام التي كان يعبدها قومه، واستلامها، وكذا عصمته من كل ما يمس خلقه بسوء، من أقذار الجاهلية ومعائبها، من اللهو، والتعري، وكذا تشهد سيرته ﷺ بعد النبوة، من عصمة رب العزة له ﷺ مما عصمه به قبل النبوة، ومن أن يضله أهل الكفر، وأنى لهم ذلك وقد نفاه الله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ كما عصمه ربه من أن يفتنوه عن الوحي، أو التقول عليه، ولو حدث شيء من ذلك، لوقع عقاب ذلك، الوارد في قوله سبحانه: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾، وقوله : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (الحاقة: ٤٤ - ٤٦).
فهل نقل إلينا ولو بطريق ضعيف أن رب العزة عاجله بالعقوبة في الدنيا مضاعفة؟ أو تخلى عن نصرته؟
стр. 4517
الإجابة بالقطع لا، لم ينقل إلينا، وهو ما يؤكد أن الخطاب في آيات الشرط ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ و ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ ونحو ذلك، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع، وبتعبير آخر الشرط في تلك الآيات لا يقتضى الوقوع ولا الجواز.
وإذا صح تسمية العصمة (وضعًا) في قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ مجازًا، صحح أيضًا إطلاق المغفرة كناية عن العصمة في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، والمعنى في الآية: ليعصمك الله فيما تقدم من عمرك، وفيما أخر منه.
قال الإمام السيوطي: وهذا القول في غاية الحسن، وقد عد البلغاء من أساليب البلاغة في القرآن؛ أنه يكنى عن التخفيفات بلفظ المغفرة، والعفو، والتوبة، كقوله تعالى عند نسخ قيام الليل: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ وعند نسخ تقديم الصدقة بين يدي النجوى قال سبحانه: ﴿وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.
وعند نسخ تحريم الجماع ليلة الصيام قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (١).
ووجه إطلاق المغفرة كناية عن العصمة: أن العصمة تحول بين الشخص وبين وقوع الذنب منه، والمغفرة تحول بين الشخص وبين وقوع العقاب عليه، فكنى عن العصمة بالمغفرة بجامع الحيلولة؛ لأن من لا يقع منه ذنب، لا يقع عليه عقاب.
واختيرت هذه الكناية -أعنى الاستعارة- لأن المقام مقام امتنان عليه ﷺ ، ثم المعنى بعد هذا: ليظهر الله عصمتك للناس، فيروا فيك حقيقة الإنسان الكامل، ويلمسوا منك معنى الرحمة العامة، لا تبطرك عزة الفتح، ونشوة النصر، فلا تنتقم، ولا تتشفي؛ ولكن تعفو وتغفر (٢).
وعلى ما تقدم فقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ونحوها من
стр. 4518
الآيات مرادًا بها الحث على دوام الاستغفار والشكر لله ، على ما أنعم عليه من العصمة.
وأقول: إذا لم يسلم الخصم بما سبق من تأويل آيات الذنب والوزر الواردة في حقه ﷺ ، وأخذ بها على ظاهرها، فليبين لنا حقيقة الذنب والوزر الذي ارتكبه رسول الله ﷺ ، سواء قبل النبوة أو بعدها؟ ! .
إنه إن كان ثمَّ ذنب فلن يَخْرُج عن ترك الأَوْلَى، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين وترك الأولى ليس بذنب؛ لأن الأولى وما يقابله مشتركان في إباحة الفعل، والمباحات جائز وقوعها من الأنبياء، وليس فيها قدح في عصمتهم ومنزلتهم؛ لأنهم لا يأخذون من المباحات إلا الضرورات مما يتقوون به على صلاح دينهم، وضرورة دنياهم، وما أخذ على هذه السبيل التحق طاعة، وصار قربة (١).
قال أبو حيان: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾: كناية عن عصمته من الذنوب وتطهيره من الأدناس، عبر عن ذلك بالحط على سبيل المبالغة في انتفاء ذلك، كما يقول القائل: رفعت عنك مشقة الزيارة، لمن لم يصدر منه زيارة، على طريق المبالغة في انتفاء الزيارة منه (٢).
فمعنى ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾: عصمناك من الأوزار التي من شأنها أن تقصم الظهر، فلم يصدر عنك أي ذنب لا قبل النبوة ولا بعدها، إلا أقل الصغائر التي فسرها القرآن الكريم، والسنة النبوية فقط، ولا تُعتبر ذنوبًا.
وكيف يتخيل صدور الذنب في حقه ﷺ وقد عصمه ربه في قوله وفعله وخطابه بقوله سبحانه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾، وقال ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾.
ومن تأمل إجماع الصحابة ﵃ على اتباعه ﷺ والتأسي به في كل ما يقوله ويفعله من قليل أو كثير، أو صغير أو كبير، إلا ما دل على اختصاصه به، ولم يكن عندهم في ذلك
стр. 4519
توقف ولا بحث؛ حتى أعماله في السر والخلوة، يحرصون على العلم بها وعلى إتباعها -علم بهم الرسول ﷺ أو لم يعلم-، ومن تأمل أحوال الصحابة ﵃ معه ﷺ استحى أن يخطر بباله خلاف ذلك (هذا رد الإمام السبكي على الزمخشري في تفسيره للآية الثانية من سورة الفتح بأن المراد: جميع ما فرط منك (١).
المعنى الثاني: الوزر: ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة حتى يبلغها -ثقل الوحي - (٢).
قال الرازي: إن المراد منه تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها وحفظ موجباتها والحافظة على حقوقها، فسهل الله تعالى ذلك عليه، وحط عنه ثقلها بأن يسرها عليه حتى تيسرت له (٣).
وقال الماوردي: أثقل ظهره بالرسالة حتى يبلغها (٤).
إن هذه الألفاظ التي يتعارض ظاهرها مع العصمة، تحتمل وجوهًا من التأويل:
تخريجها على مقتضى اللغة بما يناسب سياقها في الآيات، فالوزر في أصل اللغة الحمل والثقل (٥)، قال تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي أثقالها، وإنما سميت الذنوب بأنها أوزارًا لأنها تثقل كاسبها وحاملها، وإذا كان الوزر ما ذكرناه، فكل شيء أثقل الإنسان وغمه وكده، وجهده، جاز أن يسمى وزرًا، تشبيها بالوزر الذي هو الثقل الحقيقي.
وليس يمتنع أن يكون الوزر في الآية ثقل الوحي، كما قال : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ وعبء التبليغ، وثقل الدعوة، حيث كان الاهتمام بهما يقض مضجعه، حتى سهلهما الله تعالى عليه، ويسرهما له، ويقوى هذا التأويل، سياق الآية الواردة في مقام الامتنان عليه ﷺ ، وقوله : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ والعسر بالشدائد والغموم
стр. 4520
أشبه، وكذلك اليسر بتفريج الكرب، وإزالة الغموم والهموم أشبه.
فإطلاق الوزر من باب الاستعارة التصريحية كما هو معلوم. وفي قراءة ابن مسعود وحللنا عنك وقرك، والوقر: الحمل، وهذه القراءة تؤيد ما قررناه (١).
فالوزرة ما كان يجده النبي ﷺ من الصعوبات الشديدة التي كان يضعها المشركون في سبيل الدعوة إلى الله ، وجحدهم الشديد، وعدم الإصغاء إلى الحق الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور، وهذا الأمر كان حملًا عظيمًا على عاتق النبي ﷺ ، فقد كاد أن يهلك أسفًا على هداية قومه وعنادهم في أول الأمر، حتى قال له ربه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ (الكهف: ٧) (٢).
المعنى الثالث: هذه الآيات سيقت للمدح ولبيان منة الله تعالى على نبيه ﷺ لا لبيان الذنب .
هذا سياق يظهر منَّة الله على رسوله ﷺ ، وبيان عظيم مكانته وفضله عند ربه في الدنيا والآخرة، مما يؤكد أن ظاهر ما يطعن في عصمته غير مراد، وإنما هو في حقيقة الأمر من جملة ما يمدح به ﷺ ، وتأمل معي قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ إنها آية كريمة وردت بين منتين:
الأولى: شرح الصدر في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ شرحًا حسيًا ومعنويًا، ليسع مناجاة الحق، ودعوة الخلق جميعًا، وليكون موضع التجليات ومهبط الرحمات.
والثانية: رفع ذكره في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ رفعًا بلغت قمته في الشهادة التي لا يكون الشخص مسلمًا إلا إذا نطق بها، فضلًا عن قرن اسمه ﷺ باسمه في الآذان، والإقامة، والتشهد في الصلاة، وفي خطب الجمعة، والعيدين، وفي خطبة النكاح، وجعل الصلاة والتسليم عليه ﷺ عبادة على المسلمين (٣).