← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقوله : ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ والمعنى: لولا عصمتنا ورحمتنا لأتيت ما تذم عليه، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع (١). فسمى رب العزة العصمة (وضعًا) على سبيل المجاز، وإنما عبر عنها به؛ لأن الذنب يثقل الظهر بعقابه، وبالندم عليه في حالة التوبة منه، والعصمة لكونها تمنع وقوع الذنب، تريح صاحبها من ثقل عقابه، ومن ثقل الندم عليه، فعبر عنها بالوضع لذلك (٢). ويشهد لصحة هذا القول: سيرة النبي ﷺ قبل النبوة، من عصمة رب العزة له ﷺ من كل ما يمس قلبه وعقيدته بسوء، من أكل ما ذبح على النصب، والحلف بأسماء الأصنام التي كان يعبدها قومه، واستلامها، وكذا عصمته من كل ما يمس خلقه بسوء، من أقذار الجاهلية ومعائبها، من اللهو، والتعري، وكذا تشهد سيرته ﷺ بعد النبوة، من عصمة رب العزة له ﷺ مما عصمه به قبل النبوة، ومن أن يضله أهل الكفر، وأنى لهم ذلك وقد نفاه الله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ كما عصمه ربه من أن يفتنوه عن الوحي، أو التقول عليه، ولو حدث شيء من ذلك، لوقع عقاب ذلك، الوارد في قوله سبحانه: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾، وقوله : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (الحاقة: ٤٤ - ٤٦). فهل نقل إلينا ولو بطريق ضعيف أن رب العزة عاجله بالعقوبة في الدنيا مضاعفة؟ أو تخلى عن نصرته؟

стр. 4517

الإجابة بالقطع لا، لم ينقل إلينا، وهو ما يؤكد أن الخطاب في آيات الشرط ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ و ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ ونحو ذلك، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع، وبتعبير آخر الشرط في تلك الآيات لا يقتضى الوقوع ولا الجواز. وإذا صح تسمية العصمة (وضعًا) في قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ مجازًا، صحح أيضًا إطلاق المغفرة كناية عن العصمة في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، والمعنى في الآية: ليعصمك الله فيما تقدم من عمرك، وفيما أخر منه. قال الإمام السيوطي: وهذا القول في غاية الحسن، وقد عد البلغاء من أساليب البلاغة في القرآن؛ أنه يكنى عن التخفيفات بلفظ المغفرة، والعفو، والتوبة، كقوله تعالى عند نسخ قيام الليل: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ وعند نسخ تقديم الصدقة بين يدي النجوى قال سبحانه: ﴿وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. وعند نسخ تحريم الجماع ليلة الصيام قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (١). ووجه إطلاق المغفرة كناية عن العصمة: أن العصمة تحول بين الشخص وبين وقوع الذنب منه، والمغفرة تحول بين الشخص وبين وقوع العقاب عليه، فكنى عن العصمة بالمغفرة بجامع الحيلولة؛ لأن من لا يقع منه ذنب، لا يقع عليه عقاب. واختيرت هذه الكناية -أعنى الاستعارة- لأن المقام مقام امتنان عليه ﷺ ، ثم المعنى بعد هذا: ليظهر الله عصمتك للناس، فيروا فيك حقيقة الإنسان الكامل، ويلمسوا منك معنى الرحمة العامة، لا تبطرك عزة الفتح، ونشوة النصر، فلا تنتقم، ولا تتشفي؛ ولكن تعفو وتغفر (٢). وعلى ما تقدم فقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ونحوها من

стр. 4518

الآيات مرادًا بها الحث على دوام الاستغفار والشكر لله ، على ما أنعم عليه من العصمة. وأقول: إذا لم يسلم الخصم بما سبق من تأويل آيات الذنب والوزر الواردة في حقه ﷺ ، وأخذ بها على ظاهرها، فليبين لنا حقيقة الذنب والوزر الذي ارتكبه رسول الله ﷺ ، سواء قبل النبوة أو بعدها؟ ! . إنه إن كان ثمَّ ذنب فلن يَخْرُج عن ترك الأَوْلَى، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين وترك الأولى ليس بذنب؛ لأن الأولى وما يقابله مشتركان في إباحة الفعل، والمباحات جائز وقوعها من الأنبياء، وليس فيها قدح في عصمتهم ومنزلتهم؛ لأنهم لا يأخذون من المباحات إلا الضرورات مما يتقوون به على صلاح دينهم، وضرورة دنياهم، وما أخذ على هذه السبيل التحق طاعة، وصار قربة (١). قال أبو حيان: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾: كناية عن عصمته من الذنوب وتطهيره من الأدناس، عبر عن ذلك بالحط على سبيل المبالغة في انتفاء ذلك، كما يقول القائل: رفعت عنك مشقة الزيارة، لمن لم يصدر منه زيارة، على طريق المبالغة في انتفاء الزيارة منه (٢). فمعنى ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾: عصمناك من الأوزار التي من شأنها أن تقصم الظهر، فلم يصدر عنك أي ذنب لا قبل النبوة ولا بعدها، إلا أقل الصغائر التي فسرها القرآن الكريم، والسنة النبوية فقط، ولا تُعتبر ذنوبًا. وكيف يتخيل صدور الذنب في حقه ﷺ وقد عصمه ربه في قوله وفعله وخطابه بقوله سبحانه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾، وقال ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾. ومن تأمل إجماع الصحابة ﵃ على اتباعه ﷺ والتأسي به في كل ما يقوله ويفعله من قليل أو كثير، أو صغير أو كبير، إلا ما دل على اختصاصه به، ولم يكن عندهم في ذلك

стр. 4519

توقف ولا بحث؛ حتى أعماله في السر والخلوة، يحرصون على العلم بها وعلى إتباعها -علم بهم الرسول ﷺ أو لم يعلم-، ومن تأمل أحوال الصحابة ﵃ معه ﷺ استحى أن يخطر بباله خلاف ذلك (هذا رد الإمام السبكي على الزمخشري في تفسيره للآية الثانية من سورة الفتح بأن المراد: جميع ما فرط منك (١). المعنى الثاني: الوزر: ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة حتى يبلغها -ثقل الوحي - (٢). قال الرازي: إن المراد منه تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها وحفظ موجباتها والحافظة على حقوقها، فسهل الله تعالى ذلك عليه، وحط عنه ثقلها بأن يسرها عليه حتى تيسرت له (٣). وقال الماوردي: أثقل ظهره بالرسالة حتى يبلغها (٤). إن هذه الألفاظ التي يتعارض ظاهرها مع العصمة، تحتمل وجوهًا من التأويل: تخريجها على مقتضى اللغة بما يناسب سياقها في الآيات، فالوزر في أصل اللغة الحمل والثقل (٥)، قال تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي أثقالها، وإنما سميت الذنوب بأنها أوزارًا لأنها تثقل كاسبها وحاملها، وإذا كان الوزر ما ذكرناه، فكل شيء أثقل الإنسان وغمه وكده، وجهده، جاز أن يسمى وزرًا، تشبيها بالوزر الذي هو الثقل الحقيقي. وليس يمتنع أن يكون الوزر في الآية ثقل الوحي، كما قال : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ وعبء التبليغ، وثقل الدعوة، حيث كان الاهتمام بهما يقض مضجعه، حتى سهلهما الله تعالى عليه، ويسرهما له، ويقوى هذا التأويل، سياق الآية الواردة في مقام الامتنان عليه ﷺ ، وقوله : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ والعسر بالشدائد والغموم

стр. 4520

أشبه، وكذلك اليسر بتفريج الكرب، وإزالة الغموم والهموم أشبه. فإطلاق الوزر من باب الاستعارة التصريحية كما هو معلوم. وفي قراءة ابن مسعود وحللنا عنك وقرك، والوقر: الحمل، وهذه القراءة تؤيد ما قررناه (١). فالوزرة ما كان يجده النبي ﷺ من الصعوبات الشديدة التي كان يضعها المشركون في سبيل الدعوة إلى الله ، وجحدهم الشديد، وعدم الإصغاء إلى الحق الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور، وهذا الأمر كان حملًا عظيمًا على عاتق النبي ﷺ ، فقد كاد أن يهلك أسفًا على هداية قومه وعنادهم في أول الأمر، حتى قال له ربه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ (الكهف: ٧) (٢). المعنى الثالث: هذه الآيات سيقت للمدح ولبيان منة الله تعالى على نبيه ﷺ لا لبيان الذنب . هذا سياق يظهر منَّة الله على رسوله ﷺ ، وبيان عظيم مكانته وفضله عند ربه في الدنيا والآخرة، مما يؤكد أن ظاهر ما يطعن في عصمته غير مراد، وإنما هو في حقيقة الأمر من جملة ما يمدح به ﷺ ، وتأمل معي قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ إنها آية كريمة وردت بين منتين: الأولى: شرح الصدر في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ شرحًا حسيًا ومعنويًا، ليسع مناجاة الحق، ودعوة الخلق جميعًا، وليكون موضع التجليات ومهبط الرحمات. والثانية: رفع ذكره في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ رفعًا بلغت قمته في الشهادة التي لا يكون الشخص مسلمًا إلا إذا نطق بها، فضلًا عن قرن اسمه ﷺ باسمه في الآذان، والإقامة، والتشهد في الصلاة، وفي خطب الجمعة، والعيدين، وفي خطبة النكاح، وجعل الصلاة والتسليم عليه ﷺ عبادة على المسلمين (٣).

стр. 4521

قال القاضي عياض: هذا تقرير من الله جل اسمه لنبيه ﷺ على عظيم نعمه لديه وشريف منزلته عنده وكرامته عليه بأن شرح قلبه للإيمان والهداية ووسعه لوعى العلم، وحمل الحكمة، ورفع عنه ثقل أمور الجاهلية عليه، وبغضه لسيرها، وما كانت عليه بظهور دينه على الدين كله، وحط عنه عهدة أعباء الرسالة والنبوة لتبليغه للناس ما نزل إليهم، وتنويهه بعظيم مكانه وجليل رتبته ورفعة ذكره (١). المعنى الرابع: الوزر: كثرة نعم الله تعالى عليه، وصعوبة شكرها . قال الماوردي: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾ أثقل ظهرك، وفيه ثلاثة أوجه، وذكر منها: أثقل ظهره بالنعم حتى شكرها. (٢) وقال الرازي: أن المراد من الوزر والثقل: الحيرة التي كانت له قبل البعثة، وذلك أنه بكمال عقله لما نظر إلى عظيم نعم الله تعالى عليه، حيث أخرجه من العدم إلى الوجود وأعطاه الحياة والعقل وأنواع النعم، ثقل عليه نعم الله وكاد ينقض ظهره من الحياء، لأنه ﷺ كان يرى أن نعم الله عليه لا تنقطع، وما كان يعرف أنه كيف كان يطيع ربه، فلما جاءته النبوة والتكليف، وعرف أنه كيف ينبغي له أن يطيع ربه؛ فحينئذ قل حياؤه، وسهلت عليه تلك الأحوال؛ فإن اللئيم لا يستحي من زيادة النعم بدون مقابلتها بالخدمة، والإنسان الكريم النفس إذا كثر الإنعام عليه وهو لا يقابلها بنوع من أنواع الخدمة؛ فإنه يثقل ذلك عليه جدًّا، بحيث يميته الحياء؛ فإذا كلفه المنعم بنوع خدمة سهل ذلك عليه وطاب قلبه. (٣) المعنى الخامس: الوزر ما كان يلحقه ﷺ من الأذى والشتم . الوزر ما كان يلحقه من الأذى والشتم، حتى كاد ينقض ظهره وتأخذه الرعدة، ثم قواه الله تعالى حتى صار بحيث كانوا يدمون وجهه، وهو يقول: "اللهم اهد قومي" (٤).

стр. 4522

المعنى السادس: ذنوب أمتك، فأضافها إليه لاشتغال قلبه بها (١). قال الرازي: أنها ذنوب أمته صارت كالوزر عليه، ماذا يصنع في حقهم إلى أن قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (الأنفال: ٣٣) فأمنه من العذاب في العاجل، ووعده الشفاعة في الآجل. (٢) وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ (التوبة: ١٢٨). المعنى السابع: حططنا عنك وزرك الذي سلف منك في الجاهلية . ذكر ابن جرير عن مجاهد في قول الله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ قال: ذنبك. ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾ قال: أثقل ظهرك. وذكر بإسناده عن قتادة، في قوله: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ وقال: كانت للنبي ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. وبإسناده عن ابن زيد قال: شرح له صدرَه، وغفر له ذنبَه الذي كان قبل أن يُنَبأ، فوضعه (٣). قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ بمعنى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (الفتح: ٢) (٤). قال الرازي: احتج بهذه الآية من أثبت المعصية للأنبياء ﵈ والجواب: عنه من وجهين الأول: أن الذين يجوزون الصغائر على الأنبياء ﵈ حملوا هذه الآية عليها، لا يقال: إن قوله: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ يدل على كونه عظيمًا. فكيف يليق ذلك بالصغائر.

стр. 4523

ونقول: إنما وصف ذلك بإنقاض الظهر مع كونها مغفورة لشدة اغتمام النبي ﷺ بوقوعه منه وتحسره مع ندمه عليها (١). أما الوجه الثاني: فسنذكره لاحقًا إن شاء الله ضمن أوجه الرد الأخرى. قال في التسهيل: إنه إن كان ثمَّ ذنب فلن يَخْرُج عن ترك الأَوْلَى، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين (٢) وترك الأولى ليس بذنب؛ لأن الأولى وما يقابله مشتركان في إباحة الفعل، والمباحات جائز وقوعها من الأنبياء، وليس فيها قدح في عصمتهم ومنزلتهم؛ لأنهم لا يأخذون من المباحات إلا الضرورات (٣) مما يتقوون به على صلاح دينهم، وضرورة دنياهم. وقال أيضًا: إنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل وهي صغائر مغفورة لهم لهمهم بها وتحسرهم عليها فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم من الله، وهي خفيفة عند الله، وهذا كما جاء في الأثر إن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه كالذبابة تطير فوق أنفه (٤). وما أخذ على هذا السبيل التحق طاعة وصار قربة (٥). وقال أيضًا: ثم إن حقيقة الذنب في اللغة ترجع إلى كل فعل يستوخم عقباه كما فسره الراغب في مفرداته. وشرعًا: يرجع الذنب إلى مخالفة أمر الله تعالى أو نهيه، وهو أمر نسبى يختلف باختلاف الفعل والفاعل، وقصد الفاعل، فليست المخالفة من العَالم كالمخالفة من الجاهل، وليست المخالفة الواقعة عن اجتهاد، كالمخالفة التي لا تقع عن اجتهاد، وليست المخالفة الواقعة بالقصد والتعمد، كالمخالفة الواقعة بالنسيان.

стр. 4524

ومن هنا تختلف الذنوب ومسئولياتها بالنسبة للفاعل، والحوادث. وعلى ضوء ذلك نفهم معاني الآيات التي ورد فيها إسناد الذنب إلى رسول الله ﷺ مضافًا إلى ضمير خطابه ﷺ (١). وخلاصة القول، أن يقال: إما أن يكون صدر من رسول ﷺ ذنب أم لا! ، فقوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ وقوله سبحانه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ يدل على حصول العفو (٢) وبعد حصول العفو يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه! فثبت أنه على جميع التقادير يمتنع أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾، يدل على كون رسول الله ﷺ مذنبًا، أو غير معصوم! المعنى الثامن: الوزر: الخطأ والسهو قال الحسين بن فضل: يعني الخطأ والسهو (٣). وليس المراد بالذنوب المعاصي والآثام، فإن الرسل معصومون من مقارفة الجرائم، ولكن ما فعله ﷺ عن اجتهاد وعوتب عليه، كإِذنه ﷺ للمنافقين في التخلف عن الجهاد حين اعتذروا، وأخذه الفداء من أسرى بدر، وعبسه في وجه الأعمى ونحو ذلك (٤).

стр. 4525

واعلم أنَّ في الرسول جانبان: جانب بشري، وجانب نبوي، أمّا الجانب البشري فهو فيه كالبشر: يحب ويكره، ويرضى ويغضب، ويأكل ويشرب، ويقوم وينام ... إلخ، مع ما ميَّزه الله به في هذا الجانب في بعض الأشياء؛ كسلامة الصدر، والقوة في النكاح، وعدم نوم القلب، وغيرها من الخصوصات التي تتعلق بالجانب البشري، ومن هذا الجانب قد يقع من النبي ﷺ بعض الأخطاء التي يعاتبه الله عليها، ولك أن تنظر في جملة المعاتبات الإلهية للنبي ﷺ ؛ كعتابه بشأن أسرى بدر، وعتابه بشأن زواجه من زينب ﵂، وعتابه في عبد الله بن أم مكتوم ﵁، وغيرها، وقد نصَّ الله على هذا الجانب في الرسل جميعهم صلوات الله وسلامه عليهم، ومن الآيات في ذلك: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (الإسراء: ٩٣). ومن الأحاديث قوله ﷺ : "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأقضي له على نحوما أسمع، من حق له أخيه شيئًا، فلا يأخذ، فإنما أقطع له من النار" (١). وتكمن العصمة في هذا الجانب في أنَّ الله يُنبِّه نبيه ﷺ على ما وقع منه من خطأ، وهذا ما لا يتأتَّى لأحد من البشر غيره، فتأمله فإنه من جوانب العصمة المُغفلة، وأما الجانب النبوي، وهو جانب التبليغ؛ فإنه لم يرد البتة أنَّ النبي ﷺ خالف فيه أمر الله؛ كأن يقول الله له: قل لعبادي يفعلوا كذا فلا يقول لهم، أو يقول لهم خلاف هذا الأمر، وهذا لو وقع فإنه مخالف للنبوة، ولذا لما سُحِرَ النبي ﷺ لم يُؤثِّر هذا السِّحْرُ في الجانب النبوي، بل أثَّر في الجانب البشري (٢)، ومن ثَمَّ فجانب التبليغ في النبي ﷺ معصوم، ويدل على هذا الجانب قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (النجم: ٣ - ٤) (٣). المعنى التاسع: أسقطنا عنك تكليف ما لم تطقه أو أعنَاك عليه .

стр. 4526

فالمراد من قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ أي أسقطنا عنك تكليف ما لم تُطِقْه، لأن الأنبياء وإن حملوا من أثقال النبوة على ما يعجز عنه غيرهم من الأمة فقد أعطوا من فضل القوة ما يستعينون به على ثقل النبوة، فصار ما عجز عنه غيرهم يسيرًا بالنسبة لهم. (١) المعنى العاشر: الوزر: فراق خديجة ﵂ وأبي طالب . لئن كان نزول السورة بعد موت أبي طالب وخديجة، فلقد كان فراقهما عليه وزرًا عظيمًا، فوضع عنه الوزر برفعه إلى السماء حتى لقيه كل ملك وحياة فارتفع له الذكر، فلذلك قال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٢). الوجه الثاني: عصمة النبي ﷺ من الذنوب . مما سبق ذكره في معنى الآية يتضح بجلاء عصمة النبي ﷺ ، وقد فصَّلنا هذا الأمر في أكثر من موضع، فليُراجع لعدم التكرار (٣). الوجه الثالث: معاصي بعض الأنبياء كما في الكتاب المقدس . نوح ﵇ تحدثت التوراة عن سُكرِ نبي الله نوح ﵇ وحاشاه- وتعريه داخل خبائه، وحينذاك أبصره ابنه الصغير حام، وأخبر أخويه بما رأى فجاءا بظهريهما، وسترا عورة أبيهما الثمِل، فلما أفاق من سكرته وعرف ما فعل ابنه حام الصغير لعن، والقصة بتمامها: وَابْتَدَأَ نُوحٌ يَكُونُ فَلَّاحًا وَغَرَسَ كَرْمًا. وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ. فَأَبْصَرَ حَامٌ أَبُو كَنْعَانَ عَوْرَةَ أَبِيهِ، وَأَخْبَرَ أَخَوَيْهِ خَارِجًا. فَأَخَذَ سَامٌ وَيَافَثُ الرِّدَاءَ وَوَضَعَاهُ عَلَى أَكْتَافِهِمَا وَمَشَيَا إِلَى الْوَرَاءِ، وَسَتَرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا وَوَجْهَاهُمَا إِلَى الْوَرَاءِ. فَلَمْ يُبْصِرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ مِنْ خَمْرِهِ، عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ابْنُهُ الصَّغِيرُ، فقَالَ: مَلْعُونٌ كَنْعَانُ! (أب الفلسطينيين الذي لا علاقة له بالحادثة، الذي لم يولد حينذاك)، عَبْدَ الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ، وَقَالَ:

стр. 4527

مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ. لِيَفْتَحِ الله لِيَافَثَ فَيَسْكُنَ فِي مَسَاكِنِ سَامٍ، وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ. (التكوين ٩/ ٢٥ - ٢٦). لوط ﵇ . وأما لوط ﵇ النبي الذي حارب الشذوذ، فتذكر التوراة أنه لما أهلك الله قومه لجأ إلى مغارة مع ابنتيه فسقتاه الخمر، وضاجعتاه، ولم يعلم بذلك، وولد من هاتين الفاحشتين عمي ومؤاب، ومنهما انحدر العمويون والمؤابيون أعداء بني إسرائيل، فاسمع إلى السفر: وَصَعِدَ لُوطٌ مِنْ صُوغَرَ وَسَكَنَ فِي الْجَبَلِ، وَابْنَتَاهُ مَعَهُ، لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَسْكُنَ فِي صُوغَرَ. فَسَكَنَ فِي المغَارَةِ هُوَ وَابْنَتَاهُ. وَقَالَتِ الْبِكْرُ لِلصَّغِيرَةِ: "أَبُونَا قَدْ شَاخَ، وَلَيْسَ فِي الأَرْضِ رَجُلٌ لِيَدْخُلَ عَلَيْنَا كَعَادَةِ كُلِّ الأَرْضِ. هَلُمَّ نَسْقِي أَبَانَا خَمْرًا وَنَضْطَجعُ مَعَهُ، فَنُحْيِي مِنْ أَبِينَا نَسْلًا". فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَدَخَلَتِ الْبِكْرُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَ أَبِيهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلا بِقِيَامِهَا. وَحَدَثَ فِي الْغَدِ أَنَّ الْبِكْرَ قَالَتْ لِلصَّغِيرَةِ: "إِنِّي قَدِ اضْطَجَعْتُ الْبَارِحَةَ مَعَ أَبِي. نَسْقِيهِ خَمْرًا اللَّيْلَةَ أيضًا فَادْخُلِي اضْطَجِعِي مَعَهُ، فَنُحْيِيَ مِنْ أَبِينَا نَسْلًا". فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أيضًا، وَقَامَتِ الصَّغِيرَةُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلا بِقِيَامِهَا، فَحَبِلَتِ ابْنَتَا لُوطٍ مِنْ أَبِيهِمَا. فَوَلَدَتِ الْبِكْرُ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ "مُوآبَ"، وَهُوَ أَبُو المُوآبِيِّينَ إِلَى الْيَوْمِ. (أعداء بني إسرائيل) وَالصَّغِيرَةُ أيضًا وَلَدَتِ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ "بِنْ عَمِّي"، وَهُوَ أَبُو بَنِي عَمُّونَ إِلَى الْيَوْمِ. (وهم أيضًا أعداء بني إسرائيل) (التكوين ١٩/ ٣٠ - ٣٨). (١) * * *

стр. 4528

١٢ - شبهة: ادعاؤهم وقوع النبي ﷺ في الزنا . نص الشبهة: في الحديث: "إِنَّ الله كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ" (١)، والنبي ﷺ من ولد آدم، أي أنه داخل في معنى الحديث كما يزعمون. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: شرح الحديث . الوجه الثاني: عصمة النبي ﷺ عن الوقوع في الكبائر. الوجه الثالث: أخلاق النبي ﷺ . الوجه الرابع: الخطيئة على جميع البشر كما في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: شرح الحديث. قال ابن حجر: قوله: "إن الله كتب على ابن آدم" أي قدر ذلك عليه أو أمر الملك بكتابته، قوله أدرك ذلك لا محالة أي لا بد له من عمل ما قدر عليه أنه يعمله. (٢) قال النووي: إن ابن آدم قدر عليه نصيب من الزنا، فمنهم من يكون زناه حقيقًا بإدخال الفرج في الفرج الحرام، ومنهم من يكون زناه مجازًا بالنظر الحرام، أو الاستماع إلى الزنا وما يتعلق بتحصيله، أو بالمس باليد بأن يمس أجنبية بيده أو يقبلها، أو بالمشي بالرجل إلى الزنا، أو النظر أو اللمس، أو الحديث الحرام مع أجنبية ونحو ذلك، أو بالفكر بالقلب، فكل هذه أنواع من الزنا المجازي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه، معناه: أنه قد يحقق الزنا بالفرج، وقد لا يحققه بأن لا يولج الفرج في الفرج، وإن قارب ذلك والله أعلم (٣). وقال الخطابي: يريد بذلك ما عفا الله عنه من صغائر الذنوب وهو معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣١]، وهو ما يلم به

стр. 4529

الإنسان من صغائر الذنوب التي لا يكاد يسلم منها إلا من عصمة الله تعالى وحفظه (١). وقال شمس الحق آبادي: وقيل معنى كتب أنه أثبت عليه ذلك الفعل، فبالعينين وبما ركب فيهما من القوة الباصرة؛ تجد لذة النظر، وعلى هذا وليس المعنى أنه ألجأه إليه وأجبره عليه، بل ركز في جبلته حب الشهوات، ثم إنه تعالى برحمته وفضله يعصم من يشاء، وقيل هذا ليس على عمومه؛ فإن الخواص معصومون عن الزنا ومقدماته، ويحتمل أن يبقى على عمومه؛ بأن يقال على كل فرد من بني آدم صدور نفس الزنا، فمن عصمه الله عنه بفضله صدر عنه من مقدمات الظاهرة، ومن عصمه بمزيد فضله ورحمته عن صدور مقدماته وهم خواص عباده، صدر عنه لا محالة بمقتضى الجبلة مقدماته الباطنة، وهي تمني النفس واشتهاؤها (٢). الوجه الثاني: إثبات عصمة النبي ﷺ -. قال ابن تيمية: إِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْأَنبِيَاءَ مَعْصُومُونَ عَنْ الْكَبَائِرِ دُونَ الصَّغَائِرِ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَجَمِيعِ الطَّوَائِفِ؛ حَتَّى إنَّهُ قَوْلُ أَكثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ كَمَا ذَكَرَ (أَبُو الْحَسَنِ الآمدي) أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ أَكثَرِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ، بَلْ هُوَ لَمْ يَنْقُلْ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ إلَّا مَا يُوَافِقُ هَذَا الْقَوْلَ، وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُمْ مَا يُوَافِقُ الْقَوْلَ. وَإِنَّمَا نُقِلَ ذَلِكَ الْقَوْلَ فِي الْعَصْرِ المُتَقَدِّمِ عَنْ الرَّافِضَةِ، ثُمَّ عَنْ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ، ثُمَّ وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ المُتَأَخِّرِينَ، وَعَامَّةُ مَا يُنْقَلُ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْصُومِينَ عَنْ الْإِقْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ، وَلَا يُقَرُّونَ عَلَيْهَا، وَلَا يَقُولُونَ إنَّهَا لَا تَقَعُ بِحَالِ (٣). قال ابن حزم: ومن البرهان على أنه لم يكن البتة أن يعصي نبي، قوله ﷺ ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين لما قال له الأنصاري: هلا أومأت إليَّ، في قصة عبد الله بن سعد بن أبي سرح فنفى ﷺ عن جميع الأنبياء ﵈ أن تكون لهم خائنة الأعين، وهو أخف ما يكون من الذنوب، ومن خلاف الباطن للظاهر، فدخل في هذا جميع المعاصي

стр. 4530

صغيرها أو كبيرها، سرها وجهرها. أيضًا فقد صح عن النبي ﷺ عظيم إنكاره على ذي الخويصرة- لعنه الله ولعن أمثاله - إذ قال الكافر اعدل يا محمد، إن هذا لقسمة ما أريد بها وجه الله تعالى، فقال له رسول الله ﷺ : "ويحك من يعدل إذا أنا لم أعدل، يأمنني الله ولا تأمنوني" (١). وقال أيضًا: أنه يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد، ويقع منهم أيضا قصد الشيء يريدون به وجه الله تعالى والتقرب منه، فيوافق خلاف مراد الله تعالى؛ إلا أنه تعالى لا يقرهم على شيء من هذين الوجهين أصلًا، بل ينبههم على ذلك، ولا يداثر وقوعه منهم ويظهر ذلك لعباده (٢). الوجه الثالث: أخلاق النبي ﷺ - لقد زكَّى الله نبيه ﷺ في كتابه الحكيم في غير موضع، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. قال الطبري: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : وإنك يا محمد لعلى أدب عظيم، وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله به وهو الإسلام وشرائعه. (٣) وسُئلت عائشة عن خلق النبي ﷺ ، فقالت: إن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن (٤). قال النووي: قولها: فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن: معناه: العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأدب بآدابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه، وتدبره وحسن تلاوته (٥). كذلك نفي الله حيدة النبي ﷺ عن الطريق المستقيم، أو الغواية. قال الطبري: وقوله ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ يقول تعالى ذكره: ما حاد صاحبكم أيها الناس عن الحق، ولا زال عنه؛ ولكنه على استقامة وسداد، ويعني بقوله ﴿وَمَا غَوَى﴾

стр. 4531

وما صار غويًا، ولكنه رشيد سديد (١). وإليك شهادة قومه له ﷺ ، فعن ابن عباس ﵁ قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش؛ حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب، وقريش فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي". قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقا قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" (٢). فأثبتوا الصدق له ﷺ ونفوا عنه الكذب بالكلية. ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان ﵁ عن محمد ﷺ ، وكان أبو سفيان أنذاك كافرًا، فأجاب بإجابات شاهدة على خُلق نبينا ﷺ ، وعلى صدقه، فكان مما سأل هرقل أبا سفيان: كيف نسبه فيكم؟ قلت هو فينا ذو نسب، فقال له: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت لا. قال فهل يغدر؟ قلت لا (٣). وعن عائشة، زوج النبي ﷺ قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى النبي ﷺ يمتحنهن بقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات فقد أقر بالمحنة، فكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهن رسول الله ﷺ : "انطلقن فقد بايعتكن" لا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط، غير أنه بايعهن بالكلام، والله ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء إلا بما أمره الله، يقول لهن إذا أخذ عليهن: "قد بايعتكن" كلامًا (٤). وعن أميمة بنت رقيقة أنها قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة نبايعه على الإسلام فقلت: يا رسول الله هلم نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق ولا نزني، ولا نأتي ببهتان

стр. 4532

نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف، قال: "فيما استطعتن وأطقتن؟ "فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هلم نبايعك يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، أو مثل قولي لامرأة واحدة" (١). وعن عبد الله بن عباس ﵁ قال: كان الفضل رديف النبي ﷺ فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إياكم والجلوس بالطرقات". فقالوا يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها فقال: "فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه". قالوا وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر" (٣). الوجه الرابع: عموم الخطيئة على كل البشر في الكتاب المقدس . إذا نظرنا في الكتاب المقدس سنجد نصوصًا تدل على أن كل البشر بلا استثناء فاسدين وخطاة، وأنه لا أحد معصوم، ففي (رسالة بولس إلى أهل رومية ٣/ ١٢: ١١): لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ الله. الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلَاحًا لَيْسَ وَلَا وَاحِدٌ. وفي (رسالة بولس إلى أهل رومية ٣/ ٢٣): إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ الله. وفي (لوقا ١٨/ ١٩): فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: "لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ الله. * * *

стр. 4533

١٣ - شبهة: اتهام النبي ﷺ بشهوة النساء، وأمره لأمته بذلك . نص الشبهة: في حديث أبي كبشة الأنماري، قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في أصحابه، فدخل ثم خرج؛ وقد اغتسل، فقلنا: يا رسول الله، قد كان شيء؟ قال: أجل؛ مرت بي فلانة فوقع في قلبي شهوة النساء، فأتيت بعض أزواجي فأصبتها، فكذلك فافعلوا، فإنه من أماثل أعمالكم إتيان الحلال. والسؤال كيف يقع في قلب النبي ﷺ شهوة النساء؟ وكيف يأمر أصحابه بذلك؟ والجواب من وجوه: الوجه الأول: تخريج الحديث بطرقه، وألفاظه . الوجه الثاني: فوائد الحديث وما في معناه مما سبق تخريجه بالنسبة لأمة النبي ﷺ . الوجه الثالث: الشهوة بين الرجال والنساء أمر فطري، وهو في كل البشر كمالًا وزواله نقص وقد جاء الإسلام بتوجيهه وتعديله ولم يأت بمنعه ولا بإطلاقه لأن منعه خلاف الفطرة وفيه منع النسل وفي إطلاقه فساد الدنيا والدين. الوجه الرابع: توجيهات الإسلام في ضبط هذه الشهوة الجنسية. الوجه الخامس: تشريع النبي ﷺ أمورًا جفف بها منابع الفتنة بين الرجل والمرأة. الوجه السادس: أن هذه الرؤية من النبي ﷺ تدخل ضمن نظرة الفجأة التي تطرأ بدون إرادة نظر من الناظر والتكليف بالمنع منها تكليف بما لا يطاق. الوجه السابع: الجنس وشهوة النساء في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: تخريج الحديث بطرقه، وألفاظه: ١ - عن أبي كبشة الأنماري قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في أصحابه فدخل، ثم خرج وقد اغتسل، فقلنا: يا رسول الله قد كان شيء قال: "أجل، مرت بي فلانة، فوقع في قلبي شهوة النساء، فأتيت بعض أزواجي فأصبتها، فكذلك فافعلوا؛ فإنه من أماثل

стр. 4534

أعمالكم إتيان الحلال" (١).

стр. 4535

الوجه الثاني: فوائد الحديث وما في معناه مما سبق تخريجه بالنسبة لأمة النبي ﷺ -. حيث إن المتدبر لهذا الحديث يراه ميزة من ميزات هذه الشريعة، ويقر بأنه من جميل أخلاق النبي ﷺ ، وتمام تبليغه لرسالة ربه، ولذا كان في هذا الحديث فوائد كثيرة منها: ١ - فيه التحذير من فتنة النساء. ٢ - وفيه التخلص من الحرام بالحلال. ٣ - ومن استعف بالحلال أعفه الله عن الحرام. ٤ - يستحب لمن رأى امرأة فتحركت شهوته أن يأتي امرأته، أو جاريته؛ إن كانت له، فليواقعها ليدفع شهوته، وتسكن نفسه.

стр. 4536

وقوله: "معها مثل الذي معها" أي معها فرج مثل الفرج الذي مع تلك الأجنبية، ولا مزية لفرج الأجنبية عليه، والتمييز بينهما من تزيين الشيطان، وقد قال الأطباء: إن الجماع يسكن هيجان العشق، وإن كان مع غير المعشوق (١). ٥ - أن تخلصه من الشهوة يجمع قلبه على ما هو بصدده. ٦ - قوله ﷺ : "إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان" معناه: الإشارة إلى الهوى، والدعاء إلى الفتنة بها لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء، والالتذاذ بنظرهن، وما يتعلق بهن، فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته وتزيينه له، ويستنبط من هذا أنه ينبغي لها ألا تخرج بين الرجال إلا لضرورة، وأنه ينبغي للرجل الغض عن ثيابها، والإعراض عنها مطلقًا. قال العلماء: إنما فعل هذا بيانًا لهم، وإرشادًا لما ينبغي لهم أن يفعلوه، فعلمهم بفعله وقوله، وفيه أنه لا بأس بطلب الرجل امرأته إلى الوقاع في النهار وغيره، وإن كانت مشتغلة بما يمكن تركه، لأنه ربما غلبت على الرجل شهوة يتضرر بالتأخير في بدنه أو في قلبه وبصره (٢). ومن فوائد هذا الحديث الإشارة إلى أهمية قرار المرأة في بيتها؛ فإذا عاد زوجها وهو في حاجة إليها وجدها. الوجه الثالث: الشهوة بين الرجال والنساء أمر فطري، وهو في كل البشر كمالًا وزواله نقص وقد جاء الإسلام بتوجيهه وتعديله ولم يأت بمنعة ولا بإطلاقه لأن منعه خلاف الفطره وفيه منع النسل وفي إطلاقه فساد الدنيا والدين وبيان هذا الوجه فيما يلى: ١ - قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ (آل عمران: ١٤).

стр. 4537

ففي هذه الآية يخبر تعالى عما زُيِّن للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: "مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّساء" (١). والتزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب، وهو بهذا المعنى مضاف إليه تعالى حقيقة؛ لأنه لا خالق إلا هو، ويطلق ويراد به الحض على تعاطي الشهوات المحظورة فتزيينها بالمعنى الثاني مضاف إلى الشيطان تنزيلا لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها". ثم بين -سبحانه- أهم المشتهيات التي يحبها الناس، وتهفوا إليها قلوبهم، وترغب فيها نفوسهم، فأجملها في أمور ستة. أما أولها: فقد عبر عنه القرآن بقوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ ولا شك أن المحبة بين الرجال، والنساء شيء فطري في الطبيعة الإنسانية، ويكفي أن الله قد قال في العلاقة بين الرجل والمرأة: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ وقال تعالى في آية ثانية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، وإن بعض الرجال قد يستهين بكل شيء في سبيل الوصول إلى المرأة التي يهواها ويشتهيها، والأمثال على ذلك كثيرة ولا مجال لذكرها هنا، ولذا قدم القرآن اشتهاءهن على كل شهوة. (٢) فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف، وكثرة الأولاد؛ فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج، والاستكثار منه (٣). والمراد بالناس: الجنس، والشهوات جمع شهوة، وهي نزوع النفس إلى ما تريده، والمراد

стр. 4538

هنا: المشتهيات عبر عنها بالشهوات، مبالغة في كونها مرغوبًا فيها، أو تحقيرًا لها؛ لكونها مسترذلة عند العقلاء من صفات الطبائع البهيمية، ووجه تزيين الله سبحانه لها: ابتلاء عباده، كما صرح به في الآية الأخرى. (١) وقال الآلوسي: وقدم النساء لعراقتهن في معنى الشهوة وهن حبائل الشيطان، وقد روي عنه ﷺ أنه قال: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء"، ويقال: فيهن فتنتان قطع الرحم، وجمع المال من الحلال والحرام، وثنى بالبنين؛ لأنهم من ثمرات النساء في الفتن. (٢) وقال ابن عاشور: فالميْل إلى النساء مركوز في الطبع، وضعه الله تعالى لحكمةِ بقاء النوع بداعي طلب التناسل، إذ المرأة هي موضع التناسل، فجُعل ميل الرجل إليها في الطبع حتى لا يحتاج بقاء النوع إلى تكلّف رُبَّمَا تعقبه سآمة، وفي الحديث: "ما تركتُ بعدي فتنةً أشدّ على الرجال من فتنة النساء" ولم يُذكر الرجالُ، لأنّ ميل النساء إلى الرجال أضعف في الطبع، وإنّما تحصل المحبّة منهن للرجال بالإلف والإحسان. (٣). وفي سبيل توجيه هذه الشهوة وعدم كبتها يقول السيد قطب ﵀: ولما كانت هذه الرغائب والدوافع -مع هذا- طبيعية، وفطرية، ومكلفة من قبل البارئ -جل وعلا- أن تؤدي للبشرية دورًا أساسيًا في حفظ الحياة وامتدادها؛ فإن الإسلام لا يشير بكبتها وقتلها، ولكن إلى ضبطها وتنظيمها، وتخفيف حدتها واندفاعها؛ وإلى أن يكون الإنسان مالكًا لها متصرفًا فيها، لا أن تكون مالكة له متصرفة فيه؛ وإلى تقوية روح التسامي فيه والتطلع إلى ما هو أعلى. ومن ثَمّ يعرض النص القرآني الذي يتولى هذا التوجيه التربوي .. هذه الرغائب والدافع، ويعرض إلى جوارها على امتداد البصر ألوانًا من لذائذ الحس والنفس في العالم

стр. 4539

الآخر، ينالها من يضبطون أنفسهم في هذه الحياة الدنيا عن الاستغراق في لذائذها المحببة، ويحتفظون بإنسانيتهم الرفيعة. وفي آية واحدة يجمع السياق القرآني أحب شهوات الأرض إلى نفس الإنسان؛ النساء، والبنين، والأموال المكدسة، والخيل، والأرض المخصبة، والأنعام .. ، وهي خلاصة للرغائب الأرضية إما بذاتها، وإما بما تستطيع أن توفره لأصحابها من لذائذ أخرى، وفي الآية التالية يعرض لذائذ أخرى في العالم الآخر: جنات تجري من تحتها الأنهار، وأزواج مطهرة، وفوقها رضوان من الله، وذلك كله لمن يمد ببصره إلى أبعد من لذائذ الأرض، ويصل قلبه بالله على النحو الذي تعرضه آيتان تاليتان: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (آل عمران: ١٤ - ١٧). وصياغة الفعل للمجهول هنا تشير إلى أن تركيبهم الفطري قد تضمن هذا الميل؛ فهو محبب ومزين، وهذا تقرير للواقع من أحد جانبيه، ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه "الشهوات"، وهو جزء من تكوينه الأصيل، لا حاجة إلى إنكاره، ولا إلى استنكاره في ذاته، فهو ضروري للحياة البشرية كي تتأصل وتنمو وتطرد -كما أسلفنا- ولكن الواقع يشهد كذلك بأن في فطرة الإنسان جانبًا آخر يوازن ذلك الميل، ويحرس الإنسان أن يستغرق في ذلك الجانب وحده؛ وأن يفقد قوة النفخة العلوية أو مدلولها وإيحاءها. هذا الجانب الآخر هو جانب الاستعداد للتسامي، والاستعداد لضبط النفس ووقفها عند الحد السليم من مزاولة هذه "الشهوات"، الحد الباني للنفس وللحياة؛ مع التطلع المستمر إلى

стр. 4540

ترقية الحياة ورفعها إلى الأفق الذي تهتف إليه النفحة العلوية، وربط القلب البشري بالملإ الأعلى والدار الآخرة ورضوان الله، هذا الاستعداد الثاني يهذب الاستعداد الأول، وينقيه من الشوائب، ويجعله في الحدود المأمونة التي لا يطغى فيها جانب اللذة الحسية، ونزعاتها القريبة، على الروح الإنسانية وأشواقها البعيدة، والاتجاه إلى الله وتقواه، هو خيط الصعود والتسامي إلى تلك الأشواق البعيدة. وهنا يمتاز الإسلام بمراعاته للفطرة البشرية وقبولها بواقعها، ومحاولة تهذيبها ورفعها، لا كبتها وقمعها، والذين يتحدثون في هذه الأيام عن "الكبت" وأضراره، وعن "العقد النفسية" التي ينشئها الكبت والقمع، يقررون أن السبب الرئيسي للعقد هو "الكبت" وليس هو "الضبط"، وهو استقذار دوافع الفطرة واستنكارها من الأساس، مما يوقع الفرد تحت ضغطين متعارضين: ضغط من شعوره -الذي كونه الإيحاء، أو كونه الدين أو كونه العرف- بأن دوافع الفطرة دوافع قذرة لا يجوز وجودها أصلًا، فهي خطيئة ودافع شيطاني! وضغط هذه الدوافع التي لا تغلب؛ لأنها عميقة في الفطرة؛ ولأنها ذات وظيفة أصيلة في كيان الحياة البشرية، لا تتم إلا بها، ولم يخلقها الله في الفطرة عبثًا، وعندئذ وفي ظل هذا الصراع تتكون "العقد النفسية"، فحتى إذا سلمنا جدلًا بصحة هذه النظريات النفسية؛ فإننا نرى الإسلام قد ضمن سلامة الكائن الإنساني من هذا الصراع بين شطري النفس البشرية، بين نوازع الشهوة واللذة، وأشواق الارتفاع والتسامي، وحقق لهذه وتلك نشاطها المستمر في حدود التوسط والاعتدال، ثم قال: وهذه الشهوات التي ذكرت هنا هي نموذج لشهوات النفوس، يمثل شهوات البيئة التي كانت مخاطبة بهذا القرآن؛ ومنها ما هو شهوة كل نفس على مدار الزمان، والقرآن يعرضها ثم يقرر قيمتها الحقيقية، لتبقى في مكانها هذا لا تتعداه، ولا تطغى على ما سواه: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ

стр. 4541

الدُّنْيَا﴾ ذلك كله الذي عرضه من اللذائذ المحببة - وسائر ما يماثله من اللذائذ والشهوات - متاع الحياة الدنيا، لا الحياة الرفيعة، ولا الآفاق البعيدة (١). ٢ - وفي بداية هذه الفطرة البشرية زوج الله حواء لآدم ولم يكن آدم رأى امرأة ولا رأت حواء رجلا كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١) وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (الأعراف: ١٨٩). الوجة الرابع: توجيهات الإسلام في ضبط هذه الشهوة الجنسية حيث ظهر في الوجه السابق أن أمر الشهوة بين الرجال والنساء أمر فطري لا مجال للمكابرة فيه، وأن الإسلام جاء بضبطه وتوجيهه التوجيه السليم، ونذكر في هذا الوجه تشريعات الإسلام في ضبط العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة وها هي: ١ - تحريم الإسلام لقيام أي علاقة جنسية بين اثنين من جنس واحد سواءً كانا رجلين أو امرأتين: قال تعالى في ذكره لعقوبة قوم لوط: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. وقوله: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أي وما هذه النقمة ممن تشبه بهم في ظلمهم ببعيد عنه، وقد ورد في الحديث المروي في السنن عن ابن عباس ﵁ مرفوعًا: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (٢)، وذهب الإمام الشافعي في قول عنه وجماعة من العلماء، إلى أن اللائط يقتل سواءً كان محصنًا أو غير محصن عملًا بهذا الحديث، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه يلقى من شاهق، ويتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط والله أعلم بالصواب.

стр. 4542

وقال المباركفوري: واختلف أهل العلم في حد اللوطي: فرأى بعضهم أن عليه الرجم أحصن أو لم يحصن، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأخرج البيهقي عن علي ﵁ أنه رجم لوطيًا، قال الشافعي: وبهذا نأخذ يرجم اللوطي محصنًا كان، أو غير محصن، وقال بعض أهل العلم من فقهاء التابعين منهم الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم قالوا: حد اللوطي حد الزاني، وهو قول الثوري، وأهل الكوفة، وهو قول الشافعي، فيجلد عند هؤلاء الأئمة البكر، ويغرب؛ ويرجم المحصن. واحتجوا بأن التلوط نوع من أنواع الزنا، لأنه أيلاج فرج في فرج فيكون اللائط والملوط به داخلين تحت عموم الأدلة الواردة في الزاني المحصن والبكر. (١) وقال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ دليل على أن من فعل فعلهم حكمه الرجم. (٢) وأما المساحقة: فقد صح عن الزهري ﵀ أنه قال: أدركت علماءنا يقولون في المرأة تأتي المرأة بالرفغة وأشباهها تجلدان مئة مئة الفاعلة والمفعولة بها. قلت: وهذا الجلد على سبيل التعزير لا على سبيل الحد. قال ابن قدامة: وإن تدالكت امرأتان فهما زانيتان ملعونتان ولا حد عليهما؛ لأنه لا يتضمن إيلاجًا فأشبه المباشرة دون الفرج، وعليهما التعزير لأنه زنا لا حد فيه، فأشبه مباشرة الرجل المرأة من غير جماع. (٣) وصرح أصحابنا في أن النساء إذا خيف عليهن المساحقة حرم خلوة بعضهن ببعض. (٤) ٢ - تحريم الإسلام لأي علاقة جنسية بين الرجل والمرأة إلا إذا كان السبيل إليها هو الزواج والأمر بالعفة إذا لم يجد ما يتزوج به

стр. 4543

قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (النساء: ١٥ - ١٦). وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾. (النور: ٢ - ٣). وأمر بالتزويج والاستعفاف فقال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النور: ٣٢ - ٣٣). وفي السنة حديث ماعز والغامدية، والمرأة الجهنية في رجم الزاني والزانية وقد سبق تخريج هذه الأحاديث في بحث حديث ماعز. وعن ابن عباس ﵁ قال: قال عمر ﵁: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف -قال سفيان كذا حفظت- ألا وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده. (١) ٣ - وفي سبيل ضبط العلاقة بين الرجل والمرأة جاء تحريم صنف معين من النساء على الرجل أن يتروج منهن قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ

стр. 4544

وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: ٢٢ - ٢٣) فظهر من خلال الآيات أن المحرمات على قسمين: محرمات تحريم مؤقت ومحرمات تحريم مؤبد أما المحرمات تحريم مؤبد فها هن ١ - المحرمات من النسب (الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت). ٢ - المحرمات من الرضاع قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، وقال النبي ﷺ : "الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" (١). ٣ - المحرمات بالمصاهرة فهن: أم الزوجة، ابنة الزوجة إذا دخل بأمها، زوجة الابن، زوجة الأب. وأما المحرمات تحريما مؤقتًا فهؤلاء الجمع بين الأختين، الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، زوجة الغير ومعتدة الغير، المطلقة ثلاثًا، زواج الزانية. (٢) ٤ - الاقتصار في الإباحة على أربعة للرجال قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ (النساء: ٣). ٥ - منع الرجل من جماع الزوجة في حيضها ونفاسها وفي دبرها . ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ

стр. 4545

فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٢٢٢ - ٢٢٣). ٦ - ومنع المرأة من التطلع إلى غير زوجها وإيجاب طاعة الزوج عليها إذا دعاها إلى الفراش ولم يكن لها عذر في الامتناع عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح". (١) ٧ - حث الرجل على إتيان زوجته إذا تطهرت من حيضها حتى يعف نفسه ويعفها كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ﴾. ٨ - حث الرجل على جماع زوجته إذا وقع بصره على امرأة أجنبية فحركت نفسه . كما في هذا الحديث الذي معنا، وجعل الرجل مترتبًا على هذا الجماع كما في قوله ﷺ : "فإن من أماثل أعمالكم إتيان الحلال". وكما في حديث أبي ذر أنه ﷺ قال: "وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" قَالُوا: يَا رَسُولَ الله أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ، قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ، فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الحْلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا". (٢) وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات، فالجماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة، ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله تعالى، به أو طلب ولد صالح، أو إعفاف نفسه، أو إعفاف الزوجة ومنعهما جميعًا من النظر إلى حرام، أو الفكر فيه، أو الهم به، أو غير ذلك من المقاصد الصالحة (٣). ٩ - ثم أذن للرجل بعد ذلك أن يستمتع بزوجته أنى شاء، مع مراعاة الضوابط السابقة . كما قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ

стр. 4546

وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ (البقرة: ٢٢٣) ١٠ - توجيه المسلمين لإدراج هذه الشهوة ضمن منظومة العمل الأخروي عن طريق النية كما سبق ذكره . وبهذا يظهر أن النبي ﷺ لم يأت بالكبت، ولا بإطلاق العنان لهذه الشهوة، وإنما جاء بتوجيهها التوجيه السليم الذي يناسب الفطرة الإنسانية، والتشريعات الربانية. والحمد لله. الوجة الخامس: تشريع النبي ﷺ أمورًا جفف بها منابع الفتنة بين الرجل والمرأة لو التزموا بها . ومنها ما يلي: ١ - منع الرجل من الغياب عن زوجته لمدة طويلة قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٢٦). ٢ - فرض الحجاب على النساء واعتبار قرارهن في البيوت هو الأصل الأصيل في دائرة عملهن . قال رسول الله ﷺ : "والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسئولة عن رعيتها"، فهذا هو الأصل، وما عداه استثناء، ثم هي إن خرجت تخرج محجوبة، لا تخالط الرجال، وبشروط أخرى، جماعها حمايتها وحماية المجتمع من الافتتان بها. (١) ٣ - تشريع الاستئذان: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)﴾ (النور: ٢٨). ووضحت لنا السنة الهدف من الاستئذان: وهو خشية أن تقع عين آثمة على عورة غافلة، فتلد تلك النظرة الخاطفة فاحشة فاضحة. فعن سهل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما جُعل الاستئذان من أجل البصر". ٤ - تحريم الخلوة

стр. 4547

ما هي الخلوة المحرمة؟ هي أن ينفرد رجل بامرأة أجنبية عنه، في غيبة عن أعين الناس، وهي من أفعال الجاهلية، وكبائر الذنوب. والدليل على تحريمها ما رواه ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يخطب يقول: "لا يخلُونَّ رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذو محرم". وما رواه عامر بن ربيعة أن رسول الله ﷺ قال: "ألا لَا يخلُونَّ رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان" (١)، وهذا يعم جميع الرجال، ولو كانوا صالحين، أو مسنين، وجميع النساء، ولو كنَّ صالحات، أو عجائز. وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يخلون بامرأة، ليس معها ذو محرم منها؛ فإن ثالثهما الشيطان" (٢). وقد تكون القرابة إلى المرأة، أو زوجها سبيلًا إلى سهولة الدخول عليها، أو الخلوة بها، كابن العم، وابن الخال مثلًا، ولذلك حذرنا النبي ﷺ من ذلك؛ لأنه من مداخل الشيطان، ومسارب الفساد. فعن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والدخول على النساء"، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال: "الحمو الموت". (٣) والحمو هو قريب الزوج الذي لا يحل للمرأة، كأخيه وابن عمه، فبينَّ النبي ﷺ أنه يفسد الحياة الزوجية، كما يُفسد الموت البدن. قال الأبي: لا تُعرِّضُ المرأةُ نفسَها بالخلوة مع أحد، وإن قلّ الزمن، لعدم الأمن لا سيما مع فساد الزمن، والمرأة فتنة، إلا فيما جُبلت عليه النفوس من النفرة من محارم النسب. فالحكمة من تحريم الخلوة هي: سد الذّريعة إلى الفاحشة، أو الاقتراب منها، حتى يظل

стр. 4548

المرء واقفًا على مسافة بعيدة قبل أن يفضي إلى حدود الجريمة الأصلية، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (البقرة: ١٨٧). (١) ٥ - تحريم الاختلاط . ما هو الاختلاط ؟ هو اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم له اجتماعًا يؤدي إلى ريبة، أو: هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد، يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر، أو الإشارة، أو الكلام، أو البدن من غير حائل أومانع يدفع الريبة والفساد. ومن أدلة تحريم الاختلاط في القرآن والسنة ما يلي: قوله جلَّ وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٣). ومن السنة الشريفة: قول رسول الله ﷺ : "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من وجه ربها، وهي في قعر بيتها" (٢). وعن أبي أُسيد مالك بن ربيعة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق: "استأخِرن، فليس لكنّ أن تَحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق"، فكانت المرأة تلصقُ بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به (٣).

стр. 4549

ومعنى تَحْقُقْنَ: أي تذهبن في حاق الطريق، وهو الوسط، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "ليس للنساء وسط الطريق" وقد أفرد ﷺ في المسجد بابًا خاصًّا للنساء يدخلن، ويَخرجن منه، لا يُخالطهن، ولا يُشاركهن فيه الرجال. فعن نافع عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لو تركنا هذا الباب للنساء؟ "قال نافع: فلم يدخل منه ابنُ عمر حتى مات (١). ومن ذلك: تشريعه للرجال إمامًا ومؤتمين، ألَّا يخرجوا فور التسليم من الصلاة إذا كان بالصفوف الأخيرة بالمسجد نساء، حتى يخرجن، وينصرفن إلى دورهن قبل الرجال، لكي لا يحصل الاختلاط بين الجنسين -ولو بدون قصد- إذا خرجوا جميعًا. قال أبو داود: (باب انصراف النساء قبل الرجال من الصلاة)، ثم ساق حديث أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم مكث قليلًا، وكانوا يرون أن ذلك كيما يَنفذ النساء قبل الرجال (٢). ورواه البخاري أيضًا، وفيه: قال ابن شهاب: فُترى -والله أعلم- لكي ينفذ من ينصرف من النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم -أي الرجال- (٣). قال ابن حجر: وفي الحديث: كراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات، فضلًا عن البيوت. (٤) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها، وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرّها أولها". وهذا كله في حال العبادة والصلاة التي يكون فيها المسلم أو المسلمة أبعد ما يكون عن وسوسة الشيطان وإغوائه، فكيف بما عداها؟ ! .

стр. 4550

ولقد حرصت الصحابيات على عدم الاختلاط، حتى في أشدّ المساجد زحامًا، وفي أشد الأوقات زحامًا، موسم الحج بالمسجد الحرام. فلقد كانت أم المؤمنين عائشة ﵂ تطوف محجوزًا بينها وبين الرجال بئوب، لا تخالطهم، فقالت لها امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين تعني: هيَّا نقبل الحجر الأسود، فقالت لها: عنكِ وأبت يعني حتى لا تخالط الرجال. وكانت النساء في عهده، إذا أردن دخول الكعبة المشرفة، يقفن إلى أن يخرج الرجال، ثم يدخلن إذا خرجوا. ودخلت على عائشة ﵂ مولاة لها، فقالت لها: يا أمّ المؤمنين، طُفْتُ بالبيت سبعًا، واستلمتُ الركن مرتين أو ثلاثًا، فقالت لها عائشة ﵁: لا آجَرَكِ الله، تدافعين الرجال؟ ! ألا كبَّرتِ، ومررتِ؟ ! . قال ابن القيم: ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشرّ، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة " (١). أضف إلى هذا شيوع الطّلاق، وتفشّي التبرّج بالزينة، وانعدام الغيرة، واضمحلال الحياء، وفساد الأخلاق، وتعسير غضّ البصر، وتيسير زنا العين، والتسبب في بلاء العشق الذي يتلف الدنيا والدين. (٢) ٦ - الأمر بغض البصر قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ

стр. 4551

أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾. هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم؛ فإن اتفق أن وقع البصر على محُرَّم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعًا، فعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سألت النبي ﷺ ، عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرفَ بَصَري (١). وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والجلوس على الطرقات". قالوا: يا رسول الله، لا بد لنا من مجالسنا، نتحدث فيها. فقال رسول الله ﷺ : "إن أبيتم، فأعطوا الطريق حقَّه". قالوا: وما حقّ الطريق يا رسول الله؟ قال: "غَضُّ البصر، وكَفُّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر" (٢). وقوله: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ أي: أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم، كما قيل: (مَنْ حفظ بصره، أورثه الله نورًا في بصيرته). ويروى: (في قلبه). (٣) ٧ - تحريم مس الأجنبية ومصافحتها فعن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: "كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه. (٤)

стр. 4552

وعن معقل بن يسار يقول: قال رسول الله ﷺ : "لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له". (١) قال الألباني: وفي الحديث وعيد شديد لمن مس امرأة لا تحل له، ففيه دليل على تحريم مصافحة النساء؛ لأن ذلك مما يشمله المس دون شك، وقد بلي بها كثير من المسلمين في هذا العصر. (٢) ولذلك امتنع النبي ﷺ من مصافحة المرأة، حتى في البيعة فعن أميمة بنت رقيقة، أنها قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة بايعنه على الإسلام، فقلن: يا رسول الله، نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله ﷺ : "فيما استطعتن وأطقتن"، قالت: فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هلم نبايعك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، أو مثل قولي لامرأة واحدة". (٣) ٨ - تحريم سفر المرأة بغير محرم . فعن ابن عباس ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قول: "لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم"، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة، قال: "اذهب فحج مع امرأتك". (٤) وفي رواية: "لا تسافر المرأة ثلاثا إلا ومعها ذو محرم"، وفي رواية: "فوق ثلاث"، وفي رواية: "ثلاثة"، وفي رواية: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال، إلا ومعها ذو

стр. 4553

محرم"، وفي رواية: "لا تسافر المرأة يومين من الدهر، إلا ومعها ذو محرم منها، أو زوجها"، وفي رواية: "نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين"، وفي رواية: "لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة، إلا ومعها ذو حرمة منها"، وفي رواية: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم"، وفي رواية: "مسيرة يوم وليلة"، وفي رواية: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم". هذه روايات مسلم، قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة، قال البيهقي: كأنه ﷺ سئل عن المرأة تسافر ثلاثًا بغير محرم، فقال: "لا". وسئل عن سفرها يومين بغير محرم، فقال: "لا". وسئل عن سفرها يوما، فقال: "لا". فأدى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفًا عن رواية واحد فسمعه في مواطن، فروى تارة هذا، وتارة هذا، وكله صحيح، وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد ﷺ تحديد أقل ما يسمى سفرًا. فالحاصل أن كل ما يسمى سفرًا تنهى عنه المرأة بغير زوج، أو محرم سواء كان ثلاثة أيام، أو يومين، أو يومًا، أو غير ذلك لرواية ابن عباس المطلقة: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم"، وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرًا والله أعلم. وقد قال القاضي: واتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة، إلا مع ذي محرم، إلا الهجرة من دار الحرب، فاتفقوا على أن عليها أن تهاجر منها إلى دار الإسلام، وإن لم يكن معها محرم، والفرق بينهما أن إقامتها في دار الكفر حرام، إذا لم تستطع إظهار الدين وتخشى على دينها، ونفسها. قال القاضي عياض: قال الباجي: هذا عندي في الشابة، وأما الكبيرة غير المشتهاة فتسافر كيف شاءت في كل الأسفار بلا زوج ولا محرم، وهذا الذي قاله الباجي لا يوافق عليه، لأن المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة، ولو كانت كبيرة وقد قالوا لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم، من لا يرتفع عن الفاحشة

стр. 4554

بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته، وقلة دينه ومروءته وخيانته. ونحو ذلك والله أعلم (١). ٩ - ومنها تحريم خروج المرأة متطيبة متعطرة عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إذا استعطرت المرأة فمرت على القوم ليجدوا ريحها، فهي كذا وكذا" قال قولًا شديدًا. (٢) ١٠ - تحريم الخضوع بالقول . قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢]. ١١ - الحد على من وقع في الفاحشة . فلقد شرعت العقوبة الرادعة من الجلد والرجم لمن تسول له نفسه، أي اتصال غير مشروع بين الرجال والنساء وقد سبق بيانها. فهذه بعض الإجراءات الوقائية التىِ شرعها الله تعالى على لسان رسوله ﷺ لتكون صمام أمان للأمة ضد الوقوع في الفتنة بين الرجال والنساء. ١٢ - مشروعية الزواج لدرأ هذه الفتن: ثم في هذا الإطار يأتي أمر النبي ﷺ بالزواج وإتيان الحلال الذي أمر به في هذا الحديث الذي معنا، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال كنا مع النبي ﷺ شبابًا لا نجد، فقال لنا رسول الله- ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (٣).

стр. 4555

الوجه الخامس [*]: كون النبي ﷺ أملك الناس لإربه . فمع حبه ﷺ لما أحل الله له من النساء، إلا أنه كان أملك الناس لنفسه، لم يكن ممن تستهويه شهوة أو عاطفة، وليس أدل على ذلك من اعتزاله ﷺ لنسائه شهرًا لا ينزل إليهن ولا حتى السرية، وهذا لا يفعله من تقوده شهوته، ولا يقدر من لا يملك نفسه إذا كانت له امرأة، فكيف إذا كن تسع! وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإربه. (١) وعُرض عليه قبل الهجرة أجمل النساء فأبى، وبعد الهجرة كان النساء يهبن له أنفسهن، وما صح أنه تزوج، أو قبل امرأة وهبت له نفسها، ولو كان الأمر أمر شهوة لما كان شيء من هذا. الوجه السادس: أن هذه الرؤية من النبي ﷺ تدخل ضمن نظرة الفجأة التي تطرأ بدون إرادة نظر من الناظر والتكليف بالمنع منها تكليف بما لا يطاق عن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجاءة، "فأمرني أن أصرف بصري". (٢) الوجه السابع: الجنس وشهوة النساء في الكتاب المقدس . وبعد أن بينا أن فعل نبينا ﷺ لا إثم فيه ولا حرج فقد ذهب إلى زوجته، ودل أمته على ذلك. أقول للمعترض ما رأيك في هذه القصة من كتابكم المقدس من سفر صموئيل الثاني (الإصحاحان ١١ - ١٢): وَكَانَ فِي وَقْتِ المسَاءِ أَنَّ دَاوُدَ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ وَتمَشَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِ المُلِكِ، فَرَأَى مِنْ عَلَى السَّطْحِ امْرَأَةً تَسْتَحِمُّ. وَكَانَتِ المُرْأَةُ جَمِيلَةَ المُنْظَرِ جدًّا. فَأَرْسَلَ دَاوُدُ وَسَأَل عَنِ المُرْأَةِ، فَقَالَ وَاحِد: "أَليْسَتْ هذ بَثْشَبَعَ بِنْتَ أَلِيعَامَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الحثِّيِّ؟ ". فَأَرْسَلَ دَاوُدُ رُسُلًا وَأَخَذَهَا، فَدَخَلَتْ إِلَيْهِ، فَاضْطَجَعَ مَعَهَا وَهِيَ مُطَهَّرَةٌ مِنْ طَمْثِهَا. ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا. وَحَبِلَتِ المُرْأَةُ، فَأَرْسَلَتْ وَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ وَقَالَتْ: "إِنِّي حُبْلَى". فَأَرْسَلَ دَاوُدُ إِلَى يُوآبَ يَقُولُ: "أَرْسِلْ إِلَيَّ أُورِيَّا الحثِّيَّ". فَأَرْسَلَ يُوآبُ أُورِيَّا إِلَى دَاوُدَ. فَأَتَى أُورِيَّا
следующие страницы →