← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾. هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم؛ فإن اتفق أن وقع البصر على محُرَّم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعًا، فعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سألت النبي ﷺ ، عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرفَ بَصَري (١). وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والجلوس على الطرقات". قالوا: يا رسول الله، لا بد لنا من مجالسنا، نتحدث فيها. فقال رسول الله ﷺ : "إن أبيتم، فأعطوا الطريق حقَّه". قالوا: وما حقّ الطريق يا رسول الله؟ قال: "غَضُّ البصر، وكَفُّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر" (٢). وقوله: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ أي: أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم، كما قيل: (مَنْ حفظ بصره، أورثه الله نورًا في بصيرته). ويروى: (في قلبه). (٣) ٧ - تحريم مس الأجنبية ومصافحتها فعن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: "كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه. (٤)

стр. 4552

وعن معقل بن يسار يقول: قال رسول الله ﷺ : "لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له". (١) قال الألباني: وفي الحديث وعيد شديد لمن مس امرأة لا تحل له، ففيه دليل على تحريم مصافحة النساء؛ لأن ذلك مما يشمله المس دون شك، وقد بلي بها كثير من المسلمين في هذا العصر. (٢) ولذلك امتنع النبي ﷺ من مصافحة المرأة، حتى في البيعة فعن أميمة بنت رقيقة، أنها قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة بايعنه على الإسلام، فقلن: يا رسول الله، نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله ﷺ : "فيما استطعتن وأطقتن"، قالت: فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هلم نبايعك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، أو مثل قولي لامرأة واحدة". (٣) ٨ - تحريم سفر المرأة بغير محرم . فعن ابن عباس ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قول: "لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم"، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة، قال: "اذهب فحج مع امرأتك". (٤) وفي رواية: "لا تسافر المرأة ثلاثا إلا ومعها ذو محرم"، وفي رواية: "فوق ثلاث"، وفي رواية: "ثلاثة"، وفي رواية: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال، إلا ومعها ذو

стр. 4553

محرم"، وفي رواية: "لا تسافر المرأة يومين من الدهر، إلا ومعها ذو محرم منها، أو زوجها"، وفي رواية: "نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين"، وفي رواية: "لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة، إلا ومعها ذو حرمة منها"، وفي رواية: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم"، وفي رواية: "مسيرة يوم وليلة"، وفي رواية: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم". هذه روايات مسلم، قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة، قال البيهقي: كأنه ﷺ سئل عن المرأة تسافر ثلاثًا بغير محرم، فقال: "لا". وسئل عن سفرها يومين بغير محرم، فقال: "لا". وسئل عن سفرها يوما، فقال: "لا". فأدى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفًا عن رواية واحد فسمعه في مواطن، فروى تارة هذا، وتارة هذا، وكله صحيح، وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد ﷺ تحديد أقل ما يسمى سفرًا. فالحاصل أن كل ما يسمى سفرًا تنهى عنه المرأة بغير زوج، أو محرم سواء كان ثلاثة أيام، أو يومين، أو يومًا، أو غير ذلك لرواية ابن عباس المطلقة: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم"، وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرًا والله أعلم. وقد قال القاضي: واتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة، إلا مع ذي محرم، إلا الهجرة من دار الحرب، فاتفقوا على أن عليها أن تهاجر منها إلى دار الإسلام، وإن لم يكن معها محرم، والفرق بينهما أن إقامتها في دار الكفر حرام، إذا لم تستطع إظهار الدين وتخشى على دينها، ونفسها. قال القاضي عياض: قال الباجي: هذا عندي في الشابة، وأما الكبيرة غير المشتهاة فتسافر كيف شاءت في كل الأسفار بلا زوج ولا محرم، وهذا الذي قاله الباجي لا يوافق عليه، لأن المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة، ولو كانت كبيرة وقد قالوا لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم، من لا يرتفع عن الفاحشة

стр. 4554

بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته، وقلة دينه ومروءته وخيانته. ونحو ذلك والله أعلم (١). ٩ - ومنها تحريم خروج المرأة متطيبة متعطرة عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إذا استعطرت المرأة فمرت على القوم ليجدوا ريحها، فهي كذا وكذا" قال قولًا شديدًا. (٢) ١٠ - تحريم الخضوع بالقول . قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢]. ١١ - الحد على من وقع في الفاحشة . فلقد شرعت العقوبة الرادعة من الجلد والرجم لمن تسول له نفسه، أي اتصال غير مشروع بين الرجال والنساء وقد سبق بيانها. فهذه بعض الإجراءات الوقائية التىِ شرعها الله تعالى على لسان رسوله ﷺ لتكون صمام أمان للأمة ضد الوقوع في الفتنة بين الرجال والنساء. ١٢ - مشروعية الزواج لدرأ هذه الفتن: ثم في هذا الإطار يأتي أمر النبي ﷺ بالزواج وإتيان الحلال الذي أمر به في هذا الحديث الذي معنا، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال كنا مع النبي ﷺ شبابًا لا نجد، فقال لنا رسول الله- ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (٣).

стр. 4555

الوجه الخامس [*]: كون النبي ﷺ أملك الناس لإربه . فمع حبه ﷺ لما أحل الله له من النساء، إلا أنه كان أملك الناس لنفسه، لم يكن ممن تستهويه شهوة أو عاطفة، وليس أدل على ذلك من اعتزاله ﷺ لنسائه شهرًا لا ينزل إليهن ولا حتى السرية، وهذا لا يفعله من تقوده شهوته، ولا يقدر من لا يملك نفسه إذا كانت له امرأة، فكيف إذا كن تسع! وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإربه. (١) وعُرض عليه قبل الهجرة أجمل النساء فأبى، وبعد الهجرة كان النساء يهبن له أنفسهن، وما صح أنه تزوج، أو قبل امرأة وهبت له نفسها، ولو كان الأمر أمر شهوة لما كان شيء من هذا. الوجه السادس: أن هذه الرؤية من النبي ﷺ تدخل ضمن نظرة الفجأة التي تطرأ بدون إرادة نظر من الناظر والتكليف بالمنع منها تكليف بما لا يطاق عن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجاءة، "فأمرني أن أصرف بصري". (٢) الوجه السابع: الجنس وشهوة النساء في الكتاب المقدس . وبعد أن بينا أن فعل نبينا ﷺ لا إثم فيه ولا حرج فقد ذهب إلى زوجته، ودل أمته على ذلك. أقول للمعترض ما رأيك في هذه القصة من كتابكم المقدس من سفر صموئيل الثاني (الإصحاحان ١١ - ١٢): وَكَانَ فِي وَقْتِ المسَاءِ أَنَّ دَاوُدَ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ وَتمَشَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِ المُلِكِ، فَرَأَى مِنْ عَلَى السَّطْحِ امْرَأَةً تَسْتَحِمُّ. وَكَانَتِ المُرْأَةُ جَمِيلَةَ المُنْظَرِ جدًّا. فَأَرْسَلَ دَاوُدُ وَسَأَل عَنِ المُرْأَةِ، فَقَالَ وَاحِد: "أَليْسَتْ هذ بَثْشَبَعَ بِنْتَ أَلِيعَامَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الحثِّيِّ؟ ". فَأَرْسَلَ دَاوُدُ رُسُلًا وَأَخَذَهَا، فَدَخَلَتْ إِلَيْهِ، فَاضْطَجَعَ مَعَهَا وَهِيَ مُطَهَّرَةٌ مِنْ طَمْثِهَا. ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا. وَحَبِلَتِ المُرْأَةُ، فَأَرْسَلَتْ وَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ وَقَالَتْ: "إِنِّي حُبْلَى". فَأَرْسَلَ دَاوُدُ إِلَى يُوآبَ يَقُولُ: "أَرْسِلْ إِلَيَّ أُورِيَّا الحثِّيَّ". فَأَرْسَلَ يُوآبُ أُورِيَّا إِلَى دَاوُدَ. فَأَتَى أُورِيَّا

стр. 4556

إِلَيْهِ، فَسَأَل دَاوُدُ عَنْ سَلامَةِ يُوآبَ وَسَلامَةِ الشَّعْبِ وَنَجَاحِ الحرْبِ. وَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: "انْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ وَاغْسِلْ رِجْلَيْكَ ". فَخَرَجَ أُورِيَّا مِنْ بَيْتِ المُلِكِ، وَخَرَجَتْ وَرَاءَهُ حِصَّةٌ مِنْ عِنْدِ الملِكِ. وَنَامَ أُورِيَّا عَلَى بَابِ بَيْتِ الملِكِ مَعَ جَمِيعِ عَبِيدِ سَيِّدِهِ وَلَمْ يَنْزِلْ إِلَى بَيْيهِ. فأَخْبَرُوا دَاوُدَ قَائِلِينَ: "لَمْ يَنْزِلْ أُورِيَّا إِلَى بَيْتِهِ". فَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: "أَمَا جِئْتَ مِنَ السَّفَرِ؟ فَلِمَاذَا لَمْ تَنْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ؟ " فَقَالَ أُورَّيا لِدَاوُدَ: "إِنَّ التَّابُوتَ وَإِسرَائِيلَ وَيَهُوذَا سَاكِنُونَ فِي الخيَامِ، وَسَيدِي يُوآبُ وَعَبِيدُ سَيِّدِي نَازِلُونَ عَلَى وَجْهِ الصَّحْرَاءِ، وَآَنا آتِي إِلَى بَيْتِي لآكُلَ وَأَشرَبَ وَأَضْطَجعَ مَعَ امْرَأَتِي؟ وَحَيَاتِكَ وَحَيَاةِ نَفْسِكَ، لا أَفْعَلُ هذَا الأَمْرَ". فَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: "أَقِمْ هُنَا الْيَوْمَ أَيْضا، وَغَدًا أُطْلِقُكَ". فَأَقَامَ أُورِّيا فِي أُورُشَلِيمَ ذلِكَ الْيَوْمَ وَغَدَهُ. وَدَعَاهُ دَاوُدُ فَأَكَلَ أَمَامَهُ وَشرِبَ وَأَسْكَرَهُ. وَخَرَجَ عِنْدَ المُسَاءِ لِيَضْطَجعَ فِي مَضْجَعِهِ مَعَ عَبِيدِ سَيِّدِهِ، وَإِلَى بَيْتِهِ لَمْ يَنْزِلْ. وَفِي الصَّبَاحِ كَتَبَ دَاوُدُ مَكْتُوبًا إِلَى يُوآبَ وَأَرْسَلَهُ بِيَدِ أُورِيَّا. وَكَتَبَ فِي المكْتُوبِ يَقُولُ: "اجْعَلُوا أُورِيَّا فِي وَجْهِ الحْرْبِ الشَّدِيدَةِ، وَارْجِعُوا مِنْ وَرَائِهِ فَيُضْرَبَ وَيَمُوتَ". وَكَانَ فِي مُحَاصَرَةِ يُوَآبَ المُدِينَةَ أَنهُ جَعَلَ أُورِيَّا فِي المَوْضِعِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّ رِجَالَ الْبَأْسِ فِيهِ. فَخَرَجَ رِجَالُ المُدِينَةِ وَحَارَبُوا يُوآبَ، فَسَقَطَ بَعْضُ الشَّعْبِ مِنْ عَبِيدِ دَاوُدَ، وَمَاتَ أُورِيَّا الحثِّيُّ أَيْضًا. فَأَرْسَلَ يُوآبُ وَأَخْبَرَ دَاوُدَ بِجَمِيعِ أُمُورِ الحْرْبِ. وَأَوْصَى الرَّسُولَ قَائِلًا: "عِنْدَمَا تَفْرَغُ مِنَ الْكَلامِ مَعَ الملِكِ عَنْ جَمِيعِ أُمُورِ الحرْبِ" فَإِنِ اشْتَعَلَ غَضَبُ الملِكِ، وَقَالَ لَكَ: لِماذَا دَنَوْتُمْ مِنَ المدِينَةِ لِلْقِتَالِ؟ أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ مِنْ عَلَى السُّورِ؟ مَنْ قَتَلَ أَبِيمَالِكَ بْنَ يَرُبُّوشَثَ؟ أَلَمْ تَرْمِهِ امْرَأَةٌ بِقِطْعَةِ رَحًى مِنْ عَلَى السُّورِ فَمَاتَ فِي تَابَاصَ؟ لِماذَا دَنَوْتُمْ مِنَ السُّورِ؟ فَقُلْ: قَدْ مَاتَ عَبْدُكَ أُورِيَّا الحثِّيُّ أَيْضًا". فَذَهَبَ الرَّسُولُ وَدَخَلَ وَأَخْبَرَ دَاوُدَ بِكُلِّ مَا أَرْسَلَهُ فِيهِ يُوابُ. وَقَالَ الرَّسُولُ لِدَاوُدَ: "قَدْ تجَبَّرَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ وَخَرَجُوا إِلَيْنَا إِلَى الحْقْلِ فَكُنَّا عَلَيْهِمْ إِلَى مَدْخَلِ الْبَابِ. فَرَمَى الرُّمَاةُ عَبِيدَكَ مِنْ عَلَى السُّورِ، فَمَاتَ الْبَعْضُ مِنْ عَبِيدِ المَلِكِ، وَمَاتَ عَبْدُكَ أُورِيَّا الحثِّيُّ أَيْضًا". فَقَالَ دَاوُدُ لِلرَّسُولِ: "هكَذَا تَقُولُ لِيُوآبَ: لا يَسُؤْ فِي عَيْنَيْكَ هذَا الأَمْرُ، لأَنَّ السَّيْفَ يَأْكُلُ هذَا وَذَاكَ. شَدِّدْ قِتَالَكَ عَلَى المَدِينَةِ

стр. 4557

وَأَخْرِبْهَا. وَشدِّدْهُ". فَلَمّا سَمِعَتِ امْرَأَةُ أُورِيَّا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ أُورِيَّا رَجُلُهَا، نَدَبَتْ بَعْلَهَا. وَلمَّا مَضَتِ المَنَاحَةُ أَرْسَلَ دَاوُدُ وَضَمَّهَا إِلَى بَيْتِهِ، وَصَارَتْ لَهُ امْرَأَةً وَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا. وَأَمَّا الأَمْرُ الَّذِي فَعَلَهُ دَاوُدُ فَقَبُحَ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، فَأَرْسَلَ الرَّبُّ نَاثَانَ إِلَى دَاوُدَ، فَجَاءَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: "كَانَ رَجُلانِ فِي مَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاحِدٌ مِنْهُمَا غَنِيٌّ وَالآخَرُ فَقِيرٌ. وَكَانَ لِلْغَنِيِّ غَنَمٌ وَبَقَرٌ كَثِيرَةٌ جدًّا. وَأَمَّا الْفَقِيرُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، إِلَّا نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ صَغِيرَةٌ، قَدِ اقْتَنَاهَا وَرَبَّاهَا وَكَبِرَتْ مَعَهُ، وَمَعَ بَنِيهِ جَمِيعًا. تَأْكُلُ مِنْ لُقْمَتِهِ وَتَشْرَبُ مِنْ كَأْسِهِ وَتَنَامُ فِي حِضْنِهِ، وَكَانَتْ لَهُ كَابْنَةٍ. فَجَاءَ ضَيْفٌ إِلَى الرَّجُلِ الْغَنِيِّ، فَعَفَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَنَمِهِ وَمِنْ بَقَرِهِ لِيُهَيِّئَ لِلضَّيْفِ الَّذِي جَاءَ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ نَعْجَةَ الرَّجُلِ الْفَقِيرِ، وَهَيَّأ لِلرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ إِلَيْهِ". فَحَمِيَ غَضَبُ دَاوُدَ عَلَى الرَّجُلِ جدًّا، وَقَالَ لِنَاثَانَ: "حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ، إِنَّهُ يُقْتَلُ الرَّجُلُ الْفَاعِلُ ذلِكَ، وَيَرُدُّ النَّعْجَةَ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ؛ لأنَّهُ فَعَلَ هذَا الأَمْرَ، وَلأنَّهُ لَمْ يُشْفِقْ"، فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: "أَنْتَ هُوَ الرَّجُلُ! هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: أَنا مَسَحْتُكَ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَأَنْقَذْتُكَ مِنْ يَدِ شَاوُلَ، وَأَعْطَيْتُكَ بَيْتَ سَيِّدِكَ وَنِسَاءَ سَيِّدِكَ فِي حِضْنِكَ، وَأَعْطَيْتُكَ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا. وَإِنْ كَانَ ذلِكَ قَلِيلًا، كُنْتُ أَزِيدُ لَكَ كَذَا وَكَذَا. لِماذَا احْتَقَرْتَ كَلامَ الرَّبِّ لِتَعْمَلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيْهِ؟ قَدْ قَتَلْتَ أُورِيَّا الحثِّي بِالسَّيْفِ، وَأَخَذْتَ امْرَأَتَهُ لَكَ امْرَأَةً، وَإِيَّاهُ قَتَلْتَ بِسَيْفِ بَنِي عَمُّونَ. وَالآنَ لا يُفَارِقُ السَّيْفُ بَيْتَكَ إِلَى الأَبَدِ، لأَنَّكَ احْتَقَرْتَنِي وَأَخَذْتَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الحثِّيِّ لِتكُونَ لَكَ امْرَأَةً. هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنذَا أُقِيمُ عَلَيْكَ الشَّرَّ مِنْ بَيْتِكَ، وَآخُذُ نِسَاءَكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ وَأُعْطِيهِنَّ لِقَرِيبِكَ، فَيَضْطَجعُ مَعَ نِسَائِكَ فِي عَيْنِ هذِهِ الشَّمْسِ. لأَنَّكَ أَنْتَ فَعَلْتَ بِالسِّرِّ وَأَنا أَفْعَلُ هذَا الأَمْرَ قُدَّامَ جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ وَقُدَّامَ الشَّمْسِ". فَقَالَ دَاوُدُ لِنَاثَانَ: "قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ". فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: "الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيّتكَ. لا تَمُوتُ. غَيْرَ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ أنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ بِهذَا الأَمْرِ أَعْدَاءَ الرَّبِّ يَشْمَتُونَ، فَالابْنُ المُوْلُودُ لَكَ يَمُوتُ". وَذَهَبَ نَاثَانُ إِلَى بَيْتِهِ. وَضَرَبَ الرَّبُّ الْوَلَدَ الَّذِي وَلَدَتْهُ امْرَأَةُ أُورِيَّا لِدَاوُدَ فَثَقِلَ. فَسَأَل دَاوُدُ الله مِنْ أَجْلِ الصَّبِيِّ، وَصَامَ دَاوُدُ صَوْمًا، وَدَخَلَ وَبَاتَ مُضْطَجِعًا عَلَى الأَرْضِ. فَقَامَ شُيُوخُ بَيْتِهِ

стр. 4558

عَلَيْهِ لِيقيمُوهُ عَنِ الأَرْضِ فَلَمْ يَشَأْ، وَلَمْ يَأْكُلْ مَعَهُمْ خُبْزًا. وَكَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ أَنَّ الْوَلَدَ مَاتَ، فَخَافَ عَبِيدُ دَاوُدَ أَنْ يُخْبِرُوهُ بِأَنَّ الْوَلَدَ قَدْ مَاتَ لأَنَّهُمْ قَالُوا: "هُوَذَا لمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا كَلَّمْنَاهُ فَلَمْ يَسْمَعْ لِصَوْتِنَا. فَكَيْفَ نَقُولُ لَهُ: قَدْ مَاتَ الْوَلَدُ؟ يَعْمَلُ أَشَرَّ! ". وَرَأَى دَاوُدُ عَبِيدَهُ يَتَنَاجَوْنَ، فَفَطِنَ دَاوُدُ أَنَّ الْوَلَدَ قَدْ مَاتَ. فَقَالَ دَاوُدُ لِعَبِيدِهِ: "هَلْ مَاتَ الْوَلَدُ؟ " فَقَالُوا: "مَاتَ". فَقَامَ دَاوُدُ عَنِ الأَرْضِ وَاغْتَسَلَ وَادَّهَنَ وَبَدَّلَ ثِيَابَهُ وَدَخَلَ بَيْتَ الرَّبِّ وَسَجَدَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى بَيْتِهِ وَطَلَبَ فَوَضَعُوا لَهُ خُبْزًا فَأَكَلَ. فَقَالَ لَهُ عَبِيدُهُ: "مَا هذَا الأَمْرُ الَّذِي فَعَلْتَ؟ لمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا صُمْتَ وَبَكَيْتَ، وَلمَّا مَاتَ الْوَلَدُ قُمْتَ وَأَكَلْتَ خُبْزًا". فَقَالَ: "لمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا صُمْتُ وَبَكَيْتُ لأنِّي قُلْتُ: مَنْ يَعْلَمُ؟ رُبَّما يَرْحَمُنِي الرَّبُّ وَيَحْيَا الْوَلَدُ. وَالآنَ قَدْ مَاتَ، فَلِمَاذَا أَصُومُ؟ هَلْ أَقْدِرُ أَنْ أَرُدَّهُ بَعْدُ؟ أَنَّا ذَاهِبٌ إِلَيْهِ وَأَمَّا هُوَ فَلا يَرْجعُ إِلَيَّ". وَعَزَّى دَاوُدُ بَثْشَبَعَ امْرَأَتَهُ، وَدَخَلَ إِلَيْهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا فَوَلَدَتِ ابْنًا، فَدَعَا اسْمَهُ سُلَيْمانَ، وَالرَّبُّ أَحَبَّهُ، وَأَرْسَلَ بِيَدِ نَاثَانَ النَّبِيِّ وَدَعَا اسْمَهُ "يَدِيدِيَّا" مِنْ أَجْلِ الرَّبِّ. وَحَارَبَ يُوآبُ رِبَّةَ بَنِي عَمُّونَ وَأَخَذَ مَدِينَةَ المَلَكَةِ. وَأَرْسَلَ يُوابُ رُسُلًا إِلَى دَاوُدَ يَقُولُ: "قَدْ حَارَبْتُ رِبَّةَ وَأَخَذْتُ أَيْضًا مَدِينَةَ الميَاهِ. فَالآنَ اجْمَعْ بَقِيَّةَ الشَّعْبِ وَانْزِلْ عَلَى المَدِينَةِ وَخُذْهَا لِئَلَّا آخُذَ أَنَا المدِينَةَ فَيُدْعَى بِاسْمِي عَلَيْهَا". فَجَمَعَ دَاوُدُ كُلَّ الشَّعْبِ وَذَهَبَ إِلَى رِبَّةَ وَحَارَبَهَا وَأَخَذَهَا. وَأَخَذَ تَاجَ مَلِكِهِمْ عَنْ رَأْسِهِ، وَوَزْنهُ وَزْنَةٌ مِنَ الذَّهَبِ مَعَ حَجَرٍ كَرِيمٍ، وَكَانَ عَلَى رَأْسِ دَاوُدَ. وَأَخْرَجَ غَنِيمَةَ المدِينَةِ كَثِيرَةً جدًّا. وَأَخْرَجَ الشَّعْبَ الَّذِي فِيهَا وَوَضَعَهُمْ تَحْتَ مَنَاشِيرَ وَنَوَارِجِ حَدِيدٍ وَفُؤُوسِ حَدِيدٍ وَأَمَرَّهُمْ فِي أَتُونِ الآجُرِّ، وَهكَذَا صَنَعَ بِجَمِيعِ مُدُنِ بَنِي عَمُّونَ. تُمَّ رَجَعَ دَاوُدُ وَجَمِيعُ الشَّعْبِ إِلَى أُورُشَلِيمَ. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ونحن نبرئ داود ﵇ من هذه الفواحش وننزه سليمان أن يكون ابنا من امرأة بغي والله المستعان.

стр. 4559

١٤ - شبهة: مباشرة النبي ﷺ أزواجه ﵅ حال الصيام . نص الشبهة: عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقبل، ويباشر، وهو صائم وكان أملككم لإربه. (١) كيف يُقَبّل النبي ﷺ ، ويباشر وهو صائم؟ ! ، وكيف تخبر عائشة بذلك، وما الفائدة في الإخبار بهذا الموقف؟ ! والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن النبي ﷺ هو المبلغ للشريعة عن الله . الوجه الثاني: بعض المباحات التي شرعها رب العالمين للصائمين . الوجه الثالث: شدة الأمر في المعاملة مع النساء مع إباحة ما أذن الله فيه. الوجه الرابع: أن هذا الذي فعله النبي ﷺ هو تقوى الله تعالى. الوجه الخامس: معنى المباشرة الواردة في هذا الحديث. الوجه السادس: إيراد كلام أهل العلم على الحديث، وبيان معناه. الوجه السابع: التقبيل في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: أن النبي ﷺ هو المبلغ للشريعة عن الله فالحلال ما أحل الله على لسانه، والحرام ما حرم الله لسانه، ونحن نقتدي بفعل، ولا نعترض عليه أو بعبارة أخرى: نحن نتأسى به ولا نعترض عليه إلا فيما كان خاصًا به. والآيات في هذا المعنى كثيرة ولو علم الله أنه خلاف الأولى لعاتبه فيه كما في قصة التحريم مثلا وكما في قصة زيد وقد سبق الكلام عليهما. الوجه الثاني: بعض المباحات التى شرعها رب العالمين للصائمين. لقد علمنا النبي ﷺ الصيام، وأحكامه، والمفطرات، وما الذي يباح في الصيام، وكان من جملة ذلك: أن الله أحل له ذلك الفعل، وأعطاه قدرة على ملك نفسه. فمن كان

стр. 4560

كحاله ﷺ جاز له ذلك على الراجح عند أهل العلم. وهذه بعض المباحات التم أباحها الله تعالى، ولا تفطر الصائم: ١ - أن يصبح يوم الصيام جنبًا. عن عائشة، وأم سلمة: أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر، وهو جنب من أهله ثم يغتسل، ويصوم. (١) ٢ - تقبيل الزوجة ومباشرتها إن أمن الاستمناء كما في الحديث الذي معنا. ٣ - الاغتسال، والصب على الرأس للتبرد: لما تقدم من أنه ﷺ كان يصبح جنبا ثم يغتسل: وعن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: رأيت النبي ﷺ أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر، وقال: تقووا لعدوكم، وصام رسول الله ﷺ ، ولقد رأيت رسول الله ﷺ بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر. (٢) فقوله: (يصب الماء على رأسه) الخ فيه دليل على أنه يجوز للصائم أن يكسر الحر بصب الماء على بعض بدنه، أو كله، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور، ولم يفرقوا بين الأغسال الواجبة، والمسنونة، والمباحة. (٣) ٤ - المضمضة، والاستنشاق من غير مبالغة عن لقيط بن صبرة قال: قال رسول الله ﷺ : "بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" (٤). ٥ - تذوق الطعام للحاجة من غير ما يصل إلى الجوف لأنه مثل المضمضة الحجامة، والتبرع بالدم لمن لم يخش الضعف وفيها خلاف عند أهل العلم. ٦ - الاكتحال، والحقنة، والقطرة، وشم الطيب.

стр. 4561

٧ - السواك. ٨ - ابتلاع ما لا يحترز منه. ٩ - الأكل والشرب والجماع ناسيًا. ١٠ - القيء إذا غلب على الصائم. الوجه الثالث: شدة الأمر في المعاملة مع النساء مع إباحة ما أذن الله فيه لقد أمرنا الله تعالى بالتزام حدود هذا الشرع، فالحلال ما أحل، والحرام ما حرم ولا يجوز تعدي ذلك. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ [النحل: ١١٦]. وقال تعالى: (﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: ٥٩]. من هذا الحدود أن الله تعالى أباح لمن ملك نفسه القبلة، والمباشرة، وحرم تعديها إلى الجماع، وجعل في ذلك كفارة مغلظة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله، هلكت. قال: مالك. قال: وقعت على امرأتي، وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ . قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ . قال: لا. فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ . قال: لا. قال فمكث النبي ﷺ . فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر. والعرق المكتل قال: أين السائل. فقال: أنا. قال: خذ هذا فتصدق به. فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ ! فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي! فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك. (١) الوجه الرابع: أن هذا الذي فعله النبي ﷺ هو تقوى الله تعالى

стр. 4562

عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله ﷺ أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله ﷺ سل هذه -لأم سلمة- فأخبرته أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك فقال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله ﷺ : أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له. (١) فالتقوى في شريعة النبي ﷺ ليست هي مجرد المنع والتحريم وإنما هي الالتزام بشرع الله تعالى أمرًا، ونهيًا، وحلًا، وتحريمًا ومن تعدى شيئا من ذلك جانب التقوى. الوجه الخامس: معنى المباشرة الواردة في هذا الحديث وحتى لا يفهم البعض أن المراد منها الجماع -لأن كلمة المباشرة في اللغة وفي لسان الشرع: تشمل الجماع وما دون الجماع- نبين المراد منها في هذا الحديث. قال ابن منظور: وباشَرَ الرجلُ امرأَتَهُ مُباشَرَةً وبِشارًا كان معها في ثوب واحد فَوَلَيِتْ بَشَرَتُهُ بَشَرَتَها وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (البقرة: ١٨٧) معنى المباشرة: الجماع، وكان الرجل يخرج من المسجد وهو معتكف فيجامع ثم يعود إِلى المسجد وهذا محمول على الليل في رمضان. ومُباشرةُ المرأَةِ مُلامَسَتُها والحِجْرُ المُباشِرُ التي تَهُمُّ بالفَحْلِ والبَشْرُ أَيضًا المُباشَرَةُ. وفي الحديث: "أن النبي ﷺ كان يقبل ويباشر وهو صائم" (٢)؛ أراد بالمباشرة في الحديث الملامسة، وأصله من لمس بشرة الرجل بشرة المرأة. وقد يرد بمعنى الوطء في الفرج وخارجًا منه (٣). وفي المعجم الوسيط: باشر زوجه مباشرة، وبشارًا: لامست بشرته بشرتها (٤).

стр. 4563

والبشرة: ظاهر الجلد، ومن ذلك قولهم: يباشر الرجل المرأة إذا ألصق بشرته ببشرتها (١). ومن البشرة قيل: باشر فلان فلانًا إذا ضاجعه فوليت بشرته بشرته (٢). البشرة: ظاهر جلد الإنسان ومنه باشر الرجل المرأة، وذلك إفضاؤه ببشرته إلى بشرتها (٣). وباشر الرجل زوجته تمتع ببشرتها (٤). وفي الجمع بين المعنيين وبييان المراد دنى هذا الحديث قال ابن خزيمة ﵀: "باب الرخصة في المباشرة التي هي دون الجماع للصائم والدليل على أن اسم الواحد قد يقع على فعلين، أحدهما مباح، والآخر محظور، إذ اسم المباشرة قد أوقعه الله في نص كتابه على الجماع، ودل الكتاب على أن الجماع في الصوم محظور، قال المصطفى ﷺ : "إن الجماع يفطر الصائم"، والنبي المصطفى ﷺ قد دل بفعله على أن المباشرة التي هي دون الجماع مباحة في الصوم غير مكروهة (٥). وقال ﵀: إنما خاطب الله جل ثناؤه نبيه ﷺ وأمته بلغة العرب أوسع اللغات كلها، التي لا يحيط بعلم جميعها أحد غير نبي، والعرب في لغاتها توقع اسم الواحد على شيئين، وعلى أشياء ذوات عدد، وقد يسمى الشيء الواحد بأسماء، وقد يزجر الله عن الشيء، ويبيح شيئًا آخر غير الشيء المزجور عنه، ووقع اسم الواحد على الشيئين جميعًا: على المباح، وعلى المحظور، وكذلك قد يبيح الشيء المزجور عنه، ووقع اسم الواحد عليهما جميعًا، فيكون اسم الواحد واقعا على الشيئين المختلفين، أحدهما مباح، والآخر محظور، واسمهما واحد، فلم يفهم هذا من جهل لسان العرب، وحمل المعنى في ذلك على شيء

стр. 4564

واحد يوهم أن الأمرين متضادان، إذ أبيح فعل مسمى باسم، وحظر فعل تسمى بذلك الاسم سواء فمن كان هذا مبلغه من العلم لم يحل له تعاطي الفقه، ولا الفتيا، ووجب عليه التعلم، أو السكت، إلى أن يدرك من العلم ما يجوز معه الفتيا، وتعاطي العلم، ومن فهم هذه الصناعة علم أن ما أبيح غير ما حظر، وإن كان اسم الواحد قد يقع على المباح وعلى المحظور جميعًا، فمن هذا الجنس الذي ذكرت أن الله دل في كتابه أن مباشرة النساء في نهار الصوم غير جائز كقوله ﵎: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (البقرة: ١٨٧)، فأباح الله مباشرة النساء والأكل والشرب بالليل، ثم أمرنا بإتمام الصيام إلى الليل، على أن المباشرة المباحة بالليل المقرونة إلى الأكل والشرب هي الجماع المفطر للصائم. وأباح الله بفعل النبي المصطفى ﷺ المباشرة التي هي دون الجماع في الصيام، إذ كان يباشر وهو صائم، والمباشرة التي ذكر الله في كتابه أنها تفطر الصائم هي غير المباشرة التي كان النبي ﷺ يباشرها في صيامه، والمباشرة اسم واحد واقع على فعلين: إحداهما مباحة في نهار الصوم، والأخرى: محظورة في نهار الصوم، مفطرة للصائم (١). فهذا الكلام فيه بيان الفرق بين الاصطلاحين وأنهما على معنيين مختلفين وأنه لابد من فهم الكلام المطروح في إطار ما ورد فيه وبالكيفية التي جاء بها، ولا يعم اللفظ إلا إذا كان يحمل معنًا واحدًا لا يحتمل غيره". الوجه السادس: إيراد كلام أهل العلم على الحديث، وبيان معناه . بوب البخاري ﵀ في صحيحه "باب المباشرة للصائم" قال ابن حجر: "أي بيان حكمها وأصل المباشرة التقاء البشرتين ويستعمل في الجماع سواء أولج أم لم يولج وليس الجماع مرادًا بهذه الترجمة" (٢).

стр. 4565

وبوب الترمذي ﵀ في سننه "باب ما جاء في مباشرة الصائم" (١). قال المباركفوري: "المباشرة أعم من القبلة، قيل هي مس الزوج المرأة فيما دون الفرج، وقيل هي القبلة واللمس باليد، قاله القاري" (٢). قال النووي: "معنى المباشرة هنا اللمس باليد، وهو من التقاء البشرتين" (٣). قال الصنعاني: قال العلماء: معنى الحديث أنه ينبغي لكم الاحتراز من القُبْلة، ولا تتوهموا أنكم مثل رسول الله ﷺ في استباحتها لأنه يملك نفسه ويأمن من وقوع القبلة أن يتولد عنها إنزال، أو شهوة، أو هيجان نفس، أو نحو ذلك وأنتم لا تأمنون ذلك فطريقكم كف النفس على ذلك، وأخرج النسائي من طريق الأسود "قلت لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت: لا، قلت: أليس رسول الله ﷺ كان يباشر وهو صائم؟ قالت: إنه كان أملككم لإربه" وظاهر هذا: أنها اعتقدت أن ذلك خاص به ﷺ . قال القرطبي: وهو اجتهاد منها.، وقيل: الظاهر أنها ترى كراهة القبلة لغيره ﷺ كراهة تنزيه لا تحريم كما يدل له قولها: أملككم لإربه. وفي كتاب الصيام لأبي يوسف القاضي من طريق حماد بن سلمة: "سئلت عائشة عن المباشرة للصائم فكرهتها. وظاهر حديث الباب جواز القبلة، والمباشرة للصائم لدليل التأسي به ﷺ ، ولأنها ذكرت عائشة الحديث جوابًا عمَّن سأل عن القبلة، وهو صائم، وجوابها قاض بالإباحة مستدلة بما كان يفعله ﷺ . وفي المسألة أقوال: الأول: للمالكية أنه مكروه مطلقًا. الثاني: أنه محرّم مستدلين بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ فإنه منع المباشرة في النهار وأجيب بأن المراد بها في الآية الجماع وقد بين ذلك فعله ﷺ كما أفاده حديث الباب وقال

стр. 4566

قوم: إنها تحرم القبلة وقالوا: إن من قبل بطل صومه. الثالث: أنه مباح، وبالغ بعض الظاهرية فقال: إنه مستحب. الرابع: التفصيل. فقال: يكره للشاب، ويباح للشيخ، ويروى عن ابن عباس، ودليله ما أخرجه أبو داود: أنه أتاه ﷺ رجل فسأله عن المباشرة للصائم فرخص له وأتاه آخر فسأله فنهاه فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب. الخامس: إن مالك نفسه جاز له، وإلا فلا، وهو مروي عن الشافعي، واستدل له بحديث عمر بن أبي سلمة: لما سأل النبي ﷺ فأخبرته أمه أم سلمة أنه ﷺ يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: إني أخشاكم لله. فدل على أنه لا فرق بين الشاب والشيخ وإلا لبينه ﷺ لعمر لا سيما وعمر كان في ابتداء تكليفه. وقد ظهر مما عرفت أن الإباحة أقوى الأقوال. واختلفوا أيضًا فيما إذا قبل أو نظر أو باشر فأنزل أو أمذى: فعن الشافعي وغيره: أنه يقضي إذا أنزل في غير النظر ولا قضاء في الإمذاء. وقال مالك: يقضي في كل ذلك ويكفر إلا في الإمذاء فيقضي فقط. وثمة خلافات أخر الأظهر أنه لا قضاء ولا كفارة إلا على من جامع وإلحاق غير الجامع به بعيد. تنبيه: قوله: (وهو صائم) لا يدل أنه قبلها، وهي صائمة، وقد أخرج ابن حبان في صحيحه عن عائشة: كان يقبل بعض نسائه في الفريضة، والتطوع. ثم ساق بإسناده "أن النبي ﷺ كان لا يمس وجهها، وهي صائمة، وقال: ليس بين الخبرين تضادّ لأنه كان يملك إربه، ونبه بفعله ذلك على جواز هذا الفعل لن هو بمثابة حاله، وترك استعماله إذا كانت المرأة صائمة علمًا منه بماركب في النساء من الضعف عند الأشياء التي ترد عليهن. (١) وقال ابن تيمية: تحت باب الرخصة في القبلة للصائم إلا لمن يخاف على نفسه ثم ساق حديث أم سلمة، وعائشة، وعمر بن أبي سلمة في تقبيل النبي ﷺ وهو صائم ثم قال: وفيه

стр. 4567

أن أفعاله حجة. قال الشوكاني: قوله: كان يقبلها فيه دليل على أنه يجوز التقبيل للصائم ولا يفسد به الصوم. (١) قال ابن عبد البر: وفيه من الفقه أن القبلة للصائم جائزة في رمضان وغيره شابًا كان أو شيخًا على عموم الحديث وظاهره لأن رسول الله ﷺ لم يقل للمرأة هل زوجك شيخ أو شاب، ولو ورد الشرع بالفرق بينهما لما سكت عنه ﷺ لأنه المنبئ عن الله مراده من عباده وأظن أن الذي فرق بين الشيخ في القبلة للصائم والشاب ذهب إلى قول عائشة: وأيكم أملك لإربه من رسول الله ﷺ في حديثها عنه أنه كان يقبلها، وهو صائم ﷺ يعني أملك لنفسه وشهوته، والدليل أن الشيخ والشاب عندها في ذلك سواء، وأن قولها إنما خرج على الإشفاق والاحتياط في ذلك ما ذكره. ثم قال ﵀: وقد أجمع العلماء على أن من كره القبلة لم يكرهها لنفسها وإنما كرهها خشية ما تحمل إليه من الإنزال، وأقل ذلك المذي لم يختلفوا في أن من قبل، وسلم من قليل ذلك، وكثيره فلا شيء عليه، وممن قال بإباحة القبلة للصائم عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشة وبه قال عطاء، والشعبي، والحسن، وهو قول أحمد، وإسحاق، وداود. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا بأس بالقبلة للصائم إذا كان يأمن على نفسه. قالوا: وإن قبل وأمنى فعليه القضاء ولا كفارة عليه، وهو قول الثوري، والشافعي وكلهم يقول من قبل فأمنى فليس عليه غير القضاء. وقال ابن علية: لا تفسد القبلة الصوم إلا أن ينزل الماء الدافق، ولا أعلم أحدا رخص في القبلة للصائم إلا وهو يشترط السلامة مما يتولد منها، وأن من يعلم أنه يتولد عليه منها ما يفسد صومه وجب عليه اجتنابها (٢).

стр. 4568

وقال ﵀: والأصل أن القبلة لم يكرهها من كرهها إلا لما يخشى أن تولده على الصائم من التطرق إلى الجماع على كل صائم وبالله التوفيق (١). وخلاصة القول عند أهل العلم على هذا الحديث: أن فيه مسائل الأولى: هل القبلة والمباشرة جائزة أم محرمة في الصيام ؟ . وقد سبق النقل عن أهل العلم وخلاصته أن الصائم إذا ملك نفسه جاز له التقبيل، وإذا لم يأمن تركه وهذا بين من كلام ابن عبد البر. (٢) الثانية: هل هذا الفعل يعد من خصائص النبي ﷺ أم هو تشريع لجميع الأمة ؟ . وفي حديث عمر بن أبي سلمة الجواب على هذا حيث: سأل النبي ﷺ : أيقبل الصائم؟ فقال النبي ﷺ : "سل هذه" أي: أم سلمة، فأخبرته أن النبي ﷺ يفعل ذلك فقال: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله ﷺ : "أما إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية" (٣). قال النووي: إنه ظن أن جواز التقبيل للصائم من خصائص النبي ﷺ وأنه لا حرج عليه فيما يفعل، لأن الله مغفور له، فأنكر النبي ﷺ عليه هذه المقولة، وفي بعض الروايات خارج مسلم أنه غضب من هذه المقولة لذلك قال: أنا أتقاكم لله تعالى وأشدكم له خشية، فكيف تظنون بي أو تجوزون علي ارتكاب منهي عنه ونحوه (٤). ولكن قد يستشكل البعض أنه قد ورد في بعض طرق الحديث عن عائشة قالت: "وكان أملككم لإربه" فكيف يكون هذا لجميع الأمة، ولا يعد من خصائصه ﷺ . أجاب النووي على هذا الإشكال فقال: قال العلماء معنى كلام عائشة أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القبلة، ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثل النبي ﷺ في استباحتها لأنه كان يملك

стр. 4569

نفسه، ويأمن من الوقوع في قبلة يتولد منها إنزال أو شهوة أو هيجان نفس ونحو ذلك (١). وقال الحافظ ابن حجر: أشارت عائشة بذلك إلى أن الإباحة لمن يكون مالكًا لنفسه دون من لا يأمن من الوقوع فيما يحرم، ويبدو أنها كانت تعتقد أن هذا خاص بالنبي ﷺ وهو اجتهاد منها؛ في حين أنه ثابت عنها في روايات أخرى إباحة ذلك، فيمكن الجمع بين القولين: على أن النهي هنا يحمل على الكراهة التنزيهية (٢). الثالثة: هل هناك فرق بين الذي تتحرك شهوته وبين الذي لا تتحرك شهوته، أم لا ؟ والجواب عن هذا جلي جدًّا في كلام ابن عبد البر السابق: حيث ذكر أن من كرهها ومنع منها كرهها خوفا من الشهوة وهو مقتضى قول عائشة وكان أملككم لإربه. الرابع: هل القبلة والمباشرة تباح لطائفة من الناس (ككبار السن)، وتحرم على آخرين (كالشباب) مثلًا أم لا ؟ . نعم هناك من فرق بين الشاب والشيخ، وليس هذا الكلام على عمومه فالأمر راجع إلى الشهوة فلو اشتدت شهوة الشيخ لأمر ما وخاف على نفسه ماوراء القبلة والمباشرة منع ولو ضبط الشاب نفسه ولم يتعدها لما كان في الأمر شيء ولذلك لما سأل عمر ﵁ بعد التقبيل لم يقل له النبي ﷺ شيئًا، ولما سأله شاب قبل الفعل منعه فهذا يدل على أمرين: الأول: أن الأصل في القبلة هو الإباحة كما سبق تقريره في كلام ابن عبد البر وغيره وكما حدث في قصة سؤال عمر ﵁. الثاني: أن هذا الأصل قد يختلف بحسب حال السائل في الفتوى، فإذا كان السائل يسأل نادمًا ولم يتعد القبلة والمباشرة يفتى بهذا الأصل، وإذا كان السائل يسأل ليترخص لشدة حاجته للنساء وهو شاب لا يؤمن عليه ما وراء القبلة فالأولى منعه" عملًا بأصل آخر وهو حرمة ما يوصل إلى الحرام ووجوب ما يتم الواجب إلا به، والجماع في نهار رمضان

стр. 4570

حرام فإذا غلب على الظن أن القبلة والمباشرة من هذا الشخص في هذا الوقت توصل إليه علم أنها حرام لكن لا لذاتها وإنما لما تؤل إليه. وإذا علم أن إتمام الصيام واجب وهو لا يتم مع أشخاص معينين إلا بالمنع من القبلة وجب المنع منها في حقهم لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وبهذا يظهر الفرق في هذه المسألة بين من سأل نادما ومن سأل ليترخص وقد بدا عليه الشبق والشهوة، وبه يجمع بين الأدلة إن شاء الله تعالى. (١) وها هي بعض النصوص في هذه المسألة. أولًا: نصوص الترخيص في القبلة من غير تفرقة بين الشاب والشيخ:

стр. 4571

١ - عن جابر بن عبد الله، قال: قال عمر بن الخطاب: هششت (هش لهذا الأمر إذا خرج به واستبشر) فقبلت، وأنا صائم فقلت يارسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا قبلت، وأنا صائم قال: "أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم "قلت لا بأس به قال: "فمه". (١) ٢ - عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله ﷺ أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله ﷺ : سل هذه (لأم سلمة) فأخبرته أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك فقال يا رسول الله: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال له رسول الله ﷺ : أما والله إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له. (٢) فهذان الحديثان فيهما الرخصة من غير تفريق بين الشيخ والشاب، فكان إجابة لسؤال عمر ﵁ وقد جاء نادمًا سائلًا ظانًا فساد الصوم بمجرد القبلة، وأيضًا فقد كان عمر شابًا ولو كانت القبلة حرامًا لقال له النبي ﷺ : لا تعد. وأما حديث أم سلمة: فقد جاء في بعض طرقه أنه كان إجابة لسؤال أيضا كما روى عبد الله بن فروخ. (أن امرأة سألت أم سلمة فقالت: إن زوجي يقبلني وهو صائم وأنا صائمة فما ترين؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يقبلني وهو صائم وأنا صائمة). (٣) وفي مرسل عطاء بن يسار: أن رجلًا قبَّل امرأة، وهو صائم فوجد من ذلك وجدًّا شديدا فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك فدخلت على أم سلمة زوج النبي ﷺ فأخبرتها أم سلمة: أن رسول الله ﷺ كان يقبل، وهو صائم. فرجعت إليه فأخبرته بذلك فزاده ذلك شرًّا فقال: إنا

стр. 4572

لسنا مثل رسول الله ﷺ يحل الله لرسوله ما شاء فرجعت المرأة إلى أم سلمة فوجدت عندها رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ما بال هذه المرأة؟ فأخبرته أم سلمة فقال: ألا أخبرتها أني أفعل ذلك؟ قالت: قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها فأخبرته فزاده ذلك شرًّا، وقال: إنا لسنا مثل رسول الله ﷺ يحل الله لرسوله ما شاء، فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده. (١) ٣ - حديث عائشة الذي معنا فإن فيه أن النبي ﷺ قبل عائشة وفي بعض ألفاظه أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقبلني وأنا صائمة. (٢) وقد كانت شابة ودليل على اختصاص الرجال بهذا الحكم دون النساء. وعن عائشة بنت طلحة أنها كانت عند عائشة ﵄ زوج النبي ﷺ فدخل عليها زوجها هنالك -وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر-، فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو إلى أهلك تقبلها وتلاعبها؟ قال: أقبلها وأنا صائم؟ قالت: نعم. قال محمد بن الحسن: لا بأس بالقبلة للصائم إذا ملك نفسه عن الجماع فإن خاف أن لا يملك نفسه فالكف أفضل، وهو قول أبي حنيفة ﵀ والعامة قبلنا. (٣) وقولها: نعم. في هذا دلالة على أنها لا ترى تحريمها ولا أنها من الخصائص وأنه لا فرق بين شاب، وشيخ لأن عبد الله كان شابا، ولا يعارض هذا ما للنسائي عن الأسود: قلت لعائشة أيباشر الصائم؟ قالت: لا قلت: أليس كان رسول الله ﷺ يباشر وهو صائم؟ قالت: كان

стр. 4573

أملككم لإربه. لأن جوابها للأسود بالمنع محمول على من تحركت شهوته لأن فيه تعريضا لإفساد العبادة كما أشعر به قولها: وكان أملككم لإربه فحاصل ما أشارت إليه إباحة القبلة، والمباشرة بغير جماع لمن ملك إربه دون من لا يملكه أو يحمل النهي على التنزيه فقد رواه أبو يوسف القاضي بلفظ: سئلت عائشة عن المباشرة للصائم؟ فكرهتها فلا ينافي الإباحة المستفادة من حديث الباب، ومن قولها: الصائم يحل له كل شيء إلا الجماع، رواه الطحاوي. (١) ثانيًا: أحاديث التفرقة بين الشيخ والشاب ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم فرخص له وأتاه آخر فسأله فنهاه فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب (٢).

стр. 4574

وبهذا أفتى ابن عباس فيما صح عنه فعن عن عطاء بن يسار: أن عبد الله بن عباس سئل عن القبلة للصائم فارخص فيها للشيخ وكرهها للشاب (١). وهذا لأن الغالب في الشيخ انكسار شهوته، وكرهها للشاب لأن الغالب قوتها. قال ابن عبد البر: أظن من فرق بينهما ذهب إلى قول عائشة رضي اله عنها أيكم أملك لإربه من رسول الله ﷺ أي أملك لنفسه وشهوته، وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عائشة أنه رخص في القبلة للشيخ، وهو صائم ونهى عنها الشاب (٢). وقال الشيخ: يملك إربه والشاب يفسد صومه. ففهم من التعليل أنه دائر مع تحريك الشهوة بالمعنى المذكور، وأن التعبير بالشيخ والشاب جرى على الغالب من أحوال الشيوخ في انكسار شهوتهم وأحوال الشباب في قوتها فلو انعكس الأمر انعدم الحكم. (٣) وحاصل الأمر: أن في الفرق بين الشيخ والشاب آثار خرجت مخرج الغالب وفي عدم الفرد آثار خرجت على أصل الإباحة لمن ملك نفسه وشهوته فالأمر راجع إلى الشهوة وعليه يحمل منع من منع مطلقا كابن عمر وغيره من الصحابة ﵃ (٤). الخامسة: هل هناك فرق بين صيام الفريضة وصيام النافلة، أم الحكم فيهما سواء ؟ روى البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ "كان يقبل ويباشر وهو صائم" (٥)، وفي لفظ "كان يقبل في شهر الصوم" (٦).

стр. 4575

وفي رواية أخرى لمسلم "يقبل في رمضان وهو صائم" (١). والتقبيل أخص من المباشرة، فهو من ذكر العام بعد الخاص، والألفاظ المختلفة التي سبقت تشير إلى عدم التفرقة بين صيام الفرض والنفل، وهذا واضح من ظاهر الحديث الأول حديث عائشة إطلاق لفظ الصوم وأنه يعني أي صيام وجاءت الألفاظ الأخرى بذكر أنه كان صيام رمضان، فدل على أنه ليس هناك فرق بين الفرض والنافلة. (٢) شبهة: مص اللسان روى أبو داود، وأحمد من حديث عائشة قالت: "أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم، ويمص لسانها" (٣). قالوا فكيف يمص لسانها وهو صائم؟ ! والجواب من وجوه: الوجه الأول: أن هذه زيادة منكرة ولا حجة فيها. الوجه الثاني: وعلى فرض الصحة محمول على من لم يبلع ريقه الذي خالط ريقها (٤).

стр. 4576

الوجه الثالث: ويجوز أن يكون التقبيل وهو صائم في وقت، والمص في وقت آخر (١). الوجه الرابع: لم يتحقق انفصال ما على لسانها من البلل إلى فمه فأشبه ما لو ترك حصاة مبلولة في فيه أو لو تمضمض بماء ثم مجه. (٢) شبهة: قالوا كيف تخبر عائشة بهذا الكلام وما الفائدة منه سوى أنها كانت منشغة إلى حد كبير بالجنس ؟ والجواب من وجوه: الوجه الأول: أن الانشغال بمثل هذه الأمور لأجل تعليم الأحكام الشرعية المتعلقة به أمر مندوب إليه وقد يكون، واجبا عينيًا يحرم كتمانه إذا لم يعلمه غير هذا المسئول . ويدل على هذا الأصل أدلة منها. ١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة". (٣) ٢ - قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾ [الأحزاب: ٣٤] وعليه فعائشة ﵂ مأمورة بأبلاغ هذا العلم وهي تنفذ فرارًا من الوعيد الوارد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: ١٧٤).

стр. 4577

الوجه الثاني: لو لم يقم نساء النبي ﷺ بإبلاغ هذا العلم الذي لم يعلمه غيرهن فمن الذي يعلمه للأمة . وهذا أمر بالضرورة يحدث بين الرجل وزوجته ويحتاج إلى معرفة حكمه ولو كتمت كانت كأهل الكتاب الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ [آل عمران: ١٨٧]. وحاشاها أن تكون كذلك ﵂. الوجه الثالث: أن الحياء الحقيقي لا يمنع من العلم تعليمًا وتعلمًا وهو أولى بالمنع من الجهل وكتمان العلم . فعن عائشة أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض؟ فقال: تأخذ إحداكن ماءها، وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة، فتطهر بها فقالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ فقال: سبحان الله تطهرين بها، فقالت عائشة: كأنها تخفي ذلك تتبعين أثر الدم، وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال: تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تفيض عليها الماء فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. (١) وقال البخاري: باب الحياء في العلم. وقال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحي، ولا مستكبر. وقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنهعن الحياء أن يتفقهن في الدين. (٢) وعن أم مسلمة قالت: جاءت أم سليم إلى رسول- ﷺ فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي ﷺ : إذا رأت الماء.

стр. 4578

فغطت أم سلمة تعني وجهها وقالت: يا رسول الله وتحتلم المرأة؟ قال: نعم تربت يمينك فبم يشبهها ولدها؟ ! . (١) الوجه الرابع: أنها لم تقل هذا إلا إجابة لسؤال سائل، ولم تبتدئ به . ولقد كان من كمال تأسي الصحابة ﵃ برسول الله ﷺ ، واعتقادهم بعصمته ﷺ من الصغائر في كل أحواله، شدة حرصهم على تأسيهم به ﷺ حتى في أمور بيته، وذلك كاختلافهم في جواز القبلة للصائم، وفى طلوع الفجر على الجنب وهو صائم فسألوا أم المؤمنين عائشة ﵂ فأخبرتهم أن ذلك وقع من النبي ﷺ فرجعوا إلى ذلك. الوجه الخامس: أنها ضحكت بعد قولها هذا تعجبًا ممن يخالف هذا وقد فعله رسول الله أو تعجبت من نفسها إذ تحدث بمثل هذا مما يستحى من ذكر النساء مثله للرجال، ولكنها ألجأتها الضرورة في تبليغ العلم إلى ذكر ذلك. الوجه السادس: وقد يكون الضحك خجلًا لإخبارها عن نفسها بذلك. الوجه السابع: أو تنبيها على أنها صاحبة القصة ليكون أبلغ في الثقة بها، أو سرورا بمكانها من النبي ﷺ وبمنزلتها منه ومحبته لها اهـ وفي هذا من الحياء أنها كنت عن نفسها بالضحك ولم تصرح. (٢) الوجه الثامن: أنها كنت عن الحاجة أو العضو بالإرب حياء وأدبا ولم تصرح بأكثر من ذلك . والإرب بكسر ثم سكون، قال الخطابي: كذا يقول أكثر الرواة والإرب العضو قال: وإنما هو لأربه بفتحتين أي لحاجته، وقد قالوا أيضًا الأرب بالسكون الحاجة وقوله بكل إرب منه إربًا منه المراد هنا العضو، وكذا قوله يسجد على سبعة آراب وقوله: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ أي النكاح، قال طاوس: الحاجة إليه، وقال ابن عباس ولي فيها مآرب أي حاجات (٣).

стр. 4579

وقال الأصمعي: هي الحاجة أي أضبطكم لشهوته وقال ابن الأعرابي أي لجزمه وضبط نفسه وقد أرب يأرب إربا إذا احتاج يقال آإن فلانا لأرب بفلانة إذا كان ذاهم بها ويشهد لقول ابن الأعرابي ما جاء في بعض الروايات: أملككم لنفسه (١). قال الخطابي: هذه اللفظة تروى على وجهين الفتح والكسر قال ومعناهما واحد وهو حاجة النفس ووطرها، يقال لفلان على فلان أرب هارب وأربة ومأربة أي الحاجة، قال: والأرب أيضا العضو. (٢) الوجه التاسع: في الفائدة من ذكر هذا الكلام وهي تعليم الأمة مثل هذه الأحكام فالمصلحة المترتبة على الإخبار بهذا الأمر أكثر من المصلحة المترتبة على كتمانه ولهذا جاز الإخبار عن بعض الأحوال بين الرجل وأهله إجمالًا إذا كانت هناك مصلحة شرعية كهذه مع أن الأصل حرمة ذلك أي: لغير مصلحة شرعية. (٣) الوجه العاشر: التقبيل في الكتاب المقدس لغير المحارم . نَشِيدُ الأَنْشَادِ المنسوب لِسُلَيْمانَ: العروس لِيقبِّلْنِي بِقُبْلاتِ فَمِهِ، لأَنَّ حُبَّكَ أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْرِ. ٣ لِرَائِحَةِ أَدْهَانِكَ الطَّيَبةِ. اسْمُكَ دُهْنٌ مُهْرَاق، لِذلِكَ أَحَبَّتْكَ الْعَذَارَى. ٤ اُجْذُبْنِي وَرَاءَكَ فَنَجْرِيَ. أَدْخَلَنِي الْمَلِكُ إِلَى حِجَالِهِ. نَبْتَهِجُ وَنَفْرَحُ بِكَ. نَذْكُرُ حُبَّكَ أَكْثَرَ مِنَ الْخمْرِ. بِالْحَقِّ يُحِبُّونَكَ. (نشيد الإنشاد ١/ ٤: ١). وغير ذلك كثير في نصوص الكتاب المقدس! ! ! (٤). * * *

стр. 4580

١٥ - شبهة: خلوة النبي ﷺ بامرأة أجنبية . نص الشبهة: كيف يختلي النبي ﷺ بامرأة أجنبية، ويقول لها: " والله إِنَّكُم أَحبُّ النَّاسِ إِلَيّ". والرد من وجوه: الوجه الأول: الفهم الصحيح للحديث، وبيان أن النبي ﷺ لم يخلو بها. الوجه الثاني: هذه الحادثة ليست فيها خلوة أصلًا. الوجه الثالث تحذير النبي ﷺ من الخلوة بالنساء. الوجه الرابع: غيرة النبي ﷺ ، ومراعاة شعور غيره بالغيرة. الوجه الخامس: الخلوة بالأجنبية في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: الفهم الصحيح للحديث ومعنى الخلوة . عن أنَس بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَخَلَا بِهَا، فَقَالَ: "وَالله إِنَّكُنَّ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيّ" (١). وفي رواية قال: "جَاءَتْ اِمْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار إِلَى النَّبِيّ ﷺ وَمَعَهَا صَبِيّ لها فَكَلَّمَهَا رَسُول الله فقال: "والذي نفسي بيده إِنَّكُم أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيّ" (٢). بوب البخاري لهذا الحديث بابًا بعنوان (مَا يجوز أَنْ يَخْلُو الرَّجل بِالْمرْأَةِ عِنْد النَّاس). قال ابن حجر: أَيْ: لَا يَخْلُو بِهَا بِحَيْثُ تَحْتَجِب أَشْخَاصهمَا عَنْهُمْ، بَلْ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُونَ كَلَامهمَا إِذَا كَانَ بِمَا يُخَافِت بِهِ، كَالشَّيْءِ الَّذِي تَسْتَحْيِ الْمرْأَة مِنْ ذِكْرِهِ بَيْن النَّاس. وَأَخَذَ المصَنِّف قَوْله فِي التَّرْجَمَة (عِنْد النَّاس) مِنْ قَوْله فِي بَعْض طُرُق الحْدِيث (فَخَلَا بِهَا فِي بَعْض الطُّرُق أَوْ فِي بَعْض السِّكَك) وَهِيَ الطُّرُق الْمسْلُوكَة الَّتِي لَا تَنْفَكّ عَنْ مُرُور النَّاس غَالِبًا، ولَمْ يُرِدْ أَنس أنَّهُ خَلَا بِهَا بِحَيْثُ غَابَ عَنْ أَبْصَار مَنْ كَانَ مَعَهُ، وَإِنَّمَا خَلَا بِهَا

стр. 4581

بِحَيْثُ لَا يَسْمَع مَنْ حَضَرَ شَكْوَاهَا، وَلَا مَا دَار بَيْنهمَا مِنْ الْكَلَام، وَلهِذَا سَمِعَ أَنس آخِر الْكَلَام فَنَقَلَهُ وَلَمْ يَنْقُل مَا دَار بَيْنهمَا لأنهُ لَمْ يَسْمَعهُ (١). ووقع عند مسلم عن أنس (أَنَّ اِمْرَأَة كَانَتْ فِي عَقْلهَا شَيْء، فَقَالَتْ: يَا رَسول الله إِنَّ لِي إِلَيْك حَاجَة، فَقَالَ: "يَا أُمّ فُلَان انظُرِي أَيَّ السِّكَك شِئْت حَتَّى أَقْضِيَ لَك حَاجَتك؟ " (٢). فِي مثل هَذه الْأَحَادِيث بَيَان بُرُوزه ﷺ لِلنَّاسِ، وَقُرْبه مِنْهُمْ، لِيَصِلَ أَهْل الحْقُوق إِلَى حُقُوقهمْ، ويُرْشِدَ مُسْتَرْشِدهمْ ليُشَاهِدُوا أَفْعَاله وَحَرَكَاته فَيُقْتَدَى بِهَا، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِوُلَاةِ الْأُمُور (٣). وفي الحديث منقبة للأنصار، وَفِيهِ سَعَة حِلْمه وَتَوَاضُعه ﷺ وَصَبْره عَلَى قَضَاء حَوَائِج الصَّغِير وَالْكَبِير، وَفِيهِ أَنَّ مُفَاوَضَة المُرْأَة الْأَجْنَبِيَّة سِرًّا لَا يَقْدَح فِي الدِّين عِنْد أَمْن الْفِتْنَة، وَلَكِنَّ الْأَمْر كما قَالَتْ عَائِشَة: وَأَيّكُمْ يَمْلِك إِرْبه كَمَا كَانَ ﷺ يَمْلِك إِرْبه (٤). قال البدر العيني: والرجل الأمين ليس عليه بأس إذا خلا بامرأة في ناحية من الناس لما تسأله عن بواطن أمرها في دينها وغير ذلك من أمورها، وليس المراد من قوله أن يخلو الرجل أن يغيب عن أبصار الناس، فلذلك قيده بقوله (عند الناس). وقول أنس ﵁ في الحديث (فخلا بها) يدل على أنه كان مع الناس، فتنحى بها ناحية، لأن أنسًا الذي هو راوي الحديث كان هناك، وجاء في بعض طرقه أنه كان معها صبي أيضًا، فصح أنه كان عند الناس، ولا سيما أنهم سمعوا قوله: "أنتم أحب الناس إلي" يريد بهم الأنصار، وهم قوم المرأة (٥). وقال النووي: هَذِهِ الْمرْأَة إِمَّا مَحْرَم لَهُ كَأُمِّ سُلَيْمٍ وَأُخْتهَا. وَإِمَّا الْمرَاد بِالْخَلْوَةِ أَنَّهَا سَأَلتْهُ سؤَالًا خَفِيًّا بِحَضْرَةِ نَاس، وَلَمْ يَكُنْ خَلْوَة مُطْلَقَة وَهِيَ الْخَلْوَة المنْهِيّ عَنْهَا (٦).

стр. 4582

الوجة الثاني: هذه القصة ليست فيها خلوة . لو نظرنا إلى سياق الحديث لوجدنا أن المرأة معها صبي، كما جاء في بعض طرقه: قال: "جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ومعها صبي لها" (١). وفي سياق الحديث: أن النبي ﷺ كان مع الناس، ثم جاءت المرأة فتنحى بها، وهما أمام الناس. قال البدر العيني: وجاء في بعض طرقه أنه كان معها صبي أيضًا، فصح أنه كان عند الناس، ولاسيما أنهم سمعوا قوله: "أنتم أحب الناس إلي" يريد بهم الأنصار وهم قوم المرأة (٢). قال النووي: وأما المراد بالخلوة أنها سألته خفية بحضرة الناس، ولم تكن خلوة مطلقة، وهي الخلوة المنهي عنها (٣). في الحديث أن أنس ﵁ سمع بعض كلام النبي ﷺ ، وهذا يدل على أنها ليست بخلوة، فقوله (فخلا بها) يدل على أنه كان مع الناس فتنحى بها ناحيةً، لأن أنسًا سمع قوله: (والله إِنَّكُم لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيّ) (٤). الوجة الثالث: تحذير النبي ﷺ من الخلوة بالنساء . عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ الله أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: الْحَمْوُ المُوْتُ" (٥). قال ابن حجر: فقَوْله: "إِيَّاكُمْ وَالدُّخُول" بِالنَّصْبِ عَلَى التَّحْذِير، وَتَقْدِير الْكَلَام: اتَّقُوا أَنفُسكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا عَلَى النِّسَاء، وَالنِّسَاء أَنْ يَدْخُلْنَ عَلَيْكُمْ، وأما الْحَمْو: فهو أَخُو الزَّوْج، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِب الزَّوْج، اِبْن الْعَمّ وَنَحْوه، قالَ التِّرْمِذِيّ: يُقَال هُوَ أَخُو الزَوْج، كُرِهَ لَهُ أَنْ يَخْلُو بِهَا، وَمَعْنَى الحدِيث عَلَى نَحْو مَا رُوِيَ "لَا يَخْلُوَنّ رَجُل بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثهمَا

стр. 4583

الشَّيْطَان" (١) وَجَرَتْ الْعَادَة بِالتَّسَاهُلِ فِيهِ، فَيَخْلُو الْأَخ بِامْرَأَةِ أَخِيهِ، فَشَبَّهَهُ بِالْموْتِ وَهُوَ أَوْلي بِالمَنع مِنْ الْأَجْنَبِيّ. وقَوْله: "الْحَمْو المَوْت" قِيلَ: المُرَاد أَنَّ الْخَلْوَة بِالحْمْوِ قَدْ تُؤَدِّي إِلَى هَلَاك الدِّين إِنْ وَقَعَتْ المَعْصِيَة، أَوْ إِلَى المَوْت إِنْ وَقَعَتْ المعْصِيَة وَوَجَبَ الرَّجْم، أَوْ إِلَى هَلَاك المُرْأَة بِفِرَاقِ زَوْجهَا إِذَا حَمَلَتْهُ الْغَيْرَة عَلَى تَطْلِيقهَا، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ كُلّه الْقُرْطُبِيّ (٢). وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ فَقَامَ رَجُل فَقَالَ يَا رَسُولَ الله امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّة وَاكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا، وَكَذَا قَالَ ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ (٣). وفي رواية عن ابن عباس ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يَقُول: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُل بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ" (٤). وتقدير الحديث: لا يقعدن رجل مع امرأة إلا ومعها محرم، وإِذَا خَلَا الْأَجْنَبِيّ بِالْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غَيْر ثَالِث مَعَهُمَا؛ فَهُوَ حَرَام بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُمَا مَنْ لَا يُسْتَحَى مِنْهُ، لِصِغَرِهِ كَابْنِ سَنَتَيْنِ وَثَلَاث وَنَحْو ذَلِكَ؛ فَإِنَّ وُجُوده كَالْعَدَمِ، وَكَذَا لَوْ اِجْتَمَعَ رِجَال بِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّة فَهُوَ حَرَام (٥). وقد ترجم البخاري بقوله (باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم والدخول على المغيبة. قال البدر العيني: هذه الترجمة مشتملة على حكمين أحدهما عدم جواز اختلاء الرجل بامرأة أجنبية والثاني عدم جواز الدخول على المغيبة (٦).

стр. 4584

وعَنْ عَليِّ بْنِ الحسَيْنِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمسْجِدِ وَعِنْدَهُ أَزْوَاجُهُ فَرُحْنَ فَقَالَ: لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ: "لَا تَعْجَلي حَتَّى أَنْصَرِفَ مَعَكِ"، وَكَانَ بَيْتُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ؛ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا فَلَقِيَهُ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَنَظَرَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُّمَّ أَجَازَا، وَقَالَ لَهما النَّبِيُّ ﷺ تَعَالَيَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، قَالَا: سبْحَانَ الله يَا رَسولَ الله، قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُلْقِيَ فِي أَنْفُسِكُمَا شَيْئًا" (١). والحْدِيث فِيهِ بَيَان كمالِ شَفَقَته ﷺ علَى أُمَّته، وَمُرَاعَاته لمِصَالحِهِمْ، وَصِيَانَة قُلُوبهمْ وَجَوَارِحهمْ، وَكَانَ بِالْمؤْمِيينَ رَحِيمًا، فَخَافَ ﷺ أَنْ يَلَقِي الشَّيْطَان عليهم، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ ظَنَّ شَيْئًا مِنْ نَحْو هَذَا بِالنَّبِيِّ ﷺ كَفَرَ، وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب التَّحَرُّز مِنْ التَّعَرُّض لِسُوءِ ظَنّ النَّاس فِي الْإِنْسَان، وَطَلَب السَّلَامَة وَالاعْتِذَار بِالْأَعْذَارِ الصَّحِيحَة، وَفِيهِ الاسْتِعْدَاد لِلتَّحَفُّظِ مِنْ مَكَايِد الشَّيْطَان (٢). الوجه الرابع: غيرة النبي ﷺ ومراعاة شعور غيره بالغيرة . فعن سَعْد بْن عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ فَقَالَ: "النَّبِيُّ ﷺ : أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَالله أَغْيَرُ مِنِّي" (٣). وَالْغَيْرَة صِفَة كَمَالِ فَأَخْبَرَ ﷺ بِأَنَّ سَعْدًا غَيُور، وَأنَّهُ أَغْيَر مِنْهُ، وَأَنَّ الله أَغْيَر مِنْهُ ﷺ ، وَأنَّهُ مِنْ أَجْل ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِش، فَهَذَا تَفْسِير لِمَعْنَى غَيْرَة الله تَعَالَى، أَيْ: أَنَّهَا مَنْعه النَّاس مِنْ الْفَوَاحِش؛ لَكِنْ الْغَيْرَة فِي حَقّ النَّاس يُقَارِنهَا تَغَيُّر حَال الإِنْسَان وَانْزِعَاجه، وَهَذَا مُسْتَحِيل فِي غَيْرَة الله تَعَالَى (٤). والنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ الله، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمدْحُ مِنْ الله" (٥).

стр. 4585

ومن شدة وفائه ومراعاته لغيره في هذا الشعور، أنه وصل به الوفاء حتى في المنام فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: دَخَلْتُ الجنّةَ أَوْ أتيْتُ الجنّةَ، فَأَبْصَرْتُ قَصْرًا، فَقُلْتُ: لمِنْ هَذَا؟ قَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي إِلَّا عِلْمِي بِغَيْرَتكَ"، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخطَّابِ: يَا رَسُولَ الله بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا نَبِيَّ الله أَوَعَلَيْكَ أَغَارُ (١). وفي رواية: "أنه رأى فيه امرأة تتوضأ إلى جانب قصر" (٢). قال ابن بطال: يُؤْخَذ مِنْ الحدِيث أَنَّ مَنْ عَلِمَ مِنْ صَاحِبه خُلُقًا، لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَرَّض لمِا يُنَافِرهُ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ نُسِبَ إِلَى مَنْ اِتَّصَفَ بِصِفَةِ صَلَاح مَا يُغَايِر ذَلِكَ يُنْكَر عَلَيْهِ (٣). الوجه الخامس: الخلوة بالأجنبية في الكتاب المقدس . (تثنية ٢١/ ١١): وَرَأَيْتَ فِي السَّبْيِ امْرَأَةً جَمِيلَةَ الصُّورَةِ، وَالْتَصَقْتَ بِهَا وَاتَّخَذْتهَا لَكَ زَوْجَةً، فَحِينَ تُدْخِلُهَا إِلَى بَيْتكَ تَحْلِقُ رَأْسَهَا وَتُقَلِّمُ أَظْفَارَهَا، وَتَنْزِعُ ثِيَابَ سَبْيِهَا عَنْهَا، وَتَقْعُدُ فِي بَيْتِكَ، وَتَبْكِي أَسباهَا وَأُمَّهَا شَهْرًا مِنَ الزَّمَانِ، ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ تَدْخُلُ عَلَيْهَا وَتَتَزَوَّجُ بِهَا، فتكُونُ لَكَ زَوْجَةً. وإنْ لَمْ تُسَرَّ بِهَا فَأَطْلِقْهَا لِنَفْسِهَا. لا تَبِعْهَا بَيْعًا بِفِضَّةٍ، وَلا تَسْتَرِقَّهَا مِنْ أَجْلِ انكَ قَدْ أَذْلَلْتَهَا. (التثنية ٢٢/ ٢٨ - ٢٩): إِذَا وَجَدَ رَجُلٌ فَتَاةً عَذْرَاءَ غَيْرَ مَخْطُوبَةٍ، فَأَمْسَكَهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا، فَوُجدا. يُعْطِي الرَّجُلُ الَّذِي اضْطَجَعَ مَعَهَا لأَبِي الْفَتَاةِ خَمْسِينَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَيَكُونُ هِيَ لَهُ زَوْجَةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ أَذَلَّهَا. لا يَقْدِرُ أَنْ يُطَلِّقَهَا كُلَّ أَيَّامِهِ. (أمثال ٧/ ١٩: ١٧): عَطَّرْتُ فِرَاشِي بِمُرّ وَعُودٍ وَقِرْفَةٍ. هَلُمَّ نَرْتَوِ وُدًّا إِلَى الصَّبَاحِ. نَتَلَذَّذُ بِالحبِّ. لأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ فِي الْبَيْتِ. ذَهَبَ فِي طَرِيق بَعِيدَةٍ. * * *

стр. 4586

١٦ - شبهة: حُبِّبَ إليَّ من دنياكم نص الشبهة: في الحديث: "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم: الطيب، والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصلاة". يقولون: أن النبي ﷺ ذكر أن من أحب الأشياء إليه النساء، وهذا فيه دلالة على الشهوانية. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: المعنى الإجمالي للحديث وتوضيح المراد بالنساء فيه . الوجه الثاني: القول بأنه ابتلاء من الله. الوجه الثالث: القول بأنه منفعة للمسلمين. وإليك التفصيل الوجه الأول: المعنى الإجمالي للحديث، وتوضيح المراد بالنساء فيه. قال الماوردي: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى تَحْبِيبِ النِّسَاءِ إِلَيْهِ ﷺ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الابْتِلَاءِ وَالتَكلِيفِ، حَتَّى لَا يَلْهُوَ بِمَا حُبِّبَ إِلَيْهِ مِنَ النِّسَاءِ عَمَّا كُلِّفَ بِهِ مِنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ، وَلَا يَعْجَزَ عَنْ تحَمُّلِ أَثْقَالِ النُّبُوَّةِ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَكْثَرَ لِمَشَاقِّه وَأَعْظَمَ لِأَجْرِهِ. الثَّانِي: لِيَكُونَ خَلْوَاتُهُ مَعَهُنَّ يُشَاهِدُهَا مِنْ نِسَائِهِ، فَيَزُولُ عَنْهُ مَا يَرْمِيهِ الْمشْرِكُونَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ سَاحِر أَوْ شَاعِر، فَيَكُونُ تَحْبِيبُهُنَّ إِلَيْهِ عَلَى وَجْهِ اللُّطْفِ بِهِ. وَعَلَى الْقَوْل الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهِ الابْتِلَاءِ لَهُ، وَعَلَى أَيِّ الْقَوْلَيْنِ كَانَ فَهُوَ لَهُ فَضِيلَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي غَير نَقْصًا، وَهَذَا مِمَّا هُوَ بِهِ مَخَصُوصٌ أَيْضًا. (١) وقال ابن الحاج: فَانْظُرْ إلَى حِكْمَةِ قَوْلِهِ ﷺ : حُبَّبَ، وَلَمْ يَقُلْ: أَحْبَبْت، وَقَالَ مِنْ دُنْيَاكُمْ فَأَضَافَهَا إلَيْهِمْ دُونَهُ ﷺ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ حُبُّهُ خَاصًّا بِمَوْلَاهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْني فِي الصَّلَاةِ"، وَمَا ذَاكَ إلَّا لمِا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ المُعَانِي الْعَلِيةِ الشَّرِيفَةِ" فَكَانَ ﷺ بَشَرِيَّ الظَّاهِرِ مَلَكِيَّ الْبَاطِنِ، فَكَانَ ﷺ لَا يَأْتِي إلَى شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ إلَّا تَأْنيسًا لِأُمَّتِهِ، وَتَشْرِيعًا لَهَا، لَا أَنَّهُ مُحتاجٌ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كما تَقَدَّمَ، وَللْجَهْلِ بِهَذه الْأَوْصَافِ الجلِيلَةِ، وَالخِصَال

стр. 4587

الْحَمِيدَةِ قَالَ الْجَاهِلُ المسْكِينُ: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ أَلا ترى إلَى قَوْله تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ فَقَالَ: ﴿لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾، وَلَمْ يَقُلْ إنِّي مَلَكٌ، فَلَمْ يَنْفِ الْمَلَكِيَّةَ عَنْهُ إلَّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ أَعْنِي فِي مَعَانيهِ ﷺ لَا فِي ذَاتِهِ الْكَرِيمَةِ، إذْ أَنَّهُ ﷺ يَلْحَقُ بَشَريَّتهُ مَا يَلْحَقُ الْبَشَرَ (١). وقال الفخر الرازي: ولذلك قال ﷺ : "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة" فرجح الصلاة على النكاح. (٢) انظر في كلام الرازي قال: "فرجح الصلاة على النكاح". وهذا يؤكد معنى الحديث أن النبي ﷺ يقصد بكلمة النساء في الحديث زوجاته، أي: ما يحل له ليس غيرهن. وقال القاضي عياض: حُبِّبَ إلي من دنياكم فدل على أن حبه لما ذكر من النساء والطيب اللذين هما من أمور دنيا غيره واستعماله لذلك ليس لدنياه، بل لآخرته للفوائد التي ذكرناها في التزويج وللقاء الملائكة في الطيب؛ ولأنه أيضًا مما يحض على الجماع ويعين عليه ويحرك أسبابه. وكان حبه لهاتين الخصلتين لأجل غيره وقمع شهوته، وكان حبه الحقيقي المختص بذاته في مشاهدته جبروت مولاه ومناجاته، ولذلك ميَّز بين الحبين وفصل بين الحالين فقال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة". (٣) وقال ابن القيم بعد أن ذكر الحديث: فلا عيب على الرجل في محبته لأهله وعشقه لها، إلا إذا شغله ذلك عن محبة ما هو أنفع له من محبة الله ورسوله، وزاحم حبه وحب رسوله، فإن كل محبة زاحمت محبة الله ورسوله بحيث تضعفها وتنقصها فهي مذمومة، وإن أعانت على محبة الله ورسوله وكانت من أسباب قوتها فهي محمودة. (٤)

стр. 4588

وهذا أيضًا مزيد تأكيد وبيان على أن حب النساء في الحديث يعني الأهل منهن. قال السيوطي: لما كان المقصود من سياق الحديث بيان ما أصابه النبي ﷺ من متاع الدنيا بدأ به كما قال في الحديث الآخر: "ما أصبنا من دنياكم هذه إلا النساء" ولما كان الذي حبب إليه من متاع الدنيا هو أفضلها وهو النساء. بدليل قوله في الحديث الآخر: "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة" ناسب أن يضم إليه بيان أفضل الأمور الدينية؛ وذلك الصلاة؛ فإنها أفضل العبادات بعد الإيمان، فكان الحديث على أسلوب البلاغة من جمعه بين أفضل أمور الدنيا وأفضل أمور الدين، وفي ذلك ضم الشيء إلى نظيره وعبر في أمر الدين بعبارة أبلغ مما عبر به في أمر الدنيا حيث؛ اقتصر في أمر الدنيا على مجرد التحبب وقال في أمر الدين: "جُعلت قرة عيني"؛ فإن في قرة العين من التعظيم في المحبة ما لا يخفى. (١) وقال علي بن برهان الدين الحلبي: حيث لم يقل من دنياي ولا من الدنيا؛ فإنه أشار بهذه الإضافة إلى أن النساء والطيب من دنيا الناس؛ لأنهم يقصدونهما للاستلذاذ وحظوظ النفس وهو ﷺ منزه عن ذلك؛ وإنما حُبب إليه النساء لينقلن عنه محاسنه ومعجزاته الباطنة والأحكام السرية التي لا يطلع عليها غالبًا غيرهن وغير ذلك من الفوائد الدينية. (٢) قال محمد بن يوسف الصالحي: أنه ﷺ لم يكن متشوقًا إلى زخرف الدنيا ولذاتها، ولقد عرض عليه أن تكون له جبال مكة ذهبًا تسير معه حيث سار فأباها، واختار الافتقار إلى الله تعالى. معلوم أن الذهب يتحصل به جميع ما يقصده من أعراض الدنيا وزخارفها، وتقلله من الدنيا أمر شائع ذائع صحت به الأحاديث. وتقدم بعض ذلك في باب زهده ﷺ إذا تقرر ذلك، فحبه للنساء والطيب ليس من زهرة الدنيا والافتتان، بل هو من أعمال الاخرة المحصلة لمعالي الدرجات، وبيان ذلك أنه حبب إليه كثرة النساء، ليطلعهن على ما لديه من بواطن الشريعة وظواهرها، فينقلنه ويعلنه للناس، أو يكون التشريع بسببهن، وخصوصًا مما يستحيي الرجال من ذكره

стр. 4589

والسؤال عنه، فإنهن كن يطَّلعن من أحواله ﷺ وأقواله على ما لا يطلع عليه غيرهن، فقد تعلمن عنه ﷺ ما رأينه في منامه، وحال خلوته من الآيات البينات على نبوته، ومن جده واجتهاده، ولم يشاهدها غيرهن، فحصل من ذلك من الفوائد الأخروية ما لا يحصى، وأما حبه للطيب، فلأجل نزول الملك عليه، وملازمته له بالوحي؛ ولهذا كان يمتنع من تناول ما له رائحة كريهة، وقال: إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فظهر بذلك أن حبه للنساء، والطيب كان لمصلحة أخروية. (١) ومن فتاوى الأزهر تعليقًا على الحديث: وحب الرسول ﷺ للنساء ليس حبًا شهوانيًا بمعنى الاهتمام الزائد بالمتعة الجنسية على شاكلة المترفين اللاهين، فنحن نعلم رقة حاله وشغله الدائم ليلًا ونهارًا بالدعوة ومشكلاتها، واهتمامه بقيام الليل حتى تتورم قدماه، فهو حب طبيعي كحب أي رجل لامرأة، لأنه مكتمل الرجولة لا عيب فيه، ولكنه حب بقدر، لا يطغى على الناحية الروحية عنده، ولذلك جاء في الحديث "وجعلت قرة عيني في الصلاة" فالصلاة أعظم محبوب عنده، ومن كان كذلك فهمه في النساء لم يكن بالدرجة التي تصرفه عن قرة عينه وهي الصلاة والعبادة. وقد يكون الحديث ردًّا على بعض من يرون أن مقياس التدين هو الرهبانية والتبتل والامتناع عما أحل الله من الطيبات، فهو ﷺ أخشى الناس لله وأتقاهم له، ولكنه يصوم ويفطر، ويقوم ويرقد، ويتزوج النساء، كما صح في الحديث المتفق عليه الذي قال في نهايته: "ومن رغب عن سنتي فليس مني"، وذلك إلى جانب عطفه ورحمته بالنساء عامة، وقد أوصى بهن كثيرًا، والنصوص في ذلك كثيرة. (٢) فيظهر بما سبق من كلام العلماء المعني الصحيح للحديث، ولم يقل أحد من العلماء أن تحبيب النساء في الحديث لغير ما يحل. الوجه الثاني: القول بأنه ابتلاء من الله .

стр. 4590

قال السيوطي: قَالَ بَعْضهمْ: فِي هَذَا قَوْلَانِ أَحَدهمَا أَنَّهُ زِيَادَة فِي الابْتِلَاء وَالتَّكلِيف حَتَّى يَلْهُو بِمَا حُبِّبَ إِلَيْهِ مِنْ النِّسَاء عَمَّا كُلِّفَ مِنْ أَدَاء الرِّسَالَة فَيَكُون ذَلِكَ أَكْثَر لمَشَاقِّهِ وَأَعْظَم لِأَجْرِه. (١) حيث في الحديث عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ الله ﷺ أَيّ النَاسِ أَشَدُّ بَلاءً قَالَ: "الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ؛ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ؛ وَإِنْ كَانَ فِي دِينهِ رِقَّةٌ، ابْتُليَ عَلَى حَسَبِ دِينهِ؛ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَة". (٢) قال النووي: قال العلماء: والحكمة في كون الأنبياء أشد بلاء ثم الأمثل فالأمثل أنهم مخصوصون بكمال الصبر وصحة الاحتساب ومعرفة أن ذلك نعمة من الله تعالى ليتم لهم الخير ويضاعف لهم الأجر ويظهر صبرهم ورضاهم. (٣) وقال ابن بطال: خص الله أنبياءه الأوجاع والأصواب لما خصهم به من قوة اليقين وشدة الصبر والاحتساب ليكمل لهم الثواب ويتم لهم الأجر. (٤) فليس بغريب أن يكون هذا ابتلاء من الله جل وعلا لنبيه ﷺ ومما يؤيد هذا قول النبي ﷺ "حبب إلي النساء" ولم يقل أحببت. قال العبدري: فانْظُرْ إلَى حِكْمَةِ قَوْلِهِ ﷺ : حُبِّبَ، وَلَمْ يَقُلْ: أَحْبَبْت، وَقَالَ مِنْ دُنْيَاكُمْ فَأَضَافَهَا إلَيْهِمْ دُونَهُ ﷺ . (٥) ولكن أبى النبي ﷺ إلا أن تكون قرة عينه في شيء آخر إلا الصلاة.
следующие страницы →