← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

١٦ - شبهة: حُبِّبَ إليَّ من دنياكم نص الشبهة: في الحديث: "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم: الطيب، والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصلاة". يقولون: أن النبي ﷺ ذكر أن من أحب الأشياء إليه النساء، وهذا فيه دلالة على الشهوانية. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: المعنى الإجمالي للحديث وتوضيح المراد بالنساء فيه . الوجه الثاني: القول بأنه ابتلاء من الله. الوجه الثالث: القول بأنه منفعة للمسلمين. وإليك التفصيل الوجه الأول: المعنى الإجمالي للحديث، وتوضيح المراد بالنساء فيه. قال الماوردي: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى تَحْبِيبِ النِّسَاءِ إِلَيْهِ ﷺ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الابْتِلَاءِ وَالتَكلِيفِ، حَتَّى لَا يَلْهُوَ بِمَا حُبِّبَ إِلَيْهِ مِنَ النِّسَاءِ عَمَّا كُلِّفَ بِهِ مِنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ، وَلَا يَعْجَزَ عَنْ تحَمُّلِ أَثْقَالِ النُّبُوَّةِ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَكْثَرَ لِمَشَاقِّه وَأَعْظَمَ لِأَجْرِهِ. الثَّانِي: لِيَكُونَ خَلْوَاتُهُ مَعَهُنَّ يُشَاهِدُهَا مِنْ نِسَائِهِ، فَيَزُولُ عَنْهُ مَا يَرْمِيهِ الْمشْرِكُونَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ سَاحِر أَوْ شَاعِر، فَيَكُونُ تَحْبِيبُهُنَّ إِلَيْهِ عَلَى وَجْهِ اللُّطْفِ بِهِ. وَعَلَى الْقَوْل الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهِ الابْتِلَاءِ لَهُ، وَعَلَى أَيِّ الْقَوْلَيْنِ كَانَ فَهُوَ لَهُ فَضِيلَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي غَير نَقْصًا، وَهَذَا مِمَّا هُوَ بِهِ مَخَصُوصٌ أَيْضًا. (١) وقال ابن الحاج: فَانْظُرْ إلَى حِكْمَةِ قَوْلِهِ ﷺ : حُبَّبَ، وَلَمْ يَقُلْ: أَحْبَبْت، وَقَالَ مِنْ دُنْيَاكُمْ فَأَضَافَهَا إلَيْهِمْ دُونَهُ ﷺ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ حُبُّهُ خَاصًّا بِمَوْلَاهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْني فِي الصَّلَاةِ"، وَمَا ذَاكَ إلَّا لمِا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ المُعَانِي الْعَلِيةِ الشَّرِيفَةِ" فَكَانَ ﷺ بَشَرِيَّ الظَّاهِرِ مَلَكِيَّ الْبَاطِنِ، فَكَانَ ﷺ لَا يَأْتِي إلَى شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ إلَّا تَأْنيسًا لِأُمَّتِهِ، وَتَشْرِيعًا لَهَا، لَا أَنَّهُ مُحتاجٌ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كما تَقَدَّمَ، وَللْجَهْلِ بِهَذه الْأَوْصَافِ الجلِيلَةِ، وَالخِصَال

стр. 4587

الْحَمِيدَةِ قَالَ الْجَاهِلُ المسْكِينُ: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ أَلا ترى إلَى قَوْله تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ فَقَالَ: ﴿لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾، وَلَمْ يَقُلْ إنِّي مَلَكٌ، فَلَمْ يَنْفِ الْمَلَكِيَّةَ عَنْهُ إلَّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ أَعْنِي فِي مَعَانيهِ ﷺ لَا فِي ذَاتِهِ الْكَرِيمَةِ، إذْ أَنَّهُ ﷺ يَلْحَقُ بَشَريَّتهُ مَا يَلْحَقُ الْبَشَرَ (١). وقال الفخر الرازي: ولذلك قال ﷺ : "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة" فرجح الصلاة على النكاح. (٢) انظر في كلام الرازي قال: "فرجح الصلاة على النكاح". وهذا يؤكد معنى الحديث أن النبي ﷺ يقصد بكلمة النساء في الحديث زوجاته، أي: ما يحل له ليس غيرهن. وقال القاضي عياض: حُبِّبَ إلي من دنياكم فدل على أن حبه لما ذكر من النساء والطيب اللذين هما من أمور دنيا غيره واستعماله لذلك ليس لدنياه، بل لآخرته للفوائد التي ذكرناها في التزويج وللقاء الملائكة في الطيب؛ ولأنه أيضًا مما يحض على الجماع ويعين عليه ويحرك أسبابه. وكان حبه لهاتين الخصلتين لأجل غيره وقمع شهوته، وكان حبه الحقيقي المختص بذاته في مشاهدته جبروت مولاه ومناجاته، ولذلك ميَّز بين الحبين وفصل بين الحالين فقال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة". (٣) وقال ابن القيم بعد أن ذكر الحديث: فلا عيب على الرجل في محبته لأهله وعشقه لها، إلا إذا شغله ذلك عن محبة ما هو أنفع له من محبة الله ورسوله، وزاحم حبه وحب رسوله، فإن كل محبة زاحمت محبة الله ورسوله بحيث تضعفها وتنقصها فهي مذمومة، وإن أعانت على محبة الله ورسوله وكانت من أسباب قوتها فهي محمودة. (٤)

стр. 4588

وهذا أيضًا مزيد تأكيد وبيان على أن حب النساء في الحديث يعني الأهل منهن. قال السيوطي: لما كان المقصود من سياق الحديث بيان ما أصابه النبي ﷺ من متاع الدنيا بدأ به كما قال في الحديث الآخر: "ما أصبنا من دنياكم هذه إلا النساء" ولما كان الذي حبب إليه من متاع الدنيا هو أفضلها وهو النساء. بدليل قوله في الحديث الآخر: "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة" ناسب أن يضم إليه بيان أفضل الأمور الدينية؛ وذلك الصلاة؛ فإنها أفضل العبادات بعد الإيمان، فكان الحديث على أسلوب البلاغة من جمعه بين أفضل أمور الدنيا وأفضل أمور الدين، وفي ذلك ضم الشيء إلى نظيره وعبر في أمر الدين بعبارة أبلغ مما عبر به في أمر الدنيا حيث؛ اقتصر في أمر الدنيا على مجرد التحبب وقال في أمر الدين: "جُعلت قرة عيني"؛ فإن في قرة العين من التعظيم في المحبة ما لا يخفى. (١) وقال علي بن برهان الدين الحلبي: حيث لم يقل من دنياي ولا من الدنيا؛ فإنه أشار بهذه الإضافة إلى أن النساء والطيب من دنيا الناس؛ لأنهم يقصدونهما للاستلذاذ وحظوظ النفس وهو ﷺ منزه عن ذلك؛ وإنما حُبب إليه النساء لينقلن عنه محاسنه ومعجزاته الباطنة والأحكام السرية التي لا يطلع عليها غالبًا غيرهن وغير ذلك من الفوائد الدينية. (٢) قال محمد بن يوسف الصالحي: أنه ﷺ لم يكن متشوقًا إلى زخرف الدنيا ولذاتها، ولقد عرض عليه أن تكون له جبال مكة ذهبًا تسير معه حيث سار فأباها، واختار الافتقار إلى الله تعالى. معلوم أن الذهب يتحصل به جميع ما يقصده من أعراض الدنيا وزخارفها، وتقلله من الدنيا أمر شائع ذائع صحت به الأحاديث. وتقدم بعض ذلك في باب زهده ﷺ إذا تقرر ذلك، فحبه للنساء والطيب ليس من زهرة الدنيا والافتتان، بل هو من أعمال الاخرة المحصلة لمعالي الدرجات، وبيان ذلك أنه حبب إليه كثرة النساء، ليطلعهن على ما لديه من بواطن الشريعة وظواهرها، فينقلنه ويعلنه للناس، أو يكون التشريع بسببهن، وخصوصًا مما يستحيي الرجال من ذكره

стр. 4589

والسؤال عنه، فإنهن كن يطَّلعن من أحواله ﷺ وأقواله على ما لا يطلع عليه غيرهن، فقد تعلمن عنه ﷺ ما رأينه في منامه، وحال خلوته من الآيات البينات على نبوته، ومن جده واجتهاده، ولم يشاهدها غيرهن، فحصل من ذلك من الفوائد الأخروية ما لا يحصى، وأما حبه للطيب، فلأجل نزول الملك عليه، وملازمته له بالوحي؛ ولهذا كان يمتنع من تناول ما له رائحة كريهة، وقال: إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فظهر بذلك أن حبه للنساء، والطيب كان لمصلحة أخروية. (١) ومن فتاوى الأزهر تعليقًا على الحديث: وحب الرسول ﷺ للنساء ليس حبًا شهوانيًا بمعنى الاهتمام الزائد بالمتعة الجنسية على شاكلة المترفين اللاهين، فنحن نعلم رقة حاله وشغله الدائم ليلًا ونهارًا بالدعوة ومشكلاتها، واهتمامه بقيام الليل حتى تتورم قدماه، فهو حب طبيعي كحب أي رجل لامرأة، لأنه مكتمل الرجولة لا عيب فيه، ولكنه حب بقدر، لا يطغى على الناحية الروحية عنده، ولذلك جاء في الحديث "وجعلت قرة عيني في الصلاة" فالصلاة أعظم محبوب عنده، ومن كان كذلك فهمه في النساء لم يكن بالدرجة التي تصرفه عن قرة عينه وهي الصلاة والعبادة. وقد يكون الحديث ردًّا على بعض من يرون أن مقياس التدين هو الرهبانية والتبتل والامتناع عما أحل الله من الطيبات، فهو ﷺ أخشى الناس لله وأتقاهم له، ولكنه يصوم ويفطر، ويقوم ويرقد، ويتزوج النساء، كما صح في الحديث المتفق عليه الذي قال في نهايته: "ومن رغب عن سنتي فليس مني"، وذلك إلى جانب عطفه ورحمته بالنساء عامة، وقد أوصى بهن كثيرًا، والنصوص في ذلك كثيرة. (٢) فيظهر بما سبق من كلام العلماء المعني الصحيح للحديث، ولم يقل أحد من العلماء أن تحبيب النساء في الحديث لغير ما يحل. الوجه الثاني: القول بأنه ابتلاء من الله .

стр. 4590

قال السيوطي: قَالَ بَعْضهمْ: فِي هَذَا قَوْلَانِ أَحَدهمَا أَنَّهُ زِيَادَة فِي الابْتِلَاء وَالتَّكلِيف حَتَّى يَلْهُو بِمَا حُبِّبَ إِلَيْهِ مِنْ النِّسَاء عَمَّا كُلِّفَ مِنْ أَدَاء الرِّسَالَة فَيَكُون ذَلِكَ أَكْثَر لمَشَاقِّهِ وَأَعْظَم لِأَجْرِه. (١) حيث في الحديث عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ الله ﷺ أَيّ النَاسِ أَشَدُّ بَلاءً قَالَ: "الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ؛ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ؛ وَإِنْ كَانَ فِي دِينهِ رِقَّةٌ، ابْتُليَ عَلَى حَسَبِ دِينهِ؛ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَة". (٢) قال النووي: قال العلماء: والحكمة في كون الأنبياء أشد بلاء ثم الأمثل فالأمثل أنهم مخصوصون بكمال الصبر وصحة الاحتساب ومعرفة أن ذلك نعمة من الله تعالى ليتم لهم الخير ويضاعف لهم الأجر ويظهر صبرهم ورضاهم. (٣) وقال ابن بطال: خص الله أنبياءه الأوجاع والأصواب لما خصهم به من قوة اليقين وشدة الصبر والاحتساب ليكمل لهم الثواب ويتم لهم الأجر. (٤) فليس بغريب أن يكون هذا ابتلاء من الله جل وعلا لنبيه ﷺ ومما يؤيد هذا قول النبي ﷺ "حبب إلي النساء" ولم يقل أحببت. قال العبدري: فانْظُرْ إلَى حِكْمَةِ قَوْلِهِ ﷺ : حُبِّبَ، وَلَمْ يَقُلْ: أَحْبَبْت، وَقَالَ مِنْ دُنْيَاكُمْ فَأَضَافَهَا إلَيْهِمْ دُونَهُ ﷺ . (٥) ولكن أبى النبي ﷺ إلا أن تكون قرة عينه في شيء آخر إلا الصلاة.

стр. 4591

وقال أيضًا: فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ حُبُّهُ خَاصًّا بِمَوْلَاهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ " وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ"، وَمَا ذَاكَ إلَّا لمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمعَانِي الْعَلِيَّةِ الشَّرِيفَةِ. (١) قال القاضي عياض: "حبب إلي من دنياكم" فدل على أن حبه لما ذكر من النساء والطيب اللذين هما من أمور دنيا غيره واستعماله لذلك ليس لدنياه بل لآخرته. (٢) فأكد القاضي على أن النبي ﷺ تحمل الابتلاء وجعله لآخرته وليس لدنياه. الوجه الثالث: القول بأنه منفعة للمسلمين . قال السيوطي بعد أن ذكر القول السابق: وَالثَّانِي لِتكُونَ خَلَوَاته مَعَ مَا يُشَاهِدهَا مِنْ نِسَائِهِ فَيَزُول عَنْهُ مَا يَرْمِيه بِهِ الْمشْرِكُونَ مِنْ أَنَّهُ سَاحِر أَوْ شَاعِر فَيَكُون تَحْبِيبهنَّ إِلَيْهِ عَلَى وَجْه اللُّطْف بِهِ وَعَلَى الْقَوْل الْأَوَّل عَلَى وَجْه الابْتِلَاء وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فَهُوَ لَهُ فَضِيلَة. (٣) وقال السندي: قِيلَ إِنَّمَا حُبِّبَ إِلَيْهِ النِّسَاءُ لِيَنْقُلْنَ عَنْهُ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنْ أَحْوَالِهِ وَيُسْتَحَيَا مِنْ ذِكْرِهِ. (٤) وقال برهان الدين الحلبي: وإنما حبب إليه النساء لينقلن عنه محاسنه ومعجزاته الباطنة، والأحكام السرية؛ التي لا يطلع عليها غالبًا غيرهن وغير ذلك من الفوائد الدينية. (٥) وقد ظهر هذا في نسائه حيث كن ينقلن عن رسول الله ﷺ أحكامًا وفتاوى يستفيد بها المسلمون، وها هي أم المؤمنين عائشة ﵂ قد روت الكثير والكثير عن النبي ﷺ . قال الذهبي فيها: أفقه نساء الأمة على الإطلاق. (٦)

стр. 4592

وقال الزركلي: أفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالدين والأدب، كانت تكنى بأم عبد الله، تزوجها النبي ﷺ في السنة الثانية بعد الهجرة، فكانت أحب نسائه إليه، وأكثرهن رواية للحديث عنه، ولها خطب ومواقف. وما كان يحدث لها أمر إلا أنشدت فيه شعرًا، وكان أكابر الصحابة يسألونها عن الفرائض فتجيبهم. (١) وقال الذهبي: مسند عائشة يبلغ ألفين ومئتين وعشرة أحاديث، اتفق لها البخاري ومسلم على مئة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، وانفرد مسلم بتسعة وستين. (٢) * * *

стр. 4593

١٧ - شبهة: زواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش ﵂ . وتتلخص هذه الشبهة في نقاط: ١ - أن النبي ﷺ تزوج بزوجة ابنه. ٢ - أنه رآها متكشفة فُضلًا فأعجب بها وأحبها وهي تحت زيد. ٣ - أنه قرر أن يتزوجها وقال في ذلك كلامًا يبرر موقفه ونسبه إلى الوحي. - ما هو الداعي لربط إلغاء التبني بشخص النبي ﷺ ؛ أما كان من الممكن أن يتم ذلك بعيدًا عنه حتى لا يقع في الحرج؟ ٥ - ولماذا حرم التبني أصلًا وهو سلوك يفيض رحمة وحبًا، وما هو البديل في الإسلام؟ والرد على هذه الفرية ينتظم في مسألتين: المسألة الأولى: قولهم تزوج بزوجة ابنه. والرد على ذلك من وجوه الوجه الأول: بيان أن أبناء النبي ﷺ لذكور ماتوا صغارًا ولم يبلغوا مبلغ الرجال. الوجه الثاني: بيان نسب زيد بن حارثة ﵁ فإذا لم يكن ابنًا لرسول الله ﷺ فمن هو؟ الوجه الثالث: تحريم التبني. الوجه الرابع في الإشارة إلى فضائل زيد؛ وذلك لكي لا يظن أن إلغاء التبني حطّ من شأن زيد أو كُرهًا من رسول الله ﷺ له، وحتى لا يظن أن زيدًا تغيّر على رسول الله ﷺ بعد ذلك أو تغير عليه رسول الله ﷺ . المسألة الثانية: قولهم أنه ذهب لبيت زيد فلم يجده ووقعت عينه على امرأته فوقعت في قلبه. فهذا كلام من لم يعرف رسول الله ﷺ ولم يعرف قرابة زينب له من صغرها. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: في بيان من هي زينب بنت جحش ﵂ وهل كانت غريبة غائبة عن رسول الله ﷺ قبل ذلك؟ الوجه الثاني: كيف تم زواج زيد من زينب؟ ولماذا لم يتزوجها رسول الله ﷺ من أول الأمر؟

стр. 4594

الوجه الثالث: أن قولهم رآها فوقعت في قلبه أو أعجبته؛ إما أن لكون رآها قبل الدخول حالة الاستئذان، وإما أن يكون دخل وكلاهما باطل. الوجه الرابع: أن هذا الفعل فيه خيانة قلبية، وقد نفى النبي ﷺ عن نفسه خائنة الأعين، وهو من التطلع إلى ما متع به غيره، وهو من الحسد المذموم. الوجه الخامس: في بيان السبب الحقيقي في طلاقها من زيد ﵁. الوجه السادس: أن الله هو الذي زوجها لرسول الله ﷺ . الوجه السابع: بيان الحكمة في زواج رسول الله ﷺ منها مع أن النساء سواها كثير. الوجه الثامن: بيان المعنى الصحيح لمتعلق الخشية، وما الذي أخفاه النبي ﷺ . الوجه التاسع: أنه لو أخفى حبها وعشقها لأبداه الله؛ لأن الله قال: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، فلَما لم يبده الله؟ علم أنه لم يكن. الوجه العاشر: ذكر هذه الروايات الباطلة، وبيان وجه البطلان سندًا ومتنًا. الوجه الحادي عشر: اضطراب الروايات في متونها. الوجه الثاني عشر: كلام بعض الأئمة المحققين من المفسرين وغيرهم حول تفسير الآية ونقد الروايات. الوجه الثالث عشر: بيان أن هذه القصة من دلائل نبوته ﷺ . الوجه الرابع عشر: ذكر السفير بين النبي ﷺ وزينب، وما الذي جرى له في ذلك. وإليك التفصيل المسألة الأولى: قولهم تزوج بزوجة ابنه . والرد عليه من وجوه الوجه الأول: بيان أن أبناء النبي ﷺ الذكور ماتوا صغارًا ولم يبلغوا مبلغ الرجال . قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠]، فقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أي لم يكن أبا رجل

стр. 4595

منكم على الحقيقة، حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح، ولما بين الله ما في تزوج النبي ﷺ بزينب من الفوائد بين أنه كان خاليًا من وجوه المفاسد، وذلك لأن ما كان يتوهم من المفسدة كان منحصرًا في التزوج بزوجة الابن، فإنه غير جائز فقال الله تعالى إن زيدًا لم يكن ابنًا له لا بل أحد الرجال لم يكن ابن محمد. فإن قال قائل: النبي ﷺ كان أبا أحد من الرجال لأن الرجل اسم الذكر من أولاد آدم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ (النساء: ١٧٦) والصبي داخل فيه، فنقول الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الرجل في الاستعمال يدخل في مفهومه الكبر والبلوغ، ولم يكن للنبي ﷺ ابن كبير يقال: إنه رجل. والثاني هو أنه تعالى قال: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ووقت الخطاب لم يكن له ولد ذكر، ثم إنه تعالى لما نفى كونه اصلا عقبه بما يدل على ثبوت ما هو في حكم الأبوة من بعض الوجوه فقال: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ فإن رسول الله ﷺ كالأب للأمة في الشفقة من جانبه، وفي التعظيم من طرفهم؛ بل أقوى، فإن النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، والأب ليس كذلك، ثم بين ما يفيد زيادة الشفقة من جانبه، والتعظيم من جهتهم بقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وذلك لأن النبي الذي يكون بعده نبي إن ترك شيئًا من النصيحة، والبيان يستدركه من يأتي بعده، وأما من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته لهم وأجدى، إذ هو كوالد لولده الذي ليس له غيره من أحد، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ يعني علمه بكل شيء دخل فيه أن لا نبي بعده، فعلم أن من الحكمة إكمال شرع محمد ﷺ بتزوجه بزوجة دعِيّه تكميلًا للشرع، وذلك من حيث إن قول النبي ﷺ يفيد شرعًا، لكن إذا امتنع هو عنه يبقى في بعض النفوس نفرة، ألا ترى أنه ذكر بقوله ما فهم منه حل أكل الضب ثم

стр. 4596

لما لم يأكله بقي في النفوس شيء، ولما أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه في بعض الملل لا يؤكل، وكذلك الأرنب. (١) وقال الزمخشري: وزيد واحد من رجالكم الذين ليسوا بأولاده حقيقة، فكان حكمه حكمكم، والادعاء، والتبني من باب الاختصاص، والتقريب لا غير ﴿وَ﴾ كان ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني أنه لو كان له ولد بالغ مبلغ الرجال لكان نبيًا ولم يكن هو خاتم الأنبياء، كما يروى أنه قال في إبراهيم حين توفي: "لو عاش لكان نبيًّا". (٢) فإن قلت: أما كان أبًا للطاهر، والطيب، والقاسم، وإبراهيم؟ قلت: قد أخرجوا من حكم النفي بقوله: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ من وجهين:

стр. 4597

أحدهما: أنّ هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال. والثاني: أنه قد أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم، فإن قلت: أما كان أبا للحسن والحسين؟ قلت: بلى؛ ولكنهما لم يكونا رجلين حينئذ، وشيء آخر: وهو أنه إنما قصد ولده خاصة، لا ولد ولده " لقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ألا ترى أن الحسن والحسين قد عاشا إلى أن نيّف أحدهما على الأربعين والآخر على الخمسين. (١) وقال السعدي: أي لم يكن الرسول ﴿مُحَمَّدٌ﴾ ﷺ ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أيها الأمة فقطع انتساب زيد بن حارثة منه، من هذا الباب. ولما كان هذا النفي عامًّا في جميع الأحوال، إن حمل ظاهر اللفظ على ظاهره، أي: لا أبوة نسب، ولا أبوة ادعاء، وقد كان تقرر فيما تقدم أن الرسول ﷺ ، أب للمؤمنين كلهم، وأزواجه أمهاتهم، فاحترز أن يدخل في هذا النوع، بعموم النهي المذكور، فقال: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ﴾ أي: هذه مرتبته مرتبة المطاع المتبوع، المهتدى به، المؤمن له الذي يجمب تقديم محبته على محبة كل أحد، الناصح الذي لهم، أي: للمؤمنين، من بره ونصحه كأنه أب لهم. (٢) فقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ نهي من الله تعالى أن يقال بعد هذا: زيد بن محمد، أي: لم يكن أباه وإن كان قد تبناه فإنه ﷺ ، لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم؛ فإنه ولد له القاسم، والطيب، والطاهر، من خديجة فماتوا صغارًا، وولد له إبراهيم من مارية القبطية، فمات أيضًا رضيعًا. (٣)

стр. 4598

وقال الشوكاني: ولما تزوّج ﷺ زينب قال الناس: تزوّج امرأة ابنه، فأنزل الله ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أي ليس بأب لزيد بن حارثة على الحقيقة حتى تحرم عليه زوجته، ولا هو أب لأحد لم يلده. (١) وخلاصة هذا الوجه أن زيدًا لم يكن ابنا حقيقيًا للنبي ﷺ فكيف يتهم بأنه تزوج زوجة ابنه؟ . الوجه الثاني: بيان نسب زيد بن حارثة ﵁ فإذا لم يكن ابنًا لرسول الله ﷺ فمن هو ؟ هو أبو أسامة زيد -الحب- بن حارثة بن شراحيل، وقيل: شرحبيل بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود وسماه أبوه بضمة بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة -واسمه عمرو وإنما سمي قضاعة، لأنه انقضع عن قومه- بن مالك بن عمرو بن مرة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان إلى قحطان جماع اليمن وأم زيد بن حارثة: سعدي بنت ثعلبة بن عبد عامر بن أفلت بن سلسلة من بني معن من طيء ويقع في نسبه خلاف وتغيير وزيادة، وهو الأمير الشهيد، السمى في سورة الأحزاب، ثم المحمدي، سيد الموالي، وأسبقهم إلى الإسلام، وحب رسول الله ﷺ ، وأبو حبه، وما أحب ﷺ إلا طيبًا، ولم يسم الله تعالى في كتابه صحابيًا باسمه إلا زيد بن حارثة. فإذا كان هذا نسبه فكيف جاء زيد إلى رسول الله ﷺ وكيف نسب إليه. زارت سعدى أم زيد بن حارثة قومها وزيد معها فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية فمروا على أبيات بني معن رهط أم زيد، فاحتملوا زيدًا إذ هو يومئذ غلام يفعة قد أوصف، فوافوا به سوق عكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه منهم حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي لعمته خديجة بنت خويلد بأربع مائة درهم، فلما تزوجها رسول الله ﷺ وهبته له فقبضه رسول الله ﷺ .

стр. 4599

وقال ابن عبد البر: كان زيد هذا قد أصابه سباء في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام في سوق حباشة، وهي: سوق بناحية مكة كانت مجمعًا للعرب يتسوقون بها في كل سنة، اشتراه حكيم لخديجة بنت خويلد فوهبته خديجة لرسول الله ﷺ فتبناه رسول الله ﷺ بمكة قبل النبوة، وطاف به رسول الله ﷺ حين تبناه على حلق قريش يقول: "هذا ابني وارثًا وموروثا". يشهدهم على ذلك. هذا كله معنى قول مصعب والزبير بن بكار وابن الكلبي وغيرهم قال عبد الله بن عمر ﵁: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾. ولما أسر خرج أبوه يطلبه وكان يقول: بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل فوالله ما أدري وإن كنت سائلًا ... أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا قارب الطفل وإن هبت الأرواح هيجن ذكره .... فيا طول ما حزني عليه ويا وجل سأعمل نص العيس في الأرض جاهدًا .... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل حياتي أو تأتي علي منيتي .... وكل امرئ فان وإن غره الأجل سأوصي به عمزا وقيسًا .... كليهما وأوصى يزيد ثم من بعده جبل يعنى جبلة بن حارثة أخا زيد وكان أكبر من زبد ويعني يزيد أخا زيد لأمه وهو يزيد بن كعب بن شراحيل. فحج ناس من كلب فرأوا زيدًا فعرفهم وعرفوه فقال لهم: أبلغوا عني أهلي هذه الأبيات؟ فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي فقال: أحن إلى قومي وإن كنت نائيًا ... فإني قعيد البيت عند المشاعر فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر فإني بحمد الله في خير أسرة ... كرام معد كابرًا بعد كابر

стр. 4600

فانطلق الكلبيون فأعلموا أباه فقال: ابني ورب الكعبة ووصفوا له موضعه وعند من هو. فخرج حارثة وكدب ابنا شراحيل لفدائه وقدما مكة فسألا عن النبي ﷺ فقيل: هو في المسجد فدخلا عليه فقال: يا بن عبد المطلب يا بن هاشم يا بن سيد قومه أنتم أهل حرم الله، وجيرانه تفكون العاني، وتطعمون الأسير جئناك في ابننا عندك فامنن علينا، وأحسن إلينا في فدائه، قال: "ومن هو"، قالوا: زيد بن حارثة، فقال رسول الله: "فهلا غير ذلك؟ " قالوا: وما هو، قال: "ادعوه فأخيره؛ فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارني فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدًا"، قالا: قد زدتنا على النصف وأحسنت فدعاه فقال: "هل تعرف هؤلاء" قال: نعم، قال: "من هذا" قال: هذا أبي. وهذا عمي، قال: "فأنا من قد علمت ورأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما"، قال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني مكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك، وعمك، وعلى أهل بيتك؟ قال: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئًا، ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا، فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: "يا من حضر، اشهدوا أن زيدًا ابني يرثني وأرثه". فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما فانصرفا، ودعي زيد بن محمد حتى جاء الإسلام فنزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾. (١) وقد اعترف أخوه جبلة بأن رأيه في اختيار النبي ﷺ كان أحسن من رأيه - فعن أبي عمرو الشيباني قال أخبرني جبلة بن حارثة أخو زيد قال: قدمت على رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله ابعث معي أخي زيدًا، قال: "هو ذا" قال: فإن انطلق معك لم أمنعه، قال زيد: يا رسول الله، والله لا أختار عليك أحدًا قال: فرأيت رأي أخي أفضل من رأيي (٢). وظل زيد يُدعى زيد بن محمد حتى حرم الله التبني، وتفصيل ذلك كما في الوجه القادم.

стр. 4601

الوجه الثالث: تحريم التبني . قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ (الأحزاب: ٤ - ٥). ففي هذا يقول تعالى موطئًا قبل المقصود المعنوي أمرًا معروفًا حسيًا، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: أنت عَلَيَّ كظهر أمي أمًا له، كذلك لا يصير الدَّعيّ ولدًا للرجل إذا تبنَّاه فدعاه ابنا له، فقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، كقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (المجادلة: ٢). وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾: هذا هو المقصود بالنفي؛ فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة مولى النبي ﷺ ، كان النبي ﷺ قد تبناه قبل النبوة، وكان يقال له: زيد بن محمد، فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ كما قال في أثناء السورة: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الأحزاب: ٤٠) وقال هاهنا: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ يعني: تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابنًا حقيقيًا، فإنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان. (١) وقوله: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ فيه لطيفة: وهو أن الكلام المعتبر على قسمين: أحدهما: كلام يكون عن شيء كان فيقال.

стр. 4602

والثاني: كلام يقال فيكون كما قيل، والأول كلام الصادقين الذين يقولون ما يكون، والآخر كلام الصديقين الذين إذا قالوا شيئًا جعله الله كما قالوه، وكلاهما صادر عن قلب، والكلام الذي يكون بالفم فحسب هو مثل نهيق الحمار، أو نباح الكلب؛ لأن الكلام المعتبر هو الذي يعتمد عليه، والذي لا يكون عن قلب لا اعتماد عليه، والله تعالى ما كرم ابن آدم وفضله على سائر الحيوانات ينبغي أن يحترز من التخلق بأخلاقها، فقول القائل: هذا ابن فلان مع أنه ليس ابنه ليس كلامًا؛ فإن الكلام في الفؤاد وهذا في الفم لا غير، واللطيفة هي أن الله تعالى قال هنا: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ وقال في قوله: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (التوبة: ٣٠) يعني نسبة الشخص إلى غير الأب قول لا حقيقة له، ولا يخرج من قلب ولا يدخل أيضًا في قلب فهو قول بالفم مثل أصوات البهائم. ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ إشارة إلى معنى لطيف وهو أن العاقل ينبغي أن يكون قوله إما عن عقل، أو عن شرع؛ فإذا قال فلان ابن فلان ينبغي أن يكون عن حقيقة أو يكون عن شرع؛ بأن يكون ابنه شرعًا، وإن لم يعلم الحقيقة كمن تزوج بامرأة فولدت لستة أشهر ولدًا وكانت الزوجة من قبل زوجة شخص آخر يحتمل أن يكون الولد منه فإنا نلحقه بالزوج الثاني لقيام الفراش، ونقول: إنه ابنه، وفي الدعي لم توجد الحقيقة ولا ورد الشرع به؛ لأنه لا يقول إلا الحق وهذا خلاف الحق؛ لأن أباه مشهور ظاهر. ووجه آخر فيه: وهو أنهم قالوا هذه زوجة الابن فتحرم، وقال الله تعالى هي لك حلال، وقولهم لا اعتبار به؛ فإنه بأفواههم كأصوات البهائم، وقول الله حق فيجب اتباعه وقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ يؤكد قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ يعني يجب اتباعه لكونه حقًّا، ولكونه هاديًا. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ فيه لطيفة: وهو أن الكلام الذي بالفم فحسب يشبه صوت البهائم الذي يوجد لا عن قلب، ثم إن الكلام الذي

стр. 4603

بالقلب قد يكون حقًّا وقد يكون باطلًا؛ لأن من يقول شيئًا عن اعتقاد قد يكون مطابقًا فيكون حقًّا، وقد لا يكون فيكون باطلًا، فالقول الذي بالقلب وهو المعتبر من أقوالكم قد يكون حقًّا، وقد يكون باطلًا؛ لأنه يتبع الوجود، وقول الله حق؛ لأنه يتبعه الوجود؛ فإنه يقول عما كان أو يقول فيكون؛ فإذن قول الله خير من أقوالكم التي عن قلوبكم، فكيف تكون نسبته إلى أقوالكم التي بأفواهكم؟ ! فإذن لا يجوز أن تأخذوا بقولكم الكاذب اللاغي وتتركوا قول الله الحق فمن يقول بأن تزوج النبي ﷺ بزينب لم يكن حسنًا يكون قد ترك قول الله الحق وأخذ بقول خرج عن الفم. (١) وقال سعيد بن جبير: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾ أي العدل وقال قتادة: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أي الصراط المستقيم، وقوله : ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء، فأمر الله تعالى برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل، والقسط والبر. عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: إن زيد بن حارثة ﵁ مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه في الخلوة بالمحارم وغير ذلك، ولهذا لما نُسخ هذا الحكم أباح ﵎ زوجة الدعي، وتزوج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش ﵁ مطلقة زيد بن حارثة ﵁ وقال : ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ وقال ﵎ في آية التحريم: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ احترازًا عن زوجة الدعي؛ فإنه ليس من الصلب؛ فأما الابن من الرضاعة فمنزل منزلة ابن الصلب شرعًا بقوله ﷺ : "حرموا من الرضاعة مما يحرم من النسب" (٣).

стр. 4604

وقوله : ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ أمر تعالى برد أنساب الأدعياء إلى آبائهم إن عرفوا؛ فإن لم يعرفوا فهم إخوانهم في الدين ومواليهم؛ أي عوضًا عما فاتهم من النسب، ولهذا قال رسول الله ﷺ يوم خرج من مكة عام عمرة القضاء وتبعتهم ابنة حمزة ﵂ تنادي: يا عم، يا عم، فأخذها علي ﵁ وقال لفاطمة ﵂: دونك ابنة عمك فاحتملتها؛ فاختصم فيها علي وزيد وجعفر ﵁ في أيهم يكفلها فكل أدلى بحجة فقال علي ﵁: أنا أحق بها وهي ابنة عمي: وقال زيد: ابنة أخي، وقال جعفر بن أبي طالب: ابنة عمي وخالتها تحتي - يعني أسماء بنت عميس - فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: "الخالة بمنزلة الأم"، وقال لعلي ﵁: "أنت مني وأنا منك" وقال لجعفر ﵁: "أشبهت خلقي وخلقي"، وقال لزيد ﵁: "أنت أخونا ومولانا" (١). ففي الحديث أحكام كثيرة من أحسنها: أنه ﷺ حكم بالحق وأرضى كلًا من المتنازعين وقال لزيد ﵁: "أنت أخونا ومولانا" كما قال تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي إذا نسبتم بعضهم إلى غير أبيه في الحقيقة خطأ بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع؛ فإن الله تعالى قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه، كما أرشد إليه في قوله ﵎ آمرًا عباده أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وعند مسلم: أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله : قد فعلت" (٢). وفي حديث عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر" (٣)، وقال ﵎: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: ٥) أي: وإنما الإثم على من تعمد الباطل؛ كما قال : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.

стр. 4605

ومن هنا نعلم أن زيدًا ليس ابنا لرسول الله ﷺ حقيقة وقد نسخ التبني فلم يعد ابنًا بالتبني أيضًا. قال الجزائري: إنه لما أبطل الله التبني وحرمه بقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ وقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ تبع ذلك أن لا يرث المدعي ممن ادعاه، وأن لا تحرم مطلقته على من تبنَّاه وادعاه، وهكذا بطلت الأحكام التي كانت لازمة للتَّبنِّي، وكون هذا نزل به القرآن ليس من السهل على النفوس التي اعتادت هذه الأحكام في الجاهلية، وصدر الإِسلام أن تتقبلها، وتذعن لها بسهولة، فأراد الله تعالى أن يخرج ذلك لحيز الوجود، فألهم رسوله ﷺ أن يخطب زينب لمولاه زيد، واستجابت زينب للخطبة فهمًا منها أنها مخطوبة لرسول الله ﷺ لتكون أمّا للمؤمنين؛ ولما تبين لها بعد ليال أنها مخطوبة لزيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وليست كما فهمت، وهنا أخذتها الحمية وقالت: لن يكون هذا لن تتزوَّج شريفة مولى من موالى الناس ونصرها أخوها على ذلك - وهو عبد الله بن جحش. فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ .. ﴾ (الأحزاب: ٣٦)، فما كان منها إلا أن قبلت عن رِضَي الزواج من زيد، وتزوجها زيد وبحكم الطباع البشرية فإن زينب لم تخف شرفها على زيد، وأصبحت تترفع عليه الأمر الذي شعر معه زيد بعدم الفائدة من هذا الزواج، فأخذ يستشير رسول الله ﷺ مولاه ويستأذنه في طلاقها والرسول ﷺ يأبى عليه ذلك علمًا منه أنه إذا طلقها سيزوجه الله بها إنهاءً لقضية جعل أحكام الدَّعي كأحكام الولد من الصُّلب، فكان يقول له: "اتق الله يا زيد لا تطلق بغير ضرورة ولا حاجة إلى الطلاق واصبر على ما تجده من امرأتك"، وهنا عاتب رسولَ الله ﷺ ربُّه إذ قال له: ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾ أي: اذكر إذ تقول ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي بنعمة الإِسلام، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بأن عتقته ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ وهو أمر زواجك منها، ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ أي: مظهره لا محالة من

стр. 4606

ذلك ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ أن يقولوا محمد تزوج امرأة ابنه زيد، ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾. وقد أراد منك الزواج من زينب بعد طلاقها وانقضاء عدتها، هدمًا وقضاء على الأحكام التي جعلت الدَّعي كابن الصُّلب (١). وهذا إمعان في إبطال هذا التبني الذي كان معروفًا في الجاهلية الأولى كما عرف في الجاهلية الحاضرة، حيث أمر الله تعالى إمام المسلمين وقدوتهم بذلك (٢). قال القشيري: وإنما جعل الله طلاق زيد لها وتزويج النبي ﷺ إياها؛ لإزالة حرمة التبني وإبطال سنته كما قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، وقال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾. (٣) وقال ابن الملقن: وكان في زواج رسول الله ﷺ زينب بعد مولاه زيد ثلاث فوائد: أحدها: لتستن أمته بذلك، كما قال تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ الآية، وأصل الحرج: الضيق. ثانيها: أن الله قد أحل ذلك لمن كان قبله من الرسل، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ الآية، والسُنَّة هي الطريقة التي سنها الله في الذين خلوا من قبل، أي: من السنن فيما أحل لهم. قاله أبو جعفر الطبري. ثالثها - وهي أعظمها -: أن الله أراد أن يقطع البنوة بين محمد، وزيد بن حارثة، إذ لم يكن محمد أبا أحد من رجالكم، وكان ﷺ قد تبناه، فكان يدعى: زيد بن محمد، حتى نزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ كما أخرجه الشيخان (٤). وأما السؤال الثاني وهو عن سبب تحريم التبني فذلك الأقسط والعدل عند الله تعالى.

стр. 4607

قال ابن كثير: وقوله ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب وهم الأدعياء فأمر ﵎ برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة وأن هذا هو العدل والقسط والبر. (١) وأما بيان العدل والقسط في تحريم التبني فمن وجوه: الأول: أن الله تعالى هو الذي شرع ذلك وأخبر أنه الأقسط عنده، وهو العليم الخبير. قال ابن عاشور: أنزل الله تعالى إبطال التبني، والحق في أحكام الله؛ لأنه الخبير بالأعمال وهو الذي يقول الحق (٢). والأقسط أي: الأعدل فرفع الله حكم التبني، ومنع من إطلاق لفظه، وأرشد بقوله إلى أن الأولى والأعدل أن ينسب الرجل إلى أبيه نسبًا، فيقال: كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل جلده وظرفه ضمه إلى نفسه، وجعل له نصيب الذكر من أولاده من ميراثه، وكان ينسب إليه فيقال فلان ابن فلان (٣). وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ وهم يقولون هذه زوجة الابن فتحرم، وقال الله تعالى هي لك حلال، وقولهم لا اعتبار به؛ فإنه بأفواههم كأصوات البهائم، وقول الله حق فيجب اتباعه وقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ يؤكد قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ يعني يجب اتباعه لكونه حقًّا ولكونه هاديًا (٤). الثاني: أنهم يرتبون على هذا القول الفاسد أحكام الحقيقة التي لا وجود لها، فكانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه في الخلوة بالمحارم وغير ذلك، ولهذا قالت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة ﵄: يارسول الله، إنا كنا ندعو سالمًا ابنا، وإن الله قد أنزل ما أنزل، وإنه كان يدخل علي وإني أجد في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئًا،

стр. 4608

فقال ﷺ : "أرضعيه تحرُمي عليه" الحديث. (١) ووجود الأجنبي في البيت مفسدة لا يزيلها الدعوى بأنه ابن؛ لأنه قول بالأفواه لا حقيقة له. الثالث: أن التبني بهذا الشكل مناف للغيرة، إذ كيف يسمح الرجل الغيور لرجل أجنبي يدخل على زوجته وابنته وحريمه بعد أن حرم الله ذلك. الرابع: أن التبني على الوجه السالف الذكر فيه ظلم لأبناء الصلب، فيشترك معهم في التركة والميراث وهذا حقوق لا تصل إلا إلى أصحابها، فقد كانت العرب تعطي الولد المتبني: (الدّعي) حقوق الابن من النسب، حتى الميراث، وحرمة النسب؛ فأراد الله تعالى محو ذلك بالإسلام، حتى الميراث، وحرمة النسب، فأراد الله تعالى محو ذلك بالإسلام، حتى لا يعرف إلا النسب الصريح، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾. (٢) الخامس: أن المتبنى يمنع من الزواج ببنات من متبناه لو كان رجلًا وهن بنات والعكس مع أنهن له حلال، وشريعة التبني هذه تحرم عليه ذلك. السادس: أن فيه ظلم للأب الحقيقي لو كان موجودًا. السابع: أن قضية التبني خلاف المعقول فكما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة للمظاهر أمَّه حتى تكون أُمَّان، ولا يكون له ولد واحد ابن رجلين (٣). ولو جعل ذلك لضاعت الأنساب، وعم الارتياب، وانقلب كثير من الحقائق أيّ انقلاب، فانفتح بذلك من الفساد أبواب أيّ أبواب (٤). الثامن: والأولى أن يقال في تعليل النهي: سدًا لباب التشبه بالكفرة بالكلية (٥). التاسع: أن في تحريم التبني إرشاد - ضمني - للعباد إلى قول الحق وترك قول الباطل والزور (٦).

стр. 4609

العاشر: إن الإسلام أعطاهم أخوة الدين بهذه البنوة المزعومة المكذوبة، وهي أخوة وموالاة باقية ببقائه على الدين فقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾: أمر برد أنساب الأدعياء إلى آبائهم، إن عرفوا؛ فإن لم يعرفوا آباءهم، فهم إخوانهم في الدين ومواليهم، أي: عوضًا عما فاتهم من النسب فهم إخوتكم في دين الله، ومواليكم في ذلك، فادعوهم بالأخوة الإيمانية الصادقة، والموالاة على ذلك (١). الوجه الرابع: في الإشارة إلى فضائل زيد، وذلك لكي لا يظن أن إلغاء التبني حط من شأن زيد، أو كرهًا من رسول الله ﷺ له، وحتى لا يظن أن زيدًا تغير على رسول الله ﷺ بعد ذلك، أو تغير عليه رسول الله ﷺ -. ١ - تعويضه الأخوة الإيمانية التي ثبتت وأشرنا إليها سابقًا، وأكثر من ذلك ذكر اسمه صراحة في القرآن وليست لغيره من الصحابة فضيلة كهذه إلا عيسى ابن مريم على قول من يعده صحابيًا. ٢ - كونه خليقًا بالإمارة ومن أحب الناس إلى رسول الله ﷺ . عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: بعث النبي ﷺ بعثًا وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته فقال النبي ﷺ : "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده" (٢). قال ابن حجر: قوله: "فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل": يشير إلى إمارة زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، وعن عائشة ﵂ قالت: ما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمّره عليهم، وفيه جواز إمارة المولى (٣).

стр. 4610

وقال أيضًا: قوله: "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه" أي: إن طعنتم فيه فأخبركم بأنكم طعنتم من قبل في أبيه والتقدير: إن تطعنوا في إمارته فقد أثمتم بذلك؛ لأن طعنكم بذلك ليس حقًّا كما كنتم تطعنون في إمارة أبيه وظهرت كفايته وصلاحيته للإمارة، وأنه كان مستحقًا لها، فلم يكن لطعنكم مستند؛ فلذلك لا اعتبار بطعنكم في إمارة ولده ولا التفات إليه (١). ٣ - سرور النبي ﷺ بما يسر زيد بن حارثة ويطمئنه. فعن عائشة ﵂ قالت: دَخَلَ عَلَيَّ قَائِفٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ شَاهِدٌ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مُضْطَجِعَانِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذه الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، قَالَ: فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْجَبَهُ فَأَخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ. ((٢) وقال ابن جبرين: والحاصل أنه ﷺ كان يحبه، وقد تزوج أولًا بأم أيمن، وكانت أيضًا مولاة للنبي ﷺ ، وكانت سوداء، وزيد لونه أبيض أو أحمر، فولدت له أسامة، وكان لون أسامة أسود، فطعن الناس في نسبه وقالوا: كيف يكون الأب أبيض، والولد أسود؟ يمكن أنه ليس منه، يمكن أنه من زنا، فطعنوا في نسبه، ومعروف أنه ينسب إلى أبيه الذي هو صاحب الفراش، ومعروف أن زيدًا ﵁ من السابقين الأولين، وأنه لا يمكن أن يتبنى من ليس ابنًا له، ومعروف أيضًا أن أم أيمن التي هي أم أسامة من السابقات، ومن المؤمنات، ومن العفيفات، فهي بعيدة عن فعل الفاحشة، ولكن كان لونها أسود فصادف أن الولد صار لونه كلونها، وهو أسامة ﵁، وقد رزق أيضًا محبة النبي ﷺ ، فكان يسمى الحب ابن الحب، كان يحبه ويحب أباه، وقال لما أمَّره على الجيش الذي أراد أن يبعثه إلى الشام وطعنوا في إمارته: "إنه لمن أحب الناس إلي - يعني: زيدًا - وإن هذا - يعني: ولده - لمن أحب الناس إلي بعده". فلما كان يحبهما كان حريصًا على إبطال الشبهة التي يطعن بها فيهما، وفي نسب أسامة، وأنه ليس ابنًا لأبيه، فجاء هذا القائف، وبنو مدلج يعرفون بالقيافة، والقيافة: هي معرفة الشبه،

стр. 4611

بحيث إن أحدهم يعرف الإنسان ويعرف ولده ولو لم يكن بينهما تماثل في الألوان، فنظر إليهما مجزز وقد غطيا وجوههما، وغطيا رءوسهما في لحاف، وبدت أقدامهما، هذا أقدامه حمر وهذا أقدامه سود، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، يعني: أن هذا ولد هذا أو جده أو نحوه، ففرح النبي ﷺ بهذا؛ ليكون مبطلًا لقول من طعن في نسب أسامة، حيث إن هذا القائف معروف بالصدق والذكاء وبالقيافة، ومعرفة الشبه، هو وأسرته وقبيلته (١). ٤ - قول عمر ﵁: إن زيدًا أحب إلى الرسول ﷺ منه. عن عمر: أنه فرض لأسامة بن زيد في ثلاثة آلاف وخمسمائة وفرض لعبد الله بن عمر في ثلاثة آلاف قال عبد الله بن عمر لأبيه: لم فضلت أسامة عَليَّ؟ فوالله ما سبقني إلى مشهد! قال: لأن زيدًا كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك، وكان أسامة أحب إلى رسول الله ﷺ منك فآثرت حب رسول الله ﷺ على حبي. (٢) ٥ - شهادة النبي ﷺ له بالشهادة وهي شهادة بالجنة. عن عبد الله بن جعفر قال: بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ جَيْشًا اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَقَالَ: "فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ أَوْ اسْتُشْهِدَ؛ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ أَوْ اسْتُشْهِدَ؛ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ"، فَلَقُوا الْعَدُوّ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ؛ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرٌ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ئُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ الله عَلَيْهِ، وَأَتَى خَبَرُهُمْ النَّبِيَّ ﷺ ، فخَرَجَ إِلَى النَّاسِ، "فَحَمِدَ الله، وَأَثْنَى عَلَيْهِ"، وَقَالَ: "إِنَّ إِخْوَانَكُمْ لَقُوا الْعَدُوَّ، وَإِنَّ زيدًا أَخَذَ الرَّايَةَ؛ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ أَوْ اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ بَعْدَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؛ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ أَوْ استُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ؛ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ أَوْ اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الله خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ؛ فَفَتَحَ الله عَلَيْهِ فَأَمْهَلَ ثُمَّ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: "لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ أَوْ غَدٍ، ادْعُوا لِي ابْنَيْ أَخِي"، قَالَ: فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ، فَقَالَ: "ادْعُوا إِلَيَّ الْحَلَّاقَ فَجِيءَ"

стр. 4612

بِالحلَّاقِ فَحَلَقَ رُءُوسَنَا ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا مُحَمَّدٌ فَشَبِيهُ عَمِّنَا أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا عَبْدُ الله فَشَبِيهُ خَلْقِي وَخُلُقِي"، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَأَشَالَهَا، فَقَالَ: "اللهمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي أَهْلِهِ، وَبَارِكْ لِعَبْدِ الله فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ"، قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: فَجَاءَتْ أُمُّنَا فَذَكَرَتْ لَهُ يُتْمَنَا وَجَعَلَتْ تُفْرِحُ لَهُ، فَقَالَ: "الْعَيْلَةَ تَخَافِينَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَا وَليُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" (١). المسألة الثانية: قولهم إنه ذهب لبيت زيد فلم يجده ووقعت عينه على امرأته فوقعت في قلبه، فهذا كلام من لم يعرف رسول الله ﷺ ولم يعرف قرابة زينب له من صغرها . والرد على ذلك من وجوه الوجه الأول: في بيان من هي زينب بنت جحش ﵂ وهل كانت غريبة غائبة عن رسول الله ﷺ قبل ذلك ؟ اسمها ونسبها: قال أبو نعيم: زينب بنت جحش بن رئاب بن أسد بن خزيمة أمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، عمة النبي ﷺ ، كانت من المهاجرات، تزوجها بالمدينة بعد سنة ثلاث من الهجرة وهي أول نسائه لحوقًا به ﷺ ، توفيت سنة عشرين من الهجرة، كانت قبله تحت زيد بن حارثة يعلّمها كتاب ربها وسنة نبيّها، وكانت من سادة النساء، دينًا وورعًا وجودًا ومعروفًا، ﵁، وحديثها في الكتب الستة، ثم زوّجها الله منه- أي من النبي ﷺ من فوق سبع سموات بشهادة جبريل، وكانت أوّاهة كثيرة الخير والصدقة، وَصُولة لرحمها، بذولة لمالها، طويلة اليدين بالصدقة، تفتخر على أزواج النبي ﷺ بأن الله زوّجها إياه، أولَم عليها رسول الله ﷺ وليمة أشبع المسلمين فيها خبزًا ولحمًا، وفي شأنها ووليمتها نزلت آية الحجاب، كان عطاؤها الذي فرضها عمر لأزواج النبي ﷺ اثني عشر ألفًا، فلما حمل إليها أول عطاء لعمر فرّقته في ذوي قرابتها وأيتامها، ثم قالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد هذا، فماتت وصلى عليها عمر بن الخطاب، ودخل قبرها أسامة بن زيد، ومحمد بن عبد الله بن جحش، وعبد الله بن أبي أحمد (٢)، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، وأول من صُنع لها نعشُ الجنازة، ودفنت بالبقيع (٣).

стр. 4613

وقيل: إن النبي ﷺ تزوج بزينب في ذي القعدة سنة خمس، وهي يومئذ بنت خمس وعشرين سنة (١). قال القشيري: وهذا إقدام عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النبي ﷺ وبفضله وكيف يقال رآها فأعجبته وهي بنت عمته ولم يزل يراها منذ ولدت، ولا كان النساء يحتجبن منه ﷺ وهو زوَّجها لزيد؟ (٢) فعلم مما مر أنها ابنة عمة النبي ﷺ ، وأنها من المهاجرات الأول، فلو كانت له فيها رغبة أو هوى فما الذي منعه حتى زوّجها لزيد؟ ! وسيأتي أنه ﷺ هو الذي خطبها لزيد، وليس ذلك طعنًا فيها؛ ولذلك نذكر بعض فضائلها ﵂. فضائلها: ١ - زوّجها الله نبيه ﷺ من فوق سبع سموات. وهي التي يقول الله فيها: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (الأحزاب: ٣٧) فزّوجها الله تعالى بنبيه ﷺ بنصّ كتابه، بلا وليّ ولا شاهد. فكانت تفخر بذلك على أمهات المؤمنين، وتقول: زوّجكن أهاليكن وزوّجني الله تعالى من فوق سبع سماوات. (٣) ٢ - وهي التي كان النبي ﷺ يقول: "أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا". وإنما عنى طول يدها بالمعروف. فعن عائشة ﵂: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا "قَالَتْ فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا، قَالَتْ فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ لأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَصَدَّقُ (٤).

стр. 4614

ولفظه عند الحاكم بإسناد صحيح عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ لأزواجه: "أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا"، قالت عائشة: فكنّا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ نمدّ أيدينا في الجدًّار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا فعرفنا حينئذ أن النبي ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقة قال: وكانت زينب امرأة صنّاعة اليد؛ فكانت تدبغ وتخرز وتصدّق في سبيل الله . فبشرها بسرعة لحوقها به، وهي زوجته في الجنة ﵂ (١). ٣ - ثناء عائشة عليها. عن عائشة ﵂ قالت في زينب بنت جحش: وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ، ولم أر امرأة قطّ خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرّب به إلى الله تعالى ما عدا سَوْرة من حِدّة كانت فيها تسرع منها الفيئة. (٢) ٤ - شرب النبي ﷺ العسل عندها، فعن عائشة أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب ابنت جحش ﵂، ويشرب عندها عسلًا، وهذا إكرام للنبي ﷺ ليلة غيرها، فتواصيت أنا وحفصة أن أيّتُنا دخل عليها، فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير! أكلت مغافير! فدخل على إحداهما، فقالت له ذلك، قال: بل شربت عسلًا عند زينب، ولن أعود له، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (التحريم: ١) إِلَى قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: حفصة، وعائشة. ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾ لِقَوْلِهِ: "بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا". (٣)

стр. 4615

٥ - ورعها في حديث الإفك حتى شهدت لها عائشة بقولها: وأما زينب، فعصمها الله بورعها، وأما أختها حمنة فانطلقت تحارب لها فهلكت فيمن هلك تعني أقيم عليها الحد (١). ٦ - تعظيمها لأمر الله ورسوله كما في قصة زواجها من زيد بن حارثة، وسيأتي بيانه. ٧ - نزول الحجاب ليلة الدخول بها. عن أنس ﵁ قال: بُنِيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ وَلحمٍ، فَأُرْسِلْتُ عَلَى الطَّعَامِ دَاعِيًا فيجيء قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، ثُمَّ يجيء قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، فَدَعَوْتُ حَتَّى مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُو فَقُلْتُ: يَا نبي الله مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ قَالَ: "ارْفَعُوا طَعَامَكُمْ"، وَبَقِي ثَلاثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ، فَخَرَجَ النبي ﷺ فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَقَالَ: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ الله". فَقَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ الله، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ بَارَكَ الله لَكَ فَتَقَرَّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ، يَقُولُ لَهُنَّ كَمَا يَقُولُ لِعَائِشَةَ، وَيَقُلْنَ لَهُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ رَجَعَ النبي ﷺ ؛ فَإِذَا ثَلاثَةُ رَهْطٍ في الْبَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ، وَكَانَ النَّبِي ﷺ شَدِيدَ الحيَاءِ، فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نَحْوَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَمَا أَدْرِى آخْبَرْتُهُ أَوْ أُخْبِرَ أَنَّ الْقَوْمَ خَرَجُوا، فَرَجَعَ حَتَّى إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ دَاخِلَةً وَأُخْرَى خَارِجَةً، أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الحِجَابِ (٢). وفي هذه الواقعة نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ (الأحزاب: ٥٣).

стр. 4616

٨ - شدة امتثالها لأمر رسول الله ﷺ . فعن زينب بنت أبي سلمة أخبرته قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا"؛ ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست به ثم قالت: ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ على المنبر يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" (١). ٩ - متابعتها للنبي ﷺ ومنافستها لغيرها في الخيرات. فعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح؛ ثم يدخله فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء فأذنت لها، فضربت خباء، فلما رأته زينب ابنة جحش ضربت خباء آخر، فلما أصبح النبي ﷺ رأى الأخبية فقال: "ما هذا؟ " فأخبر؛ فقال النبي ﷺ : "آلبر تردن بهذا؟ " فترك الاعتكاف ذلك الشهر ثم اعتكف عشرًا من شوال (٢). ١٠ - خوفها وحرصها على التعلم. فعن أم حبيبة بنت أبي سفيان - عن زينب بنت جحش ﵅ أن النبي ﷺ دخل عليها فزعًا يقول: "لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها"، قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث" (٣). وفاتها: توفيت في سنة عشرين، وصلى عليها عمر ﵁. (٤)

стр. 4617

الوجه الثاني: كيف تم زواج زيد من زينب؟ ولماذا لم يتزوجها رسول الله ﷺ من أول الأمر ؟ أما عن كيفية إتمام الزواج فقد كان بأمر الله ورسوله؛ وقد سبق أن ذكرنا أن زيدًا كان مولىً، وكانت زينب سيدة شريفة، ولذلك لما خطبها النبي ﷺ لزيد أبدت عدم الموافقة مبدئيًا بقولها: أؤامر نفسي فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦) فلما نزلت الآية رجعت عن مشاورة نفسها وعظصت أمر الله ورسوله، ولو كان على خلاف هواها. قال ابن كثير: عن ابن عباس: قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية، وذلك أن رسول الله ﷺ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها، فقالت: لست بناكحته، فقال رسول الله ﷺ : "بل فانكحيه". قالت: يا رسول الله، أؤامر في نفسي، فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله ﷺ : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ الآية، قالت: قد رضيته لي منكحًا يا رسول الله؟ قال: "نعم". قالت: إذًا لا أعصي رسول الله ﷺ ، قد أنكحته نفسي. (١) قال السعدي: أي: لا ينبغي ولا يليق، ممن اتصف بالإيمان، إلا الإسراع في مرضاة الله ورسوله، والهرب من سخط الله ورسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، فلا يليق بمؤمن ولا مؤمنة ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ من الأمور، وحتَّما به وألزما به ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أي: الخيار، هل يفعلونه أم لا؟ بل يعلم المؤمن والمؤمنة، أن الرسول ﷺ أولى به من نفسه، فلا يجعل بعض أهواء نفسه حجابًا بينه وبين أمر الله ورسوله. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ أي: بَيِّنًا؛ لأنه ترك الصراط المستقيم الموصلة إلى كرامة الله، إلى غيرها، من الطرق الموصلة للعذاب الأليم، فذكر أولا السبب الموجب لعدم معارضته أمر الله ورسوله، وهو الإيمان، ثم ذكر المانع من ذلك، وهو

стр. 4618

التخويف بالضلال، الدال على العقوبة والنكال. وأما لماذا لم يتزوجها رسول الله ﷺ من أول الأمر؟ فرسول الله ﷺ لم يكن يرى زينب للمرة الأولى، فهي بنت عمته، ولقد شاهدها منذ ولدت، وحتى أصبحت شابة، أي شاهدها مرات عديدة، فلم تكن رؤيته لها مفاجأة، كما تصور القصة الكاذبة! ولو كان رسول الله ﷺ يحمل أي ميل نحو زينب ﵂ لتقدم بزواجها، وقد كان هذا أملها، وأمل أخيها حين جاء ﷺ يخطبها منه، فلما صرح لهما بزيد، أبيًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (الأحزاب: ٣٦) فقالا: رضينا بأمر الله ورسوله، وكانت هذه الآية توطئة وتمهيدًا لما ستقرره الآيات التالية لها من حكم شرعي يجب على المؤمنين الانصياع له، وامتثاله والعمل به، وتقبّله بنفس راضية، وقلب مطمئن، وتسليم كامل. (١) وخلاصة هذا الوجه أن زواجها من زيد كان بأمر الله ورسوله ﷺ وكان فيه توطئة لتحريم التبني لكي يكون البدأ برسول الله ﷺ . الوجه الثالث: أن قولهم رآها فوقعت في قلبه أو أعجبته، إما أن يكون رآها قبل الدخول حالة الاستئذان، وإما أن يكون دخل وكلاهما باطل . أما الأول فلأنه ﷺ علمنا أن للاستئذان آداب منها: النهي عن أن يطلع الإنسان في دار قبل أن يستأذن. كما قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (النور: ٢٧ - ٢٨). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد حل

стр. 4619

لهم أن يفقؤوا عينه" (١). وعن أنس ﵁ أن رجلًا اطّلع من بعض حجر النبي ﷺ ، فقام إليه النبي ﷺ بمشقص أو بمشاقص (٢)، فكأني أنظر إليه يختل (٣) الرجل ليطعنه (٤). وأما أن يكون دخل بغير استئذان: حتى اطلع على أهل البيت وهي تغتسل كما في الرواية المكذوبة: فهذا أبطل من الأول، وكيف ذلك وهو الذي قال: "إياكم والدخول على النساء". فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: "الحموَ الموت". (٥) قال ابن حجر: قوله "إياكم والدخول" بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور ليحترز عنه كما قيل: إياك والأسد، وتقدير الكلام: اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء، والنساء أن يدخلن عليكم، ووقع في رواية ابن وهب بلفظ "لا تدخلوا على النساء" وتضمن منع الدخول منع الخلوة بها بطريق الأولى: قوله: فقال: رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو، زاد ابن وهب في روايته عند مسلم سمعت الليث يقول: الحمو أخو الزوج، وما أشبهه من أقارب الزوج ابن العم ونحوه، ووقع عند الترمذي بعد تخريج الحديث قال الترمذي: يقال هو أخو الزوج كره له أن يخلو بها قال: ومعنى الحديث على نحوما ورد" لا يخلون رجل بامرأة؛ فإن ثالثهما الشيطان" (٦). وقال النووي: اتفق أهل العلم باللغة على أن الأحماء أقارب زوج المرأة كأبيه وعمه وأخيه وابن أخيه وابن عمه ونحوهم، وأن الأختان أقارب زوجة الرجل، وأن الأصهار

стр. 4620

تقع على النوعين (١). وقال أيضًا: المراد أن الخلوة بقريب الزوج أكثر من الخلوة بغيره، والشر يتوقع منه أكثر من غيره، والفتنة به أمكن لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة بها من غير نكير عليه، بخلاف الأجنبي، وقال عياض: معناه أن الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الفتنة والهلاك في الدين، فجعله كهلاك الموت وأورد الكلام مورد التغليظ. وقال القرطبي: المعنى أن دخول قريب الزوج على امرأة الزوج يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة، أي فهو محرم معلوم التحريم، وإنما بالغ في الزجر عنه، وشبهه بالموت لتسامح الناس به من جهة الزوج والزوجة لإلفهم بذلك؛ حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة؛ فخرج هذا مخرج قول العرب (الأسد الموت والحرب الموت) أي لقاؤه يفضي إلى الموت، وكذلك دخوله على المرأة قد يفضي إلى موت الدين، أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج أو إلى الرجم إن وقعت الفاحشة (٢). قال ابن عبد البر: بعد ذكر الآثار في معنى هذا: وهذه آثار ثابتة بالنهي عن ذلك ومحال أن يأتي رسول ﷺ ما ينهى عنه. (٣) الوجه الرابع: أن هذا الفعل فيه خيانة قلبية، وقد نفى النبي ﷺ عن نفسه خائنة الأعين، وهو من التطلع إلى ما متع به غيره وهو من الحسد المذموم . قال أبو بكر بن العربي: الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (طه: ١٣١)، وأعظم ما يمتع به النساء، وهو يخبر عن نفسه وجنسه الكرام: "ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين" (٤)، وهي

стр. 4621

الإظهار خلاف الإضمار، هذا في الأمر المكشوف، فكيف تكون له خائنة في قلب في تعلق أصل تزوجه أحد؟ ! والحسد المذموم، هو تمني زوال النعمة من العبد إليك، وهي معصية عظيمة، فكيف يستجيز مسلم ظن ذلك بكبار الصحابة ﵁؟ ! فكيف بسيد المرسلين؟ وقال ابن دحية: وهذا مخالف للقرآن مفسد للإيمان، فقد نهى الله سيد المرسلين، فقال في كتابه المبين: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآية. وهذا إقدام عظيم وقلة معرفة بحق هذا النبي الكريم ﷺ ، وكيف يقال: رآها فأعجبته؟ وهذا نفس الحسد المذموم وما أقرب قائله من نار جهنم، ألم تكن بنت عمته، ولم يزل يراها منذ ولدت إلى أن كبرت، فزوجها من زيد مولاه، فما أجسر راوي هذا الخبر على الله، وما أجرأه! وجميع النسوان لم يكنّ يحتجبن من رسول الله ﷺ وكذلك أزواجه، إلى أن نزلت آية الحجاب فحجبْن وجوههن عن عيون الناس أجمعين. (١) وقال القاضي عياض: ولو كان على مما روي في حديث قتادة من وقوعها من قلب النبي ﷺ عندما أعجبته ومحبته طلاق زيد لها؛ لكان فيه أعظم الحرج وما لا يليق به من مد عينيه لما نهي عنه من زهرة الحياة الدنيا؛ ولكان هذا نفس الحسد المذموم الذي لا يرضاه ولا يتسم به الأتقياء فكيف بسيد الأنبياء ﷺ ؟ . (٢) الوجه الخامس: في بيان السبب الحقيقي في طلاقها من زيد ﵁ -. عن أنس ﵁ قال: جاء زيد بن حارثة يشكو؛ فجعل النبي ﷺ يقول: "اتق الله وأمسك عليك زوجك". قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات. وعن ثابت: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ نزلت في شأن زينب وزيد بن حارثة. (٣)

стр. 4622

فقوله: جاء زيد بن حارثة يشكو أي: جاء إلى رسول الله ﷺ يشكو زوجه زينب ويستشيره في طلاقها؛ لأنها كانت تترفع عليه، وتقابله ببعض الكلام غير المناسب؛ لحدّة كانت فيها، كما روى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: في قوله تعالى: ﴿تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ قال: أنعم الله عليه بالإسلام وأنعم عليه النبي ﷺ بالعتق ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ قال قتادة: جاء زيدٌ إلى النبي ﷺ فقال: إن زينب اشتد عليّ لسانها، وإني أريد أن أطلقها؛ فقال النبي ﷺ : "اتق الله وأمسك عليك زوجك"، والنبي ﷺ يحبّ أن يطلقها، وخشي مقالة الناس إن أمره بطلاقها فأنزل الله ﷻ : ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ قال: لما طلقها زيد ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾. (١) فعلم أن السبب في طلاق زيد لزينب ومن ثم زواج النبي ﷺ منها؛ هو ما كان بين زيد وبين زينب من خلافات، وأنه لم يكن بينهما وئام يؤمل معه أن تبقى الحياة الزوجية بينهما، فطلقها بمحض اختياره، ورغبته، وكان رسول الله ﷺ ينهاه عن ذلك، وقد كان الله قد أعلم نبيه ﷺ أن زيدًا سيطلق زينب، وأنه ستكون زوجة له، وأنه ﷺ كان يخفي هذا ويخشى من مقولة الناس، أنه تزوج مطلقة من كان يُدعا إليه، فعاتبه ربه على ذلك. (٢) قال ابن عاشور: والظاهر عندي: أن ذلك كان في الرؤيا كما أنه قال لعائشة: "أتاني بك الملك في المنام في سرقة من حرير يقول لي: هذه امرأتك فأكشف فإذا هي أنت فأقول: "إن يكن هذا من عند لله يمضه". (٣) فقول النبي ﷺ لزيد: "أمسك عليك زوجك" توفية بحق النصيحة وهو أمر نصح وإشارة بخير - لا أمر تشريع - لأن الرسول ﷺ في هذا المقام متصرف بحق الولاء والصحبة، لا بصفة التشريع والرسالة، وأداء هذه الأمانة لا يتأكد أنه كان يعلم أن زينب

стр. 4623

صائرة زوجًا له؛ لأن علم النبيّ بما سيكون لا يقتضي إجراؤه وإرشاده، أو تشريعه بخلاف علمه أو ظنه؛ فإن النبي ﷺ كان يعلم أن أبا جهل مثلًا لا يؤمن ولم يمنعه ذلك أن يبلغه الرسالة ويعاوده الدعوة، ولأن رغبته في حصول شيء لا تقتضي إجراء أمره على حسب رغبته إن كانت رغبته تخالف ما يحمل الناس عليه. ولذلك كله لا يعدّ تصميم زيد على طلاق زينب عصيانًا للنبي ﷺ ؛ لأن أمره في ذلك كان على وجه التوفيق بينه وبين زوجه، ولا يلزم أحدًا المصير إلى إشارة المشير. (١) الوجه السادس: أن الله هو الذي زوجها لرسول الله ﷺ -. قال ابن كثير: وكان الذي وَلِي تزويجها منه هو الله بمعنى: أنه أوحى إليه أن يدخل عليها بلا ولي ولا عقد ولا مهر ولا شهود من البشر. وعن أنس ﵁ قال: لما انقضت عدة زينب ﵂ قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: اذهب فاذكرها عليّ؛ فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها وأقول إن رسول الله ﷺ ذكرها، فولّيتها ظهري، ونكصت على عقبي، وقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن. (٢) فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات. (٣) وعن زينب بنت جحش قالت: خطبني عدة من قريش فأرسلت أختي حمنة إلى رسول الله ﷺ أستشيره، فقال لها رسول الله ﷺ : "أين هي ممن يعلمها كتاب ربها وسنة نبيها؟ " قالت: ومن هو يا رسول الله؟ قال زيد بن حارثة قال: فغضبت حمنة غضبًا شديدًا وقالت:

стр. 4624

يا رسول الله أَتُزَوِّجُ بنت عمك مولاك؟ قالت: جاءتني فأعلمتني فغضبت أشدّ من غضبها، وقلت أشد من قولها فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ قالت: فأرسلت إلى رسول الله ﷺ وقلت: إني استغفر الله وأطيع الله ورسوله، افعل ما رأيت فزوجني زيدًا، وكنت أرثى عليه، فشكاني إلى رسول الله ﷺ فعاتبني رسول الله ﷺ ، ثم عدت فأخذته بلساني فشكاني إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أمسك عليك زوجك واتق الله فقال: يا رسول الله أنا أطلقها قالت: فطلقني؛ فلما انقضت عدتي لم أعلم إلا رسول الله ﷺ قد دخل عليّ ببيتي، وأنا مكشوفة الشعر؛ فقلت: إنه أمر من السماء فقلت: يا رسول الله بلا خطبة ولا إشهاد؟ فقال: الله المزوج وجبريل الشاهد. (١) الوجه السابع: بيان الحكمة في زواج رسول الله ﷺ منها مع أن النساء سواها كثير . وهذه الحكمة هي رفع الحرج من صدور المؤمنين في زواج نساء الأدعياء لما أراد الله أن يحرم التبني بدأ في بيان ذلك بنبيه ﷺ مع زوجة متبناه زيد بن حارثة ﵁؛ وقد أعلمه الله أن ذلك سيكون، وكان مقدم ذلك أن وقع بين زينب وزوجها شيء من النزاع؛ فجاء يستأذن النبي ﷺ في طلاقها؛ فقال له النبي ﷺ : "أمسك عليك زوجك واتق الله"، فعاتبه الله في ذلك؛ لأنه أخفى ما أعلمه الله به وفرضه عليه من زواج زينب ﵂ خشية من كلام الناس، وها هو نص الآية قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ

стр. 4625

وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (الأحزاب: ٣٧). قال علماؤنا: وكان سبب نزول هذه الآيات، أن الله تعالى أراد أن يشرع شرعًا عامًا للمؤمنين، أن الأدعياء ليسوا في حكم الأبناء حقيقة، من جميع الوجوه، وأن أزواجهم، لا جناح على من تبنّاهم، في نكاحهن. وكان هذا من الأمور المعتادة، التي لا تكاد تزول إلا بحادث كبير، فأراد أن يكون هذا الشرع قولًا من رسوله وفعلًا، وإذا أراد الله أمرًا، جعل له سببًا، وكان زيد بن حارثة يدعى (زيد بن محمد) قد تبناه النبي ﷺ ، فصار يدعى إليه حتى نزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ فقيل له: (زيد بن حارثة) وكانت تحته، زينب بنت جحش، ابنة عمة رسول الله ﷺ ، ثم قدر الله أن يكون بينها وبين زيد، ما اقتضى أن جاء زيد بن حارثة يستأذن النبي ﷺ في فراقها. قال الله : ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالعتق حين جاءك مشاورًا في فراقها: فقلت له ناصحًا له ومخبرًا بمصلحته: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ أي: لا تفارقها، واصبر على ما جاءك منها، ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ تعالى في أمورك عامة، وفي أمر زوجك خاصة؛ فإن التقوى، تحث على الصبر، وتأمر به، ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ والذي أخفاه، أنه لو طلقها زيد، لتزوجها ﷺ . كما أخبره الله ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ في عدم إبداء ما في نفسك من أمر الله ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ وأن لا تباليهم شيئًا، ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ أي: طابت نفسه، ورغب عنها، وفارقها، ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وإنما فعلنا ذلك، لفائدة عظيمة، وهي: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ حيث رأوك تزوجت، زوج زيد بن حارثة، الذي كان من قبل، ينتسب إليك، ولما كان قوله: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ عامًا في جميع الأحوال، ولما كان من الأحوال، ما لا يجوز
следующие страницы →