الإظهار خلاف الإضمار، هذا في الأمر المكشوف، فكيف تكون له خائنة في قلب في تعلق أصل تزوجه أحد؟ !
والحسد المذموم، هو تمني زوال النعمة من العبد إليك، وهي معصية عظيمة، فكيف يستجيز مسلم ظن ذلك بكبار الصحابة ﵁؟ ! فكيف بسيد المرسلين؟
وقال ابن دحية: وهذا مخالف للقرآن مفسد للإيمان، فقد نهى الله سيد المرسلين، فقال في كتابه المبين: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآية. وهذا إقدام عظيم وقلة معرفة بحق هذا النبي الكريم ﷺ ، وكيف يقال: رآها فأعجبته؟ وهذا نفس الحسد المذموم وما أقرب قائله من نار جهنم، ألم تكن بنت عمته، ولم يزل يراها منذ ولدت إلى أن كبرت، فزوجها من زيد مولاه، فما أجسر راوي هذا الخبر على الله، وما أجرأه! وجميع النسوان لم يكنّ يحتجبن من رسول الله ﷺ وكذلك أزواجه، إلى أن نزلت آية الحجاب فحجبْن وجوههن عن عيون الناس أجمعين. (١)
وقال القاضي عياض: ولو كان على مما روي في حديث قتادة من وقوعها من قلب النبي ﷺ عندما أعجبته ومحبته طلاق زيد لها؛ لكان فيه أعظم الحرج وما لا يليق به من مد عينيه لما نهي عنه من زهرة الحياة الدنيا؛ ولكان هذا نفس الحسد المذموم الذي لا يرضاه ولا يتسم به الأتقياء فكيف بسيد الأنبياء ﷺ ؟ . (٢)
الوجه الخامس: في بيان السبب الحقيقي في طلاقها من زيد ﵁ -.
عن أنس ﵁ قال: جاء زيد بن حارثة يشكو؛ فجعل النبي ﷺ يقول: "اتق الله وأمسك عليك زوجك". قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات.
وعن ثابت: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ نزلت في شأن زينب وزيد بن حارثة. (٣)
стр. 4622
فقوله: جاء زيد بن حارثة يشكو أي: جاء إلى رسول الله ﷺ يشكو زوجه زينب ويستشيره في طلاقها؛ لأنها كانت تترفع عليه، وتقابله ببعض الكلام غير المناسب؛ لحدّة كانت فيها، كما روى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: في قوله تعالى: ﴿تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ قال: أنعم الله عليه بالإسلام وأنعم عليه النبي ﷺ بالعتق ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ قال قتادة: جاء زيدٌ إلى النبي ﷺ فقال: إن زينب اشتد عليّ لسانها، وإني أريد أن أطلقها؛ فقال النبي ﷺ : "اتق الله وأمسك عليك زوجك"، والنبي ﷺ يحبّ أن يطلقها، وخشي مقالة الناس إن أمره بطلاقها فأنزل الله ﷻ : ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ قال: لما طلقها زيد ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾. (١)
فعلم أن السبب في طلاق زيد لزينب ومن ثم زواج النبي ﷺ منها؛ هو ما كان بين زيد وبين زينب من خلافات، وأنه لم يكن بينهما وئام يؤمل معه أن تبقى الحياة الزوجية بينهما، فطلقها بمحض اختياره، ورغبته، وكان رسول الله ﷺ ينهاه عن ذلك، وقد كان الله قد أعلم نبيه ﷺ أن زيدًا سيطلق زينب، وأنه ستكون زوجة له، وأنه ﷺ كان يخفي هذا ويخشى من مقولة الناس، أنه تزوج مطلقة من كان يُدعا إليه، فعاتبه ربه على ذلك. (٢)
قال ابن عاشور: والظاهر عندي: أن ذلك كان في الرؤيا كما أنه قال لعائشة: "أتاني بك الملك في المنام في سرقة من حرير يقول لي: هذه امرأتك فأكشف فإذا هي أنت فأقول: "إن يكن هذا من عند لله يمضه". (٣)
فقول النبي ﷺ لزيد: "أمسك عليك زوجك" توفية بحق النصيحة وهو أمر نصح وإشارة بخير - لا أمر تشريع - لأن الرسول ﷺ في هذا المقام متصرف بحق الولاء والصحبة، لا بصفة التشريع والرسالة، وأداء هذه الأمانة لا يتأكد أنه كان يعلم أن زينب
стр. 4623
صائرة زوجًا له؛ لأن علم النبيّ بما سيكون لا يقتضي إجراؤه وإرشاده، أو تشريعه بخلاف علمه أو ظنه؛ فإن النبي ﷺ كان يعلم أن أبا جهل مثلًا لا يؤمن ولم يمنعه ذلك أن يبلغه الرسالة ويعاوده الدعوة، ولأن رغبته في حصول شيء لا تقتضي إجراء أمره على حسب رغبته إن كانت رغبته تخالف ما يحمل الناس عليه.
ولذلك كله لا يعدّ تصميم زيد على طلاق زينب عصيانًا للنبي ﷺ ؛ لأن أمره في ذلك كان على وجه التوفيق بينه وبين زوجه، ولا يلزم أحدًا المصير إلى إشارة المشير. (١)
الوجه السادس: أن الله هو الذي زوجها لرسول الله ﷺ -.
قال ابن كثير: وكان الذي وَلِي تزويجها منه هو الله بمعنى: أنه أوحى إليه أن يدخل عليها بلا ولي ولا عقد ولا مهر ولا شهود من البشر.
وعن أنس ﵁ قال: لما انقضت عدة زينب ﵂ قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: اذهب فاذكرها عليّ؛ فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها وأقول إن رسول الله ﷺ ذكرها، فولّيتها ظهري، ونكصت على عقبي، وقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن. (٢)
فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات. (٣)
وعن زينب بنت جحش قالت: خطبني عدة من قريش فأرسلت أختي حمنة إلى رسول الله ﷺ أستشيره، فقال لها رسول الله ﷺ : "أين هي ممن يعلمها كتاب ربها وسنة نبيها؟ " قالت: ومن هو يا رسول الله؟ قال زيد بن حارثة قال: فغضبت حمنة غضبًا شديدًا وقالت:
стр. 4624
يا رسول الله أَتُزَوِّجُ بنت عمك مولاك؟ قالت: جاءتني فأعلمتني فغضبت أشدّ من غضبها، وقلت أشد من قولها فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ قالت: فأرسلت إلى رسول الله ﷺ وقلت: إني استغفر الله وأطيع الله ورسوله، افعل ما رأيت فزوجني زيدًا، وكنت أرثى عليه، فشكاني إلى رسول الله ﷺ فعاتبني رسول الله ﷺ ، ثم عدت فأخذته بلساني فشكاني إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أمسك عليك زوجك واتق الله فقال: يا رسول الله أنا أطلقها قالت: فطلقني؛ فلما انقضت عدتي لم أعلم إلا رسول الله ﷺ قد دخل عليّ ببيتي، وأنا مكشوفة الشعر؛ فقلت: إنه أمر من السماء فقلت: يا رسول الله بلا خطبة ولا إشهاد؟ فقال: الله المزوج وجبريل الشاهد. (١)
الوجه السابع: بيان الحكمة في زواج رسول الله ﷺ منها مع أن النساء سواها كثير .
وهذه الحكمة هي رفع الحرج من صدور المؤمنين في زواج نساء الأدعياء
لما أراد الله أن يحرم التبني بدأ في بيان ذلك بنبيه ﷺ مع زوجة متبناه زيد بن حارثة ﵁؛ وقد أعلمه الله أن ذلك سيكون، وكان مقدم ذلك أن وقع بين زينب وزوجها شيء من النزاع؛ فجاء يستأذن النبي ﷺ في طلاقها؛ فقال له النبي ﷺ : "أمسك عليك زوجك واتق الله"، فعاتبه الله في ذلك؛ لأنه أخفى ما أعلمه الله به وفرضه عليه من زواج زينب ﵂ خشية من كلام الناس، وها هو نص الآية قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ
стр. 4625
وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (الأحزاب: ٣٧).
قال علماؤنا: وكان سبب نزول هذه الآيات، أن الله تعالى أراد أن يشرع شرعًا عامًا للمؤمنين، أن الأدعياء ليسوا في حكم الأبناء حقيقة، من جميع الوجوه، وأن أزواجهم، لا جناح على من تبنّاهم، في نكاحهن.
وكان هذا من الأمور المعتادة، التي لا تكاد تزول إلا بحادث كبير، فأراد أن يكون هذا الشرع قولًا من رسوله وفعلًا، وإذا أراد الله أمرًا، جعل له سببًا، وكان زيد بن حارثة يدعى (زيد بن محمد) قد تبناه النبي ﷺ ، فصار يدعى إليه حتى نزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ فقيل له: (زيد بن حارثة) وكانت تحته، زينب بنت جحش، ابنة عمة رسول الله ﷺ ، ثم قدر الله أن يكون بينها وبين زيد، ما اقتضى أن جاء زيد بن حارثة يستأذن النبي ﷺ في فراقها.
قال الله : ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالعتق حين جاءك مشاورًا في فراقها: فقلت له ناصحًا له ومخبرًا بمصلحته: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ أي: لا تفارقها، واصبر على ما جاءك منها، ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ تعالى في أمورك عامة، وفي أمر زوجك خاصة؛ فإن التقوى، تحث على الصبر، وتأمر به، ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ والذي أخفاه، أنه لو طلقها زيد، لتزوجها ﷺ . كما أخبره الله ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ في عدم إبداء ما في نفسك من أمر الله ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ وأن لا تباليهم شيئًا، ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ أي: طابت نفسه، ورغب عنها، وفارقها، ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وإنما فعلنا ذلك، لفائدة عظيمة، وهي: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ حيث رأوك تزوجت، زوج زيد بن حارثة، الذي كان من قبل، ينتسب إليك، ولما كان قوله: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ عامًا في جميع الأحوال، ولما كان من الأحوال، ما لا يجوز
стр. 4626
فيه ذلك، وهي قبل انقضاء وطره منها، قيد ذلك بقوله: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: لا بد من فعله، ولا عائق له ولا مانع.
ويتلخص مما تقدم: أن زواج الرسول ﷺ بزينب الأسدية كان لغرض تشريعي، وغاية اجتماعية ألا وهي إبطال عادة التبنّي.
الوجه الثامن: بيان المعنى الصحيح لمتعلق الخشية، وما الذي أخفاه النبي ﷺ -.
وليس معنى الخشية هنا الخوف وإنما معناه الاستحياء أي يستحيى منهم أن يقولوا: تزوج زوجة ابنه، وأن خشيته ﷺ من الناس كانت من إرجاف المنافقين واليهود وتشغيبهم على المسلمين بقولهم: تزوج زوجة ابنه بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء كما كان؛ فعتبه الله على هذا، ونزهه عن الالتفات إليهم فيما أحله له. (١)
عن علي بن زيد بن جُدْعان قال: سألني علي بن الحسين ما يقول الحسن في قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ فذكرت له فقال: لا ولكن الله أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد ليشكوها إليه قال: "اتق الله، وأمسك عليك زوجك". فقال: قد أخبرتك أني مُزَوّجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه.
وقد أخرج بن أبي حاتم هذه القصة من طويق السدي فساقها سياقًا واضحًا حسنًا، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله ﷺ فزوجها إياه، ثم أعلم الله نبيه ﷺ بعد أنها من أزواجه؛ فكان يستحي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: تزوج امرأة ابنه وكان قد تبنى زيدًا (٢).
стр. 4627
قال القرطبي: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين (١).
وقال ابن حجر: والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي ﷺ هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه؛ وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنًا ووقوع ذلك من إمام المسلمين؛ ليكون أدعى لقبولهم؛ وإنما وقع الخبط في تأويل متعلق الخشية. (٢)
الوجه التاسع: أنه لو أخفى حبها وعشقها لأبداه الله، لأن الله قال: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، فلما لم يبده الله علم أنه لم يكن .
قال الشنقيطي: من أنواع البيان التي تضمّنها بيان الإجمال الواقع بسبب الإبهام في صلة موصول، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: : ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾؛ لأن جملة: ﴿اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ صلة الموصول الذي هو ﴿مَا﴾، وقد قلنا في الترجمة المذكورة: فإنه هنا أبهم هذا الذي أخفاه ﷺ في نفسه وأبداه الله، ولكنه أشار إلى أن المراد به زواجه ﷺ زينب بنت جحش ﵂، حيث أوحى إليه ذلك، وهي في ذلك الوقت تحت زيد بن حارثة؛ لأن زواجه إياها هو الذي أبداه الله بقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾، وهذا هو التحقيق في معنى الآية الذي دلَّ عليه القرآن، وهو اللائق بجنابه ﷺ ، وبه تعلم أن ما يقوله كثير من المفسّرين من أن ما أخفاه في نفسه ﷺ وأبداه الله وقوع زينب في قلبه ومحبّته لها، وهي تحت زيد، وأنها سمعته، قال: "سبحان مقلب القلوب" إلى آخر القصّة، كله لا صحة له، والدليل عليه أن الله لم يبدِ من ذلك شيئًا، مع أنه صرّح بأنه مبدي ما أخفاه رسول الله ﷺ .
стр. 4628
ثم قال ﵀: التحقيق إن شاء الله في هذه المسألة، هو ما ذكرنا أن القرآن دلَّ عليه، وهو أن الله أعلم نبيّه ﷺ بأن زيدًا يطلّق زينب، وأنه يزوّجها إيّاه ﷺ ، وهي في ذلك الوقت تحت زيد، فلما شكاها زيد إليه ﷺ قال له: "أمسك عليك زوجك واتق الله"، فعاتبه الله على قوله: "أمسك عليك زوجك" بعد علمه أنها ستصير زوجته هو ﷺ ، وخشي مقالة الناس أن يقولوا: لو أظهر ما علم من تزويجه إياها أنه يريد تزويج زوجة ابنه في الوقت الذي هي فيه في عصمة زيد.
والدليل على هذا أمران:
الأول: هو ما قدّمنا من أن الله - جل جلالة -، قال: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، وهذا الذي أبداه الله جلَّ وعلا، هو زواجه إياها في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾، ولم يبدِ جلَّ وعلا شيئًا ممّا زعموه أنه أحبّها، ولو كان ذلك هو المراد لأبداه الله تعالى، كما ترى.
الثاني: أن الله جلَّ وعلا صرّح بأنه هو الذي زوّجه إياها، وأن الحكمة الإلهية في ذلك التزويج هي قطع تحريم أزواج الأدعياء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾، فقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾، تعليل صريح لتزويجه إياها لما ذكرنا، وكون الله هو الذي زوّجه إياها لهذه الحكمة العظيمة صريح في أن سبب زواجه إياها ليس هو محبّته لها التي كانت سببًا في طلاق زيد لها كما زعموا، ويوضحه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ الآية؛ لأنه يدلّ على أن زيدًا قضى وطره منها، ولم تبقَ له بها حاجة، فطلّقها باختياره، والعلم عند الله تعالى (١).
الوجه العاشر: ذكر هذه الروايات الباطلة وبيان وجه البطلان سندًا ومتنًا .
وخلاصة هذه الروايات المكذوبة هي: أن النبي ﷺ رأى زينب فجأة وهي في ثياب
стр. 4629
المنزل فأعجبته، ووقع في قلبه حبها، فتكلم بكلام يفهم منه ذلك، إذ سمعه زيد فبادر إلى طلاقها تحقيقًا لرغبة رسول الله ﷺ ، وأن زيدًا شاوره في طلاقها، وكان رسول الله ﷺ ينهاه عن ذلك، لكن في قلبه ضد هذا، وأنه كان راغبًا في طلاق زيد لها ليتزوجها، وفوق ذلك فقد أقر الله رسوله ﷺ على ما فعل، بل عاتبه لِمَ يخفي هذا والله سيبديه.
ورغم شناعة ما جاء في هذه الروايات، وهذا الفهم للآية الكريمة التي تتحدث عن طلاق زيد لزينب وزواج النبي ﷺ بها، إلا أنه قد جاز على أئمة فضلاء، ففسروا به الآية الكريمة، وأثبتوا ذلك صراحة في كتبهم وتفاسيرهم (١).
وأحسن ما يعتذر به عن هؤلاء الأئمة وأتباعهم ممن ذهب يفسر الآية بهذا، أنهم عدّوا هذا منه ﷺ من عوارض البشرية، كالغضب والنسيان، ولكنهم لم يستحضروا شناعة هذا التفسير للآية، ونسبة ذلك لرسول الله ﷺ ، ولم يدققوا في الروايات التي وصلتهم من جهة أسانيدها ومتونها كما فعل غيرهم، ونحن نسأل الله أن يثيبهم على اجتهادهم وأن يغفر لهم.
الرواية الأولى: عن محمد بن يحيى بن حبان، قال: جاء رسول الله ﷺ بيت زيد بن حارثة يطلبه، وكان زيد إنما يقال له: زيد بن محمد، فربما فقده رسول الله ﷺ الساعة فيقول: "أين زيد؟ " فجاء منزله يطلبه، فلم يجده، وتقوم إليه زينب بنت جحش زوجته فُضُلًا - أي وهي لابسة ثياب نومها -، فأعرض رسول الله ﷺ عنها، فقالت: ليس هو هاهنا يا رسول الله فادخل بأبي أنت وأمي، فأبى رسول الله ﷺ أن يدخل، وإنما عجلت أن تلبس لما قيل لها: رسول الله ﷺ على الباب فوثبت عجلي، فأعجبت رسول الله ﷺ ، فولى وهو يهمهم بشيء لا يكاد يفهم منه إلا: سبحان مصرّف القلوب، فجاء زيد إلى منزله، فأخبرته امرأته أن رسول الله ﷺ أتى منزله، فقال زيد: ألا قلت له أن يدخل؟ قالت: قد
стр. 4630
عرضت ذلك عليه فأبى، قال: فسمعت شيئًا؟ قالت: سمعته يقول حين ولّى تكلم بكلام لا أفهمه، وسمعته يقول: "سبحان الله العظيم، سبحان مصرف القلوب"، فجاء زيد حتى أتى رسول الله، ﷺ فقال: يا رسول الله بلغني أنك جئت منزلي فهلّا دخلت بأبي وأمي يا رسول الله لعل زينب أعجبتك فأفارقها؟ فيقول رسول الله: "أمسك عليك زوجك"، فما استطاع زيد إليها سبيلًا بعد ذلك اليوم، فيأتي إلى رسول الله ﷺ فيخبره، فيقول رسول الله ﷺ : "أمسك عليك زوجك"، فيقول: يا رسول الله أفارقها، فيقول رسول الله ﷺ : "احبس عليك زوجك"، ففارقها زيد واعتزلها وحلّت - يعني انقضت عدتها - قال: فبينا رسول الله ﷺ جالس يتحدث مع عائشة، إلى أن أخذت رسول الله ﷺ غشية، فسرّي عنه وهو يبتسم، وهو يقول: "من يذهب إلى زينب يبشرها أن الله قد زوجنيها من السماء؟ وتلا رسول الله ﷺ ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ " الآية، القصة كلها.
قالت عائشة: فأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها، وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها ما صنع الله لها، زوجها الله من السماء، وقلت: هي تفخر علينا بهذا، قالت عائشة: فخرجت سلمى خادم رسول الله ﷺ تشتدّ فتحدّثها بذلك، فأعطتها أوضاحًا- حُليّ من الفضة عليها. (١)
стр. 4631
الرواية الثانية: قال ابن زيد: كان النبي ﷺ قد زوّج زيد بن حارثة زينب بنت جحش بنت عمته، فخرج رسول الله ﷺ يومًا يريده وعلى الباب ستر من شعر، فرفعت الريح الستر؛ فانكشفت وهي في حجرتها حاسرة، فوقع إعجابها في قلب النبي ﷺ ، فلما وقع ذلك كرهت الآخر، فجاء فقال: يا رسول الله إني أريد أن أفارق صاحبتي، قال: "ما لك؟ أرابك منها شيء؟ "قال: لا والله ما رابني منها شيء يا رسول الله، ولا رأيت إلا خيرًا، فقال رسول الله ﷺ : "أمسك عليك زوجك واتق الله، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ... ﴾، تخفي في نفسك إن فارقها تزوجتها. (١)
الرواية الثالثة: عن أنس ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ منزل زيد بن حارثة فرأى رسول الله ﷺ امرأته زينب، وكأنه دخله لا أدري من قول حماد أو في الحديث فجاء زيد يشكوها إليه، فقال له النبي ﷺ : أمسك عليك زوجك واتق الله، قال: فنزلت: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ يعني زينب (٢).
стр. 4632
الرواية الرابعة: عن قتادة: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ وهو زيد أنعم الله عليه بالإسلام: ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أعتقه رسول الله ﷺ : ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ قال: وكان يخفي في نفسه ودّ أنه طلقها، قال الحسن: ما أنزلت عليه آية كانت أشدّ منها قوله: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، ولو كان نبي الله ﷺ كاتمًا شيئًا من الوحي لكتمها ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾، قال خشي نبي الله ﷺ مقالة الناس. (١)
стр. 4633
الرواية الخامسة: قال مقاتل: زوّج النبي ﷺ زينب بنت جحش من زيد فمكثت عنده حينًا، ثم إنه ﷺ أتى زيدًا يومًا يطلبه، فأبصر زينب قائمة، وكانت بيضاء جميلة جسيمة من أتمّ نساء قريش، فهويها وقال: "سبحان الله مقلب القلوب"، فسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد، ففطن زيد فقال: يا رسول الله، ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كبرًا، تعظم عليّ وتؤذيني بلسانها، فقال ﷺ : "أمسك عليك زوجك واتق الله"، وقيل: إن الله بعث ريحًا فرفعت الستر وزينب مُتَفَضَّلة في منزلها، فرأى زينب فوقعت في نفسه، ووقع في نفس زينب أنها وقعت في نفس النبي ﷺ ، وذلك لما جاء يطلب زيدًا، فجاء زيد فأخبرته بذلك، فوقع في نفس زيد أن يطلقها. (١)
الرواية السادسة: قال ابن إسحاق: مرض زيد بن حارثة فذهب إليه رسول الله ﷺ يعوده، وزينب ابنة جحش امرأته جالسة عن رأس زيد، فقامت زينب لبعض شأنها، فنظر إليها رسول الله ﷺ ثم طأطأ رأسه، فقال: "سبحان مقلب القلوب والأبصار"، فقال زيد: أطلقها لك يا رسول الله، فقال: "لا"، فأنزل الله ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٢).
الوجه الحادي عشر: اضطراب الروايات في متونها .
وبعد أن تبين ضعف هذه الروايات وسقوطها من جهة أسانيدها، فلننظر فيها من جهة متونها وما فيها من اضطراب ونكارة، من عدة وجوه:
стр. 4634
الوجه الأول: تناقض الروايات المذكورة، ففي بعضها أن رسول الله ﷺ زار زيد بن حارثة وهو غائب فاستقبلته زينب، وفي بعضها أن زيدًا كان مريضًا، فزاره رسول الله ﷺ ، وكان ﷺ وأتم التسليم جالسًا هو وزيد وزينب، فكيف يكون زيد غائبًا ومريضًا في فراشه في وقت واحد!
الوجه الثاني: والروايات التي ذكرت أن رسول الله ﷺ زار زيدًا اختلفت في كيفية رؤية الرسول ﷺ لزينب ﵂، فرواية تقول: بأنه كان واقفًا بالباب فخرجت إليه، ورواية: بأنه كان واقفًا بباب زيد فرفعت الريح ستر الشعر فرآها فأعجبته.
وفوق ذلك كله كيف يعاتبه الله كما تقول هذه الروايات؛ لأنه أخفى ذلك عن الناس ولم يعلن أنه يحب زوجة زيد، وأنه يود لو طلقها ليتزوجها؟ تَصَوّرٌ مثل هذا كاف في ظهور بطلان هذه الروايات.
الوجه الثاني عشر: كلام بعض الأئمة المحققين من المفسرين وغيرهم حول تفسير الآية ونقد الروايات .
لقد وقف العلماء أمام هذه الروايات موقفًا حازمًا صلبًا، فمنهم من ذكرها، وفندها، ومنهم من أضرب عنها صفحًا بعد الإشارة إلى ضعفها، ونكارتها.
١ - قال ابن العربي: بعد أن ذكر ملخص هذه الروايات، وبيّن عصمة النبي ﷺ : هذه الروايات كلها ساقطة الأسانيد. (١)
٢ - قال القرطبي: بعد أن ذكر التفسير الصحيح لما كان يخفيه ﷺ ، وما الذي كان يخشاه من الناس: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين، كالزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم، فأما ما روي أن النبي ﷺ هوى زينب امرأة زيد، وربّما أطلق بعض المُجّان لفظ عشق، فهذا إنما صدر عن جاهل بعصمة النبي ﷺ عن مثل هذا، أو مستخِفّ بحرمته. (٢)
стр. 4635
٣ - وقال ابن كثير: بعد أن ذكر الروايات الصحيحة: ذكر ابن أبي حاتم، وابن جرير ها هنا آثارًا عن بعض السلف أحببنا أن نضرب عنها صفحًا لعدم صحتها فلا نوردها. (١)
٤ - قال القاضي عياض: اعلم - أكرمك الله، ولا تسترب في تنزيه النبي ﷺ عن هذا الظاهر، وأن يأمر زيدًا بإمساكها، وهو يحب تطليقه إياها، كما ذُكِرَ عن جماعة من المفسرين، وأصح ما في هذا: ما حكاه أهل التفسير، عن علي بن حسين: أن الله تعالى كان أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه، فلما شكاها إليه زيد قال له: "أمسك عليك زوجك واتق الله". وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به من أنه سيتزوجها مما الله مبديه ومظهره بتمام التزويج وتطليق زيد لها.
وقال القرطبي: وقد اجترأ بعض المفسرين في تفسير هذه الآية، ونسب إلى رسول الله ﷺ ما لا يليق به ويستحيل عليه، إذ قد عصمه الله منه ونزَّهه عن مثله، وهذا القول إنما يصدر عن جاهلٍ بعصمته ﷺ عن مثل هذا، أو مُسْتَخِفٍّ بحرمته، والذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين: أن ذلك القول الشنيع ليس بصحيح، ولا يليق بذوي المروءات، فأحرى بخير البريات ..
وقال ابن حجر: بعد أن ذكر الروايات الصحيحة: ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها (٢).
وهناك ثُلّة كبيرة من علماء الإسلام في العصر الحاضر تفطنوا لمثل هذه الأخبار، ورمقت أبصارهم ما تنطوي عليه من مداخل خطيرة لا تليق بمقام الأنبياء، فأنار الله بصائرهم لكشف النقاب عن هذه الآثار الدخيلة، فكان لهم الفضل في التنبيه وإيقاظ الفكر الإسلامي للتصدي لكل دسيسة يراد منها النيل من قداسة رسول الله ﷺ أو تشويه الحقائق التاريخية في تراث الإسلام.
يقول الشيخ محمد رشيد رضا: وللقُصَّاص في هذه القصة كلام لا ينبغي أن يجعل في حيز القبول، ويجب صيانة النبي ﷺ عن هذه التُرَّهات التي نسبت إليه زورًا وبهتانًا. (٣)
стр. 4636
وقال الشيخ محمد أبو شهبة تحت عنوان: إبطال ما ورد في قصة السيدة زينب بنت جحش ﵂: ومن ذلك: ما ذكره بعض المفسرين سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (الأحزاب: ٣٧).
وذكر الرواية بنحو ما سبق ثم قال: وهذه الرواية إنما هي من وضع أعداء الدين، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم متهم بالكذب، والتحديث بالغرائب، ورواية الموضوعات، ولم يذكر هذا إلا المفسرون والإخباريون المولعون بنقل كل ما وقع تحت أيديهم من غث أو سمين، ولم يوجد شيء من ذلك في كتب الحديث المعتمدة التي عليها المعول عند الاختلاف، والذي جاء في الصحيح يخالف ذلك، وليس فيه هذه الرواية المنكرة، روى البخاري في صحيحه، عن أنس بن مالك ﵁، أن هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾: نزلت في شأن زينب ابنة جحش، وزيد بن حارثة واقتصر على هذا القدر، وليس فيه شيء من هذا الخلط.
وقال ابن حجر بعد ذكر رواية قتادة: ووردت آثار أخرى، أخرجها ابن أبي حاتم، والطبري، ونقلها كثير من المفسرين، لا ينبغي التشاغل بها، وما أوردته هو المعتمد، وهذه شهادة لها قيمتها، والذي أورده هو ما أخرجه ابن أبي حاتم عن طريق السدي، في هذه القصة، فساقها سياقًا واضحًا حسنًا، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب: عمة رسول الله، وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوّجها زيدَ بن حارثة مولاه، فكرهَتْ ذلك، ثم رضيتْ بما صنع رسول الله، فزوجها إياه، ثم أعلم الله نبيه بعد، أنها من أزواجه، فكان يستحيي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال بين زيد وزينب ما يكون بين الناس، فأمره رسول الله أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى أن يعيب عليه الناس، ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيدًا. وهو السبب الصحيح، وروى ابن أبي
стр. 4637
حاتم أيضًا، والطبري، كلٌّ بسنده عن علي بن الحسين بن علي، قال: أعلم الله نبيه أن زينب ستكون من أزواجه، قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد يشكوها، وقال له: "اتق الله، وأمسك عليك زوجك"، قال الله: قد أخبرتك أني مزوجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه، ثم ذكر قول ابن كثير السابق ثم قال: التفسير الصحيح للآية:
وهاك تفسير الآية الذي يساير روحها ونصها، وتشهد له الروايات الصحيحة، وتتجلى فيه حكمة الله العالية؛ ذلك: أن العرب كان من عادتها التبني، وكانت تلحق الابن المتبنى بالعصبي، وتجري عليه حقوقه في الميراث، وحرمة زوجته على من تبناه، وكانت تلك العادة متأصلة في نفوسهم، كما كان كبيرًا أن تتزوج بنات الأشراف من موال، وإن أعتقوا، وصاروا أحرارًا طلقاء، فلما جاء الإسلام، كان من مقاصده: أن يزيل الفوارق بين الناس التي تقوم على العصبية، وحمية الجاهلية، فالناس كلهم لآدم وآدم من تراب، وأن يقضي على حرمة زوجة الابن المتبنى، وقد شاء الله أن يكون أول عتيق يتزوج بعربية في الصميم من قريش هو زيد، وأن يكون أول سيد يبطل هذه العادة - حرمة زوجة الابن المتبنى - هو رسول الله ﷺ ، وما على بنات الأشراف أن يتزوجوا بأزواج أدعيائهم، وقد قضوا منهن وطرًا، وإمام المسلمين ومن يصدع بأمر الله، قد فتح هذا الباب وتزوج حليلة متبناه بعد فراقها، وقد كان كلُّ ما أرد الله، فرسول الله يخطب زينب لزيد، فتأبى، ويأبى بعض أهلها، ويكرر رسول الله ﷺ الطلب، وينزل الوحي بذلك: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾؛ فلم يبق إلا الإذعان من زينب وأهلها، ولكن زيدًا وجد منها تعاظمًا، فيرغب في فراقها، ويستشير الرسول، فينصحه بإمساكها، وكان جبريل قد أخبر رسول الله بأن زينب ستكون زوجة له، وسيبطل الله بزواجه منها هذه العادة، ولكن النبي ﷺ وجد غضاضة على نفسه أن يأمر زيدا بطلاقها، ويتزوجها من بعد، فتشيع المقالة بين الناس، أن محمدًا تزوج حليلة ابنه، وبذلك: يصير عرضة للقيل والقال من أعدائه، وهو في دعوته إلى دين الله أحوج إلى تأييد المؤيدين، فهذا المقدار من خشية الناس حتى أخفى ما أخبره الله به - وهو نكاحها - هو ما عاتبه الله عليه، وقد صرح الله
стр. 4638
في كلامه بالسبب الباعث على هذا الزواج فقال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾، هذا هو التفسير الذي يتفق مع الحق والواقع. وقد نسج المستشرقون، والمبشرون، أعداء الدين، من تلك الروايات المختلقة الواهية ثوبًا من الكذب والخيال، وصوروا السيدة زينب وقد رآها النبي الطاهر، كما يصور الشباب الطائش إحدى غادات المسرح، وطعنوا في غير مطعن، فالروايات ليس لها أساس من الصحة فبناؤهم على غير أساس.
روى ابن مردويه عن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ لزينب: "إني أريد أن أزوجك زيد بن حارثة، فإني قد رضيته لك"، قالت: لكني لا أرضاه لنفسي، وأنا أيّم قومي، وبنت عمتك، فنزلت الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ قالت: قد أطعتك، فاصنع ما شئت، فغير معقول، والحال كما ذكرت، ألا يكون شاهدها، فلو كان يهواها، أو وقعت من قلبه، فأي شيء كان يمنعه من زواجها، وإشارة منه كافية؛ لأن يقدموها له وما ملكت؟ فمثله وهو قي الذروة من قريش نسبًا وخلقًا ودينًا، ما كان يقدع أنفه.
ومن بعد ذلك، فحياة رسول الله ﷺ من صباه إلى كهولته إلى أن توفي ترُدُّ هذه الفرية؛ فحياته لم تكن حياة حب واستهتار، وإنما كانت حياة الشرف والكرامة، ما عرفت الدنيا أطهر ذيلًا منه، ولا أعف منه، ولا لمست يدُه قطُّ يدَ امرأة لا تحل له بشهوة (١)، وكيف يكون على هذا الحال - الذي افتروه من خاطبه - من يعلم السر وأخفى، بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤)، ولو كان رسول الله ﷺ صاحب هوى، أو غرام لأشبع رغبته وهو في ميعة الصبا وشرخ الشباب، أيام أن كان الغيد الكواعب من بنات الأشراف تشرئب أعناقهن إلى أن يكنّ حليلات له، ولكنه قضى شبابه مع سيدة تزيد على الأربعين، ورضيها زوجًا له، حتى توفاها الله، ومهما قيل في جمالها: فهناك غيرها من الأبكار الشابات
стр. 4639
من يفقنها في الجمال، وللأبكار ما لهن من جاذبية وروعة، ومن قضى بغير ذلك: فقد خالف سنة الله في الفطرة، واتبع شواذ العادات.
ولم يكن زواج رسول الله بزوجاته إلا لحكم ومقاصد سامية، ثم قال: وزواجه بالسيدة: زينب بنت جحش؛ لإبطال هذه العادة، ويطول بي القول لو استقصيت الحكم في زواجه ﷺ فلذلك مقام آخر. والعجب من هؤلاء الطاعنين إذا وقعوا على ما يشفي غليلهم من باطل الروايات، تمادوا في قلب الحقائق، وأنكروا عقولهم، وتجاهلوا الظروف والملابسات، والبيئة، وأحكامها، والعادات وسلطانها إلى غير ذلك مما يتفيهقون به، بينما يطيشون بالحكم على روايات في غاية الصحة بأنها موضوعة؛ ولا حامل لهم في الحالين إلا الهوى والتعصب. وبعد: فإذا كانت القصة كما رأيت، لا سند لها من جهة النقل، وحياة رسول الله ﷺ تكذبها، وطبيعة البيئة التي جرت فيها تجلت أصولها، فلم يبق إلا أنها موضوعة (١).
وبنحو هذا قال الشيخ محمد بن عفيفي الخضري: ومما جاء فيه بعد الإشارة إلى ما ذكره المؤرخون: وهذا مما يكذبه أن نساء العرب اتكن قبل ذلك تعرف ستر الوجوه، وزينب بنت عمته أسلمت قديمًا، ورسول الله بمكة، فكيف لم يرها، وقد مضى على إسلامها نحو عشر سنوات وهي بنت عمته، إلا حينما رفعت الريح الستر مصادفة، ورسول الله هو الذي زوجها زيدًا؟ فلو كانت له فيها رغبة حب أو عشق لتزوجها، هو ولا مانع يمنعه من ذلك، ومن منا يتصور السيد الأكرم يقول لقومه إنه مرسل من ربه، ويتلو عليهم صباح مساء أمر الله له بقوله في سورة الحجر المكية: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ (الحجر: ٨٨). وفي سورة طه المكية أيضًا: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (طه: ١٣١). ثم هو بعد ذلك يدخل بيت رجل من متبعيه، وينظر إلى زوجه مصادفة ثم يشتهي زواجها؟ إن هذا لأمر عظيم تقشعر بذلك صدورنا، ولو حدث أمر مثل ذلك من أقل الناس لعيب عليه، فكيف بمن اجتمعت كلمة المؤرخين على أنه أحسن الناس خلقًا، وأبعدهم عن
стр. 4640
الدنايا، وأشدهم ذكاء وفراسة حتى مدحه الله بقوله في سورة ن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤). لا شك أن هذه الخرافة مما يلتحق بخرافة الغرانيق، وضَعها أعداء الدين ليصلوا بها إلى أغراضهم، والحمد لله قد ناقضت النقل والعقل، فلم تبق شبهة في أن الحقيقة ما نقلناه لك أولًا، وهو الذي يستفاد من القرآن الشريف، قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ (الأحزاب: ٣٧).
والذي أبداه الله هو زواجه بها، ولم يبد غير ذلك وهذا القرآن أعظم شاهد. (١)
الوجه الثالث عشر: بيان أن هذه القصة من دلائل نبوته ﷺ -:
فلو كان متكلمًا من عند نفسه لما قال عن نفسه ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾، وعن عائشة ﵁ أنها قالت: لو كتم محمد ﷺ شيئًا مما أوحي إليه من كتاب الله، لكتم: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الوطر: هو الحاجة والأرب، أي: لما فَرَغ منها، وفارقها، زَوّجناكها، وكان الذي وَلي تزويجها منه هو الله ، بمعنى: أنه أوحى إليه أن يدخل عليها بلا ولي ولا مهر ولا عقد ولا شهود من البشر.
وقال السعدي: في ذكر فوائد القصة:
ومنها أن الرسول ﷺ ، قد بلغ البلاع المبين، فلم يدع شيئًا مما أوحي إليه، إلا وبلغه، حتى هذا الأمر، الذي فيه عتابه، وهذا يدل، على أنه رسول الله ﷺ ، ولا يقول إلا ما أوحي إليه، ولا يريد تعظيم نفسه (٢).
стр. 4641
وقال الغنيمان: وهذه الآية من أعظم الأدلة لمن تأملها على صدق الرسول ﷺ فالله تعالى يخبر عما وقع في نفسه من خشية الناس، فبلغه كما قال الله تعالى مع ما تضمنه من لومه، بخلاف حال الكذاب؛ فإنه يتجنب كل ما يمكن أن يكون فيه عليه غضاضة، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ إلى آخر الآيات ونظائرها في القرآن. (١)
الوجه الرابع عشر: ذكر السفير بين النبي ﷺ وزينب ﵂ وما الذي جرى له في ذلك .
عن أنس ﵁ قال (٢): لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: "اذهب فاذكرها عليّ". فانطلق حتى أتاها وهي تُخَمِّر عَجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها -أن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري على عقبي، وقلت: يا زينب أبشري، أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربي ، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن، ولقد رأيتنا حين دَخَلَتْ على رسول الله ﷺ أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله ﷺ واتبعته فجعل يتتبع حُجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر. قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقي الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب، ووعظ القوم بما وعظوا به: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية.
وقوله: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ أي: إنما أبحنا لك تزويجها وفعلنا ذلك؛ لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، وذلك أن رسول الله ﷺ كان قبل النبوة قد تبنى زيد بن حارثة، فكان يقال له: زيد بن محمد، فلما قطع الله هذه النسبة بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ثم زاد ذلك بيانًا
стр. 4642
وتأكيدًا بوقوع تزويج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش لما طلقها زيد بن حارثة؛ ولهذا قال في آية التحريم: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ (النساء: ٢٣) ليحترز من الابن الدَّعِي، فإن ذلك كان كثيرًا فيهم.
وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحَتَّمه، وهو كائن لا محالة، كانت زينب في علم الله ستصير من أزواج النبي ﷺ .
* * *
стр. 4643
١٨ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ اغتصب صفية .
نص الشبهة:
إدعاء اغتصاب النبي ﷺ لصفية، وأنه قتل زوجها، وأن القصة تشير إلى قسوة قلب بلال.
والرد من وجوه:
الوجه الأول: بيان ضعف القصة ، وعليه تبطل جميع الاتهامات.
الوجه الثاني: صحيح ما ورد في هذه القصة، وتوجيه العلماء لها .
الوجه الثالث: النبي ﷺ لم يغتصب صفية وحاشاه.
الوجه الرابع: عفة النبي ﷺ ، وخشيته من ربه.
الوجه الخامس: سبب أسر صفية وقومها.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: بيان ضعف القصة.
عن إسحاق بن يسار قال لما افتتح رسول الله ﷺ حصن ابن أبي الحقيق؛ أتى بصفية ابنة حبي، ومعها ابنة عم لها، جاء بها بلال، فمر بهما على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفية صكت وجهها، وصاحت، وحثت التراب على رأسها، فقال رسول الله ﷺ : غربوا هذه الشيطانة عني، وأمر بصفية خلفه وغطى عليها ثوبه، فعرف الناس أنه اصطفاها لنفسه، وقال رسول الله ﷺ لبلال حين رأى من اليهودية ما رأى: يا بلال نُزعت منك الرحمة حين تمر بامرأتين على قتلاهما، وقد كانت صفية رأت قبل ذلك أن قمرًا وقع في حجرها، فذكرت ذلك لأبيها فضرب وجهها ضربة أثر فيه، وقال: إنك لتمدين عنقك إلى أن تكون عند ملك العرب، فلم يزل الأثر في وجهها حتى أتى بها رسول الله ﷺ فسألها عنه، فأخبرته خبره. (١)
الوجه الثاني: صحيح ما ورد في هذه القصة وتوجيه العلماء لها.
عن أنس ﵁ قال: صلى النبي ﷺ الصبح قريبًا من خيبر بغلس ثم قال: "الله أكبر خربت
أَفَاحِيصَ، وَجِيء بِالأَنْطَاعِ فَوُضِعَتْ فِيهَا، وَجِيءَ بِالأَقِطِ وَالسَّمْنِ فَشَبعَ النَّاسُ، وَقَالَ النَّاسُ: لا نَدْرِي أَتَزَوَّجَهَا أَمِ اتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ، قَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهْي امْرَأَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهْي أُمُّ وَلَدٍ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ حَجَبَهَا، فَقَعَدَتْ عَلَى عَجُزِ الْبَعِيرِ، فَعَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ تَزَوَّجَهَا ... ". (١)
ثانيها: رضى صفية بالزواج من النبي ﷺ ، فكيف يسمَّى زواجه منها اغتصابًا، والدليل على رضاها: أنها لو رفضت الزواج منه لتركها، وما أجبرها عليه كما فعل مع الجوينية؟
فعن عائشة: أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: "لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك". (٢)
وفي رواية: عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النبي ﷺ ، حَتَّى انْطَلَقْنَا إِلَى حَائِطٍ يُقَالُ لَهُ الشَّوْطُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حَائِطَيْنِ فَجَلَسْنَا بَيْنَهُمَا، فَقَالَ النبي ﷺ : "اجْلِسُوا هَا هُنَا"، وَدَخَلَ وَقَدْ أُتِي بِالْجَوْنِيَّةِ، فَأُنْزِلَتْ في بَيْتٍ في نَخْلٍ في بَيْتٍ أُمَيْمَةُ بِنْتُ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ وَمَعَهَا دَايَتُهَا حَاضِنَةٌ لَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النبي ﷺ قَالَ: "هَبِي نَفْسَكِ لِي"، قَالَتْ: وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ؟ قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ، فَقَالَتْ: أَعُوذُ بِالله مِنْكَ، فَقَالَ: "قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ"، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: "يَا أَبَا أُسَيْدٍ، اكْسُهَا رَازِقِيَّتَيْنِ (٣)، وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا". (٤)
وأما قولها للنبي: (سوقة) فقد قال ابن حجر السوقة عندهم من ليس بملك كائنًا من كان؛ فكأنها استبعدت أن يتزوج الملكة من ليس بملك، وكان ﷺ قد خير أن يكون ملكًا نبيًا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًا تواضعًا منه ﷺ لربه، ولم يؤاخذها النبي ﷺ بكلامها معذرة لها لقرب عهدها بجاهليتها. (٥)
ثالثها: معاملة النبي ﷺ لها لا تشير إلى أي إكراه أو اغتصاب:
стр. 4646
فلقد كرمها ولم يرضَ لها أن تتزوج بواحد من عامة الناس، بل تزوجها هو لتكون سيدة تزوجت من سيد؛ حيث كانت ابنة سيد قومها.
الوجه الرابع: عفة النبي ﷺ وخشيته من ربه
قد زكى الله خلق النبي ﷺ فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤)، وكان ﷺ لا يُكره أحدًا على الدخول في الدين: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، فكيف يُكرهها على الزواج منه وعن عمر بن أبي سلمة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أما والله إني لأتقاكم لله أخشاكم له". (١)
وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم". (٢)
الوجه الخامس: سبب أسر صفية وقومها .
كَانَتْ صفية زَوْجَة كِنَانَة بْن الرَّبِيع، وَهُوَ وَأَهْله مِنْ بَنِي أَبِي الْحَقِيق، كَانُوا صَالَحُوا رَسُول الله ﷺ ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَكْتُمُوهُ كَنْزًا، فَإِنْ كَتَمُوهُ فَلَا ذِمَّة لَهُمْ. وَسأَلَهُمْ عَنْ كَنْز حُيَيّ بْن أَخْطَبَ فَكَتَمُوهُ، وَقَالُوا: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَات، ثُمَّ عَثَرَ عَلَيْهِ عِنْدهمْ، فَانْتَقَضَ عَهْدهمْ فَسَبَاهُمْ. (٣)
فصفية من سبيهم، فهي فيء لا يخمس، بل يفعل فيه الإمام ما رأى. (٤)
وليس في القصة الضعيفة أو الصحيحة ما يشير إلى أن النبي قتل زوج صفية.
وأما قولهم: إن بلالًا قاسي القلب؛ لأنه مرَّ بالمرأتين علي قتلى من اليهود؛ فقد أثبتنا ضعف القصة، وإن ثبتت فلعله لم يتعمد ذلك، وقد لامَهُ النبي ﷺ على ذلك، هذا على فرض ثبوت القصة لكنها واهية.
* * *
стр. 4647
١٩ - شبهة: حول طواف النبي ﷺ على نسائه في ساعة واحدة .
نص الشبهة:
يتهمون النبي ﷺ أنه شهواني في قول أنس: كان يدور على نسائه في ساعة واحدة.
والرد على ذلك من وجوه:
الأول: ذكر الحديث، وبيان معناه.
الثاني: النبي ﷺ أزهد الناس في الدنيا.
الثالث: حق الزوجة على الزوج في الجماع.
الرابع: حال الأنبياء في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: ذكر الحديث، وبيان معناه .
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ. قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ: أَوَ كَانَ يُطِيقُهُ قَال: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِىَ قُوَّةَ ثَلاثِينَ. وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: إِنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ: تِسْعُ نِسْوَةٍ (١).
وعن عائشة قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ فيطوف على نسائه ثم يصبح محرمًا ينضخ طيبًا (٢).
وفي الحديث أمران:
الأول: هل يجوز أن يطوف الرجل على نسائه بغسل واحد؟
الثاني: هل في ذلك اتهام للنبي ﷺ أنه شهواني؟
أما الأمر الأول:
قال ابن حجر: وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ بَيْنَهُمَا لَا يَجِبُ، وَيَدُلُّ عَلَى اِسْتِحْبَابِهِ حَدِيث أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَنْ أَبِي رَافِع: "أَنَّهُ ﷺ طَافَ ذَات يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذه وَعِنْدَ هَذِهِ قَالَ: فَقُلْت: يَا رَسُول الله، أَلَا تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا؟ قَالَ: "هَذَا أَزْكَى
стр. 4648
وَأَطْيَب وَأَطْهَر" (١).
وقال ابن بطال: لم يختلف العلماء في جواز وطء جماعة نساء في غسل واحد على ما جاء في حديث عائشة، وأنس، وروى ذلك عن ابن عباس، وقاله عطاء، ومالك، والأوزاعي (٢).
وَالْحَدِيث فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْغُسْل لَا يَجِب بَيْن الْجَماعَيْنِ، سَوَاء كَانَ لِتِلْكَ الْمُجَامَعَة أَوْ لِغَيْرِهَا.
وَقَالَ النوَوِيّ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَالَّذِي قَالَاهُ هُوَ حَسَن جدًّا، وَلَا تَعَارُض بَيْنهمَا، فَمَرَّة تَرَكَهُ رَسول الله ﷺ بَيَانًا لِلْجَوَازِ وَتَخْفِيفًا عَلَى الْأُمَّة، وَمَرَّة فَعَلَهُ (أي: الغسل) لِكَوْنِهِ أَزْكَى وَأَطْهَر (٣).
قال ابن رجب: ووجه اسستدلال البخاري بالحديث على أن تكرار الجماع بغسل واحد - أن النبي ﷺ لو اغتسل من كل واحدة من نسائه لكان قد اغتسل تسع مرات، فيبعد حينئذ أن يبقى للطيب أثر، فلما أخبرت أنه أصبح ينضخ طيبًا اُستُدِلَّ بذلك على أنه اكتفى بغسل واحد (٤)
وليس في الحديث ما يدل على أنه كان شهواني، والرد على ذلك من وجوه:
الأول: أقوال العلماء:
قال ابن حجر: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ غَيْر مَا تَقَدَّمَ، مَا أُعْطِيَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْقُوَّةِ عَلَى الْجِمَاعِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ الْبِنْيَةِ وَصِحَّة الذُّكُورِيَّة، وَالْحِكْمَة فِي كَثْرَةِ أَزْوَاجِهِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي لَيْسَتْ ظَاهِرَةً يَطَّلِعْنَ عَلَيْهَا فَيَنْقُلْنَهَا، وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَة مِنْ ذَلِكَ الْكَثِير الطَّيِّب، وَمِنْ ثَمَّ فَضَّلَهَا بَعْضهمْ عَلَى الْبَاقِيَاتِ (٥).
وقال ابن بطال: ويحتمل أن يكون دورانه ﷺ عليهن في يوم واحد لمعان:
أحدها: أن يكون ذلك عند إقباله من سفره، حيث لا قسمة تلزمه لنسائه؛ لأنه كان إذا سافر أقرع بين نسائه فأيتهن أصابتها القرعة خرجت معه، فإذا انصرف استأنف القسمة
стр. 4649
بعد ذلك، ولم تكن واحدة منهن أولى بالابتداء من صاحبتها، فلما استوت حقوقهن جمعهن كلهن في ليلة، ثم استأنف القسمة بعد ذلك.
والوجه الثاني: يحتمل أن يكون استطاب أنفس أزواجه، فاستأذنهن في ذلك كنحو استئذانهن أن يُمرَّض في بيت عائشة؛ قاله أبو عبيد.
والوجه الثالث: قاله المهلب قال: يحتمل أن يكون دورانه عليهن في يوم يفرغ من القسمة بينهن، فيقرع في هذا اليوم لهن كلهن يجمعهن فيه، ثم يستأنف بعد ذلك القسمة، والله أعلم (١).
وقال ابن العربي: إن الله خص نبيه بأشياء في النكاح، ومنها أنه أعطاه ساعة لا يكون لأزواجه فيها حق حتى يدخل فيها جمغ أزواجه، فيفعل ما يريد بهن، ثم يدخل عند التي يكون الدور لها. (٢)
قال ابن الجوزي: اعلم أن العرب كانت تعد القوة على النكاح من كمال الخلقة وقوة البنية، كما تعد الشجاعة منها، وكان ﷺ أتمَّ الناس خلقة، ثم أُعطي قوة ثلاثين، ثم كان في فعله ذلك رد على النصارى في التبتل طلبًا للنسل (٣).
وهذه الخصوصية فضل ومنة من الله تعالى على رسوله؛ ناسب ما كان يمتع به من منزلة وشرف على أمته، وما رزقه الله من قوة بدنية، وباءة في النكاح يؤدي بها حقوق أهله تامة غير منقوصة (٤).
الوجه الثاني: النبي ﷺ أزهد الناس في الدنيا .
عاش النبي ﷺ حياة بعيدة عن الترف والشهوات، وكان شغله الشاغل أن يعبد ربه حق عبادته، فكان يقوم حتى تتفطر قدماه، وتقول عائشة ﵂: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ
стр. 4650
اسْتكمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ (١).
وعن عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ الله ﷺ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ" (٢).
وعن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه، فقال: يا نبي الله، لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا، فقال: مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب، سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها (٣).
وعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اللهمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَة" (٤).
وعَنْ سَهْلٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبي ﷺ يَقُولُ: "مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ الله أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (٥).
الوجه الثالث: حق الزوجة على الزوج في الجماع .
عن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قال: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : "يَا عَبْدَ الله أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ"، فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "فَلا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا" (٦).
قال ابن بطال: لا ينبغي له أن يجهد بنفسه في العبادة، حتى يضعف عن القيام بحقها من جماع واكتساب، واختلف العلماء فيمن كف عن جماع زوجته.
فقال مالك: إن كان بغير ضرورة أُلزم به أو يفرق بينهما، ونحوه عن أحمد، والمشهور عند الشافعية أنه لا يجب عليه، وقيل: يجب مرة، وعن بعض السلف في كل أربع ليلة، وعن بعضهم في كل طهر مرة (٧).
стр. 4651
ومَنْ كان متزوجًا بأكثر من امرأة فليقرع بينهن إذا أراد سفرًا، فعن عائشة قالت: كان رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ (١).
ومَنْ تزوج بكرًا على الثيب فليقم عندها سبعًا، فعن أنس ﵁، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَكِنْ قَالَ: السُّنّة إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقامَ عِنْدَهَا ثَلاثًا (٢).
ومن حقوق الزوجة في الجماع وغيره أن لها مثل الذي عليها؛ قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ومن حقوقها ألا يطأها حالة الحيض؛ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
الوجه الرابع: حال الأنبياء في الكتاب المقدس .
سفر التكوين (١٩/ ٣٦: ٣٥): وَصَعِدَ لُوطٌ مِنْ صُوغَرَ وَسَكَنَ فِي الجبَلِ، وَابْنَتَاهُ مَعَهُ، لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَسْكُنَ فِي صُوغَرَ، فَسَكَنَ فِي المَغَارَةِ هُوَ وَابْنَتَاهُ. وَقَالَتِ الْبِكْرُ لِلصَّغِيرَةِ: "أَبُونَا قَدْ شَاخَ، وَلَيْسَ فِي الأَرْضِ رَجُلٌ لِيَدْخُلَ عَلَيْنَا كَعَادَةِ كُلِّ الأَرْضِ. هَلُمَّ نَسْقِي أَبَانَا خَمْرًا وَنَضْطَجعُ مَعَهُ، فَنُحْيِي مِنْ أَبِينَا نَسْلًا". فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَدَخَلَتِ الْبِكْرُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَ أَبِيهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلَا بِقِيَامِهَا. وَحَدَثَ فِي الْغَدِ أَنَّ الْبِكْرَ قَالَتْ لِلصَّغِير: "إِنِّي قَدِ اضْطَجَعْتُ الْبَارِحَةَ مَعَ أَبِي، نَسْقِيهِ خَمْرًا اللَّيْلَةَ أَيْضًا فَادْخُلي اضْطَجِعِي مَعَهُ، فَنُحْيِيَ مِنْ أَبِينَا نَسْلًا". فَسَقَتَا أَرداهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَيْضًا، وَقَامَتِ الصَّغِيرَةُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلَا بِقِيَامِهَا، فَحَبِلَتِ ابْنَتَا لُوطٍ مِنْ أَبِيهِمَا.
وكان لسليمان (١٠٠٠) مرأة (الملوك الأول: ١١/ ٣): وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلاثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ، فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ.
* * *
стр. 4652
٢٠ - ادعاؤهم ان رسول الله ﷺ ظلم إحدى نسائه بأن طلقها لأنه وجد فيها برصًا .
نص الشبهة:
ادعاؤهم أن رسول الله ﷺ ظلم إحدى نسائه بأن طلقها لأنه وجد فيها برصًا.
والرد على هذه الشبهة من وجوهِ:
الوجه الأول: إثبات ضعف القصة .
الوجه الثاني: على فرض ثبوت القصة فليس فيها أي مأخذٍ على النبي ﷺ لأسباب:
أولًا: حاجة الرجل إلى زوجةٍ حسناءَ جميلةٍ.
ثانيًا: هذه المرأة قد أخفت - أو أخفى أولياؤها - ما فيها من عيبٍ وهذا تدليسٌ لا يجوز.
ثانيًا: من مقاصد النكاح استدامة العشرة وهذا قد لا يكون مع وجود العيب.
رابعًا: من محاسن دين الإسلام إباحةُ الطلاق بالضوابط التي تحفظ لكل ذي حقٍ حقه.
خامسًا: قد أحسن النبي ﷺ إلى هذه المرأة وأوفى لها - أوفاها - حقَّها.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: إثبات ضعف القصة.
عن عبد الله بن كعب أو كعب بن عبد الله ﵁ قال: تزوج رسول الله ﷺ امرأةً من غفار فقعد منها مقعد الرجل من المرأة فأبصر بكشحها برصًا فقام عنها فقال: "سَوِّي عليك ثيابَك وارجعي إلى بيتك". وفي روايةٍ: "ولم يأخذ مما آتاها شيئًا"، وفي روايةٍ: "وألحق لها مهرها"، وفي روايةٍ: "فأمر لها بالصداق"، وفي روايةٍ: "فأكمل لها صداقها"، وفي روايةٍ: "فردَّها إلى أهلها وقال: دلستم عليَّ". (١)
стр. 4653
الوجه الثاني: على فرض ثبوت القصة فليس فيها أي مأخذ على النبي ﷺ لأسباب الآتية:
أولًا: حاجة الرجل إلى زوجةِ حسناءَ جميلةٍ .
عن أبي هريرة ﵁ قال: سئل النبي ﷺ أي النساء خيرٌ؟ فقال: "الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِيمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهَا، وَلَا فِي مَالِهِ" (١).
والشاهد من الحديث قوله ﷺ : "التي تسره إذا نظر إليها" أي: إذا نظر زوجها إليها، ففي النظر إليها العفاف والكفاف عن الحرام، وهي تغنيه عن النظر إلى غيرها.
فمن هذا الحديث نجد أن من حق الرجل أن يتزوج امرأةً يسره النظر إليها، ورسول الله ﷺ كانت معظم زيجاته كما هو معلوم لأغراضٍ إنسانيةٍ بحتةٍ، وهو ﷺ لم يعدد الزوجات إلا بعد الخمسين من عمره، ولكن هذا لا يمنع أنه كان رجلًا جميل الخَلق والخُلُق، وكان كأي رجلٍ يحب أن يتزوج امرأةً يسره النظر إليها، وهذه المرأة كان يسره ﷺ النظر إليها، لكنه وجد فيها هذا العيب الذي نفره منها نُفرةً شديدةً.
ثانيًا: هذه المرأة قد أخفت أو أخفى أولياؤها - ما فيها من عيبٍ وهذا تدليسٌ لا يجوز .
والدليل على هذا قوله ﷺ كما في بعض الروايات بعدما رَدَّها إلى أهلها: "دلَّستم عليَّ" (٢). وهذا يجعل النفرةَ منها أشدَّ مما لو كان عالمًا بما فيها قبل أن يدخل بها.
وكان رسول الله ﷺ يحث أصحابه على النظر إلى من يريدون الزواج بهن حتى يكون ذلك أدعى لاستدامة العِشرة والمودة والرحمة بينهما .. فعن أبي هريرة ﵁ قال: كنت عند
стр. 4654
النبي ﷺ فأتاه رجلٌ فأخبره أنه تزوج امرأةً من الأنصار، فقال له رسول الله ﷺ : "أنظرت إليها؟ " قال: لا، قال: "فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئًا". (١)
ومعنى قوله: "فإن في أعين الأنصار شيئًا" أي: صغر أو زرقة. وفي هذا: دلالة لجواز ذكر مثل هذا للنصيحة، وفيه: استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها .. ، ثم إنه يباح له النظر إلى وجهها وكفيها فقط .. ، لأنه يستدل بالوجه على الجمال أو ضده، وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمها (٢).
وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: خطبت امرأة على عهد رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : "أنظرت إليها؟ " قلت: لا، قال: "فانظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" (٣).
ثالثا: من مقاصد النكاح استدامة العشرة وهذا قد لا يكون مع وجود العيب .
والعيوب المؤثرة في النكاح تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أولًا: عيوب تتعلق (تختص) بالرجل، مثل: الجب، والعنة.
ثانيًا: عيوب تتعلق (تختص) بالمرأة، مثل: الرتق، والقرن.
ثالثًا: عيوب تتعلق (تختص) بالزوجين معًا، مثل: الجذام، والبرص، والجنون.
العيوب المجوزة للفسخ وهي ثمانية: اثنان يختصان الرجل وهما الجب والعنة، وثلاثة تختص المرأة وهي الفتق والقرن والعفل، وثلاثة يشترك فيها الزوجان وهي الجذام والجنون والبرص، وهكذا ذكرها الخرقي، وقال القاضي: هي سبعة جعل القرن والعفل شيئا واحدًا، وهو الرتق، وذلك لحم ينبت في الفرج. وحكي ذلك أهل الأدب. وحكي نحوه عن أبي بكر. وذكره أصحاب الشافعي وقال الشافعي: القرن عظم في الفرج يمنع الوطء، وقال عن غيره: لا يكون في الفرج عظم؛ إنما هو لحم ينبت فيه. وحكي عن أبي حفص أن العفل كالرغوة في الفرج، يمنع لذة الوطء. وقال أبو الخطاب: الرتق أن يكون
стр. 4655
الفرج مسدودًا: يعني ملتصقًا، لا يدخل الذكر فيه، والقرن والعفل لحم ينبت في الفرج فيسده، فهما في معنى الرتق، إلا أنهما نوع آخر، وأما الفتق: فهو انخراق ما بين السبيلين، وقيل انخراق ما بين مخرج البول والمني. وذكرها أصحاب الشافعي سبعة أسقطوا منها الفتق. ومنهم من جعلها ستة وجعل القرن والعفل شيئًا واحدًا، وإنما اختص الفسخ بهذه العيوب، لأنها تمنع الاستمتاع المقصود بالنكاح؛ فإن الجذام والبرص يثيران نفرة في النفس، تمنع قربانه، ويخشى تعديه إلى النفس والنسل، فيمنع الاستمتاع. والجنون يثير نفرة، ويخشى ضرره، والجب والرتق يتعذر معهما الوطء. والفتق يمنع لذة الوطء، وفائدته وكذلك العفل على قول من فسره بالرغوة. (١)
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُرَدُّ بِالْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ وَهِيَ الجُذَامُ، وَالْبَرَصُ، وَالْجُنُونُ وَالرَّتَقُ، بِفَتْحِ التَّاءِ مَصْدَرُ قَوْلِك امْرَأَةٌ رَتْقَاءُ، لَا يُسْتَطَاعُ جِمَاعُهَا، لارْتتاقِ ذَلِكَ المُوْضِعِ، أَيْ لانْسِدَادِهِ لَيْسَ في خَرْق إلَّا المَبَالُ (وَالْقَرْنُ) بِسُكُونِ الرَّاءِ.
قَالَ فِي المَغْرِبِ: وَهُوَ إمَّا غُدَّةٌ غَلِيظَة، أَوْ لَحْمَةٌ مُرْتَفِعَةٌ، أَوْ عَظْمٌ تَمْنَعُ مِنْ سُلُوكِ الذَّكَرِ فِي الْفَرْجِ وَامْرَأَة قَرْنَاءُ بِهَا ذَلِكَ.
قَالَ: لِأَنَّهَا يَعْنِي الْعُيُوبَ الْخَمْسَةَ تَمْنَعُ الاسْتِيفَاءَ حِسًّا أَوْ طَبْعًا، أَمَّا حِسًّا: فَفِي الرَّتَقِ وَالْقَرْنِ، وَأَمَّا طَبْعًا فَفِي الجذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجُنُونِ، لِأَنَّ الطِّبَاعَ السَّلِيمَةَ تَنْفِرُ عَنْ جِمَاعِ هَؤُلَاءِ، وَرُبَّمَا يَسْرِي إلَى الْأَوْلَادِ وَالطَّبع مُؤَيَّدٌ بِالشَّرْعِ. قَالَ ﷺ : "فِرَّ مِنْ المَجْذُومِ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ" (٢).
وبالجملة فأي عيب يمنع استدامة العشرة بين الزوجين أو يوقع ضررًا على أحدهما هو أعظم من الضرر الواقع بسبب الفراق يجيز الفراق.
رابعًا: من محاسن دين الإسلام إباحة الطلاق بالضوابط التي تحفظ لكل ذي حق حقه .
стр. 4656
فقد أحل الله الطلاق أو التسريح ولكن بإحسان قال الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
خامسًا: قد أحسن النبي ﷺ إلى هذه المرأة وأوفى لها حقها:
فقد جاء في روايات هذا الحديث أنه ﷺ : "ولم يأخذ مما آتاها شيئًا" (١).
وفي روايةٍ: "وألحق لها مهرها" (٢).
وفي روايةٍ: "أمر لها بالصداق" (٣).
وفي روايةٍ: "فأكمل لها صداقها" (٤).
* * *
стр. 4657
٢١ - شبهة: النبي ﷺ يخرج عريانًا للصحابة .
نص الشبهة:
قالوا: إن النبي خرج عريانًا ليسلّم على زيد بن حارثة حينما أتاه إلى بيته، فكيف يجوز ذلك؟ .
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: تتبع طرف الحديث، وبيان ضعفها.
الوجه الثاني: معنى الحديث.
الوجه الثالث: إثبات النهي عن التعري أمام الأجانب.
الوجه الرابع: إثبات حياء النبي ﷺ ، وأنه لم يُرَ عريانًا.
الوجه الخامس: ذكر بعض ما عندهم من التعري في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل.
الوجه الأول: تتبع طرق الحديث، وبيان ضعفها .
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ المَدِينَةَ وَرَسُولُ الله ﷺ فِي بَيْتِي فَأَتَاهُ فَقَرَعَ الْبَابَ فَقَامَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ عُرْيَانًا يجرُّ ثَوْبَهُ، وَالله مَا رَأَيْتُهُ عُرْيَانًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ (١).
стр. 4658
الوجه الثاني: معنى الحديث .
معنى (عُرْيَانًا يَجرُّ ثَوْبَهُ): أي ليس عليه سوى الإزار، أيْ: رِدَاءَهُ مِنْ كَمَالِ فَرَحِهِ بِقُدُومهِ وَمَأْتَاهُ، وقد روى الإمام مالك (١)، وغيره: أن رسول الله ﷺ لما دخل عليه عكرمة بن أبي جهل مسلمًا مهاجرًا، قام إليه فرحًا بقدومه.
وعن عائشة ﵁ قالت: ما رأيت أحدًا كان أشبه سمتًا وهديًا، ودَلا برسول الله ﷺ من فاطمة ﵂ كانت إذا دخلت عليه قام إليها، فأخذ بيدها وقبلها، وأجلسها في مجلسه، وكانت إذا دخل عليها قامت إليه، وأخذت بيده، وقبلته، وأجلسته في مجلسها" (٢).
قال الملا على القاري: تُرِيدُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ سَاتِرًا مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ؛ ولَكِنْ سَقَطَ رِدَاءَهُ عَنْ عَاتِقِهِ، فَكَانَ مَا فَوْقَ سُّرَتِهِ عُرْيَانًا؛ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ تَحْلِفُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَلَى أَنَّهَا لَمْ ترَهُ عُرْيَانًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، مَعَ طُولِ الصُّحْبَةِ، وَكَثْرَةِ الاجْتِمَاعِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ؟ قِيلَ لَعَلَّهَا أَرَادَتْ عُرْيَانًا، اسْتَقْبَلَ رَجُلًا وَاعْتَنَقَهُ، فَاخْتَصَرَتْ الْكَلَامَ لِدَلَالَةِ الحالِ، أَوْ عُرْيَانًا مِثْلَ ذَلِكَ الْعُرْيِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي الْأَوَّلَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ هَذَا هُوَ الْوَجْهُ لمِا يُشَمُّ مِنْ سِيَاقِ كَلَامِهَا
الوجه الرابع: إثبات حياء النبي ﷺ ، وأنه لم ير عريانا قط .
عنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: كَانَ النبي ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا (١).
قال الحاقظ: قوله: (أشد حياء من العذراء): أي البكر، وقوله في (خدرها) بكسر المعجمة: أي في سترها. وهو من باب التتميم؛ لأن العذراء في الخلوة يشتد حياؤها أكثر مما تكون خارجة عنه، لكون الخلوة مظنة وقوع الفعل بها، فالظاهر أن المراد تقييده بما إذا دخل عليها في خدرها، لا حيث تكون منفردة فيه، ومحل وجود الحياء منه ﷺ في غير حدود الله، ولهذا قال للذي اعترف بالزنا "أنكتها" لا يكني، وأخرج البزار هذا الحديث من حديث أنس ﵁ وزاد في آخره وكان يقول: "الحياء خير كله"، وأخرج من حديث ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل من وراء الحجرات، وما رأى أحد عورته قط. وإسناده حسن (٢).
وقال ﵀: قوله: الحياء من الإيمان حكى ابن التين، عن أبي عبد الملك أن المراد به كمال الإيمان، وقال أبو عبيد الهروي: معناه: أن المستحى ينقطع بحيائه عن المعاصي، وإن لم يكن له تقية فصار كالإيمان القاطع بينه وبين المعاصي.
قال عياض وغيره: إنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة، لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم، وأما كونه خيرا كله ولا يأتي إلا بخير فأشكل حمله على العموم؛ لأنه قد يصد صاحبه عن مواجهة من يرتكب المنكرات، ويحمله كل الإخلال ببعض الحقوق، والجواب: أن المراد بالحياء في هذه الأحاديث ما يكون شرعيًا، والحياء الذي ينشأ عنه الإخلال بالحقوق ليس حياء شرعيًا، بل هو عجز ومهانة، وإنما يطلق عليه حياء لمشابهته للحياء الشرعي، وهو: خُلُق يبعث على ترك القبيح، قلت: ويحتمل أن يكون أشير إلى أن من كان الحياء من خلقه، أن الخير يكون فيه أغلب، فيضمحل ما لعله يقع منه مما ذكر في جنب ما يحصل له بالحياء من الخير، أو لكونه إذا صار