← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ذِئَابٍ، فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالحيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ. وَلكِنِ احْذَرُوا مِنَ النَّاسِ، لأَنَّهُمْ سيُسْلِمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ، وَفِي مَجَامِعِهِمْ يَجْلِدُونَكُمْ. وَتُسَاقُونَ أَمَامَ وُلَاةٍ وَمُلُوكٍ مِنْ أَجلي شَهَادَةً لَهُمْ وَللأُمَمِ. فَمَتَى أَسْلَمُوكُمْ فَلَا تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَتكلَّمُونَ، لَأَنَّكُمْ تُعْطَوْنَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مَا تَتكلَّمُونَ بِهِ، لأَنْ لَسْتُمْ أنْتُمُ المُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ. وَسَيُسْلِمُ الأخ أَخَاهُ إِلَى الْموْتِ، وَالأَبُ وَلَدَهُ، وَيَقُومُ الأَوْلَادُ عَلَى وَالِدِيهِمْ وَيَقْتُلُونَهُمْ، وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي. وَلكِنِ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى المُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ. وَمَتَى طَرَدُوكُمْ فِي هذِهِ الْمدِينَةِ فَاهْرُبُوا إِلَى الأُخْرَى. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَا تُكَمِّلُونَ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ابْنُ الإِنْسَانِ". ٥ - قال متى كذلك: (١٩/ ١١: ١٨) "لأَنَّهُ جَاءَ يُوحَنَّا لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: فِيهِ شَيْطَانٌ. جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ، مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ. وَالحكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَا". ٦ - متى (١٢: ٨) "فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أيضًا". ٧ - متى (١٢: ٣٢) "وَمَنْ قَال كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَال عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لَا فِي هذَا الْعَالمِ وَلَا فِي الآتِي". ٨ - متى (١٦/ ٢٤: ١٣): "وَلمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى نَوَاحِي قَيْصَرِيَّة فِيلُبُّسَ سَأَلَ تَلَامِيذَهُ قِائِلًا: "مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟ " فَقَالوا: "قَوْمٌ: يُوحَنَّا الْمعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ: إِرْميَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ". قَال لَهُمْ: "وَأنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟ " فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَال: "أنْتَ هُوَ الْمسِيحُ ابْنُ الله الحيِّ! ". فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَال لَهُ: "طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أيضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذ الصخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الجْحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا في السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاوَاتِ". حِينَئِذٍ أَوْصَى تَلَامِيذَهُ أَنْ لَا يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ يَسُوعُ الْمسِيحُ. مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظهِرُ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيتَأَلَّمَ

стр. 492

كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتبَةِ، ويُقْتَلَ، وفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ. فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنتهِرُهُ قَائِلًا: "حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لَا يَكُونُ لَكَ هذَا! " فَالْتَفَتَ وَقَال لِبُطْرُسَ: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ! أنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأَنَّكَ لَا تَهْتَمُّ بِمَا لله لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ". حِينَئِذٍ قَال يَسُوعُ لِتَلَامِيذِهِ: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيتْبَعْنِي". وفي هذا النص أن الذي وصفه بأنه ابن الله هو بطرس مخالفًا بذلك أصحابه ثم وصفه عيسى في آخر النص بأن شيطان وفي نفس السياق والقصة صرح المسيح بأنه ابن الإنسان كما في: ٩ - متى (٢٨/ ١٦: ٢٧) "فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلَائِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يجازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ. ٢٨ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لَا يَذُوقُونَ المُوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ". ١٠ - متى (١٨: ١١) "لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ". ١١ - متى (٢٠: ٢٨) "كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَليَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ". ١٢ - متى (٢٦: ٢) "تَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ يَكُونُ الْفِصْحُ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ لِيُصْلَبَ". ١٣ - متى (٢٦: ٤٥) "ثُمَّ جَاءَ إِلَى تَلَامِيذ وَقَال لهمْ: "نَامُوا الآنَ وَاسْتَرِيحُوا! هُوَذَا السَّاعَةُ قَدِ اقْتَرَبَتْ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْخُطَاةِ". الوجه الرابع: لقد ذكر الكتاب المقدس أبناء كثر لله، فهل هم أيضًا آلهة ؟ ولفظ البنوة الذي أطلق على المسيح أطلق على كثيرين غيره، ولم يقتض ذلك ألوهيتهم، بل حملت بنوتهم على المعنى المجازي، أي المؤمنين والصالحين، منهم: ١ - آدم الذي قيل فيه: "آدم ابن الله" (لوقا ٣/ ٣٨). ٢ - ومثله قوله لداود: "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك" (المزمور ٢/ ٧). ٣ - وسليمان أيضًا قيل أنه ابن الله، فقد جاء في سفر الأيام عنه: "هو يبني لي بيتًا. . . أنا أكون له أبًا، وهو يكون لي ابنًا" (الأيام (١) ١٧/ ١٢ - ١٣). ٤ - كما سمى لوقا الملائكة أبناء الله لشيوع مثل هذه الاستخدام في الصدر الأول

стр. 493

للمسيحية "مثل الملائكة وهم أبناء الله" (لوقا ٢٠/ ٣٦). ٥ - وسمت النصوص أيضًا آخرين أبناء الله، أو ذكرت أن الله أبوهم، ومع ذلك لا يقول النصارى بألوهيتهم. فالحواريون أبناء الله، كما قال المسيح عنهم: "وَقُولِي لهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلِهكُمْ" (يوحنا ٢٠/ ١٧). ٦ - وقال للتلاميذ أيضًا: "فكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (متى ٥/ ٤٨). ٧ - وعلمهم المسيح أن يقولوا: "فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. . ." (متى ٦/ ٩)، وقوله: "أبوكم الذي في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه" (متى ٦/ ١١)، فكان يوحنا يقول: "انظروا آية محبة أعطانا الآب حتى نُدعى أولاد الله" (يوحنا (١) ٣/ ١). ٨ - بل واليهود أيضًا كلهم أبناء الله، كما يوضحه قول المسيح لليهود: "أنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَال أَبِيكُمْ". فَقَالوا لَهُ: "إِنَّنَا لَمْ نُولَدْ مِنْ زِنًا. لَنَا أَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الله" (يوحنا ٨/ ٤١). ٩ - وفي سفر هوشع "لكِنْ يَكُونُ عَدَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَرَمْلِ الْبَحْرِ الَّذِي لَا يُكَال وَلَا يُعَدُّ، وَيَكُونُ عِوَضًا عَنْ أَنْ يُقَال لَهُمْ: لَسْتُمْ شَعْبِي، يُقَال لَهُمْ: أَبْنَاءُ الله الحيِّ" (هوشع ١/ ١٠). ١٠ - ونحوه قال عنهم: "لمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلَامًا أَحْبَبْتُهُ، وَمنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي." (هوشع ١/ ١١). ١١ - ومن ذلك أيضًا ما جاء في سفر الخروج عن جميع شعب "فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ. ٢٣ فَقُلْتُ لَكَ: أَطْلِقِ ابْنِي لِيَعْبُدَنِي، فأبيت" (الخروج ٤/ ٢٢). ١٢ - وخاطبهم داود قائلًا: "قَدِّمُوا لِلرَّبِّ يَا أَبْنَاءَ الله، قَدِّمُوا لِلرَّبِّ مَجْدًا وَعِزًّا" (المزمور ٢٩/ ١).

стр. 494

١٣ - ومثله قوله: "لأَنَّهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ يُعَادِلُ الرَّبَّ. مَنْ يُشْبِهُ الرَّبَّ بَيْنَ أَبْنَاءِ الله؟ " (المزمور ٨٩/ ٦). ١٤ - وفي سفر أيوب: "وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أنَّهُ جَاءَ بَنُو الله لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ" (أيوب ١/ ٦). كما نرى في التوراة هذا الإطلاق على الشرفاء من غير أن يفهم منه النصارى أو غيرهم الألوهية الحقيقية. ١٥ - فقد جاء فيها: "أَنَّ أَبْنَاءَ الله رَأَوْا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ. فَاتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا اخْتَارُوا." (التكوين ٦/ ٢). وعليه فلا يمكن النصارى أن يجعلوا من النصوص المتحدثة عن بنوة المسيح لله أدلة على ألوهيته ثم يمنعوا إطلاق حقيقة ذات اللفظ على غيره ممن وصف بذلك وتخصيصهم المسيح بالمعنى الحقيقي يحتاج إلى مرجح لا يملكونه ولا يقدرون عليه. الوجه الخامس: بكورية المسيح بين الأبناء: لكن النصارى يرون تميزًا مستحقًا للمسيح في بنوته عن سائر الأبناء، فهم لا ينازعون في صحة الإطلاق المجازي عندما ترد لفظ البنوة بحق سائر المخلوقات. لكن النزاع إنما يكمن في تلك الأوصاف التي أطلقت على المسيح ويثبتها النصارى على الحقيقة محتجين بأمور: ١ - منها: أنه قد جاء وصف المسيح بأنه الابن البكر أو الوحيد لله. (انظر عبرانيين ١/ ٦، يوحنا ٣/ ١٨). ٢ - أو أنه سمى ابن الله العلي (انظر لوقا ١/ ٣٢، ٧٦). ٣ - أو أنه ابن ليس مولودا من هذا العالم كسائر الأبناء، بل هو مولود من السماء، أو من فوق. (انظر يوحنا ١/ ١٨). ولكن ذلك كله تثبت النصوص أمثاله لأبناء آخرين: ١ - فالبكورية وصف بها إسرائيل "فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ابْنِي

стр. 495

الْبِكْرُ. ٢٣ فَقُلْتُ لَكَ: أَطْلِقِ ابْنِي لِيَعْبُدَنِي، فَأَبَيْتَ أَنْ تُطْلِقَهُ. هَا أَنَا أَقْتُلُ ابْنَكَ الْبِكْرَ (الخروج ٤/ ٢٣ - ٢٢). ٢ - وكذا إفرايم "لأَنِّي صِرْتُ لإِسْرَائِيلَ أَبَا، وَأَفْرَايِمُ هُوَ بِكْرِي" (إرميا ٣١/ ٩). وكذا داود "هُوَ يَدْعُونِي: أَبِي أَنْتَ، إِلهِي وَصَخْرَةُ خَلَاصِي. ٢٧ أَنَا أيضًا أَجْعَلُهُ بِكْرًا، أَعْلَى مِنْ مُلُوكِ الأَرْضِ." (المزمور ٨٩/ ٢٦ - ٢٧). ٣ - ولئن قيل في المسيح أنه ابن الله العلي، فكذلك سائر بني إسرائيل "وبنو العلي كلكم" (المزمور ٨٢/ ٦). الوجه السادس: الابن النازل من السماء: وتعلق مؤلهوا المسيح بما ذكرته الأناجيل عن المسيح الذي أتى من فوق أو من السماء، و"الَّذِي يَأْتِي مِنَ السَّمَاءِ هُوَ فَوْقَ الجمِيعِ" (يوحنا ٣/ ٣١)، وهم يرون صورة ألوهيته مشرقة في قوله: "أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ، أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ. أَنْتُمْ مِنْ هذَا الْعَالمِ، أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هذَا الْعَالمِ." (يوحنا ٨/ ١٢٣، فدل ذلك -وفق رأي النصارى- على أنه كائن إلهي فريد، وهو ابن لا كسائر الأبناء. والجواب على هذا من وجوه: ١ - أن المقصود من المجيء السماوي، هو إتيان المواهب والشريعة لا إتيان الذات، وهو أمر يستوي به مع سائر الأنبياء، ومنهم يوحنا المعمدان فقد سأل المسيح اليهود: "مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: مِنْ أَيْنَ كَانَتْ؟ مِنَ السَّمَاءِ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟ " فَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ قَائِلِينَ: "إِنْ قُلْنَا: مِنَ السَّمَاءِ، يَقُولُ لَنَا: فَلِمَاذَا لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ؟ ٢٦ وَإِنْ قُلْنَا: مِنَ النَّاسِ، نَخَافُ مِنَ الشَّعْبِ. (متى ٢١/ ٢٥ - ٢٦). ٢ - ومن قرأ النص كاملًا؛ تبين له ذلك، حيث جاء النص هكذا: "ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أيضًا قَائِلًا: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلَا يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الحيَاةِ". ١٣ فَقَال لَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: "أَنْتَ تَشْهَدُ لِنَفْسِكَ. شَهَادَتُكَ لَيْسَتْ حَقًّا". ١٤ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَال لهمْ: "وَإِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَق، لأَنِّي أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ أَتَيْتُ وَإِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ. وَأَمَّا أنتُمْ فَلَا تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ آتِي وَلَا إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ. ١٥ أَنْتُمْ حَسَبَ الجسَدِ تَدِينُونَ، أَمَّا أَنَا

стр. 496

فَلَسْتُ أَدِينُ أَحَدًا. ١٦ وَإِنْ كُنْتُ أَلا أَدِينُ فَدَيْنُونَتِي حَق، لأَنِّي لَسْتُ وَحْدِي، بَلْ أَلا وَلآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي. ١٧ وَأيضًا فِي نَامُوسِكُمْ مَكْتُوب أَنَّ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ حَق: ١٨ أَنَا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي، وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي". ١٩ فَقَالوا لَهُ: "أَيْنَ هُوَ أَبُوكَ؟ " أَجَابَ يَسُوعُ: "لَسْتُمْ تَعْرِفُونَنِي أَنَا وَلَا أَبِي. لَوْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أيضًا". هذَا الْكَلَامُ قَالهُ يَسُوعُ فِي الخزَانَةِ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ. وَلَمْ يُمْسِكْهُ أَحَدٌ، لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ. قَال لَهُمْ يَسُوعُ أيضًا: "أَنَا أَمْضِي وَسَتَطْلُبُونَنِي، وَتَمُوتُونَ فِي خَطِيَّتِكُمْ. حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لَا تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا" ٢٢ فَقَال الْيَهُودُ: "أَلعَلَّهُ يَقْتُلُ نَفْسَهُ حَتَّى يَقُولُ: حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لَا تَقْدِرُونَ أنتُمْ أَنْ تَأْتُوا". ٢٣ فَقَال لهمْ: "أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ، أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ. أنْتُمْ مِنْ هذَا الْعَالمِ، أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هذَا الْعَالمِ. ٢٤ فَقُلْتُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ، لأَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ".٢٥ فَقَالوا لَهُ: "مَنْ أَنْتَ؟ " فَقَال لهمْ يَسُوعُ: "أَنَا مِنَ الْبَدْءِ مَا أُكَلِّمُكُمْ أيضًا بِهِ. ٢٦ إِنَّ لِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةً أَتَكَلَّمُ وَأَحْكُمُ بِهَا مِنْ نَحْوِكُمْ، لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَق. وَأَنَا مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ، فَهذَا أَقُوُلهُ لِلْعَالمِ". ٢٧ وَلَمْ يَفْهَمُوا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُمْ عَنِ الآبِ. ٢٨ فَقَال لَهْمْ يَسُوعُ: "مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ، وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي، بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي. ٢٩ وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي، لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ". وَبَيْنَمَا هُوَ يَتكَلَّمُ بِهذَا آَمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ. ٣١ فَقَال يَسُوعُ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ: "إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلَامِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُوُنونَ تَلَامِيذِي، ٣٢ وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يحرِّرُكُمْ". ٣٣ أَجَابُوهُ: "إِنَّنَا ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ نُسْتَعْبَدْ لأَحَدٍ قَطُّ! كَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: إِنَّكُمْ تَصِيرُونَ أَحْرَارًا؟ " ٣٤ أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ. ٣٥ وَالْعَبْدُ لَا يَبْقَى فِي الْبَيْتِ إِلَى الأَبَدِ، أَمَّا الابْنُ فَيَبْقَى إِلَى الأَبَدِ. ٣٦ فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالحْقِيقَةِ تَكُوُنونَ أَحْرَارًا. ٣٧ أَنَا عَالِمٌ أنَّكُمْ ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ. لكِنَّكُمْ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي لأَنَّ كَلَامِي لَا مَوْضِعَ لَهُ فِيكُمْ. ٣٨ أَنَا أَتَكَلَّمُ بِمَا رَأَيْتُ عِنْدَ أَبِي، وَأنتُمْ تَعْمَلُونَ مَا رَأَيْتُمْ عِنْدَ أَبِيكُمْ". ٣٩ أَجَابُوا وَقَالوا لَهُ: "أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ". قَال لَهُمْ يَسُوعُ: "لَوْ

стр. 497

كُنْتُمْ أَوْلَادَ إِبْرَاهِيمَ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَال إِبْرَاهِيمَ! ٤٠ وَلكِنَكمُ الآنَ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي، وَأَنَا إِنْسَان قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ الله. هذَا لَمْ يَعْمَلْهُ إِبْرَاهِيمُ. ٤١ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَال أَبِيكُمْ". فَقَالوا لَهُ: "إِنَّنَا لَمْ نُولَدْ مِنْ زِنًا. لَنَا أَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الله". فَقَال لهمْ يَسُوعُ: "لَوْ كَانَ الله أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي، لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ الله وَأَتَيْتُ. لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي، بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي. ٤٣ لِمَاذَا لَا تَفْهَمُونَ كَلَامِي؟ لأَنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَسْمَعُوا قَوْلِي. ٤٤ أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَق. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتكلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ. ٤٥ وَأَمَّا أَنَا فَلأَنِّي أَقُولُ الْحَقَّ لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي. ٤٦ مَنْ مِنْكُمْ يُبَكَتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي؟ ٤٧ الَّذِي مِنَ الله يَسْمَعُ كَلَامَ الله. لِذلِكَ أنتُمْ لَسْتُمْ تَسْمَعُونَ، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الله". فَأَجَاب الْيَهُودُ وَقَالوا لَهُ: "أَلسْنَا نَقُولُ حَسَنًا: إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ؟ " ٤٩ أَجَابَ يَسُوعُ: "أَنَا لَيْسَ بِي شَيْطَانٌ، لكِنِّي أُكْرِمُ أَبِي وَأَنْتُمْ تُهِينُونَنِي. ٥٠ أَنَا لَسْتُ أَطْلُبُ مَجْدِي. يُوجَدُ مَنْ يَطْلُبُ وَيَدِينُ. ٥١ الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كَلَامِي فَلَنْ يَرَى الْموْتَ إِلَى الأَبَدِ". ٥٢ فَقَال لَهُ الْيَهُودُ: الآنَ عَلِمْنَا أَنَّ بِكَ شَيْطَانًا. قَدْ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ وَالأَنْبِيَاءُ، وَأَنْتَ تَقُولُ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كَلَامِي فَلَنْ يَذُوقَ الْموْتَ إِلَى الأَبَدِ. ٥٣ أَلعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي مَاتَ؟ وَالأَنْبِيَاءُ مَاتُوا. مَنْ تَجْعَلُ نَفْسَكَ؟ " ٥٤ أَجَابَ يَسُوعُ: "إِنْ كُنْتُ أُمَجِّدُ نَفْسِي فَلَيْسَ مَجْدِي شَيْئًا. أَبِي هُوَ الَّذِي يُمَجِّدُنِي، الَّذِي تَقُوُلونَ أنْتُمْ إِنَّهُ إِلهُكُمْ، ٥٥ وَلَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. وَأَمَّا أَنَا فَأَعْرِفُهُ. وَإِنْ قُلْتُ إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُهُ أَكُونُ مِثْلَكُمْ كَاذِبًا، لكِنِّي أَعْرِفُهُ وَأَحْفَظُ قَوْلَهُ. ٥٦ أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تهَلَّل بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ". ٥٧ فَقَال لَهُ الْيَهُودُ: "لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ، أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟ " ٥٨ قَال لهمْ يَسُوعُ: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ". ٥٩ فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَلِ مُجْتَازًا فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى هكَذَا" (يوحنا ٨/ ٥٩: ١٢). "وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَانًا أَعْمَى مُنْذُ وِلَادَتِهِ، ٢ فَسَأَلهُ تَلَامِيذُهُ قَائِلِينَ: "يَا مُعَلِّمُ، مَنْ

стр. 498

أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلدَ أَعْمَى؟ ". ٣ أَجَابَ يَسُوعُ: "لَا هذَا أَخْطَأَ وَلَا أَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَال الله فِيهِ. ٤ يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَال الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ. يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ. ٥ مَا دُمْتُ فِي الْعَالمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالمِ". قَال هذَا وَتَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِينًا وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى. ٧ وَقَال لَهُ: "اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ" الَّذِي تَفْسِيرُهُ: مُرْسَلٌ، فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيرًا. فَالجيرَانُ وَالَّذِينَ كَانُوا يَرَوْنَهُ قَبْلًا أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى، قَالوا: "أَليْسَ هذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ وَيَسْتَعْطِي؟ " ٩ آخَرُونَ قَالوا: "هذَا هُوَ". وَآخَرُونَ: "إِنَّهُ يُشْبِهُهُ". وَأَمَّا هُوَ فَقَال: "إِنِّي أَنَا هُوَ". ١٠ فَقَالوا لَهُ: "كَيْفَ انْفَتَحَتْ عَيْنَاكَ؟ " ١١ أَجَابَ ذَاكَ وقَال: "إِنْسَانٌ يُقَال لَهُ يَسُوعُ صَنَعَ طِينًا وَطَلَى عَيْنَيَّ، وَقَال لِي: اذْهَبْ إِلَى بِرْكَةِ سِلْوَامَ وَاغْتَسِلْ. فَمَضَيْتُ وَاغْتَسَلْتُ فَأَبْصَرْتُ". ١٢ فَقَالوا لَهُ: "أَيْنَ ذَاكَ؟ " قَال: "لَا أَعْلَمُ". فَأَتَوْا إِلَى الْفَرِّيسِيِّينَ بِالَّذِي كَانَ قَبْلَا أَعْمَى.١٤ وَكَانَ سَبْتٌ حِينَ صَنَعَ يَسُوعُ الطِّينَ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ. ١٥ فَسَأَلهُ الْفَرِّيسِيُّونَ أيضًا كَيْفَ أَبْصَرَ، فَقَال لَهُمْ: "وَضَعَ طِينًا عَلَى عَيْنَيَّ وَاغْتَسَلْتُ، فَأَنَا أُبْصِرُ". ١٦ فَقَال قَوْمٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ: "هذَا الإِنْسَانُ لَيْسَ مِنَ الله، لأَنَّهُ لَا يَحْفَظُ السَّبْتَ". آخَرُونَ قَالوا: "كَيْفَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ خَاطِئ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هذ الآيَاتِ؟ " وَكَانَ بَيْنَهُمُ انْشِقَاقٌ. ١٧ قَالوا أيضًا لِلأَعْمَى: "مَاذَا تَقُولُ أنْتَ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ فتحَ عَيْنَيْكَ؟ " فَقَال: "إِنَّهُ نَبِيٌّ! ". ١٨ فَلَمْ يُصَدِّقِ الْيَهُودُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى فَأَبْصَرَ حَتَى دَعَوْا أَبَوَيِ الَّذِي أَبْصَرَ. ١٩ فَسَألوهُمَا قَائِلِينَ: "أَهذَا ابْنُكُمَا الَّذِي تَقُولَانِ إِنَّهُ وُلدَ أَعْمَى؟ فَكَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ؟ " ٢٠ أَجَابَهُمْ أَبَوَاهُ وَقَالا: "نَعْلَمُ أَنَّ هذَا ابْنُنَا، وَأَنَّهُ وُلدَ أَعْمَى. ٢١ وَأَمَّا كَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ فَلَا نَعْلَمُ. أَوْ مَنْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَلَا نَعْلَمُ. هُوَ كَامِلُ السِّنِّ. اسْأَلُوهُ فَهُوَ يَتكَلَّمُ عَنْ نَفْسِهِ". ٢٢ قَال أبَوَاهُ هذَا لأَنَّهُمَا كَانَا يَخَافَانِ مِنَ الْيَهُودِ، لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا قَدْ تَعَاهَدُوا أَنَّهُ إِنِ اعْتَرَفَ أَحَدٌ بِأنَّهُ الْمسِيحُ يُخْرَجُ مِنَ الْمجْمَعِ. ٢٣ لِذلِكَ قَال أَبَوَاهُ: "إِنَّهُ كَامِلُ السِّنِّ، اسْأَلُوهُ". فَدَعَوْا ثَانِيَةً الإِنْسَانَ الَّذِي كَانَ أَعْمَى، وَقَالوا لَ: "أَعْطِ مَجْدًا لله. نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هذَا الإِنْسَانَ خَاطِئٌ". ٢٥ فَأَجَابَ ذَاكَ وَقَال: "أَخَاطِئٌ هُوَ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. إِنَّمَا أَعْلَمُ شَيْئًا

стр. 499

وَاحِدًا: أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ أُبْصِرُ". ٣٦ فَقَالوا لَهُ أيضًا: "مَاذَا صَنَعَ بِكَ؟ كَيْفَ فَتَحَ عَيْنَيْكَ؟ " ٢٧ أَجَابَهُمْ: "قَدْ قُلْتُ لَكُمْ وَلَمْ تَسْمَعُوا. لمَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تَسْمَعُوا أيضًا؟ أَلعَلَّكُمْ أَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَصِيرُوا لَهُ تَلَامِيذَ؟ " ٣٨ فَشَتَمُوهُ وَقَالوا: "أَنْتَ تِلْمِيذُ ذَاكَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّنَا تَلَامِيذُ مُوسَى. ٢٩ نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مُوسَى كَلَّمَهُ الله، وَأَمَّا هذَا فَمَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ" ٣٠ أَجَابَ الرَّجُلُ وَقَال لَهُمْ: "إِنَّ فِي هذَا عَجَبًا! إِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ هُوَ، وَقَدْ فَتَحَ عَيْنَيَّ. ٣١ وَنَعْلَمُ أَنَّ الله لَا يَسْمَعُ لِلْخُطَاةِ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَّقِي الله وَيَفْعَلُ مَشِيئَتَهُ، فَلِهذَا يَسْمَعُ. ٣٢ مُنْذُ الدَّهْرِ لَمْ يُسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا فَتَحَ عَيْنَيْ مَوْلُودٍ أَعْمَى. ٣٣ لَوْ لَمْ يَكُنْ هذَا مِنَ الله لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا" (يوحنا ٩/ ٣٣: ١). النص وهو عبارة عن مناظره بين المسيح وبين اليهود، وهو يدعوهم إلى الإيمان به، وفيه أكثر من موضع صريح وواضح في كونه إنسان وبشر، وليس إله ومن ذلك ما يلي: ١ - قوله في ٨ - ١٦: "، بَلْ أَنَا وَالآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي" فهذا صريح في كونه مرسل وأنه غير الآب (الإله) ٢ - قوله: "وَأيضًا فِي نَامُوسِكُمْ مَكْتُوبٌ أَنَّ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ حَق: ١٨ أَنَا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي، وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي". ففي هذا أنهم طلبوا منه شهادة، فقال لهم إن في ناموسكم: إن شهادة رجلين حق، فجعل نفسه شاهدًا، والآب الذي أرسله شاهدا آخر، وهذا صريح في أن مرسل أو أنه غير الآب. ٣ - قوله في (٨ - ٢٦): "لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَق. وَأَنَا مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ، فَهذَا أَقُولُهُ لِلْعَالمِ" فهذا أيضًا صريح في كونه مرسل ولايقول لهم إلا ما سمعه. ٤ - قوله في (٨: ٢٨): "فَقَال لَهُمْ يَسُوعُ: "مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ، وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئا مِنْ نَفْسِي، بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي.". وهذا صريح في أنه ابن الإنسان، وأنه مرسل، ولا يتكلم بشي من عند نفسه. ٥ - قوله في (٨: ٤٥): "وَلكِنَكُمُ الآنَ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي، وَأَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ

стр. 500

بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ الله". وهذا واضح وصريح في قوله وأنا إنسان! ٦ - قوله (٨: ٥٤): "أَجَابَ يَسُوعُ: "إِنْ كُنْتُ أُمَجِّدُ نَفْسِي فَلَيْسَ مَجْدِي شَيْئا. أَبِي هُوَ الَّذِي يُمَجِّدُنِي، الَّذِي تَقُولُونَ أَنْتُمْ إِنَّهُ إِلهُكُمْ". فلو كان إلها فلم لا يمجد نفسه؟ ٧ - قوله (٨: ٥٩): "فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَلِ مُجْتازًا فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى هكَذَا". فلو كان إلهًا لماذا هرب منهم واختفى؟ ٨ - ولما طلى عين الأعمى بالطين وأمره بالاغتسال، ففعل وانفتحت عيناه وسأله اليهود عن عيسى فقال كما جاء في إنجيل يوحنا (٩: ١٧) "قالوا أيضًا للأعمى ماذا تقول أنت عنه من حيث أنه فتح عينيك فقال أنه نبي". فها هو الأعمى قد صرح بأنه نبي، كل هذا في سياق هذه المناظرة التي اجتزؤا منها قوله؛ إنه ليس من هذا العالم لأنه من فوق، وليس فيها تصريح بأنه إله، وفي هذه النصوص التصريح بأنه نبي إنسان مرسل. ٣ - وأما النازلون على الحقيقة من السماء فهم كثر، ولا تعتبر النصارى أيا منهم آلهة، منهم الملائكة، "لأن ملاك الرب نزل من السماء" (متى ٢٨/ ٢). وكذا صعد أخنوخ إلى السماء "وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ الله، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ الله أَخَذَهُ." (التكوين ٥/ ٢٤)، ومن المعلوم أن "وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ." (يوحنا ٣/ ١٣)، فأخنوخ مثله، ولا يقولون بألوهيته. وكذا إيليا صعد إلى السماء" فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ." (الملوك (٢) ٢/ ١١). كما تذكر الأناجيل أن التلاميذ، هم أيضًا مولودون من فوق أو من الله، أي هم مؤمنون به، ففي يوحنا: "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلَادَ الله، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ" (يوحنا ١/ ١٢). فالمقصود بالولاد، الولاد الروحي، بحيث يتغير قلب الإنسان الخاطئ تغيرًا عظيمًا كاملًا مستمرًا، كأنه ولد ثانية، ويحدث ذلك عند توبته وإيمانه. والمؤمنون بالمسيح ﵇ مولودون من فوق بما أعطاهم الله من الإيمان، فهم كسائر المؤمنين كما قال

стр. 501

المسيح: "الحْقَّ الْحْقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ الله" (يوحنا ٣/ ٣). قال: "كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح، فقد ولد من الله" (يوحنا (١) ٥/ ١). وقال: "كل من يصنع البر مولود منه" (يوحنا (١) ٢/ ٢٩). وقول المسيح ﵇: "أما أنا فلست من هذا العالم" ليس دليلًا على الألوهية بحال، فمراده اختلافه عن سائر البشر باستعلائه على العالم المادي، بل هو من فوق ذلك الحطام الذي يلهث وراءه سائر الناس. وقد قال مثل هذا القول في حق تلاميذه أيضًا بعد أن لمس فيهم حب الآخرة والإعراض عن الدنيا، فقال: "لَوْ كُنْتُمْ مِنَ الْعَالمِ كَانَ الْعَالمُ يُحِبُّ خَاصَّتَهُ. وَلَكِنْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْعَالمِ، بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ مِنَ الْعَالمِ، لِذلِكَ يُبْغِضُكُمُ الْعَالمُ." (يوحنا ١٥/ ١٩). وفي موضع آخر قال عنهم: "أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ كَلَامَكَ، وَالْعَالمُ أَبْغَضَهُمْ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ الْعَالمِ، مِنَ كَمَا أَنِّي أَنا لَسْتُ مِنَ الْعَالمِ" (١٧/ ١٤ - ١٥)، فقال في حق تلاميذه ما قاله في حق نفسه من كونهم جميعًا ليسوا من هذا العالم، فلو كان هذا على ظاهره، وكان مستلزمًا الألوهية، للزم أن يكون التلاميذ كلهم آلهة، لكن تعبيره في ذلك كله نوع من المجاز، كما يقال: فلان ليس من هذا العالم، يعني: هو لا يعيش للدنيا ولا يهتم بها، بل همه دوما رضا الله والدار الآخرة. ثالثا: نصوص الحلول الإلهي في المسيح: ويرى النصارى أن بعض النصوص المقدسة تفيد حلولًا إلهيًا في عيسى ﵇، منها قوله: "لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يوحنا ١٠/ ٣٨)، وفي موضع آخر "الذي رآني فقد رأى الآب ... الآب الحال في" (يوحنا ١٤/ ٩ - ١٠)، ويبقى أقوى أدلة النصارى على ألوهية المسيح قوله: "أنا والآب واحد" (يوحنا ١٠/ ٣٠). فهذه النصوص أفادت - حسب قول النصارى - أن المسيح هو الله، أو أن حلولًا إلهيًا حقيقيًّا لله فيه. والجواب من وجوه: ١ - الله تعالى يحل فيمن آمن بيسوع ولهذا فحلول الله على مخلوقاته كما في

стр. 502

كتابهم المقدس لا بد أن يكون مجازيًا: وقد تتبع المحققون هذه النصوص، فأبطلوا استدلال النصارى بها، وبينوا سوء فهمهم لها. فأما ما جاء من ألفاظ دلت على أن المسيح قد حل فيه الله - على ما فهمه النصارى - فإن فهمهم لها مغلوط؛ ذلك أن المراد بالحلول حلول مجازي كما جاء في حق غيره بلا خلاف، ونقول مثله في مسألة الحلول في المسيح. فالله - حسب الكتاب المقدس - يحل في كثيرين، أي حلول المواهب الإلهية، لا حلول ذاته العلية التي تتنزه عن الحلول في المخلوقات المحدودة، فقد جاء في رسالة يوحنا" مَنِ اعْتَرَفَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ، فَاللهُ يَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِي الله. ١٦ وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا وَصَدَّقْنَا المْحَبَّةَ الَّتِي لله فِينَا. اللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي المحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي الله وَاللهُ فِيهِ." (يوحنا ٤/ ١٥ - ١٦)، فحلولَ الله في الذين اعترفوا بالمسيح ليس بحلول ذوات، وإلا كانوا جميعًا آلهة. ومثله؛ فإن الله يحل مجازًا في كل من يحفظ الوصايا ولا يعني ذلك ألوهيتهم، ففي رسالة يوحنا: "ومن يحفظ وصاياه يثبت فيه، وهو فيه، وبهذا نعرف أنه يثبت فينا من الروح الذي أعطانا" (يوحنا (١) ٣/ ٢٤)، فليس المقصود تقمص الذات الإلهية لهؤلاء الصالحين، بل حلول هداية الله وتأييده عليهم. وكذا الذين يحبون بعضهم لله؛ فإن الله يحل فيهم برحمته، لا بذاته "إن أحب بعضنا بعضًا فالله يثبت فينا، ومحبته قد تكملت فينا، بهذا نعرف أننا نثبت فيه، وهو فينا" (يوحنا (١) ٤/ ١٢ - ١٣). وكما في قوله عن التلاميذ: "أنا فيهم، وأنت في" (يوحنا ١٧/ ٢٢). ومثله يقول بولس عن المؤمنين: "فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ الله الحْيِّ، كَمَا قَال الله: "إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا." (كورنثوس (٢) ٦/ ١٦)، ويقول: "وأما أنتم فجسد المسيح" (كورنثوس (١) ١٢/ ٢٧)، فالحلول في كل ذلك مجازي. فقد أفادت هذه النصوص - بحسب زعمهم - حلولًا إلهيًا في كل المؤمنين، وهذا الحلول هو حلول

стр. 503

مجازي بلا خلاف، أي حلول هدايته ومواهبه وتوفيقه، ومثله الحلول في المسيح، ومن زعم الفرق وجب عليه إحضار الدليل. ٢ - كما تذكر التوراة حلول الله - وحاشاه - في بعض مخلوقاته على الحقيقة . ولا تقول النصارى بألوهية هذه الأشياء، ومن ذلك ما جاء في سفر الخروج "المكان الذي صنعته يا رب لسكنك" (الخروج ١٥/ ١٧)، فقد حل وسكن في جبل الهيكل، ولا يعبد أحد ذلك الجبل. وفي المزامير: "لِمَاذَا أَيَّتُهَا الْجَبَال المْسَنَّمَةُ تَرْصُدْنَ الجْبَلَ الَّذِي اشْتَهَاهُ الله لِسَكَنِهِ؟ بَلِ الرَّبُّ يَسْكُنُ فِيهِ إِلَى الأَبَدِ." (المزمور ٦٨/ ١٦). ٣ - ولعل من أهم نصوص الحلول المزعوم قول المسيح: "انا والآب واحد" (يوحنا ١٠/ ٣٠)، وقوله: "من رآني فقد رأى الآب" (يوحنا ١٤/ ٩). ١ - قول المسيح: "أنا والآب واحد ". القول المنسوب إلى المسيح: "أنا والآب واحد" أهم ما يتعلق فيه أولئك الذين يقولون بألوهية المسيح، وقد فهموا منه وحدة حقيقية جهر بها المسيح أمام اليهود، وفهموا منه أنه يعني الألوهية لذاته. ولفهم النص، نعود فنقرأ السياق من أوله، فنرى بأن المسيح ﵇ كان يتمشى في رواق سليمان في عيد التجديد "فَاحْتَاطَ بِهِ الْيَهُودُ وَقَالوا لَهُ: "إِلَى مَتَى تُعَلِّقُ أَنْفُسَنَا؟ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ المُسِيحَ فَقُلْ لَنَا جَهْرًا". ٢٥ أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: "إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ. الأَعْمَال الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا بِاسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي. ٢٦ وَلكِنَّكُمْ لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنْ خِرَافِي، كَمَا قُلْتُ لَكُمْ. ٢٧ خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. ٢٨ وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلَا يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. ٢٩ أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي. ٣٠ أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يوحنا ١٠/ ٢٤ - ٣٠). فالنص من أوله يتحدث عن قضية معنوية مجازية (١) فخراف المسيح أي تلاميذه

стр. 504

يتبعونه، فيعطيهم الحياة الأبدية، أي الجنة، ولن يستطيع أحد أن يخطفها منه (أي يبعدها عن طريقه وهدايته) لأنها هبة الله التي أعطاه إياها، ولا يستطيع أحد أن يسلبها من الله الذي هو أعظم من الكل، فالله والمسيح يريدان لها الخير، فالوحدة وحدة الهدف لا الجوهر. لكن اليهيود في رواق سليمان، كان فهمهم لكلام المسيح سقيما - أشبه ما يكون بفهم النصارى له - لذا "تناول اليهود أيضًا حجارة ليرجموه .. لسنا نرجمك لأجل عمل حسن، بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا". فعرف المسيح ﵇ خطأ فهمهم لكلامه، واستغرب منهم، كيف فهموا هذا الفهم وهم يهود يعرفون لغة الكتب المقدسة في التعبير المجازي فأجابهم: "أليس مكتوبا في ناموسكم: أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟ " ومقصود ما جاء في مزامير داود: أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعِليِّ كُلُّكُمْ." (المزمور ٨٢/ ٦). أي: فكيف تستغربون بعد ذلك مثل هذه الاستعارات، وهي معهودة في كتابكم الذي جعل بني إسرائيل آلهة بالمعنى المجازي للكلمة؟ ! فالمسيح أولى بهذه الألوهية المجازية من سائر بني إسرائيل "فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ الله؟ ٣٧ إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَال أَبِي فَلَا تُؤْمِنُوا بِي. (يوحنا ١٠/ ٣٧: ٣٦). والنص في نسخة الرهبانية اليسوعية أكثر وضوحا، وفيه: "أجابهم يسوع: ألم يكتب في شريعتكم: قلت: إنكم آلهة؟ فإذا كانت الشريعة تدعو آلهة من ألقيت إليهم كلمة الله .. فكيف تقولون للذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم: أنت تجدف، لأني قلت: إني ابن الله". يقول الأب متى المسكين تعليقًا على هذه الفقرة: "المسيح يستشهد بالمزمور الثاني والثمانين: (الله قائم في مجمع الله، في وسط الآلهة يقضي .. أنا قلت إنكم آلهة، وبنو العلي كلكم)، فالوحي الإلهي هنا يعطي صفة الآلهة للمجمع الذي يجتمع على الحكم على أساس الحكم

стр. 505

بكلمة الله .. يأتي ردا على ادعائهم أن كون المسيح إلها يعتبر تجديفا، في حين أن كل الذين صارت إليهم كلمة الله يدعون في الناموس آلهة" (١). وهكذا وبهذا الشاهد من المزامير صحح المسيح ﵇ لليهود ثم للنصارى الفهم السيئ والحرفي لوحدته مع الآب. وهذا الأسلوب في التعبير عن وحدة الهدف والمشيئة معهود في النصوص خاصة في إنجيل يوحنا. ١ - فهو يقول عن التلاميذ على لسان المسيح: "لِيَكُون الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أيضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي. ٢٢ وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ المَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، وَلِيَعْلَمَ الْعَالمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي، وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي." (يوحنا ١٧/ ٢٠ - ٢٣)، فالحلول في المسيح والتلاميذ حلول معنوي فحسب، وإلا لزم تأليه التلاميذ، فكما المسيح والآب واحد، فإن التلاميذ والمسيح والآب أيضًا واحد، أي وحدة الهدف والطريق، لا وحدة الذوات، فإن أحدا لا يقول باتحاد التلاميذ ببعضهم أو باتحاد المسيح فيهم بذاته. ٢ - وفي موضع آخر ذكر نفس المعنى فقال عن التلاميذ: "أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ، احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ." (يوحنا ١٧/ ١١)، أي كما وحدتنا هي وحدة هدف لتكن وحدتهم بنا كذلك. ٣ - ومثله قوله: "تَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا فِي أَبِي، وَأَنْتُمْ فِيَّ، وَأَنَا فِيكُمْ." (يوحنا ١٤/ ٢٠). ٤ - ومثله يقول بولس: "فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ الله الْحَيِّ، كَمَا قَال الله: "إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا. ١٧ لِذلِكَ اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا، يَقُولُ الرَّبُّ. وَلَا تَمَسُّوا نَجِسًا فَأَقْبَلَكُمْ، " (كورنثوس (٢) ٦/ ١٦ - ١٧). ٥ - ومثله قوله: "إِلهٌ وَآدبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ."

стр. 506

(أفسس ٤/ ٦). ٦ - ومثله قول المسيح ﵇ لتلاميذه: أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ." (يوحنا ١٥/ ٥)، أي من يحبني ويطيعني ويؤمن بي فهذا يأتي بثمر كثير. ٧ - والمعنى الصحيح لقوله: "لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب في، وأنا فيه" (يوحنا ١٠/ ٣٨) أي أن الله يكون في المسيح، أي بمحبته وقداسته وإرشاده وتسديده، لا بذاته المقدسة التي لا تحل في الهياكل "العلي لا يسكن في هياكل مصنوعات الأيادي" (أعمال ٧/ ٤٨). ٨ - وقد تكرر هذا الأسلوب في التعبير عن وحدة الهدف والمشيئة في نصوص كثيرة، منها قول بولس: "أَنَا غَرَسْتُ وَأَبُلُّوسُ سَقَى، لكِنَّ الله كَانَ يُنْمِي. ٧ إِذًا لَيْسَ الْغَارِسُ شَيْئًا وَلَا السَّاقِي، بَلِ الله الَّذِي يُنْمِي. ٨ وَالْغَارِسُ وَالسَّاقِي هُمَا وَاحِدٌ، وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ. ٩ فَإِنَّنَا نَحْنُ عَامِلَانِ مَعَ الله، وَأَنْتُمْ فَلَاحَةُ الله، بِنَاءُ الله." (كورنثوس (١) ٣/ ٩ - ٦)، فوحدة بولس مع أبلوس وحدة الهدف المشترك، لا الجوهر والذات. ٩ - ومثله جاء في التوراة في وصف الزوجين "يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا" (التكوين ٢/ ٢٤) أي الجسد الواحد، لا أن ذاتهما قد أضحت واحدة، وعليه لا يصح الفهم الظاهري السطحي لقوله: "وَقَال: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا." (متى ١٩/ ٥)، ومثله سواء بسواء قول المسيح: "أنا والآب واحد". ١٠ - ومثله أيضًا قول لابان ليعقوب ابن أخته "فَقَال لَهُ لَابَانُ: "إِنَّمَا أَنْتَ عَظْمِي وَلَحْمِي". فَأَقَامَ عِنْدَهُ شَهْرًا مِنَ الزَّمَانِ." (التكوين ٢٩/ ١٤). ١١ - ومثله الرمز لوحدة الهدف والغاية بين التلاميذ باستعارة لفظ يدل ظاهره على وحدة الجسد، وليس مقصودًا، وذلك في قوله: "هكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي المُسِيحِ، وَأَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ." (رومية ١٢/ ٥)، ونحوه في قوله: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ

стр. 507

أَجْسَادَكُمْ هِيَ أَعْضَاءُ المُسِيحِ؟ " (كورنثوس (١) ٦/ ١٥)، (وانظر صموئيل (٢) ١٩/ ١٢، كورنثوس (١) ١٢/ ٢٧)، (أفسس ٢/ ١٤). وغير ذلك من أمثلة وحدة المشيئة والهدف والمحبة، لا الذات. ١٢ - ومثل هذا الاستخدام للوحدة المجازية، وحدة الهدف والمشيئة ورد في القرآن من غير أن يفهم منه أحد من المسلمين الوحدة الحقيقية، وحدة الذات، وذلك في قوله تعالى، وهو يخاطب نبيه: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله) (الفتح: ١٠)، فلم يقل أحد من المسلمين أن الله ونبيه ذات واحدة كما صنع النصارى في قول المسيح: "أنا والآب واحد". ٢ - قول المسيح: "الذي رآني فقد رأى الآب " ومن أهم ما يستدل به النصارى على ألوهية المسيح ﵇ قوله: "الذي رآني فقد رأى الآب" (يوحنا ١٤/ ٩)، إذ فهموا منه أن الله الآب هو المسيح، وأن رؤية المسيح هي بالحقيقة رؤية لله . ولفهم النص الفهم الصحيح نعود إلى سياقه، فالسياق من أوله يخبر أن المسيح ﵇ قال لتلاميذه: "أنا أمضي لأعد لكم مكانا، وإن مضيت وأعددت لكم مكانا آتي أيضًا وآخذكم" وقصده بالمكان الملكوت. فلم يفهم عليه توما فقال: " يَا سَيِّدُ، لَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ تَذْهَبُ، فَكَيْفَ نَقْدِرُ أَنْ نَعْرِفَ الطَّرِيقَ؟ "، لقد فهم أنه يتحدث عن طريق حقيقي وعن رحلة حقيقية، فقال له المسيح مصححًا ومبينًا أن الرحلة معنوية وليست حقيقية مكانية: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ." (يوحنا ١٤/ ١ - ٦)، أي أن اتباع شرعه ودينه هو وحده الموصل إلى رضوان الله وجنته. ثم طلب منه فيلبس أن يريهم الله، فنهره المسيح وقال له: "أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟ الْكَلَامُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَال." (يوحنا ١٤/ ١٠) أي كيف تسأل ذلك يا فيلبس، وأنت يهودي تعلم أن الله لا يرى، فالذي رآني رأى الآب، حين رأى أعمال الله (المعجزات) التي أجراها على يد المسيح. ١ - يشبه هذا النص تمامًا ما جاء متى "ثُمَّ يَقُولُ المُلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا المُلَكُوتَ المُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالمِ. ٣٥ لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي.

стр. 508

عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونَي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. ٣٦ عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ ٣٧ فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَارَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ؟ ٣٨ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيبًا فَآوَيْنَاكَ، أَوْ عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاكَ؟ ٣٩ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟ ٤٠ فَيُجِيبُ المُلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلَاءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ." (متى ٢٥/ ٣٤ - ٤٠)، ومن المعلوم أن أحدا في الدنيا لا يقول بأن الجائع المطعم هو الملك رغم قوله: "فبي فعلتم"، إذ هذا على سبيل تقريب المعاني، لا الحلول والتماهي بين الذوات. ويشبهه ما جاء في إنجيل مرقس "فَأَخَذَ وَلَدًا وَأقامَهُ فِي وَسْطِهِمْ ثُمَّ احْتَضَنَهُ وَقَال لَهُمْ: ٣٧ "مَنْ قَبِلَ وَاحِدًا مِنْ أَوْلَادٍ مِثْلَ هذَا بِاسْمِي يَقْبَلُنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي فَلَيْسَ يَقْبَلُنِي أَنَا بَلِ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (مرقس ٩/ ٣٧: ٣٦)، فالنص لا يعني أن الطفل الذي رفعه المسيح هو ذات المسيح، ولا أن المسيح ﵇ هو ذات الله، ولكنه يخبر ﵊ أن الذي يصنع برا بحق هذا الطفل، فإنما يصنعه طاعة ومحبة للمسيح، لا بل طاعةً لله وامتثالًا لأمره. وكما أن من يرى المسيح فكأنه يرى الله، فإنه من قبل المسيح وتلاميذه فكأنما قبل الله ، ومن كفر بهم ورفض دعوتهم فإنما رفض في الحقيقة دعوة الله، لذا يقول المسيح: "الَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي، وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي، وَالَّذِي يُرْذِلُنِي يُرْذِلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (لوقا ١٠/ ١٦). ٢ - ويؤكده مرة أخرى فيقول: "مَنْ يَقْبَلُكُمْ يَقْبَلُنِي، وَمَنْ يَقْبَلُني يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي." (متى ١٠/ ٤٠)، وكذا من رأى المسيح فكأنه رأى الآب الذي أرسله، لأن "الْكَلَامُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَال (يوحنا ١٤/ ١٠). والرؤية في قوله: "الذي رآني فقد رأى الآب" معنوية مجازية، أي رؤية البصيرة، لا البصر، وهذه الرؤية متحققة لكل المؤمنين الذين هم من الله كما قال المسيح ﵇: "ليس أن أحدًا رأى الآب إلا الذي من الله، هذا قد رأى الآب" (يوحنا ٦/ ٤٦)، ومن العلوم أن كل

стр. 509

المؤمنين هم من الله "كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح، فقد ولد من الله" (يوحنا (١) ٥/ ١)، فكلهم رأى الله رؤية المعرفة والإيمان. ولا يفوتنا أن ننبه هنا إلا أن عيسى لم يدع قط أنه الآب، ولا يقول بمثل هذا من النصارى أحد سوى الأرثوذكس، الذين هم أيضًا لا يقولون بأن المسيح هو الآب، لكنهم يقولون: الآب هو الابن، فالمعنى الحقيقي القريب للرؤية مرفوض. ٣ - ومما يؤكد أن الرؤيا معنوية أنه قال بعد قليل: "بعد قليل لا يراني العالم أيضًا، أما أنتم فترونني" (يوحنا ١٤/ ١٩)، فهو لا يتحدث عن رؤية حقيقية، إذ يتحدث عن رفعه للسماء، فحينذاك لن يراه العالم ولا التلاميذ، لكنه يتحدث عن رؤية معرفية إيمانية يراها التلاميذ، وتعشى عنها وجوه العالم الكافر. ويشهد له ما جاء في متى: "وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلَّا الآبُ، وَلَا أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلَّا الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ." (متى ١١/ ٢٧)، فهو المقصود من الرؤية المذكورة في النصوص السابقة. ٤ - ونحوه قوله: "فَنَادَى يَسُوعُ وَقَال: "الَّذِي يُؤْمِنُ بِي، لَيْسَ يُؤْمِنُ بِي بَلْ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي. ٤٥ وَالَّذِي يَرَانِي يَرَى الَّذِي أَرْسَلَنِي. ٤٦ أَنَا قَدْ جِئْتُ نُورًا إِلَى الْعَالمِ، حَتَّى كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِي لَا يَمْكُثُ فِي الظُّلْمَةِ. ٤٧ وإِنْ سَمِعَ أَحَدٌ كَلَامِي وَلَمْ يُؤْمِنْ فَأَنَا لَا أَدِينُهُ، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالم. ٤٨ مَنْ رَذَلَنِي وَلَمْ يَقْبَلْ كَلَامِي فَلَهُ مَنْ يَدِينُهُ. الْكَلَامُ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ هُوَ يَدِينُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، ٤٩ لأَنِّي لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ أَعْطَانِي وَصِيَّةً: مَاذَا أَقُولُ وَبِمَاذَا أَتَكَلَّمُ. ٥٠ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ وَصِيَّتَهُ هِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ. فَمَا أَتَكَلَّمُ أَنَا بِهِ، فَكَمَا قَال لِي الآبُ هكَذَا أَتَكَلَّمُ" (يوحنا ١٢/ ٤٤ - ٥١)، فالمقصود بكل ذلك رؤية المعرفة. وقوله: " وَالَّذِي يَرَانِي يَرَى الَّذِي أَرْسَلَنِي." ولا يمكن أن يراد منه، أن الذي رأى الآب المرسل قد رأى الابن المرسل، إلا إذا كان المرسل هو المرسل، وهو محال للمغايرة التي بينهما كما قال المسيح: "أبي أعظم مني" (يوحنا ١٤/ ٢٨)، وقال: "أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل" (يوحنا ١٠/ ٢٩).

стр. 510

ومثل هذا السياق الوارد في يوحنا (١٤/ ٩) والذي يفيد الاشتراك في الحكم بين المسيح والله، والذي عبر عنه هنا بالرؤية، مثل هذا معهود في العهد القديم والجديد: ١ - ففي العهد القديم لما رفض بنو إسرائيل صموئيل "فَاجْتَمَعَ كُلُّ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ وَجَاءُوا إِلَى صَمُوئِيلَ إِلَى الرَّامَةِ ٥ وَقَالوا لَهُ: "هُوَذَا أَنْتَ قَدْ شِخْتَ، وَابْنَاكَ لَمْ يَسِيرَا فِي طَرِيقِكَ. فَالآنَ اجْعَلْ لَنَا مَلِكًا يَقْضِي لَنَا كَسَائِرِ الشُّعُوبِ". ٦ فَسَاءَ الأَمْرُ فِي عَيْنَيْ صَمُوئِيلَ إِذْ قَالوا: "أَعْطِنَا مَلِكًا يَقْضِي لَنَا". وَصَلَّى صَمُوئِيلُ إِلَى الرَّبِّ. ٧ فَقَال الرَّبُّ لِصَمُوئِيلَ: "اسْمَعْ لِصَوْتِ الشَّعْبِ فِي كُلِّ مَا يَقُولُونَ لَكَ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَرْفُضُوكَ أَنْتَ بَلْ إِيَّايَ رَفَضُوا حَتَّى لَا أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ." (صموئيل (١) ٨/ ٤ - ٧)، إذ رفضهم طاعة صموئيل هو عصيان لله في الحقيقة. ٢ - وكذا في العهد الجديد، فقد قال بطرس لحنانيا الكاهن مبكتا إياه على أكل ثمن الحقل: "أَليْسَ وَهُوَ بَاق كَانَ يَبْقَى لَكَ؟ وَلمَّا بِيعَ، أَلَمْ يَكُنْ فِي سُلْطَانِكَ؟ فَمَا بَالكَ وَضَعْتَ فِي قَلْبِكَ هذَا الأَمْرَ؟ أَنْتَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَى النَّاسِ بَلْ عَلَى الله"." (أعمال الرسل ٥/ ٤)، فالكذب على الناس هنا كذب على الله في الحقيقة، ولا يعني أن الناس والله ذات واحدة. ٣ - وقوله: "أنا هو الطريق والحق والحياة" يقصد فيه المسيح الالتزام بتعليمه ودينه الذي أنزله الله عليه، فذلك فقط يدخل الجنة دار الخلود، كما قال في موطن آخر: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّماوَاتِ." (متى ٧/ ٢١)، فالخلاص بالعمل الصالح والبر " فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ. "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لَا تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. ٢٢ وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلًا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَال لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الجْمَعِ، وَمَنْ قَال: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ." (متى ٥/ ٢٠ - ٢٢). ٤ - ويتأكد ضعف الاستدلال بهذا الدليل للنصارى "الذي رآني فقد رأى الآب" إذا آمنا أن رؤية الله ممتنعة في الدنيا، كما قال يوحنا: "الله لم يره أحد قط" (يوحنا ١/ ١٨)،

стр. 511

وكما قال بولس: "الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ، الَّذِي لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ الأَبَدِيَّةُ. آمِينَ." (تيموثاوس (١) ٦/ ١٦)، فيصير النص لزاما إلى رؤية المعرفة والبصيرة. ٣ - المسيح صورة الله: ومن أدلة النصارى على ألوهية المسيح ما قاله بولس عنه: "مجد المسيح الذي هو صورة الله" (كورنثوس ٤/ ٤). وفي فيلبي يقول: "الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صورَةِ الله، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا للهِ. ٧ لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ." (فيلبي ٢/ ٦ - ٧)، ويَقول عنه أيضًا: "الَّذِي هُوَ صورَةُ الله غَيْرِ المُنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ." (كولوسي ١/ ١٥). والجواب من وجوه: الأول: قبل تفنيد هذه الشبهة، يجدر بنا أن نذكر الفقرات التي جاء تعبير بولس هذا ضمنها. فالأول جاء في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس (٤/ ٣ - ٤) كما يلي: "فإذا كانت بشارتنا محجوبة، فهي محجوبة عن السائرين في طريق الهلاك. (محجوبة) عن غير المؤمنين، الذين أعمى أبصارهم إله هذه الدنيا لئلا يبصروا نور بشارة مجد المسيح وهو صورة الله". والموضع الثاني جاء في رسالته إلى أهل فيليبي (٢/ ٥ - ٨): "فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي المُسِيحِ يَسُوعَ أيضًا: ٦ الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صورَةِ الله، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا للهِ. ٧ لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. ٨ وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الموْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ"، ومثل ذلك جاء في رسالة بولس إلى أهل قولوسي (١/ ١٥)، حيث قال عن المسيح "هو صورة الله الذي لا يُرَى." والآن نقول: إن وصف بولس للمسيح بأنه "صورة الله"، ليس فيه أي تأليه للمسيح؛ لأن هذه الصفة تكررت بعينها مرات عديدة في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، ووصف بها الإنسان، بشكل عام والرجل بشكل عام أيضًا، ويفهم من تتبع موارد استعمالها في الكتاب المقدس أنها تعني نوع من التشابه العام أو العلاقة والترابط بين الإِنْسَانَ ككل والله. فقد جاء في سفر التكوين من التوراة الحالية: " وَقَال الله: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ،

стр. 512

وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ، فَخَلَقَ الله الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ الله خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى ... " (تكوين: ١/ ٢٦ - ٢٧). يقول مفسرو التوراة: إن المقصود بكون الإنسان خلق على صورة الله، هو ما يتميز به الإنسان عن الجمادات والنباتات والحيوانات بالعقل الكامل، والقدرة على النطق، والتعبير عما يريد، وبالإرادة والاختيار الحر وبالاستطاعة والقدرة، فضلا عن السمع والبصر والحياة والإدراك والعلم ... الخ، أي أن هناك تشابه عام بين صورة الله في صفاته والإنسان، لذا قال سبحانه: إنه خلق الإنسان على صورته، وبتعبير آخر إن الله شاء أن يخلق مخلوقا تنعكس وتتجلى فيه ومضة من صفاته تعالى، من العقل والإرادة والاختيار والحياة والعلم والمعرفة والكلام والقدرة والسمع والبصر ... الخ. ولما كانت صفات الكمال، من قوة وقدرة وعقل وحكمة، موجودة في الرجل أكثر من المرأة، لذا نجد بولس يعبر عن الرجل - كل رجل - بأنه "صورة الله" فيقول مثلًا في رسالته الأولى إلى أهل قورنتس (١١/ ٧): "وأما الرجل فما عليه أن يغطي رأسه لأنه صورة الله ومجده". أما قول بولس عن المسيح في الشاهد الثاني: "فمع أنه في صورة الله، لم يعد مساواته لله غنيمة، بل تجرد من ذاته متخذا صورة العبد وصار على مثال البشر وظهر في هيئة إنسان ... الخ"، فقد يظن البعض أن فيه تصريحًا بألوهيته؛ لأنه صرح بمساواته لله، وبأنه تجسّد وأخذ صورة العبد ولبس لباس البشر، فصرح بالتجسّد. فنقول: إن قوله "مساواته لله" ليست إلا تعبيرا آخر عن عبارته "أنه في صورة الله" والتي عرفنا أن المقصود منها: أنه لما كان الإنسان الكامل مجلى وصورة تنعكس فيها صفات الحق جلَّ وعلا، من عقل كامل وعلم وإرادة واختيار وقدرة وعدل وحكمة، وطهر وقداسة، وحب ورحمة ورأفة ..... الخ؛ لذا عبر عنه بأنه صورة الله، ومماثل لله، فيقول بولس: إن المسيح لم يستغل هذا التناظر والتساوي (الصفاتي الصوري) مع الله، لكي يفتخر ويتكبر ولا يخضع لله ويرى أنه صار على مستوى الله، كلا وحاشا، ولعله في هذا يلمِّح إلى آدم الذي -

стр. 513

حسبما تنقل التوراة التي تشكل خلفية فكر بولس باعتباره كان من أحبار اليهود - حاول أن يستغل قدرته وإرادته الحرة للأكل من الشجرة المحرمة، ليكون مساويًا لله في علمه وأبديته، حيث إن الشجرة - حسب نقل تلك التوراة - كانت شجرة معرفة الخير والشر وشجرة الخلد والملك الذي لا يبلى ولا يفنى، أما المسيح فعلى العكس اختار التواضع والطاعة لمشيئة أبيه ووضع نفس واستسلم للموت - على حد قول بولس -. وأما قوله عن المسيح: إنه صار على مثال البشر وظهر بهيئة إنسان، فيعود لفكرة بولس عن المسيح التي سبق وشرحناها، وهي أنه يرى في المسيح أولى (أو بتعبيره: بكر) خليقة الله، فكان كائنًا روحيًّا قبل خلق العالم وبه وفيه خلق الله سائر الأشياء، فليس في تجسده أي إشارة للألوهية أو دلالة عليها. ولا يختلف تجسده عن تجسد جبريل الأمين لما ظهر لمريم أو تجسد الملائكة الثلاثة الذين زاروا إبراهيم ﵇، إذ من البديهي أن التجسد بحد ذاته، لا يعني أكثر من ظهور كائن روحي بمظهر جسدي إنساني، أما أن هذا الكائن الروحي كان قبل تجسده إلهًاو غير إله، فهذا يحتاج لدليل آخر. الثاني: وإذا نظرنا إلى تتمة كلام بولس؛ ظهر لنا بكل وضوح انتفاء قصد إلهية المسيح واستحالة كون المسيح هو الله في نظر بولس، حيث قال: "فوضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب، لذلك رفعه الله إلى العلى ووهب له الاسم الذي يفوق جميع الأسماء ... " (فيليبي: ٢/ ٨ - ٩). فعبارات: أنه مات ثم رفعه الله إلى العلا ووهب له الاسم ... تصيح بأعلى صوتها أن المسيح ليس الله، بل عبد لله، محتاج له، وليس بإله؛ لأن الإله لا يموت ولا يحتاج لمن يرفعه للعلا، ولا لمن يهبه أي شيء! الثالث: أنه يظهر لنا من خلال ما سبق ما يلي: ١ - هذه الأقوال صدرت عن بولس، الذي لم يتشرف برؤية المسيح ﵇، ولا التلمذة على يديه، ولا نرى مثل هذه العبارات عند أحد من تلاميذ المسيح وحوارييه، وهذا كاف

стр. 514

لإضفاء ظلال الشك والارتياب عليها. ٢ - ثم إن الصورة تغاير الذات، وصورة الله هنا تعني "نائبه في إبلاغ شريعته". ٣ - كما قال بولس في موضع آخر عن الرجل: "فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ لِكَوْنِهِ صُورَةَ الله وَمَجْدَهُ. وَأَمَّا المْرأَةُ فَهِيَ مَجْدُ الرَّجُلِ." (كورنثوس ١١/ ٧)، ومعناه أن الله أناب الرجل في سلطانه على المرأة. ٤ - كما أن كون المسيح على صورة الله لا يمكن أن يستدل به على ألوهيته، فإن آدم - وفق الكتاب المقدس - يشارك الله في هذه الصورة، فقد جاء في سفر التكوين عن خلقه: "وَقَال الله: "نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، ... فَخَلَقَ الله الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ الله خَلَقَهُ." (التكوين ١/ ٢٦ - ٢٧). ٥ - فإن أصر النصارى على الجمع بين الصورة وألوهية المسيح؛ فإن في الأسفار ما يخطئهم، فقد جاء في إشعيا "اِجْتَمِعُوا يَا كُلَّ الأُمَمِ مَعًا ... لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا بِي ... قَبْلي لَمْ يُصَوَّرْ إِلهٌ وَبَعْدِي لَا يَكُونُ. أَنَا أَنَا الرَّبُّ، وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ." (إشعيا ٤٣/ ٩ - ١١). ٤ - السجود للمسيح: وتتحدث الأناجيل عن سجود بعض معاصري المسيح له، ويرون في سجودهم له دليل ألوهيته واستحقاقه للعبادة. فقد سجد له أب الفتاة النازفة "وَفِيمَا هُوَ يُكَلِّمُهُمْ بِهذَا، إِذَا رَئِيسٌ قَدْ جَاءَ فَسَجَدَ لَهُ" (متى ٩/ ١٨). كما سجد له الأبرص "إذا أبرص قد جاء وسجد له" (متى ٨/ ٢)، وسجد له المجوس في طفولته "فخروا وسجدوا له، ثم فتحوا كنوزهم" (متى ٢/ ١١). فيما رفض بطرس سجود كرنيليوس له، وقال له: "قم أنا أيضًا إنسان" (أعمال ١٠/ ٢٥)، فقد اعتبر السجود نوعًا من العبادة لا ينبغي إلا لله، وعليه يرى النصارى في رضا المسيح بالسجود له دليلًا على أنه كان إلهًا. ولا ريب أن السجود مظهر من مظاهر العبادة. والجواب من وجوه: ١ - أن السجود لا يعني بالضرورة: أن كل سجود عبادة، فمن السجود ما هو

стр. 515

للتبجيل والتعظيم فحسب، كما سجد إبراهيم إكراما لبني حث "فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ وَسَجَدَ لِشَعْبِ الأَرْضِ، لِبَنِي حِثَّ" (التكوين ٢٣/ ٧). ٢ - كما سجد يعقوب ﵇ وأزواجه وبنيه لعيسو بن إسحاق حين لقائه "وَأَمَّا هُوَ فَاجْتَازَ قُدَّامَهُمْ وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ حَتَّى اقْتَرَبَ إِلَى أَخِيهِ. ٤ فَرَكَضَ عِيسُو لِلِقَائِهِ وَعَانَقَهُ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ، وَبَكَيَا. ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ وَأَبْصَرَ النِّسَاءَ وَالأَوْلَادَ وَقَال: "مَا هؤُلَاءِ مِنْكَ؟ " فَقَال: "الأَوْلَادُ الَّذِينَ أنعَمَ الله بِهِمْ عَلَى عَبْدِكَ". ٦ فَاقْتَرَبَتِ الْجَارِيَتَانِ هُمَا وَأَوْلَادُهُمَا وَسَجَدَتَا. ٧ ثُمَّ اقْتَرَبَتْ لَيْئَةُ أيضًا وَأَوْلَادُهَا وَسَجَدُوا. وَبَعْدَ ذلِكَ اقْتَرَبَ يُوسُفُ وَرَاحِيلُ وَسَجَدَا." (التكوين ٣٣/ ٣ - ٧). ٣ - كما سجد موسى ﵇ لحماه حين جاء من مديان لزيارته "فخرج موسى لاستقبال حميه، وسجد، وقبله" (الخروج ١٨/ ٧). ٤ - وسجد إخوة يوسف ﵇ تبجيلًا، لا عبادة لأخيهم يوسف "أتى إخوة يوسف، وسجدوا له بوجوههم إلى الأرض" (التكوين ٤٢/ ٦)، واستمرت هذه العادة عند بني إسرائيل "وبعد موت يهويا داع جاء رؤساء يهوذا، وسجدوا للملك" (الأيام (٢) ٢٤/ ٧). وكل هذه الصور وغيرها كثير، لا تفيد أكثر من الاحترام، وعليه يحمل سجود من سجد للمسيح ﵇. وأما رفض بولس وبطرس لسجود الوثنيين لهما؛ فكان بسبب أن مثل هؤلاء، قد يكون سجودهم من باب العبادة، لا التعظيم، خاصة أنهم يرون معجزات التلاميذ، فقد يظنونهم آلهة لما يرونه من أعاجيبهم. رابعًا: نصوص نسبت صفات الله إلى المسيح . ١ - أزلية المسيح . ويتحدث النصارى عن المسيح الإله الذي كان موجودًا في الأزل قبل الخليقة، ويستدلون لذلك بأمور، منها ما أورده يوحنا على لسان المسيح أنه قال: " أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ". ٥٧ فَقَال لَهُ الْيَهُودُ: "لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ، أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟ " ٥٨ قَال لَهُمْ يَسُوعُ: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ"

стр. 516

(يوحنا ٨/ ٥٦ - ٥٨)، ففهموا منه -باطلًا- أن للمسيح ﵇ وجودا قبل إبراهيم، مما يعني -وفق فهمهم- أنه كائن أزلي. وأيدوا استشهادهم بما ذكره يوحنا عن المسيح: " هُوَذَا يَأْتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظرهُ كُلُّ عَيْنٍ، وَالَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَينُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ. نَعَمْ آمِينَ. ٨ "أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ." (الرؤيا ١/ ٧ - ٨) أي الأول والآخر. كما جاء في مقدمة يوحنا ما يفيد وجودًا أزليًّا للمسيح قبل خلق العالم "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ الله، وَكَانَ الْكَلِمَةُ الله. ٢ هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ الله." (يوحنا ١/ ١ - ٢). فهذه النصوص مصرحة -حسب رأي النصارى- بأزلية المسيح وأبديته، وعليه فهي دليل ألوهيته. ويخالف المحققون في النتيجة التي توصل إليها النصارى: ١ - إذ ليس المقصود من الوجود قبل إبراهيم الوجود الحقيقي للمسيح كشخص، بل المقصود الوجود القدري والاصطفائي، أي أن اختيار الله واصطفاءه له قديم، كما في قول بولس عنه -حسب الرهبانية اليسوعية-: " وكان قبل اصطفي قبل إنشاء العالم" (بطرس (١) ١/ ٢٠)، ومثله قال بولس عن نفسه وأتباعه: " كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ" (أفسس ١/ ٤) أي اختارنا بقدره القديم كما اختار المسيح واصطفاه، ولا يفيد أنهم وجدوا أو أنه وجد حينذاك. ٢ - وهذا الوجود القديم للمسيح ﵇ أي الاصطفاء الإلهي والمحبة الإلهية له هو المجد الذي منحه الله المسيح، كما في قوله: " وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالمجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالمِ." (يوحنا ١٧/ ٥). ٣ - وهو المجد الذي أعطاه لتلاميذه حين اصطفاهم واختارهم للتلمذة كما الله اختاره للرسالة "أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالمِ." (يوحنا ١٧/ ٢٤)، ومحبة الشيء لا تستلزم وجوده، فقد يحب المرء المعدوم أو المستحيل، الذي لم ولن يوجد. ٤ - ومعرفة إبراهيم للمسيح ﵉ قبل خلقه ووجوده الأرضي، ليست معرفة لشخصه طبعا، لأنه لم يره قطعا، لذا فقوله: "فقد رآني وابتهج بي"، هو رؤية

стр. 517

مجازية، وهي رؤية المعرفة، وإلا لزم النصارى أن يذكروا دليلا على رؤية إبراهيم للابن الذي هو الأقنوم الثاني، أو أن يثبتوا لجسد المسيح وجودا زمن إبراهيم ﵇، وقول المسيح: "من قبل أن يكون إبراهيم كنت أنا" (يوحنا ٨/ ٥٦ - ٥٨)، لا يدل على وجوده في الأزل، وغاية ما يفيده النص - إذا أخذ على ظاهره - أن للمسيح ﵇ وجودًا أرضيًا يعود إلى زمن إبراهيم، وزمن إبراهيم لا يعني الأزل. ٥ - ثم لو كان المسيح أقدم من إبراهيم وسائر المخلوقات، فإن له من يشاركه في هذه الأقدمية، وهو النبي إرمياء، والذي عرفه الله منذ القدم وقدسه قبل أن يخرج من رحم أمه، إذ يقول عن نفسه: " فَكَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ إِلَيَّ قَائِلًا: "قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ. جَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلشُّعُوبِ" (إرمياء ١/ ٤ - ٥)، وقال عنه ابن سيراخ في حكمته: "وهو الذي قدس في جوف أمه" (ابن سيراخ ٤٩/ ٧)، وهذه المعرفة الإلهية لإرمياء بلا ريب أشرف من معرفة إبراهيم للمسيح وأقدم، ولا تستلزم وجودًا حقيقيًّا له على الأرض. ٦ - وممن شارك المسيح في هذه الأزلية المدعاة، ملكي صادق كاهن ساليم في عهد إبراهيم، فإن بولس يزعم أن لا أب له ولا أم، ويزعم أن لا بداية له ولا نهاية، أي هو أزلي أبدي، يقول بولس: "لأَنَّ مَلْكِي صادَقَ هذَا، مَلِكَ سَالِيمَ، كَاهِنَ الله الْعَليِّ، الَّذِي اسْتَقْبَلَ إِبْرَاهِيمَ رَاجِعًا مِنْ كَسْرَةِ المُلُوكِ وَبَارَكَهُ، ٢ الَّذِي قَسَمَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ عُشْرًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. المُتَرْجَمَ أَوَّلًا "مَلِكَ الْبِرِّ" ثُمَّ أيضًا "مَلِكَ سَالِيمَ" أَيْ "مَلِكَ السَّلَامِ" بِلَا أَبٍ، بِلَا أُمٍّ، بِلَا نَسَبٍ. لَا بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلَا نِهَايَةَ حَيَاةٍ. بَلْ هُوَ مُشَبَّهٌ بِابْنِ الله. هذَا يَبْقَى كَاهِنًا إِلَى الأَبَدِ." (عبرانيين ٧/ ١ - ٣)، فلم لا يقول النصارى بألوهية ملكي صادق الذي يشبه بابن الله، لكثرة صور التشابه بينهما، بل هو متفوق على المسيح الذي يذكر النصارى أنه صلب ومات، وله أم بل وأب - حسب ما أورده متى ولوقا -، في حين أن ملكي صادق قد تنزه عن ذلك كله! ٧ - ومن هؤلاء الذين كانوا قبل إبراهيم ويستحقون الأزلية - لو فهمت النصوص

стр. 518

على ظاهرها - حكمة البشر أو النبي سليمان الحكيم حين قال عن نفسه وعن حكمة الله التي تجسدت فيه وفي غيره من البشر: "أنا الحكمة أسكن الذكاء، وأجد معرفة التدابير ... الرب قناني أول طريقه، من قبل أعماله منذ القديم، منذ الأزل مسحت، منذ البدء، منذ أوائل الأرض، إذ لم يكن ينابيع كثيرة المياه، ومن قبل أن تقرر الجبال أبدئت، قبل التلال أبدئت" (الأمثال ٨/ ١٢ - ٢٥)، فقد أضحى سليمان أو الحكمة البشرية - وفقا للفهم الظاهري الحرفي - مسيحًا للرب منذ الأزل، وقول بعض النصارى: إن سفر الأمثال كان يتحدث عن المسيح ﵇، لا دليل عليه، فسفر الأمثال قد كتبه سليمان كما في مقدمته "أمثال سليمان بن داود" (الأمثال ١/ ١)، وقد تكرر في مواضع متفرقة منه استمرار سليمان الحكيم في الحديث، وهو يقول: "يا ابني أصغ إلى حكمتي" (الأمثال ٥/ ١)، وانظر (الأمثال ١/ ٨، ٣/ ١، ٣/ ٢١، ٥/ ١، ٧/ ١ وغيرها)، فالتحدث في السفر هو سليمان ﵇ والحكمة المتجسدة فيه. وسليمان هو الموصوف بالحكمة في الكتاب المقدس، وأي حكمة؟ حكمة الله، فقد رأى معاصروه فيه حكمة الله "وَلمَّا سَمِعَ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ بِالْحُكْمِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ الملِكُ خَافُوا المُلِكَ، لأَنَّهُمْ رَأَوْا حِكْمَةَ الله فِيهِ لإِجْرَاءِ الْحُكْمِ" (الملوك (١) ٣/ ٢٨). ويمضي السفر ليبين لنا عظم حكمة الله، التي حلمت وتجسدت فيه، فيقول: " وأعطى الله سليمان حكمة وفهمًا كثيرًا جدًّا ... وفاقت حكمة سليمان حكمة جميع بني المشرق وكل حكمة مصر، وكان أحكم من جميع الناس ... وكان صيته في جميع الأمم حواليه ... وكانوا يأتون من جميع الشعوب؟ ليسمعوا حكمة سليمان، من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته" (الملوك (١) ٤/ ٢٩ - ٣٤). وفي سفر الأيام "مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي صَنَعَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، الَّذِي أَعْطَى دَاوُدَ المُلِكَ ابْنًا حَكِيمًا صَاحِبَ مَعْرِفَةٍ وَفَهْمٍ، الَّذِي يَبْنِي بَيْتًا لِلرَّبِّ وَبَيْتًا لمُلْكِهِ" (الأيام (٢) ٢/ ١٢)، فالحكيم هو سليمان الذي شرفه الله ببناء بيته. ٨ - وكلمة "منذ الأزل مسحت" لا تدل على المسيح عيسى ابن مريم؛ إذ "المسيح"

стр. 519

لقب أطلق على كثيرين غير المسيح عيسى، ممن مسحهم الله ببركته من الأنبياء كداود وإشعيا. (انظر المزمور ٤٥/ ٧، وإشعيا ٦١/ ١)، فلا وجه لتخصيص المسيح بالمسح دون غيره ممن الممسوحين. وأمام الحرج الذي يسببه نص سفر الأمثال؛ فإن البعض من النصارى يقولون: إن المتحدث في سفر الأمثال، هو حكمة الله، التي هي صفته الذاتية القائمة به في الأزل، وليس فعله الذي منحه لنبي الله سليمان، وهذا المعنى مرفوض بدلالة النص الذي يتحدث عن نبي ممسوح بزيت البركة "منذ الأزل مسحت"، وصفة الله القائمة به لا يمكن أن تمسح، ولماذا تمسح؟ كما أن النص يتحدث عن حكمة مخلوقة، وإن كانت قديمة، فقد قالت الحكمة: "الرب قناني أول طريقه .. ومن قبل أن تقرر الجبال أبدئت، قبل التلال أبدئت"، وفي الترجمة الإنجليزية المسماة (THE GOOD NEWS BIBLE): ، والصادرة عام ١٩٧٨ - ١٩٩٧، تستخدم كلمة (خلقني)، فتقول: the iord created me " بدلًا من قوله: (الرب قناني). وهو ذات الصنيع الذي صنعته نسخة الرهبانية اليسوعية، ففيها: "الرب خلقني أول طرقه، قبل أعماله"، وهكذا فهذه الحكمة مخلوقة قديما، وهي مبدأة من قبل الجبال والتلال. وفي حكمة ابن سيراخ "قبل كل شيء خلقت الحكمة" (ابن سيراخ ١/ ٤)، وتحديدًا "قبل الدهور، ومنذ البدء خلقني، وإلى الدهور لا أزول" (سيراخ ٢٤/ ٩)، فهي ليست حكمة الله الأزلية، بل حكمته التي أعطاها الحكماء فتجسدت فيهم، وفي مقدمتهم سليمان الحكيم، والذي "رأوا حكمة الله فيه" (الملوك (١) ٣/ ٣٨). والمتأمل بتجرد للنص، لن يجد صعوبة لفهم نوع الحكمة التي تتحدث في النص السالف، فهي ثمينة "لأَنَّ الْحِكْمَةَ خَيْرٌ مِنَ الَّلَالِئِ، وَكُلُّ الجْوَاهِرِ لَا تُسَاوِيهَا." (الأمثال ٨/ ١١)، وهي بشرية "فم الصديق ينبت الحكمة" (الأمثال ١٠/ ٣١)، وأول درجات هذه الحكمة البشرية مخافة الله "بدء الحكمة مخافة الله" (الأمثال ٩/ ١٠).

стр. 520

وأيضًا هذه الحكمة هبة الله للإنسان "الرب يعطي حكمة من فمه: المعرفة والفم" (الأمثال ٢/ ٦)، هي حكمة مقترنة بالفهم دائما، ويوصي كاتب السفر فيقول: "قل للحكمة أنت أختي، وادع الفهم ذا قرابة، لتحفظك من المرأة الأجنبية .. " (الأمثال ٧/ ٤ - ٥). وبهذه الحكمة ساد السادة من الملوك والقضاة والأغنياء على غيرهم "أنا الحكمة أسكن الذكاء .. لي المشورة والرأي، أنا الفهم لي القدرة، بي تملك الملوك، وتقضي العظماء عدلا، بي تترأس الرؤساء والشرفاء، كل قضاة الأرض، أنا أحب الذين يحبونني، والذين يبكرون إلي يجدونني، عندي الغنى والكرامة، قنية فاخرة فاخرة وحظ، ثمري خير من الذهب ومن الإبريز، وغلتي خير من الفضة المختارة، في طريق العدل أتمشى، في وسط سبل الحق، فأورث محبي رزقا، وأملأ خزائنهم، الرب قناني أول طريقه ... " (الأمثال ٨/ ٢٢ - ١٢). فالمتأمل لهذا وغيره - لا ريب - يجزم بأن هذه الحكمة، ليست صفة الله الأزلية القائمة به؛ إذ تلك لا تثمن بالجواهر واللآلئ، ولا تثمر الغنى والمال والملك والسلطان، كما لا تنبت من فم البشر، ولا تشمل بالطبع مخافة الله لأنها صفة الله. (١) ٢ - مقدمة إنجيل يوحنا: وأما الاستدلال على ألوهية المسيح بمقدمة يوحنا: " فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرهِ لَمْ يَكُنْ يشَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يوحنا ١/ ١ - ٣) فقد كان للمحققين معه وقفات عديدة ومهمة، منها: ١ - هذا النص ليس من كلام المسيح ﵇، ولا من كلام أي حواري أو تلميذ مباشر

стр. 521

من تلاميذه، بل كلام مسيحي تابعي - إن صح التعبير - وفيلسوف عاش في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني فلا يحمل في طياته أية حجة إلهية ملزمة. أما دعوى أنه كتب إنجيله بإلهام ووحي من الله فلا دليل علها إلا مجرد الظن. ٢ - ما هو اعتقاد يوحنا كانت هذا الإنجيل كما جاء في إنجيله ورسائله؟ هناك عبارات صريحة واضحة ليوحنا نفسه، تؤكد عبودية المسيح لله تعالى، وأن الله تعالى إله المسيح وخالقه: (١) أما نصه على أن الله تعالى إله المسيح وبالتالي فالمسيح عبد مربوب لله، فقد جاء في رؤيا يوحنا الكشفية (١/ ٦) حين قال: " ... ومن لدن يسوع المسيح الشاهد الأمين والبكر من بين الأموات وسيد ملوك الأرض، ذاك الذي أحبنا فحلنا من خطايانا بدمه، وجعل منا مملكة من الكهنة لإلهه وأبيه ... " (٢) وأما نصه على أن المسيح مخلوق لله ، فجاء واضحا في رسالته الأولى (٢/ ١) في قوله: " أكتب إليك ما يقول الأمين (المسيح)، الشاهد الأمين الصادق، بدء خليقة الله ... ". (٣) وأما أن المسيح يستمد من الله، وبالتالي لا يمكن أن يكون إلهًا لأن الله غني بذاته، فقد جاء ذلك مثلًا في رؤياه الكشفية أيضًا (١/ ١) حين يقول: "هذا ما كشفه يسوع المسيح بعطاء من الله". (٤) وأما عن الغيرية الكاملة والتمايز والاثنينية بين الله: الآب والمسيح ﵇، فالأمثلة عليه كثيرة من كلام يوحنا، نكتفي بهذا الشاهد من رسالته الأولى (٢/ ١): " وإن خطئ أحد فهناك شفيع لنا عند الآب وهو يسوع المسيح البار." (٥) ثم إن نفس النصوص الإنجيلية، التي سقناها قبل من إنجيل يوحنا، النافية لإلهية عيسى والمثبتة لعبوديته، تصلح كذلك للكشف عن عقيدة يوحنا مؤلف ذلك الإنجيل حول عدم إلهية المسيح؛ إذ من البديهي أن الرجل دوَّن في إنجيله ما يعتقده أو أنه كان يعتقد بما دونه، ونكتفي هنا بإشارة سريعة لثلاث نصوص قاطعة من إنجيل يوحنا:

стр. 522

١ - "قال لها يسوع: لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" (إنجيل يوحنا: ٢٠/ ١٧). ٢ - "تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال: أيها الآب، قد أتت الساعة ... وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته ... " (إنجيل يوحنا: ١٧/ ١ - ٣). ٣ - "فقال لهم يسوع: لو كنتم أبناء إبراهيم لعملتم أعمال إبراهيم، ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله" إنجيل (يوحنا: ٨/ ٤٠). ومن خلال هذه النصوص تبدو عقيدة يوحنا، وأنه لم يعلِّم التثليث، ولا أن الله هو المسيح، بل أفرد الله تعالى وحده بالإلهية، فينبغي أن يبقى هذا بالبال عند مناقشتنا التالية لما جاء في مقدمة الإنجيل التي استندوا إليها من كلام يوحنا؛ لأنه ما دام قد ثبت معنا بالدلائل السابقة أن يوحنا هذا يؤمن بأن الله الآب هو الإله الحقيقي وحده وإله المسيح وخالقه ومرسله؛ فلكي يكون كلام يوحنا منسجمًا مع بعضه، لا بد أن يُفهَم هذا النص أو يُفسر على نحو يتسق وينسجم مع عقيدته التوحيدية تلك، وهناك تفسيران محتملان لهذا النص: التفسير المعقول الأول: هذه الافتتاحية قرأها كثير من القدماء على نحو فيه اختلاف بسيط في اللفظ، لكن مهم جدا، وقد أورد الغزالي في كتابه" الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل" اللفظ القديم الذي يمثل الترجمة الحرفية للمتن اليوناني الأصلي على النحو التالي: " في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وإله الكلمة، كان هذا قديمًا عند الله، كلٌّ به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان". فالفرق بين الترجمتين هو في الجملة الثالثة، ففي حين تقول الترجمات الحديثة: " وكان الكلمةَ الله"، تقول الترجمة الحرفية القديمة: " وإلهٌ هو الكلمة" بتنكير إله. وتذكر الكتب التي تتحدث عن تاريخ العقيدة النصرانية، أن آريوس ومنكري ألوهية المسيح كانوا يؤكدون على أن الترجمة الحرفية الصحيحة للأصل اليوناني هي: " وإلهٌ هو الكلمة" والمسألة هي أن

стр. 523

كلمة "إله" في اصطلاح الإنجيل - واصطلاح الكتاب المقدس بشكل عام - لا تعني بالضرورة الله، بل تأتي أحيانا على معنى السيد والرئيس المطاع، مثل كلمة الرب، أو على معنى الملاك العظيم ونذكر مثالين على ما نقول: (١) جاء في سفر الخروج من التوراة قول الله تعالى لموسى ﵇: "قد جعلناك إلهًا لفرعون وأخاك هارون رسولك" (الخروج: ٧/ ١). (٢) وفي المزمور الثاني والثمانين من سفر المزامير قول الله تعالى لداود ﵇: "الله قائم في مجمع الله، في وسط الآلهة يقضي .. (إلى قوله): أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم لكن مثل الناس تموتون وكأحد الرؤساء تسقطون" (المزامير: ٨٢/ ١، ٦ - ٧). حيث يتفق مفسرو العهد القديم أن المقصود بالآلهة وببني العلي هنا: الرؤساء والقضاة والملائكة الذين هم أعضاء البلاط الإلهي - إذا صح التعبير-، وأن لقب آلهة وأبناء الله لهم ليس إلا لقبًا تشريفيًا لا أكثر، ولا يعني أبدًا أنهم شركاء الله تعالى في ذاته وإلهيته، كيف ومن تعاليم التوراة الأساسية وحدانية الله تعالى! وبناءً عليه، فعبارة "وإله هو الكلمة" معناها: وكائنٌ روحيٌ عظيم بل رئيسٌ للكائنات وعظيمٌ مقرب من الله هو الكلمة. هذا ومما يرجح هذه القراءة ويوجب المصير إلى هذا التفسير، أن الترجمات الحديثة التي تذكر "وكان الكلمة الله" تجعل افتتاحية يوحنا نصًّا مختل المبنى غير مستقيم المعنى، بل لا معنى له ولا يصح لأن معناها يصبح هكذا: "في البدء كان الله، وكان الله عند الله! وكان الله هو الله، الله كان في البدء عند الله! ". ومن البديهي أن الشيء لا يكون عند نفسه، فلا يصح أن نقول كان زيد عند زيد! ! أما على التفسير الذي ذكرناه، فإذا صار الإله المُنَكَّر بمعنى الكائن الروحي العظيم الذي هو غير الله، صح أن نعتبره كان عند الله. وقد نبه العلامة ديدات على هذا التلاعب في الترجمة الإنجليزية، وهي الأصل الذي عنه ترجم الكتاب المقدس إلى لغات العالم. فعاد بنا إلى الأصل اليوناني. فالنص في الترجمة اليونانية تعريبه هكذا "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله"، وهنا يستخدم النص اليوناني بدلا من كلمة (الله) كلمة هثيوس (hotheos)، وفي الترجمة الإنجليزية تترجم (God) للدلالة على أن الألوهية حقيقة. ثم

стр. 524

يمضي النص اليوناني، فيقول "وكان الكلمة (الله) " (وهنا يستخدم النص اليوناني كلمة تنتيوس بمعنى إله (tontheos)، وكان ينبغي أن يستخدم في الترجمة الإنجليزية كلمة (god) بحرف صغير للدلالة على أن الألوهية مجازية، كما وقع في نص سفر الخروج "جعلتك إلهًا لفرعون" (الخروج ٧/ ١)، ومثله في حديثه عن الشيطان، والذي أسماه بولس إله الدهر، الذي أعمى أذهان غير المؤمنين (انظر كورنثوس (٢) ٤/ ٤) فاستخدم النص اليوناني لرسالة بولس كلمة (tontheos)، وترجمت في النص الإنجليزي (god) مع وضع أداة التنكير (a). لكن الترجمة الإنجليزية حرفت النص اليوناني لمقدمة يوحنا، فاستخدمت لفظة (God) التي تفيد ألوهية حقيقة بدلا من (god) التي تفيد ألوهية معنوية أو مجازية، فوقع اللبس في النص، وهذا ولا ريب نوع من التحريف (١). وقد استدركت بعض الترجمات العربية والعالمية الخطأ، فغيرت النص، منها نسخة ترجمة العالم الجديد في ترجماتها العالمية المختلفة، وقد جاء في نسختها العربية: "وكان الكلمة إلهًا". (٢)

стр. 525

التفسير الممكن الثاني: يرى البعض أن الكلمة هي الأمر الإلهي "كن فيكون"، الذي به يخلق الله ما يشاء من الكائنات، كما جاء في سفر المزامير: "بكلمة الرب صنعت السماوات ... إنه قال فكان، وأمر فوجد" (المزمور: ٣٣/ ٦، ٩). وتصديق ذلك أننا نجد، في سفر التكوين من التوراة، أن الخلق تم بأوامر وكلمات إلهية: " وقال الله: ليكن نور، فكان نور ..... وقال الله: ليكن في وسط المياه .... فكان كذلك .... الخ" التكوين (١/ ٣، ٦). وقالوا: إن الترجمة القديمة الصحيحة لعبارة" والكلمة صار جسدًا" هي: "والكلمة صنع جسدًا" أي أنه بالأمر الإلهي تم خلق إنسان بشر. فالكلمة هي الله ولكن الإنسان الذي خلق بها ليس الكلمة، وبالتالي فالمسيح مخلوق بالكلمة، وليس الكلمة ذاتها. ومنهم من يرى أن هناك محذوف تقديره: "وأثر الكلمة صار جسدًا". وعلى كل حال، فهذه تفسيرات ممكنة ومعقولة لهذه الافتتاحية، ولا ندعي أنها صحيحة قطعا، لكن نرى أن المصير لفهم توحيدي للنص واجب، بعد أن عرفنا من عبارات يوحنا السابقة نفيه كون المسيح الله، وذلك عندما اعتبره مخلوقا خاضعا لله مستمدًا منه، وبين أن الله تعالى إلهُ المسيح، وأن الله هو الإله الحقيقي وحده. (١) يقول الدكتور منفذ السفار: وإذا غض المحققون طرفهم عن ذلك كله، فإن في النص أمورًا ملبسة تمنع استدلال النصارى به على ألوهية المسيح:

стр. 526

أولها: ما معنى كلمة "البدء"؟ وأي بدء تعني؟ ما حده الزمني؟ وإذا كان له حد زمني فهل يكون له متعلق بالله؟ وهل ذلك مما يليق بكمال الله الذي لا يحصره شيء .. زمانًا ... ومكانًا؟ فالله سبحانه أول بلا ابتداء ويجيب النصارى: أي الأزل. لكن ذلك لا يسلم لهم، فإن الكلمة وردت في الدلالة على معان منها: ١ - وقت بداية الخلق والتكوين كما جاء في "في البدء خلق الله السموات والأرض" (التكوين ١/ ١)، ومثله قول المسيح عن إبليس أنه كان منذ البدء: " أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الحُقَّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَق" (يوحنا ٨/ ٤٤). ٢ - ومثله قاله متى على لسان المسيح، وهو يحاجج اليهود" قَالوا لَهُ: "فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلَاق فَتُطَلَّقُ؟ " ٨ قَال لهُمْ: "إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا." (متى ٧/ ١٩ - ٨)، ومعناه أن ذلك لم يكن مأذونًا به عند بداية الخليقة، وبداية الخلق لحظة مخلوقة، وليست الأزل الذي يسبق كل زمان. ٣ - وترد كلمة البدء أيضًا، ويراد منها فترة معهودة من الزمن كما في قول لوقا: "كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء" (لوقا ١/ ٢)، أي في أول رسالة المسيح. ٤ - ومثله قول يوحنا: " أيُّهَا الإِخْوَةُ، لَسْتُ أَكَتُبُ إِلَيْكُمْ وَصِيَّةً جَدِيدَةً، بَلْ وَصِيَّةً قَدِيمَةً كَانَتْ عِنْدَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ. الْوَصِيَّةُ الْقَدِيمَةُ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتي سَمِعْتُمُوهَا مِنَ الْبَدْءِ." (يوحنا ١: ٢/ ٧). ٥ - ومثله أيضًا قول يوحنا: "وَلكِنْ مِنْكُمْ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ". لأَنَّ يَسُوعَ مِنَ الْبَدْءِ عَلِمَ مَنْ هُمُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يُسَلِّمُهُ." (يوحنا ٦/ ٦٤). ٦ - ومثله قوله في جواب اليهود لما سألوه: "فقالوا له: من أنت؟ فقال لهم يسوع: أنا من البدء ما أكلمكم أيضًا به" (يوحنا ٨/ ٢٥)، فكل هذه الاستعمالات لكلمة البدء لا

стр. 527

يراد منها الأزل، بل أوقات معينة حادثة. وعليه فلا يجوز قول النصارى، بأن المراد بالبدء هنا الأزل إلا بدليل مرجح. ويرجح الشيخ العلمي في كتابه الفريد "سلاسل المناظرات" بأن المعنى هنا هو بدء تنزل الوحي على الأنبياء، أي أنه كان بشارة صالحة عرفها الأنبياء كما في (إرميا ٣٣/ ١٤). (١) ثانيها: ما المقصود بالكلمة؟ هل هو المسيح علية السلام؟ أم أن اللفظ يحتمل أمورًا أخرى، وهو الصحيح. فلفظة "الكلمة" لها إطلاقات في الكتاب المقدس، منها: ١ - كتاب الله أو وحيه "وكانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا" (لوقا ٣/ ٢)، " أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها" (لوقا ٨/ ٢١) "لكن ليس هكذا حتى إن كلمة الله قد سقطت، لأن ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون" (رومية ٩/ ٦). ٢ - ومنها: الأمر الإلهي الذي به صنعت المخلوقات، كما جاء في المزامير "بكلمة الرب صنعت السموات، وبنسمة فيه كل جنودها .. لأنه قال فكان، هو أمر فصار" (المزمور ٣٣/ ٩ - ٦)، ولهذا المعنى سمي المسيح ﵇ كلمة، لأنه خلق بأمر الله، من غير سبب بشري قريب (أي من غير أب)، أو لأنه - حسب المعنى الأول - أظهر كلمة الله. ٣ - كما قد يسمى وعد الله كلمته؛ كما حكى النبي إرمياء استعجال بني إسرائيل ليوم البلاء والعذاب الذي أوعدهم الله إياه: "هَا هُمْ يَقُولُونَ لِي: "أَيْنَ هِيَ كلِمَةُ الرَّبِّ؟ لِتَأْتِ! " ١٦ أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَعْتَزِلْ عَنْ أَنْ أَكُونَ رَاعِيًا وَرَاءَكَ، وَلَا اشْتَهَيْتُ يَوْمَ الْبَلِيَّةِ." (إرمياء ١٧/ ١٥ - ١٦)، والمسيح وفق هذا المعنى كلمة الله؟ أي أنه الكلمة الموعودة المبشر بها على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وأما المعنى الذي يزعمه النصارى للكلمة (اللوغس)، وأنها الأقنوم الثاني للثالوث الأقدس، فلم يرد في كتب الأنبياء البتة. ثالثا: "وكان الكلمة الله" غاية ما يستدل بها أن المسيح ﵇ أطلق عليه: (الله)، كما أطلق على القضاة في التوراة "اللهُ قَائِمٌ فِي مَجْمَعِ اللهِ. فِي وَسْطِ الآلهِةِ يَقْضِي: ٢"حَتَّى مَتَى

стр. 528

تَقْضُونَ جَوْرًا وَتَرْفَعُونَ وُجُوهَ الأَشْرَارِ؟ " (المزمور ٨٢/ ١)، وكما سمي به أشراف اليهود في قول داود: "أحمدك من كل قلبي، قدام الآلهة أرنم لك" (المزمور ١٣٨/ ١)، وقد قال الله لموسى عن هارون: " وهو يكون لك فما، وأنت تكون له إلهًا" (الخروج ٤/ ١٦). وغيرهم كما سبق بيانه. رابعها: قوله: "والكلمة كان عند الله"، والعندية لا تعني المثلية، ولا المساواة. إنما تعني أن الكلمة خلقت من الله كما في قول حواء: "اقتنيت رجلًا من عند الرب" (التكوين ٤/ ١)، فقايين ليس مساويًا للرب، ولا مثله، وإن جاءها من عنده، وجاء في موضع آخر" وأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا من عند الرب" (التكوين ١٩/ ٢٤). (١) وما نبه عليه العلامة ديدات إلى أن هذا النص، قد انتحله كاتب الإنجيل من فيلون الإسكندراني (ت ٤٠ م)، وأنه بتركيباته الفلسفية غريب عن بيئة المسيح وبساطة أقواله وعامية تلاميذه، وخاصة يوحنا الذي يصفه سفر أعمال الرسل بأنه عامي عديم العلم، فيقول: "فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا، ووجدوا أنهما إنسانان عديمًا العلم وعاميان تعجبوا" (أعمال ٤/ ١٣). (٢) خامسًا: نصوص نسبت أفعال الله إلى المسيح: أ. إسناد الخالقية لله بالمسيح: كما أسندت بعض النصوص الخالقية لله بالمسيح، فتعلق النصارى بها، ورأوها دالة على ألوهيته ومنها قول بولس عن المسيح: "فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلَاطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ" (كولوسي ١/ ١٦ - ١٧)، وفي موضع آخر يقول: "الله خالق الجميع بيسوع المسيح" (أفسس ٣/ ٩)، ومثله ما جاء في مقدمة يوحنا "كان في العالم، وكون العالم به، ولم يعرفه العالم" (يوحنا ١/ ١٥)، ومثله في (عبرانيين ١/ ٢) وغيرها.

стр. 529

والجواب من وجوه: ١ - أننا نلحظ ابتداء أن الخلق في كافة النصوص الكتابية مسند لله تعالى فقط، فقد قال سفر التكوين "في البدء خلق الله السماوات والأرض" (التكوين ١/ ١)، ولم يذكر خالقا شارك الله بالخلق أو كان واسطة تم الخلق من خلاله، وفي سفر إشعياء "هكذا يقول الله الرب خالق السموات" (إشعيا ٤٢/ ٥)، كما وقد قال بولس وبرنابا لأهل مدينة لسترة: "نبشركم أن ترجعوا من هذه الأباطيل إلى الإله الحي الذي خلق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها" (أعمال ١٤/ ١٥)، فلم يذكر الكتاب خالقا سوى الله العظيم. وما بين أيدينا من أقوال بولس ويوحنا؛ فإنها إنما تتحدث عن الله الذي خلق بيسوع كما صنع المعجزات بيد يسوع (انظر أعمال ٢/ ٢٢)، ولا تذكر أنه هو الخالق أبدا، فغاية ما تحتمله هذه النصوص - لو سلم بصحتها - أن يقال بأن الله خلق بالمسيح ما خلق من الكائنات والمخلوقات. يقول القس جيمس أنس متحدثًا عن الأقانيم وأعمالها المختلفة: "ومن أمثلة التميز في الأعمال أن الآب خلق العالم بواسطة الابن" (١). وهذا المعنى جد غريب لم تنطق به أنبياء العهد القديم، ولا ذكره المسيح علية السلام، إنما ورد من كلام بولس ومقدمة يوحنا الفلسفية، المستمدة من الفكر الأفلوطيني والفلسفات الغنوصية؛ التي ترى أن الله أشرف من يخلق بنفسه، لذا ينيط هذا الفعل بالعقل الكلي أو الملائكة. ٢ - ولا يمكن أن يكون المسيح علية السلام خالقًا للسماوات والأرض وما بينهما؛ إذ هو ذاته مخلوق، وإن زعمت النصارى أنه أول المخلوقين، لكنه على كل حال مخلوق، والمخلوق غير الخالق" الذي هو صورة الله غير المنظور، بكر كل خليقة" (كولوسي ١/ ١٥). ٣ - ثم إن الذي عجز عن رد الحياة لنفسه عندما مات؛ لهو أعجز من أن يكون خالقًا للسماوات والأرض، أو أن تخلق به "فيسوع هذا أقامه الله" (أعمال ٢/ ٣٢)، ولو لم يقمه الله لما عاد من الموتى، وفي موضع آخر: "ورئيس الحياة قتلتموه الذي أقامه الله من الأموات"

стр. 530

(أعمال ٣/ ١٥)، ومثله قول بولس: "والله الآب الذي أقامه من الأموات" (غلاطية ١/ ١). ٤ - ويرى المحققون أن المقصود من هذه النصوص؛ أن المسيح خلقت به الخلائق خلقة الهداية والإرشاد، لا الإيجاد والتكوين، فتلك خلقة الله فحسب، والخلقة التي خلقها الله بالمسيح ﵇ هي الخلقة الجديدة، خلقة الهداية، التي تحدث عنها داود، وهو يدعو الله بقوله: "قلبًا نقيًّا اخلق في يا الله، وروحًا مستقيمًا جدد في داخلي" (المزمور ٥١/ ١٠). ومثله قال بولس عن المؤمنين بالمسيح: "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة" (كورنثوس (٢) ٥/ ١٧). وقال: "لَيْسَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلَا الْغُرْلَةُ، بَلِ الخلِيقَةُ الجدِيدَةُ." (غلاطية ٦/ ١٥). وفي موضع آخر يقول: "تلبسوا الإنسان المخلوق الجديد بحسب الله في البر" (أفسس ٤/ ٢٤). وعلى هذا الأساس؛ اعتبر يعقوب التلاميذ باكورة المخلوقات فقال: "شاء فولدنا بكلمة الحق، لكي نكون باكورة من خلائقه" (يعقوب ١/ ١٨) أي أوائل المهتدين الذين تلبسوا بالخليقة الجديدة. وعليه؛ فإن المقصود من خلق المسيح للبشر هو الخلق الروحي، إذ جعله الله محييا لموات القلوب وقاسيها. ٥ - لكن قائلًا قد يرد استدلالنا وتأولنا للنصوص بما يقرأه فيها من حديث عن خلق السماوات والأرض وما فيهما بالمسيح، فيرى أن النصوص التي يتعلق بها النصارى لا تتعلق بالبشر فقط؛ إذ فيها أن الله خلق به ما في السماوات والأرض، وهذا قد يراه البعض - ممن لم يعتد طريقة الأسفار في التعبير- مانعًا من صرف النص إلى الخليقة الجديدة. أما الذين اعتادوا على طريقة الأسفار في التعبير، فإنهم يرون في هذه النصوص مبالغة معهودة، حملتها مرارا الأسفار التوراتية والإنجيلية، ومن ذلك وصف العهد الجديد المسيح ﵇ والتلاميذ أنهم نور العالم، يقول يوحنا: "مَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا قَائِلًا: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلَا يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الحيَاةِ" (يوحنا ٨/ ١٢)، وقال لتلاميذه: "أنتم نور العالم" (يوحنا ٥/ ١٤). ومن المعلوم أنهم جميعًا كانوا نورًا استنار به المؤمنون، وأعرض عنه غيرهم، فأظلمت قلوبهم، ولا يمكن أن يدعى ظهور النور في الجماد والحيوان
следующие страницы →